شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شهود يهوه
من هم - وبماذا يؤمنون؟
وكيف نرد عليهم؟
بقلم
القس عماد عبد المسيح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفهرس
مقدمة :
لماذا أكتب عن شهود يهوه؟ - بدعة أم طائفة مختلفة؟ - عقيدتهم عن الله
(الثالوث) - عقيدتهم عن المسيح - عقيدتهم عن
الخلاص - عن الملكوت والمجيء الثاني - عن الكتاب المقدس - عن أمور الحياة العملية
- لماذا نعتبر تعاليمهم بدعة؟ - لماذا أكتب؟
الفصل الأول : النشأة والخلفية التاريخية :
١ - البذور الأولى - تأسيس الجماعة على يد تشارلز تاز راسل - من هو تشارلز تاز
راسل؟
٢ - من الجمعيات إلى المنظمة: كيف تشكلت
"برج المراقبة" أ - إطلاق مجلة "برج مراقبة صهيون"
ب - إنشاء مؤسسة برج المراقبة ج - الانتشار الدولي وبداية التبشير المنظم د. التغيير
التدريجي في الهوية والطابع العقائدي ه - الخصائص التنظيمية المبكرة - موقفه من المسيحية
التقليدية :
٣ - التطورات العقائدية والقيادية عبر العقود - أولًا: بعد وفاة راسل – الصراع
على القيادة وتحوّل العقيدة - ثانيًا: التوسّع العالمي في عهد ناثان كنور
(١٩٤٢–١٩٧٧) ثالثًا: التصلب العقائدي وتكريس القيادة للجنة الحاكمة - من أبرز ما ميّز
هذه المرحلة:
٤ - نظرة الكنائس عبر التاريخ إلى شهود يهوه - أولًا: الكنيسة الكاثوليكية – رفض قاطع وتشكيك
عقائدي - ثانيًا: الكنائس الأرثوذكسية – إدانة صارمة ورفض مجتمعي - ثالثًا: الكنائس
البروتستانتية رابعًا: المجامع المسكونية والمؤسسات اللاهوتية - خامسًا: الموقف في
الشرق الأوسط والعالم العربي
الفصل الثاني : تعاليم شهود يهوه المنحرفة :
١ - نظرتهم إلى الله - إنكار الثالوث وتغيير طبيعة الآب - أولًا: في اللغة اليونانية
القديمة - ثانيًا: لا يوجد في الكتاب المقدس أي إشارة إلى وجود "آلهة" -
ثالثًا: نصوص تؤكد أن الكلمة هو الله - استخدام ( عب ١ : ٨ ) - التحريف في كولوسي ١
: ١٥ – ١٧ بين الحق الإلهي وتشويه شهود يهوه - لماذا هذا التحريف خطير؟! - الرد العقائدي
واللاهوتي علي الشاهد: ( سفر الأمثال ٨ : ٢٢ ) -
الرد اللاهوتي المسيحي- تحذير - شرح وتفنيد (١يو ٥ : ٧) وحدة الثالوث رغم تحريفهم
- وجود الآية في المخطوطات - لماذا ما زال النص لاهوتيًا صحيحًا؟ - النتائج الخطيرة
لذلك لانكارهم للثالوث:
٢ - الروح القدس في تعليمهم:
قوة لا أقنوم - شهادة الوحي عن شخصية الروح القدس - التحريف في ترجمات شهود يهوه :
٣ - ما يُعلّموه عن القيامة والمجيء الثاني والملكوت
: أ. المجيء الثاني والقيامة - ب. انعكاسات هذه الأفكار :
٤ - رفضهم الرموز المسيحية
- الصليب في فكر شهود يهوه :
خلفية تاريخية لفكرهم : - رفض شهود يهوه لنقل الدم :- الأعياد المسيحية :
الفصل الثالث
: الدفاع اللاهوتي عن المسيح والحق الإيماني
١ - الصليب والقيامة
محورية الفداء والرجاء المسيحي
أولا: الصليب – رمز الفداء ووسيلة الخلاص - ثانيًا: القيامة الجسدية والحياة
بعد الموت - ثالثا : الثالوث والرجاء المسيحي - وحدة التدبير والخلاص الجسدي - الاختلاف
مع شهود يهوه - ه- السرّان المؤسِّسان - الأثر الرعوي اليومي.
٢ - التطبيق العملي والإيماني على حياة
المؤمن ـ العبادة والصلاة: التحذير من التعليم
المضلل - التطبيق العملي للإيمان يعني - الرجاء المسيحي الحقيقي مقابل
الفهم المضلل ـ حياة المؤمن في ضوء
الرجاء: الفصل الرابع : المواجهة والموقف الرعوي:
ـ لماذا يجب مقاومة شهود يهوه؟ -
الانحراف غير المقصود: يحتاج تصحيحًا لا هدمًا - الانحراف المقصود ـ ضلال يستوجب
المقاومة - الموقف الرعوي: بين الحزم والرحمة - لمَ لا نتهاون؟ : هناك أسباب
جوهرية تجعل التساهل مع فكرهم خطرًا عظيمًا:
2 ـ أسباب ضلالهم
أولا: الجهل : الجهل هو السبب الأول والأساسي الذي يجعل الإنسان عرضة
للانخداع بالتعاليم الغريبة. ـ ثانيًا: التحكم التنظيمي : من أبرز السمات
التي تميز شهود يهوه أنهم يعيشون تحت سلطة تنظيمية صارمة للغاية، وهذا يدفع الي ـ ثالثًا:
الغرور الروحي : الذي يغذيه التنظيم في نفوس أتباعه :
٣ - كيف أتصرف حين يقرعون بابي؟
أولًا: شواهد من أيام المسيح على أفكار مشابهة ـ ثانيًا:
الدرس الرعوي لنا اليوم ـ ثالثًا: خطوات عملية حين يقرعون بابي :
4 ـ دعوتهم للحق : هل يمكن خلاص أحد منهم؟ كيف؟
إمكانية خلاصهم - الفرق بين من يجهل ومن يرفض ـ هل أزورهم إن عرفت بيتهم؟ ـ هل نصلي من أجلهم؟ ـ كيف ندعوهم للحق؟ خطوات عملية
مقدمة
- مقدمة: لماذا أكتب عن شهود يهوه؟
في زمنٍ تتسارع
فيه سهولة وصول المعلومة وتنتشر فيه التيارات الفكرية والدينية بسرعة البرق عبر
وسائل الإعلام والمنصات الإلكترونية، أصبحت الحاجة ماسة لأن يُفحص كل تعليم يُطرح
باسم الله، وأن يُختبر كل روحٍ هل هو من الله، كما أوصى الكتاب المقدس: "أَيُّهَا
الأحِبَّاءُ، لا تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأرْوَاحَ: هَلْ هِيَ
مِنَ الله؟" (١يو ٤ : ١) في هذا السياق، يبرز أمامنا تنظيم شهود يهوه،
جماعة نشأت في القرن التاسع عشر، وتقدّم نفسها على أنها المسيحية الحقّة، بينما في
حقيقتها تنشر تعاليم منحرفة جذريًا عن الإيمان المسيحي القويم الذي تسلمناه من
الرسل والمحفوظ في المخطوطات والكتاب المقدس، ولأن هذه الجماعة تنشط في مدننا ومن
حولنا، وتقرع أبوابنا ببشاشة ووداعة ظاهرية، لكنها في جوهرها تزرع شبهات تهدم أسس
الإيمان، كان من واجبي أن أكتب، أكتب لأن كثيرين يتأثرون بتعاليم هذه الجماعة دون
تمييز، وبعضهم يتركون الكنيسة ظنًا أنهم وجدوا الحق. أكتب لأن الخطر هنا ليس
فكريًا فقط، بل خلاصياً، إذ إن الإيمان المُقدَّم من شهود يهوه هو "إنجيل
آخر"، كما حذر الرسول بولس قائلا "إِنْ بَشَّرَكُمْ أَحَدٌ
غَيْرَ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا (محروماً)" (غل ١: ٩ ) أكتب لأن هذه الجماعة تُنكِر عقائد
مركزية في إيماننا المسيحي، وتستبدلها بتفسيرات بشرية وتنظيمية تفتقر إلى إعلان
الله وروحه القدوس. أكتب لا لأدين الأشخاص، بل لأكشف التعليم، وأُحَصِّن القارئ،
وأدعو بالنعمة من انحرفوا عن الحق ليعودوا إليه.
- بدعة أم طائفة مختلفة؟ :
قد يتساءل البعض:
أليست شهود يهوه مجرد طائفة مسيحية مختلفة؟ ألا يقرأون الكتاب المقدس ويبشرون
الناس؟ أليس فيهم أخلاق وشهادة سلوكية؟ لكن الجواب ليس في مظاهر السلوك، بل في
جوهر الإيمان. فشهود يهوه لا يختلفون في الرتوش، بل في الجوهر. وهذا ما يجعلهم
بدعة وليست طائفة، البدعة ليست مجرد رأي مختلف في مسألة فرعية، بل هي انحراف جذري
عن العقائد الأساسية، كما حدث في العصور الأولى مع الأريوسيين والغنوصيين وغيرهم.
ولهذا السبب نعتبر أن شهود يهوه ليسوا جماعة مسيحية، بل بدعة تُنكر حقيقة الله،
وتزيف صورة المسيح، وتقدّم خلاصًا زائفًا، وحقيقي صنعوا لأنفسهم كتاب مقدس مزيف
غيروا فيه ما لا يأتي علي هواهم.
أولًا: عقيدتهم عن الله (الثالوث) : من أخطر ما تعلّمه هذه الجماعة هو إنكارها لعقيدة الثالوث. يؤمن المسيحيون
عبر القرون أن الله واحد في ثلاثة أقانيم: الآب والابن والروح القدس. ليسوا ثلاثة
آلهة، بل إله واحد ذو ثلاثة أقانيم، لكل أقنوم شخصيته الخاصة، لكنهم في الجوهر
واحد. هذه ليست نظرية فلسفية، بل إعلان كتابي واضح كما في قول الرسول يوحنا "فَإِنَّ
الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلاثَةٌ: الآبُ وَالْكَلِمَةُ
وَالرُّوحُ الْقُدُسُ، وَهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ هُمْ وَاحِدٌ" (١يو ٥ : ٧)
أما شهود يهوه، فينكرون ذلك تمامًا، ويزعمون أن الله هو "يهوه"
وحده، ولا وجود للابن كأقنوم إلهي، ولا للروح القدس كشخص. الروح القدس عندهم مجرد
"قوة غير شخصية"، تشبه الكهرباء أو الرياح. والابن – أي يسوع
المسيح – في زعمهم هو أول مخلوق خلقه الله، أي ليس الله، بل "إله أصغر"
هذا التعليم لا يُقلِّل فقط من مجد المسيح، بل يهدم جوهر إعلان الله عن ذاته. كيف
يمكن أن نعرف " الله مَحَبَّةٌ. (١يو ٤ : ٨) إن لم يكن في ذاته شركة
محبة أزلية بين الآب والابن والروح؟ كيف يكون لنا خلاص إن لم يكن الذي مات على
الصليب هو " الله ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، (١تى ٣ : ١٦).
ثانيًا: عقيدتهم عن المسيح : يرى شهود يهوه أن يسوع هو رئيس الملائكة ميخائيل قبل أن يتجسد! تعليم غريب
لا سند كتابي له. لا يعترفون بلاهوته الكامل، بل يقولون إنه مخلوق، وبالتالي ليس
أزليًا ولا مساوٍ للآب. كما ينكرون موته على الصليب، ويزعمون أنه مات على
"عمود مستقيم"، ثم قام "قيامة روحية" أي لم يقم بجسده، بل
بروح غير منظورة، هذا إنكار مباشر لحقيقة التجسد والفداء والقيامة، التي هي قلب
الإنجيل. فالكتاب يقول بوضوح " ..
نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: ..(١كو ١ : ٢٣) ويؤكد أن يسوع
" وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ
الْكُتُبِ، (١كو ١٥ : ٤) وأن التلاميذ رأوه ولمسوه وأكل معهم (لو ٢٤ :٣٩ - ٤٣)،
مما يدل على قيامته الجسدية لا الروحية فقط، إن إنكار قيامة المسيح الجسدية يعني
هدم أساس الرجاء المسيحي، كما قال بولس "وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ
قَدْ قَامَ، فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ، أَنْتُمْ بَعْدُ فِي خَطَايَاكُمْ"
(١كو ١٥ : ١٧).
ثالثًا: عقيدتهم عن الخلاص : الخلاص في فكر شهود يهوه لا يأتي بالنعمة وحدها، ولا بالإيمان الحقيقي
بفداء المسيح، بل مزيج من متطلبات تنظيمية، الإيمان ببعض تعليمهم، والكرازة،
والطاعة لقادتهم، والانضمام إلى جماعتهم. بل يُعلِّمون أن دم المسيح وحده لا يكفي،
وأن من لا ينتمي إلى جماعتهم سيُباد في معركة هرمجدون القادمة، هذا تعليم غريب، مضاد
تمامًا للإنجيل، الذي يقول " لأنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ،
بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ الله. لَيْسَ مِنْ
أَعْمَال كَيْلا يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. لأنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي
الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ الله فَأَعَدَّهَا لِكَيْ
نَسْلُكَ فِيهَا. (أف٢ : ٨-١٠) فالحق
في الكتاب المقدس واضح ولا يحتاج مجهود لفهمة .. فلماذا التعقيد، انه ابليس.. لا
يريد الإنسان معرفة طريق خلاص نفسه - إنها في المسيح كما أعلن في كلمته.
رابعًا: عن الملكوت والمجيء الثاني : في قلب الإيمان
المسيحي انتظار مجيء الرب يسوع الثاني، كما وعد بنفسه قائلا "وَإِنْ
مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ"
(يو ١٤ : ٣) لكن جماعة شهود يهوه تطرح تعليماً مشوّهًا يقتلع هذا الرجاء المبارك
من جذوره، فهم يقولون إن يسوع قد "عاد بالفعل" سنة 1914، ولكن عودة غير
منظورة! (( مجلة برج المراقبة - عدد: ١٥ أكتوبر ١٩٩٥ - أو ادخل علي موقعهم وابحث
عن سنة ١٩١٤ )) وبذلك يكون مجيء الرب العظيم قد حدث دون أن يراه أحد. هذا التعليم
يضرب عرض الحائط بالآيات الصريحة التي تؤكد أن مجيء المسيح سيكون منظورًا ومجيدًا،
كما جاء في قول الرب يسوع "سَيَرَوْنَ ابْنَ الإنْسَانِ آتِيًا فِي
سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِير" (لو ٢١ : ٢٧) وايضا "هُوَذَا
يَأْتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ" (رؤ 1:7) كما
يعلّم شهود يهوه أن ملكوت المسيح ليس على الأرض الآن، بل إنه يملك فقط في السماء،
ولا ينتظرون مجيئه ليملك ملكًا أرضيًا حقيقيًا كما تعلّم النبوات. ويضيفون أن
144,000 فقط هم من سيذهبون إلى السماء، بينما باقي "المؤمنين" سيعيشون
في "الأرض الفردوسية" هذا التعليم قائم على فهم حرفي خاطئ لرؤيا ٧ و ١٤ ويتجاهل
باقي تعليم الكتاب عن الميراث الأبدي لكل المؤمنين الحقيقيين، إذ يقول بولس "فَإِنْ
كُنَّا أَوْلاَدًا، فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ الله وَوَارِثُونَ مَعَ
الْمَسِيحِ" (رو ٨ : ١٧) ولم يُحدِّد الكتاب السماويين بـ144 ألفًا، بل
رمزية تعبّر عن جماعة مختارة، أما جمهور المفديين فـ"جَمْعٌ كَثِيرٌ لَمْ
يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّهُ (رؤيا 7:9).
خامسًا: عن الكتاب المقدس : الكتاب المقدس هو المرجع الأسمى للإيمان المسيحي، وهو موحى به من الله
ونافع للتعليم والتقويم (٢تيموثاوس ٣ : ١٦) لكن شهود يهوه يستخدمون ترجمة خاصة بهم
تُعرف باسم "ترجمة العالم الجديد"، وهي ترجمة غير أمينة للغة الأصلية،
تم التلاعب فيها لدعم عقائدهم، في هذه الترجمة، تم تحريف نصوص جوهرية تتحدث عن
لاهوت المسيح أو الروح القدس، مثل (يوحنا ١ : ١)، حيث يُترجمون الآية إلى "وكان
الكلمة إلهًا" بمعنى "إله صغير"، وليس "وكان
الكلمة الله"، كما هو النص الأصلي، كما يرفضون التفسير المسيحي التقليدي
عبر التاريخ، ويحتكرون الفهم لنفسهم من خلال ما تُسمى "برج المراقبة"،
وهي الهيئة التعليمية المركزية التي تصدر التفسيرات والفتاوى العقائدية. فلا مجال
للاجتهاد أو التفسير الروحي الحر، بل خضوع تام لتفسير المؤسسة، وهو أمر يتناقض مع
عمل الروح القدس في الكنيسة.
سادسًا: عن أمور الحياة العملية : تُعرف جماعة شهود يهوه بمواقفها الغريبة في مجالات الحياة اليومية، مثل
رفضهم لنقل الدم حتى في الحالات الطبية الخطيرة، بناءً على تفسير خاطئ لنصوص العهد
القديم، الأمر الذي أدى لوفاة بعض الأطفال والمرضى لرفضهم العلاج المنقذ للحياة، كما
يرفضون الخدمة العسكرية وتحية العلم، ويعتبرون ذلك عبادة لوثن، الأمر الذي أدخلهم
في صراعات قانونية واجتماعية مع الحكومات، خاصة في الدول التي فيها تجنيد إلزامي.
كذلك، لا يحتفلون بعيد الميلاد، ولا الأعياد الدينية، ولا حتى أعياد الميلاد
الشخصية ( بحث داخل موقع jw.org/en/ عن Why
Don’t Jehovah’s Witnesses Celebrate Certain Holidays? ) مدّعين
أن هذه الاحتفالات وثنية في أصلها، رغم أن العهد الجديد نفسه يقدّم مناسبات
احتفالية، مثل عيد الفصح والعشاء الرباني، ويعلّمون أن جماعتهم هي فقط "شعب
الله"، وأن كل الكنائس الأخرى باطلة وتحت دينونة الله، ما يجعلهم يُغلقون على
أتباعهم كل فرصة للتفكير أو المقارنة.
النتيجة: لماذا نعتبر تعاليمهم بدعة؟ : إن البدعة، كما ذكرنا، ليست مجرد اختلاف في التفاصيل، بل انحراف في الجوهر.
وتعاليم شهود يهوه تنكر أركان الإيمان المسيحي، وهي، تنكر لاهوت المسيح وتعامله ككائن مخلوق، تنكر عقيدة الثالوث وتقدم إلهًا مختلفًا عن إعلان الكتاب، تقدّم إنجيلا آخر قائمًا على الأعمال والانضمام للتنظيم، تحرّف الكتاب المقدس وتنشر تفسيرات سلطوية لا تحمل روح الإنجيل، تُلزم الأتباع بتعاليم تنظيمية تُخالف حرية الروح، وتُدخِلهم في استعباد فكري وتنظيمي، لقد حذرنا الرسول بولس بشدة قائلًا "وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ
يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا" (غل ١ :
٩) أي فليكن محرومًا، مرفوضًا من شركة الكنيسة، لأنه يبشر بإنجيل مزيف، لا يقود
إلى الحياة، بل إلى الهلاك.
لماذا أكتب؟ أكتب لأنني غيور على
الحق، وعلى النفوس، وعلى كنيسة المسيح، أكتب لأن "كل الكتاب هو موحى به من
الله ونافع" (٢تي ٣ : ١٦)، ولأننا مطالبون أن نرد على كل من يسألنا عن
سبب الرجاء الذي فينا (١بط ٣ : ١٥) أكتب لأنني مسؤول كخادم، لا أن أترك الشعب يضل،
بل أن أواجه الذئاب التي تلبس ثياب الحملان، أكتب لا لأدين الأشخاص، بل لأحذّر من
التعليم، أكتب لأن يسوع مات ليُعطينا الحق، والحق يحرّر.
---------------------------------------
الفصل الأول
النشأة والخلفية التاريخية
---------------------------------------
١
البذور الأولى
تأسيس الجماعة
على يد تشارلز تاز راسل
في دراسة أي حركة
دينية أو بدعة عقائدية، تكون العودة إلى الجذور التاريخية أمرًا حاسمًا لفهم
طبيعتها، وخلفية نشأتها، والدوافع الفكرية والنفسية التي أدّت إلى تشكلها. وهذا ما
ينطبق تمامًا على جماعة "شهود يهوه"، التي بدأت في نهاية القرن
التاسع عشر في الولايات المتحدة، على يد شخصية مثيرة للجدل تُدعى تشارلز تاز
راسل.
