رحلة شاقة ممتلئة عجائب دراسة في سفر ايوب الجزء الخامس
رحلة شاقة
ممتلئة عجائب
دراسة في
سفر أيوب الجزء الخامس
بقلم
القس عماد عبد المسيح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفهرس
- مقدمة :
الكتاب الاول
" الطريق المدمر والسماح الالهي " الكتاب الثاني " النصيب والتعبيرات النفسية " الكتاب
الثالث " ايوب ومرحلة التحديد " الكتاب الرابع " ما وراء الأحداث
" الكتاب الخامس " رحلة شاقة ممتلئة عجائب
"
١ - ما نراه في ال٢٤إصحاح :
- أيوب الرجل التقي - شدة التجربة وقوتها - تمني لم يتحقق - معاناة الأبرياء
- الصراع مع الإيمان - قيمة الصبر - الأمل والرجاء في الله
٢ - عظمة الله وقدرته :
- عظمة الله وقوته - ضعف الإنسان أمام الله - حكمة الله في
الطبيع - قوة الله في التحكم - إيمان راسخ - تمسك
بالبر - ثبات القلب - سلام الضمير
٣ - نقد واتكال :
نقد أيوب لأصدقائه - غضب الله وعذاب أيوب - الشرير فاقد الأمان - أهمية
العدل - المتكل علي ثروته وسلطته غبي - نهاية معدومة دنيا وأخرة - مواجهة العواصف
٤ - رحلة صعبة في سبيل كنز ثمين :
- حجر الظلمة وظل الموت - ثراء
الأرض وحكمة الله - القدرة علي العمل ورؤية الثمار بعين ثاقبة - وسط المكاسب اين
يجد الانسان الحكمة - مصدر الحكمه الحقيقي - غربة الصعاب والحكمة في ظلّ سفر أيوب
٥ - مقارنة تستحق التأمل :
التقوي والإيمان أبواب للسلام الداخلي - الكرم والسخاء ونصرة المظلومين -
أيوب في دائرة الصبر والعدالة - معاناة وثبات إيماني كامل - التوازن بين الصبر والعدالة.
٦ - المعاناة والشعور بالإهانة :
- صغار تكبروا واهانوا - مشاعر الترك والحزن والضيق لدي أيوب - الشعور
بالظلم والقسوة - الشعور بالوحدة والعزلة ـ - مشاعر الذوبان والاختفاء
ـ للقارئ العزيز / أسئلة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقدمة
- الكتاب الاول :
تناولنا في الجزء الاول من ص ١ الي ص ٦ كان بعنوان " الطريق المدمر
والسماح الالهي " واحتوي علي المواضيع التالية " أيوب ومستوي الكمال - أيوب ومستوي الكهنوت - مستوي السياج الإلهي - البكر وأهميته
في كلمة الله -
دمار رأس المال لكسر أيوب
-سجود إبليس لنوال حق التجربة - الاكتئاب النفسي الذي لأيوب
- السماح الإلهي حقيقة أم خيال
- ردود الفعل النفسي لأيوب - أقسام الهاوية - يطلبون الموت ولا يجدونه - شهادة مشددة وليست للتشديد -
هواجس الليل - كوابيس مرعبة - هل حقا الله دائم الشكوك وعنيف ؟ - مفهوم القديسين في كلمة الله
-
هل الإنسان مولود للمشقة حقا - هل حقا الله يجرح ويسحق يعصب ويداه تشفيان - ميزان المصائب - التعزيات المعذبة
والمساعدة المطرودة "
- الكتاب الثاني :
وتناولنا في الجزء الثاني من ص ٧ الي ص ١٢ تحت عنوان "
النصيب والتعبيرات النفسية " واحتوي علي المواضيع
الاتية " القسمة والنصيب وحياة القلق - مرارة النفس التي لأيوب - لا تكن مخدوعا - نظرة للحياة من منظور الماضي - الكمال مستوي للقبول الإلهي - معارضة أم تذمر - التعبير النفسي والموقف الإلهي -
الإفتراء بهتاناً وفرياً "
- الكتاب الثالث :
وتناولنا في الجزء الثالث من ص ١٣ الي ص ١٨ تحت عنوان
" ايوب ومرحلة التحديد " واحتوي علي المواضيع
الاتية " الصمت سلاح الفهماء -مواجهة جريئة
- يقين الإيمان بالله باب للنجاة
- المكتوب وموقف كلمة الله منه
- مولود المرأة هل يزكوا - فقدان الأمل باب لليأس - السموات وإنتهاء الإنسان
- مراقبة الخطايا - اصدقاء متعبون - موقف الله من قديسوه والسموات
- افحص قبل أن تُعلم - نتيجة حتمية لنوعية المحيطين - الكأبة الناتجة من الظروف - الإفتراس الإلهي - الإحتياج للتعضيد - الضمان الإلهي -:تلف العيون - صوت موبخ أخر
- وضعوا انفسهم فصنعوا أزمة "
- الكتاب الرابع :
وتناولنا في الجزء الرابع من ص ١٩ الي ص ٢٤ تحت عنوان
" ما وراء الأحداث " وإحتوي علي المواضيع
الاتية " الله يُسقط
في الخطايا؟ - الإحساس المتراكم - الشرير في فكر أصدقاء أيوب - تعجب متألم ومجروح -
الخطايا في نظر الأصدقاء - خطايا أيوب البار هل هي حق؟ - عقاب الله على أيوب حق في
رأي اليفاز - خطوات التوبة والرجوع للفك من قضاء الله - صرخة في كلمات - واقع الشرير
وعدم إستجابة "
- الكتاب الخامس :
ونتناول الآن الجزء الخامس بعنوان " رحلة شاقة ممتلئة عجائب " من ص ٢٥ الي ص ٣٢ وسنتناول مواضيعه
بحسب اياته والأفكار المدونة فيه، أصلي أن تكون هذه الدراسه سبب بركة كثيرة لكل من
يقراها، كما أصلي أن تكون الدراسات السابقة سبب بركة أيضا لكل من تناولوها ودرسوها
سواء في المجموعات أو في قرأة هذه الكتب، فالسفر شيق جدا وبه مواضيع كثيره جدا،
ويحتاج لدارسين بعدد لا ينتهي.
١
ما نراه في ال٢٤إصحاح
- ايوب الرجل التقي :
يذكر سفر أيوب عن أيوب الرجل التقي والبار والصالح، الذي منحه الله ثروة
عظيمة وعائلة كبيرة وقوية، وإيمان قوي بالرب، ظهر هذا من خلال غيرة الشيطان الذي
حاول الدخول اكثر من مرة على حياته لكنه باء بالفشل، فلجأ الشيطان الى الله لياخذ
منه حكما قضائيا يستطيع من خلاله أن يتدخل في حياة أيوب ليفقده ثروته وصحته وبره
وتقواه، ويظهر في السفر ثلاثه من أصدقائه جاءوا ليعزوه، لكنهم اتخذوا موقفا متهمين
له محاولين إقناعه بأن ما حدث له نتيجة لخطاياة التي إرتكبها، ولكن أيوب ظل متمسك
ببراءته وكماله وإيمانه، ولكنه لم يستطع ان يضبط شفتيه ويصمت فعبر أيوب عن غضبه بكلمات،
وعبر أصدقاء أيوب بكلمات ايضا ردا عليه، وحدث جدالا شديدا بينهما.
- شدة التجربة وقوتها :
بسبب شده التجربه التي على أيوب قدم شكواه وعبر عن معاناته برغبته في الموت
لأنه كان يشعر بالظلم، فقارن نفسه بالحيوانات التي تعيش بحريه دون معاناة وقادرة
علي تعليم البشر " فَاسْأَلِ الْبَهَائِمَ فَتُعَلِّمَكَ، وَطُيُورَ
السَّمَاءِ فَتُخْبِرَكَ. (أى ١٢ : ٧) فينال أيوب توبيخا من أصدقائه مصورين له
بأن الله عادل ويعاقبه على خطاياه، ولكن أيوب يعلن بأن الله عظيم وقوي لدرجة انه
لا يمكن لأيوب أن يفهمه أو يجادله، ولكن أيوب يبدي رغبته في لقاء الله ومناقشته وجها
لوجه " مَنْ يُعْطِينِي أَنْ
أَجِدَهُ، فَآتِيَ إِلَى كُرْسِيِّهِ، (أى ٢٣ : ٣) ولكن اصدقاء أيوب يعلنوا له
ويوبخوه بأنه في دائرة الكبرياء ويستحق العقاب، ونصحوه بالتوبة والتواضع لينال عفوا
من الله، ولكن أيوب ظل متمسكا بإيمانه وكماله، ويعلن بأن ليس الحكماء في العالم
دائما على حق، فيأتي عليهم وقت ويخفقون ويخطئون التقدير كما في اصدقاء أيوب.
- تمني لم يتحقق :
يدخل أيوب لدائرة أن الحياة قصيرة وأن الإنسان ضعيف، فيسأل عن لماذا يعاني
الأبرياء، ويتمنى لو أن الله لم يخلق الإنسان أبدًا، وبسبب كلمات اصدقاء ايوب الجارحه
وصفهم بالخيانه وأن جميعهم متعبون، فهذه الاصحاحات تُظهر صراع أيوب الداخلي مع
إيمانه ومعاناته، فشكواه عن نتيجه الالم الجسدي حق دفعه لتمني أمر لم يتحقق،
واتهام أصدقاءه وشعوره بظلمهم لانهم لم يتعاطفوا معه، ولكنه ظل مؤكدا على ان الله
سينصره في النهايه ويسنده، وأن الله سيُنصفه في النهاية " أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي
حَيٌّ، .. (أى ١٩ : ٢٥) لأنه كان يؤمن بقيامة الموتى ويُعبّر عن رغبته في
كتابة شهادته على لوح، ويُشير أيوب إلى غموض مشيئة الله وعدم قدرة الإنسان
على فهمها.
- واقع روحي للسفر :
السفر يحتوي علي واقع روحي يثير اسئلة ويجيب علي أخري، ولا سيما حول
المعاناة والألم والعلاقة بين الإنسان والله، أيوب الرجل الصالح الذي فقد ثروته
وأولاده وصحته، ثم واجه إتهامات من أصدقائه بأنّ معاناته دليل على الغضب الإلهي
عليه نتيجة خطاياه التي فعل، هذه الصورة صورها أصدقائه، والسفر يجيب علي إنه ليس
كل معاناة هي إعلان غضب إلهي، لأن إبليس يعمل جاهدا لإسقاط الإنسان في براثن الضيق
والألم وبالاخص المؤمنين والصديقين.
- معاناة الأبرياء : يُظهر سفر أيوب أنّه حتى
أفضل الناس قد يعانون من ظلم وألم دون سبب واضح لهم، هذا يطرح تساؤلات حول عدالة
الله وحكمته، فقد كان أيوب " كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ اسْمُهُ
أَيُّوبُ. وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ كَامِلا وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي الله
وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. (أى ١ : ١) فيالها من شهادة يفتخر بها كل صالح وكل
صديق، ولكنه كان يمتلك في داخله خوفا ورعبا جعل إبليس يجد فرصته ليحققه " لأنِّي
ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ.
لَمْ أَطْمَئِنَّ وَلَمْ أَسْكُنْ وَلَمْ أَسْتَرِحْ، وَقَدْ جَاءَ الزُّجْرُ".
(أى٣ : ٢٥-٢٦) ولذلك فالألم ليس من الله
ولكن مصدره في هذه الحالة هو إبليس، والسبب يصير عندما يتبني الإنسان أفكارا ليست
حسب مشيىة الله، فأيوب رجلا كاملا في سلوكه، ولكن في داخله خوف ورعب ولذلك دخل في
دوائر من الألم والتجربة.
- الصراع مع الإيمان : يمرّ أيوب بأزمة إيمان
عميقة ( ليس في وجود الله بل في عبوره من الأزمة ) يشكّك خلالها في عدالة الله بحسب
رؤية من أصدقائه، مع الصراخ من شدة الألم والوجع الجسدي النفسي، هذا يظهر لنا أنّ
الإيمان المعجزي ليس سهلا دائماً، وأنّه يتطلب صراعاً ومواجهة للشكوك، فمشاعر الإنسان
وأحاسيسه دائما تتحرك وسط الأزمات فتثير أسئلة تعلن فيها العجز والضعف أمام قوة
وقدرة الله " أَالإنْسَانُ أَبَرُّ مِنَ الله؟ أَمِ الرَّجُلُ أَطْهَرُ
مِنْ خَالِقِهِ؟ هُوَذَا عَبِيدُهُ لا يَأْتَمِنُهُمْ، وَإِلَى مَلائِكَتِهِ
يَنْسِبُ حَمَاقَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ سُكَّانُ بُيُوتٍ مِنْ طِينٍ، الَّذِينَ
أَسَاسُهُمْ فِي التُّرَابِ، وَيُسْحَقُونَ مِثْلَ الْعُثِّ؟ (أى٤ : ١٧-١٩) هذه الصورة وان كانت تعلن أنه لا يوجد
وجه مقارنة بين المخلوق والخالق، وبين الملائكة التي لا تصير نقية امام الله أن
قورنت بقدرة العلي ( فلا وجه للمقارنة ) فهذا الواقع ينشيى صراعا في دائرة الثقة
فيقول " هأَنَذَا أَذْهَبُ شَرْقًا فَلَيْسَ هُوَ هُنَاكَ، وَغَرْبًا فَلا
أَشْعُرُ بِهِ. شِمَالا حَيْثُ عَمَلُهُ فَلا أَنْظُرُهُ. يَتَعَطَّفُ الْجَنُوبَ
فَلا أَرَاهُ. "لأنَّهُ يَعْرِفُ طَرِيقِي. إِذَا جَرَّبَنِي أَخْرُجُ
كَالذَّهَبِ. (أى٢٣ : ٨-١٠) فالشعور
بالتيه أمر طبيعي ناتج من عدم فهم سبب التجربة، والصراع بين الفارق إن كانت تجربة
أم إمتحان، لكنه في النهاية يعلن أن قدرة الله فوق كل الظروف وسوف يخرج أيوب للبر
والأمان مختبرا معية الله ورفعته.
- قيمة الصبر : على الرغم من معاناته،
يظلّ أيوب صبوراً ورافضاً للتنكّر لله. يُظهر لنا صبره لأنّ الإيمان الحقيقي لا
يتزعزع حتى في أحلك الظروف " وَقَالَ:
"عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى
هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ
مُبَارَكًا". فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ وَلَمْ يَنْسِبْ للهِ
جِهَالَةً. (أى١ : ٢١-٢٢) ظل أيوب
متمسك بكماله رغم شدة التجربة، حتي عندما واجهته زوجته بأعنف الكلمات " فَقَالَتْ
لَهُ امْرَأَتُهُ: "أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ؟ بَارِكِ الله
وَمُتْ!". فَقَالَ لَهَا: "تَتَكَلَّمِينَ كَلامًا كَإِحْدَى
الْجَاهِلاتِ! أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ الله، وَالشَّرَّ لا
نَقْبَلُ؟". فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ بِشَفَتَيْهِ. (أى٢
: ٩-١٠) ظل أيوب علي عهده متمسك بإيمانه
برغم قساوة من حوله، فالتمسك بالإيمان لا يلغي االصراع القائم ولا يسقط دوائر
الشكوك، بل يمهد لتفعيل دوائر الصبر والانتظار.
