هل الإنسان مولود للمشقة حقا

 


هل الإنسان مولود للمشقة حقا

بقلم القس عماد عبد المسيح


ولكن الإنسان مولود للمشقة كما أن الجوارح لارتفاع الجناح. ( أي 5 : 7 )


بالتأكيد لم يولد الإنسان للمشقة ، فقد ولد للحياة ، الله خلق الإنسان ليحيا في الجنة ولكن الإنسان اختار أن يعيش في العصيان فكانت النتيجة أنه طرد إلي أرض المشقة وسمع صوت الرب كالقاضي العادل ، فحكم علي ادم بالطرد من أرض الحياة إلي أرض الموت من أرض الراحة إلي أرض المشقة " وَقَالَ لآدَمَ: " لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ.  وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ.  بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُود " ( تك ٣ : ١٧ )


الإنسان لم يكن مولودا للمشقة ولكن الإنسان اختار المشقة بنفسه إلي هذا اليوم فالراحة موجودة وبالإمكان اختيار الراحة فهي في المسيح وفي الحياة الأبدية فمن يقبل إليه ينال الراحة الأبدية ولكن الإنسان دائما يختار المشقة ، إن الله يريدنا أن نكون في الراحة هنا في العالم وفي الآخرة أيضا .


عندما جلس موسي مع حميه قص عليه كيف كانت المشقة التي عاني منها شعب الله  وكيف أن الله خلصهم عندما صرخ شعب الله للرب " فَقَصَّ مُوسَى عَلَى حَمِيهِ كُلَّ مَا صَنَعَ الرَّبُّ بِفِرْعَوْنَ وَالْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَجْلِ إِسْرَائِيلَ، وَكُلَّ الْمَشَقَّةِ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَخَلَّصَهُمُ الرَّبُّ. " ( خر ١٨ : ٨  ) إن إلهنا يريدنا دائما في أكمل وجوه الراحة الزمنية والأبدية ، فمن يقول عكس هذا فهو مُضِل وبعيد عن الحق .


زمن المشقة :

زمن المشقة لا يصنعه الرب بل يصنعه الإنسان مشترك معه إبليس ، ويعمل الله جاهدا كي يرفع من كاهل المؤمنين كل تعب ومشقة ، ولكنه لا يفعل هذا إن لم يطلب الإنسان من الله التدخل ، فقد ظل شعب الله في العبودية  ٤٠٠ سنة ولم يتدخل الا عندما صرخ شعب الله وسمع الرب صوت صراخهم ، فتدخل الله وأنقذهم لذلك قال لهم أن يأكلوا فطير في ذكري خروجهم من مصر ارض العبودية والمشقة  "  لاَ تَأْكُلْ عَلَيْهِ خَمِيرًا. سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَأْكُلُ عَلَيْهِ فَطِيرًا، خُبْزَ الْمَشَقَّةِ، لأَنَّكَ بِعَجَلَةٍ خَرَجْتَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لِكَيْ تَذْكُرَ يَوْمَ خُرُوجِكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. " ( التثنية ١٦ : ٣ )


يقول صوفر النعماتي أن الله عظيم كبير جدا لدرجة أنه أكبر من البحر وأنه ينقذ من المشقة إن طلبناه " " إِنْ أَعْدَدْتَ أَنْتَ قَلْبَكَ، وَبَسَطْتَ إِلَيْهِ يَدَيْكَ. إِنْ أَبْعَدْتَ الإِثْمَ الَّذِي فِي يَدِكَ، وَلاَ يَسْكُنُ الظُّلْمُ فِي خَيْمَتِكَ، حِينَئِذٍ تَرْفَعُ وَجْهَكَ بِلاَ عَيْبٍ، وَتَكُونُ ثَابِتًا وَلاَ تَخَافُ. لأَنَّكَ تَنْسَى الْمَشَقَّةَ. كَمِيَاهٍ عَبَرَتْ تَذْكُرُهَا. وَفَوْقَ الظَّهِيرَةِ يَقُومُ حَظُّكَ. الظَّلاَمُ يَتَحَوَّلُ صَبَاحًا. " ( أي ١١ : ١٣ ) حقيقي كلمات رائعة ولكنها لا تنطبق علي أيوب ، لأن الله شهد عن أيوب بأنه " بار وكامل ومستقيم ويتقي الله ويحيد عن الشر " فعندما يقول صوفر النعماتي لأيوب ما قاله ، فهو يريد أن يشير إلي أن ما أصاب أيوب يرجع لسبب الأثم والخطية ، ولكن الحقيقة هي أن ما أصاب أيوب يرجع الي شكاية من إبليس لرفع الحماية ولتجربة أيوب.


إن طبقنا كلمات صوفر علي النفوس التي جربت بسبب خطاياهم نجدها مناسبة جدا ، لأن الرب لا يريد أولاده في ألام وأتعاب إنه لا يريدهم في المشقة فهو لم يخلقهم للمشقة كما قال اليفاز التيماني ، فالقول أن الإنسان مولود للمشقة قول به افتراء علي الله فهو أبر من هذا .


الأمان في طلب الرب :

يجب علينا قبل أن نأخذ كلمات اليفاز التيماني مأخذ الجد  ، علينا تحليل كل كلماته ولا نأخذها علي أنفسنا أولاً بل علينا مراعاة أنه يتكلم لأيوب الرجل المشهود عنه بأنه كامل ، وأن اليفار واصحابة يسيطر عليهم فكر أن المرض لسبب اثم وخطية لدي المريض أو لدي المجرب ، فعندما يتكلم عن أن الله عظيم وانه الخالق وفوق البحار وانه منزل المطر من السماء " ‏ لكن كنت أطلب إلى الله، وعلى الله أجعل أمري.‏ الفاعل عظائم لا تفحص وعجائب لا تعد. المنزل مطرا على وجه الأرض، والمرسل المياه على البراري. الجاعل المتواضعين في العلى، فيرتفع المحزونون إلى أمن " ( أي 5 : 8 ـ 11 ) فهو يتكلم عن حقيقة ثابتة ليجمل كلمات ليست بحسب المشيئة الإلهية ، فما قاله في هذه الأعداد حقيقة رائعة فالله هو " الفاعل عظائم لا تفحص وعجائب لا تعد. المنزل مطرا على وجه الأرض، والمرسل المياه على البراري. " فهي حقائق ثابتة يعرفها الجميع , هذا ليثبت كلماته السابقة التي قال فيها أن الإنسان مولود للمشقة كما أن الله أنزل المطر علي الأرض من السماء فهو فاعل عظائم وخلق الإنسان للمشقة ، فبكل تأكيد الأمر ليس هكذا .