- من هو تشارلز تاز راسل؟ : ولد تشارلز تاز
راسل في ١٦ فبراير ١٨٥٢م في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، في عائلة تنتمي إلى طائفة
المشيخيين، نشأ في بيئة دينية متأثرة بالبروتستانتية الإنجيلية، واهتم منذ شبابه
المبكر بالقضايا الروحية والدينية ( بحث عن تشارلز تاز راسل في موقع ويكبيديا - وموقع
.britannica.com ) غير أنه أظهر نزعة قوية للشك في بعض تعاليم الكنائس التقليدية،
خاصة فيما يتعلّق بعقيدة الجحيم، والدينونة الأبدية، والثالوث، وفي سن
السادسة عشرة تقريبًا، مرّ راسل بأزمة إيمانية حادة دفعته إلى رفض العقائد
الأرثوذكسية، وبدأ يبحث بنفسه عن "الحق"، فصار يطّلع على كتابات
أديان مختلفة، بل حتى على الفكر الإسلامي والبوذي، وفق بعض الوثائق. لكن أهم تأثير
جاء عليه كان من خلال حركة الأدفنتست السبتيين، خاصة تعاليم نيلسون باربور، أحد الدعاة
الذين اعتقدوا بقرب نهاية العالم، وكانوا يتوقّعون المجيء الثاني للمسيح في مواعيد
زمنية محددة.
- لقاءه ب نيلسون باربور وتكوُّن عقيدته : في بداية سبعينيات القرن التاسع عشر، التقى راسل بالواعظ نيلسون إتش.
باربور، الذي أثّر في مسار حياته الديني بشكل جذري. كان باربور يروّج لفكرة أن
المسيح قد عاد بالفعل سنة ١٨٧٤، لكن بشكل غير منظور، وهو المفهوم الذي سيصبح
لاحقًا حجر الزاوية في تعاليم شهود يهوه. اقتنع راسل بهذا الطرح، وبدأ ينشر هذه
الفكرة من خلال الكتابة والمطبوعات، تعاون الرجلان لفترة، وأصدرا مجلة بعنوان "هيرالد
أوف ذا مورنينغ" (Herald of the Morning – "مناداة الصباح")،
لكن سرعان ما نشب خلاف بينهما، خصوصًا حول معنى الكفارة ودم المسيح، فافترق
الاثنان في عام ١٨٧٩م بعد هذا الانفصال، قرّر راسل أن يُطلق مجلته الخاصة، وأن
يُكوِّن تنظيمًا خاصًا به ( بحث في موقع wol.jw.org موقعهم الخاص برج المراقبة )
- تأسيس مجلة برج المراقبة : في يوليو ١٨٧٩م أصدر راسل أول عدد من مجلته الشهيرة التي ما زالت تصدر إلى
اليوم، بعنوان "برج مراقبة صهيون" (Zion’s Watch Tower and Herald of
Christ’s Presence) والتي اختصر اسمها لاحقًا إلى "برج المراقبة"
(The Watchtower) لتصبح لاحقًا الذراع التعليمي الرئيسي لجماعته، كان هدف
المجلة هو نشر أفكاره اللاهوتية الخاصة، وتفنيد عقائد الكنائس التقليدية، والدعوة
إلى ما اعتبره "الإيمان الكتابي الأصلي". وأسس من خلال المجلة
مجموعة صغيرة من الأتباع الذين صدّقوا تعاليمه، وسمّوا أنفسهم لاحقًا بـ"تلاميذ
الكتاب المقدس".
- تعاليمه المركزية : بدأ راسل يضع أساسًا
لتعليم مغاير تمامًا لما تسلّمته الكنيسة عبر قرون، من أبرز أفكاره:
١ - إنكار عقيدة الثالوث: فالله عنده هو
"يهوه" فقط، ولا وجود لوحدة بين الآب والابن والروح القدس.
٢ - رفض لاهوت المسيح: يسوع، بحسب راسل، هو أول
مخلوق خلقه يهوه، وليس أزليًا ولا مساوٍ لله.
٣ - إنكار الجحيم والعذاب الأبدي: اعتبر راسل أن الله لا يمكن أن يعذب الناس إلى الأبد.
٤ - مجيء المسيح غير المنظور سنة ١٨٧٤م (ثم غُيّر التاريخ لاحقًا إلى ١٩١٤).
٥ - التركيز على نهاية العالم: حيث بشر أن نظام العالم الحاضر سينتهي في غضون سنوات قليلة.
في عام ١٨٨١م
أسّس راسل جمعية لنشر مطبوعاته، وسجّلها رسميًا عام ١٨٨٤م باسم "جمعية برج
المراقبة للكتاب المقدس والمنشورات" (Watch Tower Bible and Tract Society) والتي
أصبحت فيما بعد الجسد القانوني والتنظيمي لحركة شهود يهوه.
- كتاباته وتأثيرها: ألّف راسل سلسلة من الكتب اللاهوتية سماها "دراسات في الكتاب
المقدس" (Studies in the Scriptures) وبلغت سبعة مجلدات، قدم فيها
تفسيرًا خاصًا للكتاب المقدس، مبنيًا على أرقام وتواريخ وحسابات
"نبوية"، اعتمد فيها أسلوبًا رمزيًا وانتقائيًا. وقد قدّم نفسه كـ"العبد
الأمين الحكيم"، أي المفسر الشرعي الوحيد لكلمة الله في هذا العصر، بل
وذهب بعض أتباعه إلى القول بأنه "النبّي الجديد" الذي أرسله الله
لإعداد العالم لمجيء المسيح، ما أعطى تعاليمه سلطة مطلقة في أعينهم.
ظل راسل يقود
الجماعة حتى وفاته في ٣١ أكتوبر ١٩١٦م أثناء سفره في قطار. وقد خلف موته حالة من
الفراغ التنظيمي، أدت إلى صراعات داخلية بين أتباعه، وانقسام بعضهم إلى فِرق، لكن
الأغلبية استمرت تحت قيادة جوزيف فرانكلين رذرفورد، الذي أعاد تنظيم الجماعة
وهيكلها العقائدي، وأطلق عليها رسميًا عام ١٩٣١م اسم "شهود يهوه"،
تمييزًا عن باقي الجماعات التي خرجت من عباءة راسل.
- ملاحظات هامة عن شخصية راسل : رغم مكانته الكبيرة في عيون أتباعه، فإن تشارلز راسل كان شخصية مثيرة
للجدل، تعرّض لملاحقات قضائية، واتهامات بالاحتيال المالي، خصوصًا في قضايا توزيع
"قمح مقدس" زعم أنه شافي، ادّعى أنه يعرف اليونانية والعبريّة، لكنه
فُضِح لاحقًا في المحاكم حين سئل عن أبجديات اللغة، ولم يعرفها ( بحث تحت عنوان
first president of the Watchtower Bible داخل موقع thewarfareismental ) رفض
الخضوع لأي سلطة كنسية، وهاجم الكنائس بشكل لاذع، وادّعى أنها كلها جزء من
"بابل العظيمة" ومع كل ذلك، استطاع أن يؤسس جماعة صار لها كيان عالمي،
لها ملايين الأتباع حول العالم، وتنشط في الكرازة من بيت لبيت، معتمدين على
التنظيم والولاء المركزي، إن تشارلز تاز راسل لم يكن نبيًا ولا مصلحًا كما يزعم
أتباعه، بل كان مبتدعًا لنظام ديني جديد، مبني على انتقائية فكرية وتأويلات بشرية،
مملوء بالتواريخ المضللة والافتراضات العقائدية غير الكتابية. والأساس الذي وضعه
لم يكن إلا بداية لبنية تنظيمية شديدة المركزية، تسيطر على فكر أتباعها، وتقدّم
صورة مشوهة عن الله والمسيح والخلاص.
٢ -
من الجمعيات إلى المنظمة
كيف تشكلت "برج المراقبة"
بعد انفصاله عن
نيلسون باربور سنة ١٨٧٩م بدأ تشارلز تاز راسل خطواته العملية لتأسيس حركة دينية
تحمل رؤيته الخاصة، التي كانت تختلف عن كل التيارات البروتستانتية التقليدية. لم
يكن هدف راسل منذ البداية هو إنشاء طائفة جديدة بقدر ما كان يسعى إلى "استعادة
الحق الكتابي" كما فهمه، وتقديم بديل لتعاليم الكنائس التي اعتبرها فاسدة
ومحرّفة عن جوهر الإنجيل. وهكذا بدأ في بناء قاعدة مستقلة من الأتباع الذين
يشاركونه نفس الرؤية.
أ - إطلاق مجلة "برج مراقبة صهيون" : في يوليو ١٨٧٩م أطلق راسل مجلة دورية جديدة بعنوان "برج مراقبة
صهيون ومجلة بشارة حضور المسيح" (Zion’s Watch Tower and Herald of Christ’s
Presence) والتي أصبحت فيما بعد النواة الفكرية والتنظيمية لحركة شهود يهوه.
اختار راسل اسم "برج مراقبة صهيون" من العهد القديم، حيث يشير
البرج إلى نقطة مراقبة وتحذير للشعب، كما أراد أن تكون المجلة "منبرًا
للحقيقة" في مواجهة ما رآه من ضلال في تعاليم الكنائس الكبرى، تضمّنت المجلة
مقالات تشرح وجهة نظر راسل في العقائد المسيحية، وتروّج لفكرة أن المسيح قد عاد
بالفعل سنة ١٨٧٤م بشكل غير مرئي، وأنه يحكم روحيًا منذ تلك اللحظة. ( بحث علي
الانترنت تخت عنوان Bible Student movement ) كما بدأت
المجلة تنشر جداول زمنية لتحديد مراحل "الزمن الأخير"، مع التوقع بأن
نهاية النظام العالمي الحاضر ستكون سنة ١٩١٤م وهكذا تحوّلت المجلة من نشرة دورية
إلى منبر عقائدي ورسولي مؤثر، يجذب أتباعًا من مختلف الولايات الأمريكية بل ومن
أوروبا لاحقًا.
ب - إنشاء مؤسسة برج المراقبة : في عام ١٨٨١م أسس راسل منظمة غير ربحية باسم: Zion’s Watch Tower Tract
Society (جمعية منشورات برج مراقبة صهيون) وهدفها كان طباعة وتوزيع الكتب
والنشرات والمقالات التي تُروّج لتعاليمه. ومع مرور الوقت، تزايد نشاط الجمعية
واتسع نطاق عملها، فقرر راسل في عام ١٨٨٤م تسجيلها رسميًا كشركة دينية في ولاية
بنسلفانيا الأمريكية، وأصبح هو رئيسها الرسمي، وهكذا تحولت الجمعية من مجرد هيئة
غير رسمية إلى مؤسسة قانونية قائمة، لها مجلس إدارة وهيكل تنظيمي، وتُصدر مطبوعات
وتستقبل تبرعات وتدير ممتلكات. وقد أسهم هذا التحول القانوني في تثبيت الحركة
وجعلها أكثر استقرارًا، خاصة وأن راسل كان يرى أهمية بناء مؤسسة لا تموت بموته، بل
تستمر في حمل الرسالة من بعده.
ج - الانتشار الدولي وبداية التبشير المنظم : مع نمو الجمعية وتوسع تأثير مجلة "برج المراقبة"، بدأ راسل
وأتباعه في تنظيم رحلات تبشيرية داخل الولايات المتحدة ثم في أوروبا. أرسلوا نشرات
إلى القُرى والمدن، وفتحوا مكاتب في بريطانيا وكندا، وسرعان ما أصبح لجمعية
"برج المراقبة" شبكة مراسلين ومندوبين حول العالم، وكان من أبرز أدوات
الانتشار هو سلسلة "دراسات في الأسفار المقدسة" التي كتبها راسل في سبعة
مجلدات، وقد اعتبرها أتباعه مساوية تقريبًا للكتاب المقدس، بل صرّح بعضهم أن من
يقرأ هذه السلسلة دون الكتاب المقدس يفهم الحق، بينما من يقرأ الكتاب المقدس وحده
دون هذه السلسلة لا يصل للحقيقة! وقد بيعت ملايين النسخ من هذه السلسلة، وكانت
تُوزع بأسعار رمزية أو مجانًا، وهو ما ساعد في توسيع قاعدة الحركة بسرعة.
د. التغيير التدريجي في الهوية والطابع العقائدي : رغم أن الاسم الرسمي ظل لفترة هو "جمعية برج المراقبة"، فإن راسل
لم يُحبذ في البداية أن تُسمى حركته باسم شخصي أو طائفي. لكن مع مرور الوقت، أصبح
أتباعه يُعرفون باسم "راسلّيون" (Russellites)، نسبة إليه، كما كان
بعضهم يُلقب بـ"دارسي الكتاب المقدس" (Bible Students) غير أن هذا الوضع
تغيّر لاحقًا، خاصة بعد وفاة راسل سنة ١٩١٦م حين دخلت الجمعية مرحلة جديدة بقيادة
جوزيف فرانكلين رذرفورد، وهو الذي أعاد تشكيل الجمعية وهيكلها العقائدي والتنظيمي،
وغيّر اسمها إلى "شهود يهوه" في عام ١٩٣١م في محاولة لفصل الجماعة عن
بقية "الراسلّيين" الذين انقسموا بعد موت المؤسس، لكن من المهم أن نُدرك
أن كل البنية التحتية والفكرية والتنظيمية التي بُنيت لاحقًا تحت اسم "شهود
يهوه" كانت في الأصل من تأسيس راسل: المجلة، المطبوعات، التبشير، التنسيق
العالمي، رفض العقائد التقليدية (مثل الثالوث، الجحيم، النفس الخالدة)، واستعمال
التفسير الرمزي للتواريخ النبوية، كلها عناصر وضع أساسها في تلك المرحلة الأولى.
ه - الخصائص التنظيمية المبكرة: تميزت جمعية برج المراقبة في عهد راسل بعدة خصائص تنظيمية كانت ثورية في
وقتها، الطباعة والإنتاج الضخم امتلكت الجمعية مطبعة خاصة بها، وكانت تنتج كميات
هائلة من الكتب والنشرات بأسعار زهيدة، ما سهّل انتشار الفكر الرسللي بين الناس،
ايضا التمويل الذاتي - لم تكن الجمعية تطلب العشور أو تفرض رسومًا دينية،
بل اعتمدت على تبرعات المحبين، وكان ذلك يُقدَّم على أنه علامة على "الإخلاص
للحق" ومن ضمن الخصائص القيادة المركزية - كان راسل يتمتع بسلطة
واسعة، رغم محاولات إظهار الطابع الجماعي في الإدارة، وكانت معظم القرارات
النهائية تمر من خلاله، وغياب المباني الكنسية التقليدية: لم يؤسسوا كنائس
بالمعنى المتعارف عليه، بل كانوا يجتمعون في قاعات صغيرة أو في البيوت، رافضين
الرموز الدينية مثل الصليب أو الصور.
- موقفه من المسيحية التقليدية : كان راسل يعتبر الكنائس الكبرى – الكاثوليكية والبروتستانتية – جزءًا من
"بابل العظيمة" التي أشار إليها سفر الرؤيا، أي أنها منظومة دينية ساقطة
وخاضعة لنفوذ الشيطان، في نظره. ولذلك دعا أتباعه إلى "الخروج منها"، أي
عدم الانتماء إليها أو قبول تعاليمها، كما رفض العقائد المسيحية الأساسية مثل
الثالوث، واللاهوت الكامل للمسيح، وعذاب الجحيم الأبدي، ووجود النفس الخالدة.
وبدلًا من ذلك، بشّر بفكرة الملكوت الأرضي، وأن الأبرار سيحيون على الأرض إلى
الأبد، بعد نهاية هذا العالم.
٣
التطورات
العقائدية والقيادية عبر العقود
بعد وفاة المؤسس
تشارلز تاز راسل عام ١٩١٦م دخلت جماعة شهود يهوه في مرحلة جديدة من التشكيل
العقائدي والإداري. هذه المرحلة لم تكن مجرد امتداد لفكر راسل، بل مثّلت نقلة
نوعية في البنية التنظيمية، وفي إعادة صياغة العقائد، والتوجّه التبشيري، وتوسّع
النفوذ العالمي. ويمكن تقسيم هذه التطورات إلى ثلاث مراحل رئيسية: مرحلة ما بعد
راسل، مرحلة التوسّع والانتشار، ومرحلة التصلب العقائدي والانغلاق التنظيمي.
أولًا: بعد وفاة راسل – الصراع على القيادة وتحوّل العقيدة :
عند وفاة راسل،
لم يكن هناك نظام قيادي واضح لخلافته، فقد كان يرى نفسه "خادمًا أمينًا"
وليس مؤسس كنيسة، ولم يُعيّن خليفة رسميًا. ولكن صعد إلى القيادة رجل يُدعى جوزيف
فرانكلين رذرفورد (١٨٦٩–١٩٤٢)، وهو قاضٍ سابق، وكان من المقربين لراسل، عبر تحرّك
إداري ذكي، تمكن رذرفورد من السيطرة على جمعية برج المراقبة، مستندًا إلى ثغرات
قانونية في لوائحها، رغم اعتراض عدد من الشيوخ والتابعين المقربين من راسل، فور
استلامه القيادة، بدأ رذرفورد بإحداث تغييرات كبيرة، حيث أعاد هيكلة الجمعية لتصبح
أكثر مركزية وصرامة في نظامها الإداري. بدأ يستخدم لقب "القاضي"
رذرفورد، وفرض سطوة شخصية قوية على الجماعة. أحد أهم التغيرات العقائدية التي قام
بها، هو رفض تفسير راسل التقليدي لنبوءات دانيال والرؤيا، وتقديم تفسيرات جديدة
أكثر تطرفًا وحرفية، خاصة فيما يتعلّق بموعد المجيء الثاني والقيامة، ففي عام
١٩٣١م ( بحث تحت عنوان " Bible Student movement " موقع بعنوان herald-magazine )
أعلن رذرفورد رسميًا تغيير اسم الجماعة من "طلاب الكتاب المقدس"
إلى "شهود يهوه"، استنادًا إلى إشعياء ٤٣ : ١٠ "أَنْتُمْ
شُهُودِي، يَقُولُ الرَّبُّ"، في محاولة لتأكيد خصوصية الجماعة وانفصالها
عن بقيّة العالم المسيحي.
ثانيًا: التوسّع العالمي في عهد ناثان كنور (١٩٤٢–١٩٧٧) :
بعد وفاة
رذرفورد، تسلّم القيادة ناثان هومر كنور (١٩٠٥–١٩٧٧) الذي تميّز بمهارات تنظيمية
وإدارية عالية. لم يكن شخصية كارزمية مثل من سبقه، بل كان إداريًا صارمًا، وهو
الذي نقل الجماعة من الطابع الشخصي إلى الطابع المؤسسي العالمي. في عهده تم تأسيس
"مدرسة جلعاد التبشيرية" وبدأت الجماعة بإرسال مبشّرين حول العالم، مما
أدى إلى انتشار شهود يهوه في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية بشكل غير مسبوق ( بحث
تحت عنوان Watchtower Bible School of
Gilead وعنوان History of Jehovah’s Witnesses ) وعلى الصعيد العقائدي، ظلّت
تعاليم رذرفورد وراسل تُعدُّ مرجعًا، ولكن تم تطوير بعض المفاهيم: تأكيد على أن
المسيح لم يعد سنة ١٩١٤ بشكل منظور، بل "بدأ حكمه السماوي" - استكمال
عقيدة "جيل ١٩١٤م" التي ربطت بعودة المسيح النهائية - التشديد على أهمية
الانفصال التام عن العالم، ورفض الخدمة العسكرية أو المشاركة السياسية - استحداث
مفهوم "الجماعة الباقية" من الـ144,000 (رؤيا ٧ : ٤) الذين سيكون لهم
امتياز الحياة في السماء، بينما الباقون سيكون مصيرهم الحياة على الأرض بعد نهاية
النظام العالمي الحالي.
ثالثًا: التصلب العقائدي وتكريس القيادة للجنة الحاكمة:
في أواخر عهد
ناثان كنور، برز اسم فريدريك فرانز، الذي أصبح القائد الفعلي للعقيدة واللاهوت في
الجماعة، ثم تسلّم القيادة رسميًا عام ١٩٧٧م حتى وفاته عام ١٩٩٢. كان فرانز يُعدُّ
العقل اللاهوتي الأبرز في شهود يهوه، وقد عُرف بتفسيراته المعقّدة والمثيرة للجدل،
خاصة بخصوص سفر الرؤيا ودانيال.
من أبرز ما ميّز هذه المرحلة:
إعلان فشل توقع
نهاية العالم سنة ١٩٧٥م ما سبّب خيبة أمل كبيرة، وانشقاقات داخلية- تحوّل القيادة
إلى "اللجنة الحاكمة" بدلًا من فرد واحد، وتم ترسيخ هذا النظام في
التسعينيات - إعادة ضبط بعض المفاهيم، خاصة عقيدة "جيل ١٩١٤م" التي
أصبحت أكثر مرونة مع مرور الزمن، لتشمل من شهدوا الأحداث وليس فقط من وُلدوا فيها.
اللجنة الحاكمة،
التي باتت تُعدّ الصوت الإلهي الوحيد الموثوق به داخل الجماعة، هي التي تُنتج كل
المطبوعات، وتفسّر الكتاب المقدس تفسيرًا حصريًا لا يُقبل النقاش فيه من الأتباع.