- الأمل والرجاء في الله : على الرغم من كلّ
ما عاناه، ظلّ أيوب متمسّكاً بأماله في الله، مؤمناً بأنّه سيُكافئه في النهاية، فمهما
كانت قوة الظروف وشدة الألم فالله صالح ولا يترك أبناءه الصارخين اليه نهارا
وليلا، لذلك عبر أيوب هذه المحنة، وإختبر يد الرب فغني قائلا " فَأَجَابَ
أَيُّوبُ الرَّبَّ فَقَالَ: "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ
شَيْءٍ، وَلا يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ. بِسَمْعِ الأذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ،
وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي. (أى٤٢ :
١-٢، ٥) فقصة أيوب تعطي أمل ورجاء لكل متألم أو مجرب أو في أزمة، فالرب لا
يترك أبناءه الأمناء، فقد تعب أيوب من أصدقاءه قد كانوا مُعزّون زائفون، تعرض أيوب
لانتقادات لاذعة منهم، إتهموه بأنّه
يستحقّ معاناته، هذا يُظهر لنا أنّ "المُعزّين الزائفين" قد يكونون أكثر
ضرراً من المساعدة في أوقات الشدائد "
"قَدْ سَمِعْتُ كَثِيرًا مِثْلَ هذَا. مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ
كُلُّكُمْ! أَنَا أَيْضًا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَكَلَّمَ مِثْلَكُمْ، لَوْ كَانَتْ
أَنْفُسُكُمْ مَكَانَ نَفْسِي، وَأَنْ أَسْرُدَ عَلَيْكُمْ أَقْوَالا وَأُنْغِضَ
رَأْسِي إِلَيْكُمْ. بَلْ كُنْتُ أُشَدِّدُكُمْ بِفَمِي، وَتَعْزِيَةُ شَفَتَيَّ
تُمْسِكُكُمْ. (أى١٦ : ٢، ٤-٥) توجع
أيوب من كلماتهم جدا، تامل هذه الكلمات كم كانت كلمات مؤلمة وجارحة (أى٢٢ : ٦-١١) ولكن ايوب كان قلبه حكيما وادراك كم هم
لا يعلمون وان معرفتهم ما هي إلا إنها في حدود المعرفة البشرية.
إن لنا سفر أيوب يُقدّم درساً قيّماً عن الإيمان والصبر في مواجهة الشدائد.
يُظهر لنا أنّ المعاناة جزء من الحياة، وأنّنا يجب أن نتعامل معها بإيمان وأمل في
الله، لأنه لا يترك المظلوم الصارخ فيسرع لنجدته، ولا يترك الظالم في ظلمه يستبد
ويفرد جناحاته ويعلوا مرتفعا دون رابط، فالله عادل ويحول كل شيئ للخير للذين
يحبونه.
٢
عظمة الله
وقدرته
لابد دوما أن نأخذ في الإعتبار أن كلمات أصدقاء أيوب ليست جميعها كلمات صحيحه
لأنها من أفكارهم الشخصية أو من بنات تعاليمهم التي إستقوها من مجتمعهم، يقدم بلدد
الشوحي وجهة نظره حول معاناة أيوب، مؤكداً على عظمة الله وقوته المطلقة، امام صغر
الإنسان وضعفه تظهر العجز البشري والقضاء الإلهي.
- عظمة الله وقوته: يُشير بلدد إلى سيادة
الله المطلقة، فهو خالق السماوات والأرض، وصاحب السلطان والهيبة، وصانع السلام في
اعاليه " "السُّلْطَانُ وَالْهَيْبَةُ
عِنْدَهُ. هُوَ صَانِعُ السَّلامِ فِي أَعَالِيهِ. (أى ٢٥ : ٢) فالله مصدر كل
خير وسلام، وفي نفس الوقت يرى بلدد أن معاناة أيوب هي عقاب من الله على خطاياه،
بينما يرى أيوب أن الله يختبر إيمانه وقوته، وأن ما حدث له ليس هو عقاب من الله
على خطاياه، فكون الله عظيم فهذا حق ولكن في عظمته لا يستغل الإنسان ليظهرها،
ويعمل بالعدل دائما (مز ٩٣ : ١) فهو عظيم القدرة وعظيم الفهم (إش ٤٠ : ٢٨) ويحول
كل شيئ للخير (رو ٨ : ٢٨) وله جنود تخدمه ليس لها عدد، لا يُحصى جيش الله، يُؤكد
بلدد على عظمة الله من خلال عظمة جيشه، فعدد جنوده لا يُحصى، ونوره يشع على الجميع
" هَلْ مِنْ عَدَدٍ لِجُنُودِهِ؟ وَعَلَى مَنْ لا يُشْرِقُ نُورُهُ؟ (أى
٢٥ : ٣) هذه الصورة التي يصورها بلدد ياخذها ويضعها امام صورة اخري تظهر ضعف
الانسان وعجزه
- ضعف الإنسان أمام الله: يُقارن بلدد
الإنسان بالقمر والنجوم، فهي أجرام سماوية عظيمة، لكنها لا تُضيء بنورها الخاص، بل
تعكس نور الشمس " هَلْ مِنْ عَدَدٍ لِجُنُودِهِ؟ وَعَلَى مَنْ لا يُشْرِقُ
نُورُهُ؟ (أى ٢٥ : ٣) وبالتالي في وسط هذا كله يظهر بلدد انه لا فرصة للإنسان
المخطيئ " فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإنْسَانُ عِنْدَ الله؟ وَكَيْفَ يَزْكُو
مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ؟ (أى ٢٥ : ٤) هذه الصورة الرائعة عن الله والصورة
الحقيرة عن الإنسان كونه ضعيف ورمة ودود " فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الإنْسَانُ
الرِّمَّةُ، وَابْنُ آدَمَ الدُّودُ؟". (أى ٢٥ : ٦) فأمام عظمة الله
وخطيئة الإنسان: يُؤكد بلدد على ضعف الإنسان فهو "الرّمّة" و"
الدّود" وبالتالي هنا يظهر عدم قدرة الإنسان على التبرير أمام الله، يرى بلدد
أن الإنسان لا يستطيع التبرير أمام الله، ولا يمكنه أن يزكّي نفسه، فليس هدف بلدد
أن يجعل الإنسان متواضعا وشاكرا وتائبا، ولكنه يعلن عظمة الخالق ودنائة البشر ولم
يضع الحل.
هل يصمت أيوب كلا.. فلابد ان يرد ولذلك يستخدم نفس اسلوب بلدد واصدقائه
الذين حاولوا تقليل شانه ويرفعون الله على حساب أيوب والرب غني ولا يحتاج لمثل هذه
الطريقه، ولذلك يدرك أيوب ويقرب أن الله عظيم في خلقته وأنه خالق السماوات والأرض والماء
والهواء والفراغ " اَلأخْيِلَةُ تَرْتَعِدُ مِنْ تَحْتِ الْمِيَاهِ
وَسُكَّانِهَا. الْهَاوِيَةُ عُرْيَانَةٌ قُدَّامَهُ، وَالْهَلاكُ لَيْسَ لَهُ
غِطَاءٌ. يَمُدُّ الشَّمَالَ عَلَى الْخَلاءِ، وَيُعَلِّقُ الأرْضَ عَلَى لا
شَيْءٍ. يَصُرُّ الْمِيَاهَ فِي سُحُبِهِ فَلا يَتَمَزَّقُ الْغَيْمُ تَحْتَهَا. (أى٢٦
: ٥-٨) هنا يُظهر عظمة قدرة الله على خلق
شيء من العدم، وسيطرته على العناصر الطبيعية، ليس هذا فقط ولكن ايضا يظهر
- حكمة الله في الطبيعة: يُشير أيوب إلى عجائب الطبيعة، مثل دورة
المياه، وامتداد السماوات، ورعد العواصف " يَحْجِبُ وَجْهَ كُرْسِيِّهِ بَاسِطًا
عَلَيْهِ سَحَابَهُ. رَسَمَ ؤحَدًّا عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ عِنْدَ اتِّصَالِ
النُّورِ بِالظُّلْمَةِ. أَعْمِدَةُ السَّمَاوَاتِ تَرْتَعِدُ وَتَرْتَاعُ مِنْ
زَجْرِهِ. (أى٢٦ : ٩-١١) هنا أراد
أيوب أن يقول لبلدد الشوحي ليس انت وحدك الذي تدرك قدره الله، ولكنني انا ايضا أفهم
كم هي الحقائق التي تُظهر هذه الظواهر وان حكمة الله في تصميم وتنظيم الكون رائعة
ولذلك يستطيع أن يعين من ليس له قوه ويخلص ما ليس له ذراعا فهو الحكيم المتحكم في
كل الخليقه " كَيْفَ أَعَنْتَ
مَنْ لا قُوَّةَ لَهُ، وَخَلَّصْتَ ذِرَاعًا لا عِزَّ لَهَا؟ كَيْفَ أَشَرْتَ
عَلَى مَنْ لا حِكْمَةَ لَهُ، وَأَظْهَرْتَ الْفَهْمَ بِكَثْرَةٍ؟ (أى٢٦
: ٢-٣) فإدراك أيوب لهذه الحقائق يعلن بأن
له فهم وإدراك وله إيمان بالله إيمان حقيقي وقادر على أن يسير إموره، وعلى أصدقائه
أن يصمتوا فصمت من لا يفهم خدمه لا تقدر بمال.
- قوة الله في التحكم : يُؤكد أيوب على قدرة الله على التحكم في قوى
الطبيعة الهائلة، مثل البحر والعواصف. " بِقُوَّتِهِ يُزْعِجُ الْبَحْرَ،
وَبِفَهْمِهِ يَسْحَقُ رَهَبَ. ( مصر ) (أى ٢٦ : ١٢) وتظهر هذه القوة قدرة
الله على حماية شعبه ومعاقبة الأشرار، وأن قدره الله تفوق فهم الإنسان، فعظمة الله
تفوق فهم الإنسان " بِنَفْخَتِهِ السَّمَاوَاتُ مُسْفِرَةٌ وَيَدَاهُ
أَبْدَأَتَا الْحَيَّةَ الْهَارِبَةَ. هَا هذِهِ أَطْرَافُ طُرُقِهِ، وَمَا
أَخْفَضَ الْكَلامَ الَّذِي نَسْمَعُهُ مِنْهُ وَأَمَّا رَعْدُ جَبَرُوتِهِ فَمَنْ
يَفْهَمُ؟". (أى٢٦ : ١٣-١٤) عظمة
الله تفوق فهم الإنسان، يُشجعنا هذا على التواضع أمام الله، والإعتراف بحدود
معرفتنا، يجب أن نُسبح الله ونشكره على خلقه العجيب، ونثق في قدرته على حمايتنا
وقيادتنا، ولذلك علينا ( بالتواضع ) أن نتذكر دائمًا عظمة الله وقلة شأننا
أمامه، ونتحلي ( بالإيمان ) أن نثق في قدرة الله على حمايتنا وقيادتنا، حتى
في أصعب الظروف، وأن ( نشكر ) الله على خلقه العجيب ونعمه الغزيرة، و ( نسبيح
) الله ونُمجده على عظمته وقوته وحكمته.
يقف أيوب موقف الرجل الشجاع وسط الامه وتجاربه وأمام أصدقائه الذين أظهروا عدم
معرفتهم المعرفه الجيدة بصديق عمرهم وبا الله خالق الكل، كان لأيوب
- إيمان راسخ: فيؤكد أيوب على إيمانه
الراسخ بالله رغم معاناته " حَيٌّ هُوَ الله الَّذِي نَزَعَ حَقِّي، وَالْقَدِيرُ
الَّذِي أَمَرَّ نَفْسِي، (أى ٢٧ : ٢) فهو لا يرى أي تبرير لما فعل فيه إلا من
خلال أن الله هو الذي يتحكم في زمام الإمور، ولذلك يري أنه هو وراء كل شيء فنزع حقه
.. وأمر نفسه، الله الهه المتحكم في كل شيء، لكنه في ذات الوقت ظل متمسكا بإيمانه بالله
فقال " إِنَّهُ مَا دَامَتْ نَسَمَتِي فِيَّ، وَنَفْخَةُ الله فِي أَنْفِي،
لَنْ تَتَكَلَّمَ شَفَتَايَ إِثْمًا، وَلا يَلْفِظَ لِسَانِي بِغِشٍّ. (أى ٢٧
: ٣ - ٤) فلتمسك بالإستقامه وبالحق مهما كانت الأحوال والظروف ومهما كانت قوه التجربه،
فهذا يعلن بأنه رجل يستحق المديح ويستحق كلمات الرب بأنه رجل كامل يتق الله، فأيوب
عاش يرفض اتهامات أصدقائه له ويصر على براءته لأنه مدرك من هو وكيف يعيش " حَاشَا
لِي أَنْ أُبَرِّرَكُمْ! حَتَّى أُسْلِمَ الرُّوحَ لا أَعْزِلُ كَمَالِي عَنِّي.
(أى ٢٧ : ٥) ظل متمسك بكماله واستقامته طول الطريق وفي وسط الألم والضيق النفسي،
- تمسك بالبر : فيقول بالفم المليان "
تمَسَّكْتُ بِبِرِّي وَلا أَرْخِيهِ. قَلْبِي لا يُعَيِّرُ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِي.
(أى ٢٧ : ٦) أيّ فعل الخير والفضيلة، وعدم التخلّي عنهما مهما كانت الظروف،
فالبرّ اي حياة الإستقامة هو أساس إيماننا ومصدر قوتنا الداخلية " حِصْنٌ لِلاسْتِقَامَةِ طَرِيقُ الرَّبِّ،
وَالْهَلاكُ لِفَاعِلِي الإثْمِ. (أم ١٠ : ٢٩) البارّون يعيشون بأمان، بينما
يقع الأشرار في الورطة، لذلك لا تنهار سريعا عندما تدخل في ضيق، إستمر متمسك ببرك
وبكمالك وثق بأن يد الرب علي حياتك بالامتلاك والتعويض مهما مانت قوة العدو "
لأنَّ الْمُبَارَكِينَ مِنْهُ يَرِثُونَ الأرْضَ، وَالْمَلْعُونِينَ مِنْهُ
يُقْطَعُونَ. مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ تَثَبَّتُ خَطَوَاتُ الإنْسَانِ وَفِي
طَرِيقِهِ يُسَرُّ. إِذَا سَقَطَ لا يَنْطَرِحُ، لأنَّ الرَّبَّ مُسْنِدٌ يَدَهُ.
(مز٣٧ : ٢٢-٢٤) وهذا معناة أن الربّ
يُثبّت خطى من يَسْعَى وراءه، ويُسَرّه في طريقه. إن سقط، لا يَسْقُطُ تمامًا،
لأنّ الربّ يُسْعِدُه بيده."
- ثبات القلب : إن ثبات القلب وعدم
تغيّره مهما تعرّض للصعوبات والتحديات أمر في غاية الأهمية، فالقلب الثابت هو ضمن
أساس الإيمان الراسخ وقدرتنا على الصمود في وجه التجارب، وهذا هو روح كلمة الله في
حياة المؤمنين، لأن التجربة عندما لا يكون مصدرها الانسان ذاته تدخل في دائرة
الإمتحان وتعامل معاملة الإمتحان " اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا
إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، " فهنا
يبدأها بقوله تجارب، ثم يكمل بعبارة امتحان " عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ
إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا. " فبمقدار ثبات القلب يكون التحول في
طبيعة الواقع تحول جذري لأنه يقود الإنسان الي كمية من الفضائل كالصبر والكمال "
وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ
وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ. (يع١ : ٢-٤) فليست جميع التجارب امتحانات لان التجارب
التي مصدرها الإنسان ذاته هي تجارب " وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا
انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِهِ. ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ
خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا. (يع١ : ١٤-١٥) فعندما يكون سلوكا الإنسان في دوائر الاستقامة
والصلاح والقداسه، فعندما يدخل في الضيق او التجارب تحسب له، فيدخل في مستويات من الفضائل
تظهر في حياته تمجد الله.
- سلام الضمير : هذا السلام منبعه حياه
والاستقامة فالذي ينعم به من يتمسك بالبرّ ويُثبّت قلبه على إيمانه. فسلام الضمير
هو شعور داخلي عميق بالراحة والأمان ينبع من معرفة أنّنا نعيش حياة صالحة مرضية
لله، في هذا المستوى يقول الرسول بولس " لا تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ
فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ
طِلْبَاتُكُمْ لَدَى الله. وَسَلامُ الله الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ
قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. (فى٤ : ٦-٧) مع الضمير منفعه داخلي بداخل الانسان
دوائر الحياه المستقيمه ويفعله الرب بالروح القدس على الانسان بدوائر السلام، لان
طرق الانسان مرئيه لدى الرب الصديق وراه الرب والشرير يفحصه السيد " أَلْقِ
عَلَى الرَّبِّ أَعْمَالَكَ فَتُثَبَّتَ أَفْكَارُكَ. اَلرَّبُّ صَنَعَ الْكُلَّ
لِغَرَضِهِ، وَالشِّرِّيرَ أَيْضًا لِيَوْمِ الشَّرِّ. (أم١٦ : ٣-٤) في الحله الوحيد في حياتك لتسلم الطريق للرب
فيثبت كلامك وافكارك ويخزن الشرير اليوم الشر
سياتي يوما ويكون وجه رائع ضد الاشرار ويقطع ذكرهم، فالتمسك بالبرّ وثبات
القلب وسلام الضمير. من خلال هذه الصفات، نستطيع أن نعيش حياة كريمة مرضية لله
وننال سلامه الداخلي العميق.