إن أخذنا هذه الأبيات دون النظر لما سبقها وما سيلاحقها تكون الفكرة جيدة ، لأن الله يسمع لكل من يطلبه ، هذا ما حدث مع منسي " وَلَمَّا تَضَايَقَ طَلَبَ وَجْهَ الرَّبِّ إِلهِهِ، وَتَوَاضَعَ جِدًّا أَمَامَ إِلهِ آبَائِهِ، وَصَلَّى إِلَيْهِ فَاسْتَجَابَ لَهُ وَسَمِعَ تَضَرُّعَهُ، وَرَدَّهُ إِلَى أُورُشَلِيمَ إِلَى مَمْلَكَتِهِ. فَعَلِمَ مَنَسَّى أَنَّ الرَّبَّ هُوَ اللهُ." ( ٢أخ ٣٣ : ١٢ ) فالرب لن يترك كل من يلجأ إليه ، فإنه يسرع لنجدته " وَادْعُنِي فِي يَوْمِ الضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي».( مز ٥٠ : ١٥ ) هذا لأن الله لم يخلقنا للمشقة بل خلقنا لنعيش في مجده وسلامه ، فهو سريع الاستجابة لكل طالبيه ولكل متعلق به " لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. " ( مز ٩١ : ١٤ )  فهل تؤمن الآن أن الله يحبك ويريد أن يباركك ويضمن لك الأمن والأمان


في أوقاتٍ كثيرة يفقد الإنسان مستوي من التفكير الإيجابي ولا يفهم. ما يريده الله منه فيدخل في دائرة من المعاملات الإلهية لتعليمه ، ولكن الإنسان يشعر بأنه دخل في دائرة ضيق ، ولكنها فترة زمنية قصيرة للتعلم وللدخول في دائرة المسيرة الإلهية ، فهذا ليس ظلماً أو تجربة لأنها لا تخرج من دائرة العناية الإلهية ، هذا ما حدث مع يونان " فَصَلَّى يُونَانُ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِ مِنْ جَوْفِ الْحُوتِ، وَقَالَ: «دَعَوْتُ مِنْ ضِيقِي الرَّبَّ، فَاسْتَجَابَنِي. صَرَخْتُ مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ، فَسَمِعْتَ صَوْتِي.  لأَنَّكَ طَرَحْتَنِي فِي الْعُمْقِ فِي قَلْبِ الْبِحَارِ، فَأَحَاطَ بِي نَهْرٌ. جَازَتْ فَوْقِي جَمِيعُ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ.  فَقُلْتُ: قَدْ طُرِدْتُ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيْكَ. وَلكِنَّنِي أَعُودُ أَنْظُرُ إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ.  قَدِ اكْتَنَفَتْنِي مِيَاهٌ إِلَى النَّفْسِ. أَحَاطَ بِي غَمْرٌ. الْتَفَّ عُشْبُ الْبَحْرِ بِرَأْسِي.  نَزَلْتُ إِلَى أَسَافِلِ الْجِبَالِ. مَغَالِيقُ الأَرْضِ عَلَيَّ إِلَى الأَبَدِ. ثُمَّ أَصْعَدْتَ مِنَ الْوَهْدَةِ حَيَاتِي أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي.  حِينَ أَعْيَتْ فِيَّ نَفْسِي ذَكَرْتُ الرَّبَّ، فَجَاءَتْ إِلَيْكَ صَلاَتِي إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ. " ( يونان ٢ : ١ ) إن دخول يونان في ضيق ليس كون الله يريده فيها ، لكنه كان يريد أن يعلمه درساً وهي الطاعة التي تفتح أبواب الاستخدام .


يريدنا لله أن نعش في حياة التسليم الكامل له ، ليس عن عدم فهم ، بل بكل فهم وإدراك " سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ وَاتَّكِلْ عَلَيْهِ وَهُوَ يُجْرِي " ( مز ٣٧ : ٥ ) فحياة التسليم الكامل للرب لا تعني السلبيية بل تعني الثقة ، فهذا ما اختبره بولس الرسول " لِهذَا السَّبَبِ أَحْتَمِلُ هذِهِ الأُمُورَ أَيْضًا. لكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ، لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ. " ( ٢تي ١ : ١٢ )

مما سبق أحبائي نري أن الله لا يريدنا أن نكون خائفين من الغد ، بل دعونا نري الله القادر أن يرفعنا دائماً فوق كل مشاكل الحياة وآلامها " وَإِلهُ كُلِّ نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ. " ( ١بط ٥ : ١٠ )


الله المتحكم زمام الأمور

في الآيات التالية : " المبطل أفكار المحتالين، فلا تجري أيديهم قصدا.‏ الآخذ الحكماء بحيلتهم، فتتهور مشورة الماكرين.‏ في النهار يصدمون ظلاما، ويتلمسون في الظهيرة كما في الليل " ( أي 5 : 12 ـ 14 )  يريد إبليس من خلال اليفاز أن يضع داخل الأفكار الكتابية أفكار لا ترتبط  بالمشيئة الإلهية إطلاقاً ، فالله قادر علي إبطال أفكار المحتالين فلا يستطيعوا أن يصلوا إلي مقصدهم الشرير ويحتالون علي الصديقين وعلي المستقيمين ، فقد احتال إخوة يوسف علي يوسف وأخذوا القميص الملون ، والقوا بيوسف في البئر ، وباعوه عبداً ، لم يتدخل الله في البداية ولكنه حوَّل كل أفعالهم ضد يوسف لخيره ولخير إخوته فلم يهلكوا في المجاعة ، وهذا ما شهد به يوسف أمامهم " أنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا، لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ، لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا. " ( تك ٥٠ : ٢٠ ) . هذا ليس معناه أن الله يقف سلبي ، ولكنه يتحرك معنا بحسب الحكمة الإلهية ، فهو يعطي مساحة لكل إنسان ليتحرك بحرية لسبب قانون الحرية ، ثم يتحرك لتحويل الأفعال التي فعلها الآخرين لخير أبناءه المستقيمون ، فهو المتحكم في كل مجريات الأمور ولكنه لا يلغي كيان أي شخص ، فالمساحة التي يتركها الله للبشر ليفعل أفعاله سواء كانت خيراً أم شراً فهو سيحاسب كل واحد عن ما فعل .


مع أن كلمات اليفاز هنا تظهر بأنها كلمات إيجابية ولكنها في مجملها مع باقي الآيات التي قبلها وبعدها تعطي معني أن الله هو معطي المطر والمياه وهو خالق للجوارح أجنحة لترتفع فوق ولكن الإنسان جعله للمشقة وما عليه إلا أن يستسلم بهذا لأن الله إن أراد أن يبطل فكر الشرير لأبطله ، فالله قادر ولكنه لم يفعل هذا مع أيوب ، اليفاز يضع أفكارا سلبية وسط كلمات ايجابية عن الله ، كي لا يشعر المستمع أو القارئ بخطورة التعليم ، فقد استخدمه إبليس ليرسل من خلاله كلمات سلبية ليبقي أيوب علي حالة دون أن يفكر في التغيير .


لله مقاصد علي الأرض يجب أن تتم مهما كانت مقاومة المعاندين، فالرب يترك الإنسان لأفكاره وعندما تحيد عن المقاصد الإلهية يتدخل الله ليغير مجري الأمور لصالح المقاصد الإلهية " فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ أَفْكَارٌ كَثِيرَةٌ، لكِنْ مَشُورَةُ الرَّبِّ هِيَ تَثْبُتُ." ( أم 19 : ٢١ ) ولثبات المقاصد الإلهية يحتاج الله لنفوس لديها الرغبة الأكيدة للسير خلف السيد مهما كلفه الأمر ، كما كان موسي أمام فرعون وكما كان إبراهيم وسط جيل لا يعرف الرب ، جيل له مقاصد ضد المقاصد الإلهية ، فيتحرك الله ليغير مهما كانت قوة المعاندين " قَدْ حَلَفَ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلاً: "إِنَّهُ كَمَا قَصَدْتُ يَصِيرُ، وَكَمَا نَوَيْتُ يَثْبُت " (  اش ١٤ : ٢٤ ) وهذا ما يفعله معنا في العهد الجديد ، فهو يبحث عن نفوس لها الاتجاه المساير لاتجاه الله ليعلن لهم مشيئته " إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ،  " ( أف 1 : 9 ) لذلك تجده يحول كل الأشياء للخير لكل من يحب الرب " وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ. " (  رومية ٨ : ٢٨ ).