وهذا قاد إلى نوع من الانغلاق العقائدي، حيث يتم فصل أي عضو يشكّ أو يعارض،
ويُعتبر مرتدًا، وفي العقود الأخيرة، خاصة بعد ٢٠٠٠م استمرت التغيرات داخل شهود
يهوه، ولكن تحت رقابة صارمة من اللجنة الحاكمة. ومن أهم التغيرات الحديثة: التوسع
الرقمي: إطلاق موقع jw.org الذي أصبح المصدر الرسمي لكل تعاليمهم، تعديل عقيدة
"الجيل المعاصر" لتفسير استمرار الزمن بعد ١٩١٤م دون التخلّي عن جوهر
النبوءة، الاستمرار في منع الأعضاء من المشاركة في الانتخابات، أو قبول الدم، أو
الاحتفال بالأعياد.
٤
نظرة الكنائس
عبر التاريخ إلى شهود يهوه
على مدى أكثر من
قرن، أثارت جماعة شهود يهوه جدلًا واسعًا في الأوساط الكنسية المسيحية، إذ لم
تُعامل كتيار مسيحي إصلاحي أو طائفة منشقة فحسب، بل اعتبرتها الكنائس الكبرى —
الأرثوذكسية، الكاثوليكية، والبروتستانتية — حركة هراطقة وخارجين عن الإيمان
القويم. يعود ذلك إلى أسباب لاهوتية جوهرية في عقائد شهود يهوه، إضافة إلى
أساليبهم التبشيرية وتنظيمهم المغلق والمركزي. سنستعرض في هذا الجزء كيف نظر
العالم المسيحي عبر تاريخه إلى هذه الجماعة، وما كانت الردود اللاهوتية والعملية
عليها.
أولًا: الكنيسة الكاثوليكية – رفض قاطع وتشكيك عقائدي:
منذ بداية انتشار
جماعة شهود يهوه في أوروبا، وخاصة بعد الحرب العالمية الأولى، بدأت الكنيسة
الكاثوليكية تتعامل مع هذه الجماعة كـ"بدعة معاصرة" أو "هرطقة
حديثة" وقد كان أول رد رسمي من الكرسي الرسولي سنة ١٩٤٩م حين أصدرت مجمع
العقيدة والإيمان الكاثوليكي (Congregatio pro Doctrina Fidei) تحذيرًا عامًا ضد
أفكار الجماعة، معتبرة أنها تنكر ألوهية المسيح، وترفض الثالوث، وتسيء تفسير
الكتاب المقدس ( بحث في كلمة هراطقة داخل موقع
christianity.stackexchange ) وترى الكنيسة الكاثوليكية أن شهود يهوه يقعون
في أخطاء لاهوتية خطيرة، منها: إنكارهم لجوهر الثالوث الأقدس - إنكار ألوهية
المسيح - تقليلهم من عمل الروح القدس كشخص إلهي - رفضهم الاعتراف بالأسرار المقدسة
كالعماد والتناول - رفضهم لسلطة الكنيسة والتقليد المقدس، وقد قامت العديد من
الأبرشيات الكاثوليكية في أوروبا وأمريكا اللاتينية بتنظيم مؤتمرات توعية، ونشرت
كتيبات تشرح "انحرافات شهود يهوه"، ودرّبت الكهنة على الرد عليهم
لاهوتيًا.
ثانيًا: الكنائس الأرثوذكسية – إدانة صارمة ورفض مجتمعي :
الكنائس
الأرثوذكسية، خاصة في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، كانت أكثر حزمًا في رفض جماعة
شهود يهوه، خصوصًا بسبب عدائهم الشديد لفكرة "الكنيسة الأم" التي يرونها
– حسب أدبياتهم – فاسدة وضالة. وقد أصدرت البطريركيات الأرثوذكسية، لا سيما
بطريركية موسكو وبطريركية القسطنطينية، بيانات صريحة تحذر المؤمنين من شهود يهوه،
وتدعو إلى عدم استقبالهم أو مناقشتهم بدون استعداد عقائدي قوي ( بحث داخل موقع orthochristian ) كما ترى الكنيسة الأرثوذكسية في "شهود يهوه"
تهديدًا لا على العقيدة فقط، بل على وحدة المجتمع المسيحي، إذ إنهم: يهاجمون
الرموز الكنسية علنًا - يرفضون الاحتفال بالأعياد المسيحية مثل الميلاد والقيامة -
يدعون إلى هدم فكرة الطقوس والتقليد الليتورجي - وفي بعض الدول الأرثوذكسية مثل
اليونان وروسيا، تم حظر أنشطة شهود يهوه في فترات معينة، واعتبروا منظمة تهدد
الأمن الروحي والاجتماعي.
ثالثًا: الكنائس البروتستانتية :
رغم أن شهود يهوه نشأوا في بيئة بروتستانتية، إلا أن معظم الكنائس
البروتستانتية التاريخية (مثل المشيخية، اللوثرية، الميثودية) رفضتهم رفضًا
واضحًا. وقد كانت الخلافات معهم أشد حدة لسببين: التفسير الحرفي للكتاب المقدس الذي يمارسه شهود يهوه، مما يُعدُّ تطرفًا في القراءة ولا يراعي السياق التاريخي أو الثقافي للنص - رفضهم لصليب المسيح كرمز مقدس، مع إنكارهم لموت المسيح الكفاري بالمفهوم الإنجيلي، واعتبارهم دمه مجرد وسيلة لفداء
"جماعة مختارة" وقد أصدرت
عدة هيئات إنجيلية كتبًا ومراجع لتفنيد عقائد شهود يهوه. (بحث داخل موقع
ministry-tools.nacministers) بعض الكنائس الإنجيلية اتبعت أسلوب الحوار، خصوصًا
في أمريكا، لمحاولة جذب الأفراد الخارجين من الجماعة، وتقديم الدعم النفسي والروحي
لهم، إذ لاحظوا أن كثيرين من شهود يهوه يعانون من عزلة اجتماعية وضغط داخلي نتيجة
التنظيم الصارم.
رابعًا: المجامع المسكونية والمؤسسات اللاهوتية :
على المستوى
الدولي، عبّرت مؤسسات مسكونية كبرى مثل "مجلس الكنائس العالمي" (World
Council of Churches) و"الرابطة اللاهوتية العالمية" عن قلقها
من انتشار شهود يهوه، واعتبرت الجماعة غير مؤهلة للاعتراف بها كطائفة مسيحية بسبب
إنكارها لمقومات العقيدة الأساسية (بحث في داخل الموقع jehovahs-witness في كلمه مجلس الكنائس العالمي) وركّزت الدراسات اللاهوتية المعاصرة على تفكيك عناصر خطاب الجماعة، مثل: مفهوم
"المملكة الأرضية" واستبعاد السماء للجمهور - إنكار
وجود الجحيم والنار الأبدية - التقليل من مكانة يسوع المسيح لصالح يهوه
وحده، وقد عُقدت مؤتمرات جامعية في كليات اللاهوت لتحليل منشورات "برج
المراقبة"، وبيان تناقضها الداخلي وتغيّر العقائد بمرور الزمن، مما يضعف
مصداقية الجماعة عقائديًا.
خامسًا: الموقف في الشرق الأوسط والعالم العربي :
في الشرق الأوسط،
تتعامل الكنائس (وخاصة في مصر، سوريا، لبنان، الأردن) مع شهود يهوه بحذر كبير،
نظرًا لطبيعتهم السرية وانتشارهم في بعض الأوساط المتعلمة. كثير من المجالس
الكنسية حذّرت الأقباط من الانجذاب إلى فكر الجماعة، لا سيما وأنهم يستخدمون نفس
الترجمة العربية للكتاب المقدس، مع تعديلات لاهوتية طفيفة لكنها محورية، ويتم
تحذير المؤمنين عبر: العظات الكنسية العامة - كتيبات إرشادية مثل "احذر شهود
يهوه" أو "هل هذه تعليم المسيح؟" - مناهج الكليات اللاهوتية التي
تضم فصولًا عن الحركات الضالة، وقد استُخدمت بعض المنابر الإعلامية المسيحية للرد
عليهم، مثل قناة الكرمة وقناة الحياة.
الخلاصة: إجماع على رفض الجماعة مع تنوّع في الأسلوب، رغم
اختلاف الأساليب ما بين الحظر، والتوعية، والحوار، والردود اللاهوتية، تتفق
الكنائس المسيحية كافة على أمر جوهري: أن شهود يهوه لا يمثلون الإيمان المسيحي
الرسولي القويم، بل هم جماعة ذات طابع خاص، تقترب من الفكر الأريوسي، وتقوم على
تفسير انتقائي للكتاب المقدس يخدم تنظيما مغلقًا وهرميًا، وربما يمثل التحدي
الحقيقي للكنائس اليوم ليس مجرد الرد العقائدي على الجماعة، بل تقديم صورة مشجعة
للمسيحية الأصيلة تكون أكثر جذبًا لمن يشعرون بالحيرة، فلا يسقطون في شرك
التنظيمات ذات العقائد المنحرفة.
---------------------------------------
الفصل الثاني
تعاليم شهود يهوه
المنحرفة
---------------------------------------
١
نظرتهم إلى الله
إنكار الثالوث وتغيير
طبيعة الآب
الأمر او الموضوع
ليس مجرد خلافات في مبادئ اجتماعية وليست عقائدية بسيطة بل خلافات لاهوتية عميقة
وفي اساسات الإيمان المسيحي الحقيقي، فشهود يهوه ينكرون عقيدة الثالوث، رافضين أن
يكون الآب والابن والروح القدس ثلاثة اقانيم إلهية في طبيعة واحدة، في مقابل ذلك،
يؤكد الفكر المسيحي العقيدة الأساسية القويمة بأن: الآب هو الله، والابن هو الله،
والروح القدس هو الله، ليسوا ثلاثة آلهة، بل إله واحد في ثلاثة أقانيم متمايزة
لكنه لا ينقسم في الجوهر.
ولكن في تعاليم
شهود يهوة وفي كتابهم المقدس المحرف (( ترجمة شهود يهوه (NWT) )) يقولون "
في البدء كان الكلمة إلهاً… والكلمة كان عند الله… ( NWT يو ١ : ١ )
" ففي الترجمة الفانديك التي بين
ايدينا " n the beginning was the
Word, and the Word was with God, and the Word was God " اي ان " الكلمة
كان الله - the Word was God " وليس "
وكان الكلمة الها - The Word was a god " فوضع حرف ( a ) يقلل من شأن المسيح
الفرق الجوهري -
ترجمة شهود يهوه تقول: "وكان الكلمة إلهاً" (بـ"أ" نكرة، أي
"a god") ما سبب هذا الاختلاف؟ شهود يهوه يعتمدون في تبريرهم على قواعد
نحوية يونانية، حيث أن كلمة "الله" (Θεός - Theos) في
اليونانية جاءت بدون أداة تعريف عند الإشارة إلى "الكلمة"،
فيقولون إنه لا يمكن ترجمتها "الله" بل "إلهاً"،
أي كائن إلهي من مرتبة أقل، لكن هذا الطرح مرفوض لغويًا ولاهوتيًا لعدة أسباب:
أولًا: في اللغة اليونانية القديمة، أحيانًا تُحذف أداة
التعريف (ὁ) لكن المعنى يبقى معرفًا بالسياق. وفي هذه الآية، ترتيب الكلمات
يجعل "الله" هو خبر "الكلمة"، والمعنى أن
"الكلمة له طبيعة الله" علماء اليونانية واللاهوت يردون بأن النص
واضح في إثبات ألوهية الكلمة، حتى بدون أداة التعريف، والسياق لا يسمح بأن يكون
المقصود "إلهاً" بالمعنى النكري.
ثانيًا: لا يوجد
في الكتاب المقدس أي إشارة إلى وجود "آلهة" صغرى يُطلق عليهم
"إله" بالمعنى الذي يقصده شهود يهوه، "الكلمة"
هو شخص المسيح، ويوحنا ١ :١٤ يقول: "والكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا..."،
أي أن هذا الكلمة الإلهي نفسه هو يسوع المسيح، فإنكار ألوهية المسيح يُعتبر
إنكارًا جوهريًا لإحدى ركائز العقيدة المسيحية: التجسد، الفداء، الثالوث.
ثالثًا: نصوص تؤكد أن الكلمة هو الله: يوحنا ٢٠ : ٢٨ "قال توما للمسيح:
"ربي وإلهي". وفي رسالة كولوسي ٢ :٩ "فإنه فيه ( في المسيح ) يحل كل ملء اللاهوت جسديًا. " وايضا في رسالة العبرانين ١ : ٨ " وَأَمَّا عَنْ الابْنِ:"كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِ." شهود يهوه
يغيّرون المعنى الأصلي لنص يوحنا ١ : ١ بترجمتهم الخاصة لأسباب عقائدية ترفض لاهوت
المسيح، فالترجمة الصحيحة بحسب قواعد اللغة والسياق تقول: "وكان الكلمة
الله." أي أن الكلمة (يسوع المسيح) هو الله في الجوهر، لا مجرد "إله"
من درجة ثانية.
- استخدام ( عب ١ : ٨ ) فلننظر فيه :
من ضمن الايات
التي تحتاج الى فهم وادراك لما يقومون بتغييره، من يقرأ كتابهم المحرف دون ان يدرك
ما به من اخطاء سيمر الأمر دون وعي، في الأيه الموجوده في رساله العبرانيين ١ : ٨
وموقف شهود يهوه منها: فقاموا بتحريف المعنى لتفادي ألوهية المسيح، فهي واحدة من
أهم الآيات التي يستخدمها المسيحيون للدلالة على ألوهية المسيح هي ما ورد في رسالة
العبرانيين: "وأما عن الابن: كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ
الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ." (عبرانيين ١ : ٨)
وهذا النص موجود أيضًا في معظم الترجمات العالمية بنفس المعنى، ومنها ترجمة الملك
جيمس "But unto the Son he saith, Thy throne, O God, is for ever and
ever." هذه العبارة الواضحة تنقل أن الآب يتحدث إلى الابن ويقول له
"يا الله"، مما يعلن بشكل مباشر ألوهية الإبن، وهو يسوع المسيح.
فهي ليست فقط تمجيدًا له، بل إعلان عن طبيعته الإلهية.
لكن شهود يهوه،
في ترجمتهم الخاصة المعروفة باسم NWT – New World Translation،
قاموا بتغيير نص الآية ليظهر كالتالي "ولكن في شأن الابن: «اللّٰهُ
عَرْشُكَ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، وَصَوْلَجَانُ مَمْلَكَتِكَ صَوْلَجَانُ
الاسْتِقَامَةِ»"
ما هو الاختلاف؟ : الفرق الجوهري هو أن
الترجمة الأصلية تقول: "كرسيك يا الله"، أي أن الابن يُدعى الله
مباشرة، وهذا بحسب السياق يعني أن الآب يخاطب الابن بوصفه إلهًا، أما في ترجمة
شهود يهوه، فيتم قلب التركيب ليصبح: "الله هو عرشك"، وهذا يُبعد
العبارة عن كونها نداء موجّهًا إلى الابن، ويجعل "الله" هنا
موضوع الجملة (subject) وليس نداءً مباشرًا، مما يُضعف المعنى اللاهوتي
للآية، ويزيل عنها فكرة مخاطبة الابن بصفته الله.
لماذا فعلوا ذلك؟
: هذا التغيير ليس عرضيًا أو أسلوبًا مختلفًا في الترجمة، بل هو مقصود تمامًا،
وينبع من العقيدة الجوهرية لدى شهود يهوه، التي تنكر ألوهية المسيح، وترفض الإيمان
بعقيدة الثالوث. فهم يعتقدون أن يسوع هو أول مخلوق خلقه يهوه، وليس أزليًا، وليس
مساويًا للآب في الجوهر، وبالتالي، لو تُركت الآية كما هي في النص الأصلي، فإنها
تُفهم بوضوح على أن يسوع هو الله، وهذا ما يتعارض جذريًا مع عقيدتهم. فكان الحل من
وجهة نظرهم هو تعديل الترجمة.
من أين جاء هذا
التغيير؟ بالعودة إلى النص اليوناني الأصلي في عبرانيين ١ : ٨ نجده يقول "Θρόνος
σου ὁ θεός εἰς τὸν αἰῶνα τοῦ αἰῶνος" وفي الانجليزي (Thronos sou ho
theos eis ton aiona tou aionos) والترجمة الحرفية لهذه العبارة هي:
"كرسيك، يا الله، إلى دهر الدهور". ففي اللغة اليونانية، عندما يأتي
الاسم المعرف بـ"ὁ" (ho) مثل "ὁ θεός" (ho
theos = الله)، ويُستخدم بهذا السياق، فإنه يشير إلى المخاطب وليس إلى
فاعل الجملة. بمعنى أن الكلام موجه مباشرة إلى الابن بوصفه "يا الله"،
لا أن الله هو الكرسي، وعلماء اللغة اليونانية يؤكدون أن هذه البنية النحوية لا
تتيح احتمال قراءة العبارة كأن "الله" هو فاعل الجملة (أي أن
الله هو الكرسي)، بل هي نداء مباشر للابن بلقب "الله".
الرد اللاهوتي:
١ - السياق في العبرانيين ١ كله يتكلم عن تفوّق الابن على الملائكة، ويورد
اقتباسات من العهد القديم ليبرهن على ألوهية المسيح ومجده الأبدي. والآية ٨ تُفتتح
بعبارة: "وأما عن الابن"، مما يوضح أن الكلام موجّه له بشكل
مباشر.
٢ - هذا الاقتباس مأخوذ من مزمور ٤٥ : ٦ - ٧ ، وهو مزمور ملوكي له طابع
نبوي عن المسيح، ويقول "كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ،
قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ هُوَ قَضِيبُ مُلْكِكَ." وبما أن كاتب العبرانيين
يستخدم هذا النص ويطبقه مباشرة على الابن، فالمعنى واضح بأن يسوع يُدعى "الله".
٣ - لو قبلنا الترجمة التي تقول "الله هو عرشك"، فإن
المعنى يصبح غير منطقي: كيف يكون "الله" هو كرسي الابن؟! هذا غير
متناسق لاهوتيًا ولا لغويًا، بل يُظهر غموضًا وتناقضًا، إن تغيير شهود يهوه لهذه
الآية في ترجمتهم لا يقوم على أسس لغوية أو سياقية، بل على دوافع عقائدية. فهم
أرادوا إخفاء البراهين الكتابية التي تعلن ألوهية المسيح بوضوح، فاضطروا إلى ليّ
النصوص وتعديل الترجمة، رغم أن النص اليوناني الأصلي لا يدعم هذا التغيير، وهذا
النموذج هو أحد الأمثلة الكثيرة على تحريفهم لمعاني الكتاب المقدس ليتوافق مع تعاليمهم،
ما يجعل مناقشة أفكارهم تتطلب الرجوع دومًا إلى اللغات الأصلية وإلى السياق
اللاهوتي السليم.
- التحريف في كولوسي ١ : ١٥ – ١٧ بين الحق الإلهي وتشويه شهود يهوه :
من بين أكثر
النصوص التي حرّفها شهود يهوه بشكل فاضح هو المقطع الوارد في (كولوسي ١: ١٥–١٧) والذي
يتحدث عن عظمة المسيح كونه الخالق الأزلي. دعونا نقارن بين ما تقوله الترجمة
الصحيحة، وما فعلوه في ترجمتهم الخاصة (NWT – New World Translation)
أولًا: النص الأصلي بحسب ترجمة فاندايك (أو حتى KJV): "الَّذِي هُوَ صُورَةُ الله غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ
خَلِيقَةٍ. فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى
الأرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لا يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ
رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. وَهُوَ قَبْلَ
كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ." هذا النص يعلن بوضوح أن: المسيح
"بكر كل خليقة"، أي الأول في المقام، لا في الزمن "فإنه
فيه خُلق الكل" – أي أنه الخالق، ليس مخلوقًا!. "الكل به وله قد
خُلق" – كل شيء، بلا استثناء، خُلق بواسطته ولأجله.
- ماذا تقول ترجمة شهود يهوه (NWT)؟ : "هو صورَةُ اللّٰهِ الَّذي لا يُرى، بِكرُ كُلِّ
الخَليقَة؛ فبِواسِطَتِهِ خُلِقَت كُلُّ الأشياءِ الأخرى في السَّمواتِ وعلى
الأرض... وهو قَبلَ كُلِّ الأشياءِ الأخرى، وبِواسِطَتِهِ أُوجِدَت" لاحظ
ماذا فعلوا هنا، أضافوا كلمة "الأشياء الأخرى" (other) في
الآيتين 16 و17 "كُلُّ الأشياءِ الأخرى" بدلا من "كل شيء"
وهكذا يتلاعبون بالمعنى ليجعلوا من المسيح مخلوقًا من ضمن الخليقة، ويصير خالقًا
فقط لما بعده!.
- لماذا هذا التحريف خطير؟! :
١ - كلمة "other" غير موجودة نهائيًا في النص اليوناني
الأصلي، أدخلوها عمدًا ليُظهروا أن المسيح مخلوق، بينما النص الأصلي يقول إن
"كل شيء" خُلق به – أي لا يمكن أن يكون ضمن "كل شيء"
إذا كان هو نفسه مخلوقًا!
٢ - هذا الأسلوب التحريفي ينقض منطق الآية ذاته: لو كان المسيح مخلوقًا،
فلا يصح أن يُقال عنه إنه خالق "كل شيء"، أو إنه "فيه يقوم
الكل" الآية تنسب له الوجود الأزلي والقدرة الخالقة المطلقة، التي لا يملكها
سوى الله وحده.
- الرد العقائدي واللاهوتي:
"بكر كل
خليقة" لا تعني أنه أول مخلوق، بل تعني أنه الوارث والسيد والمتقدم في
الرتبة، كما في: " أَنَا أَيْضًا
أَجْعَلُهُ بِكْرًا، أَعْلَى مِنْ مُلُوكِ الأرْضِ. (مز ٨٩ : ٢٧) فليس هنا ان
يكون اول ملوك ولكن في المقام يختلف عن باقي الملوك، هكذا بالنسبه للمسيح فهو بكر
كل خليقة في المقام وليس كمخلوق .. فهو الابن الغير مخلوق، فمن البديهي أن "الخالق"
لا يمكن أن يكون مخلوقًا! والمسيح هنا موصوف بأنه الخالق لكل ما في السماوات
والأرض، أي أن له الأزلية والسلطان، فالمسيح ليس مخلوقًا، بل هو الله الظاهر في
الجسد، وهو الخالق الأزلي الذي به وُجد كل شيء، وبه يقوم كل شيء، ولا يُضاف عليه
"other" لتُخفى ألوهيته!
يالفخري حين أقرأ
عظمة الحق الإلهي في كولوسي ١ : ١٥ – ١٧، فأرى المسيح الخالق، الأزلي، الذي فيه
وبه وله خُلق الكل... ثم أتحوّل إلى ترجمة شهود يهوه، فأجد أيادي البشر تمتد لتخدش
بهاء الوحي، وتُضيف كلمة 'other' - ( ἄλλα ) - (alla) التي
تعني "أُخَر" أو "أشياء أخرى" التي لم ينطق بها
الروح القدس قط! أشعر بوجعٍ داخلي... كيف يجرؤون أن يخفوا ألوهية الابن؟ كيف
تُستبدل كلمة الله بنص مُفصَّل على مقاس عقيدتهم؟ لقد صنعوا لأنفسهم إلهاً أقل،
ومسيحًا ناقصًا، ورسالة مشوهة، إنها ليست مجرد غلطة لغوية، بل جريمة لاهوتية! إنهم
لم يغيّروا حرفًا فقط، بل طمسوا ملامح المجد، وشوّهوا صورة يسوع الذي فيه يقوم
الكل، قلبي موجوع، لأن الذين يجب أن ينحنوا في رهبة أمام خالق الكل، يُقَدِّمونه
كمخلوق! هذا ليس إيمانًا... بل خيانة للنص، وللحقيقة، وللمسيح نفسه."
الشاهد: ( سفر الأمثال ٨ : ٢٢ )
:
النص الكتابي يقول "اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ، مِنْ
قَبْلِ أَعْمَالِهِ، مُنْذُ الْقِدَمِ. (أم ٨ : ٢٢) اما النص بحسب ( NWT ) يقول " يَهْوَه خَلَقَني كبِدايَةٍ لِخَليقَتِه، أوَّلَ
أعمالِهِ الَّتي مُنذُ القَديم "
كلمة "قَنَانِي" في النص العبري ( קנה ) تنطق ( qanani
) تحمل دلالة "امتلكني"،
"أنشأني"، أو "رتبني"، وتُفهم في السياق الأدبي على أنها تخص الحكمة كشخصية رمزية، لا كائن حقيقي، أما ترجمة شهود يهوه لكلمة
"قَنَانِي" إلى "أوجدني" تُستخدم للترويج إلى أن
"الحكمة" هنا تشير إلى المسيح كأول مخلوق، وهذا مخالف تمامًا للفهم الصحيح للسياق، فالسياق الكامل ( ام ٨ : ١ - ٣٦ ) يوضح أن الحكمة تتحدث بصيغة رمزية أدبية، مثل الشعر والنثر المجازي في الأدب العبري، ولا تشير إلى شخص المسيح، فالبلاغة الإلهية
— أي حكمة الله الأزلية
— تُعرض هنا كوسيط تعبيري عن طريقة الله المنظمة في الخلق، لا كمخلوق منفصل.
- الرد اللاهوتي المسيحي :
المسيح بحسب
العهد الجديد ليس مخلوقًا، بل هو الله الظاهر في الجسد " وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ
التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى
لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ
فِي الْمَجْدِ. (١تى ٣ : ١٦) وكما كتب الوحي ايضا وسجل قائلا " فِي
الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ الله، وَكَانَ
الْكَلِمَةُ الله. (يو ١ : ١) الكلمة
ليس مخلوقًا، بل أزلي مع الله وهو الله، ورسالة كلوسي تقول " فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في
السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لا يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ
عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ
قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ (كو١
: ١٦-١٧) فالمسيح خالق وليس مخلوقًا، واستخدام
"الحكمة" كمجاز في أمثال ٨ لا يمنح ترخيصًا لتحويلها إلى عقيدة باطلة عن
خلق المسيح.
- تحذير :
إن تحريف نصوص
مثل أمثال ٨ : ٢٢ لا يقف عند حدود سوء الفهم الأدبي، بل يتجاوز إلى تشويه صورة
المسيح وإنكار جوهر الإيمان المسيحي. هذا النوع من التفسير ليس نابعًا من أمانة مع
الكلمة المقدسة، بل من دافع عقائدي مسبق يهدف إلى إنكار لاهوت المسيح، وبالتالي
تعطيل فعالية الخلاص، لأن "من لا يؤمن أن يسوع هو الله المتجسد، فإيمانه
باطل." لذلك، علينا أن نكون ساهرين روحياً، متمسكين بكلمة الله كما
سُلّمت لنا من الرسل والأنبياء حسب كلمه الله، لأن الحق لا يحتاج إلى تحريف ليثبت،
بل يُعلَن بوضوح لمن يطلبه بقلب نقي
في ردنا على
تعاليم شهود يهوه المنحرفة بشأن إنكار الثالوث وتغيير طبيعة الآب، نجد أن الكتاب
المقدس يعلن بوضوح لاهوت المسيح، وأقنومية (شخصية) الروح القدس، ووحدة جوهر
الثالوث، ففي (يو ٢٠ : ٢٨) " أَجَابَ
تُومَا وَقَالَ لَهُ:"رَبِّي وَإِلهِي!" بعد قيامة المسيح وظهوره
لتوما، يعلن توما إيمانه قائلًا: «ربي وإلهي!». لم يوبّخ المسيح توما على
ما قاله، بل قبِل هذا الإعلان، مما يثبت قبوله لعبادة لاهوته، ويظهر أن الرب يسوع
ليس مجرد كائن مخلوق، بل الرب الإله نفسه، وفي (متى ٢٨ : ١٩) يأمر المسيح تلاميذه
قائلًا: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس».
هنا، كلمة "اسم" جاءت بصيغة المفرد، بينما أشار إلى ثلاثة أقانيم، ما
يؤكد وحدة الجوهر وتمايز الأشخاص ( الأقانيم ) وهو حجر الزاوية في عقيدة الثالوث.
هذا النص يفند زعم شهود يهوه بأن الآب وحده هو الله، وينكر وجود أقانيم إلهية
أخرى.
أما في (أعمال ٥ :
٣ - ٤) حين كذب حنانيا وسفيرة على الروح القدس، يقول بطرس: «لَماذا مَلأ
الشَّيطانُ قَلبَكَ لِتَكذِبَ علَى الرُّوحِ القُدُسِ؟» ثم يتابع قائلًا: «لَم
تَكذِبْ علَى الناسِ، بل علَى الله». هذا الإعلان الواضح يساوي بين الكذب على
الروح القدس والكذب على الله، ما يعني أن الروح القدس ليس قوة مجردة، بل هو شخص
إلهي كامل، مساوٍ للآب والابن، إن هذه الشواهد تُفَنِّد بوضوح تعاليم شهود يهوه،
وتُظهِر زيف محاولاتهم لإنكار ألوهية المسيح وأقنومية الروح القدس، وتقودنا للتمسك
بالإيمان القويم المُعلَن في الكتاب المقدس.
يحاول شهود يهوه أن
يُسقطوا التعليم الكتابي الواضح عن الثالوث الإلهي، فينكرون ألوهية المسيح
وشخصانية الروح القدس، ويدّعون أن "الله" هو الآب وحده، وأن
"الابن" مخلوق، وأن الروح القدس مجرد قوة، لكن نصوص الكتاب المقدس تنقض
هذه البدعة جملة وتفصيلًا، ففي (يو ٢٠: ٢٨) يعلن توما أمام المسيح القائم «رَبِّي
وَإِلَهِي!» كما اوضحنا، وهذا تعبير عبادي صريح، إذ يستخدم توما كلمتين: Κύριός
(كيريوس – "ربي") وΘεός μου (ثيوس –
"إلهي")، ويقرّ بأن يسوع هو الله. ولم يصحّح له الرب يسوع بل
قبِل هذا الإعلان، ما يدل على أن يسوع هو الله المتجسد.
أما في ( ١يوحنا ٥: ٧ ) «فَإِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي
ٱلسَّمَاءِ هُمْ ثَلَاثَةٌ: ٱلْآبُ وَٱلْكَلِمَةُ وَٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ،
وَهَؤُلَاءِ ٱلثَّلَاثَةُ هُمْ وَاحِدٌ» وهذا يُعَدّ من أوضح النصوص التي تؤكد
وحدة الثالوث، ومع ذلك، عمد شهود يهوه إلى تحريف بعض الكلمات لتدعيم فكرتهم.
فمثلًا، في (كو ١: ١٥–١٧) أضافوا كلمة "أخرى" في ترجمتهم
الإنجليزية (other) رغم غيابها من الأصل اليوناني (πρωτότοκος πάσης
κτίσεως – "بكر كل خليقة")، ليبدو أن المسيح مخلوق ضمن باقي
الخليقة، مع أن النص يوضح أن "به خُلِقَ الكل"، لا كواحد
منها، كل هذه الشواهد تقرر حقائق إيمانية مستقرة منذ القرون الأولى، ولا يمكن
إنكارها دون الوقوع في تحريف متعمد لهدم الإيمان القويم، لذلك دعونا نفند ( ١يوحنا
٥: ٧ ).
- شرح وتفنيد (١يو ٥ : ٧) وحدة الثالوث رغم تحريفهم :
هذه الآية تُعد
من أقوى وأوضح الإعلانات الكتابية عن وحدة الثالوث: "الآب - الكلمة - الروح
القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد". وهي تُعلن وحدة الجوهر الإلهي بين
الأقانيم الثلاثة، لا مجرد اتفاق في الشهادة، بل اتحاد في الكينونة، وهو ما يُقوّض
تمامًا محاولات شهود يهوه لفصل المسيح عن الألوهة أو جعله مجرد كائن مخلوق.
- وجود الآية في المخطوطات :
يشير البعض إلى
أن هذا النص، في صيغته الطويلة المعروفة بإسم (Comma Johanneum) التي تتضمن
"الذين يشهدون في السماء..."، غير موجود في أقدم المخطوطات
اليونانية، مثل المخطوطات السينائية والفاتيكانية. وهو ما جعل بعض الترجمات
الحديثة (مثل NRSV أو NIV) تحذف الجزء المتعلق بالشهادة السماوية،
وتكتفي بذكر "الذين يشهدون: الروح، والماء، والدم". (( راجع
موقع thoughtfulcatholic تحت عنوان The Johannine Comma ))
الرد: لماذا ما زال النص لاهوتيًا صحيحًا؟ :
الآية لم تُخترَع في العصور المتأخرة، بل موجودة في مخطوطات لاتينية قديمة تعود إلى القرن الرابع والخامس، ومذكورة بوضوح في كتابات آباء الكنيسة مثل سيبريانوس (Cyprian) الذي اقتبس عبارة
"والثلاثة هم واحد" للدلالة على الثالوث، وكثير من اللاهوتيين يرون أن النص لم يُضَف، بل تم حذفه من بعض النسخ اليونانية نتيجة الصراعات اللاهوتية في القرون الأولى.
فحذف إشارة واضحة للثالوث يخدم بعض الفرق المنكرة له في تلك الفترات، خاصة في الشرق، أقدم مخطوطة يونانية تحتوي النص كاملًا هي Codex
61 وتعود للقرن السادس عشر، لكن شواهد النص منتشرة قبله في الليتورجيات والاقتباسات، وليس فقط في المخطوطات الرسمي (( راجع موقع thetextofthegospels بحث في كلمة Codex 61 )) فبالترجمات التقليدية مثل الفاندايك والترجمة اللاتينية الفولجاتا والترجمة الكينج جيمس حافظت على النص لأنها اعتمدت على النسخة الكنسية المستقرة، المعروفة في أوساط الكنيسة الجامع (الكاثوليكية) سواء قبلنا النص كشاهد نصي أصلي أو كإضافة تفسيرية لاحقة،
فهو يعبّر عن تعليم كتابي موجود بوضوح في مواضع أخرى مثل: (مت ٢٨ : ١٩) "عمدوهم
باسم الآب والابن والروح القدس" و (٢كو ١٣:١٤) "نعمة ربنا يسوع
المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس" لذا فرفض النص لا يُبطل حقيقة وحدة
الثالوث، بل يُظهِر محاولة متعمدة لتقويض ألوهية المسيح والروح القدس، وهو ما
يتماشى مع أسلوب شهود يهوه في "سحب" الألوهية من النصوص.
النتائج الخطيرة لذلك لانكارهم للثالوث:
إنكارهم للثالوث
لا يلغي فقط وحدة الجوهر الإلهي، بل يقسم الله إلى كائن رئيسي وآخرين أدنى - يجعل
من المسيح شخصًا غير مستحق للعبادة، خلافًا لما تُعلنه نصوص كثيرة بوضوح - يهدم
أساس الخلاص، إذ لا يمكن لكائن مخلوق أن يقدم كفارة أبدية عن خطايا البشر. فالمسيح
بحسب الكتاب هو الله المتجسد "عظيم هو سر التقوى: الله ظهر في الجسد"
(١تي ٣ : ١٦) باختصار، ما تفعله ترجمة شهود يهوه ليس مجرد اختلاف في التفسير،
بل تشويه جوهري لحقائق الإيمان المسيحي الثابتة كتابيًا وتاريخيًا، والنتيجة ليست
فقط تضليلًا، بل خطرًا مباشرًا على خلاص النفوس.
٢
الروح القدس
في تعليمهم: قوة
لا أقنوم
يعتبر موضوع
الروح القدس أحد المحاور الجوهرية التي تكشف انحراف شهود يهوه عن التعليم الكتابي
القويم. ففي حين يعلن الكتاب المقدس بوضوح أن الروح القدس هو أقنوم إلهي شخصي،
يتعامل معه شهود يهوه باعتباره مجرد "قوة فعّالة" أو "طاقة
غير شخصية" يستخدمها الله لتحقيق مقاصده. هذه الرؤية تقلل من قداسته،
وتفصل بينه وبين شركته الأزلية مع الآب والابن.
يرجع إنكارهم
لشخصية الروح القدس إلى تصورهم الخاطئ عن الله نفسه، فبما أنهم ينكرون الثالوث،
فلا يمكنهم قبول أن الروح القدس هو أقنوم إلهي مساوٍ للآب والابن. لذلك أعادوا
تفسير كل نص كتابي يتحدث عن الروح القدس على أنه مجرد "قوة" مثل
الكهرباء أو الرياح، وليس كائنًا عاقلًا يتكلم، يشعر، ويرشد. هذا الفهم يتأثر
بأسلوب مادي ميكانيكي في قراءة النصوص، متجاهلين عمق اللغة الكتابية وسياقها.
- شهادة الوحي عن شخصية الروح القدس :
الكتاب المقدس لا
يترك مجالًا للشك في أن الروح القدس له إرادة، عقل، ومشاعر، وهو يشارك في أعمال
الله بصفته الله نفسه، يقول الرب يسوع عن الروح القدس "وَأَمَّا
الْمُعَزِّي (παράκλητος paraklētos) الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ
الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا
قُلْتُهُ لَكُمْ" (يوحنا ١٤ : ٢٦) كلمة "παράκλητος"
باليونانية تعني "المعزي، المعين، المحامي" وهي
صفة لا يمكن نسبها إلى مجرد قوة، بل إلى شخص واعٍ قادر على التعليم والتذكير، كما
يذكر بولس الرسول في (أفسس ٤ : ٣٠) "وَلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ
الْقُدُّوسَ (πνεῦμα ἅγιον pneuma hagion)" هنا نرى أن الروح القدس يمكن
أن يُحزَن — وهذا فعل مرتبط بالكائنات العاقلة ذات المشاعر، لا بالقوى الجامدة.
وفي العهد القديم،
نجد أن الروح القدس مرتبط بالإرشاد الإلهي، فعندما لا يسمعون اليه ويفعلون عكس ما
ارشدهم ويحزنوه يتحول لهم عدو اي شخص يحزن ويعادي، كما جاء في اشعياء " وَلكِنَّهُمْ
تَمَرَّدُوا وَأَحْزَنُوا رُوحَ قُدْسِهِ، فَتَحَوَّلَ لَهُمْ عَدُوًّا، وَهُوَ
حَارَبَهُمْ. (إش ٦٣ : ١٠) فكلمة رُوحَ قُدْسِه (רוּחַ קָדְשׁוֹ ruach qodsho)" المصطلح العبري "רוּחַ" (ruach) لا يشير فقط إلى "رياح"
أو "قوة"، بل أيضًا إلى الكائن الروحي الحي.
- إذا كان الروح القدس مجرد قوة، فلن نرى منه أفعالًا مثل:
التكلم: يقول عبارة "قَالَ الرُّوحُ الْقُدُس"
(πνεῦμα τὸ ἅγιον) " وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ
وَيَصُومُونَ، قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ:"أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا
وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ". (أع ١٣ : ٢) هنا
الروح القدس يتكلم، يأمر، ويدعو للخدمة، هل القوه تتكلم؟ هل الريح او الرياح تتكلم
؟ إن لم يكن شخصا او اقنوما فلن يستطيع ان يتكلم
ملحوظة : العبارة ( πνεῦμα τὸ ἅγιον )
هي النص الأصلي باليونانية للعهد الجديد، وموجودة في مخطوطات الكتاب المقدس،
تُترجم دائمًا إلى: الروح القدس ( The Holy Spirit ) اما ترجمة شهود يهوه (New World Translation) تُترجم
إلى: holy spirit (بحروف صغيرة، من غير أداة تعريف “the”) فيكون النطق العربي: روح مقدس، بالإنجليزي: holy spirit.الفرق الأساسي: أن فاندايك
تعتبره أقنوم إلهي شخصي = "الروح القدس" شهود يهوه يعتبرونه قوة إلهية
غير شخصية = "روح مقدس".
الإرشاد: يوجه ويخاطب ويسمع صوته" فَقَالَ
الرُّوحُ (πνεῦμα) لِفِيلُبُّسَ:"تَقَدَّمْ وَرَافِقْ هذِهِ
الْمَرْكَبَةَ" (أع ٨ : ٢٩) فهل القوة او الريح له صوت يفهم ويأمر ويرشد،
فكيف شهود يهوة يحولون (الشخص - الإقنوم)الي قوة وتأثير ؟
الشهادة: " وَيَشْهَدُ لَنَا الرُّوحُ الْقُدُسُ
أَيْضًا. (عب ١٠ : ١٥) يشهد أي له ارادة كاملة يتكلم بها ويرشد ويشهد فهو
إقنوم .. شخص.. له كامل الشخصية وليس مجرد قوة وتأثير، هذه الأفعال تدل على أنه
كائن واعٍ، وليس قوة عمياء.
-
التحريف في ترجمات شهود يهوه :
في ترجمتهم الخاصة
"ترجمة العالم الجديد"، عمد شهود يهوه إلى إعادة صياغة النصوص المتعلقة
بالروح القدس لتخدم عقيدتهم. فعلى سبيل المثال، في النصوص التي يظهر فيها الروح
القدس كفاعل، غيّروا الصيغة لتبدو وكأنه "قوة" أو "شيء"
غير شخصي، محرفين المعنى الأصلي للنصوص اليونانية والعبرية ليصف "الروح القدس
كقدرة الله الفعالة، أي قوته فيما تُنجز عملا معيَّنًا." تُنقل كلمة "روح"
من الكلمة العبرية רוּחַ (ruach) والكلمة اليونانية πνεῦμα (pneuma) تشير
هاتان الكلمتان إلى قوة الله الفعالة، أي الروح القدس فإن إنكار شخصية الروح القدس
لا يقف عند حد الخطأ العقائدي، بل يحرم المؤمن من فهم الشركة الكاملة مع الله.
الكتاب المقدس يعلمنا أن الروح القدس:
- يسكن في المؤمنين (1 كو ٣ : ١٦)
- يقودهم في الحق (يو ١٦: ١٣)
- يمنحهم المواهب الروحية (١كو ١٢ : ١١ حيث الكلمة "يُقَسِّمُ" διαιροῦν
تشير لإرادة واعية).
إحدى الطرق القوية لدحض هذا الفكر هي ملاحظة أن الكتاب يذكر الروح القدس في
مساواة مع الآب والابن، كما في معمودية المسيح (مت ٢٨ : ١٩) حيث يقول: "عَمِّدُوهُمْ
بِاسْمِ الآبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ" صيغة الجمع هذه تضع
الروح القدس في مقام مساوٍ، لا مجرد أداة، كذلك، في ( ٢كو ١٣ : ١٤) البركة
الرسولية توضح الشركة مع الروح القدس في ذات المستوى مع نعمة المسيح ومحبة الله
الآب، فتعليم شهود يهوه عن الروح القدس ليس مجرد اختلاف لاهوتي ثانوي، بل هو قلب
الانحراف الذي يجعلهم يرفضون الشركة الكاملة مع الله الثالوث، الروح القدس ليس
طاقة أو قوة غير شخصية، بل هو الأقنوم الإلهي الحي الذي يعمل في حياة المؤمنين منذ
يوم الخمسين وحتى مجيء المسيح الثاني، إنكار شخصيته يحرمهم من العلاقة الحية معه،
ويقود إلى فهم ناقص ومشوَّه لفداء المسيح وخطة الله للخلاص.
٣
ما يُعلّموه
عن القيامة والمجيء الثاني والملكوت
إن الإنحراف في
فهم أقانيم الله يقود إلى انحرافات في فهم كل وعوده وأحداث المستقبل، فبعد أن رفض
شهود يهوه الإيمان بالثالوث، وحرّفوا حقيقة الآب، وأنكروا لاهوت المسيح، واعتبروا
الروح القدس مجرد "قوة" بلا أقنوم، صار من الطبيعي أن تنهار بقية أركان
إيمانهم. فعقيدة القيامة والمجيء الثاني والملكوت ليست معزولة عن معرفة الله نفسه،
لأن من لا يعرف شخص المسيح الحقيقي — الله الظاهر في الجسد (Θεός ἐφανερώθη ἐν
σαρκί – ١تي ٣ :١٦ ) — سوف يضلّ في فهم وعوده، إن الذي لا يعترف بلاهوت المسيح
لن يدرك أن القيامة مرتبطة بقوة حياته الإلهية (يو ١١ : ٢٥ "أَنَا هُوَ
ٱلْقِيَامَةُ وَٱلْحَيَاةُ") وحين يُختزل الروح القدس إلى "طاقة"،
تنفصل القيامة عن عمله المحيي " وَإِنْ
كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ،
فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ
الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ. (رو ٨ : ١١) وهكذا،
فالميلاد الجديد، والرجاء السماوي، والمجيء الثاني، كلها تتشوه عندهم لأنها تُبنى
على أساس مخلخل عن طبيعة الله.
تحريف شخص المسيح
والروح القدس يفسد معنى الرجاء المسيحي، فالرجاء في القيامة والمجيء الثاني ليس
فكرة نظرية، بل هو مبني على شخص حيّ. عندما يعلّم الكتاب أن المسيح "سيأتي
ثانية" (ἔρχεται – هُوَذَا يَأْتِي. رؤ ١ : ٧) فهو
يعلن عن عودة الإله الذي افتدى شعبه. لكن عند شهود يهوه، يسوع ليس إلهًا بل
مخلوقًا، جاء مجيئه الثاني "غير منظور" سنة 1914 بحسب زعمهم، وأصبح
الملكوت عندهم مجرد "حكومة سماوية" يديرها مخلوق مميّز، لا ملك
الملوك ورب الأرباب ( موقعهم الرسمي jw.org مقال بعنوان يمين الله) هذا التحريف في
الشخص يقود بالضرورة إلى تحريف في الحدث، فهم لا ينتظرون مجيئه المجيد بالجسد كما
أعلن الكتاب (أع ١ : ١١) بل يفسرونه بطريقة رمزية تلغي المعنى الكتابي للرجاء، ومن
هنا تبدأ سلسلة انحرافاتهم في موضوع القيامة، حيث ينكرون قيامة الجسد الحرفية
للبشر جميعًا كما أعلن المسيح، لأنهم لا يرون فيه مصدر الحياة بل مجرد أداة لله.
أ. المجيء الثاني والقيامة
١) العودة غير المرئية للمسيح في ١٩١٤ : لا يتوقع شهود يهوه مجيئًا فرديًا مرئيًّا للمسيح، بل يعلّقون بداية حكمه
السماوي على عام ١٩١٤، مستشهدين بأحداث الحرب العالمية الأولى والصراعات الدولية
كدلائل على دخول "العصر الأخير" "الأيام الأخيرة"
تناول الجميع هذا الأمر في مؤتمراتهم وكتبهم، فـ "المجيء الثاني"
بحسب فكرهم مصطلح ترجمه عن اللفظة اليونانية παρουσία (parousia)
التي تعني "الوجود القائم" لا "العودة المرئية"،
وهي مرتبطة باتصال الحاكم وليس بالمجيء الثاني.
ملحوظة :
الكلمة اليونانية: هنا تعني: الحضور
/ الوجود / القدوم، في العهد الجديد تُستخدم دائما عن مجيء المسيح
الثاني كما في الايات التالية : " .... قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هذَا؟
وَمَا هِيَ عَلامَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟" (مت ٢٤ : ٣) و "
فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ
الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لا نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. (١تس
٤ : ١٥) الترجمات الصلية لجميع الطوائف اختارت معنى "المجيء" المجيء الثاني للمسيح، تترجم parousia = العودة المرئية، بمعني: ان المسيح
سيأتي ثانية بشكل منظور، عيني، علني (كما في أعمال ١ : ١١ " .... إِنَّ
يَسُوعَ هذَا ... سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى
السَّمَاءِ".) التركيز هنا على "ظهور المسيح ثانية" كحدث مرئي
للجميع في نهاية الأيام،
أما تفسير شهود يهوه بيقولون إن parousia معناها ليس "المجيء" بل
الحضور/الوجود القائم، بالتالي: المسيح لم "يأتِ" ثانية سنة
1914 بشكل منظور، لكنه بدأ يحكم في السماء وصار "حاضرًا روحيًا"
في العالم من غير ما يُرى، فـ parousia عندهم = "وجوده الملكي غير المرئي
من السماء" لذلك يقولون: "المسيح عاد غير منظور سنة 1914" إذا
اين نضع هذه الاية اذا كان تفسيرهم صحيح " هُوَذَا يَأْتِي مَعَ السَّحَابِ،
وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَالَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ
قَبَائِلِ الأرْضِ. نَعَمْ آمِينَ. (رؤ ١ : ٧) فهو يصف حدثًا منظورًا، حقيقيًا، يراه الجميع في وقت محدد.
٢ - الأموات عند شهود يهوه : فهم يختلفون اختلافًا جذريًا عن الإيمان المسيحي فيما يخص موضوع القيامة.
-
رفض القيامة الجسدية: بحسب كتاباتهم، لا توجد قيامة بالجسد المادي كما أعلن الكتاب المقدس "
لا تَتَعَجَّبُوا مِنْ هذَا، فَإِنَّهُ
تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ،
فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ،
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ. (يو٥
: ٢٨-٢٩) وكما في (١كو ١٥) يرون أن
الأجساد لا تعود للحياة، بل يتم خلق "جسد جديد" أو "شخصية
جديدة" من قبل الله عند القيامة، ولكن القول إن كانت القيامة بجسد مختلف ..
فبالفعل سيكون جسد مختلف في طبيعته غير قابل للموت مرة اخري ولا ينتهي، ولكن ليس
بشخصية جديدة كما يقولون، فسيكون نفس الإنسان بنفس الشخصية وبنفس الشكل وبكامل
كيانه، ولكن الاغرب أنهم يؤمنون أن من وقت الموت لوقت يوم الدينونة الانسان في
الفناء اي في سبات او نوم (( يسمون هذا التعليم: "Soul Sleep" (سبات النفس)-))
هذا التعليم قريب من فكر الأدفنتست السبتيين الذين يقولون إن الموت هو نوم،
وأن النفس لا تعيش منفصلة عن الجسد، يستندون إلى تعبيرات كتابية مثل "
ثُمَّ لا أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ،
لِكَيْ لا تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لا رَجَاءَ لَهُمْ. لأنَّهُ إِنْ
كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ،
سَيُحْضِرُهُمُ الله أَيْضًا مَعَهُ. فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ
الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لا
نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. (١تس٤ : ١٣-١٥) فالموت
نوم ( رقاد ) إذا فالاموات في نوم ولا يشعرون بشيئ الي يوم القيامة - هذا
اعتقادهم، يفسرونها حرفيًا بمعنى انعدام الوعي الكامل بعد الموت، لا يعترفون بأن
الروح أو النفس تبقى حية مع الله، بل يعتبرون أن الإنسان يختفي كليًا حتى القيامة،
الجسد يموت .. النفس متحدة مع الجسد في نوم بلا قيامة .. الروح تعود لخالقها كما
اوجدها ويظل هكذا ليوم الدينونة وفي النهاية يقوم بجسد مختلف وشخصية جديدة. ( بحث داخل
موقعهم jw.org تحت عنوان اين هم الموتى؟ )
القيامة مرتبطة بيوم الدينونة الممتد: يرون أن القيامة تحدث تدريجيًا أثناء "يوم الدينونة" وهو
بحسب تعليمهم يمتد ألف سنة (رؤ ٢٠) خلال هذه الفترة، يُبعث الأموات ليُختبروا مرة
أخرى: أي أن مصيرهم الأبدي لا يُحسم مباشرة عند القيامة، بل يتحدد بناءً على
أفعالهم وسلوكهم في فترة الألف سنة، هذا يتعارض مع التعليم المسيحي الذي يؤكد أن
القيامة مرتبطة مباشرة بالدينونة النهائية والحياة الأبدية أو الهلاك الأبدي (مت ٢٥
: ٣١-٤٦) بهذا ينكرون فكرة أن المؤمن ينتقل فورًا بعد الموت إلى الوجود مع المسيح،
اين اذا نضع الاية التي تقول " فَإِنِّي
مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ
الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا. (فى ١ : ٢٣) ينكرون تعليم المسيح عن
القيامة الجسدية (يو ١١ : ٢٥) "أنا هو القيامة والحياة" يجعلون
الدينونة مرتبطة بمرحلة ثانية من "الاختبار"، وكأن قيامة الأموات
ليست نهاية بل فرصة جديدة، وهذا يهدم فكرة النعمة والخلاص النهائي الذي يقدمه
المسيح، شهود يهوه يتبنون تعليمًا مشتركًا مع الأدفنتست حول سبات النفس، وينكرون
القيامة الجسدية كما أعلَنها المسيح، بدلًا من ذلك، يعتقدون أن القيامة عملية
مستمرة عبر ألف سنة، يُمنح فيها البشر فرصة جديدة لإثبات استحقاقهم للحياة
الأبدية. هذا التعليم يضعف من حقيقة القيامة المجيدة والدينونة النهائية كما جاء
بها الإنجيل،
انهم ( يؤمنون برمزية استثناء ١٤٤٠٠٠ )
يرتكزون على رؤيا ٧ : ٤ وأعداد مختارة تُسمى "الجماعة الباقية"،
الذين يُنقَلون إلى السماء كروحانيين. البقية تُبعث لتعيش على الأرض بعد القضاء
الشامل على الشر في يوم نهاية النظام العالمي ( تجد هذا في موقعهم jw.org تحت عنوان Who
Go to Heaven? )
تقسيم الرجاء إلى قسمين : الأولى: القيامة الروحية للأبرار ١٤٤٠٠٠ - الثانية:
القيامة الجسدية الأرضية للبقية، التي يمكنهم
الاختيار والحصول على فرصة بعد القيامة في الألفية، كما توجد "فرصة
أخيرة" في نهاية الألفية بالنسبة للبقية، وإلا يُهلكون إلى الأبد ( بحث داخل موقعهم
( jw.org تحت عنوان " ماذا يحدث لنا بعد الموت؟" و "
ما هي القيامه؟ " )
ب. انعكاسات هذه الأفكار :
إن انحرافات شهود يهوه في فهم القيامة والمجيء الثاني والملكوت ليست مجرد
اختلافات عقائدية سطحية، بل هي تغييرات جذرية تضرب أساس الرجاء المسيحي في مقتل ( ولكن
هيهات .. اي انها محاولات فاشلة ) فالرجاء المسيحي الأصيل مبني على شخص الرب يسوع
المسيح الإلهي، القادر على أن يتمّم ما وعد به. وحين يُنتزع منه لاهوته، كما في
تعليمهم، يتحول الرجاء إلى فكرة بشرية قابلة للتأويل، لا إلى يقين إلهي ثابت.
أولا: تحويل المجيء الثاني إلى حدث "غير
منظور" وقع في الماضي (1914) يفرّغ النصوص الكتابية من قوتها التحفيزية على
السهر والاستعداد (مت ٢٤ : ٤٢)، ويجعل انتظار المؤمنين ليس لشخص آتٍ في مجد، بل
لفترة زمنية غامضة بدأت وانتهت دون إعلان إلهي منظور. هذا يفقد الكنيسة بُعد
الترقب الحي، ويجعل الإيمان بالمستقبل الأخروي فكرة مؤسساتية أكثر منها علاقة
شخصية مع المسيح العائد.
ثانيًا : رفض القيامة الجسدية وتحويلها إلى "فرصة
تحسين" على مدى ألف سنة يطمس حقيقة الدينونة كما أعلنها الكتاب (عب ٩ : ٢٧)،
ويضعف إحساس الإنسان بالمسؤولية عن حياته الحاضرة. ففي الفكر الكتابي، القيامة
والدينونة لحظة حاسمة نهائية، أما في فكرهم فهي عملية مطوّلة يمكن تأجيل الحسم
فيها، ما يفتح الباب للتهاون الروحي.
ثالثًا : تقسيم الرجاء إلى فئتين (١٤٤٠٠٠ سماويون،
وبقية أرضيون) يزرع طبقية روحية غير موجودة في تعليم المسيح الذي دعا
الجميع إلى نفس الرجاء الأبدي في حضرة الله (يو ١٤ : ٣) هذا يخلق شعورًا بالتمييز
الداخلي، ويشوّه صورة جسد المسيح الواحد الذي لا ينقسم بحسب امتيازات مصطنعة.
باختصار، هذه الأفكار تعزل المؤمن عن المصدر الحقيقي للرجاء — المسيح
المقام — وتستبدل الشركة الحية معه بمخطط بشري زمني، مما يهدد حياة الإيمان
بالفتور والانحراف، ويجعل "شعب الرب" عرضة للضياع الفكري والروحي
بعيدًا عن الحق المعلن في الكتاب المقدس.
٤
رفضهم الرموز المسيحية
- الصليب كنموذجًا : يُعتبر رفض شهود يهوه
للرموز المسيحية، أحد أبرز الملامح التي تميز عقيدتهم عن باقي الطوائف المسيحية،
فهم يرفضون استخدام الصليب كرمز إيماني، ولا يعترفون بالاحتفالات الدينية المسيحية
الشائعة مثل عيد الميلاد والفصح، كما يلتزمون بتحريم قبول الدم في العلاج الطبي،
هذا الرفض ينبع من فهم خاص للتاريخ والكتاب المقدس، ويُعد جزءًا جوهريًا من هويتهم
الدينية.
- الصليب في فكر شهود يهوه : يؤمن المسيحيون عبر العصور أن الصليب هو أقدس رموز الإيمان، لأنه أداة
الفداء التي صُلب عليها المسيح، وبه تحقق الخلاص والتبرير. أما شهود يهوه فيطرحون
تفسيرًا مغايرًا تمامًا. ففي كتاباتهم ومقالاتهم على موقعهم الرسمي (jw.org)
مثل: “Cross” و “Why Don’t Jehovah’s Witnesses Use the Cross in
Worship?”، يذكرون أن المسيح لم يُصلب على صليب ذي عارضة مزدوجة، بل على عمود
واحد عمودي يسمونه "خشبة التعذيب" (torture stake).
ويؤكدون أن شكل الصليب المعروف اليوم مأخوذ من الديانات الوثنية القديمة، خصوصًا
من بلاد بابل حيث كان رمزًا للإله تموز، وبالتالي يرون أن استعماله في العبادة
المسيحية هو انحراف عن العبادة الحقيقية لله.
- خلفية تاريخية لفكرهم : يستند شهود يهوه
في موقفهم هذا إلى ما يرونه دليلًا تاريخيًا: أن الصليب لم يظهر كرمز رسمي
للمسيحية إلا في القرن الرابع الميلادي، حين تبناه الإمبراطور قسطنطين بعد
اعتناقه المسيحية، وبما أن المسيحية في رأيهم يجب أن تعود إلى جذورها الأولى
النقية، فإنهم يعتبرون اعتماد الصليب انحرافًا موروثًا عن الوثنية الرومانية
واليونانية.
الرد لموقفهم : النصوص الكتابية نفسها
تشير إلى الصليب كأداة موت المسيح مثل " قَائِلِينَ:"يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ
وَبَانِيَهُ فِي ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ابْنَ الله
فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!". (مت ٢٧ : ٤٠) و " فَخَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ صَلِيبَهُ إِلَى
الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ "مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ" وَيُقَالُ
لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ "جُلْجُثَةُ"، (يو ١٩ : ١٧) و " فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ
الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ
قُوَّةُ الله، (١كو ١ : ١٨) وأن الكلمة اليونانية stauros التي يستخدمها
العهد الجديد يمكن أن تعني عمودًا أو صليبًا بحسب السياق التاريخي. كما يشددون على
أن الرمز المسيحي ليس مجرد خشبة أو قطعة خشب، بل هو تذكير بمعنى لاهوتي عميق: موت
المسيح الكفاري وقيامته. لذلك، فإن رفض الصليب باعتباره مجرد "رمز
وثني" يغفل المعنى الخلاصي الذي يحمله في الفكر المسيحي.
اليونانية
الأصلية: كلمة σταυρός (stauros) في العهد الجديد كانت بتُستخدم
بمعنى "عمود / وتد / خشبة". في العالم الروماني
لاحقًا الكلمة اتسعت لتشمل أداة الصلب اللي ممكن تكون صليبًا أو وتدًا، ولكن
الفاندايك: تترجم stauros دائمًا بـ "صليب" كما في : (متى
٢٧ : ٣٢) ".. رجلا قيروانيًا اسمه سمعان. فهذا سخروه ليحمل صليبه." أما
ترجمة شهود يهوه (NWT): تترجم الكلمة دائمًا بـ "وتد عذاب"
(torture stake)، وليس "صليب" شهود يهوه يؤكدون أن يسوع
مات على "وتد" رأسي بلا عارضة أفقية، وينفون فكرة "الصليب"
كرمز، معتبرينه وثني الأصل، ( اذا كان وتدا فكيف سمرت يداه .. إلا إذا رفعوها لفوق
لتكون اعلي من رأسه وسمرت لأعلي ... ممكن برضوا ؟..!. لكن في كل الترجمات صليب إلا
ترجمة شهود يهوة)
أثر هذا الموقف على هويتهم : من خلال رفضهم الصليب، يسعى شهود يهوه إلى إبراز تميزهم عن باقي المسيحيين،
معتبرين أنفسهم "العودة إلى المسيحية الأولى". لكن هذا الرفض يجعلهم في مواجهة
دائمة مع باقي الكنائس، إذ يُنظر إلى موقفهم على أنه إنكار لواحد من أهم رموز الإيمان
المسيحي وأعمقها دلالة. كما أن هذا الموقف يعكس نهجهم العام في رفض أي تقليد ديني لم
يرد – بحسب فهمهم – نصًا صريحًا في الكتاب المقدس.
- رفض شهود يهوه لنقل الدم : من العقائد المميزة عند شهود يهوه رفضهم التام لعمليات نقل الدم، حتى لو
أدى ذلك إلى موت الشخص، هذا الموقف لا يقوم على أسس طبية بل على تفسيرهم لبعض
الآيات الكتابية المتعلقة بالدم.
- النصوص الكتابية المستعملة : عندما قال الرب لنوح " كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ
طَعَامًا. كَالْعُشْبِ الأخْضَرِ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ الْجَمِيعَ. غَيْرَ أَنَّ
لَحْمًا بِحَيَاتِهِ، دَمِهِ، لا تَأْكُلُوهُ. (تك٩ : ٣-٤) اليونانية αἷμα - haima دم. وهما يربطوها الى كلمه
نفس " soul " اي الروح او الكيان الداخلي وكان عندما ينقلون الدم
فهم كأنهم ينقلون نفس انسان لانسان اخر، الفرق ان النص يتحدث عن الأكل وليس عن
النقل الطبي، لكن شهود يهوه يوسعون المعنى ليشمل أي استخدام للدم " لاويين ١٧
: ١١ : «لأن نفس الجسد هي في الدم، فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن
نفوسكم، لأن الدم يكفر عن النفس.» اليونانية ψυχὴ (psychē) =
نفس، مرتبطة بالدم، هنا نري النص يحدد أن الدم أعطي للتكفير على المذبح وليس
ليُمنع من استعماله في الطب، وفي (أع ١٥: ٢٨-٢٩) «أن تمتنعوا عمّا ذُبح
للأصنام، وعن الدم، والمخنوق، والزنى.» المعني هنا - الامتناع هنا مرتبط بالدم
كطعام طقسي في الوثنية، وليس بالدم كعلاج طبي، فرفضهم لنقل الدم قائم على تفسير
حرفي متشدد، ولا يميز بين الأكل الطقسي للدم والاستعمال العلاجي لإنقاذ الحياة. في
حين أن روح النصوص تؤكد قداسة الدم في العبادة، لكنها لا تمنع الاستفادة منه
طبيًا. بل إن المسيح نفسه قال: «السبت إنما جُعل لأجل الإنسان» (مر ٢ :
٢٧)، أي أن مقاصد الله دائمًا لخلاص وحفظ الحياة، لا لهلاكها، هذا بالاضافه الى ان
نفس الجسد في الدم اي ان بدون الدم لا يعيش الجسد وليس المقصود ان نفس الإنسان تكمن
في الدم ذاته، وإلا عندما يهدر تم إنسان فقد تنتهى نفسه، ولكن المعروف أن النفس مرتبطة
ومتحدة بالروح وخالده كالروح تماما، هذا بالاضافه الى أن الآيات التي تتكلم عن الجسد
والدم كانت تتكلم عن الدم الحيواني والجسد الحيواني المقدم في الذبيحه ولم يذكر اطلاقا
هنا عن دم الانسان كذبيحه.
- الأعياد المسيحية : يرفض شهود يهوه الاحتفال بالأعياد
المسيحية التقليدية مثل عيد الميلاد وعيد الفصح، حيث يعتبرونها أعيادًا ذات أصول وثنية
ولا تتوافق مع تعاليم الكتاب المقدس ( في كتابهم "Celebrations and Religious
Holidays That Displease God" ) يُذكر أن "الاحتفالات مثل عيد الميلاد وعيد
الفصح جاءت لتكون مهرجانات احتفالية، يُعتبرونها
أعيادًا ذات أصول وثنية ولا تتوافق مع تعاليم الكتاب المقدس" هذه المواقف تعكس
تفسيراتهم الخاصة للكتاب المقدس وتُميزهم عن باقي الطوائف المسيحية.
هنا نتوقف
متعجبين من فكر شهود يهوه الذي يقف عند الحرف، ويعجز عن إدراك مقاصد الله الأعمق!
كيف يساوون بين أمر إلهي عن "الدم كطعام" وبين "الدم كوسيلة علاجية
لحفظ حياة الإنسان"؟ أليس في ذلك ليّ للنصوص، بل وتشويه لجوهرها؟ إن النص
الكتابي حين يربط الدم بالنفس، يربط هذا المعنى في دائرة الذبيحة والكفارة أمام
الله، لا في دائرة المستشفى وغرفة العمليات! فكيف يوسّعون الدائرة إلى حيث لم
يتكلم الوحي قط؟ والأغرب أن من يرفض نقل الدم – بحجة حفظ الوصية – يكون سببًا في
موت إنسان، وكأنهم لم يقرأوا أن المسيح جاء "ليكون لهم حياة، وليكون لهم
أفضل" (يو ١٠: ١٠). فأي منطق يجعل حفظ حرف التفسير سببًا لهلاك النفس،
بينما قصد الوصية الإلهية هو إعلان قداستها وكرامتها أمام الله؟ بل كيف يقولون إن
"النفس في الدم"، ثم يختزلون النفس في هذا السائل المادي الزائل؟
هل لو نزف إنسان وفقد كل دمه، انتهت نفسه وكيانه؟ كلا! لأن النفس – بحسب الكتاب –
كيان خالد باقٍ لا ينفصل عن الروح، وليس مجرد مادة فيزيولوجية.
أما رفضهم
للأعياد المسيحية، فهو أيضًا مبني على منطق متناقض. إنهم يتعللون بأن عيد الميلاد
والفصح لهما جذور وثنية. لكن هل يخفى عليهم أن كل ثقافة في التاريخ كان لها أعياد
واحتفالات؟ فهل يُعقل أن كل عيد يصبح بالضرورة وثنيًا؟! بل إن الكنيسة عبر العصور
أعادت توجيه هذه المناسبات لتكون فرصة لتذكير المؤمنين بعمل الله الخلاصي في
التجسد والفداء. وهل هناك ما هو أقدس من تذكار ميلاد المخلّص أو قيامته من
الأموات؟ إن رفضهم لهذه الأعياد لا يُظهر نقاءً ولا تقوى، بل يُظهر انفصالًا عن
جماعة الكنيسة بجميع طوائفها وتاريخها الممتد عبر القرون، وبالنتيجة فإننا نجد فكر
شهود يهوه أقرب إلى الجدال العقيم والتفسير الحرفي الجامد، منه إلى قصد الله
المُحيي. فالله لم يعطِ وصاياه ليكون الإنسان عبدًا للحرف، بل ليصير بالروح في
حرية، ولتنكشف محبته التي تحفظ الحياة لا تهلكها، وتُفرح القلب لا تُثقله.
---------------------------------------
الفصل الثالث
الدفاع اللاهوتي
عن المسيح والحق الإيماني
---------------------------------------
١
الصليب والقيامة
محورية الفداء والرجاء
المسيحي
الصليب والقيامة
جوهر الإيمان المسيحي، فهما ليسا مجرد عقيدتين بين عقائد كثيرة، بل هما قلب
الإنجيل ورسالة الخلاص التي بُشِّر بها الرسل منذ البداية، لقد حاولت بعض الحركات
المنحرفة، مثل شهود يهوه، وغيرها أن تفرغ الصليب من معناه الخلاصي، وأن تنكر
القيامة الجسدية، بل أن تحصر الرجاء المسيحي في مفاهيم رمزية أو روحية مبهمة، لكن
الإيمان الرسولي الأصيل، كما تسلّمته الكنيسة عبر القرون، يؤكد أن موت المسيح على
الصليب وقيامته بالجسد هما الضمان الحقيقي لغفران الخطايا ونوال الحياة الأبدية، من
هنا تبرز ضرورة تقديم دفاع لاهوتي متكامل، يوضح محورية الصليب كوسيلة الفداء
والرجاء، ويبرهن على القيامة الجسدية كحدث تاريخي وإيماني، مستندًا إلى شهادة
الكتاب المقدس والنصوص الأصلية باليونانية مثل ψυχή (psuchē) أي
النفس، و σῶμα (sōma) أي الجسد. فهذه الحقائق ليست قضايا نظرية
مجردة، بل هي أساس الثالوث، ومرتكز الرجاء المسيحي، ومصدر التحول الروحي في حياة
المؤمنين.
أولا: الصليب – رمز الفداء ووسيلة الخلاص : الصليب (باليونانية: σταυρός staurós) لم يكن في العصور
الرومانية سوى أداة عار وإذلال، يُعلَّق عليها المجرمون والعبيد في موت بطيء ومهين،
لكن في التدبير الإلهي صار هذا الرمز علامة مجد وقوة، إذ حوّل المسيح أداة الموت
إلى وسيلة حياة، وموضع العار إلى مصدر خلاص، لهذا يقول الرسول بولس: « وَلكِنَّنَا
نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً،
وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا
وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ الله. (١كو١
: ٢٣-٢٤) حين نطق الرب على الصليب قائلا:
«قَدْ أُكْمِل» (يو ١٩: ٣٠) استخدم الفعل اليوناني τετέλεσται tetelestai
وهو فعل في صيغة الماضي التام، يُفيد عملًا تمَّ وأُنجِز بالكامل ونتائجه
باقية. هذه الكلمة تحمل معنى "سداد الدين" أو "إيفاء
الحساب"، كما كانت تُستَخدم في الوثائق التجارية للإشارة إلى أن الدَّين
قد دُفع تمامًا، بهذا الإعلان ختم المسيح عمل الفداء، مُظهِرًا أن خطية
الإنسان قد وُضِعت عليه، وأن عدل الله قد أُشبع، وأن الطريق إلى المصالحة مع الآب
قد فُتح إلى الأبد، فلا يُمكن النظر إلى الصليب كمجرد حادثة تاريخية أو رمز عاطفي،
بل هو قلب الإيمان المسيحي، إذ يربط بين محبة الله العظمى للبشر وخطاياهم الثقيلة
التي استحقت العقاب. فالصليب هو النقطة التي التقت فيها قداسة الله مع رحمته،
والعدل مع الغفران. وبذلك، فإن كل من ينظر إلى الصليب بالإيمان يدرك أن الفداء قد
تم، وأن الخلاص صار مُتاحًا، وأن قوة الغلبة على الخطية والموت صارت حقيقة حيّة في
حياة المؤمنين.
نداء : « حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ
لِتَلاَمِيذِهِ:"إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ
نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي، (مت ١٦ : ٢٤) الصليب هنا ليس
خشبةً بل طريقًا فيه إنكار الذات، احتمال الألم، واتباع المسيح حتى النهاية، فنبويًّا
وكتابياً، ذبائح العهد القديم وإشعياء ٥٣ تُهيِّئ للفداء؛ والذبيحة عبارة عن ظلّ،
أمّا الصليب وذبيخة المسيح فهم الحقيقة، دم المسيح «يسفك لمغفرة الخطايا»
(مت ٢٦ : ٢٨)، فالصليب هو مكان المصالحة بين الله والإنسان (كو ١ : ٢٠) قوة لا
عثرة « فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا
عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ الله، (١كو ١ : ١٨) القوة
هنا قوة محبة - تبرّر وتقدّس وتمنح بداية جديدة، فمن له من التمييز اللاهوتي يحترم
الرمز لأنّه يدلّ على عمل الخلاص؛ لسنا نعبد الخشب، بل المصلوب القائم. الرمز يخدم
الإيمان ويذكّر الكنيسة بأن طريقها هو طريق الصليب والرجاء.
ثانيًا: القيامة الجسدية والحياة بعد الموت : إعلان المسيح: «أنا هو القيامة والحياة» (يو ١١ : ٢٥) رجاء مسيحي وليس
فكرة بل شخص المسيح، فمن ذا الذي يستطيع ان
يقول هذا عن نفسه، من هو القيامة؟! إنه الله!. من هو الحياة ؟!. إنه الله، إذا
فالمسيح هو الله المتجسد والقيامة حق، فهي حقيقة جسدية لا رمزية، شهد فيها العهد
الجديد لقبرٍ فارغ وظهوراتٍ متعدّدة ولمسٍ وأكلٍ (لو ٢٤ : ٣٩–٤٣ ؛ يو ٢٠ : ٢٧)
قيامة المسيح جسدية ممجَّدة، هي باكورة قيامتنا « وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ
الْمَسِيحُ مِنَ الأمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ. فَإِنَّهُ إِذِ
الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأمْوَاتِ. لأنَّهُ كَمَا
فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ. (١كو١٥
: ٢٠-٢٢) كلمة باكورة (ἀπαρχή aparchē)
تعني العينة الأولى الضامنة للحصاد الآتي.
مصطلحات مفصلية:
مركز الإيمان
المسيحي يقوم على الصليب والقيامة معًا. فالصليب هو وسيلة الفداء الذي به حُملت خطايانا
وسُدِّد الدين بالكامل، والقيامة هي الإعلان النهائي عن النصرة والحياة الجديدة في
المسيح. هذه الحقيقة تمسّ جوهر الإنسان كله، نفسًا وجسدًا، وتفتح أمامه الرجاء
بالحياة الأبدية، ففي العهد الجديد نجد تمييزًا واضحًا بين كلمتين يونانيتين
أساسيتين (ψυχή – psuchē – بسوخِيه) وتعني "النفس،
الحياة، الذات". تشير إلى حياة الإنسان وكيانه الواعي، وليست
مجرد عنصر منفصل عن الجسد. عندما قال المسيح: «لأنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ
الإنْسَانُ لَوْ رَبِحَ العَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ (مر ٨: ٣٦) قصد
أن حياة الإنسان وكيانه كله لها قيمة أعظم من أي شيء آخر (σῶμα – sōma
– سوما) وتعني "الجسد". والرسول بولس يشرح بوضوح أن الجسد
الحاضر هو جسد "نفسي" (σῶμα ψυχικόν – sōma psychikón)،
أي خاضع لضعف الطبيعة البشرية، لكنه في القيامة سيصير جسدًا "روحانيًا"
(σῶμα πνευματικόν – sōma pneumatikón) أي جسدًا حقيقيًا، لكنه
مُمجّد ومتحرر من الفساد والموت: «يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ.
يُزْرَعُ فِي ضَعْفٍ وَيُقَامُ فِي قُوَّةٍ» (١كو ١٥: ٤٣-٤٤)
إذن، القيامة
ليست مجرد "بقاء الروح" كما يزعم شهود يهوه، بل هي قيامة الجسد
نفسه في صورة جديدة. الجسد الروحاني ليس شبحًا ولا وهمًا، بل جسد ملموس
ممجّد، على مثال جسد المسيح القائم الذي أكل مع التلاميذ (لو ٢٤: ٣٩-٤٣) ومع ذلك
كان يجتاز الأبواب ويظهر بلا عائق، والأمر الأعمق أن كل مؤمن سيقوم بجسد ممجّد
يختلف عن الآخر في درجة المجد والبهاء، بحسب أمانته وخدمته، كما قال الرسول: «نَجْمٌ
يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ» (١كو ١٥ : ٤١). الكلمة اليونانية δοξα
– doxa – دوكسا تعني "المجد، البهاء"، وتشير هنا
إلى أن أجساد القيامة ليست متطابقة آليًا، بل متمايزة في إشعاعها ومجدها كما تختلف
النجوم في لمعانها. هذا يردّ مباشرة على فكر شهود يهوه الذين ينكرون القيامة
الجسدية الحقيقية، أو يختزلونها في بقاء الروح فقط، إذن، تعليم الكنيسة قائم على
وحدة الإنسان (نفسًا وجسدًا) في الفداء، وعلى أن الرجاء المسيحي هو قيامة
جسدية حقيقية، مُمجَّدة، متنوعة في المجد بحسب قصد الله، ومؤسسة على قيامة المسيح
نفسه – باكورة الراقدين وضمان خلاصنا الكامل، هللويا .. ان الحق الكتابي مريح
للنفس فلماذا يغيرونه ويريدون طمثه؟ فليحفظنا الرب من الضلال والمضللين.
شهود يهوه ( والسبتيين
ايضا ) يعلّمون أن النفس لا تبقى بعد الموت، وأن الإنسان كله ينتهي تمامًا حتى
يُقيمه الله فقط بالقيامة، أي لا وجود لوعي أو شركة بعد الموت. هذا يتعارض ويتنافي
مع الإنجيل، لأنه يلغي ما قاله الوحي بفم بولس الرسول عن أن المؤمن يكون "مع
المسيح" بعد الموت (في ١: ٢٣)، ويلغي شهادة المسيح عن أن إبراهيم وإسحق
ويعقوب أحياء عند الله (مت ٢٢: ٣٢) إذن، الفرق الجوهري
حياة روحية واعية مع
المسيح بعد الموت + قيامة الجسد في المجد يوم القيامة = خلاص كامل
فكر شهود يهوه
بعدم وجود حياة واعية بعد الموت، والقيامة وحدها تدمر تعاليم المسيح وقوله " اليوم
تكون معي في الفردوس "
ثالثا : الثالوث والرجاء المسيحي:
- وحدة التدبير والخلاص الجسدي : الخلاص المسيحي ليس حدثًا منفصلًا لكل أقنوم، بل هو عمل ثالوثي متكامل:
الآب يرسل - الابن يفتدي - الروح يحيي، هذا ما يشهد له الرسول بولس بقوله «وَإِنْ
كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي
أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا
بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ» (رومية ٨ : ١١) الآب هو صاحب المبادرة، والابن
قدّم نفسه ذبيحة كاملة «قربانًا» و«فدية عن كثيرين» (مرقس ١٠ : ٤٥)،
بينما الروح القدس يطبّق الفداء في المؤمنين، فيوبّخهم، يبرّرهم، يقدّسهم،
ويحوّلهم إلى صورة المسيح. إنها وحدة تدبير وليست أدوارًا منعزلة، فالخلاص في
جوهره هو إعلان محبة الآب - وتقدمة الابن - وعمل الروح القدس في الداخل، هذا
الرجاء ليس فكرة هروب من الجسد أو تحرر روحاني بلا شكل، بل رجاء ملموس مرتبط
بالقيامة الجسدية. لذلك يؤكد الرسول أن القيامة تعني «إحياء الأجساد المائتة»
لا مجرد بقاء الروح. فالإيمان المسيحي ينظر إلى الجسد كجزء أصيل من هوية الإنسان
وخطة الله، لذلك نعيش حياتنا بوعي أخلاقي يحترم الجسد، والطب، والحياة البشرية.
رجاؤنا ليس انعتاق الروح من "سجن الجسد" بل تجديد الخليقة كلها،
كما يشرح بولس: «فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ...
مُنْتَظِرِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا» (رومية ٨ : ١٩–٢٣).
- الاختلاف مع شهود يهوه : هنا يظهر الفارق
الجوهري مع فكر شهود يهوه، إذ ينكرون عقيدة الثالوث، فلا يرون الخلاص كعمل مشترك
بين الآب والابن والروح القدس، بل يقصرونه على تصور ضيق لموت المسيح، كما أن فهمهم
للقيامة يختلف جذريًا، فهم لا يؤمنون بقيامة الجسد الممجّد، بل يختزلونها في بقاء
الأرواح أو في إعادة خلق جسد مادي جديد يختلف عن الجسد الأول. وهكذا يفرغون الرجاء
المسيحي من عمقه الحقيقي، لأنه لا يعود قائمًا على تجديد الخليقة وإقامة الجسد، بل
على تصور بديل أقرب إلى الحلولية أو الفناء المؤقت، إذا، الرجاء المسيحي هو رجاء
جسدي وروحي في آنٍ واحد، عمله ثالوثي، يمتد من محبة الآب إلى ذبيحة الابن وصولًا
إلى حياة الروح فينا، وهو ما يميز الإيمان الرسولي المستقيم عن الطروحات المبتورة
مثل فكر شهود يهوه.
- السرّان المؤسِّسان :
المعمودية: الدخول الفعلي في موت
وقيامة المسيح (رو ٦ : ٣ –٤). ليست مجرد
رمز خارجي كما يدّعي شهود يهوه، بل اتحاد واقعي مع المسيح، دفنًا وقيامة.
المائدة (التناول): ليس مجرد ذكرى عقلية، بل
اشتراك حقيقي في جسد المسيح ودمه (يو ٦ : ٥٤)، عربون الحياة الأبدية. على عكس فكر
شهود يهوه الذي ينكر المشاركة الفعلية في جسد الرب، الإيمان المسيحي يعلن أن الجسد
والدم هما سرّ حياة المؤمن.
الإيمان المسيحي
يعلن أن الدخول في حياة المسيح لا يتم بالذهن أو بالسلوك الخارجي فقط، بل عبر
سرَّين مؤسِّسين يضعان المؤمن في شركة حقيقية مع موت الرب وقيامته. فالمعمودية،
بحسب شهادة الرسول بولس، هي دفن واقعي مع المسيح في موته حتى كما أُقيم المسيح من
الأموات هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة (رو
٦ : ٣ – ٤). ليست المعمودية إذا مجرد علامة رمزية كما يزعم شهود يهوه، بل
هي اتحاد جوهري بالمسيح يفتح أمام الإنسان طريق الخليقة الجديدة. وكذلك المائدة
المقدسة، حيث لا يقتصر الأمر على ذكرى عقلية للصلب كما يعلّمون، بل هي اشتراك
واقعي في جسد المسيح ودمه، عربون القيامة والحياة الأبدية (يو ٦ : ٥٤). هنا يتضح
أن الإيمان ليس نظرية، بل حياة تُعاش في سرٍّ منظور يسكب في المؤمن واقع غير
منظور..
الأثر الرعوي اليومي :
ومن هذا الاتحاد
بالمسيح في موته وقيامته يتدفق أثر رعوي يومي يغيّر حياة المؤمن بعمق. فالذي يدرك
مغفرة الصليب يتحرر ضميره من ثقل الذنب، ويختبر الحرية الحقيقية. والذي يحمل صليبه
كل يوم لا يهرب من الألم، بل يحوّله شهادة حب، إذ يرى في التجربة مجالًا لظهور قوة
النعمة، والذي يتغذى على عربون القيامة في المائدة ينال شجاعة أخلاقية تجعله لا
يساوم على الحق، لأن الموت لم يعد له الكلمة الأخيرة، وحتى في لحظات الفقد والحزن،
لا نحزن كالباقين الذين بلا رجاء، لأن رجاءنا هو لقاء مجيد في القيامة، لا مجرد
ذكرى باهتة " ثُمَّ لاَ أُرِيدُ
أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ، لِكَيْ لاَ
تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ. (١تس ٤ : ١٣) ومن هنا
تنبثق أيضًا رسالة الكنيسة - الكرازة ليست تحسين سلوك أو إضافة وصايا جديدة، بل هي
إعلان موت وقيامة - قادرَين أن يغيّرا الإنسان والعالم معًا.
هكذا يصير الصليب
(staurós) مكان إتمام الفداء ونداءً يوميًا لحمل الذات في طريق المحبة (مت
١٦ : ٢٤؛ يو ١٩ : ٣٠ - tetelestai – قد أُكمل). والقيامة ليست
مجازًا روحيًا، بل واقع جسدي ممجَّد قام فيه المسيح وهو باكورة الراقدين (1كو ١٥ :
٢٠–٢٣). فالإيمان المسيحي لا يخلّص "جزءًا" من الإنسان فقط، بل
الإنسان كله: النفس (ψυχή – psuchē) والجسد (σῶμα
– sōma) معًا في مجد القيامة. وهذا كله عمل ثالوثي: الآب الذي يرسل،
والابن الذي يفتدي، والروح الذي يحيي (رو ٨ : ١١) ومن هذا الامتلاء
الثالوثي تتضح ثمار الإيمان: غفران يحرر - قداسة تُجدِّد - رجاء ملموس يغيّر
النظرة إلى الموت - واحترام للجسد والحياة يربط بين الأرض والسماء، مع سلوك
رسولي شجاع يشهد للحق، بهذه الرؤية يصبح الصليب ليس نهاية بل مدخل الحياة،
والقيامة ليست أمنية مؤجلة بل يقين حاضر، والثالوث هو قلب الإنجيل الذي يسكب فينا
محبة الآب، ونعمة الابن، وشركة الروح القدس—رجاءً لا يُخزي، فماذا أقول إلا أن
أصرخ ... هللويا.
٢
التطبيق العملي
والإيماني على حياة
المؤمن
الإيمان المسيحي
ليس مجرد أفكار أو جدالات عقلية، بل هو حياة حقيقية تُعاش في شركة مع الله، وهذه الشركة
تُترجم إلى جوانب عملية ملموسة في حياة المؤمن، المعرفة خلاصية مغيرة للحياة لا
عقلية فقط، معرفة المسيح المصلوب والمقام ليست مجرد معلومات عقلية، بل خبرة خلاصية
تم فيها تغيّر القلب وتحوّل الإنسان من الظلمة الي النور، فحين يدرك المؤمن أن
المسيح افتداه بموته، وأن الروح القدس قدّسه وثبّته في الحق، تتحول حياته كلها إلى
شهادة حيّة.
العبادة والصلاة: العبادة المسيحية فعل حب
حيّ وليست مجرد طقس خارجي، والصلاة تتحول من ترديد كلمات إلى لقاء شخصي مع الله،
المؤمن يصلّي بثقة في الآب الذي يسمع، في الابن الذي يشفع، وفي الروح القدس الذي
يعين ضعفاتنا ويشفع فينا بأنّات لا يُنطق بها (رو ٨: ٢٦) مع الثقة بالله والرجاء
الأبدي، إذا كان المسيح قد غلب الموت وقام بجسد ممجّد، فهذا يفتح أمام المؤمن
رجاءً لا يتزعزع، فالحياة في المسيح تعطيه يقينًا أن الموت ليس النهاية بل بداية
الحياة الأبدية. وهكذا يواجه الألم والضيقات بشجاعة، عالمًا أن "آلام
الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن" (رو ٨: ١٨).
التحذير من التعليم المضلل: الإيمان العملي
يتطلب تمييزًا روحيًا ضد التفسيرات المحرّفة التي تنتقص من شخص المسيح أو من عمل
الصليب والقيامة. فكل فكر ينكر لاهوت المسيح أو يحصر الخلاص في شكل خارجي يهدم
أساس الإيمان، لذلك يحثّ الكتاب المؤمنين أن نمتحن الأرواح ويحذر من "الأنبياء
الكذبة" و"المعلّمين الكذبة" (٢بط ٢: ١).
- التطبيق العملي للإيمان يعني: عبادة أصيلة لا شكلية، صلاة حيّة متجذّرة في عمل الثالوث، ثقة راسخة ورجاء
أبدي، تمييز وسهر روحي ضد الانحراف.
- الرجاء المسيحي الحقيقي مقابل الفهم المضلل :
الرجاء المسيحي ليس مشاعر عابرة أو حلمًا غامضًا، بل يقين حيّ مؤسّس على
عمل الله المثلث الأقانيم، فالأساس الحقيقي للرجاء
يقوم على الصليب والمسيح كذبيحة كفارية، وعلى قيامته الجسدية كضمان لانتصارنا على
الموت، وعلى سكنى الروح القدس كعربون للميراث الأبدي، وأخيرًا على المجيء الثاني
حيث يتم الفداء الكامل، يقول الرسول بولس "إن كان الروح الذي أقام يسوع من
الأموات ساكنًا فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضًا
بروحه الساكن فيكم" (رو ٨: ١١) هذا الرجاء ليس نظريًا بل خبرة يومية
يعيشها المؤمن حتى تكتمل في الأبدية.
حياة المؤمن في ضوء الرجاء: من خلال هذا
الرجاء، يحيا المؤمن مصلوبًا مع المسيح، قائمًا معه بالإيمان، ومنتظرًا ظهوره في
المجد، إنه رجاء يدفعه إلى القداسة والشجاعة، ويمنحه يقينًا أن الموت ليس نهاية بل
انتقال إلى الحياة الأبدية، أما الفهم المضلل عند شهود يهوه، فهم ينكرون الثالوث،
مما يهدم أساس الرجاء. يقلّلون من شأن الصليب ويعتبرونه حدثًا رمزيًا، وينكرون
القيامة الجسدية الحقيقية للمسيح. يفسّرون القيامة بأنها روحية غير منظورة،
ويقسّمون المؤمنين إلى فئات: قلة تصعد إلى السماء، وأغلبية تبقى في "فردوس
أرضي". بهذا يفرغون الرجاء من شموليته، ويحوّلونه إلى وعد محدود لا يستند إلى
أساس إلهي، فخطورة هذا الفهم، إنكار ألوهية المسيح أو شخص الروح القدس، أو اختزال
القيامة إلى معنى رمزي، يترك الإنسان في رجاء وهمي هش، بينما الرجاء المسيحي الحق
هو يقين في الله الواحد المثلث الأقانيم، الذي حقّق الخلاص وأعطى روحه ليسكن فينا
عربونًا للحياة الأبدية، لذلك يحذّر بولس "إن لم يكن المسيح قد قام،
فباطلة كرازتنا، وباطل أيضًا إيمانكم" (١كو ١٥: ١٤).
---------------------------------------
الفصل
الرابع
المواجهة والموقف الرعوي
---------------------------------------
١
لماذا يجب مقاومة
شهود يهوه؟
المسيحية عبر
تاريخها لم تخشَ الجدال أو الحوار، لكنها في الوقت ذاته لم تتهاون مع الانحراف
المتعمّد الذي يضرب في أساسات الإيمان، فالموقف الرعوي ليس مجرد دعوة للجدال
الفكري، بل هو دعوة لحماية الرعية من الذئاب الخاطفة " لأنِّي أَعْلَمُ هذَا: أَنَّهُ بَعْدَ ذِهَابِي
سَيَدْخُلُ بَيْنَكُمْ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ لا تُشْفِقُ عَلَى الرَّعِيَّةِ.
وَمِنْكُمْ أَنْتُمْ سَيَقُومُ رِجَالٌ يَتَكَلَّمُونَ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ
لِيَجْتَذِبُوا التَّلامِيذَ وَرَاءَهُمْ. (أع٢٠ : ٢٩-٣٠) من هنا تأتي ضرورة مقاومة فكر شهود يهوه
بجدية وحزم، مع تمييز بين الضعف البشري في الفهم، وبين التعمّد في تحريف النصوص
وتغيير معانيها.
- الانحراف غير المقصود: يحتاج تصحيحًا لا هدمًا
: الكتاب المقدس نفسه يقدّم أمثلة واضحة لأشخاص
أخطأوا في الفهم أو أساؤوا التقدير، لكن الله تعامل معهم بالتصحيح والتعليم لا
بالرفض، شاول الطرسوسي (بولس لاحقًا) كان يضطهد الكنيسة «بغير معرفة»، إذ قال عن
نفسه: «ولكني رُحمت لأني فعلت بجهل في عدم إيمان» (١تي ١ : ١٣) شاول لم يكن
يخترع ديانة بديلة، بل كان غيورًا للناموس وهو يظن أنه يخدم الله، حين ظهر له
المسيح وصحّح فهمه، تغيّرت حياته وصار رسول الأمم. هنا نرى أن الانحراف الناتج عن
الجهل يحتاج إلى إعلان الحق ومحبة التصحيح، ايضا بطرس الرسول مع عظمة مكانته وقع
في خطأ عملي حين ميّز بين اليهود والأمم، فاضطر بولس أن يواجهه علنًا (غل ٢ :
١١–١٤) بطرس لم يكن ينكر الإنجيل، لكنه تهاون في التطبيق، فجاء التصحيح الحاسم من
بولس ليعيد الأمور إلى نصابها، هذه النماذج الكتابية تعلّمنا أن هناك مساحة للخطأ
غير المقصود، وللانحراف الناتج عن الجهل أو الخوف أو التقاليد، مع هؤلاء يكون واجب
الكنيسة هو التعليم، التصحيح، وإرشادهم إلى ملء الحق في المسيح.
ـ ضلال يستوجب المقاومة : في المقابل،
يختلف الأمر جذريًا حين يكون الانحراف متعمدًا، قائمًا على تشويه النصوص نفسها
وتبديل معانيها لتأسيس عقيدة جديدة مضادة للإيمان الرسولي، هنا نحن أمام ضلال لا
جهل، وتضليل لا ضعف، الكتاب المقدس يحذّر بشدة من هذا النوع من المعلمين الكذبة «إن
بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم، فليكن أناثيما» (غل ١ : ٨).
التحريف المتعمّد هنا لا مجال لقبوله، بل يستوجب الحكم بالحرمان «لأنه سيدخل
بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية» (أع
٢٠ : ٢٩). هذه ليست خطايا عرضية، بل هجوم منظم لهدم الإيمان «قد صار
فيكم معلّمون كذبة… الذين يُدخلون بدع هلاك» (2بط 2:1). الأمر إذًا ليس مجرد
اختلاف في وجهة نظر، بل تأسيس بدعة تُهلك النفس.
شهود يهوه يمثلون
هذا النوع الأخير: فهم لا يكتفون بالقول إنهم يفهمون النص بطريقة أخرى، بل يعمدون
إلى تحريف النصوص المقدسة نفسها في ترجمتهم (الكتاب المقدس – ترجمة العالم
الجديد)، إذ يحذفون ويبدّلون عبارات محورية تخص لاهوت المسيح والروح القدس. على
سبيل المثال كما قلنا في بداية الدراسة .. يحرّفون يوحنا ١ : ١ من «وكان الكلمة الله» إلى «وكان
الكلمة إلهًا» في محاولة لإنكار ألوهية الابن. هذا ليس جهلًا لغويًا بريئًا،
بل قرار لاهوتي متعمّد لهدم أساس الإيمان المسيحي.
٣- الموقف الرعوي: بين الحزم والرحمة :
الموقف الرعوي إذا يقوم على التمييز: من يضل بسبب الجهل أو ضعف الفهم يحتاج إلى شرح، رعاية، ومحبة تعيد إليه
الطريق " وَارْحَمُوا الْبَعْضَ مُمَيِّزِينَ، وَخَلِّصُوا الْبَعْضَ
بِالْخَوْفِ، مُخْتَطِفِينَ مِنَ النَّارِ، مُبْغِضِينَ حَتَّى الثَّوْبَ
الْمُدَنَّسَ مِنَ الْجَسَدِ. (ية١ : ٢٢-٢٣) وعندما يقول "مبغضين حتى
الثوب المدنس من الجسد" يقصد أن المؤمن وهو يحاول أن ينقذ الآخرين، يجب
أن يحترس جدًا من أن يتلوث بخطاياهم أو يتساهل مع شرهم، فالثوب المدنس رمز
للاشتراك في أعمالهم أو التهاون مع فسادهم، المطلوب هو موقف رفض واضح للخطية، حتى
مع إظهار المحبة للشخص، الرسول يهوذا يرسم منهجًا متوازنًا في الرعاية والمواجهة،
الضعفاء والمخدوعون يُعاملون بالرحمة والشفقة، القريبون من الهلاك يحتاجون إنقاذًا
سريعًا مع الحذر، الخطية نفسها يجب أن تُرفض وتُبغَض بلا مساومة، حتى ونحن نحب
الخاطئ ونرعاه.
أما من يضلل عمدًا ويقود آخرين وراءه، فهذا يستوجب المواجهة الحازمة والتعليم الصريح والتحذير العلني "
فَإِنَّهُ يُوجَدُ كَثِيرُونَ مُتَمَرِّدِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالْبَاطِلِ،
وَيَخْدَعُونَ الْعُقُولَ، وَلاسِيَّمَا الَّذِينَ مِنَ الْخِتَانِ، الَّذِينَ
يَجِبُ سَدُّ أَفْوَاهِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَقْلِبُونَ بُيُوتًا بِجُمْلَتِهَا،
مُعَلِّمِينَ مَا لا يَجِبُ، مِنْ أَجْلِ الرِّبْحِ الْقَبِيحِ. (تى١ : ١٠-١١) مقاومة
شهود يهوه ليست خيارًا ثانويًا، بل هي واجب رعوي وكتابي لحماية الكنيسة، لا يجوز
التعامل مع فكرهم بخفة أو حياد، لأنهم يستهدفون النفوس البسيطة ويقدّمون لهم صورة
زائفة عن المسيح، ما يؤدي إلى ضياع الخلاص الأبدي.
٤- لمَ لا نتهاون؟ : هناك أسباب جوهرية تجعل التساهل مع فكرهم خطرًا
عظيمًا:
١. لأنهم يضربون في أساس العقيدة: ينكرون لاهوت الابن والروح القدس، أي يهدمون الثالوث نفسه.
٢. لأنهم يقدّمون إنجيلًا آخر: يربطون (الرجاء) بالخضوع لمؤسستهم البشرية لا بعمل المسيح الكامل على
الصليب.
٣. لأنهم يستهدفون الضعفاء: يقرعون الأبواب
ويستغلون جهل البسطاء، فيزرعون الشك بدل الإيمان.
٤. لأنهم يحرّفون النصوص: وهذا خط أحمر
لا يمكن السكوت عليه.
رغم الحزم، لا
ننسى أن المواجهة الرعوية هي بدافع المحبة للنفوس. نحن لا نحارب الأشخاص، بل نحارب
الفكر المضلل الذي يستعبدهم، لذلك يظل هدفنا النهائي هو خلاص النفوس حتى من داخل
شهود يهوه أنفسهم، متى انفتحت أعينهم على الحق في المسيح، لكن الطريق إلى ذلك يبدأ
بالتحذير الجاد، وكشف زيف التعليم، وتحصين الكنيسة بالمعرفة الكتابية، فالكنيسة
مدعوة أن تميّز بين من يضل بسبب الجهل، وبين من يضلّل عمدًا، الأول يحتاج تعليمًا
وتصحيحًا، والثاني يحتاج مقاومة صارمة وتحذيرًا علنيًا. شهود يهوه ينتمون إلى
الفئة الثانية لأنهم يحرّفون النصوص عمدًا، ويبدّلون معاني الكتاب المقدس لتأسيس
عقيدة زائفة، لذلك فإن مقاومتهم واجب رعوي وكتابي، ليس بدافع العناد أو التعصب، بل
بدافع المحبة للحق وحماية نفوس المؤمنين، كما قال بولس « وَمِنْكُمْ أَنْتُمْ سَيَقُومُ رِجَالٌ
يَتَكَلَّمُونَ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ لِيَجْتَذِبُوا التَّلامِيذَ وَرَاءَهُمْ.
لِذلِكَ اسْهَرُوا، مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلاثَ سِنِينَ لَيْلا وَنَهَارًا، لَمْ
أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ. (أع٢٠ : ٣٠-٣١) بهذا الأسلوب، يحافظ الراعي على وديعة
الإيمان، ويحمي رعيته من البدع، وفي الوقت نفسه يفتح باب الرجاء أمام كل من يطلب
الحق بصدق، حتى ولو كان من داخل صفوف المضللين أنفسهم.
٢
أسباب ضلالهم
عندما نتأمل في
حالة شهود يهوه، أو أي جماعة منحرفة عن الإيمان الرسولي، ندرك أن الضلال لا ينشأ
من فراغ، بل له جذور وأسباب تتشابك مع بعضها، بعضها نابع من الداخل (الجهل والغرور
الروحي) وبعضها مفروض من الخارج (التحكم التنظيمي الصارم) ومن المهم إدراك هذه
الأسباب بدقة، لأن الفهم الصحيح لها يساعد الخادم أو الراعي على تحديد الطريقة
المناسبة في المواجهة والإنقاذ.
أولا: الجهل : الجهل هو السبب الأول والأساسي الذي يجعل الإنسان عرضة
للانخداع بالتعاليم الغريبة.
جهل بطبيعة الله: شهود يهوه يقدمون إلهًا
مشوهًا، إذ ينكرون لاهوت المسيح وشخص الروح القدس، ويصوّرون الله في صورة قريبة من
الفكر البشري البسيط، وكأنهم يخفضون الله إلى مستوى إدراك العقل المادي، لو كان
عندهم معرفة كتابية حقيقية بعمق إعلان الله عن ذاته في الكتاب المقدس، لما
انخدعوا.
جهل بالتاريخ الكنسي: واحدة من أخطر أسباب
ضلال شهود يهوه، أو أي جماعة هرطوقية، هو تجاهل التاريخ الكنسي. فالمؤمن الذي لا
يعرف كيف عاشت الكنيسة الأولى، وكيف واجهت البدع قديماً، قد يظن أن التعاليم
الغريبة التي يسمعها اليوم جديدة أو أعمق من التعليم التقليدي. لكن الحقيقة أن
أغلب هذه الأفكار ما هي إلا إعادة إنتاج لبدع قديمة واجهتها الكنيسة ودحضتها منذ
القرون الأولى، ففي القرن الرابع ظهر أريوس معلِّماً أن الابن ليس أزلياً،
بل مخلوق عظيم أوجده الله قبل الدهور ليقوم بدور الوسيط، هذا التعليم انتشر بسرعة
بين الناس لأنه كان يبدو عقلانياً "كيف يكون الابن مساوياً للآب وهو مولود
منه؟" لكن الكنيسة، بقيادة الآباء مثل أثناسيوس الرسولي، واجهت هذا الفكر
في مجمع نيقية (325م) وأعلنت الإيمان بأن الابن "مساوٍ للآب في الجوهر"
( ὁμοούσιος - هومو-أوسيوس - homo-ousios) اليوم،
عندما يقول شهود يهوه، المسيح ليس إلهاً أزلياً بل مخلوق أول، فهم لا يأتون بجديد.
إنهم يكررون حرفياً بدعة أريوس التي حُكم عليها بالهرطقة، فالجهل بالتاريخ يجعل
السامع يظن أنهم يقدمون "إعلاناً خاصاً من الكتاب المقدس"، بينما
الكنيسة سبقت وسمّت هذا انحرافاً.
دور المجامع المسكونية :
- مجمع نيقية (٣٢٥م): أكد ألوهية الابن ضد أريوس.
- مجمع القسطنطينية (٣٨١م): أكد ألوهية الروح القدس ضد مقدونيوس الذي أنكر
شخصيته.
- مجمع أفسس (٤٣١م): دافع عن وحدة شخص المسيح ضد نسطور.
هذه المجامع لم
تكن "مؤامرات سياسية" كما يزعم شهود يهوه، بل كانت لحماية الإيمان
الرسولي المُسلَّم "مرة للقديسين" (يه ١ : ٣) فخطورة الجهل بالتاريخ - سهولة الانخداع، من لا يعرف ما جرى في نيقية أو القسطنطينية، قد يُخدع حين يسمع أن
"الثالوث" اختُرع في القرون الوسطى، بينما هو مؤسس في العهد الجديد ومؤكد في القرن الرابع - غياب المرجعية، التاريخ يثبت أن الكنيسة جسد واحد ممتد عبر الأجيال. تجاهل هذا يعني عزل النفس عن تراث الجماعة المقدسة - التكرار الممل للبدع، كل جيل يظهر من يعيد نفس التعاليم المرفوضة، في صورة "جاهلة". مثلا الأريوسية - لمسيح مخلوق، وشهود يهوه اليوم.
الجهل بالنعمة والخلاص: هؤلاء الناس
يتصورون أن الخلاص يعتمد على الإنتماء للتنظيم والطاعة العمياء له، وليس على نعمة
الله في المسيح. والنتيجة أنهم يعيشون في خوف مستمر بدلًا من الرجاء، إذا الجهل
هنا ليس مجرد نقص معلومات، بل هو جهل روحي ناتج عن رفض الإستنارة الحقيقية بالروح
القدس، فالذي يرفض عمل الروح لا يستطيع أن يدرك الحق حتى لو قرأ الكتاب المقدس كل
يوم، لأن الحرف وحده يقتل أما الروح فهو الذي يحيي.
ثانيًا: التحكم التنظيمي : من أبرز السمات التي تميز شهود يهوه أنهم يعيشون
تحت سلطة تنظيمية صارمة للغاية، وهذا يدفع الي :
إلغاء حرية التفكير: الفرد عندهم لا يملك حق
التأمل الشخصي أو الفهم الذاتي للنصوص، كل شيء يجب أن يُفهم كما تشرحه "الهيئة
الحاكمة" في بروكلين (المقر العالمي سابقًا) أو فروعها. من يحاول
أن يقرأ الكتاب المقدس خارج إطار مطبوعاتهم يُتهم بالتمرد.
الرقابة الشديدة: توجد متابعة دقيقة لحياة
الأفراد، زيارات بيتية مستمرة، أسئلة تفصيلية عن حضور الاجتماعات، الخدمة
الميدانية، والولاء للتنظيم. وهذا يولّد شعورًا دائمًا بالضغط النفسي.
عقوبات العزل والنبذ: أخطر وسيلة للسيطرة
عندهم هي سلاح العزل، إذا شك التنظيم في شخص أو اعتبره "مرتدًا"،
يُفصل فورًا ويُطلب من أقرب الناس له أن يقطعوا العلاقة معه، هذا الأسلوب يجعل
الكثيرين يخشون مجرد التفكير الحر خوفًا من فقدان عائلاتهم أو مجتمعهم.ط، إذا
التحكم التنظيمي يجعل الضلال يتعمق، لأن العقل لا يُسمح له أن يتحرك بحرية،
والضمير يُخنق تحت سلطة الجماعة، وهكذا تتحول الجماعة من مجرد تنظيم إلى سجن فكري
وروحي.
ثالثًا: الغرور الروحي : الذي يغذيه التنظيم في نفوس أتباعه :
إحساس زائف بالتميز: يُربَّى العضو منذ
البداية على أنه ينتمي إلى "الحق الوحيد" وسط عالم ساقط، وأنه من
القلائل الذين يعرفون خطة الله الصحيحة، هذا يولّد كبرياء خفي يدفعه لرفض أي حوار
موضوعي.
احتقار الآخرين: هم يصفون كل الطوائف
المسيحية الأخرى بالمرتدة والفاسدة (بابل العظيمة)، ويعتبرون أن كل من هو
خارج التنظيم هالك لا محالة، هذا الشعور يعزلهم عن بقية الجسد المسيحي، ويغلق
قلوبهم أمام أي تصحيح أو محبة تأتي من الكنيسة.
ثقة مفرطة في الفهم الخاص: رغم أن معظم
تعليمهم مبني على تفسيرات بشرية متغيرة (حتى أنهم غيّروا مواعيد المجيء الثاني
أكثر من مرة) إلا أنهم يتعاملون مع هذه التفسيرات كأنها وحي إلهي قاطع. وهذا غرور
يجعلهم لا يرون التناقضات الواضحة في فكرهم، فالغرور الروحي أخطر من الجهل، لأنه
يجعل الإنسان يرفض أن يتعلم. الجاهل قد يقبل التعليم إذا وُجه بالحب، أما المتكبر
فيرى نفسه فوق التعليم. ولهذا السبب يوصي الكتاب: "الله يقاوم المستكبرين،
أما المتواضعون فيعطيهم نعمة" (يع ٤ : ٦) الكنيسة مدعوة أن تكون مثل
الطبيب الروحي لا تكتفي بوصف المرض، بل تسعى إلى الشفاء، لكن في نفس الوقت تحذر من
العدوى وتحمي الجسد من انتشارها.
٣ - كيف أتصرف حين يقرعون بابي؟
حين يقرع شهود
يهوه باب أحد المؤمنين، قد يظن البعض أن ما يقدمونه من فكر هو شيء جديد أو اكتشاف
غامض لم يكن معروفًا من قبل، بينما في الحقيقة ليس في تعليمهم شيء جديد على
الإطلاق. إنهم فقط يعيدون صياغة بدع قديمة في ثوب حديث، ويخلطون بين نصوص الكتاب
المقدس وتأويلاتهم الخاصة ليجعلوها تبدو وكأنها تعليم سماوي. ولذا من المهم جدًا
أن نفهم جذور أفكارهم، حتى لا نقع في فخ الانبهار بالشكليات أو بالجرأة التي
يتحدثون بها.
أولًا: شواهد من أيام المسيح على أفكار مشابهة
١- الصدوقيون :
الصدوقيون كانوا إحدى الطوائف اليهودية البارزة في زمن المسيح. هؤلاء
أنكروا القيامة من الأموات (مت ٢٢ : ٢٣)،
ورفضوا وجود الملائكة والأرواح (أع ٢٣ : ٨
). وقد اصطدموا مع المسيح أكثر من مرة، وكان رد الرب عليهم واضحًا: «تُضِلُّونَ
إِذْ لا تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللَّه» (مت ٢٢ : ٢٩) وهذا الفكر قريب جدًا من تعليم شهود
يهوه الذين يحاولون تحويل القيامة إلى أمر رمزي لا حقيقي، ويشوهون التعليم عن
الروح القدس والملائكة. فالرب واجه مثل هذا الفكر قديمًا وأظهر بطلانه أمام
الجميع.
٢- الفريسيون والمتدينون الشكليون :
الفريسيون كانوا
يضيفون إلى ناموس الله تفاسير بشرية صعبة، يضعون على الناس أحمالًا ثقيلة بينما هم
أنفسهم لا يمسونها بإصبع (مت ٢٣ : ٤ ).
وهكذا صاروا مصدر تشويش بدل أن يكونوا مرشدين للحق، شهود يهوه اليوم يفعلون نفس
الشيء بطريقة أخرى، فهم يضعون أتباعهم تحت نير تنظيم بشري صارم يحدد لهم كيف
يقرأون الكتاب المقدس وكيف يعيشون حياتهم، حتى صار ولاء الفرد للتنظيم أكبر من
ولائه للمسيح نفسه.
٣- بدايات الهرطقات (الأريوسية لاحقًا) :
في القرن الأول
بدأ البعض ينكرون ألوهية المسيح أو حقيقة تجسده، يوحنا الرسول حذر قائلًا: «كُلُّ
رُوحٍ لا يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ
فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ. وَهَذَا هُوَ رُوحُ ضِدِّ الْمَسِيحِ» (1يو 4:3) بعد
ذلك في القرن الرابع انتشرت الأريوسية التي أنكرت ألوهية الابن، وهي نفسها الفكرة
الجوهرية التي يتبناها شهود يهوه اليوم: أي أن المسيح ليس الله بل مجرد مخلوق أول.
إذن تعليمهم ليس اكتشافًا جديدًا، بل مجرد إعادة تدوير لأخطاء قديمة رفضتها
الكنيسة منذ البداية ودافعت ضدها عبر المجامع المسكونية.
ثانيًا: الدرس الرعوي لنا اليوم :
المسيح نفسه حذر: «انْظُرُوا أَنْ لا يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ. فَإِنَّهُ
سَيَأْتِي كَثِيرُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ الْمَسِيحُ! وَيُضِلُّونَ
كَثِيرِينَ» (مر 13:5-6) الرسول بولس أكد أن هناك من سيبشرون بـ "إنجيل
آخر" حتى لو بدا وكأنه من ملاك: «لَكِنْ إِنْ بَشَّرَكُمْ أَحَدٌ –
حَتَّى لَوْ كَانَ نَحْنُ أَوْ مَلاكٌ مِنَ السَّمَاءِ – بِغَيْرِ مَا
بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا» (غل 1:8) ويهوذا الرسول أوصى بأن
نكون «مُمَيِّزِينَ» (يه ٢٢)، أي قادرين على الفرز والتمييز الروحي، فلا
ننخدع بالمظاهر أو بالألفاظ البراقة، إذا الدرس الواضح أن الكنيسة مدعوة دائمًا
لليقظة الروحية والتعليم الصحيح حتى لا يسقط أحد في خداع "إنجيل آخر"
أو "مسيح مزيف".
ثالثًا: خطوات عملية حين يقرعون بابي :
حين يأتيك شهود
يهوه بزيارتهم المعروفة، إليك بعض التوجيهات الرعوية العملية:
١. لا تدخل في جدال عقيم:
لا خوفا منهم او
لأن حججهم قوية .. كلا .. بل لانهم مدربون على الحوار الجدلي، ويحفظون نصوصًا
مختارة يفسرونها بطريقتهم. الدخول معهم في مناقشات طويلة قد يكون مرهقًا بلا فائدة،
فلن تغيرهم ولذلك تجنبهم وارفض الحوار معهم.
٢. اعتمد على الكلمة الواضحة:
يكفي أن تفتح
نصوصًا مثل يو ١ : ١ «فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ
عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّه». هذه الآيات لا تحتاج إلى فلسفة،
بل تعلن الحق ببساطة، ولا تعتمد علي ترجمتهم حين يفتحوها أمامك لأنها محرفة وبها
تغيرات تخدمهم وتخدم فكرهم العقيم.
٣. اذكر إعلان المسيح عن نفسه:
قال: «قَبْلَ
أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ» (يو ٨ : ٥٨). هنا أعلن أزليته
بوضوح، وهو نفس الاسم "أنا هو" الذي قاله الله لموسى (خر ٣ : ١٤).
٤. اشهد بالاختبار الشخصي:
الإيمان المسيحي
ليس فقط معلومات، بل خبرة مع الله الحي الذي يغيّر الحياة. هذا ما لا يستطيع شهود
يهوه تقديمه لأنهم يقدّمون تنظيمًا بشريًا لا حياة جديدة.
٥. كن رصينًا في المحبة:
لا تتعامل معهم
بغلظة أو سخرية، بل بمحبة وحزم معًا. المحبة تحترم الشخص، لكن الحزم يرفض البدعة،
وإن كان الشخص عال الصوت ولا يعطيك فرصة فإوقف الحوار وكن انت القائد المتحكم في
الجلسة وليس هما
٦. علّم أولادك وشباب الكنيسة:
أخطر ما يملكه
شهود يهوه ليس الحجج، بل الأسلوب الهادئ والجذاب الذي يستخدمونه مع من ليس لديهم
خلفية قوية. لذلك ينبغي أن يتسلح الشباب بمعرفة تاريخية وكتابية حتى لا يتأثروا.
7. تذكّر أن الفكر قديم لا جديد:
كما واجه المسيح
الصدوقيين، وحذر من خميرة الفريسيين، ودافع الرسل عن ألوهية المسيح ضد البدايات
الغنوصية والأريوسية، نحن أيضًا اليوم نكمل نفس المسيرة. البدعة قد تغيّر اسمها
وشكلها، لكنها تظل هي هي.
حين يطرق شهود يهوه بابك، لا تفزع ولا ترتبك. اعلم أنك أمام فكر قديم أُدين
منذ زمن بعيد في الكتاب المقدس وفي تاريخ الكنيسة. المسيح والرسل حسموا هذه
القضايا، والكنيسة عبر القرون واجهت نفس التعليم وردّت عليه. إن وعي المؤمن بأن ما
يسمعه اليوم هو مجرد صدى لبدع الأمس يمنحه ثباتًا وطمأنينة، فلا يُخدع بسهولة،
فالواجب الرعوي هو أن نُذكّر الكنيسة دائمًا أن الإيمان المسيحي ليس بناءً من صنع
البشر بل هو وحي إلهي سُلّم للقديسين مرة واحدة (يه ٣). وكل فكر يحاول أن يختزل
المسيح أو يغيّر مكانته هو فكر مرفوض، مهما بدا مقنعًا أو جديدًا، ومن هنا يأتي
التحذير للشباب والكنيسة كلها: لا تندهشوا من بدع جديدة، ولا تستسلموا لجدل عقيم،
بل تمسكوا بالكتاب المقدس، وبتعليم الكنيسة الأولى، وبالاختبار الحي لشخص المسيح.
هذه هي الحصانة الحقيقية ضد كل فكر دخيل، سواء حمل اسم الصدوقيين قديمًا أو شهود
يهوه اليوم.
٤
دعوتهم للحق
هل يمكن خلاص
أحد منهم؟ كيف؟
١- إمكانية خلاصهم :
يعلن الكتاب
المقدس بوضوح أن خلاص المسيح معروض لكل إنسان بلا استثناء، إذ يقول الرسول بولس «الَّذِي
يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ
يُقْبِلُونَ» (١تي ٢ : ٤) هذه الحقيقة تشمل أيضًا شهود يهوه وغيرهم من رافضي
لاهوت الرب يسوع المسيح، فهم ليسوا خارج دائرة محبة الله ولا محرومين من عمل نعمته،
المسيح مات عنهم كما مات عن العالم كله، وحمل خطاياهم كما حمل خطايانا. لكن عائقهم
الكبير أنهم يعيشون تحت سلطان فكر منحرف، يقدَّم لهم على أنه "الحق
الكتابي"، بينما هو في الواقع تعليم مضلل يحجب عنهم رؤية المسيح الحقيقي.
لذلك كثير منهم أسرى لنظام مغلق يقيّد عقولهم ويمنعهم من سماع صوت الحق، ومع ذلك،
يبقى باب الرجاء مفتوحًا. إن استنارت عيون أحدهم بعمل الروح القدس، وانكشفت له
حقيقة شخص المسيح الإلهي والفادي، يمكن أن يخرج من هذه القيود ويختبر الخلاص
الأكيد. فالقوة ليست في قدرتنا على الإقناع، بل في كلمة الله الحيّة التي تخترق
القلب، وفي محبة الله التي لا تُقصي أحدًا بل تدعو الكل للتوبة والحياة الجديدة.
٢- الفرق بين من يجهل ومن يرفض :
من المهم أن ندرك
كبُعْد رعوي أنّ ليس كل من ينتمي إلى شهود يهوه في نفس الوضع الروحي أو الفكري،
فهناك فئة دخلت هذه الجماعة عن جهل، إمّا من الشباب الباحثين عن الحق، أو من
البسطاء الذين انجذبوا إلى المظهر الخارجي للنظام والتنظيم، دون أن تكون لهم جذور
كتابية أو معرفة بتاريخ الإيمان، هؤلاء أقرب إلى ما قال عنه الرسول بولس عن نفسه:
«أَنِّي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفاً وَمُضْطَهِداً وَمُفْتَرِياً. وَلَكِنِّي
رُحِمْتُ، لأنِّي فَعَلْتُ بِجَهْلٍ فِي عَدَمِ إِيمَانٍ» (١تي ١ : ١٣) هؤلاء
يحتاجون إلى رعاية، إرشاد، وحوار محب يفتح عيونهم على الحق، لأن قلوبهم قد تكون
مهيأة للاستجابة لعمل النعمة متى أُعلن لهم إنجيل المسيح كما هو، لكن يوجد أيضًا
مَن يرفضون عن قصد. هؤلاء قد تشرّبوا التعليم الباطل وصاروا مدافعين متعصبين عنه،
يقاومون الحق وهم يعرفونه، ويمارسون التحريف والالتواء في النصوص، هؤلاء يشبهون
الهراطقة الذين حذّر منهم الرسول بولس: «اَلرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ
الإنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، أَعْرِضْ عَنْهُ» (تي ٣ : ١٠). مع هذه
الفئة لا يكون الحوار المستمر مفيدًا، بل يشكّل خطرًا على بساطة الإيمان عند
الآخرين، إذًا، التمييز الروحي ضروري، هناك من نحتضنه بالحب ونصبر عليه، وهناك من
نواجهه بالتحذير لحماية الرعية من الانحراف.
٣- هل أزورهم إن عرفت بيتهم؟ :
أول قاعدة: الصلاة أولًا وطلب إرشاد الروح القدس، الزيارة ليست مغامرة فكرية، بل خدمة خلاص، ولذلك تحتاج تمييزًا، هل أنا
مُهيَّأ إيمانيًا ونفسيًا؟ أم ستتحول الزيارة إلى باب تشويش لي أو لعائلتي؟ شهود
يهوه مُدرَّبون على الجدل، وعلى نقل الحوار بسرعة إلى مسارات جانبية (نصوص
مقتطَعة، تشكيك في الترجمات، إغراق بالأسئلة) إن لم تكن راسخًا، فالأفضل أن تُحيل
الأمر إلى احد المتخصصين او الدارسين أو خادم مُتمكِّن، لا تسمح للغيرة الروحية أن
تدفعك إلى ساحة لستَ مُستعدًا لها، الكتاب يحثنا « ... مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا
لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ،
بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ، (١بط ٣ : ١٥) لكنه أيضًا يحذّر من «المباحثات
الغبيّة» (تي ٣ : ٩).
- قبل الزيارة: استشر راعيك أو خادمًا ناضجًا، واطلب أن لا تذهب وحدك إن أمكن - حدد هدفًا واضحًا، شهادة للمسيح
لا مباراة اقتباسات - اتفق على زمن محدد للحوار، وضع حدودًا محترمة.
- أثناء الزيارة: اجعل التركيز على شخص
المسيح وصليبه وقيامته، لا تتيه في عشرات الفروع - استخدم الكتاب المقدس الموثوق
لديك، واشهد لما صنعه الرب في حياتك؛ فـ القصة الشخصية تقطع الطريق على الجدل
النظري - لا تقبل التزامًا دراسيًا دوريًا معهم إن لم تكن تحت غطاء كنسي ورعوي،
ولا تسمح لهم باللقاء مع شباب أو حديثي الإيمان دون إشراف ( والافضل عدم اعطائهم
فرصة لحديثي الايمان )
- إشارات خطر: محاولة عزلِك عن كنيستك
أو راعيك - الإصرار على استخدام ترجمتهم فقط وإلغاء أي مرجعية أخرى - أسلوب
الإرهاق الجدلي أو التقليل من شأن إيمانك.
- بعد الزيارة: صلِّ من أجلهم بالاسم،
واطلب انفتاح أذهانهم - سلِّم تقريرًا لراعيك إن كان هناك تواصل مستقبلي - إن شعرت
باضطراب داخلي، توقّف فورًا واطلب إسنادًا من الروح القدس، ومن راعيك او أحد
المهامين بحياتك الروحية.
نعم، يمكن
الزيارة عند الاستعداد الصحيح وتحت غطاءٍ رعوي؛ وإلا فالأفضل أن تُوكل المهمة لمن
هو مؤهَّل. هدفنا ليس كسب مناظرة، بل ربح النفوس. «كُونُوا حُكَمَاءَ
كَالْحَيَّاتِ، وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ» (مت ١٠ : ١٦) لا تنسي هذا الثلاثي
الصلاة - والمحبة - والحق الممتليئ أنت به —بهذا الثلاثي تتحرك.
٤- هل نصلي من أجلهم؟ :
قطعًا نعم.
الصلاة من أجل خلاصهم واجب مسيحي، المسيح صلّى حتى من أجل صالبيه: «يَا
أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ»
(لو ٢٣ : ٣٤) وبولس تمنّى الخلاص حتى
لإخوته الذين رفضوا المسيح (رو ١٠ : ١) إذا، نصلي من أجل شهود يهوه أن يفتح الله
أذهانهم، ويكسر قيود التنظيم الذي يستعبدهم، ويقودهم لمعرفة المسيح الحقيقي.
٥- كيف ندعوهم للحق؟ خطوات عملية :
١ - الصلاة أولًا: اطلب قيادة الروح القدس قبل أي مواجهة.
٢ - إظهار المحبة: لا نعاملهم كأعداء، بل كمرضى يحتاجون شفاء.
٣ - التركيز على شخص المسيح: بدل الدخول في جدل عقائدي طويل، اجعل الحوار يتمحور حول: من هو المسيح؟ هل هو مخلوق أم الله الأزلي؟
٤ - عدم الانجراف في نقاشات جانبية: هم يتعمدون تشتيت الحوار، ركّز على الأساسيا، فمثلهم مثل كل من لا يؤمن بلاهوت المسيح.
علينا أن نحذر
أولادنا وشبابنا من أفكار شهود يهوه، لكن دون أن نزرع فيهم كراهية للبشر، ونفرّق
بين مقاومة الفكر المضلل، وبين محبة الإنسان الضال، فالكنيسة مدعوة أن تكون مستشفى
للنفوس، تعلن الحق بلا مساومة، وتحتضن التائبين بلا تردد، نعم، يمكن خلاص شهود
يهوه لأن المسيح مات لأجلهم. لكن دعوتهم تحتاج: تمييز بين من يجهل ومن يرفض -
شجاعة في مواجهة الفكر، مع قلب مملوء محبة - صلاة مستمرة من أجل تحريرهم، ولو عرفت
بيت أحدهم، اسأل نفسك: هل أنا مستعد أن أكون شاهدًا للحق وسطهم؟ إن نعم، فلتكن
زيارتك بصلوات وحكمة، وإن لا، فابتعد وصلِّ، واترك الأمر لمن هو أصلح (١بط
٣ : ١٥)

تعليقات
إرسال تعليق