٣
نقد واتكال
- نقد أيوب لأصدقائه : إن إيمان أيوب الراسخ يجعله
يواجه أصدقائه ولا يهاب خسارتهم، عندما تاتي على ذاتك وعلى نفسك لكي لا تخسر من حولك
ففي النهايه ستخسر صحتك وسيتركوك ايضا من حولك، لذلك تعامل مع كل من حولك بحسب طبيعه
كل واحد، فالمخلص والامين كن معه ولا تخسره طالما مستمر علي امانته، ومن يتعامل
معاك من أجل المصلحه لا تتعامل أنت بمثله، لأن في وقت المواجهه سيواجهك ويلومك على
قربك له من أجل المصلحة ولن يرى ذاته بأنه هو صاحب المصلحة رقم واحد، فكن حذرا ولا
تضحي من أجل عدم خسارته، لذلك فالمواجهه والوضوح اقصر الطرق لفلتره المحيطين بك.
خسر ايوب ما يملك ودخل في ضيق لا نثيل له، نزع حقه ودخلت المرارة الى نفسه
ولكنه ايضا حاول أن يحتفظ بكلمات المديح عن الله ولم يدخل في دائره إدانة أصدقائه لكنه
قال حاشا لي أن ابرركم وتمسك بكماله وبره، فأيوب لديه قناعاته وايمانياته في الله
والمعاملات الالهيه الخاصه به، وله ايضا فهم عن الشرير والمعاند وفاعل الشر والفاجر
وان الله حكيم ولا يترك المظلوم في دائره مظلمته ولا يترك الظالم في دائره استبداده
" لِيَكُنْ عَدُوِّي كَالشِّرِّيرِ، وَمُعَانِدِي كَفَاعِلِ الشَّرِّ.
لأنَّهُ مَا هُوَ رَجَاءُ الْفَاجِرِ عِنْدَمَا يَقْطَعُهُ، عِنْدَمَا يَسْلِبُ
الله نَفْسَهُ؟ أَفَيَسْمَعُ الله صُرَاخَهُ إِذَا جَاءَ عَلَيْهِ ضِيقٌ؟ أَمْ
يَتَلَذَّذُ بِالْقَدِيرِ؟ هَلْ يَدْعُو الله فِي كُلِّ حِينٍ؟ "إِنِّي
أُعَلِّمُكُمْ بِيَدِ الله. لا أَكْتُمُ مَا هُوَ عِنْدَ الْقَدِيرِ. (أى٢٧
: ٧-١١) يضع ايوب أمام أصدقائه عاقبة
الفاجر وأن من يعادي الله ويتبع طريق الشر، سيجد نفسه في صراع مع الله، ولن يجد له
ملجأً أو منقذًا، لأن المعادي لله كالشيطان " لِيَكُنْ عَدُوِّي كَالشِّرِّيرِ
" لأنه يبتعد عن طريق الحق ويُضلّل الناس، ويشبه المُعاند كفَاعِلِ الشَّرِّ،
فهو يُسبب الأذى للآخرين ويُفسد في الأرض.
أيوب يعلم أصدقائه درسا بأن الفاجر يعيش في دائرة ذنوبه وعندما يجتاز في ضيق
ويصرخ قد لا يستجب له الله لأنه لا يستحق الرحمة " أَفَيَسْمَعُ الله صُرَاخَهُ
إِذَا جَاءَ عَلَيْهِ ضِيقٌ؟ " قد لا ينال معونه لأن في صراخه يصرخ من الألم
ولا يستنجد بالله لأنه " يَتَلَذَّذُ بِالْقَدِير " ولا يدعو
الله في كل حين، لذلك أيوب يدخل مع أصدقائه في طريق العلم والفهم والمعرفه العميقه
لله ويقول لهم بأنه يعرف أكثر جدا مما يعرفون ولذلك يدعوهم ليتعلموا منه " إِنِّي أُعَلِّمُكُمْ بِيَدِ الله. لا أَكْتُمُ
مَا هُوَ عِنْدَ الْقَدِيرِ. " فهو المصدر الوحيد للحكمة والمعرفة
الحقيقية، وسار ايوب بمبدأ عدم إخفاء الحقيقة ونشر المعرفة الصحيحة بين من حوله.
- غضب الله وعذاب أيوب :
يرفض أيوب فكرة أن عذابه دليل على غضبه الإلهي " هذَا نَصِيبُ الإنْسَانِ
الشِّرِّيرِ مِنْ عِنْدِ الله، وَمِيرَاثُ الْعُتَاةِ الَّذِي يَنَالُونَهُ مِنَ الْقَدِيرِ.
(أى ٢٧ : ١٣) فهو يرى أن معاملات الله مع الأشرار والصالحين على حدٍّ سواء، في
معادلة بين سلوك الإنسان وعدل الله، وأن الله لا يعامل الناس وفقًا لأفعالهم، بل
وفقا لصلاحه، ويؤكد على أن العذاب يقع على الجميع " هذا نصيب الإنسان
الشرير - وميراث العُتَاةِ " لذلك عندما نُفرغ العقاب من عدل الله ياتي
السؤال عن عدالة الله " وأين هو بيت الله؟ " أي أين هو الأمان
الذي لنا " وأين مسكن القدير؟ " فمسكن القدير هو الملجا الذي يلجأ
اليه الصديق ويتمنع، فالصالحين قد يعانون والأشرار أيضا، وقد تجد خائنين يزرعون
ويحصدون ثروة، ويُعزّزون أنفسهم، وايضا تجد بعض من الأشرار قد يزدهرون وبيوتهم
آمنة ولا خوف عليهم، وكأنه لا يُعاقبهم، فأيوب كان يصارع مع اصدقائه بأن الله لا
يُمكنه أن يكون ظالمًا، وأن عذابه إن حدث ان فعله، لا يُمكن أن يكون دليلًا على
غضبه، فقد عانى أيوب من عذابٍ شديدٍ دون أن يُرتكب أيّ ذنبٍ واضح، فقد رأى أيوب
العديد من الصالحين الذين عانوا والعديد من الأشرار الذين ازدهروا، فإيمان أيوب
بأن الله عادل ورحيم، ولا يُمكنه أن يُعاقب الناس دون سببٍ عادل لذلك يدخل مع
اصدقائه في فكرة أن للفاسقين مصير نتجة زرع وحصاد ما يفعلون.
يصف أيوب مصير الفاسقين بأنّه سيكون سيئًا، ولن ينعموا بالخير في الدنيا
والآخرة، وهذا من خلال قانون الزرع والحصاد المفعل تلقائيا " هذَا نَصِيبُ
الإنْسَانِ الشِّرِّيرِ مِنْ عِنْدِ الله، وَمِيرَاثُ الْعُتَاةِ الَّذِي
يَنَالُونَهُ مِنَ الْقَدِيرِ. إِنْ كَثُرَ بَنُوهُ فَلِلسَّيْفِ، وَذُرِّيَّتُهُ
لا تَشْبَعُ خُبْزًا. بَقِيَّتُهُ تُدْفَنُ بِالْمَوْتَانِ، وَأَرَامِلُهُ لا
تَبْكِي. إِنْ كَنَزَ فِضَّةً كَالتُّرَابِ، وَأَعَدَّ مَلابِسَ كَالطِّينِ،
(أى٢٧ : ١٣-١٦) فالمتكلين علي سلطانهم
واموالهم وامكانياتهم ويظلمون وينشرون في الأرض فسادا ظانين بأنهم فوق المحاسبة،
سياتي يوما وتنهار كل امكانياتهم ويسقطون ويكون سقوطهم عظيما " يَبْنِي
بَيْتَهُ كَالْعُثِّ، أَوْ كَمَظَلَّةٍ صَنَعَهَا النَّاطُورُ. يَضْطَجعُ غَنِيًّا
وَلكِنَّهُ لا يُضَمُّ. يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ وَلا يَكُونُ. (أى ٢٧ : ١٨ - ١٩) فعذاب
الفاسقين في الآخرة سيكون شديدًا، لان عدل الله كقاضي تتطلب عدم رحمة المتمسك
بشره، فمن المهم جدا ثبات المؤمن على الإيمان فسيجد الله في أوقات الشدائد.
- الشرير فاقد الأمان :
الشخص الشرير ( قد يكون مؤمن أو لا ) عائلته قد لا تحزن عليه، " بَقِيَّتُهُ
تُدْفَنُ بِالْمَوْتَانِ، وَأَرَامِلُهُ لا تَبْكِي. (أى ٢٧ : ١٥) وفي ترجمة
كتاب الحياة " ذُرِّيَّتُهُ تَمُوتُ بِالْوَبَأِ، وَأَرَامِلُهُمْ لَا
تَنُوحُ عَلَيْهِمْ. (أيوب ٢٧: ١٥) هذا لأن دائرة الحماية الروحية علي حياتهم
انتهت او قلت، ( ليس كل من يصاب بوبأ مخطيئ، ولكننا نتكلم عن الشرير ) فعاقبة
الظالمين والمجرمين في موتهم سيكون قاتماً وموحشاً، ولن يحزن عليهم أحد، حتى
عائلاتهم وأحبائهم، فعدم اهتمام العائلة يرجع الي انه قد يكون أفراد
عائلة الظالم قد تأذّوا من ظلمه، أو قد يكونون قد فقدوا إيمانهم به
بسبب أفعاله، ممّا يجعلهم لا يحزنون على موته، ايضا الخوف من العار، قد
تخشى عائلة الظالم من العار الذي قد يلحق بهم بسبب أفعاله، ممّا يجعلهم لا يبكون
عليه علناً، خوفاً من اللوم والنبذ من المجتمع، ويرجع ايضا ليأس العائلة،
قد يكون أفراد عائلة الظالم قد فقدوا الأمل في إصلاحه، ممّا يجعلهم يقبلون موته كأمر
واقع، دون حزن أو أسف، فعائلة تقست قلوبهم نحوه، لا تعرف معنى الحزن والرحمة، ممّا
يجعلهم لا يبكون على موته، فالظلم لا يجلب سوى البؤس والشقاء، وأنّ عاقبة الظالمين
ستكون وخيمة في الدنيا والآخرة.
لذلك - يمكننا إستخلاص بعض الدروس من هذه الآية:
- أهمية العدل: أهمية العدل في المجتمع
ضرورة لابد أن يسعي اليها كل مسئول وأنّ الظلم لا يمكن أن يُسْتَدام له حدود وله
نهاية ولابد من ضرورة التوبة من الذنوب والإبتعاد عن الظلم، قبل فوات
الأوان، فعندما يمر الوقت ويمتلئ الكاس سينال الإنسان جزاء الأعمال فلكلّ
إنسان جزاءً على أعماله، وأنّ الظالمين لن ينجوا من العقاب، أقول ... لهم يوم فيه
يدفعون ثمن كل افعالهم، فالثروات المادية لن تبقي ولن تدوم وسيأتي يوما وستزوول
فيقول " إِنْ كَنَزَ فِضَّةً كَالتُّرَابِ، وَأَعَدَّ مَلابِسَ
كَالطِّينِ، " وفي ترجمة كتاب الحياة " إِنْ جَمَعَ فِضَّتَهُ
كَأَكْوَامِ التُّرَابِ، وَكَوَّمَ مَلابِسَ كَالطِّينِ، (أيوب ٢٧: ١٦) هنا يشبه
الفضة بالتراب وهذا اعلان بهشاشة الثروة المادية، فكما يتراكم التراب بسهولة ويمكن
أن يُزاح بسهولة، كذلك الثروة يمكن أن تُجمع وتُفقد بسرعة، فيُقارن تشبيه الملابس
بالطين وبعدم جدوى الثروة في تحقيق السعادة الحقيقية، فكما أن الطين يُتسخ ويتلف
بمرور الوقت، كذلك الثروة لا تُقدم قيمة حقيقية أو سعادة دائمة.
لذلك اقول بتعليق بسيط " احساس ظلمٌ باقٍ في القلوب وعاقبةٌ وخيمة
" فمصير الظالمين، سواءً كانوا مؤمنين أم لا، عاقبة ظلمهم ستكون وخيمة في
الدنيا والآخرة. فحتى عائلاتهم لن تحزن عليهم، بل قد تشعر بالارتياح من موتهم،
لذلك فالعمل علي العدل له أهمية في المجتمع، وأنّ الظلم لا يمكن أن يستمرّ دون
عقاب، والتوبة من الذنوب بابا للنجاة، والعمل علي الإبتعاد عن الظلم قبل فوات
الأوان، لأن كل شخص سينال جزاء الأعمال وأنّ الظالمين لن ينجوا من العقاب، فقد
يحدث زوال للثروة لأنها تصل لدرجة الهشاشة وعدم جدواها في تحقيق السعادة الحقيقية،
وشمولية العقاب نري فيها انه لا يُستثنى من العقاب أيّ ظالم، مهما كان إيمانه أو
مكانته، لأن من قساوته نالت عائلته قسوة القلب، قلوب عائلات الظالمين قاسية نتيجة
ظلمه، مما يجعلهم لا يحزنون على موته، فالسير بالأمانة واستقامة القلب افضل بكثير
من حياة الشر والظلم.
- المتكل علي ثروته وسلطته غبي :
أيوب يفهم ويدرك جيدا أن الشخص المتكل على ثروته وعلى سلطته الزمنيه زائله،
ولذلك كل من هو متكل عليهما هو في دائره الغباء، لأن الغبي هو الذي يكنز كنوزا ولا
يدري من يضمها، لأن ثروة الأشرار مؤقتة، وقد تؤول لآخر صالح يعرف كيف يديرها "
فَهُوَ يُعِدُّ وَالْبَارُّ يَلْبَسُهُ، وَالْبَرِئُ يَقْسِمُ الْفِضَّةَ.
(أيوب ٢٧: ١٧) وفي ترجمة كتاب الحياة " فَإِنَّ مَا يُعِدُّهُ مِنْ
ثِيَابٍ يَرْتَدِيهِ الصِّدِّيقُ، وَالْبَرِيءُ يُوَزِّعُ الْفِضَّةَ. " فعندما
يقول " والبارّ يلبَسُه " تعني أن الشخص الصالح سيرتدي ثياب
الفاجر، أي سيستفيد من ثروته، والشخص البريء سيوزع ثروة الفاجر على المستحقين،
وهذا اظهار لعدالة الله، فهو لا يسمح للأشرار بالتمادي وبالتمتع بثرواتهم بشكل
دائم، بل سيُحوّل ثرواتهم إلى أشخاص صالحين يستحقونها أكثر، ولن يأخذوا نصيبا إلا
الفضائح عن ما غرتكبوا، لذلك علينا الإبتعاد عن الظلم والفساد، والتمسك بالصلاح
والبر، فالثروة الحقيقية هي في التقوى والأخلاق الحميدة، وليست في جمع الأموال
بطرق غير مشروعة.
الشرير الفاسد يستخدم ما جمع من أموال ( أكثرها بالفساد وبطرق غير مشروعة )
وما وصل اليه من سلطة، يستخدمهما في تثبيت ذاته وتخصيص إمكانياته في أذية من يقول
له " لا يحل لك " لذلك سيأتي عليه يوما لا ينفعه المال ولا تخدمه
السلطة ... لماذا ؟ لأن البيت المصنوع من ما لا يملكه سيكون هش وضعيف " يَبْنِي
بَيْتَهُ كَالْعُثِّ، أَوْ كَمَظَلَّةٍ صَنَعَهَا النَّاطُورُ. (أى ٢٧ : ١٨) وفي
ترجمة كتاب الحياة " بْنِي بَيْتَهُ كَبَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ، أَوْ
كَمَظَلَّةٍ صَنَعَهَا حَارِسُ الْكُرُومِ. " بيته هش ولا يدوم، مثل بيت
العنكبوت أو مأوى الحارس المؤقت، فحتما سياخذ ماله ومكانته أخر، لذلك لا تعمل
لذاتك فتخسر الكل، بل اخدم الكل فتربح نفسك.