المقاصد الإلهية دائما تكون لصالح المؤمنين واختيارات الله دائماً لصالح مقاصده ، فخلاص الإنسان مقصد إلهي ، وفداء الإنسان مقصد إلهي ، لذلك تجده يختار مؤمنين ويضعهم في داخل القصد لتتميمه " الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ، " ( 2 تي ١ : ٩ ) وعندما يجد أباء مؤمنين ولهم غيره مقدسة يخرج من صلبهم نسل حسب القصد الإلهي ، كالرجل الذي من بيت لاوي الذي أخذ امرأة من بيت لاوي وأنجبا موسي  " وَذَهَبَ رَجُلٌ مِنْ بَيْتِ لاَوِي وَأَخَذَ بِنْتَ لاَوِي، " ( خر 2 : 1 ) وكإبراهيم وابنه إسحق واسحق وابنه يعقوب ويعقوب أبو الأسباط وغيرهم الكثير ، فيتم التعيين المسبق الذي يكون بحسب القصد الإلهي " الَّذِي فِيهِ أَيْضًا نِلْنَا نَصِيبًا، مُعَيَّنِينَ سَابِقًا حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ، " ( أف 1 : 11 ) .


هل الله يجرح ويسحق يعصب ويداه تشفيان:

الْمُنَجِّيَ الْبَائِسَ مِنَ السَّيْفِ، مِنْ فَمِهِمْ وَمِنْ يَدِ الْقَوِيِّ. فَيَكُونُ لِلذَّلِيلِ رَجَاءٌ وَتَسُدُّ الْخَطِيَّةُ فَاهَا. « هُوَذَا طُوبَى لِرَجُل يُؤَدِّبُهُ اللهُ. فَلاَ تَرْفُضْ تَأْدِيبَ الْقَدِيرِ. لأَنَّهُ هُوَ يَجْرَحُ وَيَعْصِبُ. يَسْحَقُ وَيَدَاهُ تَشْفِيَانِ." ( أي 5 : 15 ـ 18 

كما نوهنا من قبل أن إبليس يستخدم اليفاز ليبث أفكاراً وسموم داخل كيان أيوب ليرتضي بحاله ويسلَّم علي أن الله هو الذي جرحه وقتل أولاده وسلب منه مقتنياته ليخرج منه بنتيجه واحدة أن الله ظالم ويستخدم الإنسان لتحقيق أهدافه الشخصية .


بكل تأكيد لم يفعل الله بأيوب هذا الأمر ، لأن الله " قَدْ رَأَيْتَ. لأَنَّكَ تُبْصِرُ الْمَشَقَّةَ وَالْغَمَّ لِتُجَازِيَ بِيَدِكَ. إِلَيْكَ يُسَلِّمُ الْمِسْكِينُ أَمْرَهُ. أَنْتَ صِرْتَ مُعِينَ الْيَتِيمِ. تَأَوُّهَ الْوُدَعَاءِ قَدْ سَمِعْتَ يَا رَبُّ. تُثَبِّتُ قُلُوبَهُمْ. تُمِيلُ أُذُنَكَ  " ( مز 10 : 14 ، 17 ) هذا هو الله " يبصر المشقة " لأنه لم يخلق الإنسان للمشقة  فالمشقة دخيلة لكيان الإنسان ، لذلك يبصرها الله ويرفعها فتغني العظام وتقول " جَمِيعُ عِظَامِي تَقُولُ: «يَا رَبُّ، مَنْ مِثْلُكَ الْمُنْقِذُ الْمِسْكِينَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَالْفَقِيرَ وَالْبَائِسَ مِنْ سَالِبِهِ  " ( مز 35 : 10 ) فمن يقول أن الله يجرح فهو يريد أن يُضِل من يوجه لهم الرسالة أو الفكرة فهو " يُقِيمُ الْمِسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ. يَرْفَعُ الْفَقِيرَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ لِلْجُلُوسِ مَعَ الشُّرَفَاءِ وَيُمَلِّكُهُمْ كُرْسِيَّ الْمَجْدِ. لأَنَّ لِلرَّبِّ أَعْمِدَةَ الأَرْضِ، وَقَدْ وَضَعَ عَلَيْهَا الْمَسْكُونَةَ. أَرْجُلَ أَتْقِيَائِهِ يَحْرُسُ، وَالأَشْرَارُ فِي الظَّلاَمِ يَصْمُتُونَ. لأَنَّهُ لَيْسَ بِالْقُوَّةِ يَغْلِبُ إِنْسَانٌ.  " ( 1صم 2 : 8 ، 9 )


يوجد فرق بين الجرح والتأديب ، فالجروح ليست من مبادئ الله ، أما التأديب فيحمل في داخله التعليم والتقويم وممتلئ حب ورحمة " طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي تُؤَدِّبُهُ يَا رَبُّ، وَتُعَلِّمُهُ مِنْ شَرِيعَتِكَ  " ( مز 94 : 12 ) فمن يقول أن الله يجرح ويعصب فهو يقدم إهانة لله سواء كان بعلم أو بجهل ، فالله لا يتحرك للإنسان لتأديبه إن لم يكن ابن حقيقي له " يَا ابْنِي، لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ وَلاَ تَكْرَهْ تَوْبِيخَهُ، لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَكَأَبٍ بِابْنٍ يُسَرُّ بِهِ.  " ( أم 3 : 11 ، 12 ) الجروح ممتلئة مرارة وألم . أما التأديب ممتلئ حب وتعليم حتى وإن وجدت المرارة فلن تصل بالإنسان لدرجة الجرح ، فقد أدب الرب إفرايم فقال " سَمْعًا سَمِعْتُ أَفْرَايِمَ يَنْتَحِبُ: أَدَّبْتَنِي فَتَأَدَّبْتُ كَعِجْل غَيْرِ مَرُوضٍ. تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ، لأَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ إِلهِي.  لأَنِّي بَعْدَ رُجُوعِي نَدِمْتُ، وَبَعْدَ تَعَلُّمِي صَفَقْتُ عَلَى فَخْذِي. خَزِيتُ وَخَجِلْتُ لأَنِّي قَدْ حَمَلْتُ عَارَ صِبَايَ. هَلْ أَفْرَايِمُ ابْنٌ عَزِيزٌ لَدَيَّ، أَوْ وَلَدٌ مُسِرٌّ؟ لأَنِّي كُلَّمَا تَكَلَّمْتُ بِهِ أَذْكُرُهُ بَعْدُ ذِكْرًا. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ حَنَّتْ أَحْشَائِي إِلَيْهِ. رَحْمَةً أَرْحَمُهُ، يَقُولُ الرَّبُّ." ( إر 31 : 18 ـ 20 ) فعندما شرع الله في تأديب إفرايم وضع أمامه أن يصل بإفرايم الي التوبة فمنح له وسط التأديب التعليم والشعور بأنه ‘بن عزيز ومسر والرحمة تحيط به ، هذا هو طريق الله في التأديب ( رحمة ومشاعر طيبة وتعليم وتوبة ) فأين مكان الجروح ؟ بكل تأكيد لا يوجد .