فما جمعهُ من مالٍ ومكانةٍ سيُنتزعُ منهُ عاجلا أو آجلاً، ولن يبقى لهُ إلا
ما قدمهُ للناسِ من خيرٍ وبرٍّ، فلا تُضيّعْ عمركَ في العملِ لذاتكَ فقط، بل اجعلْ
سعيَكَ في خدمةِ الآخرين، ففي ذلكَ سعادتكَ الحقيقيةُ وفوزكَ الدائمُ، تذكرْ
دائماً أنّ الله يُحبُّ الصالحين، ويُجزيهم خيرَ الجزاءِ في الدنيا والآخرة، فانْطلقْ
بِقلبٍ طيبٍ ونيةٍ صادقةٍ، واعملْ بِجدٍّ وإخلاصٍ لِخدمةِ الناسِ، فستُنالُ من
الله ما لا تخطرُ على بالكَ، فإسعي لمساعدةُ المحتاجين الماديةَ أو المعنويةَ لمن
هم في حاجةٍ إليها، سواءً كانوا من أقاربكَ أو أصدقائكَ أو من الغرباءِ، والتطوعُ
في الأعمالِ الخيرية أو تطوعْ في أحدِ المشاريعِ التي تُساعدُ المحتاجين، بالاضافة
الي نشرُ العلمِ والمعرفة علّمْ الناسَ ما تعرفهُ، سواءً كان ذلكَ من خلالِ إعطاءِ
الدروسِ أو كتابةِ المقالاتِ أو إلقاءِ المحاضراتِ، تذكرْ أنّ كلَّ عملٍ خيريٍّ
مهما كان صغيراً يُثبَتُ ك وتنال اجرك ومكافئتك الابدية ويكون لك ذكر في الدنيا
والأخرة، فلا تترددْ في تقديمِ المساعدةِ للآخرين، ففي ذلكَ سعادتكَ الحقيقيةُ
وفوزكَ الدائمُ.
- نهاية معدومة دنيا وأخرة :
نهايةٍ بائسةٍ للاشرار في الآخرةِ، فالثراءُ والسلطة لا ينفعُان في
الآخرةِ، ولا يُمكنُ للإنسانِ أن يأخذَ معهُ شيئًا من أموالِهِ الدنيويةِ عندَ
موتهِ " يَضْطَجعُ غَنِيًّا وَلكِنَّهُ لا يُضَمُّ. يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ
وَلا يَكُونُ. (أيوب ٢٧: ١٩) وفي ترجمه كتاب الحياه " يَضْطَجِعُ
غَنِيًّا وَيَسْتَيْقِظُ مُعْدَماً. يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ وَإذَا بِثَرْوَتِهِ قَدْ
تَلاشَتْ. (أيوب ٢٧: ١٩) يموت ثريًا، لكنه لا ينعم بثروته في الآخرة، إن موتِ
الانسان المتكل علي غناه دونَ أن يُخلّف وراءَه وريث، أو أنّهُ يموتَ دونَ أن يتمتع
بثرواتِه في حياتِه، تعطي معني ورسالة واضحة أن عدمِ قيمةِ الثروةِ في الحياةِ الآخرةِ،
لذلك يقول كاتب المزمور " لا تَخْشَ إِذَا اسْتَغْنَى إِنْسَانٌ، إِذَا زَادَ مَجْدُ بَيْتِهِ. لأنَّهُ عِنْدَ مَوْتِهِ كُلَّهُ لا يَأْخُذُ. لا يَنْزِلُ وَرَاءَهُ مَجْدُه ( مز ٤٩ : ١٦ ،
١٧ ) فهي لا تُمكنُ الإنسانَ من الشراءِ أو البيعِ أو التمتّعِ بأيّ شيءٍ في
الآخرةِ، إن فناءِ الدنيا وزوالِها، وفناء الثروات المادية تعطي لنا رسالة أن الثروةَ
الحقيقيةَ هي في تقوى الله وصالحُ الأعمالِ التي تُنفعُ الإنسانَ في الدنيا والآخرةِ
" اَلرَّجُلُ الأمِينُ كَثِيرُ الْبَرَكَاتِ، وَالْمُسْتَعْجِلُ إِلَى
الْغِنَى لا يُبْرَأُ. (الأمثال ٢٨: ٢٠) فأعمال المؤمنين الصالحين تمنح لهم
أجرا عظيما في الأخره
لابد إدراك أن الحياة الزمنية مؤقتة، دخلناها بلا شيئ وسنخرج منها ايضا
بدون شيئا " لأنَّنَا لَمْ نَدْخُلِ الْعَالَمَ بِشَيْءٍ، وَوَاضِحٌ
أَنَّنَا لا نَقْدِرُ أَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ. (١ تيموثاوس ٦: ٧) لان غنى
المؤمن الحقيقي هو فيما يفعل من صلاح واستقامة قلب وخدمة حقيقية وليست مزيفة أو
غير مهدفة للذات " لا تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ. بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لا يُفْسِدُ سُوسٌ وَلا صَدَأٌ، وَحَيْثُ لا يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلا يَسْرِقُونَ، لأنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا ( مت
٦ : ١٩ ، ٢١ ) فالمؤمن الفاهم للحق يسير بالأمانة ناظرا لذاته أبديا وليس دنياويا،
فمن يهتم بما هو دنيوي فقد ظلم نفسه والأخرين ايضا
هذا بالاضافة الي الاهتمام براحة البال وهدوء النفس، مع ملاحظة ان الغني
ليس الغني المادي ولكن يوجد غني النفس، وغني المبادئ والتعامل بالإصول " قِنْيَةُ الْحِكْمَةِ كَمْ هِيَ خَيْرٌ مِنَ
الذَّهَبِ، وَقِنْيَةُ الْفَهْمِ تُخْتَارُ عَلَى الْفِضَّةِ! (أم ١٦ : ١٦) فالمؤمن
الحق هو من يسير على طريق الأمانة، ناظرًا لذاته وللرب في كلّ خطوة يخطوها، لا
لدنيا زائفة. من يجعل الدنيا همّه وهمه، قد ظلم نفسه وأضاع سعادته الحقيقية في
الحياة الآخرة " وَقَالَ لَهُمُ:"انْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ
الطَّمَعِ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ
أَمْوَالِهِ". (لو ١٢ : ١٥) إنّ غنى النفس وراحة البال هما ثروتنا
الحقيقية، فالمال قد يزول ويذهب، لكنّ غنى النفس يبقى معنا للأبد. غنى النفس هو أن
نكون قانعين بما بين ايدينا " وَلكِنَّهُ يُعْطِي نِعْمَةً أَعْظَمَ.
لِذلِكَ يَقُولُ:"يُقَاوِمُ الله الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ
فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً". (يع ٤ : ٦) وأن نتعامل مع الآخرين بِحسن الخلق
والأخلاق الحميدة، إنّ غنى المبادئ هو أن نتمسك بالقيم والمبادئ التي نؤمن بها،
وأن لا نتنازل عنها مهما كانت الظروف " لا تَرْتَكِبُوا جَوْرًا فِي الْقَضَاءِ، لاَ
فِي الْقِيَاسِ، وَلاَ فِي الْوَزْنِ، وَلاَ فِي الْكَيْلِ. مِيزَانُ حَقّ،
وَوَزْنَاتُ حَقّ، وَإِيفَةُ حَقّ، وَهِينُ حَقّ تَكُونُ لَكُمْ. أَنَا الرَّبُّ
إِلهُكُمُ الَّذِي أَخْرَجَكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. (لا١٩ : ٣٥-٣٦) المؤمن القويّ هو من يملك إيمانًا
راسخًا في قلبه، لا يتزعزع بِالشكوك أو المغريات، المؤمن الحقيقيّ هو من يُطبّق
إيمانه في حياته، قولا وفعلًا، المؤمن الصالح هو من يُنشر الخير والعدل في المجتمع
من الصعب ان يعيش الانسان في دوائر المعاناة مع قسوة الاهوال التي تلاحق
الانسان المخطيى أو الشرير أو حتي المؤمن الصالح، فلا أحد بمنأى عن المعاناة، فهي
جزء من الحياة ولا يستثنى أحدا من مواجهة الأوقات الصعبة والتحديات، سواء كانت
مادية أو صحية أو عاطفية، ولكن أيوب هنا يتكلم عن الرجل الغير صالح الشرير الذي لا
يضع الله في حساباته " الأهْوَالُ تُدْرِكُهُ كَالْمِيَاهِ. لَيْلا
تَخْتَطِفُهُ الزَّوْبَعَةُ. (أى ٢٧ : ٢٠) فالمعاناه هنا نتيجة ووضع سلوكياته،
أما الرجل الصالح فعندما يجتاز في الام او معاناة تصبح المعاناة إختبارًا للإيمان
عندما يواجه صعوبات، قد يشكّ في إيمانه أو يتساءل عن حكمة الله. لكنّ أيوب يُعلّم
اصدقائه درسا أنّ الإيمان الحقيقيّ يُثبت في أحلك الظروف، لأنه يجب عدم نسيان قول
أيوب " تَمَسَّكْتُ بِبِرِّي وَلا
أَرْخِيهِ. قَلْبِي لا يُعَيِّرُ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِي. (أى ٢٧ : ٦) وهنا
الفارق الذي يضعه أيوب، فالشرير عندما يجرب فتجربته نابعه من أفعاله، اما الرجل
الصالح فتجربته تحسب امتحانا ويزكي من خلال الصبر والمثابرة، فأيوب لم يستسلم أمام
معاناته، بل واجهها بصبرٍ ومثابرة. يُعلّمنا أيوب أنّ الصبر والمثابرة ضروريّان
لتجاوز المحن، وأنّ الرجاء ينبع من الثقة في الله.
رغم كلّ ما مرّ به أيوب، حافظ على نظرة إيجابية للحياة. يُعلّمنا أيوب أنّ
التركيز على نعم الله وشكره، حتى في أصعب الأوقات، يُساعدنا للحفاظ على الأمل
والتفاؤل، فمهما كانت الظروف صعبة، لا يجب أن نفقد إيماننا أو صبرنا، فالصبر
والمثابرة من أهمّ الصفات التي يجب أن يتحلى بها المؤمن في مواجهة الشدائد " اِحْسِبُوهُ
كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ،
عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا. وَأَمَّا الصَّبْرُ
فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ
نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ. (يع١ : ٢-٤)
فقد صبر أيوب على جميع ما واجهه من آلام ومعاناة، ولم يستسلم لليأس، الصبر ليس مجرد قبولًا للأمر الواقع، بل هو سعيٌ
جادٌّ لتجاوز المحن. فالمؤمن الصبور لا يستسلم للظروف الصعبة، بل يبذل قصارى جهده
للخروج منها، مع توكله على الله و إيمانه بقدرته، " انْتَظِرِ الرَّبَّ.
لِيَتَشَدَّدْ وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ، وَانْتَظِرِ الرَّبَّ. (مز ٢٧ : ١٤) رغم
كلّ ما مرّ به أيوب حافظ على نظرة إيجابية للحياة. لم يفقد الأمل في رحمة الله،
وظلّ متفائلًا بمستقبل أفضل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
٤
رحلة صعبة في
سبيل كنز ثمين
أستطيع ايضا أن أعطي عنوانا آخر وهو " البحث عن الحكمه " ففي الإصحاح
الثامن والعشرون من سفر أيوب، يتكلم عن رحله داخل المنجم لإستخراج المعادن " لأنَّهُ
يُوجَدُ لِلْفِضَّةِ مَعْدَنٌ، وَمَوْضِعٌ لِلذَّهَبِ حَيْثُ يُمَحِّصُونَهُ.
(أيوب ٢٨: ١) وفي ترجمة كتاب الحياة يقول " لَا رَيْبَ أَنَّ هُنَاكَ
مَنْجَماً لِلْفِضَّةِ وَبَوْتَقَةً لِتَمْحِيصِ الذَّهَبِ. (أيوب ٢٨: ١) فالعلم
والمعرفه التي كانت لأيوب هي التي جعلته قادرا على الصمود في وقت الصعاب، فقد نظر
الى ذاته فرأى ذاته معدنا ثمينا، وهذا المعدن لكي يستطيع أن يكون في حالة من النقاء
عليه أن يوضع في البوتقة او النار ليخرج نقيا، ويُشير أيوب إلى وجود مناجم الفضة
والذهب، ومصاهر الحديد، وعمال المناجم الذين يخاطرون بحياتهم لاستخراج هذه المواد
الثمينة " الْحَدِيدُ يُسْتَخْرَجُ مِنَ التُّرَابِ، وَالْحَجَرُ يَسْكُبُ
نُحَاسًا. (أيوب ٢٨: ٢) وفي ترجمة كتاب الحياة يقول " يُسْتَخْرَجُ
الْحَدِيدُ مِنَ التُّرَابِ، وَمِنَ الْمَعْدَنِ الْخَامِ يُصْهَرُ النُّحَاسُ.
(أيوب ٢٨: ٢) فلله قدرة في تكوين المعادن الثمينة في باطن الأرض، وعلي الإنسان أن
يبذل الجهد الشاق والخطير الذي يبذله عمال المناجم لاستخراج هذه المواد، فالبحث عن
المعادن الثمينة كالبحث عن الحكمة، فكما أن المعادن الثمينة نادرة وصعبة المنال،
كذلك الحكمة يصعب العثور عليها " أَمَّا الْحِكْمَةُ فَمِنْ أَيْنَ
تُوجَدُ، وَأَيْنَ هُوَ مَكَانُ الْفَهْمِ؟ لا يَعْرِفُ الإنْسَانُ قِيمَتَهَا
وَلا تُوجَدُ فِي أَرْضِ الأحْيَاءِ. (أيوب ٢٨: ١٢، ١٣) فسواء كانت المعادن
الثمينه بتاعتك تحتاج لمجهود وجود وعمل شق كذلك ايضا لاستخراج الحكمه من الحياه يحتاج
ايضا الى الفهم والادراك والبحث المدني في دائره الحياه ليتعلم الإنسان الحكمه
- حجر الظلمة وظل الموت :
كتب ايوب عباره في غايه الغرابه فقال ان الظلم نهايه وهذا حتمي وحقيقي وانا
لا يفحص حتى اعماق الظلمه ولكن كتب كلمه فقال حجر الظلام للموت " قَدْ جَعَلَ لِلظُّلْمَةِ نَهَايَةً، وَإِلَى
كُلِّ طَرَفٍ هُوَ يَفْحَصُ. حَجَرَ الظُّلْمَةِ وَظِلَّ الْمَوْتِ. (أى ٢٨ :
٣) تُستخدم بشكل مجازي لوصف قوى الشر واليأس التي تُحاصر البشرية، يُشير
إلى صلابة الظلم وقوته. فكما أن الحجر صعب الكسر، كذلك فإن الظلم راسخ ومُتغلغل في
العالم، كما ان كلمة "حجر" أيضاً تشير إلى ثقل الظلم على النفس، حيث
يشعر المظلوم بثقل الظلم كأنه حجر ثقيل يُثقل كاهله، فيشعر الانسان انه في " ظل
الموت " كرمز للعدم والفناء، والخوف من الموت الذي يُسيطر على البشر
ويُسبب لهم القلق واليأس، يُرتبط الظلم بالموت، فكلاهما يُسبب المعاناة والألم
للإنسان، فالظلم والموت هما وجهان لعملة واحدة، فكلاهما يُمثل قوى الشر والهلاك
التي تُهدد الحياة، لذلك شعر أيوب أن العمال الذين يحفرون حفر في منجم بعيد جدا عن
السكان وعن العمار، وكأنه في اماكن مظلمة ممتليئ بالأحجار الصلبة والصعبة الكسر،
وكان الإنسان في وادي ظل الموت، هذا لكي يخرج معادن ثمينة، لكي يخرج الحكمه فهو
يحفر في دائره الحياة لكي يستخلص كل ما هو ثمين من الأفكار والمبادئ " حَفَرَ مَنْجَمًا بَعِيدًا عَنِ
السُّكَّانِ. بِلا مَوْطِئٍ لِلْقَدَمِ، مُتَدَلِّينَ بَعِيدِينَ مِنَ النَّاسِ
يَتَدَلْدَلُونَ. (أى ٢٨ : ٤) فالصعوبة في العثور على الحكمة والمعرفة. فكما
أن الظلمة تُخفي الأشياء، كذلك فإن صعوبة العثور على الحكمة تُخفيها الايام عنا.