كاتب رسالة العبرانيين يتكلم في موضوع التأديب واصفاً مستوي الأبوة الإلهية التي لله تجاه أبناءه ، لأن الأب هو المؤدب أما الغريب فدائماً يجرح ، ففي وقت التأديب يري الإنسان الحزن ولكن في نهايته ثمر بر وسلام ، فيقول : " وَقَدْ نَسِيتُمُ الْوَعْظَ الَّذِي يُخَاطِبُكُمْ كَبَنِينَ:«يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ، وَلاَ تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ.  لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ». إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ التَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ اللهُ كَالْبَنِينَ. فَأَيُّ ابْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟  وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلاَ تَأْدِيبٍ، قَدْ صَارَ الْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لاَ بَنُونَ.  ثُمَّ قَدْ كَانَ لَنَا آبَاءُ أَجْسَادِنَا مُؤَدِّبِينَ، وَكُنَّا نَهَابُهُمْ. أَفَلاَ نَخْضَعُ بِالأَوْلَى جِدًّا لأَبِي الأَرْوَاحِ، فَنَحْيَا؟ لأَنَّ أُولئِكَ أَدَّبُونَا أَيَّامًا قَلِيلَةً حَسَبَ اسْتِحْسَانِهِمْ، وَأَمَّا هذَا فَلأَجْلِ الْمَنْفَعَةِ، لِكَيْ نَشْتَرِكَ فِي قَدَاسَتِهِ.  وَلكِنَّ كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي الْحَاضِرِ لاَ يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ. وَأَمَّا أَخِيرًا فَيُعْطِي الَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرّ لِلسَّلاَمِ.  " ( عب 12 : 5 ـ 11 )


التأديب ليس تجربة ، فالله يوأدب ولا يُجرب ، ففي وقت التأديب تجد يد الله الحنونة ، وفي وقت التجربة التي قد يكون مصدرها إبليس أو الإنسان تجد يد الله المعوضة المانحة والمكافئة " طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ «إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» الَّذِي وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ.  ....... هَا نَحْنُ نُطَوِّبُ الصَّابِرِينَ. قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ. لأَنَّ الرَّبَّ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَرَؤُوفٌ. " ( يع 1 : 12 و 5 : 11 ) فالرب في سفر الرؤيا لا يقول من أحبه أجربه ولكنه يقول : " إِنِّي كُلُّ مَنْ أُحِبُّهُ أُوَبِّخُهُ وَأُؤَدِّبُهُ. فَكُنْ غَيُورًا وَتُبْ.  " ( رؤ 3 : 19 )


في سفر التثنية 32 : 39 يقول " اُنْظُرُوا الآنَ! أَنَا أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلهٌ مَعِي. أَنَا أُمِيتُ وَأُحْيِي. سَحَقْتُ، وَإِنِّي أَشْفِي، وَلَيْسَ مِنْ يَدِي مُخَلِّصٌ.  " وهذا من فم الرب نفسه فهو يسحق ويشفي ، وهنا السؤال متى يفعل ذلك ؟  وللرد نقول : الله وقت القضاء يسحق ولكنه قادر أيضا علي الشفاء وهذا ما أكده الرب عندما نكمل باقي الآيات إذ قال : "  اُنْظُرُوا الآنَ! أَنَا أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلهٌ مَعِي. أَنَا أُمِيتُ وَأُحْيِي. سَحَقْتُ، وَإِنِّي أَشْفِي، وَلَيْسَ مِنْ يَدِي مُخَلِّصٌ . ..... إِذَا سَنَنْتُ سَيْفِي الْبَارِقَ، وَأَمْسَكَتْ بِالْقَضَاءِ يَدِي، أَرُدُّ نَقْمَةً عَلَى أَضْدَادِي، وَأُجَازِي مُبْغِضِيَّ." فالله فقط وقت القضاء يسحق ويشفي ، فالقضاء ليس تجربة ولا تأديب بل دينونة ولا يفعل هذا مع أولاده بل مع مبغضيه ، لذلك يجب علينا أن لا نخلط الأوراق ، فالتجربة من إبليس أو من الإنسان ، والتأديب يفعله الله مع الأبناء ، والقضاء يفعله الله مع الأشرار المضادين لله " لِذلِكَ يَقُولُ السَّيِّدُ رَبُّ الْجُنُودِ عَزِيزُ إِسْرَائِيلَ: «آهِ! إِنِّي أَسْتَرِيحُ مِنْ خُصَمَائِي وَأَنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِي،  " ( أش 1 : 24 ) والإنتقام أو القضاء يأتي بسبب الأفعال " حَسَبَ الأَعْمَالِ هكَذَا يُجَازِي مُبْغِضِيهِ سَخَطًا، وَأَعْدَاءَهُ عِقَابًا. جَزَاءً يُجَازِي الْجَزَائِرَ.  " ( أش 59 : 18 ) فشكرا لله لآنه اله رحيم ومحب ولم يخلق الإنسان للمشقة .


رعاية الله الدائمة :

يختم اليفاز كلماته بأقوال في غاية الروعة مع أن ما مضي منها ليس في مستوي المشيئة الإلهية ، فيتكلم بأحجية : " فِي سِتِّ شَدَائِدَ يُنَجِّيكَ، وَفِي سَبْعٍ لاَ يَمَسُّكَ سُوءٌ. فِي الْجُوعِ يَفْدِيكَ مِنَ الْمَوْتِ، وَفِي الْحَرْبِ مِنْ حَدِّ السَّيْفِ. مِنْ سَوْطِ اللِّسَانِ تُخْتَبَأُ، فَلاَ تَخَافُ مِنَ الْخَرَابِ إِذَا جَاءَ. تَضْحَكُ عَلَى الْخَرَابِ وَالْمَحْلِ، وَلاَ تَخْشَى وُحُوشَ الأَرْضِ. لأَنَّهُ مَعَ حِجَارَةِ الْحَقْلِ عَهْدُكَ، وَوُحُوشُ الْبَرِّيَّةِ تُسَالِمُكَ. فَتَعْلَمُ أَنَّ خَيْمَتَكَ آمِنَةٌ، وَتَتَعَهَّدُ مَرْبِضَكَ وَلاَ تَفْقِدُ شَيْئًا. وَتَعْلَمُ أَنَّ زَرْعَكَ كَثِيرٌ وَذُرِّيَّتَكَ كَعُشْبِ الأَرْضِ. تَدْخُلُ الْمَدْفَنَ فِي شَيْخُوخَةٍ، كَرَفْعِ الْكُدْسِ فِي أَوَانِهِ. هَا إِنَّ ذَا قَدْ بَحَثْنَا عَنْهُ. كَذَا هُوَ. فَاسْمَعْهُ وَاعْلَمْ أَنْتَ لِنَفْسِكَ». ( أي 5 : 19 ـ 27 )

" فِي سِتِّ شَدَائِدَ يُنَجِّيكَ، وَفِي سَبْعٍ لاَ يَمَسُّكَ سُوءٌ " الست شدائد ينجي الرب منها هما كما يلي :

1 ـ " فِي الْجُوعِ يَفْدِيكَ مِنَ الْمَوْتِ "

الشدة هنا " الجوع  ـ الموت " والنجاة هنا " بالفداء من الموت "

2 ـ " وَفِي الْحَرْبِ مِنْ حَدِّ السَّيْفِ "

الشدة هي " الحرب ـ السيف "

3 ـ " مِنْ سَوْطِ اللِّسَانِ تُخْتَبَأُ، فَلاَ تَخَافُ مِنَ الْخَرَابِ إِذَا جَاءَ "

الشدة هنا " الخراب " والنجاة في " الإختباء "

4 ـ " تَضْحَكُ عَلَى الْخَرَابِ وَالْمَحْلِ، وَلاَ تَخْشَى وُحُوشَ الأَرْضِ. "

الشدة هنا " المحل " والنجاة من " وحوش الأرض "

5 ـ " لأَنَّهُ مَعَ حِجَارَةِ الْحَقْلِ عَهْدُكَ، وَوُحُوشُ الْبَرِّيَّةِ تُسَالِمُكَ. "

النجاة في " العهد ـ والسلام "

6 ـ " فَتَعْلَمُ أَنَّ خَيْمَتَكَ آمِنَةٌ، وَتَتَعَهَّدُ مَرْبِضَكَ وَلاَ تَفْقِدُ شَيْئًا. "

النجاة في " الأمان ـ والأمن "

باختصار الشدائد الستة: الجوع ـ الموت ـ الحرب ـ السيف ـ الخراب ـ المحل

اختصار النجاة السبعة: الفداء ـ الاختباء ـ لا نخش الوحوش ـ العهد ـ السلام ـ الأمان ـ والأمن


كلمات مشجعة تصدر من شخص أكثر كلماته سلبية فالشدائد الستة يهرب منها كل البشرية وكل المجتمعات والدول، الله يستطيع أن ينجي الصديق مهما كانت البلايا " كَثِيرَةٌ هِيَ بَلاَيَا الصِّدِّيقِ، وَمِنْ جَمِيعِهَا يُنَجِّيهِ الرَّبُّ. " ( مز 34 : 19 ) فالبلايا ليست فقط علي المؤمنين ، فهي طبيعة العالم الموضوع في الشرير ، ولكن بصفة خاصة للصديق نجاة لأنه داخل المشيئة الإلهية " لأَنَّهُ يُنَجِّيكَ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِ وَمِنَ الْوَبَإِ الْخَطِرِ.  بِخَوَافِيهِ يُظَلِّلُكَ، وَتَحْتَ أَجْنِحَتِهِ تَحْتَمِي. تُرْسٌ وَمِجَنٌّ حَقُّهُ. لاَ تَخْشَى مِنْ خَوْفِ اللَّيْلِ، وَلاَ مِنْ سَهْمٍ يَطِيرُ فِي النَّهَارِ، وَلاَ مِنْ وَبَإٍ يَسْلُكُ فِي الدُّجَى، وَلاَ مِنْ هَلاَكٍ يُفْسِدُ فِي الظَّهِيرَةِ.  يَسْقُطُ عَنْ جَانِبِكَ أَلْفٌ، وَرِبْوَاتٌ عَنْ يَمِينِكَ. إِلَيْكَ لاَ يَقْرُبُ. " ( مز 19 : 3 ـ 7 ) هذا يرجع لأن الصديق له مبادئ الله داخل قلبه ولا يريد أن يستمر في السقوط وليس في داخله رضي بالضعف " لأَنَّ الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ، أَمَّا الأَشْرَارُ فَيَعْثُرُونَ بِالشَّرِّ. " ( أم 24 : 16 ) فالإنقاذ من التجربة والشدائد هي مسئولية الرب تجاه المؤمنين " يَعْلَمُ الرَّبُّ أَنْ يُنْقِذَ الأَتْقِيَاءَ مِنَ التَّجْرِبَةِ، وَيَحْفَظَ الآثمة إِلَى يَوْمِ الدِّينِ مُعَاقَبِينَ، " ( 2بط 2 : 9 ) فقد أتت شدائد علي يوسف عندما استخدم الشيطان إخوته ولكن الرب علم كيف ينقذ يوسف " فَقَدْ أَرْسَلَنِي اللهُ قُدَّامَكُمْ لِيَجْعَلَ لَكُمْ بَقِيَّةً فِي الأَرْضِ وَلِيَسْتَبْقِيَ لَكُمْ نَجَاةً عَظِيمَةً. " ( تك 45 : 7 ) وفي وقت المجاعة استطاع الله أن يجعل الغربان تعول ايليا " وَكَانَتِ الْغِرْبَانُ تَأْتِي إِلَيْهِ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ صَبَاحًا، وَبِخُبْزٍ وَلَحْمٍ مَسَاءً، وَكَانَ يَشْرَبُ مِنَ النَّهْرِ. " ( 1مل 17 : 6 ) ويستطيع المؤمن أن يقول مع حبقوق : " فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ، وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ، وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِدِ، " ( حب 3 : 17 ) مع كل هذا اليقين الممنوح للمؤمن يستطيع " فَتَعْلَمُ أَنَّ خَيْمَتَكَ آمِنَةٌ، وَتَتَعَهَّدُ مَرْبِضَكَ وَلاَ تَفْقِدُ شَيْئًا " ( أي 5 : 24 ) وتغني مع داود " إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لاَ يَخَافُ قَلْبِي. إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ. " ( مز 27 : 3 )


اللسان وقوة تأثيره :

كان يؤمن اليفاز بالحسد وأن اللسان يستطيع أن يأتي بالخراب " مِنْ سَوْطِ اللِّسَانِ تُخْتَبَأُ، فَلاَ تَخَافُ مِنَ الْخَرَابِ إِذَا جَاءَ. " ( أي 5 : 21 ) فالحسد بكلمات اللسان خط واضح في كلمة الله فالمؤمن المتكل علي الرب لا يخاف من سوط اللسان لأن الرب يسترهم بستر وجهه  " تَسْتُرُهُمْ بِسِتْرِ وَجْهِكَ مِنْ مَكَايِدِ النَّاسِ. تُخْفِيهِمْ فِي مَظَلَّةٍ مِنْ مُخَاصَمَةِ الأَلْسُنِ.  " ( مز 31 : 20 ) فالأشرار لسانهم مثل السيف له فاعلية " .......... أَسْنَانُهُمْ أَسِنَّةٌ وَسِهَامٌ، وَلِسَانُهُمْ سَيْفٌ مَاضٍ.  " ( مز 57 : 4 ) فاللسان يستخدمه إبليس كأوامر يتبناها لتنفيذ كل ما هو سلبي فالأشرار يضربون الأبرار بألسنتهم " فَقَالُوا: «هَلُمَّ فَنُفَكِّرُ عَلَى ارميا أَفْكَارًا، لأَنَّ الشَّرِيعَةَ لاَ تَبِيدُ عَنِ الْكَاهِنِ، وَلاَ الْمَشُورَةَ عَنِ الْحَكِيمِ، وَلاَ الْكَلِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ. هَلُمَّ فَنَضْرِبُهُ بِاللِّسَانِ وَلِكُلِّ كَلاَمِهِ لاَ نُصْغِي».  "  ( ار 18 : 18 ) فكثيرين من النفوس تتكلم بكلمات سلبية تجاه بعضهم البعض ولا يدرون أن كلماتهم ما هي إلا سياط في يد إبليس يضرب به كل من توجه إليه كلمات سلبية ، لذلك ما علينا إلا أن نختبئ تحت مظلة القدير للحماية من الكلمات التي كالسهام ولتعلم الكنيسة أن " كُلُّ آلَةٍ صُوِّرَتْ ضِدَّكِ لاَ تَنْجَحُ، وَكُلُّ لِسَانٍ يَقُومُ عَلَيْكِ فِي الْقَضَاءِ تَحْكُمِينَ عَلَيْهِ. هذَا هُوَ مِيرَاثُ عَبِيدِ الرَّبِّ وَبِرُّهُمْ مِنْ عِنْدِي، يَقُولُ الرَّبُّ.  " ( أش 54 : 17 ) وهذا ما أدركه الرسول يعقوب وحذر منه المؤمنين لضبط اللسان " هكَذَا اللِّسَانُ أَيْضًا، هُوَ عُضْوٌ صَغِيرٌ وَيَفْتَخِرُ مُتَعَظِّمًا. هُوَذَا نَارٌ قَلِيلَةٌ، أَيَّ وُقُودٍ تُحْرِقُ؟ فَاللِّسَانُ نَارٌ! عَالَمُ الإِثْمِ. هكَذَا جُعِلَ فِي أَعْضَائِنَا اللِّسَانُ، الَّذِي يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ، وَيُضْرِمُ دَائِرَةَ الْكَوْنِ، وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ. لأَنَّ كُلَّ طَبْعٍ لِلْوُحُوشِ وَالطُّيُورِ وَالزَّحَّافَاتِ وَالْبَحْرِيَّاتِ يُذَلَّلُ، وَقَدْ تَذَلَّلَ لِلطَّبْعِ الْبَشَرِيِّ. وَأَمَّا اللِّسَانُ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُذَلِّلَهُ. هُوَ شَرٌّ لاَ يُضْبَطُ، مَمْلُوٌّ سُمًّا مُمِيتًا.  " ( يع 3 : 5 ) فإن كان اللسان قوة ونار ويستخدمه إبليس ليأخذ أوامر لتنفيذها فالرب أعطي للمؤمنين مصدر الحماية وهو اسم المسيح " اِسْمُ الرَّبِّ بُرْجٌ حَصِينٌ، يَرْكُضُ إِلَيْهِ الصِّدِّيقُ وَيَتَمَنَّعُ. " ( أم 18 : 10 ) فقوة اللسان السلبي يحارب بقوة اللسان الإيجابي والاحتماء في اسم المسيح ، فلا تخشي أي سهام تطير في الدجى لأن عيني الرب هي للحماية والرعاية ويد الرب قادرة علي أن ترفعك فوق كل الأعداء. هللويا