- ثراء الأرض وحكمة الله :
عمال المناجم يعيشون في دائره استخراج الثمين والغالي ولكنه من وسط حجر الظلمه،
لا يستطيع أن يستمر في هذه المنطقه الا إذا كان شخص ممتلئ بالأمل والرجاء فيما يفعل
وأن له في النهايه نجاح مثمر وممدوح من الجميع، هكذا نحن كمؤمنين في وسط هذا
العالم فندخل في دوائر من الظلمه ومناطق صعاب وآلام وتجارب، لكن المؤمن يغني فيقول
" أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لا أَخَافُ شَرًّا،
لأنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي. (المزامير
٢٣: ٤) وفي ترجمة كتاب الحياة " حَتَّى إِذَا اجْتَزْتُ وَادِي ظِلالِ
الْمَوْتِ، لَا أَخَافُ سُوءاً لأنَّكَ تُرَافِقُنِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا
مَعِي يُشَدِّدَانِ عَزِيمَتِي. " فشعور المؤمن بالأمان في حضرة الله حتى
في أحلك الظروف، فمهما كان الظلم قاسياً، أو الموت قريباًهذا يخرج من قلب المؤمن
حكمة وجمال، لأن المؤمن يُؤمن بأن الله معه ويُسانده، ويخرج المؤمن من دائرة هذه
الظلمة باختبارات رائعة ولالئ سمينه في داخلي نفسه، فكما أن نور الشمس يُبدد
الظلام، كذلك فإن مجيء المسيح في حياة الإنسان يُبدد قوى الشر واليأس ويُنير قلوب
البشر بالأمل والفرح، وسياتي اليوم الذي يمسح الله فيها كل دمعه من عيون كل متالم
وحزين ومن رأى في حياته الاما من أجل خدمه العلي ومن اجل السلوك في دائرة الأمانة "
وَسَيَمْسَحُ الله كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لا يَكُونُ
فِي مَا بَعْدُ، وَلا يَكُونُ حُزْنٌ وَلا صُرَاخٌ وَلا وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ،
لأنَّ الأمُورَ الأولَى قَدْ مَضَتْ». (رؤيا ٢١: ٤) سيتمتع بها المؤمن في السماء
الجديده والارض الجديده، فكما أن الموت هو نهاية الحياة على الأرض، كذلك فإن
السماء الجديدة هي بداية حياة جديدة أبدية خالية من كل شر.
فالارض التي يخرج منها الخبز عندما يوضع فيها النار ( الديناميت ) لتفجيرها
يخرج منها الياقوت الازرق ومن التراب يخرج الذهب " أَرْضٌ يَخْرُجُ مِنْهَا الْخُبْزُ، أَسْفَلُهَا يَنْقَلِبُ كَمَا بِالنَّارِ. حِجَارَتُهَا هِيَ مَوْضِعُ الْيَاقُوتِ الأزْرَقِ، وَفِيهَا تُرَابُ الذَّهَب ( اي ٢٨ : ٥ ، ٦ ) وايضا يمكننا فهم هذه الايات كما يلي : ترينا ثراء الأرض
وكنوزها المخفية. تُشير الأرض إلى قدرتها على إنتاج الغذاء، مثل الخبز، بينما تُشير
النار إلى حرارة باطن الأرض التي تخلق المعادن الثمينة، ففي وسط هذا المكان المحجر
المظلم الشديد الحراره في الداخل - داخل الارض، لا يستطيع من له قوة ونظر النسر
الكاسر ببصره أن يرى عمق وجمال ما فيها من لالئ واشياء ثمينة، وليس من له قوة
زمجرة الأسد الزائر الذي يزئر أن يستخرج ما فيها من كنوز، او يكتشف ما بداخل هذا
الطريق " سَبِيلٌ لَمْ يَعْرِفْهُ كَاسِرٌ، وَلَمْ تُبْصِرْهُ عَيْنُ
بَاشِق، وَلَمْ تَدُسْهُ أَجْرَاءُ السَّبْعِ، وَلَمْ يَعْدُهُ الزَّائِرُ.
(أيوب ٢٨: ٧، ٨) فهو مكان كالصوان يحتاج لمن يستطيع أن يفجر هذه الصخور ويستخرج إمورنا
ثمينة من وسط هذا المكان الصعب والمظلم، في ايوب هنا يستخدم الصور الحيوانية القوية
لوصف صعوبة الوصول إلى هذه الكنوز، فلا يستطيع حتى أقوى الحيوانات الوصول إلى هذه
الأماكن، يُظهر هذا الوصف قدرة الله على خلق عجائب الطبيعة، فهو خالق كل شيء، بما
في ذلك ثروات الأرض المخفية.
إن القدرة علي إستكشاف كنوز الأرض وعينه ترى كل ثمين يُشبه ايوب الإنسانَ
بطائرٍ ينقرُ الصّخورَ بحثًا عن المعادن الثمينة ( سربًا ) اشارة إلى المثابرة
والجهد المبذول في عملية الإستكشاف، ( وعينه ترى كل ثمين ) تُؤكّد قدرة الإنسان
على تمييز الكنوز المخفية " يَنْقُرُ فِي الصُّخُورِ سَرَبًا، وَعَيْنُهُ
تَرَى كُلَّ ثَمِينٍ. (أى ٢٨ : ١٠) ليس هذا فقط لكنه يري كيف أن الإنسان له
قدرة في التحكم ولتحويل مجرى نهر لبناء منجم أو استخراج معدن ( وأبرز الخفيات إلى
النور ) تُظهر قدرة الإنسان على الكشف عن كنوز الأرض المُخبّأة في باطنها " يَمْنَعُ
رَشْحَ الأنْهَارِ، وَأَبْرَزَ الْخَفِيَّاتِ إِلَى النُّورِ. (أى ٢٨ : ١١) هذه
القدرة تمنح الانسان الأمل في الغد وتمنحه نشاط لليوم التالي
يربط أيوب الجزء الأول من الآية بين قدرة الإنسان على العمل الجاد
والمثابرة مع قدرته على اكتشاف كنوز الأرض، ويربط الجزء الثاني من الآية بين قدرة
الإنسان على التمييز مع قدرته على رؤية الكنوز المخفية، تُشجعنا هذه الآية على
المثابرة في العمل الجاد وعدم الاستسلام بسهولة، حتى في مواجهة الصعوبات، تُذكرنا
أيضًا بأهمية تطوير مهاراتنا في التمييز حتى نتمكن من رؤية الفرص التي لا يراها
الآخرون، وان العمل الجاد يحتاج لرؤيا ثاقبة لتحديد الاهداف والوصول اليها، وان
بعد كل صعاب مكاسب يقتنصها الانسان وتمتلكها النفس البشرية.
- وسط المكاسب اين يجد الإنسان الحكمة :
فبالرغم من قدرة الانسان استكشاف كنوز الأرض، لكننا نري محدودية قدرة
الإنسان على الوصول إلى الحكمة الحقيقية " أَمَّا الْحِكْمَةُ فَمِنْ
أَيْنَ تُوجَدُ، وَأَيْنَ هُوَ مَكَانُ الْفَهْمِ؟ لا يَعْرِفُ الإنْسَانُ
قِيمَتَهَا وَلا تُوجَدُ فِي أَرْضِ الأحْيَاء. (أى٢٨ : ١٢-١٣) صعوبة العثور على الحكمة، فهي لا تُقارن
بالمعادن الثمينة النادرة مثل الذهب والياقوت، فالحكمة الحقيقية تأتي من الله
وحده، ولا يمكن للإنسان الوصول إليها بمجهوده الخاص، فالحكمة كنز ثمين من عند الله،
ووسط كنوز الأرض تبقى الحكمة جوهرة نادرة يصعب العثور عليها.
يُشبه ايوب الحكمة بالذهب والياقوت، نُدرتها تجعلها غالية الثمن، فلا
تُقارن بأيّ متاع دنيوي، أنّ مصدر الحكمة الحقيقي هو الله وحده، لا يمكن للإنسان
نيلها بمجهوده الخاص مهما سعى و اجتهد " لاَ يُعْطَى ذَهَبٌ خَالِصٌ بَدَلَهَا، وَلا
تُوزَنُ فِضَّةٌ ثَمَنًا لَهَا. لا تُوزَنُ بِذَهَبِ أُوفِيرَ أَوْ بِالْجَزْعِ
الْكَرِيمِ أَوِ الْيَاقُوتِ الأزْرَقِ. لا يُعَادِلُهَا الذَّهَبُ وَلا
الزُّجَاجُ، وَلا تُبْدَلُ بِإِنَاءِ ذَهَبٍ إِبْرِيزٍ. لا يُذْكَرُ الْمَرْجَانُ
أَوِ الْبَلُّوْرُ، وَتَحْصِيلُ الْحِكْمَةِ خَيْرٌ مِنَ اللّآلِئِ. (أى٢٨
: ١٥-١٨) قيمتها فوق أيّ متاع مادي، وهو
يمنحها للمؤمنين الذين يطلبونها بصدق وتقوى، فالحكمة الحقيقية ليست مجرّد معرفة،
بل هي نور يُضيء العقل والقلب، ويُلهم صاحبه التصرف بسلوك سويّ مُتّزن " اَللهُ يَفْهَمُ طَرِيقَهَا، وَهُوَ عَالِمٌ
بِمَكَانِهَا. وَقَالَ لِلإنْسَانِ: هُوَذَا مَخَافَةُ الرَّبِّ هِيَ الْحِكْمَةُ،
وَالْحَيَدَانُ عَنِ الشَّرِّ هُوَ الْفَهْمُ". (أى٢٨ : ٢٣، ٢٨) إنّها هبة إلهية تُثري حياة الإنسان
وتُسعده في الدنيا وفي الاخرة.
- مصدر الحكمة الحقيقي :
لا يوجد مصدر للحكمة الحقيقية غير أنها من الله وحده. فالحكمة بحسب أيوب مخفية
عن عيون البشر، ولا يمكن الوصول إليها إلا من خلال معرفة الله وفهمه لطرقها "
إِذْ أُخْفِيَتْ عَنْ عُيُونِ كُلِّ حَيٍّ، وَسُتِرَتْ عَنْ طَيْرِ السَّمَاءِ.
(أى ٢٨ : ٢١) فالحكمه لها مصدر واحد هو الله والتعامل معه في دائرة المخافه
والبحث والمعرفه " بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ، وَمَعْرِفَةُ
الْقُدُّوسِ فَهْمٌ. (أم ٩ : ١٠) ففكرة أن الحكمة مخفية.. هذا يرجع لأنها مرتبطة
بالله، ومعرفته تحتاج الى من يقترب اليه، يتكلم عنها الرسول يعقوب ويقول أنها طاهرة
وتعاملتها مع بني البشر تصير بحسب الرحمه وتقود الي دائرة الأثمار الصالحة " وَأَمَّا
الْحِكْمَةُ الَّتِي مِنْ فَوْقُ فَهِيَ أَوَّلا طَاهِرَةٌ، ثُمَّ مُسَالِمَةٌ،
مُتَرَفِّقَةٌ، مُذْعِنَةٌ، مَمْلُوَّةٌ رَحْمَةً وَأَثْمَارًا صَالِحَةً،
عَدِيمَةُ الرَّيْبِ وَالرِّيَاءِ. (يع ٣ : ١٧) فكمال الحكمه هي بكمال الله لأن
هو مصدرها ويعلم مكانها " اَللهُ يَفْهَمُ طَرِيقَهَا، وَهُوَ عَالِمٌ
بِمَكَانِهَا. (أى ٢٨ : ٢٣) وتظهر من خلال معاملات الله في الطبيعه فبالحكمة
نظم الكون " لِيَجْعَلَ لِلرِّيحِ وَزْنًا، وَيُعَايِرَ الْمِيَاهَ
بِمِقْيَاسٍ. (أى ٢٨ : ٢٥) ( أم ٣ : ١٩ ) ولا نستطيع معرفة طرقها ومكانها إلا
من خلال كلمه الله لأنها السراج المنير لكل الطرق والسبيل " مَا أَحْلَى
قَوْلَكَ لِحَنَكِي! أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ لِفَمِي. مِنْ وَصَايَاكَ
أَتَفَطَّنُ، لِذلِكَ أَبْغَضْتُ كُلَّ طَرِيقِ كَذِبٍ. سِرَاجٌ لِرِجْلِي
كَلامُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي. (مز١١٩ :
١٠٣-١٠٥) فمن يلجأ اليه ويسير بموجبها يشبه برجلا عاقلا بنى بيته على الصخر،
فكلمه الله هي الطريق الوحيد للحكمة الإلهية وبدونها لن يستطيع أن يصل الإنسان إلى
دائرة الحكمة الحقيقية بل سيصير في الحكمة الإنسانية البشرية الزائلة
- غربة الصعاب والحكمة في ظلّ سفر أيوب:
رحلة عميقة في دروب المعاناة والحكمة، حيث يجسد أيوب شخصية الإنسان الصالح
الذي يتعرض لأشدّ المحن وأقساها، فيختبر إيمانه وصبره على أتمّ وجه، فنري فيها المعاناة
كبوابة للحكمة، فمن خلال تجاربه المريرة، يتعلم أيوب دروسًا قيّمة عن الحياة، وعن
معنى العدل الإلهي، وعن صبر المؤمن، وعن حكمة الله التي تفوق إدراك البشر " لأنَّهُ يَعْرِفُ طَرِيقِي. إِذَا جَرَّبَنِي
أَخْرُجُ كَالذَّهَبِ. (أى ٢٣ : ١٠) فالمعاناة كالنار التي تصهر المعدن وتُخرج
شوائبه، كذلك تُخرج المعاناة من قلب المؤمن الشوائب وتُصقله، وتُعلمه معنى الصبر
والتوكل على الله، ولذلك استخلص ايوب أن الحكمة الحقيقية تنبع من التجارب، فهي لا
تُكتسب الحكمة الحقيقية من الكتب أو من الأقوال، بل من خلال التجارب الحياتية،
خاصةً تلك التي نواجه فيها صعابًا وتحديات. فالمعاناة تُجبرنا على التفكير
والتأمل، وتُعيننا على فهم أنفسنا وفهم العالم من حولنا بشكل أفضل، فالحكمة
الحقيقية تأتي من الخضوع لله والإيمان بقدرته وحكمته، حتى في أحلك الظروف، ولن يصل
الانسان اليها إلا من خلال الصبر مفتاح الحكمة، فالمؤمن الصبور لا يستسلم لليأس
والقنوط، بل يُواجه الصعاب بتصميم وعزيمة، ويُبذل قصارى جهده للخروج منها، فالصبر
يُساعدنا على تحمّل المصاعب، ويُعيننا على التمسك بالقيم والمبادئ، ويُقربنا من
الله ومن الحكمة الحقيقية، بالمقابل، تُساعدنا الحكمة على تخطّي الصعاب، فمن خلال
فهمنا للحياة وللدنيا، ومن خلال إيماننا بقدرة الله وحكمته، نستطيع مواجهة
التحديات بروحٍ إيمانية قوية، ونستطيع إيجاد الحلول المناسبة للمشكلات التي
نواجهها، فالحكمة أثمن ما يملكه الإنسان، فهي تُساعده على عيش حياة سعيدة وهادفة،
وتُساعده على تخطّي الصعاب وتحقيق النجاح، ففي ظلّ الصعاب، نتعلم وننمو ونُصبح
أكثر حكمة، ونستطيع أن نعيش حياة مليئة بالمعنى والقيمة.
٥
مقارنة تستحق التأمل
نحن لا ننسى أن أيوب كان رجلا ثريا وله مكانة إجتماعية مرموقه " وَكَانَتْ مَوَاشِيهِ سَبْعَةَ آلافٍ مِنَ
الْغَنَمِ، وَثَلاثَةَ آلافِ جَمَل، وَخَمْسَ مِئَةِ فَدَّانِ بَقَرٍ، وَخَمْسَ
مِئَةِ أَتَانٍ، وَخَدَمُهُ كَثِيرِينَ جِدًّا. فَكَانَ هذَا الرَّجُلُ أَعْظَمَ
كُلِّ بَنِي الْمَشْرِقِ. (أى ١ : ٣) ثم يدخل في ضيقه نتاج حرب في عالم الروح إنه
صراع روحي وليس دنيوي ويُعدّ موضوعًا مُثيرًا للنقاش بين المفسرين واللاهوتيين على
مر العصور بينما يُركّز البعض على المعاناة الجسدية والماديّة التي واجهها أيوب،
يرى آخرون أنّ الصراع الحقيقي دار في عالم الروح " فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ:
(أى١ : ٨-١٢) حرب أيوب ليس له فيه باع،
فحقيقة الأمر بالنسبه له أمرا محيرا للغايه، لأنه لا يرى الحرب في عالم الروح ولا
يرى نهايه واضحه لما هو فيه، ففقدان الممتلكات
يُفسّر البعض حرب أيوب على أنها سلسلة من الكوارث المادية التي واجهها، مثل
فقدان الثروة والمواشي والأبناء، ويرون الآخرين أنه إختبار إلهي لإيمان أيوب من
خلال هذه الأحداث، ليثبت صبره وتقواه.
لست مع هذه الفكرة لان الله لا
يجرب ولا يختبر بالشرور والبلايا والمصائب، ولكنه صراع مع الشيطان صراع روحي بين
أيوب والشيطان، أراد إبليس لأيوب التشكيك في الإيمان، فوضعه أمام أزمة إيمان مستغلا
معاناته، ممّا حاول دفعه إلى التشكيك في عدالة الله، ولكن هذه الحرب مكّنته من
الوصول إلى مستوى أعلى من التسامي الروحي، حيث تعلّم الصبر والرضا والتسليم لله،
برغم انه تمني أن يكون كما في السابق ولم يحدث له ما حدث " يَا لَيْتَنِي
كَمَا فِي الشُّهُورِ السَّالِفَةِ وَكَالأيَّامِ الَّتِي حَفِظَنِي الله فِيهَا،
حِينَ أَضَاءَ سِرَاجَهُ عَلَى رَأْسِي، وَبِنُورِهِ سَلَكْتُ الظُّلْمَةَ. كَمَا
كُنْتُ فِي أَيَّامِ خَرِيفِي، وَرِضَا الله عَلَى خَيْمَتِي، (أى٢٩ : ٢-٤) وكأن في زمن الرحب يكون الرضا، وفي زمن
الضيق يري الغضب، ولكن في الحقيقة لا يوجد زمن غضب من الله علي حياة ايوب برغم
الضيق والمعاناة.
لا يمكن الجمع بين وجهتي النظر المادية والروحية لفهم حرب أيوب بشكل شامل.
فالمعاناة الجسدية التي واجهها أيوب كانت حقيقية مؤلمة، لكنّها ليست أداة إختبار روحي
من الله، فهي استخدمت بوجودها كأداة حولها الله في النهاية لخير أيوب ورفعته، إن
الضوء يُسلّط على أهمية الصراعات الروحية في رحلة الإنسان نحو الله. فمن خلال هذه
الصراعات، يُمكننا اختبار إيماننا وتقويتنا، والوصول إلى مستويات أعمق من الفهم
والتسامي، الله لا ياتي بالضيق والالم ولكنه عندما يكون الم يستخدمه الله للرفعه
والمعية الإلهية ورؤية القدير في وسط المحن والظروف الصعبه، فحرب أيوب ترينا قوة
الإيمان والصبر، وتُظهر لنا أنّ المعاناة يمكن أن تكون أداة للنمو الروحي.
- التقوي والإيمان أبواب للسلام الداخلي :
لأيوب صفات إيمانية، التقوى والإيمان العميقين بالله، كما هو واضح من سلوكه
وأقواله. فهو معروف بأعماله الخيرية ومساعدته للمحتاجين، مما يدل على إيمانه القوي
بالعدالة الإلهية وبرحمته، فإيمانه بأن الله معه وامكانياته متاحة لمساعدة الجميع "
وَالْقَدِيرُ بَعْدُ مَعِي وَحَوْلِي
غِلْمَانِي " وكانت خطواته عطاءة من الخيرات " إِذْ غَسَلْتُ خَطَوَاتِي بِاللَّبَنِ،
وَالصَّخْرُ سَكَبَ لِي جَدَاوِلَ زَيْتٍ. " هذا بالاضافة الي وضعه
الاجتماعي كقاضي " حِينَ كُنْتُ أَخْرُجُ إِلَى الْبَابِ فِي الْقَرْيَةِ،
وَأُهَيِّئُ فِي السَّاحَةِ مَجْلِسِي. (أى٢٩ : ٥-٧) فبرغم هذا كله اجتاز ايوب في محنة صعبة،
ولكنه ثبت وتمسك بإلهه، لذلك علينا تعلم الدرس كما عاش ايوب، إن التقوى والإيمان
هما أبواب للحماية الإلهية، كما اتضح من قصة أيوب. فمهما واجهنا من صعوبات ومحن،
يجب أن نثق في الله ونظل صابرين ومؤمنين بقدرته.
قصة أيوب - مثالًا فريدًا لحياة الإيمان الراسخ والتقوى العميقة،
حيث واجه مُحنًا عظيمةً لكنها لم تُثنِهِ عن إيمانه ولم تُضعف عزيمته، وقد كان
ممتلئا بالإيمان بالله - وثق بقدرته وعدله وحكمته، حتى في أحلك الظروف،
وكانه يعرف طرق الفهم الروحي بالتمسك بالله كما دونها سليمان الحكيم " لا
تَدَعِ الرَّحْمَةَ وَالْحَقَّ يَتْرُكَانِكَ. تَقَلَّدْهُمَا عَلَى عُنُقِكَ.
اُكْتُبْهُمَا عَلَى لَوْحِ قَلْبِكَ، فَتَجِدَ نِعْمَةً وَفِطْنَةً صَالِحَةً فِي
أَعْيُنِ الله وَالنَّاسِ. تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى
فَهْمِكَ لا تَعْتَمِدْ. فِي كُلِّ طُرُقِكَ اعْرِفْهُ، وَهُوَ يُقَوِّمُ
سُبُلَكَ. (أم٣ : ٣-٦) فالرب لا يترك
طالبيه والمستندين عليه في كل إمورهم، ولا يترك السالكين معه بالكمال وحياة التقوى
- فقد اتّصف أيوب بالتقوى والورع، فكان يتقي الله في كلّ أقواله وأفعاله، ويحرص
على الالتزام بأوامره وإجتناب نواهيه، وكان لديه استعداد كامل للصبر في وسط المصائب
الجسيمةً - ففقد ثروته وأولاده، وأصيب بمرضٍ عضال، لكنّه صبر على كلّ ذلك
إيمانًا منه بأنّ الله يمنح الخير لأولاده، وكانه يعيش مع فكر يعقوب الرسول عندما
قال " اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي
تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ
صَبْرًا. وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا
تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ. (يع١ : ٢-٤) فلم يتذمر أيوب علي الله، ولم ينسب لله
جهالة، حتي وإن جاء وقت فيه لعن يوم ولادته ولكنه لم ينسب لله أي جهالة.
حياة الإيمان الحقيقي تمنح بركات ونعم كثيرة ، فهي تظهر في الإنسان ( مستوي
إيمانه ) وهذا ما قاله كاتب العبرانيين " وَأَمَّا الإيمَانُ فَهُوَ
الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإيقَانُ بِأُمُورٍ لا تُرَى. (عب ١١ : ١) فقد
تحلي ايوب بمستوي حقيقي من الايمان العامل الفعال، الذي أظهر أيضا فيه حياة ( التقوي
ومخافة الرب ) وبغض الشر ورفض الكبرياء وحياة الكذب وكانه تعلم من الحق
الكتابي الذي يقول " مَخَافَةُ الرَّبِّ بُغْضُ الشَّرِّ. الْكِبْرِيَاءَ
وَالتَّعَظُّمَ وَطَرِيقَ الشَّرِّ وَفَمَ الأَكَاذِيبِ أَبْغَضْتُ. (أم ٨ :
١٣) فقد عاش أيوب في دوائر حياة الإيمان الحقيقي، امتلأ إيمانا وتقوي وتحلا بحياة (
الصبر وطول الأناة ) الذي هو ضمن ثمر الروح القدس " وَأَمَّا
ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلامٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاحٌ،
إِيمَانٌ (غلا ٥ : ٢٢) ياله ( فعلا ) من رجل رائع وعظيم إمتلأ أيوب من الإيمان
الحقيقي الذي كان له بمثابة مفتاح السلام الداخلي والتقوي والصبر والرضا بما لحق
به ووثق في قدرة الله الذي سيرفعه وينجيه من كل ما اتي عليه.
- الكرم والسخاء ونصرة المظلومين :
هذه كانت حياة أيوب في دائرة وجوده وسط جيله ووسط من حوله فالكل يشهد عن
وضعه وسطهم " لأنَّ الأذُنَ سَمِعَتْ فَطَوَّبَتْنِي، وَالْعَيْنَ رَأَتْ
فَشَهِدَتْ لِي، (أى ٢٩ : ١١) ماذا فعل ؟ كان رمزا للكرم والسخاء ونصرة
المظلومين كان نموذجًا لنصرة المظلومين، فصارت حياته شهادة حية على أخلاقه النبيلة،
فلم يترك المحتاج الذي يستغيث به " لأنِّي أَنْقَذْتُ الْمِسْكِينَ
الْمُسْتَغِيثَ وَالْيَتِيمَ وَلا مُعِينَ لَهُ. (أى ٢٩ : ١٢) لم يكتف أيوب بتقديم
المساعدة، بل سعى لإنقاذ الضعفاء والمستضعفين من براثن الفقر والعوز، وعمل علي إسعاد
القلوب المنكسرة، فقد تحرك نحو مشاعر من حوله لإسعادهم " بَرَكَةُ
الْهَالِكِ حَلَّتْ عَلَيَّ، وَجَعَلْتُ قَلْبَ الأرْمَلَةِ يُسَرُّ. (أى ٢٩ :
١٣) فلم يقتصر سخاؤه على العطاء المادي، بل امتد ليشمل العطاء العاطفي ودعم
المشاعر وتقديم السعادة لمن فقدوا السند والعائل، ياله من رجل عظيم وبحق فقد تحلي
بالعدل " لَبِسْتُ الْبِرَّ فَكَسَانِي. كَجُبَّةٍ وَعَمَامَةٍ كَانَ
عَدْلِي (أى 29: 14). اتخذ من العدل مبدأً ثابتًا في حياته، يدافع عن الحقوق
وينصر المظلومين دون خوفٍ أو مجاملة، هل يوجد اليوم من يضع نفسه من اجل خدمة من
حوله واسعادهم، فقد ساعد الارملة والمظلومين ولم يكتفي بل ساعد ايضا ذوي
الاحتياجات الخاصة " كُنْتُ عُيُونًا لِلْعُمْيِ، وَأَرْجُلا
لِلْعُرْجِ" (أى 29: 15). لم يُهمل أيوب ذوي الاحتياجات الخاصة، بل قدم
لهم العون والمساعدة ليُمكنهم من العيش بكرامة واستقلالية، هل يكتفي؟ كلا بل ساعد
ودافع عن الفقراء " أَبٌ أَنَا لِلْفُقَرَاءِ، وَدَعْوَى لَمْ أَعْرِفْهَا
فَحَصْتُ عَنْهَا" (أى 29: 16). لم يتردد أيوب في الدفاع عن حقوق الفقراء
والمظلومين، حتى لو كان ذلك يتطلب بذل الجهد والوقت، عاش أيوب يقاوم الظلم بكل
قوته " هَشَّمْتُ أَضْرَاسَ الظَّالِمِ، وَمِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ
خَطَفْتُ الْفَرِيسَةَ" (أى 29: 17). لم يرضخ أيوب للظلم، بل وقف بجرأة
ضد الظالمين وانتزع منهم حقوق من سلبها منهم بالقوة.
- أيوب في دائرة الصبر والعدالة :
تُظهر حياة أيوب صبره الجميل على رغم الإبتلاءات، إلا أنه لم يكن صبرًا
سلبيًا بل كان صبرًا إيمانيًا عميقًا. لم يستسلم أيوب للظلم الذي واجهه، بل وقف
بجرأة ضد الظالمين وانتزع منهم حقوق من سلبها منهم بالقوة، فقد تميز أيوب بالعديد
من الصفات الرائعة، أظهرها وكان أية حقيقية للإيمان الحقيقي بطريقة عملية، أن يكون
المؤمن بهذه الصورة في زمنه ياله من أمر نحتاجه اليوم، قد كان أيوب كريمًا وسخيًا
مع الجميع، فكان يعطي المحتاجين والمساكين دون تردد، إن سبب إهتمام أيوب بمن حوله
ومساندتهم يرجع إلي الأمل والرجاء الممتليئ به إذ قال "فَقُلْتُ: إِنِّي
فِي وَكْرِي أُسَلِّمُ الرُّوحَ، وَمِثْلَ السَّمَنْدَلِ أُكَثِّرُ أَيَّامًا.
أَصْلِي كَانَ مُنْبَسِطًا إِلَى الْمِيَاهِ، وَالطَّلُّ بَاتَ عَلَى أَغْصَانِي."
(أى٢٩ : ١٨-١٩) يصف أيوب بركاته السابقة ونعمة الله في حياته قبل ضيقته
والامه، يشير "وكر" إلى
مسكن أيوب الآمن والمريح، حيث كان يشعر بالأمان والسلام. و " تسليم الروح هنا
يدل على شعوره بالسكينة والراحة، كمن يُسلم نفسه للنوم دون قلق " وَمِثْلَ
السَّمَنْدَلِ أُكَثِّرُ أَيَّامًا " يشبّه أيوب نفسه بالسمندل، وهو
مخلوق أسطوري يُقال إنه يجدد حياته ويُعمر طويلا. ويدل ذلك على شعوره بالأمل في
استمرار حياته السعيدة لفترات طويلة " أَصْلِي كَانَ مُنْبَسِطًا إِلَى
الْمِيَاهِ " يُشبه أيوب جذوره بالوصول إلى رمز الحياة، وهو الماء ويدل ذلك على شعوره بالبركة والغنى
الروحي " وَالطَّلُّ بَاتَ عَلَى أَغْصَانِي " يُشبه أيوب أوراقه
بنزول الطل عليها، وهو رمز للبركة الإلهية والنمو الروحي، هنا إيمان أيوب القوي
بالله وشعوره بالامتنان لبركاته في الحياة. ويُعبّر عن شعوره بالأمان والسلام
والسعادة في ظلّ رعاية الله.