ميزان المصائب

فأجاب أيوب وقال:‏ " ليت كربي (( كربي : الكرب :الغم الذي يستولى علي النفس )) وزن، ومصيبتي رفعت في الموازين جميعها،‏ لأنها الآن أثقل من رمل البحر. من أجل ذلك لغا (( لغا : خاب، بطل، صار ملغى )) كلامي.‏٤لأن سهام القدير في وحمتها (( وحمتها : السن المدبب للسهام )) شاربة روحي. أهوال الله مصطفة ضدي. ( أي 6 : 1 ـ 4 )

فكرة أن المصائب هي من الله ( سهام القدير ) فكرة ليست جيدة لأن الله لا يأتي بالمصائب بل الإنسان وخطيته وتدخلات إبليس ، فالإنسان إما أن يدخل في بركات الله أو تأديب الله أو قضاء الله ، فبركات الله تُمنح من خلال كلمته ومعرفة مشيئته ، والتأديب يحدث نتيجة عدم الفهم والاستمرارية في الخطية أو التعدي علي الوصية الكتابية ، أما القضاء فهو نتيجة العناد والإثم والفجور الذي بدون توبة ، وفي كل الأحوال الله لا يبدأ بالأهوال أو الكرب أو المصائب .


توجد أهوال طبيعية في العالم فالارتفاع لمكان مرتفع دون حماية كافية تعرض الإنسان للخطر وللأهوال ، والسير بسرعة فائقة الحدود بسيارة في طريق مزدحم يولد الأهوال ، أيضا وقت الشيخوخة يري الإنسان في الطريق أهوال "وَأَيْضًا يَخَافُونَ مِنَ الْعَالِي، وَفِي الطَّرِيقِ أَهْوَالٌ، وَاللَّوْزُ يُزْهِرُ، وَالْجُنْدُبُ يُسْتَثْقَلُ، وَالشَّهْوَةُ تَبْطُلُ. لأَنَّ الإِنْسَانَ ذَاهِبٌ إِلَى بَيْتِهِ الأَبَدِيِّ، وَالنَّادِبُونَ يَطُوفُونَ فِي السُّوقِ. " ( جا 12 : 5 ) .فهذه الأهوال طبيعية ناتجة من خطية أدم فهي أهوال الشيخوخة الموروثة من ادم


توجد أيضا أهوال نتيجة البعد عن قوانين الله وعدم احترامها فيدخل الإنسان في دوامات المشاكل والأتعاب ، ويحاول سماع صوت الله دون جدوى ، فهذا لسبب عدم الفهم الروحي وإدراك أمور الله " سَتَأْتِي مُصِيبَةٌ عَلَى مُصِيبَةٍ، وَيَكُونُ خَبَرٌ عَلَى خَبَرٍ، فَيَطْلُبُونَ رُؤْيَا مِنَ النَّبِيِّ، وَالشَّرِيعَةُ تُبَادُ عَنِ الْكَاهِنِ، وَالْمَشُورَةُ عَنِ الشُّيُوخِ. " ( حز 7 : 62 ) فبكثرة الشر والخطية التي تكون وسط شعب الله ، يأتي وقت تكثر فيه المصائب ولا يجدون مخرجا

كما توجد أهوال نتيجة شكاية إبليس ، وعندما يجد فرصة للدخول علي حياة إنسان يسبب له المتاعب ويشعره بالمصائب والأهوال ، فأيوب كانت المصائب والأهوال نتيجة شكاية إبليس علي حياته ، فلم تكن مصدرها الله كما اعتقد هو وأصدقائه ، فالشعور بالمصائب دون تحديد مصدرها يصيب الإنسان الإحساس بثقل مصائبه " اَلْحَجَرُ ثَقِيلٌ وَالرَّمْلُ ثَقِيلٌ، وَغَضَبُ الْجَاهِلِ أَثْقَلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا. " ( أم 27 : 3 ) لذلك الله لا يريدنا في دائرة الجهال الذين يبحثون عن الحق والحقيقة فيصابون بالحيرة والتعب النفسي لعدم الحصول علي معرفة الحق ، فيدعونا الرب إليه لنستريح " تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. " ( مت 11 : 28 ) فيستطيع الرب أن يريح كل متحير لمعرفة الحق .


ميزان الله :

الله وازن كل الأمور فكل الأشياء لها ميزان عنده فالجبال لها ميزان " مَنْ كَالَ بِكَفِّهِ الْمِيَاهَ، وَقَاسَ السَّمَاوَاتِ بِالشِّبْرِ،  بِالْكَيْلِ تُرَابَ الأَرْضِ، وَوَزَنَ الْجِبَالَ بِالْقَبَّانِ، وَالآكَامَ بِ‍الْمِيزَانِ؟" ( أش 40 : 12 ) لا يستطيع الجبل أن يزيد حجمه عن ما هو عليه الا بأمره ، فهو المتحكم في كل الأشياء ، أما عند الإنسان فالأمر يختلف ، فلكل روح وقلب ميزان " كُلُّ طُرُقِ الإِنْسَانِ نَقِيَّةٌ فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ، وَالرَّبُّ وَازِنُ الأَرْوَاحِ." ( أم 16 : 2 ) فللإنسان حرية الاختيار والتحرك والأفعال ، ولكن كل هذا يوضع في ميزان وعندما يمتلئ ميزانه للنهاية يأتي وقت التأديب أو المكافئة أو القضاء " إِنْ قُلْتَ: «هُوَذَا لَمْ نَعْرِفْ هذَا»، أَفَلاَ يَفْهَمُ وَازِنُ الْقُلُوبِ؟ وَحَافِظُ نَفْسِكَ أَلاَ يَعْلَمُ؟ فَيَرُدُّ عَلَى الإِنْسَانِ مِثْلَ عَمَلِهِ " ( أم ١٢:٢٤ ) لأن " كُلُّ طُرُقِ الإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةٌ فِي عَيْنَيْهِ، وَالرَّبُّ وَازِنُ الْقُلُوبِ. " ( أم 21 : 2 ) من ميزان الله يظهر كمال الإنسان أو نقصانه ، فقد وزن الملك بَيْلْشَاصَّرُ وجد ناقصا في عيني الله " .... وُزِنْتَ بِالْمَوَازِينِ فَوُجِدْتَ نَاقِصًا. " ( دا 5 : 27 ) لذلك جاء قضاء الله عليه بالموت " أَنَا الرَّبُّ فَاحِصُ الْقَلْبِ مُخْتَبِرُ الْكُلَى لأُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ طُرُقِهِ، حَسَبَ ثَمَرِ أَعْمَالِهِ. " ( أر 17 : 10 ) لا يوجد عند الله ميزان مصائب ، بل ميزان أعمال ، ميزان أرواح ، ميزان قلوب ، فبحسب ما تصنع من أعمال يتم وضع هذا في ميزان العدل الإلهي إما أن توجد كاملا أم ناقصاً ، فليبارك الرب شعبه ليوجدوا أمام الله دائما في كمال كلمته الكاملة التي تصير الجاهل حكيما .