محترمًا ومقدّرًا - حظي أيوب
باحترام وتقدير كبيرين من الجميع، وذلك لشخصيته النبيلة وأخلاقه الحميدة، وكان
ايضا قياديًا - كان أيوب يتمتع بمكانة قيادية في مجتمعه، وكان يُستشار في الأمور
المهمة، وذلك لحكمته ورجاحة عقله، يقدم لنا أيوب في هذه الآيات صورة مشرقة للعدل
والرحمة. فكان يُعرف بكرمه ومساعدته للمحتاجين، فكان "بركةً للهالك"
و" أسعد قلب الأرملة" . كما كان يُدافع عن الضعفاء والمظلومين، فكان
"عيونًا للعُمي وأرجلًا للعُرْج" لم تكن هذه الصفات مجرد ادعاءات من
أيوب، بل كانت شهادة حقيقية من الناس الذين عايشوه. فكانوا يصفونه بـ
"الكرامة" التي "بقيت حديثًا" بينهم، وأن "قوسه تجددت في
يده" رمزًا لقوته ونصره، لم يقتصر تأثير أيوب على مساعدة المحتاجين فحسب، بل
امتد ليشمل تأثيرًا روحيًا عميقًا على من حوله. فكانوا "يسمعون وينتظرون
وينصتون" لمشاوراته، معتبرين كلماته كقطرات مطر تنعش الأرض العطشى، كان أيوب
يتمتع بهيبة عظيمة، فكان الناس "ينتظرونه مثل المطر" (٢٣) ويُصغون إليه
باهتمام شديد حتى ابتسامته كانت تُثلج صدورهم، ونور وجهه كان يُشع عليهم ببهجة
وأمل (٢٤). يقدم لنا أيوب نموذجًا رائعًا للإنسان العادل والرحيم، الذي يُؤثّر
إيجابًا على من حوله بكلماته وأفعاله. فليكن أيوب مثالًا لنا في سلوكنا وعلاقاتنا
مع الآخرين حيث تُظهر لنا كيف واجه أيوب
التجارب والمصاعب بصبر وإيمان، وكيف خرج من هذه التجارب أقوى وأكثر حكمة
- معاناة وثبات إيماني كامل :
توجد مقارنات في قصه أيوب تستحق التأمل وهي ما بين حاله أيوب قبل وبعد المحنة،
فقد كان رجلا ثريا ومحترما إجتماعيا ويمتلك الكثير من الأغنام والجمال والأبقار
والخدم، ولكن بعد الابتلاء ظل ثابتا في ايمانه بالرغم من المعاناه الشديده وفي
النهايه رفعه الله واعطاه اضعاف ما كان يملك سابقا، هذه المقارنة تبرز قوة إيمان
أيوب وصبره رغم المحن، إن المقارنة بين المعاناة المادية والصراع الروحي الذي خاضه
أيوب. البعض يركز على المعاناة الجسدية والمادية التي واجهها أيوب، كفقدان
الممتلكات والأبناء. لكن الصراع الحقيقي كان في عالم الروح، بين أيوب والشيطان
الذي أراد أن يجعله يجدف على الله. في النهاية، مكّنت هذه المحنة أيوب من الوصول
إلى مستوى أعلى من النمو الروحي، حيث تعلم الصبر والرضا والتسليم لله. هذه
المقارنة تسلط الضوء على أهمية الصراعات الروحية في رحلة الإنسان نحو الله، إن
موضوع أيوب تعلمنا أن التقوى والإيمان هما أبواب للحماية الإلهية، وأن المعاناة
يمكن أن تكون أداة للنمو الروحي. فمهما واجهنا من صعوبات، يجب أن نثق في الله ونظل
صابرين ومؤمنين بقدرته، كما فعل أيوب.
- التوازن بين الصبر والعدالة:
يُبرز لنا أيوب نموذجًا فريدًا للإنسان الذي يجمع بين الصبر والعدالة بشكل
متميز. فلم يكن صبره سلبيًا أو استسلامًا للظلم، بل كان صبرًا إيمانيًا عميقًا
يدفعه إلى النضال من أجل الحق ونصرة المظلومين، فنري قوة الصبر عندما قال " فَقُلْتُ:
إِنِّي فِي وَكْرِي أُسَلِّمُ الرُّوحَ، وَمِثْلَ السَّمَنْدَلِ أُكَثِّرُ
أَيَّامًا. (أى ٢٩ : ١٨) في ايوب في طبيعته الحياتيه عندما يرى مظلوما لا يسكت
ويستمر في النضال حتى ينصفه ويطبق العداله فيكسر اضراس ويخطف فريسه من اجل اعلان
الحق " هَشَّمْتُ أَضْرَاسَ
الظَّالِمِ، وَمِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ خَطَفْتُ الْفَرِيسَةَ. (أى ٢٩ : ١٧) فاستمراريته
في دائره الصبر والثقه في عداله الله في قضيه حياته امر اجعله يثبت ويستمر في الثبات
حتى ظهور الحقيقه ونصره الرب له، فالصبر بالنسبة لايوب لا يعني الاستسلام للظلم،
بل المثابرة على النضال من أجل العدالة، فقد كان ايوب نموذجًا مثاليًا للإنسان
المؤمن الذي يدافع عن مبادئه بإيمان وصبر فبالصبر والعدالة ومواجهة التحديات ضد
الظلم في حياتنا مع الايمان والثقه في الله يمنحنا الثبات وفي النهايه نتزوق طعم
الانتصار، هنا يعلمنا أيوب أنّ الصبر والعدالة قيمتان متلازمتان لا تُنفكّ إحداهما
عن الأخرى. فالصبر يُساعدنا على الثبات في وجه التحديات، بينما تُساعدنا العدالة
على النضال من أجل الحق ومواجهة الظلم، ويلهمنا أيوب بأنّ الصبر والعدالة والإيمان
بالله هي مفاتيح النصر والانتصار في النهاية، مهما واجهنا من صعوبات وتحديات في
حياتنا.
المعاناة والشعور بالإهانة
- صغار تكبروا واهانوا :
تخيل معي رجل في كامل قوته ويمتلك من السلطان والهيبة الكثير، وبحسب الفكره
البشري يستطيع أن نقول شخصية لها كرامة ( او كرامات ) ثم يتحول المشهد الى النقيض
وينال سخرية من الصغار الموجودين حوله، هذا الواقع أو هذا الأمر يمنح ايوب شعورا
بالمرارة والألم، فالذين لم يكونوا دون شأنا اصبحوا يسخرون منه وكأن لهم كيان وواقع
يعلوا يرتفع فوق دائرة أيوب " وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ضَحِكَ عَلَيَّ
أَصَاغِرِي أَيَّامًا، الَّذِينَ كُنْتُ أَسْتَنْكِفُ مِنْ أَنْ أَجْعَلَ
آبَاءَهُمْ مَعَ كِلابِ غَنَمِي. (أى ٣٠ : ١) هنا يصور أيوب مقدار الثقافة والفكر
المرتفع الذي يجعله يقيم من حوله، فقد كان حوله آباء ليس لهم ذكر في دائرة الفهم
والمعرفه والإدراك مقارنة بأيوب، فهم عديمي المسؤولية.. فقد كان يستنكف أن يجعلهم
مع كلاب غنمه - أي ليس لهم عنده ذكر ، تنقلب الموازين ويسمع صوت أولادهم مستهزئون
بأيوب، رأي أيوب أن الموازين إنقلبت، من ليس لهم صوت صار لهم صوتا ومن ليس لهم
كيان وضعوا كيانا لانفسهم على حساب الذي له حق أن يكون في دائرة الهيبة والمكانة،
سواء كان في أوجه قوته أو في وقت مرضه وضعفه، نعم احبائي.. يوجد نفوس لا ترى أنفسها
إلا وقت ضعف الآخرين، أما أن يتسلقوا المجد والشهرة والقوة والسلطان والسلطة بتعب
وجد، فهذا لن تجده فيهم ولذلك عندما يمتلكون كيانا او سلطانا تجده معوجا وغير مستقيم،
ويمتلئ غشا وتزويرا وفسادا.
معاناه أيوب لم تكن من الناحية الجسدية فقط لكنها ايضا كانت من الناحية
النفسية، فقسوة المجتمع وقله رحمته تجاه من يمرون بظروف صعبه أمر مجتمعي في كل جيل
وفي كل زمن، فالمجتمع لا يرحم والفاسدون لا يرحمون، وحذاري أن تقع في يد فاسد يمتلك
زمام أو يمتلك سلطة فسيكون إنسانا بقلب حيوان وعقل لا يفهم إلا لغة نفسه، فقد كانت
معاناة أيوب جسدية ونفسية شديدة، بما في ذلك الفقر والجوع والمرض والرفض من قبل
المجتمع، فقد كانت إصابة أيوب النفسية وضعته في دائرة الاكتئاب واليأس لدرجة انه
لم يمنع نفسه من أن تعبر عن معاناته النفسية " أَنَا أَيْضًا لا أَمْنَعُ
فَمِي. أَتَكَلَّمُ بِضِيقِ رُوحِي. أَشْكُو بِمَرَارَةِ نَفْسِي. (أى ٧ : ١١)
اتمنى المهم جدا ان يعبر المتعب نفسيا عن تعبه كلام الفجر داخليا، فقد كانت مرارة
ايوب يشعر بها داخله لدرجه ان امعائه لم تسلم من التعب " أَمْعَائِي تَغْلِي وَلا تَكُفُّ.
تَقَدَّمَتْنِي أَيَّامُ الْمَذَلَّةِ. (أى ٣٠ : ٢٧) المراره والتعب والالم لا
يشعر بهما ولن يشعر بقوتها إلا من يعيش في داخلها، فقد كان متألما كونه موجودا،
وصل الى درجه انه تمنى عدم الوجود " فَلِمَاذَا أَخْرَجْتَنِي مِنَ
الرَّحِمِ؟ كُنْتُ قَدْ أَسْلَمْتُ الرُّوحَ وَلَمْ تَرَنِي عَيْنٌ! (أى ١٠ :
١٨) هذا ليس تذمرا ولكنه تعبيرا عن مدى الألم والتعب النفسي الذي وصل فيه واليه أيوب
" رُوحِي تَلِفَتْ. أَيَّامِي انْطَفَأَتْ. إِنَّمَا الْقُبُورُ لِي.
كَلَّتْ عَيْنِي مِنَ الْحُزْنِ، وَأَعْضَائِي كُلُّهَا كَالظِّلِّ. (أى١٧
: ١، ٧) فالالم النفسيه جزء من الواقع الغير
سوي الذي تعجز يدك في الوقت الحالي عن حله او الخروج منه فينتابك تعبا نفسيا ومراره
داخليه وضيقا ان لم تعبر عنه فسيدمر حياتك الداخليه سياتي لك بالامراض ليس فقط
النفسيه ولكن ايضا الجسديه لذلك عندما تشعر بضيقه تعب عليك ان تعبر بما في داخلك
لكي تستطيع ان تفرغ الطاقه السلبيه التي اقتحمت حياتك نتيجه ضيق ليس في يدك حله.
- مشاعر الترك والحزن والضيق لدي أيوب:
اصعب شيء أن يشعر الإنسان بانه متروك من من حوله، وبالاخص عندما ينتابه شعورا
بأنه متروك من الله، او أنه تخلى عنه او انه سبب الضيق والالم والمشاكل النفسيه
والجسديه التي هو فيها، فكانت كل الكلمات اصدقاء ايوب توحي بهذا في كامل السفر وتقول
هذا مباشره ولذلك لم يجد مفرا من ان يشعر بهذه المشاعر فقال " قَدْ
طَرَحَنِي فِي الْوَحْلِ، فَأَشْبَهْتُ التُّرَابَ وَالرَّمَادَ. إِلَيْكَ أَصْرُخُ
فَمَا تَسْتَجِيبُ لِي. أَقُومُ فَمَا تَنْتَبِهُ إِلَيَّ. تَحَوَّلْتَ إِلَى
جَافٍ مِنْ نَحْوِي. بِقُدْرَةِ يَدِكَ تَضْطَهِدُنِي. حَمَلْتَنِي، أَرْكَبْتَنِي
الرِّيحَ وَذَوَّبْتَنِي تَشَوُّهًا. (أى٣٠ :
١٩-٢٢) يا لها من مشاعر قاسيه عندما تتجمع جميعها وتنسب الى الله، تامل معي
الكلمات عندما قالها " طَرَحَنِي - فَمَا تَسْتَجِيبُ - فَمَا
تَنْتَبِه - تَحَوَّلْتَ إِلَى جَافٍ - تَضْطَهِدُنِي - وَذَوَّبْتَنِي
تَشَوُّهًا. " من هذه الكلمات ناتي لسؤال هل نلوم ايوب ؟ بالطبع
لا، فما عبر به وما قاله أيوب ما هي إلا أحاسيس نفسيه لها زاويتين:
الأول : الإتجاه الإجتماعي في ذلك الوقت والكلمات
التي قالوها اصدقائه بمسامع ايوب.
ثانيا : هذه الكلمات ما هي الا مشاعر واحاسيس عباره
عن تفريغ نفسي عن ما عاشه واجتاز فيه.
لأن هذه العبارات والتعبيرات مثلها
مثل ما قال سابقا " أَنَا أَيْضًا لا أَمْنَعُ فَمِي. أَتَكَلَّمُ بِضِيقِ
رُوحِي. أَشْكُو بِمَرَارَةِ نَفْسِي. أَبَحْرٌ أَنَا أَمْ تِنِّينٌ، حَتَّى
جَعَلْتَ عَلَيَّ حَارِسًا؟ (أى٧ :
١١-١٢) في فكره ان الله هو مصدر هذه الالام هو الشائع في ذلك الوقت وليس له
بديل لا في كتب ولا دراسات ولا تاملات تقول غير ذلك ولكن في ذات الوقت كان يمتلك
ايوب ايمانا بان الله صالح ولن يتركه برغم وجود مشاعر الترك لانه كان يشعر بان
الله قد خاصمه أو إنفصل عنه حتى ولو الى حين " قَدْ كَرِهَتْ نَفْسِي
حَيَاتِي. أُسَيِّبُ شَكْوَايَ. أَتَكَلَّمُ فِي مَرَارَةِ نَفْسِي قَائِلا لِلهِ:
لا تَسْتَذْنِبْنِي. فَهِّمْنِي لِمَاذَا تُخَاصِمُنِي! (أى١٠ : ١-٢) لذلك كان يرفض أفكار وكلمات أصدقائه وسماها
بكلام فارغ " هَلْ مِنْ نِهَايَةٍ
لِكَلامٍ فَارِغٍ؟ أَوْ مَاذَا يُهَيِّجُكَ حَتَّى تُجَاوِبَ؟ أَنَا أَيْضًا
أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَكَلَّمَ مِثْلَكُمْ، لَوْ كَانَتْ أَنْفُسُكُمْ مَكَانَ
نَفْسِي، وَأَنْ أَسْرُدَ عَلَيْكُمْ أَقْوَالا وَأُنْغِضَ رَأْسِي إِلَيْكُمْ.
(أى١٦ : ٣-٤) إذا لابد أن ندرك ونعرف كيف
كانت الحالة النفسية لدى أيوب، والأفكار التي كانت تنتابه، فهو يؤمن بأن الله معه
ويراه ويسمعه، وهذا الإيمان جعله يتكلم الى الله بهذه الصورة معتبا، فهو يشعر بان
الله قد خاصمه الى حين، وأن الضيق والألم الذي هو فيه لا يخرج خارج دائرة الله،
لان الله يرى كل شيء ويعلم كل شيء، فلماذا يتركه بهذه الصوره في هذا الواقع الأليم
المتعب الذي لا يرى له حلا؟
أيوب لم يفقد إيمانه في الله، فهو يعلم بأن الله صانع عظائم وعجائب دائما
حتى وإن كان لم يشعر به، وأن في يده كل السلطان " فَاعِلُ عَظَائِمَ لا تُفْحَصُ،
وَعَجَائِبَ لا تُعَدُّ. "هُوَذَا يَمُرُّ عَلَيَّ وَلا أَرَاهُ، وَيَجْتَازُ
فَلا أَشْعُرُ بِهِ. إِذَا خَطَفَ فَمَنْ يَرُدُّهُ؟ وَمَنْ يَقُولُ لَهُ: مَاذَا تَفْعَلُ؟
(أى٩ : ١٠-١٢) في هذا.. لابد أن ندرك أن
لأيوب مستوي من الإيمان الذي لا نستطيع أن ننساه في أيوب، أما عن مشاعر الترك والإحساس
بالظلم والإهانه، فهي أحاسيس طبيعية نتيجة الأحداث التي مر بها، وكونه يتكلم ويعبر
عن ما بداخله فهذا حق له، سواء عن الله أو عن من حوله، فهذه أحساس طبيعية ومشاعر طبيعية
من الجيد جدا أن يعبر ويتكلم بها لكي لا يحدث له أمراض أسوأ مما هو فيه، فله
إيمانه بأن الله قادر أن يعبر به المحنه مهما كانت شدتها " لأنَّهُ يَعْرِفُ
طَرِيقِي. إِذَا جَرَّبَنِي أَخْرُجُ كَالذَّهَبِ. بِخَطَوَاتِهِ اسْتَمْسَكَتْ رِجْلِي.
حَفِظْتُ طَرِيقَهُ وَلَمْ أَحِدْ. (أى٢٣ :
١٠-١١) فالمشاعر المزدوجة هي لغبطة الكيان الداخلي أقصد العقل الباطن الذي
لأيوب، لأن الواقع يقول شيئا والإيمان الداخلي يقول شيئا آخر، لذلك زادت الحيرة حيرة
والألم الما، ولكنه لم يفقد إيمانه بالله وبقدرته.
- الشعور بالظلم والقسوة:
صعب جدا علي الإنسان - مشاعر الظلم والإهانه والشعور بالقسوة في الحياة،
فبعد أن يكون سائر في دوائر الامان، ولا يتوقع خيانة جيله له، ويفاجأ بالسلب والنهب
وتنقلب حياته من الأمان والهدوء الي الخوف والإنزعاج، فقد عبر عن هذا الاحساس
عندما كنا في الاصحاح السادس عشر " دَفَعَنِيَ الله إِلَى الظَّالِمِ،
وَفِي أَيْدِي الأشْرَارِ طَرَحَنِي. كُنْتُ مُسْتَرِيحًا فَزَعْزَعَنِي،
وَأَمْسَكَ بِقَفَايَ فَحَطَّمَنِي، وَنَصَبَنِي لَهُ غَرَضًا. أَحَاطَتْ بِي
رُمَاتُهُ. شَقَّ كُلْيَتَيَّ وَلَمْ يُشْفِقْ. سَفَكَ مَرَارَتِي عَلَى الأرْضِ. (أى١٦
: ١١-١٣) بكل تاكيد الكلمات صعبه جدا
ولكنها تعبيراته النفسية، هذا حقه.
فهو لا يرى ولا يعلم.. من وراء الامر؟ فلا يقف أمامه إلا الله وحده
هو المتحكم في كل شيئ فالقول ( دَفَعَنِيَ الله - طَرَحَنِي - زَعْزَعَنِي - حَطَّمَنِي
- شَقَّ كُلْيَتَي - لَمْ يُشْفِق - سَفَكَ مَرَارَتِي ) هل الله فعل هذا كله؟ بكل تاكيد
لا.. ولذلك فتعبيرات أيوب تعكس مستوى فهم وإدراك جيله لمعاملات الله وفهمهم لذلك.
ايضا يعيد نفس الافكار في الاصحاح التاسع عشر إذ قال " فَاعْلَمُوا إِذًا أَنَّ الله قَدْ عَوَّجَنِي،
وَلَفَّ عَلَيَّ أُحْبُولَتَهُ. هَا إِنِّي أَصْرُخُ ظُلْمًا فَلا أُسْتَجَابُ.
أَدْعُو وَلَيْسَ حُكْمٌ. (أى١٩ :
٦-٧) نعم فالامر صعب جدا في حياه أيوب ولا يري الفاعل الاساسي ولا يري من
وراء الأحداث ، وكيف دار الأمر وحدث، لذلك يقول في الاصحاح الثلاثون " يَأْتُونَ
كَصَدْعٍ عَرِيضٍ تَحْتَ الْهَدَّةِ يَتَدَحْرَجُونَ. اِنْقَلَبَتْ عَلَيَّ
أَهْوَالٌ. طَرَدَتْ كَالرِّيحِ نِعْمَتِي، فَعَبَرَتْ كَالسَّحَابِ سَعَادَتِي.
(أى٣٠ : ١٤-١٥) وفي ترجمة كتاب الخياة "
وَكَأَنَّمَا مِنْ ثُغْرَةٍ وَاسِعَةٍ تَدَافَعُوا نَحْوِي، وَانْدَفَعُوا هَاجِمِينَ
بَيْنَ الرَّدْمِ. ١٥ طَغَتْ عَلَيَّ الأَهْوَالُ، فَتَطَايَرَتْ كَرَامَتِي
كَوَرَقَةٍ أَمَامَ الرِّيحِ، وَمَضَى رَغْدِي كَالسَّحَاب. " مشاعر
عميقة من الظلم والقسوة، حيث يشعر بأنه مُضطهد ومُظلوم من قبل الله ومن قبل البشر.
يصف كيف دفعه الله إلى الظالمين وألقاه في أيدي الأشرار، وكيف زعزعوه وحطّموه،
ولكن هل الله فعل في ايوب هذا ؟ بالطبع كلا ...فما يتفوه به ما هو إلا تفريغ نفسي
عن حدث ليس له تفسير امامه.
الذي زاد وجع ايوب علي وجعه انه طلب العدل والرحمة من الله، لكن لم يجد
استجابة فورية. يقول " ... هَا إِنِّي أَصْرُخُ ظُلْمًا فَلا أُسْتَجَابُ.
أَدْعُو وَلَيْسَ حُكْمٌ." وهذا يشعره باليأس وفقدان الأمل، حيث يقول
" يَأْتُونَ كَصَدْعٍ عَرِيضٍ تَحْتَ الْهَدَّةِ يَتَدَحْرَجُونَ.."
فمع أنه يري نفسه كاملا ولم يفعل ذنبا، ولكنه يري مستغربا ... كأنهم اتوا عليه من
ثغرة واسعة في حياته، جعلت الحماية في حياته غير مكتملة، هذه المشاعر وهذه
التعبيرات لا تعني فقدان الإيمان بالله وقدرته، وهو ايضا تعبيّر عن صراع داخلي يعيشه أيوب، يشعره بالغضب
والحزن والإحباط، لذلك لجأ الي أنه رفع صوته متكلما بمثل هذه الكلمات للتنفيس عن
مشاعره.
- الشعور بالوحدة والعزلة:
الذي حدث لأيوب جعله يشعر بمشاعر الوحدة والإغتراب لأن جميع من حوله تركوه وأهانوه،
لقد شعر بأنهم يكرهونه ويبصقون أمام وجهه، ربما بسبب منظر الجروح والدمامل التي في
جسده والرائحة التي تصدر منها " يَكْرَهُونَنِي. يَبْتَعِدُونَ عَنِّي، وَأَمَامَ
وَجْهِي لَمْ يُمْسِكُوا عَنِ الْبَصْقِ. لأنَّهُ أَطْلَقَ الْعَنَانَ وَقَهَرَنِي،
فَنَزَعُوا الزِّمَامَ قُدَّامِي. (أى٣٠ :
١٠-١١) كل هذا يجعله يشعر بانه منبوذ وغير مرغوب فيه، يا لها من مشاعر ترهق
النفس، فليس هذه هي المرة الأولى التي يعبر فيها عن الضرب ومشاعر العزله، ولكنه في
الإصحاح 19 قال ايضا " قَدْ أَبْعَدَ عَنِّي إِخْوَتِي، وَمَعَارِفِي
زَاغُوا عَنِّي. أَقَارِبِي قَدْ خَذَلُونِي، وَالَّذِينَ عَرَفُونِي نَسُونِي.
نُزَلاءُ بَيْتِي وَإِمَائِي يَحْسِبُونَنِي أَجْنَبِيًّا. صِرْتُ فِي
أَعْيُنِهِمْ غَرِيبًا. (أى١٩ :
١٣-١٥) في مشاعر الوحدة والعزلة وابتعاد الناس، يواجه آلامه واتعابه ومشاكله
دون سنيد او معين، في فتره من الفترات ايضا لم تسانده زوجته وقالت له بعض الكلمات
الجارحة، ليس أيوب وحده من اشار ايضا في كلامه بالوحده والترك والعزله ولكن ايضا
يوجد رجال شاركوه نفس الاحاسيس مثل داود النبي " اِلْتَفِتْ إِلَيَّ وَارْحَمْنِي، لأنِّي وَحْدٌ وَمِسْكِينٌ أَنَا، انْظُرْ إِلَى أَعْدَائِي لأنَّهُمْ قَدْ كَثُرُوا، وَبُغْضًا ظُلْمًا أَبْغَضُونِي ( مز ٢٥ : ١٦ , ١٩ ) هذه
المشاعر تتولد عندما يدخل الإنسان في أي نوع من الضيق أو الإضطهاد أو المرض أو التعب،
فيبدا الدخول لمشاعر واحاسيس متعبة للغاية، وهذا ما يجعله يشعر بأن من حوله تركوه
او تخلوا عنه، سواء كانت هذه المشاعر حقيقة أو توهمات نفسيه فقط، في النهايه إنها مشاعر
واحاسيس يجب التعامل معها ورفضها حتى أن تعبر
عندما تشعر اخي الغالي بالترك ومشاعر نفسية تقودك للالام لا يوجد امامك بابا
مفتوحا الا باب الرب نفسه فهو الوحيد الذي يستطيع ان يتدخل على حياتك بالرحمه فقط
تعبر عن ما بداخلك وثق بان يد الرب قديرا وقادره على رفعتك وستعبر المحنه بسلام
" أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ السَّيِّدُ فَاصْنَعْ مَعِي مِنْ أَجْلِ
اسْمِكَ. لأَنَّ رَحْمَتَكَ طَيِّبَةٌ نَجِّنِي. فَإِنِّي فَقِيرٌ وَمِسْكِينٌ
أَنَا، وَقَلْبِي مَجْرُوحٌ فِي دَاخِلِي. وَأَنَا صِرْتُ عَارًا عِنْدَهُمْ.
يَنْظُرُونَ إِلَيَّ وَيُنْغِضُونَ رُؤُوسَهُمْ. أَعِنِّي يَا رَبُّ إِلهِي.
خَلِّصْنِي حَسَبَ رَحْمَتِكَ. (المزامير ١٠٩: ٢١، ٢٢، ٢٥، ٢٦) لذلك ياأحباء لاحظوا
أن من يشعرون بهذه الأحاسيس تجدهم يراقبون نظرات الناس اليهم، هذا راجع للعقل الباطن
الذي يترجم تصرفاته وتصرفات ويترتجمها سلبيا فيراها انها من العار ( وَأَنَا صِرْتُ
عَارًا عِنْدَهُم ) هذا الفكر يجعله يلتفت حوله فيرى أن الجميع ينظرون اليه ثم
يحنون رؤوسهم لاسفل، فينتابه أحاسيس سلبيه مرسله من الناس الى عقله الباطن، ولكن
في الحقيقه هذه الأحاسيس ليست مرسلة من الآخرين ولكنها ترجم العقل الباطن رابطا
بين تصرفاته وأحواله بنظرات الناس حوله، والذي يساعد على هذا تصرفات الاخرين الغير
حكيمة أو كلمات الآخرين الغير محسوبه، ولكن لكي يخرج الإنسان من هذه الدوائر، عليه
أولا أن يخاطب ذاته ونفسه مترجم الواقع الذي يعيش فيه ترجمه واقعية وليست نفسية،
ثم يخاطب نفسه إن كان مذنبا، بأن يرجع الى الله تائبا، وإن كان ليس له يد فيما حدث،
أن يترك الأصوات الخارجية التي ترسل له أحاسيس متعبة ويرفض كل مشاعر سلبيه سواء
خارجه منه او مرسله اليه، فرفض الأحاسيس والمشاعر هو الحل الأمثل للخروج من دوائر
المشاعر النفسية ليستطيع أن يشفى ويتمتع بمعية الله لحياته
المسيح إجتاز هذه الآلام النفسيه النابعه من نفسه والمرسله من الاخرين ايضا،
انا بقى من ذاته لانه حمل خطايا الجميع، هو مرسله من الاخرين لانه وقت الصليب كان
يستهزئون به ويهينونه لذلك يقول الوحي بروح النبوة " مُحْتَقَرٌ
وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ،
وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. (إش ٥٣ :
٣) فالجميع - الكل يمرون بمثل هذه المشاعر والأحاسيس، ولذلك اختبرها الرب له كل
المجد لانه شارك الامنا وأحزاننا وأوجاعنا، فالوحده والعزله إختبرها أيوب وجميع
رجال الله الاتقياء، ولكنهم مروا بها وصبروا حتي نالوا معية الله وسندته، فالله يرى
ويفهم الامنا، فنحن لسنا وحدنا من نعاني، فالكل يدخل في هذه الدوائر النفسية، ولكن
لنثق بأن الله قادر أن يعزينا ويسندنا في أحلك أوقاتنا، ودائما هناك امل ورجاء،
فان كنت تريد أن تعبر هذه المحنه عليك التواصل مع الله بالصلاة وقراءة الكتاب المقدس
والتامل والثقه بأن للرب طرق حل لكل شيء، وإنضم الى كنيسة روحية قادرة أن تساندك
وتعبر بك المحن والازمات، فتشعر بمساندة الأخرين من المؤمنين الذين إختبروا الخروج
من هذه الاحاسيس وقادرون على مساعدتك
- مشاعر الذوبان والاختفاء :
ينظر أيوب الى كل ما حوله من إمور وأشخاص وأيضا عندما ينظر الى نفسه يرى أن
كل ما حوله حتى نفسه سبب وجع وآلام ومعاناة تنهش في كيانه، لذلك كان ينتابه ( مشاعر
الذوبان والإختفاء ) يشعر أيوب وكأنه قد ذاب واختفى، ولا أمل في العودة إلى
الحياة. يُعبّر هذا عن شعوره بالفقدان والألم الشديدين، لانها ايضا يشعر بعدم والسيطره
كما كان من قبل " لأنَّهُ أَطْلَقَ الْعَنَانَ وَقَهَرَنِي، فَنَزَعُوا
الزِّمَامَ قُدَّامِي. (أى ٣٠ : ١١) فلم يعد قادرا على ان يكون متواجدا كما
كان قبلا، فالتعب والمرض والتجربة جعلته يفقد الزمام، وان السيطرة قد نزعت منه، وان
الأصاغر ارتفعوا فوقه ومن ليس له اسما صار أعلى، فهذه مشاعر تجعله يشعر بان قد ذاب
وإختفى " قَدْ ذُبْتُ. لا إِلَى الأبَدِ أَحْيَا. كُفَّ عَنِّي لأنَّ
أَيَّامِي نَفْخَةٌ. (أى ٧ : ١٦) فالشعور بالزوبان هو شعور بفقدان الهوية أو
الشعور بالإنفصال عن الواقع، قد يحدث هذا بسبب عدد من العوامل، مثل الإجهاد أو
الصدمة، أما الشعور بالإختفاء هو شعور بعدم الأهمية أو عدم الرؤية، قد يحدث هذا
بسبب عدد من العوامل، مثل تدني إحترام الذات أو الشعور بالوحدة أو العزلة
الإجتماعية، كل هذه العوامل كانت حول أيوب.
الذي أفاد أيوب هو وجود أصدقاء حوله، حتى ولو كانوا يتكلمون بالسلبي، هذه كانت فرصة لأيوب ليخرج ما بداخله، فالكلمات السلبية التي حوله صنعت محتوى داخله جعلته يعبر عن ذاته بصوت مسموع، دفاعا عن نفسه وتعبيرا عن ما بداخله، فالإنسان الذي يشعر بمشاعر الذوبان والاختفاء، عليه الانخراط في الأنشطة التي يستمتع بها ليخرج من دائرة المشاعر السلبية ويخرج من الأجواء المحيطة حوله، ليشعر بالسعاده التي تنقذه من دوائر الإحباط أو الإكتئاب، بالاضافة الي معرفة أنه ليس وحده من يشعر بهذه المشاعر، وأنها تحدث لكثيرين، هذا يساعده على طلب المعونة والرعاية، وأن يكثر من الدعم الذاتي لذاته ويساعد نفسه للخروج من الأزمات وكل مرة يخطوا خطوة ناجحة تكون سبب دعم نفسي للخطوة القادمة، حتى وإن شعر بالإحباط والفشل واليأس، فليرفض هذا جميعه ويلتجئ الى الرب طالبا المساندة، ايضا يبحث عن متخصصين ليساندوه، إن مشاعر الذوبان والاختفاء تعطي للانسان مشاعر اضافيه جديده هو عدم تمني الحياة وعدم والجود " فَلِمَاذَا أَخْرَجْتَنِي مِنَ الرَّحِمِ؟ كُنْتُ قَدْ أَسْلَمْتُ الرُّوحَ وَلَمْ تَرَنِي عَيْنٌ! (أى ١٠ : ١٨) كي لا يشعر بالمشاعر المؤلمة والمتعبة، لأن في الذوبان والإختفاء فقدان للهوية وهذا أمر ليس بسيطا، وبالرغم من معاناة أيوب الشديدة، يظل ثابتًا في إيمانه بالله، وبالرغم من شعوره باليأس يظل متمسكا بالأمل في أن الله سيخلصه من معاناته في النهاية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للقارئ العزيز /
أضع سؤالين في غاية الأهمية
١ - ما هي المشاعر التي تثيرها فيك
هذه المواضيع والآيات التي في هذه الاصحاحات التي تاملنا فيها معا ؟
٢ - كيف تتعامل مع مشاعر المعاناة
والشعور بالإهانة؟
سفر ايوب
تعليقات
إرسال تعليق