يحتاج المؤمن عند قرأته لسفر أيوب درجة من التركيز العالي جدا ، لأن به أفكار كثيرة لا تظهر معانيها الحقيقية إلا لمن وضع الحق أمامه وفتش في معني كل كلمة ، فهل لله سهام يوجهها نحو أولاده ، حاشا لله أن يفعل بأولاده سهام التجارب ، فتعبيرات أيوب ابعد من ثقافة جيله ومستوي الألم والمحنة التي أصابته ، فكان لابد أن يعبر عن ألامه بصرخات معبره "  هَلْ يَنْهَقُ الْفَرَا ( الحمار الوحشي ) عَلَى الْعُشْبِ، أَوْ يَخُورُ الثَّوْرُ عَلَى عَلَفِهِ؟ هَلْ يُؤْكَلُ الْمَسِيخُ ( من لا طعم له ولا ملوحة ) بِلاَ مِلْحٍ، أَوْ يُوجَدُ طَعْمٌ فِي مَرَقِ الْبَقْلَةِ؟ (بياض البيضة أو الزلال الأبيض للبيضة ) مَاعَافَتْ نَفْسِي أَنْ تَمَسَّهَا، هذِه صَارَتْ مِثْلَ خُبْزِيَ الْكَرِيهِ!‏ " يَا لَيْتَ طِلْبَتِي تَأْتِي وَيُعْطِينِيَ اللهُ رَجَائِي! أَنْ يَرْضَى اللهُ بِأَنْ يَسْحَقَنِي، وَيُطْلِقَ يَدَهُ فَيَقْطَعَنِي. " ( أي 6 : 5 ـ 9 ) وكأنه يقول :


لا صراخ بدون سبب :

ينظر أيوب لحقيقة راسخة يعزي بها نفسه لسبب صراخه الدائم من شدة الألم والأوجاع فيتمثل بالحمار الوحشي الذي لا يسمع صوته عند وجود العلف ، فكأنه يقول لمستمعيه لا تستغربوا تأوهاتي وأنيني لأنه لن أصرخ في وقت تكون فيه احتياجاتي مسددة فصراخي دليل علي معاناتي من الألم واحتياجاتي للشهية المفتوحة ، فلا تستغربوا عدم شهيتي للطعام لأنه بلا طعم في جوفي كبياض البيض الذي يؤكل بدون ملح فيصير بلا طعم . ومن شدة الألم والمعاناة التي يعاني منها أيوب ، كان يطلب من الله أن يضع حدا لها حتي ولو بالموت ، فهو لم يخشي الموت ولكنه كان يتمني الموت ليضع نهاية لكل صرخة .


الصراخ المسموع لدي الرب ثلاث أنواع :

1 ـ صراخ المظلوم والأبرار :

كصراخ شعب الله في العبودية " وَالآنَ هُوَذَا صُرَاخُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَتَى إِلَيَّ، وَرَأَيْتُ أَيْضًا الضِّيقَةَ الَّتِي يُضَايِقُهُمْ بِهَا الْمِصْرِيُّونَ، " ( خر 3 : 9 ) وهذا النوع من الصراخ يستدعي خلاص الله لشعبه ، فالمساكين والمظلومين لهم أذن صاغية لدي الرب " وَيَتَّكِلُ عَلَيْكَ الْعَارِفُونَ اسْمَكَ، لأَنَّكَ لَمْ تَتْرُكْ طَالِبِيكَ يَا رَبُّ..... لأَنَّهُ مُطَالِبٌ بِالدِّمَاءِ. ذَكَرَهُمْ. لَمْ يَنْسَ صُرَاخَ الْمَسَاكِينِ. " ( مز 9 : 10 ، 12 )


2 ـ صراخ الظالم والأشرار :

كسدوم وعمورة " وَقَالَ الرَّبُّ: «إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ، وَخَطِيَّتُهُمْ قَدْ عَظُمَتْ جِدًّا. " ( تك 18 : 20 ) فهذا النوع من الصراخ ما هو إلا ضوضاء فهي تستدعي قضاء الله علي مثل هؤلاء ، وكصراخ شعب مصر بسبب قضاء الله عليهم لعنادهم في عدم إطلاق شعب الله ليعبدوا الرب " وَيَكُونُ صُرَاخٌ عَظِيمٌ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ وَلاَ يَكُونُ مِثْلُهُ أَيْضًا. " ( خر 11 : 6 ) وكما في ( خر 12 : 30 ) " فَقَامَ فِرْعَوْنُ لَيْلاً هُوَ وَكُلُّ عَبِيدِهِ وَجَمِيعُ الْمِصْرِيِّينَ. وَكَانَ صُرَاخٌ عَظِيمٌ فِي مِصْرَ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْتٌ لَيْسَ فِيهِ مَيْتٌ. " فالظلم له صوت يسمعه الله والتعدي علي حقوق الغير له صوت يسمعه الله، كصراخ شعب فلسطين لسرقتهم تابوت الله " وَالنَّاسُ الَّذِينَ لَمْ يَمُوتُوا ضُرِبُوا بِالْبَوَاسِيرِ، فَصَعِدَ صُرَاخُ الْمَدِينَةِ إِلَى السَّمَاءِ. " ( 1صم 5 : 12 )


3 ـ صراخ المجيء بعد انتظار :

سيأتي يوم يسمع فيه صراخ فهو صراخ النهاية ، نهاية ظلم الأشرار ، وهو صراخ لبداية بداية حياة للأبرار ، سيأتي يوما فيه الرب ويُسمع فيه صوت صراخ " فَفِي نِصْفِ اللَّيْلِ صَارَ صُرَاخٌ: هُوَذَا الْعَرِيسُ مُقْبِلٌ، فَاخْرُجْنَ لِلِقَائِهِ! " ( مت 25 : 6 ) يأخذ المؤمنين الي بيت الأب وينهي كل صراخ يسمعه المؤمنين " وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ». " ( رؤ 21 : 4 ) ياله من وقت رائع وعظيم فيه نستريح من أصوات ضوضاء كثيرة ومتاعب الحياة .


التعزيات المعذبة والمساعدة المطرودة:

فَلاَ تَزَالُ تَعْزِيَتِي وَابْتِهَاجِي فِي عَذَابٍ، لاَ يُشْفِقُ: أَنِّي لَمْ أَجْحَدْ كَلاَمَ الْقُدُّوسِ. مَا هِيَ قُوَّتِي حَتَّى أَنْتَظِرَ؟ وَمَا هِيَ نِهَايَتِي حَتَّى أُصَبِّرَ نَفْسِي؟ هَلْ قُوَّتِي قُوَّةُ الْحِجَارَةِ؟ هَلْ لَحْمِي نُحَاسٌ؟ أَلاَ إِنَّهُ لَيْسَتْ فِيَّ مَعُونَتِي، وَالْمُسَاعَدَةُ مَطْرُودَةٌ عَنِّي! ( أي 6 : 10 ـ 13 ) الإنسان دائما يريد أن يكون في أتم الصحة والعافية ، وفي تمام الهدوء النفسي ، فهو يسعي كي ينال كل ما هو لخيره سواء كان في المال أو في الذات ، عندما تطرأ علي الإنسان أمورا غير عادية تسلبه الفرحة والبهجة تجده يتحرك بصورة نفسية غير إرادية ليعلن رفضه لها ، فتبدأ تتغير ملامح وجهه ، ويتفوه ببعض الكلمات التي تعطي له نوع من التعويض الداخلي ليستطيع أن يستمر في الحياة لحين الخروج من الأزمة أو الضيقة ، وقف أيوب متحير أمام ضيقته ، فهو لا يعلم من أين أتت له ولماذا ؟! فقد قال : " لَمْ أَجْحَدْ كَلاَمَ الْقُدُّوسِ.  " لم ينكر كلام الله " فهو مؤمن بها ، ويبقي السؤال لماذا كل هذا ؟! .


التعزية المعذبة :

قالوا عن التعزية " التعزية هي التسلية والحث على الصبر بوعد الأجر ، والدعاء للميت والمصاب " هذا ما يستطيع الإنسان أن يقدمه ، فيطلب للمتألم الصبر . أو يدعوا الله له كي يخفف ألامه ، بكل تأكيد للمتألم فقط ، لأننا لا نؤمن بالدعاء للأموات ، فبعد الموت لا عمل ينفع ولا دعاء .

أما التعزية المعذبة كما في أيوب " فَلاَ تَزَالُ تَعْزِيَتِي وَابْتِهَاجِي فِي عَذَابٍ، " تأتي نتيجة الحيرة الموجود تجاه أمرين متناقضين ، الأولى هي الثقة في الله المحب ، والثانية في الألم والتجربة المريرة التي لا يعلم مصدرها ، فهل هي من الله المحب ؟ وان كانت منه وهو المحب فلماذا ؟ فعندما ينظر أيوب إلي حياته الماضية يجدها في كمال القصد الإلهي ، وعندما ينظر الي أولاده يجد دفئ المحبة التي كانت لهم ، وأنهم يختلفون عن أبناء الأمم الوثنيين ، فهم مقدسون بتقديم الذبائح لله القدير ، فلماذا ؟ وأين التعزية حيث أنني لست من حجارة " هَلْ قُوَّتِي قُوَّةُ الْحِجَارَةِ؟ هَلْ لَحْمِي نُحَاسٌ؟ "


الله لا يريدنا في حيرة من أمرنا أو من ما يصيبنا لأن العناية الإلهية ما زالت تعمل في كل نواحي حياتنا ، فنحن يجب أن لا نرتبط بمن حولنا ارتباط أبدي بل إن ارتباطنا ما هو إلا وقتي جداً ، فيجب أن نعيش الساعة التي نعيشها مع من حولنا لأنه في وقتٍ سينتهي أو سنفقده ، فممتلكاتنا ليست لنا بل ما هي إلا وسائل نعيش بها في هذه الحياة المؤقتة ، وأولادنا أيضا ليسوا ملكنا بل هم ملك أنفسهم وملك خالقهم ، وسيأتي اليوم الذي يفقد فيه أولاده أو زوجته أو زوجه أو أصدقائه ، فالتعلق بهم يدمر الحياة ويكونون وسائل في يد إبليس ليستخدمهم ضدنا ويستغل ظروف انتقالهم أو بعدهم عنا ، فيصيبنا بالتعزية المعذبة التي تثق في الله وفي نفس الوقت لا نمتلك الإجابة لماذا أخذ منا أولادنا أو زوجاتنا أو أصدقائنا ، فهم ليسوا لنا أو ملكنا ، لذلك يجب أن يكون ارتباطنا بالله وبأنفسنا فقط ، وعلاقاتنا بالآخرين ما هي إلا للتواصل ومساعدة بعضنا بعض .


عندما يدرك الإنسان هذا سيعيش في هذا العالم يخدم نفسه والآخرين ولا يسيطر ويتحكم في غيره لأنه لا يمتلكهم ، فأولاده ليسوا ملكاً للآباء والزوجات ليسوا ملكاً للأزواج وهكذا فالإنسان لا يمتلك في هذه الدنيا إلا نفسه وعليه أن يؤمن لها الأبدية ويسعي في العالم ليعيش حياة ميسرة لوقت النهاية .


كان ينظر أيوب لمن حوله بأن عليهم حقوق نحوه ، وهذه الحقوق نابعة من بعض المبادئ التي توجد في الإخوة والصداقة حتى وإن كان الصديق لم يخاف الله " حَقُّ الْمَحْزُونِ مَعْرُوفٌ مِنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ تَرَكَ خَشْيَةَ الْقَدِيرِ " ( أي 6 : 14 ) ففي كل الأحوال يعتبر منطق غير مقبول ، وهذا ما حدث فلم يقفوا معه لا الصديق ولا الأخ " أَمَّا إِخْوَانِي فَقَدْ غَدَرُوا مِثْلَ الْغَدِيرِ " ( أي 6 : 15 ) ليس لأن أيوب لم يخشي القدير ولكن لأنهم لم يكونوا في دائرة المشيئة الإلهية ، فهم مرسلون من إبليس ليستخدمهم لزعزعة إيمان أيوب ، فكان أيوب يدرك جيدا أنه لم يفعل شيئا يستحق عليه كل ما حدث ، فلماذا حدث كل هذا له ، لذلك يقول : " عَلِّمُونِي فَأَنَا أَسْكُتُ، وَفَهِّمُونِي فِي أَيِّ شَيْءٍ ضَلَلْتُ " ( أي 6 : 24 ) كانت التعزية التي يقدمونها أصدقائه بمثابة دائرة عذاب تزيده حيرة وتساءل طالبا منهم برهان عن كل ما يقولونه " مَا أَشَدَّ الْكَلاَمَ الْمُسْتَقِيمَ، وَأَمَّا التَّوْبِيخُ مِنْكُمْ فَعَلَى مَاذَا يُبَرْهِنُ؟ " ( أي 6 : 25 ) فمن الأمور الصعبة أن يجد الإنسان نفسه في ضيق مفاجئي ولا يجد من يسنده ، بل يجد كل من حوله لا يفهمون شيئاً ، ويملئون الجو ضجيجا وكلاماً يائساً " هَلْ تَحْسِبُونَ أَنْ تُوَبِّخُوا كَلِمَاتٍ، وَكَلاَمُ الْيَائِسِ لِلرِّيحِ؟‏ بَلْ تُلْقُونَ عَلَى الْيَتِيمِ، وَتَحْفُرُونَ حُفْرَةً لِصَاحِبِكُمْ " ( أي 6 : 27 ، 27 ) من ردود أيوب نري يد الله القديرة التي حفظت عقله ، فأستطاع أن يوبخ أصدقائه ، ويتمسك بكماله ، فقد كان يميز الأقوال التي قيلت له علي لسان أصدقائه ، وطلب منهم أن يرجعوا عن كل ما قالوه " وَالآنَ تَفَرَّسُوا فِيَّ، فَإِنِّي عَلَى وُجُوهِكُمْ لاَ أَكْذِبُ.‏٢٩اِرْجِعُوا. لاَ يَكُونَنَّ ظُلْمٌ. اِرْجِعُوا أَيْضًا. فِيهِ حَقِّي.‏٣٠هَلْ فِي لِسَانِي ظُلْمٌ، أَمْ حَنَكِي لاَ يُمَيِّزُ فَسَادًا؟‏ " ( أي 6 : 28 ـ 30 ) من اجل ذلك أناشد قارئي العزيز أن يستمر متمسك بكامله وقت التجربة ، فالكمال يقودك إلي بر الأمان ، فبعد كل كلمات أيوب وأصدقاءه تدخل الرب في الإصحاح الثامن والثلاثون ليصحح المفاهيم الخاطئة التي قيلت من الجميع ، ويمد يده ليمنع إبليس عن أيوب ، ويعوض لأيوب أضعاف ما سلب منه ، فيتفوه أيوب بكلماته الشهيرة التي تقول " قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ " ( أي 42 : 2 ) والكلمة الثانية " بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي " ( أي 42 : 5 ) فالمجد للرب لأنه لا يترك أولاده ويعود لينجيهم من يد العدو ، فتمسك بالرب وثق أنه قادر علي الرفعة والتعويض .



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس