اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

 



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اختيار الله لشعبه

 استحقاق أم تمييز

 

بقلم

القس عماد عبد المسيح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفهرس

مقدمة :

مفارقة الاختيار - إشكالية التمييز - منطق النعمة  - اختيار الله والسيادة الإلهية - من الاختيار إلى المسؤولية - من إسرائيل إلى الأمم - إتساع دائرة الإختيار - الكنيسة كشعب مختار: التزام لا امتياز  - هل من غير المختارين مرفوضون؟ - العدالة الإلهية واختياراتها

الفصل الاول : جذور الإختيار الإلهي:

 ١ - مفهوم "الاختيار" في الإعلان الإلهي :

- اختيار لا يُبنى على استحقاق - الاختيار كعمل خلاص متدرج - من الامتياز إلى المسؤولية

٢ -  دعوة إبراهيم: البداية أم القلب؟

أولًا: دعوة ذات طابع شخصي : ثانيًا: اختيار غير مبني على استحقاق : ثالثًا: إبراهيم في مركز الإعلان الخلاصي : رابعًا: إبراهيم ليس مجرد فرد بل نموذج : خامسًا: من إبراهيم إلى جميع الأمم : سادسًا: التدرج في إعلان المقاصد الإلهية : سابعًا: الامتحان النهائي – تقديم إسحاق

٣ -  هل وعد الله لإبراهيم مشروط أم مطلق

أولًا: ملامح الوعد الإلهي في تكوين 12: ثانيًا: الفرق بين "العهد" و"الوعد" : ثالثًا: الأمانة الإلهية في وجه عدم أمانة الإنسان : رابعًا: المحور المسياني في وعد إبراهيم : خامسًا: الشروط كوسيلة، لا كأساس :

٤ - طبيعة العلاقة بين الله ونسل إبراهيم

أولًا: العلاقة تنبع من وعد وليس من استحقاق : ثانيًا: العلاقة عهدية، لا مجرد وعد شخصي : ثالثًا: العلاقة تشمل الداخلين في الإيمان، لا الخارجين فقط من صلب إبراهيم : رابعًا: العلاقة مؤسسة على الأمانة الإلهية، لكنها تتفاعل مع أمانة الإنسان : خامسًا: العلاقة تجد كمالها في المسيح : ارتباط المصطلحات بعضها ببعض تقود الى نتائج تحليلية تظهر طبيعة العلاقة بين الله ونسل إبراهيم : سادسا: الشهادة الكتابية – بين النسل والجنس والقلب: سابعا: الأنبياء وموقفهم من النسب والتدين الخارجي : ثامنا: التفسير الرسولي والاختيار في المسيح

الفصل الثاني : امتيازات شعب إسرائيل :

 ١ - نعمة أم مسؤولية؟

أولًا: التبني – الانتماء الخاص لله:  ثانيًا: المجد – حضور الله الساكن وسطهم: ثالثًا: العهود – علاقة تعاقدية فريدة : رابعًا: الاشتراع – تسليم اسرائيل الشريعة من الله مباشرة : خامسًا: العبادة – نظام قرباني مقدس : سادسًا: المواعيد – الرجاء المستقبلي : سابعًا: الآباء – الجذور الإيمانية : ثامنًا: ومنهم المسيح حسب الجسد - الامتياز الأعظم:

٢ - الناموس والأنبياء: امتيازات روحية أم أعباء أخلاقية؟

أولًا: الناموس كامتياز إلهي : ثانيًا: الأنبياء صوت الله الحي : ثالثًا: من الامتياز إلى المسؤولية : رابعًا: الأنبياء كأعباء قومية :  خامسًا: الناموس كمُربٍ إلى المسيح : شخصيات كتابية بين النعمة والثقل : أولًا: شخصيات كان الناموس امتيازًا روحيًا لهم - ثانيًا: شخصيات كان الناموس عبئًا أخلاقيًا لهم :

الفصل الثالث - تمييز ام تفوق  :

١ - هل تفوق إسرائيل على باقي الشعوب؟

أولًا: اختيار لا يعني تفوّقًا : ثانيا: الله لا يحابي الوجوه : ثالثا: عندما رفضوا الامتياز، سقطوا تحت الدينونة 

٢ - نظرة الأنبياء لاختيار إسرائيل 

أولًا: الاختيار وسيلة للشهادة لا غاية في ذاته :  ثانيًا: الانتقاد الحاد للثقة الفارغة في الامتياز : ثالثًا: عاموس – النبي الذي حطّم فكرة "الاستحقاق" رابعًا: ميخا – دعوة إلى التواضع والبر خامسًا: هوشع – علاقة العهد كزواج مقدّس : سادسًا: إشعياء – البقية الأمينة، لا الأمة كلها :

 ٣ - هل الله يكيل بمكيالين؟ :

أولًا: عدل  لا يتحيز : ثانيًا: المسؤولية بقدر النور : ثالثًا :  يسوع – نقض الكبرياء القومي:

الفصل الرابع - الامم ومعاملات الله معها

١ -  عدالة الله واختيار شعب واحد

عدالة الله واختيار شعب واحد - ما هو إلا إعلان للنعمة في وجه الأمم أولًا: إعلان نعمة الله من خلال المختارين ثانيا: حنان الله في التأديب، لا في التهاون

٢ - أمم أُخرى تعامل الله معها

أولًا: نينوى  - ثانيًا: راحاب – ثالثًا: راعوث – رابعًا: الملك نبوخذنصر - خامسًا: كرنيليوس – سادسًا: المرأة الكنعانية – سابعًا: العبد الكوشي –

٣ -  العدل الإلهي في ضوء السيادة الإلهية

أولًا: السيادة الإلهية لا تُناقض العدل، بل تُكمّله : ثانيًا: الاختيار في إطار العدل : ثالثا: العدل الإلهي لا يُقاس بالمنطق البشري :

الفصل الخامس : من إسرائيل إلى الكنيسة استمرارية أم قطيعة؟

١ -  يسوع والميراث الروحي لإسرائيل :

أولًا: يسوع – الأساس في قصة إسرائيل، لا انفصال عنها : ثانيًا: يسوع – الكاهن والنبي والملك في كماله :  ثالثًا: يسوع والنظام الطقسي – التكميل لا الإلغاء : رابعًا: يسوع – الجامع لا القاطع : خامسًا: يسوع – مُبدّد الكبرياء القومي ومُوسع أفق الخلاص :

٢ - الكنيسة: امتداد لإسرائيل أم جماعة جديدة؟ :

أولًا: الكنيسة ليست نسخة مكررة من إسرائيل : ثانيًا: لكن الكنيسة أيضًا ليست قطيعة عن إسرائيل : ثالثًا: فماذا تكون الكنيسة إذًا؟ : رابعًا: من "الخاص" إلى "العام" : خامسًا: الكنيسة تنتظر "إسرائيل" الحقيقي : سادسًا: لاهوت "الاستبدال" أم "التحقيق"؟ :

الفصل السادس : في نهاية القول :

1 ـ من الاختيار الخاص إلى المقاصد العامة ـ نعمة تتسع ومسؤولية تتعمق

من شعب إلى كنيسة – تطور الإعلان وثبات المقصد : أولًا: إسرائيل كأداة إعلان لا كغاية مغلقة ـ ثانيًا: المسيح – نقطة التحول لا الانفصال ثالثًا: الكنيسة – ثمرة ايمان لا بديل عن اسرائيل ـ رابعًا: وحدة التدبير وتنوّع الوسائل ـ خامسًا: لا انحصار في الماضي، ولا انفصال عن الجذور ـ سادسًا: موقف الكتاب من إسرائيل اليوم

 

 مقدمة

 

ما زال موضوع "الاختيار الإلهي" يشغل مساحة واسعة من النقاش اللاهوتي، والتأمل العقائدي، بل ويثير تساؤلات عميقة تمتد من صفحات العهد القديم حتى نهاية العهد الجديد، إنه ليس مجرد مصطلح لاهوتي جامد بل مفهوم حيّ ينبض داخل النص الكتابي، ومتعمق داخل ضمائر المؤمنين، ويثير التعجب والدهشة، وربما أحيانًا الاستغراب ويتخلله الاعتراضات الكثيرة من كثيرين، فأن يختار الله شعبًا بعينه ليكون له، يميّزه، ويقوده، ويمنحه وعودًا خاصة، بينما تبدو الشعوب الأخرى وكأنها في مرتبة ثانوية، يجعل البعض يطرح السؤال.. هل هذا الاختيار تعبير عن استحقاق، أم شكل من أشكال التمييز؟

هذه الدراسة ليس محاولة لتقديم إجابة نهائية مغلقة على هذا السؤال، بل دعوة مفتوحة للتفكر العميق في النصوص، والتأمل في تعامل الله مع البشرية، من خلال عدسة الإعلان الإلهي، وليس من خلال أهواء أو استنتاجات بشرية. هو بحث عن قلب الله في مسيرته مع الإنسان، وعن عدالته التي لا تتعارض مع رحمته، ولا تنفصل عن قداسته. كما أنه تأمل في النعمة الإلهية، التي لا تُعطى بناءً على استحقاق بشري، ولا تُسحب بسبب ضعف بشري، فحين نقرأ الكتاب المقدس من التكوين إلى الرؤيا، نكتشف أن الاختيار كان دومًا جزءًا من حركة الله نحو الإنسان: الله الذي اختار أن يخلق، ثم أن يفدي، ثم أن يدعو، ثم أن يُرسل. نكتشف أن الاختيار لم يكن استجابة لفضل بشري، بل فعلًا حرًا من الله، قائمًا على حكمته غير المحدودة، وهدفه الخلاصي، ولكن يبقى السؤال معلقًا: لماذا يختار الله شخصًا دون آخر؟ شعبًا دون آخر؟ أمةً دون سواها؟ وهل في ذلك تناقض مع عدالته، أو إلغاء لمحبته الشاملة لكل الخليقة؟

 

مفارقة الاختيار :

الاختيار الإلهي – بحسب كثير من النصوص – يبدو كفعل سيادي، يمارسه الله دون مشورة من أحد، وبدون انتظار استحقاق. فيدعو إبراهيم من بين كل أهل الأرض، ويتعامل مع يعقوب دون عيسو، ويعلن محبته لإسرائيل "من بين جميع الشعوب"، ويقيمهم "شعبًا خاصًا له"، بل يقول: " "إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ مِنْ جَمِيعِ قَبَائِلِ الأرْضِ، .. (عا ٣ : ٢) هذه المفردات القوية تصدم أحيانًا الذهن المعاصر المتأثر بثقافة المساواة المطلقة، وحقوق الإنسان، والديمقراطية الفكرية، لكن في ذات الوقت، نكتشف في صفحات الإعلان أن هذا الاختيار لا يُمنح امتيازًا فارغًا، بل يحمل مسؤولية ضخمة، ويستلزم تجاوبًا أخلاقيًا وروحيًا. الله لا يختار ليفضّل، بل يختار ليُعدّ، ويشكّل، ويُرسِل، الاختيار ليس جائزة تشريف، بل دعوة للتكريس، ومسيرة في درب الطاعة، ومن لا يسلك في نور هذا الاختيار، يُحسب كمن رفض الدعوة ذاتها، ويصير في موضع الدينونة لا بسبب "عدم اختياره"، بل بسبب رفضه لروح الاختيار.

 

- إشكالية التمييز :

في ظل المفاهيم الإنسانية الحديثة، قد يُساء فهم الاختيار الإلهي كتمييز غير عادل. التمييز – بحسب الفهم البشري – يفترض التفريق بين أشخاص أو مجموعات بناءً على أسباب عنصرية أو طبقية أو ثقافية، وهو ما يتعارض تمامًا مع إعلان الله في الكتاب المقدس، الذي يؤكد أن "ليس عند الله محاباة". فهل يكون اختيار إسرائيل نوعًا من التمييز؟ أم هو جزء من خطة إلهية لخلاص كل الشعوب، بدأت من خلال أمة واحدة؟ هنا تظهر ضرورة التمييز بين "الاختيار الوظيفي" و"الاختيار الخلاصي". فاختيار إسرائيل لم يكن لامتلاك الخلاص حصريًا، بل لتكون "نموذجًا" و"وسيطًا" و"منارةً" لشعوب الأرض، كما يقول إشعياء: "جعلتك نورًا للأمم". ومن هذا المنطلق، لا يمكن وصف اختيار إسرائيل بأنه تمييز، بل هو تخصيص لأجل تكليف، دعوة من أجل رسالة. تمامًا كما يُختار شخص ما ليكون نبيًا، لا لأنه أفضل من سواه، بل لأن الله شاء أن يستخدمه لأداء وظيفة معينة.

 

- منطق النعمة :

الاختيار في جوهره تعبير عن النعمة، والنعمة – بطبيعتها – لا تُمنح بناءً على الإستحقاق. لو كان اختيار الله مبنيًا على تفوق روحي أو أخلاقي، لكان استجابة بشرية لا مبادرة إلهية، ولكن الله يؤكد مرارًا لشعبه أنه اختارهم " لَيْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ، الْتَصَقَ الرَّبُّ بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ، لأنَّكُمْ أَقَلُّ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ. (تث ٧ : ٧) وهذا يؤكد أن الاختيار لا علاقة له بالعدد أو القوة أو الفضل، بل هو قرار نابع من محبة الله الذاتية، لكن في نفس الوقت، لا تُستخدم النعمة كغطاء للتمرد أو كذريعة للتراخي، بل كقوة محفزة للطاعة، فنعمة الإختيار تستدعي شكرًا، والتزامًا، وتجاوبًا. لذلك لا يتردد الله في تأديب شعبه عندما يبتعدون عن طريقه، ولا يمنع عنهم نتائج خطاياهم رغم أنه اختارهم، بل على العكس، يُظهر في معاملته معهم عدلًا صارمًا ربما أشد من بقية الشعوب، لأن من أُعطي كثيرًا يُطلب منه كثيرًا.

 

- اختيار الله والسيادة الإلهية :

من غير الممكن أن نفهم الإختيار الإلهي دون الرجوع إلى مبدأ السيادة الكاملة لله، فالله حرّ في قراراته، لا يخضع لضغط خارجي، ولا يحتاج إلى تبرير أمام البشر. نعم، الله عادل، لكنه لا يخضع لتعريفاتنا البشرية للعدل - إنه أسمى من تصوراتنا، وقراراته تنبع من حكمته غير المحدودة، وقد أعلن لنا فقط ما يكفي لنبني إيمانًا ثابتًا، لكنه لم يكشف لنا كل أبعاد تدبيره، لأنه " يَا لَعُمْقِ غِنَى الله وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ! (رو ١١ : ٣٣).سيادة الله لا تعني تعسفه، فالله لا يختار ليُقصي، ولا يدعو ليُهلك، بل كل قراراته تسير نحو تحقيق مقاصده الخلاصية، فهو الذي " الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ. (١تى ٢ : ٤) لذا لا يمكن أن نرى في اختياره حصرًا للنعمة، بل بداية لتفعيلها. فالله بدأ بإبراهيم ليبارك كل قبائل الأرض. وبدأ بإسرائيل ليصير نورًا للأمم. واختار الكنيسة لتكون شاهدًا بين الأمم حتى نهاية الدهر.

 

- من الاختيار إلى المسؤولية :

إذا كان الاختيار دعوة، فهو إذن دعوة للمسؤولية، فالله لا يختار عبثًا، ولا يوزع امتيازاته بلا هدف، إن كل من دعاة الله – فردًا أو جماعة – صار مدعوًا للسير في طاعته، والانفصال عن طرق العالم، والتمثل بشخصه، لم يكن الهدف من اختيار إبراهيم أن يصير له نسل فقط، بل أن يسلك هذا النسل في البر، ويكون شاهدًا حيًا على الإله الحقيقي وسط عالم غارق في الوثنية، لذلك كان فشل إسرائيل المتكرر في الالتزام بطريق الله ليس فقط سقوطًا أخلاقيًا، بل خيانة لجوهر الاختيار ذاته، وقد حذرهم الأنبياء مرارًا من تحويل الامتياز إلى غطرسة، والنعمة إلى ادعاء، فالاختيار لا يمنح ضمانًا أبديًا، بل يدعو إلى مسيرة مستمرة من الإيمان والطاعة والتوبة. وهو ما يؤكد أن الاختيار لا يُفهم خارج سياق العلاقة المستمرة مع الله.

 

- من إسرائيل إلى الأمم : إتساع دائرة الإختيار :

إن إختيار الله لإسرائيل كان مرحلة من مراحل الإعلان الإلهي، لا نهايته. إذ لم تكن إسرائيل هي الغاية، بل الوسيلة، لقد أوضح الكتاب المقدس أن الاختيار لا ينحصر في نسب دموي، أو هوية عرقية، بل هو دعوة شاملة لكل من يؤمن ويقبل دعوة الله. من خلال مجيء المسيح، اتسعت دائرة الإختيار لتشمل كل الأمم. لم يُلغَ اختيار إسرائيل، لكن لم يعد مقصورًا على نسل حسب الجسد، بل صار مفتوحًا لكل من هو "في المسيح".

كتب بولس الرسول في رسالته إلى رومية، وهو يناقش اختيار إسرائيل، يقول: " لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلا لأنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ هُمْ جَمِيعًا أَوْلادٌ. بَلْ "بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ". أَيْ لَيْسَ أَوْلادُ الْجَسَدِ هُمْ أَوْلادَ الله، بَلْ أَوْلادُ الْمَوْعِدِ يُحْسَبُونَ نَسْلا. (رو٩ :  ٦-٨) ويضيف في رومية ١٠ و ١١ أن الأمم دخلوا إلى شجرة الزيتون، كأغصان طبيعية أو مطعّمة، وصاروا شركاء في الجذر والدسم، لا لأنهم استحقوا، بل لأنهم آمنوا. وهكذا، فالمسيح لم يلغِ الاختيار، بل أعاد تعريفه على أساس النعمة والإيمان، لا على أساس العِرق، لقد أصبح الاختيار مفتوحًا لكل من يقبل يسوع مخلصًا، سواء كان يهوديًا أم أمميًا. وتحوّل من "اختيار عرقي" إلى "اختيار إيماني". بل وأكثر من ذلك، صار جسد المسيح – أي الكنيسة – هو الشعب المختار الجديد، لا ليحل محل إسرائيل في خطط الله، بل ليكمل الإعلان في صورته الناضجة، ويحقق قصد الله في تكوين شعب مقدس من كل أمة ولسان وقبيلة.

 

- الكنيسة كشعب مختار: التزام لا امتياز :

في العهد الجديد، نقرأ وصفًا رائعًا للكنيسة في  (١بط ٢ : ٩) "وأما أنتم فجنس مختار، وكهنوت ملوكي، أمة مقدسة، شعب اقتناء، لكي تُخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب". هذا النص يلخص روح الاختيار في العهد الجديد: نحن مختارون لا لنجلس في امتيازاتنا، بل لنكرز بفضائل الله، ولنحيا حياة مختلفة، ولنكون نورًا للعالم، اختيار الكنيسة لا يعني خلاصًا تلقائيًا، ولا يعفيها من المساءلة، بل يدعوها إلى حياة الامتلاء بالروح، والنمو في القداسة، والشهادة باسم المسيح وسط عالم متمرد، وعبر العصور، كلما انحرفت الكنيسة عن طريق الله، فقدت تأثيرها، وضعفت شهادتها، لأن قوة المختارين ليست في "كونهم مختارين" بل في تجاوبهم العملي مع هذا الاختيار، إن الكنيسة لا تحل محل إسرائيل كجسد مادي، بل تكمل دعوة إسرائيل الروحية، أن تكون نورًا للأمم، وشاهدة للحق، ومنارة للمحبة. وهي مدعوة أن تتجنب الوقوع في ذات فخ الكبرياء الذي سقطت فيه إسرائيل، أن تحوّل الاختيار إلى تفاخر، بدلًا من تكريس.

 

- هل من غير المختارين مرفوضون؟

قد يسأل أحد: إذا كان الله يختار، فهل هذا يعني أن من لم يُختر مرفوض تلقائيًا؟ هذا السؤال يفترض أن هناك من لم تُتح له فرصة، أو أن الله يتعمد رفض البعض. لكن الإعلان الإلهي يوضح العكس. فالله لا يغلق الباب في وجه أحد، ولا يمنع شخصًا من التوبة أو القبول، بل "يريد أن جميع الناس يخلصون". والاختيار لا يعني استبعادًا، بل توسيعًا للدعوة. فالدعوة عامة، والاختيار يتحقق بالتجاوب.

قال الرب يسوع: "كثيرون يُدعون، وقليلون يُنتخبون" (مت ٢٢ : ١٤). هذا يعني أن الله دعا الجميع لكنه لم يختر إلا البعض، القليلين فقط هم من تجاوبوا مع الدعوة فصاروا مختارين، فالاختيار ليس انتقائية مسبقة، بل نتيجة تجاوب حرّ مع دعوة النعمة. بل يمكن القول إن الاختيار في المفهوم الكتابي ليس تفضيلًا، بل علاقة، علاقة تبدأ بمبادرة من الله، وتكتمل باستجابة الإنسان.

 

- العدالة الإلهية واختياراته

من أكثر التحديات التي تواجه الفكر البشري عند الحديث عن الاختيار هي مسألة العدالة. لكن من المهم أن ندرك أن عدالة الله لا تُقاس بمقاييس البشر. فهو لم يكن يومًا ظالمًا أو متحيزًا. كل ما يفعله الله قائم على قداسته وحكمته، حتى وإن عجزنا عن فهم أبعاده. وعدالته تُعلن دومًا في ضوء محبته، لا في عزلة عنها، لو كان الله قد ترك الجميع لهلاكهم دون أن يختار أحدًا، لبقي عادلًا. لكن أن يختار بعضًا ويُنجّيهم، فهذا رحمة لا ظلم، فالبشر جميعًا هالكون بسبب خطيتهم، وليس بسبب رفض إلهي لهم، لذلك حين يختار الله، فهو لا "يستثني" الآخرين ظلمًا، بل "ينقذ" البعض نعمةً. والباب مفتوح لكل من يقبل.

 

إن موضوع اختيار الله لشعبه، سواء في العهد القديم أو الجديد، هو موضوع غني بالتأملات، لكنه لا يصلح لأن يكون ساحة للجدالات العقائدية أو ساحة تقسيم بين المؤمنين. ليس الهدف من دراسته أن نحدد من هو المختار ومن هو المرفوض، بل أن نتأمل في غنى النعمة، وعمق المحبة، وقوة الدعوة، إن دعوة الاختيار، في جوهرها، ليست امتيازًا نتمسك به، بل رسالة نحملها للعالم. لسنا مختارين لنتفاخر، بل لنشهد. ولسنا مقبولين لنتعالَى، بل لنخدم. وكل ما نناله من الله، إنما هو ليمجده، لا ليمجّدنا.

في هذه الدراسة، سنسير معًا في مسيرة من التأمل الكتابي، والتحليل اللاهوتي، نستعرض النصوص، وننقب في المعاني، ونتتبع خيوط الاختيار الإلهي منذ دعوة إبراهيم وحتى الكنيسة الأخيرة. سنسأل أسئلة صعبة، ونواجه أفكارًا متوارثة، ونحاول أن نضع أمام القارئ رؤية واضحة، أمينة للنصوص، متحررة من الانفعالات، ومبنية على مبادئ الكتاب المقدس وروح الإنجيل، فلتكن هذه الصفحات دعوة للرجوع إلى قلب الله، لا للجدال حول قراراته. ودعوة لأن نفتح قلوبنا لا لنقارن أنفسنا بالآخرين، بل لنتجاوب مع دعوة الله لنا – نحن الخطاة، أن نصير قديسين مختارين، نورًا في عالم يشتاق لنور الحق. ياله من امتياز مبني علي نعمة الله.

الفصل الاول

جذور الاختيار الإلهي

 

 

 ١

 مفهوم "الاختيار" في الإعلان الإلهي

 

في قلب الإعلان الإلهي الذي يمتد من سفر التكوين إلى رؤيا يوحنا، يبرز موضوع "الاختيار" كخيط لاهوتي متين يربط أعمال الله السيادية بأهدافه الخلاصية في التاريخ. فـ"الاختيار الإلهي" ليس فكرة جانبية أو مظهرًا من مظاهر التفضيل العشوائي، بل هو مبدأ كاشف عن مقاصد الله المعلنة والمتدرجة نحو خلاص الإنسان. ويبدو واضحًا أن هذا المفهوم - بكل أبعاده - لا ينفصل عن طبيعة الله ذاته، كإله عادل، محب، وهادف، فإن جذور "الاختيار الإلهي" تضرب عميقًا في تربة الإعلان الكتابي، حيث لا يظهر الاختيار كقرار طارئ فرضته ظروف زمنية أو استجابة لمزايا بشرية، بل كفعل صادر من حكمة الله ومشيئته الأزلية، ويكتسب هذا الفعل معناه الكامل حين يُفهم في إطار القصد الإلهي لتكوين شعب له، يكون حاملًا لإعلانه، وشاهدًا لأمانته، وأداة في يده لتحقيق خلاص العالم، فالإختيار لا يقوم على استحقاق بشري، ولا على تمييز عنصري أو عرقي، بل على دعوة نعمة، تسبق الإنسان وتدعوه إلى الدخول في علاقة عهد مع الله، يكون فيها مدعوًا لا متميزًا بالامتياز الفارغ، بل مسؤولًا عن الشهادة والرسالة.

 

يظهر مفهوم "الاختيار" في العهد القديم بكلمات عبرية مثل "בחר" (باخار) التي تعني "اختار، انتقى"، وتُستخدم للدلالة على اختيار الله لأشخاص، أو أماكن، أو شعوب، مثلما قيل عن إسرائيل " لأنَّكَ أَنْتَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. إِيَّاكَ قَدِ اخْتَارَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَكُونَ لَهُ شَعْبًا أَخَصَّ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ، (تث ٧ : ٦) أما في العهد الجديد، فتُستخدم كلمات مثل "ἐκλέγομαι" (eklegomai) التي تحمل نفس المعنى: الانتقاء أو الاصطفاء. وهو ما يظهر في أقوال المسيح  " لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ، لِكَيْ يُعْطِيَكُمُ الآبُ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ بِاسْمِي. (يو ١٥ : ١٦) وعبر الكتاب المقدس كله، لا يُفهم "الاختيار" على أنه فعل عبثي، بل هو دائمًا مرتبط بمهمة، وعهد، ورسالة.

 معادلة مفهوم "الاختيار الإلهي" في الإعلان الكتابي:

نعمة الله + سيادة الله + الدعوة + قبولهما = الاختيار الالهي

نعمة الله: هي الأساس الأول للاختيار، لأنه لا يبني على فضل الإنسان، بل على محبة الله المجانية.

سيادته الله: الله يختار كما يشاء، لكن وفق حكمته وعدله وليس وفق تعسف أو تمييز.

دعوة مسؤولة: الاختيار دائمًا يتضمن دعوة الإنسان لتحمل مسؤولية الشهادة والطاعة.

القبول: الاختيار لا يقوم على أي استحقاق، لذا نري تأكيد أن فضل النعمة يتجاوز أي استحقاق.

الاختيار الالهي: رسالة خلاص شاملة، الهدف من الاختيار ليس التمييز، بل توصيل الخلاص إلى جميع الأمم، والكنيسة المختارة مدعوة لذلك.

الاختيار الإلهي في الكتاب المقدس ليس تمييزًا لراحة، بل دعوة لأمانة، وليس تفضيلًا حصريًا، بل أداة للبركة العامة. فكل مختار هو مرسل، وكل دعوة إلهية هي أيضًا تكليف رسولي.

 

- اختيار لا يُبنى على استحقاق

من الملفت أن اختيار الله يتجه دائمًا نحو الأضعف والأقل شأناً من المنظور البشري، لا نحو الأقوى أو الأفضل. فقد اختار إبراهيم، رجلًا كان يسكن بين عبدة الأوثان، ولم يكن له نسل. واختار يعقوب على عيسو، رغم أن الأخير هو البكر. بل اختار شعبًا " لَيْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ، الْتَصَقَ الرَّبُّ بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ، لأنَّكُمْ أَقَلُّ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ. (تث ٧ : ٧) هذا يثبت أن الاختيار ليس بناءً على استحقاق، بل على نعمة الله، وبذلك، يؤسس الإعلان الإلهي فهمًا لاهوتيًا واضحًا: الله يختار من يشاء، لا لأنه مستحق، بل لأنه أراد أن يُظهر مجده من خلال الضعف. وهذا لا يُقلل من شأن الإنسان، بل يُظهر فضل الله عليه.

- دعوة لعلاقة، لا تمييز عنصري: الاختيار في الإعلان الإلهي ليس حالة من "التمييز العنصري" كما قد يُساء فهمه. الله لم يختار إسرائيل ليُهلك باقي الشعوب، بل ليكون من خلالهم إعلان للأمم كلها. ففي دعوة إبراهيم نفسها نقرأ "وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأرْضِ ( تك ١٢ : ٣ ) هذا يؤكد أن الاختيار له بُعد شمولي، يبدأ بشخص أو جماعة، لكنه يمتد إلى الجميع. فالله لا يحتكر الخلاص لشعب دون آخر، بل يدعو الجميع من خلال المختارين، كما هو موضح في المعادله انه يوجد نعمه ويوجد سياده الهيه ويوجد دعوه الهيه ومع كل هذا لابد ان يحدث قبول من الانسان فيتم فيه الاختيار.

 

- الاختيار كعمل خلاص متدرج :

يقدم الإعلان الإلهي "الاختيار" كجزء من خطة الخلاص المتدرج، بدأ الله باختيار أشخاص (كأخنوخ، ونوح، وإبراهيم)، ثم شعب (إسرائيل)، ثم جاء يسوع باعتباره المختار الكامل (أشعياء ٤٢ : ١)، ليُتمم قصد الله في الاختيار، ويؤسس كنيسة مختارة فيه، وفي العهد الجديد، لم يعد "الاختيار" مرتبطًا بنسل بيولوجي، بل بمن هو "في المسيح"، كما يقول بولس "كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ ( أف ١ : ٤ ) هنا الأمر يصبح واضحًا أن الاختيار النهائي هو في المسيح، ومن خلاله، وأن الكنيسة هي الجماعة الجديدة التي تضم كل من لبّى دعوة النعمة، سواء كانوا من اليهود أو من الأمم.

التوتر بين السيادة والحرية : من أكثر التحديات التي تواجه تفسير "الاختيار" هو التوتر بين سيادة الله وحرية الإنسان. فكيف يختار الله بحرية، دون أن يُلغي حرية الإنسان في الاستجابة؟ الكتاب المقدس لا يقدم فلسفة مغلقة لهذا التوتر، بل يعلن بكل وضوح أن الله يدعو، والإنسان يختار أن يستجيب أو يرفض. والاختيار الإلهي لا يُجبر الإنسان على الطاعة، بل يهيئ له الطريق، ويفتح أمامه باب النعمة، لكنه لا يُغلق باب الحرية، ولعل أوضح مثال لذلك هو رفض إسرائيل لدعوة المسيح، رغم أنهم كانوا "الشعب المختار"، إذ يقول يسوع "كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ... وَلَمْ تُرِيدُوا! (مت ٢٣ : ٣٧ ) هذا التوتر بين سيادة الله وحرية الإنسان ليس مجرد لغز فكري، بل هو واقع عملي يُلمَس في كل قصة دعوة وفداء عبر الكتاب المقدس، فالله في سيادته لا يُلغِي إرادة الإنسان، بل يعمل من خلالها، ويدعوها إلى التوافق معه. والاختيار الإلهي لا يعني فرضًا، بل استعلانًا لنعمة تفتح أمام الإنسان إمكانية الطاعة دون أن تسلبه القدرة على الرفض، هذا التوازن الدقيق يؤكد أن العلاقة مع الله ليست علاقة "مُسيّر ومجبر"، بل علاقة "داعٍ ومُستجيب". إذ يعمل الله بإرادته السيادية ليُعلن مقاصده، لكنه لا يُجبر قلبًا على الاتباع. فحرية الإنسان ليست ندًّا لسيادة الله، بل جزء من الصورة التي شاءها الله للإنسان المخلوق على صورته. لذلك، يُظهر الإنجيل محبة الله التي تهيئ، وتنتظر، وتدعو، لكن لا تُكره. وهذا ما يجعل الطاعة الحقيقية فعلا حرًا، نابِعًا من القلب، لا من القهر.

 

من الامتياز إلى المسؤولية

الاختيار الإلهي لا يمنح المختارين "امتيازًا خالصًا" للتمتع، بل يحملهم مسؤولية عظيمة. لقد اختار الله إسرائيل ليكونوا "مملكة كهنة وأمة مقدسة" (خر ١٩: ٦)، لا ليجلسوا على عرش الاستعلاء، بل ليخدموا الأمم ويكونوا نورًا للعالم، ومتى فشل المختارون في حمل مسؤوليتهم، لم يتردد الله في تأديبهم، وحتى في استخدام أمم وثنية كأداة تأديب، كما فعل مع آشور وبابل. وهذا يُظهر أن الاختيار ليس حماية ضد التأديب، بل دعوة إلى حياة أمانة مقدسة.

 

يُعلن الكتاب المقدس أن الاختيار الإلهي هو فعل سيادي، مليء بالنعمة، موجه نحو الخلاص، وليس استبعادًا أو تمييزًا. جذوره تمتد في كل العهدين،  ومستعلنة في المسيح، الذي فيه كل من يؤمن يصبح مختارًا وشريكًا في العهد الجديد، فالاختيار ليس تفضيلًا عرقيًا، ولا محاباة لشعب، بل إعلان عن الله الذي "يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يُقبلون" (١تي ٢ : ٤) هذا الإعلان الكتابي يصحح كثيرًا من المفاهيم الخاطئة حول "الاختيار" فهو لا يُبنى على قومية أو نسب، بل على النعمة التي تُقدم للجميع. فالله لم يختار إسرائيل ليفضّلهم على غيرهم، بل ليكونوا وسيلة لإعلان خلاصه للأمم. وفي المسيح، ينفتح باب الاختيار أمام كل من يقبل بالإيمان، ليصير جزءًا من شعب الله الجديد. فالمقياس هنا لم يعد النسب الجسدي، بل الانتماء الروحي. وهذا يجعل الاختيار رسالة محبة شاملة، لا حصرًا ضيقًا، ويؤكد أن قلب الله مفتوح لكل إنسان، وأن سيادته تعمل دائمًا نحو خلاص الإنسان لا تجاهله.

٢

 دعوة إبراهيم: البداية أم القلب؟

 

حين نتأمل في مفهوم "الاختيار الإلهي" في العهد القديم، نجد أن شخصية إبراهيم تحتل موقعًا محوريًا في قصة الخلاص، وكأنها تمثل نقطة انطلاق كبيرة في مخطط الله المعلن للبشرية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو - هل كانت دعوة إبراهيم مجرّد "بداية زمنية" لمشروع الخلاص الإلهي، أم كانت هي "قلب المشروع" وروحه النابضة؟ هل الله اختار إبراهيم ليبدأ منه قصة، أم أنه اختاره لأنه يمثّل شيئًا جوهريًا في فكر الله عن العلاقة والإيمان؟ هذه الأسئلة تقودنا إلى تأمل أعمق في طبيعة الدعوة الإلهية، وفي دوافعها، وفي ثمارها.

 

أولًا: دعوة ذات طابع شخصي :

الله يبحث عن علاقة : دعوة الله لإبراهيم لم تكن مجرّد إعلان عن تغيير خارطة الشعوب، بل كانت نداء شخصيًا لعلاقة. لم يرسل الله لإبراهيم شريعة أو نظامًا، بل بدأ معه بعهد. "اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك" (تكوين 12: 1). لا يُخبر الله إبراهيم عن كل شيء مقدمًا، بل يطلب منه أن يسلك بالإيمان - هنا، نجد أن جوهر الدعوة هو ثقة متبادلة، الله يثق في تجاوب إبراهيم، وإبراهيم يثق في قيادة الله دون أن يرى كل التفاصيل. وهذا في ذاته يحمل طابعًا "قلبيًا"، لا إداريًا.

 

ثانيًا: اختيار غير مبني على استحقاق :

لم يكن إبراهيم أعظم رجال زمانه، ولم يكن ينتمي لشعب له تاريخ مع الله – بل على العكس، كان في أرض عبادة الأوثان (يش ٢٤ : ٢). وهذا يكشف لنا شيئًا هامًا عن طبيعة الاختيار الإلهي، لا ينبع من استحقاق، بل من مبادرة النعمة، فالله لا يختار لأن الإنسان صالح، بل يختار ليُكوّن من خلال هذا الإنسان شعبًا يُعلن من خلاله مقاصده الصالحة. وهذا يجعل دعوة إبراهيم لا مجرد بداية، بل تجسيدًا لمبدأ "النعمة السابقة" التي تسير قبل الإنسان.

 

ثالثًا: إبراهيم في مركز الإعلان الخلاصي :

حين نتتبع خيط الإعلان الإلهي، نكتشف أن أغلب المحاور اللاهوتية الكبرى تبدأ في علاقة الله بإبراهيم: الوعد - البر بالإيمان - العهد - الأرض - الشعب - البركة للأمم. بل إن بولس الرسول، وهو يشرح الخلاص في المسيح، يرجع كثيرًا إلى إبراهيم، لا إلى موسى، ليبرهن على أن الإيمان هو طريق البر منذ البداية (رو ٤، غلا ٣). هذا يعيد تشكيل نظرتنا لدعوة إبراهيم، فليست مجرّد بداية سرد زمني، بل بداية قلبية لجوهر ما يريده الله من الإنسان - الإيمان - والثقة - والسير معه في علاقة عهد.

 

رابعًا: إبراهيم ليس مجرد فرد بل نموذج :

دعوة إبراهيم تتجاوز كونه فردًا مميّزًا، فهي تمثّل نموذجًا لما سيصير عليه "شعب الله" لاحقًا. فكل من يسير على خطوات إبراهيم بالإيمان، يُحسب له برًا، كما يقول بولس: "فَاعْلَمُوا أَنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإيمَانِ أُولئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ" (غلا ٣ : ٧). إذًا، دعوة إبراهيم لا تخصه وحده، بل تشكّل قلب النموذج الإيماني الذي دعا الله إليه إسرائيل، ثم الكنيسة. هذا يوضح أنها ليست فقط بداية لشعب، بل مرجعية فكرية ولاهوتية سيسير عليها كل المختارين.

 

خامسًا: من إبراهيم إلى جميع الأمم :

حين قال الله لإبراهيم: "وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض" (تكوين 12: 3)، لم يكن يعلن فقط نية لنشر البركة، بل كان يُدخل "كل الأمم" ضمن الأفق المستقبلي للاختيار. فدعوة إبراهيم تتضمن منذ البداية البعد الشامل للاختيار الإلهي. لم يكن القصد حصر النعمة في نسل جسدي، بل أن يُستخدم نسل إبراهيم وسيلة لخلاص العالم كله. وهذا ما يتحقق في المسيح، "نسل إبراهيم"، الذي جاء ليبارك العالم لا ليحصر الخلاص في جماعة محددة (غلا  ٣ : ١٦ ). لذلك، دعوة إبراهيم هي قلب الإعلان الخلاصي، لا مجرد مدخله.

 

سادسًا: التدرج في إعلان المقاصد الإلهية :

دعوة إبراهيم تمثل أيضًا المرحلة الأولى في التدرج الإلهي للإعلان. فالله لا يعطي كل شيء دفعة واحدة، بل يبدأ بخطوة، ثم يتقدم نحو الهدف النهائي. لكن البداية لا تعني هامشية، بل أحيانًا تكشف عن جوهر ما سيأتي، إبراهيم لا يعرف كل تفاصيل الناموس، ولا يرى المسيح، لكنه عاش بالإيمان، وصار "خليل الله". هذه البداية تكشف أن الله يريد قلبًا، لا نظامًا فقط. ويريد علاقة، لا طقسًا. لذا، فإن إبراهيم هو البداية من حيث الزمان، لكنه القلب من حيث الرؤية والمرجعية الروحية.

 

سابعًا: الامتحان النهائي – تقديم إسحاق :

نقطة التحول الكبرى في مسيرة إبراهيم هي عندما دعاه الله لتقديم إسحاق، الابن الموعود. هنا، نرى مدى عمق العلاقة بين الله وإبراهيم، فالله يختبر قلب إبراهيم: هل يتمسك بالوعد، أم بالواهب؟ ( العطية ام العاطي ) هل الإيمان به كافٍ حتى لو بدا الوعد مهددًا؟ هذه التجربة لم تكن لإثبات شيء لله، بل لإعلان شيء لنا، الإيمان القلبي يُبرهَن بالطاعة الفعلية، والثقة الكاملة في حكمة الله حتى في أصعب المواقف. هذا يثبت أن دعوة إبراهيم لم تكن فقط بداية، بل مركزًا لاختبار حقيقي للإيمان.

 

دعوة إبراهيم – قلب حي في مسيرة الإختيار: من كل ما سبق، نرى أن دعوة إبراهيم لم تكن مجرّد بداية زمنية في قصة الخلاص، بل كانت بداية نوعية، تحمل كل مقاصد الله في جوهرها، فالله في إبراهيم أعلن عن نوع العلاقة التي يريدها، وعن طبيعة الاختيار الذي يقوده، وعن الإيمان الذي يُحسب برًا، وعن البركة التي ستعمّ كل الأرض. إن دعوة إبراهيم تمثل "قلبًا نابضًا" لمفهوم الاختيار الإلهي، لأنها تربط بين نعمة الله، واستجابة الإنسان، وهدف الله الخلاصي الشامل. لذلك، فإن كل من يؤمن في المسيح يُحسب من نسل إبراهيم، ويسير في نور تلك الدعوة المباركة.

 

 

٣

 هل وعد الله لإبراهيم مشروط أم مطلق

 

يُعد وعد الله لإبراهيم من المحاور الجوهرية في اللاهوت الكتابي، إذ إنه لا يشكل فقط نقطة انطلاق لقصة إسرائيل كشعب مختار، بل يكشف أيضًا ملامح قلب الله ومقاصده الخلاصية للعالم بأسره. لكن يبقى السؤال اللاهوتي والوجودي الكبير: هل كان هذا الوعد مشروطًا بطاعة إبراهيم وسلوكه؟ أم أنه مطلق، لا يُغيّره موقف الإنسان ولا تُبطله تقلباته؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من التأمل في النصوص ذات الصلة، وفهم طبيعة العهد، وعلاقة الوعد ببر الله وحرية الإنسان.

 

أولًا: ملامح الوعد الإلهي في تكوين 12

عندما دعا الله إبراهيم في ( تك ١٢ : ١ - ٣ ) أعطاه وعدًا مركّبًا من عدة عناصر: أجعلك أمة عظيمة - أباركك وأعظم اسمك - تكون بركة - أبارك مباركيك ولاعنك ألعنه - تتبارك فيك جميع قبائل الأرض، هذا النص لم يذكر شروطًا صريحة، بل جاء في سياق نداء إلهي تبعه وعد مباشر. ومع ذلك، كانت الاستجابة مطلوبة، لأن إبراهيم لم يكن ليختبر تمام هذه الوعود لو لم يترك أرضه وعشيرته، لكننا هنا نبدأ نلمح التوازن الدقيق بين الوعد الإلهي المطلق، والاستجابة البشرية الحرة، فهل الاستجابة كانت شرطًا للوعد؟ أم كانت الطريق لتحقيق ما وعد به الله؟ الاستجابة لم تكن شرطًا لوجود الوعد، لأن الوعد صدر من الله أولًا كمبادرة سيادية من نعمته، دون طلب واضح أو شرط صريح من ابونا إبراهيم. لكن، كانت الاستجابة هي الطريق لتحقيق الوعد فعليًا في حياته.

بمعنى آخر: الله أعلن قصده المبارك لإبراهيم، لكن هذا القصد لم يتحقق في الواقع إلا عندما أطاع إبراهيم وترك أرضه وعشيرته كما طلب الله. فالطاعة لم تُنشئ الوعد، لكنها فتحت الطريق أمام تحقيقه. وهذا يكشف عن العلاقة التكميلية بين سيادة الله التي تعلن، وحرية الإنسان التي تستجيب، إذًا، يمكننا أن نقول إن الاستجابة لم تكن شرطًا لحدوث الوعد، لكنها كانت وسيلة للدخول إلى بركة الوعد واختبار أبعاده.

 

ثانيًا: الفرق بين "العهد" و"الوعد"

من المهم أن نميز بين الوعد والعهد. فالوعد يخرج من قلب الله كإعلان عن مقصده. أما العهد، فهو العلاقة التي يدخل فيها الله مع الإنسان لضمان استمرارية هذا الوعد، وقد يتضمن العهد شروطًا ومسؤوليات متبادلة، ففي ( تك ١٥ )، يُعيد الله تأكيد وعده لإبراهيم، ويقطع معه عهدًا. والعجيب أن الله في هذا العهد هو من يمر بين قطع الذبائح وحده، وليس إبراهيم، مما يدل على أن الله يتحمل وحده مسؤولية تنفيذ العهد. هذا المشهد يشير إلى مطلقية الوعد، بمعنى أن الله ملتزم بما وعد به، لا بحسب أمانة الإنسان بل بحسب أمانته هو، لكن لاحقًا، في ( تك ١٧ ) عندما يُعطى إبراهيم علامة الختان كعلامة للعهد، يدخل عنصر المسؤولية البشرية "احفظ عهدي، أنت ونسلك من بعدك" (تك ١٧ : ٩) فهل يضع هذا شرطًا على إبراهيم ونسله؟ نعم، من ناحية العلاقة، فهناك شروط تُنتظر من الإنسان ليبقى في دائرة التمتع بالوعد، ولكن من ناحية قصد الله النهائي، فإن الله لا يتراجع عن وعده، بل يسير به عبر مسارات تاريخية قد تشمل التأديب أو الانتظار، لكنه لا يُلغيه.

 

ثالثًا: الأمانة الإلهية في وجه عدم أمانة الإنسان :

يؤكد بولس الرسول هذا المبدأ " فَمَاذَا إِنْ كَانَ قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ؟ أَفَلَعَلَّ عَدَمَ أَمَانَتِهِمْ يُبْطِلُ أَمَانَةَ الله؟ حَاشَا! بَلْ لِيَكُنِ الله صَادِقًا وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِبًا. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: "لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي كَلامِكَ، وَتَغْلِبَ مَتَى حُوكِمْتَ". (رو٣ : ٣-٤) فحتى في حالة خيانة الإنسان، الله يبقى أمينًا لوعده، وفي رسالة ( غلا ٣ ) يوضح الرسول بولس أن الميراث قد أعطي لإبراهيم بوعد، لا بالناموس، يقول " لأنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْوِرَاثَةُ مِنَ النَّامُوسِ، فَلَمْ تَكُنْ أَيْضًا مِنْ مَوْعِدٍ. وَلكِنَّ الله وَهَبَهَا لإبْرَاهِيمَ بِمَوْعِدٍ. (غلا ٣ : ١٨) هذا يؤكد أن المقصد الإلهي لا يتوقف على تحقيق شروط الناموس أو الأداء البشري، بل على أمانة الله.

 

رابعًا: المحور المسياني في وعد إبراهيم :

الوعد لإبراهيم لم يكن فقط بذرية جسدية، بل كان يحمل في طياته بذارًا مسيانيًا، أي أن المسيح هو تحقيق ذلك الوعد، كما يقول بولس " وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ. لا يَقُولُ:"وَفِي الأنْسَالِ" كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ:"وَفِي نَسْلِكَ" الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ. (غلا ٣ : ١٦) إذا، تحقيق الوعد لم يُربط فقط بأمانة إبراهيم، بل بعمل الله النهائي في المسيح. وهذا يعمّق البعد المطلق للوعد، لأنه لم يكن قائمًا على استحقاق بشري، بل على قصد إلهي يتجه نحو خلاص البشرية في المسيح.

 

خامسًا: الشروط كوسيلة، لا كأساس :

في ضوء ما سبق، يمكننا أن نقول إن الاستجابة البشرية، مثل الطاعة - الإيمان - الختان، لم تكن شرطًا لوجود الوعد، بل كانت وسيلة للتمتع به. فالوعد الإلهي يسبق، ويظل قائمًا، لكن موقف الإنسان هو ما يحدد مدى مشاركته في بركة هذا الوعد، فحينما خان نسل إبراهيم العهد، لم يُلغَ الوعد، بل صار هناك "بقية" أمناء هم الذين حفظوا الإيمان. هذه البقية تظهر في العهد القديم، وتنتقل في العهد الجديد لتتجسد في الكنيسة، حيث يشترك الأمم أيضًا في الميراث، لا لأنهم "استوفوا الشروط"، بل لأنهم دخلوا في المسيح بالإيمان، من هم "البقية" التي حفظت الإيمان؟ "البقية" في المفهوم الكتابي هم الجزء الأمين من شعب الله الذي بقي متمسكًا بالعهد مع الله رغم ارتداد الغالبية، وهم يمثلون استجابة الإيمان والطاعة داخل شعب مختار لم يكن كله أمينًا.

في العهد القديم تظهر "البقية" بوضوح عند الأنبياء، خاصة إشعياء يتحدث عن "بقية ترجع" (إش ١٠ : ٢٠ - ٢٢) استشهد هنا بهذا كنموذج وفكر اعلاني في كلمة الله، لاعلن ان في كل زمن وجيل بقية مستمرة علي عهدها بصرف النظر عن زمن الايات التالية " وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ بَقِيَّةَ إِسْرَائِيلَ وَالنَّاجِينَ مِنْ بَيْتِ يَعْقُوبَ لا يَعُودُونَ يَتَوَكَّلُونَ أَيْضًا عَلَى ضَارِبِهِمْ، بَلْ يَتَوَكَّلُونَ عَلَى الرَّبِّ قُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ بِالْحَقِّ. تَرْجعُ الْبَقِيَّةُ، بَقِيَّةُ يَعْقُوبَ، إِلَى الله الْقَدِيرِ. لأنَّهُ وَإِنْ كَانَ شَعْبُكَ يَا إِسْرَائِيلُ كَرَمْلِ الْبَحْرِ تَرْجعُ بَقِيَّةٌ مِنْهُ. قَدْ قُضِيَ بِفَنَاءٍ فَائِضٍ بِالْعَدْلِ. (إش١٠ :  ٢٠-٢٢) أي الذين سيظلون أمناء وسط الدينونة ويرجعون إلى الرب هم من يحملون مشعل الوعد الالهي لهم ولباقي النسل القادم .

ايضا إيليا ظن نفسه وحيدًا، لكن الله قال له "قد أبقيتُ لنفسي سبعة آلاف رجل لم يحنوا ركبة للبعل (١مل ١٩ : ١٨) وفي سفر صفنيا وحزقيال وعاموس، تُذكر البقية كرمز للرجاء وسط القضاء، هذه البقية لا تستحق الخلاص بأعمالها، لكنها تمثل استجابة الإيمان الحقيقي داخل الجماعة.

 

في العهد الجديد تنتقل فكرة "البقية" إلى الكنيسة، حيث يكون الأمناء من اليهود هم "البقية المختارة حسب النعمة" (رو ١١ : ٥) ويُضم إليهم الأمم الذين قبلوا المسيح، فصاروا "وارثين معًا" (أف ٣ : ٦) فالبقية الآن لا تُعرّف بالعرق أو النسب، بل بمن هو "في المسيح" لذلك "البقية" هم الذين أمنوا واستجابوا، بينما استمر وعد الله قائمًا. إنهم لا يصنعون الوعد، لكنهم يدخلون إليه بالإيمان، فيُحسبون شركاء في العهد، وهم في قلب خطة الله عبر العصور.

 

إذًا، ما نستنتجه هو أن وعد الله لإبراهيم كان مطلقًا من جهة المصدر – أي من جهة الله الذي وعد – لكنه مشروط من جهة المشاركة البشرية. فالله لا يُجبر أحدًا على قبول عطاياه، لكنه يظل أمينًا في عرضه. وهذا يُبرز التوتر الجميل بين السيادة الإلهية والحرية البشرية، فالله لا يسحب يده إذا أخطأ الإنسان، بل يدعوه إلى الرجوع والتوبة، ويُبقي أمامه فرصة الشركة. تمامًا كما دعا إسرائيل للرجوع مرارًا، ودعا الكنيسة في الرؤيا لتتوب وتغلب، فوعد الله لإبراهيم هو تجلٍّ رائع لمحبة الله غير المشروطة، وهو حجر الزاوية في فهم العلاقة بين الله والإنسان. إنه وعد مطلق من حيث قصد الله، ومفتوح من حيث تجاوب الإنسان. هو إعلان عن نعمة الله، ودعوة مستمرة لكل من يؤمن ليصير شريكًا في هذا العهد، ليس بالاستحقاق، بل بالإيمان الذي يسير على خطى إبراهيم، أب المؤمنين.

 

 ٤

 طبيعة العلاقة بين الله ونسل إبراهيم

 

حين ننظر إلى العلاقة بين الله ونسل إبراهيم، فإننا لا ننظر فقط إلى ارتباط تاريخي بين إله وشعب، بل إلى نموذج فريد من العلاقة العهدية التي تعكس مزجًا دقيقًا بين النعمة والسيادة من جهة، والمسؤولية والطاعة من جهة أخرى. هذا النموذج ليس فقط لتفسير مسيرة إسرائيل، بل هو إعلان إلهي عن كيف يعمل الله مع البشر في إطار مقاصده الخلاصية.

 

أولًا: العلاقة تنبع من وعد وليس من استحقاق :

منذ اللحظة الأولى في تكوين ١٢ تتضح المبادرة الإلهية، الله هو الذي دعا إبراهيم، وهو الذي قطع معه عهدًا، وهو الذي وعد أن يبارك نسله ويجعله أمة عظيمة. لم يكن في إبراهيم أو في نسله أي استحقاق يفرض على الله هذا الاختيار؛ بل العكس، يأتي الوعد كتعبير عن النعمة المطلقة والسيادة الحرة لله وكأنه يقول "فإني اخترتك لكي تعرفني وتخدمني وتكون لي شاهدًا بين الأمم" هذا هو جوهر الرسالة. فالاختيار لم يكن تفضيلًا عرقيًا، بل اختيار لغاية إرسالية، والنسل لم يُفضَّل لأنهم أبرّ، بل ليكونوا وسيلة لإعلان الله ومجيء المسيح، كما يُفهم لاحقًا من رسالة بولس " الَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلَهُمُ التَّبَنِّي وَالْمَجْدُ وَالْعُهُودُ وَالاشْتِرَاعُ وَالْعِبَادَةُ وَالْمَوَاعِيدُ، وَلَهُمُ الآبَاءُ، وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ، الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلهًا مُبَارَكًا إِلَى الأبَدِ. آمِينَ. (رو٩ : ٤-٥)

 

ثانيًا: العلاقة عهدية، لا مجرد وعد شخصي :

في تكوين ١٥ وبعد وعد الله لإبراهيم، يُقام عهد دموي يكرّس هذا الارتباط. ثم في تكوين ١٧ يُعاد تأكيد العهد مع إدخال علامة الختان كعلامة ظاهرية. هذا العهد له شقّان:

١ - شقّ سيادي إلهي : الله يتعهد بأن يكون لإبراهيم نسل، وأرض، وبركة.

٢ - وشقّ إنساني استجابي: يتمثل في الإيمان والطاعة والحفاظ على علامة العهد.

من هنا نفهم أن العلاقة ليست علاقة انتماء بالوراثة فقط، بل هي ارتباط بشخص الله وعهده، ولهذا نرى أن كثيرين من نسل إبراهيم بحسب الجسد لم يكونوا دائمًا أمناء، بل أن بعضهم قُطع من شعب الله، لأنهم لم يسلكوا في الإيمان.

 

ثالثًا: العلاقة تشمل الداخلين في الإيمان، لا الخارجين فقط من صلب إبراهيم :

في رسالة رومية، يشرح بولس هذه النقطة بوضوح " ..... لأنْ لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلا لأنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ هُمْ جَمِيعًا أَوْلادٌ. بَلْ "بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ". (رو٩ :  ٦-٧) ما يعني أن العلاقة الحقيقية ليست جسدية أو عرقية، بل إيمانية وروحية. هذا يوسّع المفهوم من نسل جسدي إلى نسل روحي، ويقودنا إلى الفهم بأن "أولاد الوعد" هم الذين يسيرون في طريق الإيمان، لا فقط الذين ينتمون إلى سلالة إبراهيم بحسب الجسد، حتى في العهد القديم، كان هناك وعي بهذا، فالأنبياء مثل إشعياء وإرميا  وجّهوا لومًا إلى الشعب حين اعتمدوا على نسبهم لإبراهيم، بينما قلوبهم كانت بعيدة عن الله، يقولون لنا الهيكل بينما هم لا يعرفونه حقًا " لا تَتَّكِلُوا عَلَى كَلامِ الْكَذِبِ قَائِلِينَ: هَيْكَلُ الرَّبِّ، هَيْكَلُ الرَّبِّ، هَيْكَلُ الرَّبِّ هُوَ! (أر ٧ : ٤) ويتابع العهد الجديد هذا الخط اللاهوتي، مؤكدًا أن البنوة الحقيقية تُقاس بالإيمان، لا بالدم. فالإيمان هو الذي يربط الإنسان بالوعد، وليس الانتماء العرقي أو ممارسة طقوسية فارغة. لذلك فإن الكنيسة – جسد المسيح – تضم اليهود والأمم معًا، ما داموا يشتركون في الإيمان ذاته. هذه الرؤية تعكس قصد الله منذ البداية: أن يكوّن شعبًا له، ليس من خلال النسب فقط، بل من خلال قلب مؤمن ومطيع. وهكذا يصبح نسل إبراهيم الحقيقي هم الذين يسيرون على خطى إيمانه، لا مجرد ورثته حسب الجسد. فالاختيار دائمًا ما يُترجم إلى علاقة حية بالله، لا إلى امتياز جامد.

 

رابعًا: العلاقة مؤسسة على الأمانة الإلهية، لكنها تتفاعل مع أمانة الإنسان :

الله لا يتراجع عن وعوده "  لأنَّ هِبَاتِ الله وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلا نَدَامَةٍ. (رو ١١ : ٢٩) لكنه أيضًا لا يُجبر أحدًا على البقاء في دائرة العهد. لهذا، نجد توازنًا في علاقة الله بنسل إبراهيم، هناك أمانة إلهية مطلقة، لا يُنقض الله عهده ولا يتراجع عن مقاصده الخلاصية، وهناك حرية بشرية مؤثرة، من يرفض الله لا ينال بركات العهد، حتى لو كان من نسل إبراهيم، من هنا نفهم لماذا يظهر دائمًا مفهوم "البقية الأمينة" في التاريخ المقدس، وهي تلك الجماعة التي بقيت أمينة لله وسط الارتداد العام.

 

خامسًا: العلاقة تجد كمالها في المسيح :

في العهد الجديد، نكتشف أن العلاقة بين الله ونسل إبراهيم لا تُفهم بالكامل إلا في شخص يسوع المسيح، الذي يُعلن كنسل إبراهيم الحقيقي (غلا ٣ : ١٦)، والذي فيه تتبارك جميع الأمم، كما وعد الله في تكوين ١٢ بل وأكثر من ذلك، يعلن بولس: "فإن كنتم للمسيح، فأنتم إذًا نسل إبراهيم، وحسب الموعد ورثة" (غلا ٣ : ٢٩) هذا الإعلان يحوّل العلاقة من الانتماء الجسدي إلى الانتماء الروحي بالمسيح، فكل من يؤمن بالمسيح يدخل في علاقة العهد، ويصير من نسل إبراهيم، ليس بحسب الجسد بل بحسب الموعد، فالعلاقة علاقة دعوة لا امتياز فقط، في ضوء ما سبق، العلاقة بين الله ونسل إبراهيم ليست علاقة تمييز، بل علاقة دعوة ومسؤولية. الله اختار ليعلن، ودعا ليخلّص، وعاهد ليبارك، لكنه لا يُجبر على الطاعة، ولا يُقصي من يأتون إليه بالإيمان من الشعوب الأخرى، هذه العلاقة تتأسس على النعمة، لكنها لا تُثمر إلا عندما تقابلها الطاعة والإيمان، وما بدأ مع إبراهيم كدعوة، يتسع في المسيح ليشمل كل من يسلك في الإيمان، يهودًا كانوا أم أممًا، لأن في المسيح وحده تتم كل مواعيد الله.

 

ارتباط المصطلحات بعضها ببعض تقود الى نتائج تحليلية تظهر طبيعة العلاقة بين الله ونسل إبراهيم:

فنري نعمة الاختيار السيادي + الوعد الإلهي + العهد القائم على الأمانة الإلهية + الإستجابة البشرية بالإيمان والطاعة + اتساع العلاقة لتشمل المؤمنين من الأمم = علاقة عهدية تتأسس على النعمة، وتُفَعّل بالإيمان، وتكتمل في المسيح

شرح موجز:

في نعمة الاختيار السيادي: نري الله هو الذي بادر بدعوة إبراهيم دون استحقاق سابق، مما يدل على النعمة المطلقة. وفي الوعد الإلهي: الوعد لم يُبنى على صلاح أبونا إبراهيم أو عرقه، بل على مقاصد الله في البركة والخلاص. ومن الوعد نري العهد القائم على الأمانة الإلهية: العهد لا يُنقض بسبب خيانة الإنسان، بل يبقى مستندًا إلى ثبات الله. وهذا يتطلب الإستجابة البشرية بالإيمان والطاعة: فلا يستفيد من العهد إلا من يستجيب له بالإيمان العملي. ولذلك فإمكانية عدم الأمانة من البعض تجعل ظهورا لما يسمي بالبقية: فحين يبتعد الشعب، تبقى "بقية" أمينة تمثل الخط الإيماني الحقيقي. هذا يجعلنا نري في الله ومعانلاته اتساع العلاقة لتشمل المؤمنين من الأمم: من خلال المسيح، يدخل غير اليهود في نفس العلاقة العهدية بالإيمان. لذلك فالنهاية في المسيح: "فإن كنتم للمسيح، فأنتم إذًا نسل إبراهيم، وحسب الموعد ورثة" (غلا 3: 29) فالعلاقة تبلغ كمالها في المسيح، حيث لا تُقاس بالجسد بل بالإيمان، يعتبر السؤال عن طبيعة الإختيار الإلهي – هل هو اختيار نسل أم اختيار قلب – من أكثر الأسئلة اللاهوتية حساسية وعمقًا. لأنه لا يمس فقط فهمنا لعمل الله مع إبراهيم ونسله، بل ينعكس على رؤيتنا لهوية "شعب الله" في كل العصور، ويمتد ليطال مفهوم الخلاص نفسه. فهل اختار الله نسلًا جسديًا، أم كان اختياره من البداية موجّهًا إلى الإيمان القلبي؟ وهل تعني البنوة الجسدية ضمانًا إلهيًا، أم أن القلب هو مفتاح العهد؟

 

سادسا: الشهادة الكتابية – بين النسل والجنس والقلب :

في بدايات الإعلان الإلهي، وتحديدًا في دعوة إبراهيم، يظهر وعد الله بإعطائه نسلًا عظيمًا: "أجعلك أمة عظيمة... وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض" (تك ١٢ : ٢ - ٣). ومع أن الوعد شمل البعد الجسدي للنسل، إلا أن الإعلان لم يربط البركة بالدم فقط، بل بالإيمان والطاعة. وهذا ما أكّده لاحقًا الكتاب، حين أعلن أن "آمن إبراهيم بالله فحُسب له برًا" (تك 15: 6). فالبركة لم تكن مرتبطة بإنجابه إسحاق فقط، بل بإيمانه بالوعد، وفي رسالة رومية، يوضح الرسول بولس أن الانتماء الجسدي لا يكفي: "ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليين، ولا لأنهم من نسل إبراهيم هم جميعًا أولادًا" (رو ٩ : ٦ - ٧). هنا يظهر أن النسل الجسدي وحده لا يكفل البنوة الإلهية. بل إن "أولاد الوعد" هم الذين يسيرون في خط الإيمان، هذا التمييز كان موجودًا في العهد القديم أيضًا، إذ يشير سفر التثنية إلى أهمية القلب: "فَاخْتَتِنُوا غُرْلَةَ قُلُوبِكُمْ، وَلا تُصَلِّبُوا رِقَابَكُمْ بَعْدُ" (تث 10: 16). فالعلامة الجسدية – الختان – لم تكن في حد ذاتها كافية، بل كان يجب أن يرافقها تحول قلبي.

 

سابعا: الأنبياء وموقفهم من النسب والتدين الخارجي :

أحد أهم أصوات العهد القديم في هذا الشأن هم الأنبياء، الذين تحدثوا بصراحة عن رفض الله للدين الظاهري الفارغ. فالنسب الجسدي لم يمنع توجيه الاتهام إلى الشعب، حين كانت قلوبهم مبتعدة عن الله، فإرميا مثلًا يقول للشعب: "لا تتكلوا على كلام الكذب قائلين: هيكل الرب، هيكل الرب... هو!" (إر ٧ : ٤)، وكأن مجرّد وجودهم في الهيكل أو انتمائهم له لا يضمن رضا الله، أما إشعياء، فيوبخهم قائلًا: "هذا الشعب يقترب إليّ بفمه، ويكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيدًا" (إش ٢٩ : ١٣). أي أن الله كان دائمًا ينظر إلى القلب لا إلى الشكليات، ولا إلى السجل العائلي، وفي ملاخي، نقرأ رفضًا واضحًا لفكرة "الامتياز التلقائي"، إذ يتساءل الرب: "أليس عيسو أخًا ليعقوب؟ يقول الرب. وأحببت يعقوب وأبغضت عيسو" (ملا ١ : ٢ - ٣). وهنا يظهر أن الاختيار لم يكن مبنيًا على أساس طبيعي أو نسبي، بل على قصد إلهي مرتبط بالنعمة والمستقبل الخلاصي.

 

ثامنا: التفسير الرسولي والاختيار في المسيح :

في العهد الجديد، يأخذ هذا المفهوم بعدًا أعمق. فبولس يشرح في رسالته إلى أهل غلاطية أن "الذين هم من الإيمان، أولئك هم أبناء إبراهيم" (غل 3: 7)، مؤكدًا أن "ليس اليهودي من الظاهر، ولا الختان في الظاهر في الجسد... بل اليهودي هو الذي في الخفاء، وختان القلب بالروح" (رو ٢ : ٢٨ - ٢٩) هذا التحول اللاهوتي لا يلغي الإختيار الإلهي، بل يكشف عمقه الحقيقي. فالله لم يختر نسلًا لذاته، بل اختار قلبًا يسير في الإيمان والطاعة، فالمسيح هو النسل الحقيقي لإبراهيم، ومن خلاله صار كل من يؤمن – من اليهود أو الأمم – شريكًا في الوعد، وهكذا يتضح أن الكنيسة لم تلغِ إسرائيل، بل هي امتداد لإسرائيل الحقيقي، أي نسل الإيمان. فالبقية المؤمنة من اليهود، والمؤمنون من الأمم، يتّحدون في المسيح، ويصيرون "جنسًا مختارًا، كهنوتًا ملوكيًا، أمة مقدسة، شعب اقتناء" (١بط ٢ : ٩) فالاختيار الإلهي، بحسب الإعلان الكتابي، ليس تمييزًا عرقيًا ولا امتيازًا وراثيًا، بل هو تعبير عن قصد الله في أن يكوّن لنفسه شعبًا يسلك في الإيمان والطاعة. فالله لم يختر نسلًا بقدر ما اختار قلبًا. وهذا ما ينسجم مع طبيعته غير المحابية، كما أُعلن عنه في الكتاب المقدس: "لَيْسَ عِنْدَ الله مُحَابَاةٌ" (رو 2: 11) القلب هو مركز العلاقة، والنسل ليس ضمانًا إلا إذا سار على طريق الإيمان. وهكذا يصبح كل من يؤمن هو من نسل إبراهيم، ويرث البركة، ويتمتع بالعهد، لأن الاختيار الإلهي هو في جوهره دعوة للحب والشركة، لا للتمييز أو الاستبعاد.

 

 

الفصل الثاني

امتيازات شعب إسرائيل

 

 

 ١

  نعمة أم مسؤولية؟

 

منذ اللحظة التي دعا فيها الله إبراهيم، بدا أن هناك خطة إلهية متميزة، يتخللها اختيار إلهي لشعب يُفترض أن يكون نورًا للأمم. وهذا ما تطور لاحقًا ليُعرف بـ"شعب إسرائيل". هذا الشعب لم يُختر لأنهم الأفضل عددًا أو استحقاقًا، بل لأن الله أحبهم " لَيْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ، الْتَصَقَ الرَّبُّ بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ، لأنَّكُمْ أَقَلُّ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ. بَلْ مِنْ مَحَبَّةِ الرَّبِّ إِيَّاكُمْ، وَحِفْظِهِ الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمَ لآبَائِكُمْ، أَخْرَجَكُمُ الرَّبُّ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ. (تث ٧ : ٧ - ٨) أراد أن يعمل من خلالهم إعلان نعمة للعالم. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كانت هذه الامتيازات نعمة فقط؟ أم مسؤولية عظيمة أيضًا؟ وهل فهم إسرائيل هذه الديناميكية؟ إنها امتيازات لا تُنكر  فمن منظور الكتاب المقدس، كانت لإسرائيل إمتيازات فريدة. يذكرها بولس الرسول في ( رو ٩ : ٤ - ٥) قائلًا: "الَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلَهُمُ التَّبَنِّي، وَالْمَجْدُ، وَالْعُهُودُ، وَالاشْتِرَاعُ، وَالْعِبَادَةُ، وَالْمَوَاعِيدُ، وَلَهُمُ الآبَاءُ، وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَد" هذه الامتيازات تمثل تراثًا لاهوتيًا وثقافيًا وروحيًا لا يُستهان به، وقد خصّ الله إسرائيل بإعلانات مباشرة، شريعة مكتوبة، هيكل، ذبائح، ومواعيد نبوية تمهد الطريق للمسيّا.

 

الامتياز نعمة... ولكن : هذه الامتيازات هي منحة إلهية، تُعبّر عن نعمة الله الحرة، ولكنها لا تعني أن الشعب كان مستثنًى من الطاعة أو الإيمان. بل على العكس، الامتياز ذاته يولّد مسؤولية. فالمعرفة تُحمّل صاحبها أمانة، والنور يستدعي السلوك بحسبه، والنموذج الأعلى لهذه الديناميكية نجده في الرب يسوع المسيح، الذي له كل الامتيازات الإلهية، ولكن في طاعته حتى الموت "  الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ الله، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلا لِلهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. (فى٢ :  ٦-٨) فالرب علّمنا أن الامتياز يتطلب اتضاعًا ومسؤولية، فشعب إسرائيل لم يُختر فقط لينعم بالله، بل ليُعلن مجده بين الأمم، في سفر إشعياء، يُسمّى الشعب مرارًا بـ"شهود الرب" أَنْتُمْ شُهُودِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَعَبْدِي الَّذِي اخْتَرْتُهُ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا بِي وَتَفْهَمُوا أَنِّي أَنَا هُوَ. قَبْلِي لَمْ يُصَوَّرْ إِلهٌ وَبَعْدِي لا يَكُونُ. (إش ٤٣ : ١٠) هذا يعني أن امتيازهم لم يكن ليجعلهم متفوقين على الآخرين بغرور، بل ليجعلهم قناة بركة، ومن هنا، فإسرائيل كان عليهم أن يحفظوا الوصايا لأنهم أول من تسلموا الشريعة من الله مباشرة، التي تجعلهم اصحاب مسئولية ليعيشوا في قداسة " وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً...(خر ١٩ : ٦) لذلك عليهم أن  يُظهروا عدل الله عبر النظام القضائي والرحمة للضعيف، ويعلنوا الله للأمم بأن يكونوا برهانًا عمليًا على صلاحه وحقه.

 

التاريخ يشهد أن كثيرين من شعب إسرائيل أساءوا فهم امتيازهم، فتحوّل من نعمة ومسؤولية إلى ادّعاء واستعلاء. فقد اعتمد البعض على نسبهم الجسدي لإبراهيم، لا على سلوك الإيمان. وهذا ما عاتبه يسوع بحدة في إنجيل (يوحنا ٨ : ٣٩ – ٤٤) عندما قال لهم " أَجَابُوا وَقَالُوا لَهُ:"أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ". قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:"لَوْ كُنْتُمْ أَوْلادَ إِبْرَاهِيمَ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ! (يو ٨ : ٣٩) إن تحوُّل الامتياز إلى مصدر كبرياء روحي، أمر خطير، لأنه يفصل بين الامتياز وبين طبيعته كأمانة. فبدون الإيمان، حتى الامتياز يتحول إلى دينونة، كما قال الرسول يعقوب "  فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلا يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ. (يع ٤ : ١٧) فعندما يمنح انسانا امتيازا ويستغل هذا الامتياز في دوائر الكبرياء والتعالي على من حوله فقد وضع نفسه في دوائر الادانه لان ذلك خطيه

 

امتياز ينتقل في المسيح : المسيح جاء ليكمل مشروع الله الخلاصي. لم يُلغِ امتياز إسرائيل، بل أظهر أنه في المسيح فقط يتم التمتع الحقيقي به، فمن آمن بالمسيح من اليهود أو من الأمم، دخل إلى عهد النعمة، وأصبح من (إسرائيل الله = اسرائيل الروحية) " فَكُلُّ الَّذِينَ يَسْلُكُونَ بِحَسَبِ هذَا الْقَانُونِ عَلَيْهِمْ سَلامٌ وَرَحْمَةٌ، وَعَلَى إِسْرَائِيلِ الله (غلا ٦ : ١٦) وهكذا، أصبحت الكنيسة امتدادًا جديدًا لفكرة "الشعب المختار"، لا بالجسد، بل بالإيمان، لا بالناموس، بل بالنعمة، هذا لا يعني أن الله رفض إسرائيل، بل أنه "أمّا البقية المختارة فقبلها بالنعمة" (رو ١١ : ٥) الامر أصبح يشمل كل من يؤمن وليس قاصرا علي فئة دون الأخري

 

إن التأمل في امتيازات إسرائيل يُرينا أن الله يعمل بالتدريج، ويعلّم شعبه عبر التاريخ، ويُخرج من ضعفهم قوة، والامتياز الحقيقي هو ليس ما نمتلكه، بل كيف نعيشه، كل امتياز يُعطى، يحمل معه دعوة، وكل دعوة تتطلب أمانة، والله في محبته لا يتراجع عن عطاياه، لكنه يطالب بالأمانة من الذين استلموها، لذلك من يُعطى كثيرًا، يُطلب منه كثيرًا (لوقا ١٢ : ٤٨) امتيازات إسرائيل هي نعمة حقيقية، لكنها لم تعطي يومًا لتكون سببًا للكبرياء، بل حافزًا للأمانة والشهادة، فالله لا يُعطي كي يُدلّل، بل كي يُكلّف، ولا يُبارك كي يميّز، بل كي يُرسل. وهكذا يفهم المختارون دعوتهم، أنهم شهود لنعمة الله، وأن "الاختيار" لا يعني تمييزًا، بل مسؤولية تجاه العالم, فحين نتأمل في قصة إسرائيل من منظور الإعلان الإلهي، نجد أن الله قد منحهم امتيازات استثنائية لم تُعطَ لأمة أخرى. هذه الامتيازات لم تكن عشوائية ولا اعتباطية، بل كانت تعبيرًا عن قصد الله الخلاصي للعالم أجمع، من خلال شعب يبدأ به الإعلان ويصل إلى جميع الأمم.

 

الامتيازات كما كتبها الوحي بفم الرسول بولس :

أولًا: التبني – الانتماء الخاص لله:

يبدأ بولس الرسول لائحة الامتيازات بكلمة "التبني" (رو ٩ : ٤)، مشيرًا إلى أن إسرائيل كانوا يعتبرون "الإبن البكر لله" (خر ٤ : ٢٢). هذا التعبير يُظهر علاقة متميزة بينهم وبين الله، ليست فقط علاقة خالق ومخلوق، بل علاقة أب بابنه. لم يكن هذا التبني مبنيًا على استحقاق، بل على محبة واختيار إلهي. لقد عامل الله إسرائيل كابن يربيه ويؤدبه (تث ٨ : ٥) ويهبه ميراثًا، ويصنع معه عهدًا، واضعًا في الصدارة امتياز "التبني" (رو ٩ : ٤) ويستخدم الكلمة اليونانية υἱοθεσία (huiothesia)، التي تعني "وضع شخص في مقام الابن". وهي مكوّنة من جزئين: υἱός (huios) أي "ابن"،  و θέσις (thesis) أي "تعيين" أو "تثبيت" الله لم يكتفِ باختيار إسرائيل، بل منحهم امتياز البنوة الإلهية كشعبه الخاص، هذه الفكرة تجد جذورها العميقة في العهد القديم، حيث يقول الله لفرعون: «إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ» (خر ٤ : ٢٢) هنا نلتقي بالكلمة العبرية בְּנִי בְּכֹרִי (beni bekhori)، أي "ابني البكر" فإسرائيل لم يكن مجرد أمة بين الأمم، بل كان له مقام الابن البكر الذي يتمتع بأولوية العلاقة والامتياز الروحي، هذه البنوة لم تكن خالية من المسؤولية، إذ يضيف الله في (تث ٨ : ٥) «كَمَا يُؤَدِّبُ الإنْسَانُ ابْنَهُ، قَدْ أَدَّبَكَ الرَّبُّ». الكلمة العبرية هنا יְיַסֵּר (yeyasser) تعني "يؤدب"، وتؤكد أن الله لم يعامل إسرائيل فقط كأبٍ محب، بل كأبٍ مربٍ ومقوم، كل هذه الصور ترتبط بكلمة محورية: בֵּן (ben) في العبرية، وفي اليومانية υἱός (huios) فالبنوة في المفهوم الكتابي لا تعني فقط المحبة والاختيار، بل تحمل في طياتها التأديب والتعليم والتقويم، وهكذا، فإن التبني الإلهي لإسرائيل هو إعلان مزدوج، نعمة الامتياز، ومسؤولية الطاعة، لقد نالوا البنوة كهبة، ولكن طُلب منهم أن يسلكوا بمقتضاها، لأن من يُدعى "ابن لله"، لا بد أن يُشبه أباه

 

ثانيًا: المجد – حضور الله الساكن وسطهم:

من الامتيازات التي نالها شعب إسرائيل في العهد القديم هو أن يسكن الله في وسطهم، لم يكن هذا مجرد امتياز ديني أو تعبير رمزي عن العلاقة بالله، بل كان واقعًا ملموسًا محسوسًا له مجده ورهبته "المجد" يشير إلى "شِخيناه - שְׁכִינָה - Shekhinah " وهي كلمة عبرية تشير إلى سُكنى الله وسط شعبه. هذا الحضور المجيد بدأ بحلول مجد الله في خيمة الاجتماع، حين نقرأ: «فَغَطَّى السَّحَابُ خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ، وَمَجْدُ الرَّبِّ مَلأ الْمَسْكَنَ» (خر ٤٠ : ٣٤). لم يكن هذا السحاب رمزًا مجردًا، بل حضورًا إلهيًا فعليًا، له واقع على الأرض وعلى الشعب، يقودهم في البرية في عمود السحاب نهارًا، وعمود النار ليلًا، ويرافقهم في رحلتهم، بل ويسكن وسطهم في قدس الأقداس. لم تنل أي أمة أخرى هذا الامتياز، فهو إعلان خاص لشعب العهد.

 

الكلمة الأساسية للمجد في العهد القديم هي "כָּבוֹד" وتنطق كافود أو كابود. وهي تحمل معاني مثل الثقل، الجلال، الكرامة، والعظمة، وتشير إلى الثقل الروحي والمعنوي للحضور الإلهي. استخدام هذا المصطلح لم يكن اعتباطيًا، بل يعكس خبرة واقعية للشعب مع الله، كان مجده مرئيًا ومحسوسًا، وترافق مع ظهوره في أماكن خاصة، مثل المسكن (خر ٤٠ : ٣٤) والهيكل لاحقًا، ليعلن أن الله في وسط شعبه، يقودهم ويؤدبهم ويباركهم، إن "كافود" ليست مجرد صفة لله، بل تعبير عن حضوره نفسه، حضوره الذي لا يُحتمل إلا مع الطهارة والتقديس، فحين كان المجد يملأ المسكن، لم يستطع موسى نفسه الدخول (خر ٤٠ : ٣٥) لأن المجد يفوق قدرة الإنسان على الاقتراب بدون وساطة.

 

في العهد الجديد، نجد الكلمة المقابلة في اليونانية، وهي "δόξα" وتنطق دوكسا. هذه الكلمة تحمل معاني البهاء، الجلال، الرهبة، والكرامة، وهي غالبًا ما تُستخدم للإشارة إلى الحضور الإلهي المعلن، أو حتى لمجد المسيح نفسه (رو ٩ : ٤) «وَلَهُمُ التَّبَنِّي، وَالْمَجْد...» قاصدًا بذلك ما نالوه من حضور الله الساكن في وسطهم عبر الهيكل وخيمة الاجتماع، لكن في العهد الجديد، تأخذ كلمة "دوكسا" بعدًا أعمق، إذ تُستخدم أيضًا لوصف مجد الابن المتجسد، في (يو ١ : ١٤) نقرأ «والكلمة صار جسدًا، وحلّ بيننا، ورأينا مجده، مجدًا كما لوحيدٍ من الآب، مملوءًا نعمة وحقًا». هنا، يُعلن الإنجيل أن مجد الله لم يعد محصورًا في هيكل من حجارة، بل ظهر في شخص يسوع المسيح نفسه، "شِخيناه" الجديدة الحيّة، الذي سكن بين البشر.

الرب ساكن وسطهم: بركة وجلال وتأديب، مجد الله كان دائمًا مرتبطًا بثلاثة أمور: البركة، الجلال، والتأديب. بركة لأنه يعني أن الله في وسط شعبه يعطيهم السلام والنصرة، وجلال لأنه إعلان عن عظمته السامية التي لا يُقارَب منها باستخفاف، وتأديب لأنه حين يتمرد الشعب، يتحول المجد أحيانًا إلى نار تأكل، كما حدث في أيام اللاويين، وفي مراحل الارتداد، كان انسحاب المجد علامة على الدينونة، كما في رؤيا حزقيال (حز ١٠ – ١١) حيث يرى النبي مجد الله يترك الهيكل، علامة على رفض الله لسكنى وسط شعب متمرد، "المجد" ليس مجرد وصف لله، بل هو تجلي حضوره في وسط شعبه. من خيمة الاجتماع إلى الهيكل، ومن الدوكسولوجيا اليونانية إلى المسيح المتجسد، يبقى المجد هو البرهان الأعظم على أن الله معنا، يسكن بيننا، يقودنا، يقدسنا، ويؤدبنا إن لزم الأمر. هذا الحضور الإلهي، الذي لم يُعطَ لأمم أخرى، هو في ذاته عربون السماء، وبه تُقاس قيمة كل جماعة أو إنسان، هل مجده ساكن في الوسط أم ماذا؟

 

ثالثًا: العهود – علاقة تعاقدية فريدة :

من أبرز ما ميّز شعب إسرائيل في خطة الله هو أنه أقام معهم عهودًا إلهية متتالية، كانت بمثابة إعلان خاص عن محبته وتعامله الثابت معهم. هذه العهود لم تكن اتفاقات وقتية أو مشروطة بشروط بشرية فقط، بل كانت عهودًا إلهية مقدسة، تعبر عن أمانة الله وسيادته، وتُظهر تصميمه على إعلان ذاته لشعب خاص به، رغم سقوطهم المتكرر.

العهود الأساسية الثلاثة التي أقامها الله مع شعبه هي: عهد الله مع إبراهيم - ثم عهد سيناء مع موسى - وأخيرًا عهد المُلك مع داود.

١ - عهد إبراهيم ( تك ١٢ و ١٥ و ١٧ ) : فيه وعد الله أن يصنع من إبراهيم أمة عظيمة، ويباركه، ويجعله بركة لجميع الأمم «وَقَالَ الرَّبُّ لأبْرَامَ: ٱذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ... فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً، وَأُبَارِكُكَ، وَأُعَظِّمُ ٱسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ، وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ ٱلْأَرْضِ».( تك ١٢ ١ - ٣ ) كان هذا العهد قائمًا على الإيمان «فَأَخْرَجَهُ إِلَى خَارِجٍ وَقَالَ: ٱنْظُرِ إِلَى ٱلسَّمَاءِ وَعُدَّ ٱلنُّجُومَ... هَكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ. فَآمَنَ بِالرَّبِّ، فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا.» ( تك ١٥ : ٥ - ٦ ) التأكيد على أن العهد قائم على الإيمان، لا على الأعمال؛ بداية العلاقة بالإيمان، ووعد بنسل، وأرض، وبركة «فِي ذلِكَ ٱلْيَوْمِ قَطَعَ ٱلرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلًا: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ ٱلْأَرْض...» ( تك ١٥ : ١٨ ) إعلان الأرض كجزء من الوعد، وتأكيد أن العهد تم "قطعه" بمبادرة إلهية،  وقد أكد الله هذا العهد بختم الختان كعلامة جسدية مستمرة في الأجيال «هذَا هُوَ عَهْدِي ٱلَّذِي تَحْفَظُونَهُ... يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ... فَيَكُونُ عَلامَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.» ( تك ١٧ : ١٠ - ١١ ) هو عهد تأسيسي يشير إلى نعمة الله، ويُظهر أن العلاقة تبدأ بوعد إلهي، لا باستحقاق بشري أو أعمال، بل إلى وعد إلهي ثابت يُبنى على الإيمان. ويُظهر هذا العهد نعمة الله في اختيار شخص واحد ليكون بركة لجميع الشعوب. وقد أصبح هذا العهد أساسًا لكل ما سيأتي لاحقًا في خطة الفداء.

 

٢ - عهد موسى ( خر ١٩ : ٢٤ ): أُعطي هذا العهد في سيناء بعد خروج إسرائيل من مصر  «فَصَعِدَ مُوسَى إِلَى ٱللهِ. فَنَادَاهُ ٱلرَّبُّ مِنَ ٱلْجَبَلِ قَائِلًا:... إِنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي، تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً... وَتَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً.» ( خر ١٩ : ٣ - ٦ ) هذا هو تأسيس العهد في سيناء، مشروط بطاعة الشعب، ويُظهر دعوتهم للقداسة والانفصال كأمة لله، وضمّن الشريعة (الوصايا العشر) والذبائح والنظام التعبدي. ( خر ٢٠ ١ - ١٧ ) يُمثل هذا النص قلب الشريعة التي كانت مركز عهد موسى، ويعبّر عن قداسة الله، والمطالبه الأخلاقية والروحية من شعبه، وعبّر هذا العهد عن قداسة الله، وعلّم الشعب كيف يسلك في حضرته، مؤكدًا أن العلاقة مع الله تتطلب الطاعة، والتقديس، والانفصال عن الشر ( خر ٢٤ : ٣ - ٨ )  كما كان هذا العهد يحتوي أيضًا على البركات للطاعة واللعنات للعصيان ( اقرأ تث ٢٨ ) بركات الطاعة تؤكد أن العلاقة مع الله في هذا العهد ترتبط بالاستجابة والطاعة، كما يوضح بجلاء أن العصيان يقود إلى اللعنة، مما يبرز جدية الالتزام بالعهد، فعهد موسى هو اتفاق إلهي مشروط يعبّر عن قداسة الله ورغبته في شركة مع شعب مفدي. فيه يعلّم الله شعبه كيف يسلكون في حضرته عبر الطاعة، والتقديس، والاقتراب بالتقدمة. ويبرز هذا العهد ثنائية واضحة بين البركة للطاعة واللَعنة للعصيان، مؤكدًا أن العلاقة مع الله ليست بلا مسؤولية.

 

٣ - عهد داود ( ٢صم ٧ ) :وعد الله داود بأن نسله سيجلس على العرش إلى الأبد «أُقِيمُ بَعْدَكَ نَسْلَكَ... وَأُثَبِّتُ مَمْلَكَتَهُ... وَيَكُونُ بَيْتُكَ وَمَمْلَكَتُكَ أَمَامِي إِلَى ٱلْأَبَدِ. كُرْسِيُّكَ يَكُونُ ثَابِتًا إِلَى ٱلْأَبَدِ.» ( ٢صم  ٧: ١٢ - ١٦ )، (مزمور  ٨٩ ٣ ٤ ،  ٢٨ - ٣٧ )( اش ٩ : ٦ , ٧ )  وعد يحمل بعدًا مسيانيًا واضحًا، إذ لا يمكن أن يتم إلا في شخص أبدي، المسيح الآتي من نسل داود هو الملك الأبدي، وهو الذي يحقق الرجاء الكامل للعهد، الرب أقسم أن يُقيم نسل داود على العرش، مما يبيّن ثبات هذا العهد رغم شرط الطاعة " أَقْسَمَ ٱلرَّبُّ لِدَاوُدَ... إِنْ حَفِظَ بَنُوكَ عَهْدِي... أُجْلِسُهُمْ أَيْضًا إِلَى ٱلْأَبَدِ.» ( مز ١٣٢ : ١١ - ١٢ ) ( ار ٢٣ : ٥ - ٦ ) هذه العهود الثلاثة تشكل إطارًا إلهيًا فريدًا لعلاقة الله بشعبه، وقد أُبقي عليها رغم فشل الإنسان، لأن الله أمين في وعوده. وفي العهد الجديد، نرى كيف أن المسيح هو تتميم هذه العهود جميعها " «هُوَذَا سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ٱبْنًا... وَيُعْطِيهِ ٱلرَّبُّ ٱللهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى ٱلْأَبَدِ.» ( لو ١ : ٣١ - ٣٣ ) إعلان الملاك لمريم يؤكد أن يسوع هو الملك الموعود من نسل داود، الذي سيملك إلى الأبد، إذ جمع في ذاته نسل إبراهيم، وشريعة موسى، وعرش داود، ليؤسس عهدًا جديدًا في دمه، عهد النعمة والحق، عهد لا يُنقض أبدًا ( أع ١٣ : ٢٢ - ٢٣ ) يربط بوضوح بين وعد الله لداود، وتميمه في يسوع المسيح «... هُوَذَا قَدْ غَلَبَ ٱلْأَسَدُ ٱلَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، أَصْلُ دَاوُدَ...» ( رؤ ٥ : ٥ ) يسوع في المجد ك وارث النبوة من ابراهيم الي ظاود مرورا بموسي ليصير هو ملكها الأبدي، فعهد داود يتمحور حول وعد بملك أبدي يأتي من نسله، وقد رأى أنبياء العهد القديم هذا الملك كالمسيح الموعود، الذي يملك ببر وسلام. رغم فشل الملوك الذين تبعوا داود، ظل الوعد قائمًا لأن الله أمين في عهوده. في شخص يسوع المسيح، نرى ذروة هذا العهد، إذ يجمع فيه بين الملوكية، والبر، والأبدية، ويُقيم عهدًا لا يُنقض.

رابعًا: الاشتراع – تسليم اسرائيل الشريعة من الله مباشرة :

يُعد تسلُّيم إسرائيل للناموس من الله مباشرة من أعظم الامتيازات التي ميزتهم عن سائر الأمم. ففي لحظة فريدة من تاريخ البشرية، اقترب الله من شعبه بصوت مسموع، وأعطاهم شريعته على جبل سيناء، من خلال موسى النبي، كما جاء في (خر ١٩ و ٢٠). لم تكن هذه الشريعة مجرد مجموعة من الوصايا أو القواعد الأخلاقية العامة فقط، بل كانت نظامًا إلهيًا متكاملًا يغطي جميع جوانب الحياة، العبادة - العلاقات الإنسانية - القوانين المدنية - الطهارة - الذبائح - القضاء، وحتى التعليمات اليومية، كان الغرض من الناموس هو أن يعيش الشعب في علاقة صحيحة مع الله، وأن يتميزوا عن سائر الشعوب كأمة مقدسة، فقد قال الرب لموسى: «وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً» (خر ١٩ : ٦). الشريعة كانت إعلانًا مباشرًا لإرادة الله، ليست صادرة عن إنسان أو مؤسسة دينية، بل من فم الله نفسه، لذا لها سلطان لا يُقارن.

 

داود، في (مز ١٩ : ٧) عبّر عن تقديره العميق لهذا الناموس حين قال «نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ، يَرُدُّ النَّفْسَ». فهو لم يرَ في الشريعة عبئًا، بل مصدر حياة، واسترداد للنفس، وطريقًا إلى الحكمة. كانت الشريعة، في المفهوم العبري، تعني "توراة"، أي "تعليم" فامتلاك إسرائيل للشريعة يعني أنهم كانوا يمتلكون إعلانًا واضحًا لإرادة الله، ومرآة تكشف لهم قداسته، وتوجههم في الطريق القويم. لقد أُعطيت لهم لتكون ميثاقًا دائمًا، تحفظهم من الانحراف، وتُظهر للعالم من حولهم أن لهم إلهًا حيًا يتكلم ويقود، غير أن الشريعة، برغم كمالها، لم تكن غاية في ذاتها، بل وسيلة تقود إلى المسيح، الذي قال إنه لم يأتِ لينقض الناموس بل ليُكمّله (متّى ٥ : ١٧) وهكذا، فإن الناموس في العهد القديم كشف عن حاجة الإنسان إلى المخلّص، وفي العهد الجديد تمّم المسيح جوهر الشريعة في حياته وتعاليمه وموته الكفاري، فاتحًا الطريق إلى عهد جديد مبني على النعمة والحق.

 

خامسًا: العبادة – نظام قرباني مقدس

من بين الامتيازات التي نالها شعب إسرائيل هو أنهم تسلموا من الله نفسه نظام عبادة مقدس ومفصّل، عبّر فيه الله عن ذاته، وكشف للإنسان الطريق للتقرب منه. فبينما كانت الأمم من حولهم تمارس طقوسًا وثنية مبنية على الخرافة والدماء البشرية والتنجيم، منح الله إسرائيل إعلانًا إلهيًا منظمًا عن كيفية الاقتراب منه من خلال الذبائح - والكهنوت - والمواعيد المقدسة - والهيكل، العبادة في إسرائيل لم تكن نتاج تصورات بشرية، بل إعلان إلهي دقيق، ابتدأ بخيمة الاجتماع في البرية، وتحقق لاحقًا في هيكل أورشليم. أعطى الله أوامر مفصلة لموسى عن شكل الخيمة، وأدواتها، والكهنة الذين يخدمون فيها، والذبائح المطلوبة، وكل ما يتعلق بطقوس التقديس والتطهير. هذا النظام كان ضروريًا لأن الله قدوس، ولا يمكن الاقتراب إليه باستهانة أو عبث، بل من خلال كفّارة ووسيط.

 

لقد عيّن الله هرون ونسله ليكونوا كهنة، يقفون بين الله والشعب، يقدمون الذبائح، ويرفعون البخور، ويباركون الشعب باسمه ( لا ١٧ : ١١ ) «لأنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، وَأَنَا أَعْطَيْتُكُمُ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ»، وهذا يوضح أن الذبائح كانت رمزًا واضحًا للفداء، وإشارة إلى الذبيحة الكاملة التي سيقدمها المسيح في ملء الزمان، أما الهيكل، فكان مركز العبادة ومكان الحضور الإلهي، حيث يُنظر إليه كموضع سكنى الله وسط شعبه. وكان يوم الكفّارة (لا ١٦) يمثل قمة هذا النظام، حين يدخل رئيس الكهنة إلى قدس الأقداس مرة واحدة في السنة ليكفّر عن خطايا الشعب، هذه الرموز كلها كانت تهيئة وتمهيدًا للمجيء الأعظم، مجيء يسوع المسيح، الذي صار رئيس الكهنة الأعظم، والذبيحة الكاملة، والهيكل الحقيقي، في المسيح تمّت كل الرموز: فبالصليب قدّم نفسه ذبيحة كاملة، وفتح الطريق إلى الأقداس، وألغى الحواجز بين الله والإنسان. هكذا، فإن نظام العبادة في العهد القديم لم يكن عبثيًا، بل إعلانًا رمزيًا لفكر الله الفدائي، تكمّل وتمجد في يسوع، الذي قال: «هُوَذَا أَنَا آتِي... لِأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا ٱلله» (عب ١٠ : ٧).

 

سادسًا: المواعيد – الرجاء المستقبلي :

من الامتيازات التي تميّز بها شعب إسرائيل أن الله أعطاهم المواعيد، أي الوعود الإلهية المرتبطة بالمستقبل، والتي كوّنت جوهر رجائهم عبر الأجيال. لم تكن هذه المواعيد مجرد كلمات تشجيعية، بل كانت إعلانات إلهية ذات سلطان، تعبّر عن قصد الله الثابت من جهة شعبه والعالم كله، بدأت هذه المواعيد مع إبراهيم، حيث وعده الله بأرض يمتلكها نسله، وبركة تمتد إلى جميع الأمم من خلاله (تك ١٢ : ١ – ٣) ثم توالت المواعيد عبر الأنبياء، لتشمل وعدًا بملك آتٍ من نسل داود، يقيم عدلًا وسلامًا، ويحكم إلى الأبد. ووُعد الشعب بأن الله سيقيم عهدًا جديدًا، ويضع شريعته في قلوبهم، ويغفر خطاياهم، ويمنحهم روحًا جديدًا (إر ٣١ : ٣١ - ٣٤)  "....أَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ .. عَهْدًا جَدِيدًا ..... " وفي (حز ٣٦ : ٢٦ – ٢٧) "  وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَ ...."  لم تكن هذه المواعيد مجرد رجاء قومي بزمن أفضل، بل كانت رؤى نبوية عميقة تتحدث عن مجيء المسيّا، وعن استرداد العلاقة الحية مع الله. وبالرغم من الخطايا والانحرافات، والسبي والتشتيت، بقيت هذه المواعيد تشعل في قلب الشعب رجاءً حيًّا، وتدعوه للثبات والانتظار. فقد علموا أن الله لا ينسى عهده، وأنه أمين في وعوده، حتى وإن كان الإنسان غير أمين.

 

هذا ما أكده الرسول بولس في العهد الجديد، حين قال: «أَقُولُ إِنَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ قَدْ صَارَ خَادِمًا لِلْخِتَانِ مِنْ أَجْلِ صِدْقِ ٱللهِ، حَتَّى يُثَبِّتَ مَوَاعِيدَ ٱلْآبَاءِ» (رو ١٥ : ٨). لقد جاء المسيح لا لينقض المواعيد، بل ليتممها، فهو نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية، ونسل إبراهيم الذي فيه تتبارك الأمم، والملك الآتي من نسل داود الذي يجلس على العرش إلى الأبد، في المسيح تحققت المواعيد، وبدأت مراحل استعلان الملكوت، لكن البعض منها ما يزال في طور الإتمام الكامل في مجيئه الثاني. وهكذا، انتقلت المواعيد من كونها رجاءً لإسرائيل وحده، إلى رجاء للعالم كله، لكل من يؤمن. فصار كل من في المسيح شريكًا في هذه الوعود، كما يقول بولس: «فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ ٱلْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ» (غلا ٣ : ٢٩) إن رجاء إسرائيل بالمواعيد هو ذاته رجاء الكنيسة الآن. فالمواعيد التي أُعطيت قديمًا هي بمثابة جسر بين الماضي والمستقبل، تعكس أمانة الله، وتؤكد أن قصده لا يُلغى، بل يتم دائمًا في الزمان المعين، بالمسيح وحده.

 

سابعًا: الآباء – الجذور الإيمانية :

يُعد الآباء أو البطاركة من أهم الامتيازات التي تميز بها شعب إسرائيل، كما يذكر الرسول بولس: «ولهم الآباء» (رو ٩ : ٥). هؤلاء الآباء، مثل أبونا إبراهيم - وإسحق - ويعقوب، ليسوا فقط شخصيات تاريخية، بل يمثلون الجذور الإيمانية التي انطلقت منها علاقة الله الخاصة بهذا الشعب. لقد بدأت معهم القصة، حين دعا الله إبراهيم ليخرج من أرضه وعشيرته، ويبدأ رحلة إيمان غير مسبوقة، مبنية على وعد إلهي عظيم، كان إيمان إبراهيم نموذجًا للإيمان الذي يبرر، كما يقول الكتاب: «فآمن إبراهيم بالله، فحُسِب له برًا» (تكوين ١٥ : ٦ ؛ رو ٤ : ٣). وبالمثل، سار إسحق ويعقوب في درب العلاقة الشخصية مع الله، وشهدوا لحفظ الله ووعوده، رغم الضعفات البشرية التي شابت حياتهم. ومع مرور الأجيال، صار هؤلاء الآباء مرجعًا روحيًا، ونقطة انطلاق لفهم هوية الشعب ومكانته عند الله.

 

لقد أعلن الله عن نفسه مرارًا بأنه «إله إبراهيم وإسحق ويعقوب» (خر ٣ : ٦ ؛ مت ٢٢ : ٣٢) مما يدل على استمرارية العهد عبر الأجيال، ويُظهر أن ما بدأه الله مع الآباء لم يتوقف، بل امتد وتعمق في التاريخ والخلاص. هؤلاء الآباء يمثلون ليس فقط أصل الشعب، بل نموذجًا للإيمان والثقة في الله وسط المجهول، وجود هؤلاء الآباء في سجل التاريخ الإيماني يعطي لإسرائيل إحساسًا بالعمق والاستمرارية، ويؤكد أن هويتهم لم تنشأ من فراغ، بل تأسست على دعوة إلهية، واستجابة بشرية، ومسيرة إيمان طويلة. فابونا إبراهيم هو "أبو المؤمنين" ويعقوب هو الذي صارع مع الله ونال اسم "إسرائيل". هذه الجذور الإيمانية لا تُنسى، لأنها تمثل العلاقة التأسيسية بين الله وشعبه، وهكذا، فإن امتلاك إسرائيل للآباء هو امتياز لا يُقاس، لأنه يعني أن لهم جذورًا مقدسة، وتاريخًا مشبعًا بالإعلانات الإلهية، وميراثًا إيمانيًا يُشكل وعيهم ويدعوهم إلى السير في الإيمان كما سار آباؤهم.

 

ثامنًا: ومنهم المسيح حسب الجسد - الامتياز الأعظم:

من بين كل الامتيازات التي ذكرها الرسول بولس لشعب إسرائيل، يبرز امتياز فريد وسامٍ، حين يقول: «ومنهم المسيح حسب الجسد» (رو ٩ : ٥) هذه العبارة المختصرة تحوي في طياتها عمقًا لاهوتيًا وتاريخيًا عظيمًا، لأنها تُشير إلى أعظم ما ناله هذا الشعب، ألا وهو أن مخلّص العالم، يسوع المسيح، جاء منهم بحسب الجسد، أي من نسلهم البشري، لقد وُلد يسوع من نسل يهوذا (مت  ١: ٣ ؛ لو ٣ : ٣٣) ومن بيت داود الملكي (رو ١ : ٣ ؛ مت ١ : ٦) ومن خلال هذا النسل، تحققت النبوات العتيقة، التي وعدت بأن يأتي المسيّا من بيت داود ليملك إلى الأبد (٢صم ٧ : ١٢ - ١٦ ؛ إش ٩ : ٦ - ٧). إن حقيقة أن الله اختار أن يدخل إلى التاريخ البشري عبر هذا الشعب، ليست تفضيلًا لعرق أو قومية، بل هي جزء من خطة إلهية بدأت بوعد لإبراهيم أن "في نسلك تتبارك جميع قبائل الأرض" (تك ١٢ : ٣ ؛ ٢٢ : ١٨) يُظهر هذا الامتياز أن إسرائيل كانوا أداة البركة للعالم، لأنهم حملوا الوعد، وحفظوا النبوات، ونقلوا النسب الذي منه جاء المخلّص، وقد احتفظوا عبر العصور بأمانة النسب والرجاء في مجيء المسيّا، رغم فترات الإرتداد والسبي والإنقسام، مما يدل على عمل الله فيهم ومن خلالهم، وحين جاء ملء الزمان، "أرسل الله ابنه، مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس" (غلا  ٤ : ٤)، ومن شعب الناموس، ليكون فاديًا للجميع، هذا لا يعني أن إسرائيل كأمة نالوا الخلاص تلقائيًا، أو أن نسب المسيح يمنحهم برًا خاصًا، بل إن هذا الامتياز يضع عليهم مسؤولية أعظم، لقد نالوا الشرف بأن يولد منهم المسيح حسب الجسد، لكنهم في ذات الوقت صُلب على أيدي بعض من قادتهم، ورفضوه كمخلّص، من هنا نفهم الصراع الداخلي الذي عبّر عنه بولس، إذ قال: "لي حزن عظيم ووجع في قلبي لا ينقطع" (رو ٩ : ٢)، لأنه رأى أن الأمة التي جاء منها المسيح لم تقبله بالإيمان، رغم أنها كانت حاملة للوعد، إن امتياز أن يأتي المسيّا من إسرائيل لا يُضفي مجدًا ذاتيًا عليهم، بل يبرز نعمة الله، ويضعهم في موضع المساءلة: "من أُعطي كثيرًا يُطلب منه كثير" (لوقا ١٢ : ٤٨). لقد أُعطوا الكلمة - والعهود - والمواعيد - والآباء - والهيكل - والعبادة، والآن تُوّجت هذه الامتيازات بمجيء المسيح منهم. فهل قبلوا النعمة؟ هل أدركوا الغاية من كل ما أُعطي لهم؟

 

تُبرز هذه الامتيازات مجتمعة محبة الله العميقة، وخطته المتسلسلة الممتدة عبر التاريخ، لكنها لا تعني أن التمتع بامتيازات روحية هو في ذاته دليل على البر أو القبول النهائي. لقد حذّر الأنبياء مرارًا من الاكتفاء بالرمز دون جوهر العلاقة مع الله. قال الرب في إشعياء: «هذا الشعب يقترب إليّ بفمه، ويُكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيدًا» (إش ٢٩ : ١٣) أي أن الخطورة تكمن في أن تتحوّل هذه الامتيازات إلى كبرياء روحي، بدلًا من أن تكون منطلقًا للخضوع والاتضاع، وفي العهد الجديد، نرى أن يسوع نفسه واجه الفريسيين والكتبة الذين كانوا يفتخرون بأنهم من نسل إبراهيم، لكنه قال لهم: "لو كنتم أولاد إبراهيم، لكنتم تعملون أعمال إبراهيم" (يوحنا ٨ : ٣٩) فالأصل لا يكفي، بل الإيمان والطاعة هما ما يبرران ويُثبتان الانتماء الحقيقي. إن الله لا يُقيم علاقة مبنية على النسب الجسدي فقط، بل على الإيمان الحي، وهكذا.. فإن كل امتياز يُقابله دعوة إلى الأمانة، فالله أعطى النور ليُضاء به للعالم، لا ليُخفى تحت مكيال، ما ناله إسرائيل من مجد في أن يأتي المسيح منهم، يدعوهم - ويدعونا نحن أيضًا - أن نعيش بنور الحق، وأن نحمل الرجاء للعالم، لا أن نكتفي بحفظ الميراث في خزائن مغلقة، إن المسيح، الذي جاء حسب الجسد من نسل إسرائيل، قد فتح الباب للجميع أن يدخلوا في عائلة الله بالإيمان، لا بالنسب. وكما يقول بولس: "ليس اليهودي في الظاهر يهوديًا... بل اليهودي في الخفاء، وختان القلب بالروح" (رو ٢ : ٢٨- ٢٩) فالمسيّا لم يأتِ ليُميز، بل ليُتمم، وليجعل من كل الأمم شعبًا جديدًا لله، مبنيًا على الإيمان، ومتمتعًا بالميراث الأبدي.

 

 

  ٢

الناموس والأنبياء

امتيازات روحية أم أعباء أخلاقية؟

 

عندما نتأمل في عبارة "الناموس والأنبياء"، نجد أنفسنا أمام جوهر الهوية الدينية لشعب إسرائيل. هذا المصطلح، الذي يتكرر كثيرًا في الكتاب المقدس، لا يشير فقط إلى الكتب المقدسة، بل إلى كل ما مثّله الله لهذا الشعب من تعليم، وتوجيه، وإنذار، وتشجيع. ولكن يبقى السؤال مفتوحًا: هل كان هذا الامتياز مصدر نعمة روحية أم عبء أخلاقي ثقيل؟

 

أولًا: الناموس كامتياز إلهي : الناموس، أو الشريعة، الذي تسلّمه موسى من الله على جبل سيناء، لم يكن مجرد قائمة من الوصايا والفرائض، بل كان إعلانًا مباشرًا من الله عن ذاته، وعن قداسة اسمه، وعن الطريقة التي ينبغي لشعبه أن يسلك بها، لقد أعطاهم الله ناموسه ليكونوا أمة مقدسة، متميزة، لا تسلك بحسب أهواء الأمم، بل بحسب قلب الله. وكما يقول الكتاب: " وَأَيُّ شَعْبٍ هُوَ عَظِيمٌ لَهُ فَرَائِضُ وَأَحْكَامٌ عَادِلَةٌ مِثْلُ كُلِّ هذِهِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أَنَا وَاضِعٌ أَمَامَكُمُ الْيَوْمَ؟ (تث ٤ : ٨) ففي الناموس، عرفوا إرادة الله، وعرفوا الصواب من الخطأ، وتعلموا كيف يعبدونه بطهارة، وكيف يتعاملون مع بعضهم بعضًا بعدالة ورحمة. امتلاك الناموس كان نورًا في عالم مظلم، وتكليفًا بأن يكونوا قدوة للأمم.

 

ثانيًا: الأنبياء صوت الله الحي : مع الناموس، أرسل الله الأنبياء. هؤلاء لم يكونوا مجرد مُعلّمين أو مرشدين روحيين، بل كانوا صوت الله الحي في أزمنة متغيرة. كانوا يُذكّرون الشعب بما جاء في الشريعة، ويُنبّهونهم إذا حادوا عنها، ويُشجّعونهم في الضيق، ويُبشّرونهم بالرجاء. كان الأنبياء رجالًا ونساءً حملوا كلمة الله بسلطان، ودفع بعضهم حياته ثمنًا لأمانته (مثل إشعياء وأرميا وزكريا) وجود الأنبياء وسط شعب إسرائيل يُعدّ امتيازًا نادرًا، لأنهم لم يُتركوا لتأويلاتهم أو اجتهاداتهم، بل كان بينهم من يقول لهم: "هكذا قال الرب". فالأنبياء لم يكونوا صدى صوت الشعب، بل صوت الله للشعب، وهذا الامتياز كان يعكس عمق علاقة الله مع شعبه.

 

ثالثًا: من الامتياز إلى المسؤولية : لكن، مع كل هذا، لا يمكن إنكار أن الناموس والأنبياء تحوّلا في نظر الكثيرين من امتياز روحي إلى عبء أخلاقي، لماذا؟ لأن الناموس ليس مجرد وصايا يمكن تنفيذها خارجيًا، بل هو دعوة إلى حياة مطابقة لقداسة الله، وهو ما لم يقدر الإنسان الساقط أن يحققه تمامًا، يقول بولس: " فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ، وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ. (رو ٧ : ١٤) فالناموس كشف الخطيئة، لكنه لم يمنح القدرة على التغلب عليها، وبدون قلب متجدد، تحوّل الناموس عند البعض إلى شكلية دينية، ووسيلة للفخر الذاتي " فَقَالَ السَّيِّدُ: "لأنَّ هذَا الشَّعْبَ قَدِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ بِفَمِهِ وَأَكْرَمَنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَأَبْعَدَهُ عَنِّي، وَصَارَتْ مَخَافَتُهُمْ مِنِّي وَصِيَّةَ النَّاسِ مُعَلَّمَةً. (إش ٢٩ : ١٣) (مر ٧ : ٦). كثيرون حفظوا الحرف ونسوا الروح. التزموا بالطقوس ونسوا الرحمة والحق والإيمان " وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالشِّبِثَّ وَالْكَمُّونَ، وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ النَّامُوسِ: الْحَقَّ وَالرَّحْمَةَ وَالإيمَانَ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ. (مت ٢٣ : ٢٣) لذلك فإن الأنبياء أنفسهم كثيرًا ما وبّخوا الشعب على هذه الحالة، فقال عاموس: " بَغَضْتُ، كَرِهْتُ أَعْيَادَكُمْ، وَلَسْتُ أَلْتَذُّ بِاعْتِكَافَاتِكُمْ. (عا ٥ : ٢١) لأن الله لا يسرّ بالعبادة الشكلية.

 

رابعًا: الأنبياء كأعباء قومية : كما أن وجود الأنبياء، رغم كونه نعمة، كان في نظر القادة عبئًا ثقيلًا. فالأنبياء لم يسايروا الخطأ، ولم يُهادنوا، بل وقفوا أمام الملوك والكهنة والشعب يعلنون الحق. وكان من نتيجة ذلك أن رُفضوا، وضُربوا، وسُجنوا، وحتى قُتلوا. يقول استفانوس في عظته الشهيرة: " أَيُّ الأنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ؟ وَقَدْ قَتَلُوا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ الْبَارِّ، الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ، (أع ٧ : ٥٢) فبدلًا من شكر الله على صوت النبوة، اختار كثيرون إسكات هذا الصوت.

 

خامسًا: الناموس كمُربٍ إلى المسيح : يبقى أن نفهم الناموس والأنبياء في ضوء مجيء المسيح. لم يكن الناموس هدفًا نهائيًا، بل كان مؤقتًا إلى أن يأتي الكامل. يقول بولس: " إِذًا قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإِيمَانِ. وَلكِنْ بَعْدَ مَا جَاءَ الإيمَانُ، لَسْنَا بَعْدُ تَحْتَ مُؤَدِّبٍ. لأنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ الله بِالإيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ. (غلا٣ : ٢٤-٢٦) أي أن الناموس أظهر لنا حاجتنا العميقة إلى مخلّص. والأنبياء كانوا شهودًا على هذا المخلّص، الذين تنبأوا عن آلامه وأمجاده اللاحقة " الْخَلاصَ الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ، بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، إِذْ سَبَقَ فَشَهِدَ بِالآلامِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالأمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا. (١بط١ :  ١٠-١١) وعندما جاء المسيح، لم يُلغِ الناموس والأنبياء، بل أتمّهما "  "لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأنْقُضَ بَلْ لأكَمِّلَ. (مت ٥ : ١٧) فقد حقق المطالب الأخلاقية للناموس في حياته، وحقّق النبوات في موته وقيامته. وهكذا تحققت الامتيازات الروحية في شخصه، وتحولت أعباء الناموس إلى حرية النعمة.

 

ما موقفنا نحن؟ : ما نحتاج أن نتعلّمه اليوم هو أن كل امتياز روحي لا بد أن يُقابل بمسؤولية عملية. لقد تمتع شعب إسرائيل بالناموس والأنبياء، لكن كثيرين منهم رفضوا طاعة الحق. أما نحن، فقد تسلّمنا كلمة الله كاملة، والروح القدس ساكن فينا، فهل نحيا بحسب نور الحق؟ إن كلمة الله ليست عبئًا، بل حياة. لكنها تُدين إن لم نُطعها، الناموس والأنبياء كانوا نورًا مُعلنًا لشعب إسرائيل، وقد صاروا لنا الآن عبر الأسفار المقدسة إعلانًا كاملًا عن محبة الله وحقه، فليتنا لا نكرر خطأ من جعلوا من الناموس كبرياء، أو من رفضوا صوت الأنبياء، بل نسلك بنعمة الله مستنيرين بكل ما أُعلن.

 

     شخصيات كتابية بين النعمة والثقل :

من خلال صفحات الكتاب المقدس، نرى أن الناموس لم يكن مجرد منظومة شرائع جامدة، بل اختبارًا حيًّا حمل بُعدين: فمن جهة كان امتيازًا روحيًا يقود البعض إلى معرفة الله والسلوك في طرقه، ومن جهة أخرى صار عبئًا أخلاقيًا ثقيلًا على آخرين حاولوا أن يلتزموا بالحرف دون فهم الروح، أو تمسكوا بالشكل الخارجي دون تجديد القلب.

 

أولًا: شخصيات كان الناموس امتيازًا روحيًا لهم

١ - موسىحامل الناموس وفاهم لروح الله : موسى، أكثر من أي شخص آخر، اختبر عمق الناموس. لم يكن مجرد ناقل للشريعة، بل تلميذ لله وجها لوجه، رغم أن الله أعطاه الوصايا، إلا أن موسى لم يكتفِ بالحرف، بل طلب معرفة طرق الرب. قال: " فَالآنَ إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَعَلِّمْنِي طَرِيقَكَ حَتَّى أَعْرِفَكَ لِكَيْ أَجِدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ. ... (خر ٣٣ : ١٣) امتياز موسى لم يكن فقط في استلام الناموس، بل في فهم قلب الله من ورائه، فعندما أخطأ الشعب بعبادة العجل الذهبي، لم يتمسك بالحرف ويطلب العقوبة، بل طلب لأجلهم، لأن قلبه كان متوحدًا مع قصد الله في الرحمة (خروج ٣٢). وهكذا كان الناموس له وسيلة للاتحاد مع الله، لا للفصل بينه وبين الشعب.

٢ - داودعاشق شريعة الرب : قال داود: " لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلا. (مز ١ : ٢) لم ينظر داود إلى الناموس كعبء ثقيل، بل كفرصة لاكتشاف قلب الله. كتب مرارًا عن محبته لوصايا الرب، وأعلن أنها " أَشْهَى مِنَ الذَّهَبِ وَالإبْرِيزِ الْكَثِيرِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقَطْرِ الشِّهَادِ. أَيْضًا عَبْدُكَ يُحَذَّرُ بِهَا، وَفِي حِفْظِهَا ثَوَابٌ عَظِيمٌ. (مز١٩ : ١٠-١١) رغم خطاياه، إلا أن داود كان يركض دومًا إلى الناموس لا ليبرر نفسه، بل ليطلب الغفران والرجوع، قائلا " قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي. (مز ٥١ : ١٠) وهكذا، لم يكن الناموس له ثقلا، بل مرآة أعادته دومًا إلى رحمة الله.

٣ - سِمعان الشيخرجل بار منتظر : نقرأ في ( لوقا ٢ ) عن سِمعان، الذي كان "بارًا تقيًا، ينتظر تعزية إسرائيل"، وكان الروح القدس عليه. لم تكن طاعته للناموس شكلية، بل متجذرة في رجاء حقيقي بمجيء المسيح. لذلك كافئه الله بأن رأى الرب يسوع قبل موته. هذا رجل كان الناموس له امتيازًا روحيًا أعدّ قلبه لاستقبال النعمة.

 

ثانيًا: شخصيات كان الناموس عبئًا أخلاقيًا لهم :

١ -  الفرّيسيون والكتبةحرف بلا روح : أشهر من يمثلون هذا الاتجاه هم الفرّيسيون في أيام المسيح. كانوا يحفظون الناموس عن ظهر قلب، ويصنعون له تفاسير معقدة، لكنهم فقدوا قلبه. قال عنهم يسوع: " فَإِنَّهُمْ يَحْزِمُونَ أَحْمَالا ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ، وَهُمْ لا يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ، (مت ٢٣ : ٤) لقد جعلوا من الناموس وسيلة للتفوق الديني، لا للشركة مع الله، حافظوا على السبت، لكن رفضوا شفاء إنسان متألم، غسلوا الأيدي، لكن قلوبهم مملوءة شرًا. قال لهم يسوع: " وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ، وَهُمَا مِنْ دَاخِل مَمْلُوآنِ اخْتِطَافًا وَدَعَارَةً. (مت ٢٣ : ٢٥)

 

٢ - الشاب الغنيمثالي لكنه مقيَّد : في ( متى ١٩ )، جاء شاب غني إلى يسوع يسأله: "ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟" فأجابه المسيح بوصايا الناموس، فردّ: "هذه كلها حفظتها منذ حداثتي، فماذا يعوزني بعد؟". لكن حين طلب منه الرب أن يترك المال ويتبعه، مضى حزينًا، كان الشاب يتمم الناموس شكليا، لكنه لم يتغير داخليًا. كان يرى الناموس كحمل مضطرا لحمله، لا كدعوة للتحول - لم يكتشف روح المحبة والعطاء في قلب الناموس، فظل مقيدًا بالماديات.

 

٣ - شاول الطرسوسيقبل أن يُقابل النعمة :

بولس الرسول نفسه، قبل أن يتقابل مع المسيح، كان نموذجًا للإنسان الذي صار الناموس له عبئًا أخلاقيًا. قال عن نفسه: "كنت بلا لوم من جهة الناموس (في ٣ : ٦)، لكنه اضطهد الكنيسة بإخلاص ظنًا منه أنه يخدم الله. لاحقًا كتب بولس عن تجربته قائلا " فَوُجِدَتِ الْوَصِيَّةُ الَّتِي لِلْحَيَاةِ هِيَ نَفْسُهَا لِي لِلْمَوْتِ (رو ٧ : ١٠) الناموس قاده إلى الاكتشاف المؤلم لعجزه " لأنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ، إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. (رو ٧ : ١٥) الناموس فضح الخطية، لكنه لم يمنحه القوة على الانتصار، حتى تقابل مع المسيح الذي وحده يُحرر.

الناموس وسيلة لا غاية : الناموس، في ذاته، مقدّس وعادل وصالح، لكنه بدون نعمة يُظهر الخطية ولا يبرر، من تعامل معه كوسيلة للتقرب من الله، مثل موسى وداود وسمعان، وجدوا فيه نعمة تقوده للعمق، أما من جعله وسيلة شكلية انقادوا للأداء الخارجي والكبرياء، وجدوه عبئًا ثقيلًا لا يُحتمل، المفتاح هو القلب، الناموس لا ينفع من لا يشتاق إلى الله. كما قال بولس: " لأنَّ غَايَةَ النَّامُوسِ هِيَ: الْمَسِيحُ لِلْبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ. (رو ١٠ : ٤) ومن عرف هذه الغاية، ارتاح من ثقل الحرف، وسلك في روح الحياة.

 

الفصل الثالث

تمييز ام تفوق  

 

 ١

هل تفوق إسرائيل على باقي الشعوب؟

  

من بين الأسئلة العميقة التي تتكرر في دراسات العهد القديم والعهد الجديد، يبرز هذا السؤال: هل تفوّق إسرائيل على باقي الشعوب؟ هل اختياره من الله كان دليلًا على تفوّقه الذاتي أو الأخلاقي أو الروحي؟ أم أن المسألة أعمق من ذلك، وتتعلق بخطة الله السيادية واستخدامه لشعب معيّن لأجل قصد عام وعالمي؟ للإجابة على هذا السؤال، نحتاج إلى فهم طبيعة الاختيار الإلهي، وحدود التمييز الإلهي، ومعنى التفوّق بحسب المفهوم الكتابي.

 

أولًا: اختيار لا يعني تفوّقًا :

يعلّمنا الكتاب المقدس أن الله اختار إسرائيل، لا لأنهم أفضل أو أكثر عددًا أو أعظم من سائر الشعوب، بل لأن له قصدًا خاصًا فيهم. يقول موسى للشعب " لَيْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ، الْتَصَقَ الرَّبُّ بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ، لأَنَّكُمْ أَقَلُّ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ. بَلْ مِنْ مَحَبَّةِ الرَّبِّ إِيَّاكُمْ، وَحِفْظِهِ الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمَ لآبَائِكُمْ، أَخْرَجَكُمُ الرَّبُّ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ. (تث٧ : ٧-٨) هذا النص يُسقِط من البداية فكرة أن إسرائيل كانوا "أفضل" من غيرهم، الله لم يخترهم لأنهم يستحقون، بل لأن لديه خطة محبة يريد أن يعملها من خلالهم، هم أداة، وليسوا مركز المجد، هم وسيلة للبركة، وليسوا غاية التفوّق، فتمييز إسرائيل في العهد القديم لم يكن معناه تجاهل أو رفض بقية الشعوب. على العكس، كانت هناك نبوءات واضحة أن الأمم ستأتي إلى نور الرب، وأن خلاص الله سيُعلَن للعالم كله  (إش ٤٩ : ٦) هذا يوضح أن دور إسرائيل كان إرساليًا بالأساس. الله أراد أن يكونوا شهادة لملكه، وسفراء لمحبته، ونورًا للأمم. وللأسف، لم يفهموا هذا دائمًا، بل تحوّل التمييز في أذهانهم إلى تفوّق واستحقاق، فابتعدوا عن قصد الله.

 

ثانيا: الله لا يحابي الوجوه :

الكتاب المقدس يعلّم بشكل قاطع أن الله لا يفرّق بين الناس على أساس العِرق أو النسب أو الجنس أو الانتماء الديني الشكلي. قال بطرس الرسول بعد اختباره في بيت كرنيليوس: " فَفَتَحَ بُطْرُسُ فَاهُ وَقَالَ:"بِالْحَقِّ أَنَا أَجِدُ أَنَّ الله لا يَقْبَلُ الْوُجُوهَ. بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ، الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ. (أع١٠ :  ٣٤-٣٥) التمييز الزمني الذي ناله إسرائيل لا يُلغي مبدأ عدالة الله ومحبته الشاملة. منذ البداية، كان في فكر الله أن يشمل الأمم. منذ وعد الله لإبراهيم، قال له: "ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض" (تك ٢٢ : ١٨) إذاً، الله ميّز إسرائيل كوسيلة لبركة العالم، لا كإعلان لتفوّق عرقي.

 

ثالثا: عندما رفضوا الامتياز، سقطوا تحت الدينونة :

لو كان التمييز معناه تفوّقًا مضمونًا، لماذا أدان الله إسرائيل حينما عصوا، الكتاب مليء بأمثلة لدينونة الله عليهم بسبب خطاياهم، بالرغم من أنهم "الشعب المختار". يقول عاموس النبي " إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ مِنْ جَمِيعِ قَبَائِلِ الأرْضِ، لِذلِكَ أُعَاقِبُكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذُنُوبِكُمْ". (عا ٣ : ٢) هذا يُظهر بوضوح أن الامتياز الإلهي يحمل مسؤولية أعظم، لا تفوّقًا أخلاقيًا. كلما زاد النور، زاد الحساب. لم يُعامل الله إسرائيل كتفوق مضمون، بل كمَنْ أُعطي كثيرًا ويُطالب بأكثر.

 

في المسيح يسوع، أزال الله أي تمييز كان أساسه الناموس أو الانتماء القومي " وَلكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلا بَعِيدِينَ، صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ. لأنَّهُ هُوَ سَلامُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ أَيِ الْعَدَاوَةَ. مُبْطِلا بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا، وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ الله بِالصَّلِيبِ، قَاتِلاً الْعَدَاوَةَ بِهِ. (أف٢ :  ١٣-١٦) في العهد الجديد، لم يعد هناك امتياز لشعب على حساب آخر. لا فرق بين يهودي ويوناني، لأن الجميع واحد في المسيح يسوع (غل ٣ : ٢٨) إنسانية جديدة تبدأ، يكون فيها الإيمان هو المعيار، لا النسب.

التمييز الذي ناله إسرائيل ينبغي أن يقودهم للتواضع، لا للفخر. حين تكلّم بولس عن امتيازاتهم في (رومية ٩) قال في نفس الوقت  "ليس الجميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون" (رو ٩ : ٦) أي أن مجرد الانتماء العرقي لا يكفي. بل ينبغي أن يسلكوا في الإيمان، لأن هذا هو معيار الانتماء الحقيقي لشعب الله. لهذا يقول بولس أيضًا "اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالحرف هو الختان" (رو ٢ : ٢٩) فإسرائيل لم يكونوا أفضل من الشعوب، ولا أكثر قداسة، ولا أذكى. لكنهم كانوا شعبًا اختاره الله ليُعلن من خلاله شخصه وخطته، ويُحضر منه المخلّص. هذا التمييز لم يُمنح لهم كجائزة، بل كتكليف ومسؤولية، كل من يقرأ الكتاب بعين النعمة سيفهم أن الاختيار لا يعني الاستعلاء، بل التواضع. وكل من ينتمي إلى جسد المسيح اليوم مدعو لنفس النوع من التمييز – لا كاستحقاق، بل كدعوة للشهادة، للبركة، وللأمانة.

 

 

 ٢

 نظرة الأنبياء لاختيار إسرائيل  

 

عند التأمل في نصوص العهد القديم، نكتشف أن الأنبياء لم يصمتوا أمام إساءة فهم شعب إسرائيل لفكرة "الاختيار الإلهي" بل كانوا صوت الله لتصحيح هذه الفكرة، رافضين أن تُحوّل إلى غطاء للتفاخر القومي أو ضمانة أوتوماتيكية للبركة. لقد شددوا على أن الاختيار لا يعني الامتياز بلا مسؤولية، بل يُلزم الشعب بالسلوك في قداسة وحق، أحد أبرز الأمثلة على هذا التصحيح نجده في يونان النبي. لم تكن مشكلته مع التكليف الإلهي فقط، بل مع جوهر الفكرة: كيف يمكن أن يُظهر الله رحمته لشعب غير مختار؟! فرفض يونان أن يذهب إلى نينوى الأممية، وكأنه يقول: "الرحمة لنا وحدنا". لكن الله أعطاه درسًا لن ينساه التاريخ، إذ أعلن له أن رحمته لا تُقيد بجنس أو عرق أو عهد قديم، فسفر يونان هو نقد إلهي عميق لنزعة الاحتكار الروحي، لم يكن سفر يونان وحده، بل أيضًا عاموس النبي قال بوضوح " "إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ مِنْ جَمِيعِ قَبَائِلِ الأرْضِ، لِذلِكَ أُعَاقِبُكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذُنُوبِكُمْ" (عا ٣ : ٢) وهذا معناه أن الاختيار يجعل الحساب أشد، لا العكس، أما إرميا وإشعياء، فقد نددوا بشدة بكل عبادة شكلية، مذكرين الشعب أن الله يطلب القلب لا المظاهر، وهكذا، تكشف كتابات الأنبياء أن اختيار إسرائيل لم يكن حصنًا ضد الدينونة، بل دعوة للقداسة، وخدمة للأمم. فالله لم يختر شعبًا ليرتفع، بل ليكون نورًا للأمم، الاختيار إذًا، في نظر الأنبياء، مسؤولية أخلاقية ورسالة للعالم، لا تميّزًا عرقيًا.

لقد سقط هذا الفهم المنحرف للاختيار في قلب الكنيسة أيضًا، إذ بدأ بعض المؤمنين يتعاملون مع انتمائهم الكنسي كمصدر فخر أو تفوق على الآخرين، وكأنهم وحدهم ورثة النعمة والحق. كما سقطت مذاهب وكنائس في فخ التمييز، معتبرة نفسها "الوحيدة الصحيحة"، ورافضة قبول عمل الله خارج حدودها. لكن الله لا يُسرّ بهذا الانغلاق، وسيُحاسب كل من احتقر جوهر الإيمان وحوّله إلى استحقاق فارغ. فكما دان الأنبياء إسرائيل حين احتقروا دعوتهم، سيدين الرب كل من حوّل النعمة إلى حائط فصل بدل أن تكون جسراً للتواضع والخدمة ونورًا للعالم.

 

أولًا: الاختيار وسيلة للشهادة لا غاية في ذاته :

كان الأنبياء يُذكّرون إسرائيل دائمًا أن الله اختارهم ليكونوا نورًا للأمم، لا لكي ينعزلوا أو يفتخروا. فمثلا النبي إشعياء يصرّح بشكل واضح ان الله يهتم بالأمم لذلك سيرسل المسيح من خلال هذا الشعب لهذه المهمة  " أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأمَمِ، (إش ٤٢ : ٦) وهذا يتكرر في (إش ٤٩ : ٦) هذا يعني أن الاختيار لم يكن تفضيلًا، بل تكليفًا. فإسرائيل لم يُدعوا ليكونوا محور البركة، بل قناة تنقلها للآخرين الي ان ياتي المسيح.الذي هو محور العمل الالهي لاختيار شعب الله والأنبياء.

هكذا، فإن كل كنيسة أو مذهب لا يكون المسيح هو مركزه ومحوره، بل يتمحور حول ذاته أو تقاليده أو سلطته، يتحوّل إلى كيان يخدم نفسه لا الرب، ويمجّد ذاته لا المخلّص. هذا الانحراف الروحي يجعل من الكنيسة صورة حديثة لبابل الزانية، التي "تمجدت وعاشت في تنعّم" (رؤ ١٨ : ٧) لكنها ستدان بقسوة لأنها استبدلت الإخلاص للعريس الإلهي بمجد زائف. فكما أُدينت إسرائيل حين احتكرت الاختيار ونسيت وظيفتها، هكذا ستُدان كل جماعة روحية جعلت من نفسها محور القصة بدل المسيح، ورفضت أن تكون نورًا للأمم.

 

ثانيًا: الانتقاد الحاد للثقة الفارغة في الامتياز :

كثيرًا ما حذّر الأنبياء من شعور زائف بالأمان بسبب الانتماء القومي أو الديني. فالنبي إرميا يصرخ في وجه الذين يقولون: "هيكل الرب (ار ٧ : ٤)، معتبرًا أن الاتكال على الرموز دون تغيير حقيقي في القلب هو وهم ويتابع قائلا " أَتَسْرِقُونَ وَتَقْتُلُونَ وَتَزْنُونَ وَتَحْلِفُونَ كَذِبًا وَتُبَخِّرُونَ لِلْبَعْلِ، وَتَسِيرُونَ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا، ثُمَّ تَأْتُونَ وَتَقِفُونَ أَمَامِي فِي هذَا الْبَيْتِ الَّذِي دُعِيَ بِاسْمِي عَلَيْهِ وَتَقُولُونَ: قَدْ أُنْقِذْنَا. حَتَّى تَعْمَلُوا كُلَّ هذِهِ الرَّجَاسَاتِ؟ (أر٧ :  ٩-١٠) إرميا، كنموذج لأنبياء كثيرين، يبيّن أن العلاقة مع الله لا تُبنى على الامتياز الوراثي أو الطقسي، بل على طاعة حقيقية لم يسكت، بل واجههم بقوة وفضح تناقضاتهم، كان يصرخ كيف تنتهكون وصايا الله علنًا، ثم تتكلون على شكل العبادة دون جوهرها؟! هذا التوبيخ لم يكن خاصًا بإرميا وحده، بل نجد صداه في إشعياء الذي أعلن من قبل الرب "  فَقَالَ السَّيِّدُ: "لأنَّ هذَا الشَّعْبَ قَدِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ بِفَمِهِ وَأَكْرَمَنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَأَبْعَدَهُ عَنِّي، وَصَارَتْ مَخَافَتُهُمْ مِنِّي وَصِيَّةَ النَّاسِ مُعَلَّمَةً. (إش ٢٩ : ١٣) وكذلك في هوشع، حيث يقول الرب "  "إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لا ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ الله أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ. وَلكِنَّهُمْ كَآدَمَ تَعَدَّوْا الْعَهْدَ. هُنَاكَ غَدَرُوا بِي. (هو٦ : ٦-٧) الرسالة واضحة - العلاقة مع الله لا تُقاس بالانتساب التاريخي ولا بممارسة الطقوس، بل بطاعة القلب ونقاوة الحياة. الرموز والهيكل والميراث لا تنفع شيئًا إن لم تترافق مع التوبة والرجوع الحقيقي إلى الله، لقد علّم الأنبياء أن الامتياز ليس عذرًا للتراخي، بل دعوة للمسؤولية، وأن نعمة القرب من الله إن لم تُقابل بالإيمان العملي تتحوّل إلى دينونة.

وفي ضوء هذا التعليم النبوي الصارم، نجد اليوم من يسلكون في ذات الطريق، معتمدين على امتيازاتهم الكنسية أو العددية، أو على وجودهم في أماكن العبادة، وسط الطقوس، والصور، والرموز، وكأن هذه الأمور بذاتها تضمن لهم القبول والبركة. ولكن الخطر هو ذاته: الاتكال على المظهر دون الجوهر، وعلى الشكل دون القلب. إن حضور الطقوس والإيقونات دون توبة حقيقية لا يُثمر حياة روحية، بل يقود إلى دينونة أعظم، إن المسيح نفسه حذّر من هذا حين قال: "هذا الشعب يكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني" (مر ٧ : ٦). فالإيمان الحقيقي لا يُقاس بعدد الاجتماعات او العبادات، ولا بوجودنا وسط الرموز المقدسة لدي معتنقيها، بل بمدى تجاوب القلب مع دعوة الله، ومدى طاعتنا لوصاياه، إن الرسالة النبوية ما زالت تصرخ إلى ضمير كل مؤمن، لا تخدع نفسك بالرمز، بل سلّم قلبك للرب.

 

ثالثًا: عاموس – النبي الذي حطّم فكرة "الاستحقاق"

النبي عاموس، الذي أُرسل إلى مملكة إسرائيل الشمالية، عبّر عن نقد حاد لفكرة التفوق الديني والقومي. في واحدة من أكثر الآيات اللافتة، يقول الرب على لسان عاموس " إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ مِنْ جَمِيعِ قَبَائِلِ الأرْضِ، لِذلِكَ أُعَاقِبُكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذُنُوبِكُمْ" (عا ٣ : ٢) أي أن الاختيار جعلهم أكثر مسؤولية أمام الله، لا أقل. فبدلًا من أن يكونوا فوق الدينونة، صاروا أكثر عرضة لها، لأنهم نالوا إعلانًا أوضح ونورًا أكبر، كما يوبّخهم عاموس حين يقارنهم بالأمم الأخرى " هُوَذَا عَيْنَا السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَى الْمَمْلَكَةِ الْخَاطِئَةِ، وَأُبِيدُهَا عَنْ وَجْهِ الأرْضِ. غَيْرَ أَنِّي لا أُبِيدُ بَيْتَ يَعْقُوبَ تَمَامًا، يَقُولُ الرَّبُّ. لأنَّهُ هأَنَذَا آمُرُ فَأُغَرْبِلُ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ بَيْنَ جَمِيعِ الأمَمِ كَمَا يُغَرْبَلُ فِي الْغُرْبَالِ، وَحَبَّةٌ لا تَقَعُ إِلَى الأرْضِ. (عا٩ : ٨-٩) هنا يُسقِط فكرة "التميّز الطبيعي"، موضحًا أن الله تعامل تاريخيًا مع شعوب أخرى أيضًا، مما يُبرز شمولية عمله، فالغربلة هي لتنقية الشعب ودعم روح المسئولية واعلان نور الحق للأمم البعيدة عنه.

 

رابعًا: ميخا – دعوة إلى التواضع والبر

النبي ميخا عبّر عن لُب دعوة الله لإسرائيل، بعيدًا عن المجد القومي أو التفوّق الديني. قال " هَلْ يُسَرُّ الرَّبُّ بِأُلُوفِ الْكِبَاشِ، بِرِبَوَاتِ أَنْهَارِ زَيْتٍ؟ هَلْ أُعْطِي بِكْرِي عَنْ مَعْصِيَتِي، ثَمَرَةَ جَسَدِي عَنْ خَطِيَّةِ نَفْسِي؟ قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلا أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلهِكَ. (مى٦ :  ٧-٨) هذا هو جوهر العلاقة: ليس التفاخر بالناموس أو الأرض أو النسب، بل الاتضاع والرحمة والحق. فالنبي يُلخّص دعوة الله لإسرائيل في حياة روحية أصيلة، لا في رموز فارغة.

إنه لأمر محزن أن نرى زمننا اليوم يجري وراء رموز لا تنطق، ورموز صنعتها الميديا، والضجيج الإعلامي، وأضواء الشهرة، حتى أصبحت تقود الكثيرين في دروب الوهم لا في طريق الحق. كم انني حزين على من قبل أن يحوّل نفسه إلى رمز، أو ارتضى أن يكون صورة معلّقة تُعبد أكثر مما يُسمع لصوته أو يُحتذى بسيرته. هؤلاء، بدل أن يكونوا شهودًا للحق، صاروا سببًا في ضلال كثيرين، وبدل أن يكونوا جسورًا نحو الله، صاروا حواجز تُبعد الناس عن جوهر الإيمان. إن دعوة ميخا النبوية ما زالت تنادي - لا يحتاج الله لرمز بشري يتفاخر به الناس، بل قلب متواضع، يحب الرحمة، ويسلك بالحق.

 

خامسًا: هوشع – علاقة العهد كزواج مقدّس

النبي هوشع يقدّم صورة فريدة لاختيار إسرائيل: علاقة حب وعهد تشبه الزواج. فالله لم يخترهم كمالكٍ لشعب، بل كعريس لعروس. ولكن هذه العروس خانته مرارًا، فصار يدعوها إلى الرجوع. يقول الله عبر هوشع " وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي إِلَى الأبَدِ. وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالإحْسَانِ وَالْمَرَاحِمِ. أَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بِالأمَانَةِ فَتَعْرِفِينَ الرَّبَّ. (هو٢ :  ١٩-٢٠) الاختيار هنا ليس تفوّقًا، بل محبة متألمة تسعى للاسترداد. ومتى فُهمت دعوة إسرائيل خارج هذا الإطار العاطفي الروحي، تحولت إلى مجرد امتيازات بلا مسؤولية.

كم من كنائس ومذاهب ومجامع في زماننا قد فقدت روح العروس التي تحب عريسها وتشتاق إليه، وتحولت إلى أنظمة مؤسسية وضعت نفسها مكان العريس، فصارت تطلب ولاء الناس لها لا لله، وتُخضعهم لسلطانها لا لسيادة المسيح. هذه خيانة لجوهر العهد، إذ جعلت الشعب يخدمها، ويخشى إرضاءها، أكثر مما يسعى لإرضاء الرب. لقد تغيّرت الأدوار: الكنيسة التي وُجدت لتقود القلوب إلى العريس السماوي، صارت أحيانًا تحتكر النفوس لنفسها. هذا شرّ عظيم وسط مجتمعنا المسيحي اليوم، لأن العلاقة مع الله لا تُختصر في الانتماء المؤسسي، بل في محبة القلب لعريس النفس، وفي الأمانة له وحده.

 

سادسًا: إشعياء – البقية الأمينة، لا الأمة كلها :

في سفر إشعياء، نكتشف أن الاختيار الحقيقي لله لا يشمل كل إسرائيل بالجسد، بل "البقية" التي تبقى أمينة لله وسط الانحراف. هذه الفكرة تتكرر لاحقًا في العهد الجديد، عندما يقتبس بولس منها (رومية 9: 27). إشعياء يكتب  " تَرْجعُ الْبَقِيَّةُ، بَقِيَّةُ يَعْقُوبَ، إِلَى اللهِ الْقَدِيرِ. لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ شَعْبُكَ يَا إِسْرَائِيلُ كَرَمْلِ الْبَحْرِ تَرْجعُ بَقِيَّةٌ مِنْهُ. قَدْ قُضِيَ بِفَنَاءٍ فَائِضٍ بِالْعَدْلِ. (إش١٠ :  ٢١-٢٢) هذه البقية الأمينة، هي التي تحقّق قصد الله، وتُجسّد معنى الاختيار الحقيقي. فالله لا يفرح بالكثرة الفاسدة، بل بالقلة الأمينة "البقية الأمينة" لا تتوقف عند العهد القديم، بل تتجلى بوضوح في العهد الجديد أيضًا، حيث يُظهر الوحي أن الله لا يُسر بالكثرة الشكلية، بل بمن يحفظون الإيمان الحقيقي والولاء القلبي للمسيح، ففي رسالة بولس إلى رومية، يقتبس من إشعياء مؤكدًا أن خلاص الله لا يشمل الجسد فقط بل البقية المؤمنة "وَإِشَعْيَاءُ يَصْرُخُ مِنْ جِهَةِ إِسْرَائِيلَ: وَإِنْ كَانَ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَرَمْلِ الْبَحْرِ، فَالْبَقِيَّةُ سَتَخْلُصُ" (رو ٩ : ٢٧) ويؤكد بولس مجددًا هذا المبدأ في الإصحاح ١١ قائلا "فَكَذلِكَ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ أَيْضًا، قَدْ حَصَلَتْ بَقِيَّةٌ حَسَبَ اخْتِيَارِ النِّعْمَةِ." (رو ١١ : ٥) وفي سفر الرؤيا، يمتد هذا المفهوم حين يتحدث عن المؤمنين الأمناء وسط الانحدار الروحي العام، ويُثني الرب على كنيسة فيلادلفيا الصغيرة العدد ولكن القوية بالإيمان "لأنَّ لَكَ قُوَّةً يَسِيرَةً، وَقَدْ حَفِظْتَ كَلِمَتِي، وَلَمْ تُنْكِرِ اسْمِي." (رؤيا 3: 8) الرب لا ينظر إلى الحجم أو القوة البشرية، بل إلى القلب الذي يخضع له بالأمانة. وهكذا، فالبقية الأمينة عبر العصور هي الوعاء الذي يحفظ الله فيه نوره وحقه، وهي من تصنع الفرق في عالم مظلم، تمامًا كما فعل التلاميذ الاثنا عشر، إذ قلبوا العالم وهم قلة صغيرة، لكنهم كانوا مملوئين من الروح وأمناء حتى الموت، فنظرة الأنبياء لاختيار إسرائيل تُظهر أنه كان تمييزًا مسؤولًا، لا تفوّقًا مُطلقًا. لقد رفضوا بشدة أي شعور بالعصمة أو الأفضلية القومية، وركّزوا على القلب، والطاعة، والاتضاع، رسالة الأنبياء المستمرة هي أن الله يبحث عن شعب قلبه له، لا شعب يفتخر بنسبه أو أرضه. وأن الاختيار لا يُقاس بالمكانة، بل بالأمانة. ومتى فقد المختارون روح الطاعة، يُستبدلون بمن يسلكون بحسب قلب الله، وبهذا، يُسهم الأنبياء في تأسيس رؤية صحيحة ومتوازنة للاختيار الإلهي، رؤية لا تقوم على الكبرياء، بل على الدعوة، المحبة، والمسؤولية.

 

 ٣

هل الله يكيل بمكيالين؟

 

سؤال جوهري يتكرر كثيرًا عند الحديث عن اختيار إسرائيل: هل الله يكيل بمكيالين؟ أي: هل يتعامل مع شعب إسرائيل بمعايير مختلفة عن باقي الشعوب؟ وهل "الاختيار" يعني أن الله يفضل شعبًا على آخر، ويتغاضى عن أخطائهم، بينما يدين غيرهم على نفس الخطايا؟ هذا سؤال عادل، ويستحق إجابة جادة من واقع النصوص الكتابية ومن نظرة الله الشاملة للإنسانية.

 

أولًا: عدل الله لا يتحيز

في ضوء إعلان الكتاب المقدس عن عدل الله الذي لا يتحيّز، نكتشف أن الاختيار الإلهي لم يبدأ بأمة، بل بفرد. الله في حكمته لم يؤسس مشروعه الخلاصي على أساس قومي، بل على أساس علاقة شخصية مع رجل واحد هو "إبراهيم"، الذي دُعي وهو بعد في أور الكلدانيين، أي من وسط أمة وثنية، لا ميزة له بحسب الجسد. يقول الرب له " اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً، وَأُبَارِكَكَ، وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. (تك ١٢ : ١ - ٢) لم يكن لإبراهيم امتياز وطني، لكنه نال الدعوة لأنه آمن وأطاع. ولهذا نقرأ "فَآمَنَ بِالرَّبِّ، فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا." (تك ١٥ : ٦) ويعلّق بولس على ذلك قائلًا " اعْلَمُوا إِذًا أَنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ، أُولَئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ." (غلا ٣ : ٧) ويقول ايضا "لَيْسَ الَّذِي مِنْ إِسْرَائِيلَ هُوَ إِسْرَائِيلِيًّا، وَلا لأنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعُهُمْ أَوْلادٌ." (رو ٩ : ٦ - ٧) إذاً، الاختيار في جذوره ليس امتيازًا جماعيًا، بل علاقة فردية بدأت بإبراهيم، نموذج الإنسان الذي يسمع ويدخل في عهد مع الله بالإيمان والطاعة، وهكذا، حين اختار الله إبراهيم، لم يكن متحيزًا، بل كان يضع حجر الأساس لفداء شامل يشمل كل من يسلك بإيمان، وهذا ما أعلنه بطرس عند دخول بيت كرنيليوس، قائلا "فِي كُلِّ أُمَّةٍ، الَّذِي يَتَّقِي اللهَ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ، مَقْبُولٌ عِنْدَهُ." (أع ١٠ : ٣٥) فالاختيار يبدأ بفرد، وليس بأمة، ويظل مفتوحًا لكل من يسلك في الحق، إذ أن "الله لا يُحابي الوجوه" (رو ٢ : ١١).

 

ثانيًا: المسؤولية بقدر النور

إذا بدا في بعض الأحيان أن الله يحاسب إسرائيل بقسوة أكثر من غيرهم، فذلك لأنهم نالوا نورًا أكثر. فكما قال الرب يسوع " وَأَمَّا ذلِكَ الْعَبْدُ الَّذِي يَعْلَمُ إِرَادَةَ سَيِّدِهِ وَلا يَسْتَعِدُّ وَلا يَفْعَلُ بحَسَبِ إِرَادَتِهِ، فَيُضْرَبُ كَثِيرًا. وَلكِنَّ الَّذِي لا يَعْلَمُ، وَيَفْعَلُ مَا يَسْتَحِقُّ ضَرَبَاتٍ، يُضْرَبُ قَلِيلا. فَكُلُّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ، وَمَنْ يُودِعُونَهُ كَثِيرًا يُطَالِبُونَهُ بِأَكْثَرَ. (لو ١٢ : ٤٧-٤٨) المعيار إذًا ليس التمييز في المعاملة، بل درجة المعرفة. شعب إسرائيل نال الشريعة، والأنبياء، والهيكل، والتاريخ الخلاصي... وبالتالي، فحين ينحرفون، تكون المحاسبة أكبر.

تأديب لا تدمير : في كثير من النصوص، نرى أن الله يؤدب إسرائيل بشدة، لكنه لا يفنيهم. لماذا؟ لأنهم يحملون وعدًا مرتبطًا بخطة الخلاص، لا لأنهم أبرّ أو أطهر من غيرهم. يقول الله " لأنِّي أَنَا مَعَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأخَلِّصَكَ. وَإِنْ أَفْنَيْتُ جَمِيعَ الأمَمِ الَّذِينَ بَدَّدْتُكَ إِلَيْهِمْ، فَأَنْتَ لا أُفْنِيكَ، بَلْ أُؤَدِّبُكَ بِالْحَقِّ، وَلا أُبَرِّئُكَ تَبْرِئَةً. (أر ٣٠ : ١١) إسرائيل، بحسب الكتاب، لم يُعاملوا بتساهل، بل خضعوا لتأديب مرير: السبي، الذل، ضياع الأرض، الاضطهادات... ومع ذلك، ظل الوعد قائمًا، لأن الله أمين، لا لأن الشعب أمين.

الله يدين الأمم وإسرائيل : الله لا يتساهل مع الأمم أيضًا. فآشور وبابل ومصر وأدوم وموآب وصور وصيدون، كلها خضعت لدينونة الله بسبب شرها. سفر إشعياء وأرميا وحزقيال مليئة بالنبوّات ضد الشعوب. لكن اللافت أن الله أيضًا يعامل إسرائيل كشعب بين الشعوب، يخضع للمعايير نفسها " وَقُلِ: اسْمَعُوا كَلِمَةَ الرَّبِّ يَا مُلُوكَ يَهُوذَا وَسُكَّانَ أُورُشَلِيمَ. ...هأَنَذَا جَالِبٌ عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ شَرًّا، كُلُّ مَنْ سَمِعَ بِهِ تَطِنُّ أُذْنَاهُ. مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ تَرَكُونِي، وَأَنْكَرُوا هذَا الْمَوْضِعَ وَبَخَّرُوا فِيهِ لآلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ يَعْرِفُوهَا هُمْ وَلا آبَاؤُهُمْ وَلا مُلُوكُ يَهُوذَا، وَمَلأوا هذَا الْمَوْضِعَ مِنْ دَمِ الأزْكِيَاءِ، (أر ١٩ :  ٣-٤) ولذلك لا يمكن القول إن الله يكيل بمكيالين. بل هو عادل في معاملته للجميع، ويُدين بحسب معرفة كل طرف ومسؤوليته.

 

ثالثًا :  يسوع – نقض الكبرياء القومي:

في حياة المسيح وتعاليمه، نجد رفضًا صريحًا لفكرة التمييز القومي أو الديني. فقد مدح يسوع إيمان المرأة الكنعانية (مت ١٥)، وشفَى عبد قائد مئة روماني، ورفع مثل السامري الصالح (لو ١٠) كنموذج للرحمة، قال لليهود " وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ". (مت ٨ :  ١١-١٢) هنا، يسوع لا يرفض إسرائيل كشعب، لكنه يعلن أن القبول أمام الله مرتبط بالإيمان، لا بالانتماء القومي.

دعوة شاملة للخلاص : رسالة العهد الجديد متّسقة تمامًا مع هذه الرؤية. فبولس يقول " لأنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيًّا، وَلا الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَانًا، (رو ٢ : ٢٨) ويؤكد قائلا " وَلكِنْ لَيْسَ هكَذَا حَتَّى إِنَّ كَلِمَةَ اللهِ قَدْ سَقَطَتْ. لأنْ لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، (رو ٩ : ٦) أي أن "إسرائيل الحقيقي" هو من يسلك بإيمان وطاعة، لا من يحمل الاسم فقط، فميزان الحق الإلهي واحد - الله لا يكيل بمكيالين، نعم اختار إسرائيل لأجل خطة الفداء، لكنه لم يغض الطرف عن خطاياهم، بل أدّبهم، وأحيانًا كان الحكم القضائي لهم بإذلالهم، لأنهم لم يسلكوا بحسب النور المعطى لهم، الاختيار لا يعني التفضيل في الدينونة، بل المسؤولية الأعظم. والله الذي هو ديّان كل الأرض، لا يخطئ، ولا يُجامل، بل  " تَفْرَحُ وَتَبْتَهِجُ الأمَمُ لأنَّكَ تَدِينُ الشُّعُوبَ بِالاسْتِقَامَةِ، وَأُمَمَ الأرْضِ تَهْدِيهِمْ. ... (مز ٦٧ : ٤) فالله لا يكيل بمكيالين، بل يتعامل مع جميع البشر بمقياس واحد: الإيمان والطاعة. اختيار إسرائيل لم يكن تفضيلًا أعمى، بل مسؤولية لحمل رسالة الخلاص، ومع ذلك لم يُعفَ الشعب من التأديب حين حاد عن الطريق. الاختيار الإلهي بدأ بفرد هو إبراهيم، واستمر لكل من يسلك بالإيمان في كل أمة، لأن "الله لا يُحابِي الوجوه". فالمعيار الإلهي ثابت: "الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده". إن عدل الله يضمن أن كل دينونة أو مكافأة تأتي بحسب النور المعطى والمسؤولية المحملة، دون محاباة أو تمييز.

 

 

الفصل الرابع

 الامم

ومعاملات الله معها

 

 

 ١

 عدالة الله واختيار شعب واحد

 

عدالة الله واختيار شعب واحد - ما هو إلا إعلان للنعمة في وجه الأمم:

 ولكن هل فهم شعب إسرائيل وفهم الامم هذا؟ يبدو للوهلة الأولى أن اختيار الله لشعب واحد – إسرائيل – قد يناقض عدالته، خاصة إذا قرأناه من زاوية تفضيل أمة على سائر الأمم، ولكن عند التعمق في النصوص الكتابية، يتكشف لنا أن هذا الاختيار لم يكن أبدًا تفضيليًا على حساب الآخرين، بل كان وسيلة لإعلان نعمة الله وعدله وحنانه لكل الشعوب، من خلال أمة واحدة، إن عدالة الله تعني أنه لا يميز بحسب العرق أو النسب أو اللغة، بل بحسب القلب والتقوى. لذلك لم يكن اختيار إسرائيل من باب المحاباة، بل من باب الرسالة، وكأن الله اختار شعبًا صغيرًا ومتواضعًا، لكي يُظهر من خلاله غنى رحمته لجميع الشعوب، حتى تغار الأمم وتحسد، وتسعى لنفس العلاقة مع الله، لا ان تغار وتفهم عكسيا "  فَقَالَ: "قَلِيلٌ أَنْ تَكُونَ لِي عَبْدًا لإقَامَةِ أَسْبَاطِ يَعْقُوبَ، وَرَدِّ مَحْفُوظِي إِسْرَائِيلَ. فَقَدْ جَعَلْتُكَ نُورًا لِلأمَمِ لِتَكُونَ خَلاصِي إِلَى أَقْصَى الأرْضِ". (إش ٤٩ : ٦) إذًا، الاختيار لم يكن نهاية، بل أداة ووسيلة لخدمة الخلاص للعام.

ما صار عليه العالم من مواقف ضد شعب إسرائيل، لم يكن أبدًا في صالح خلاصهم، كما أن كبرياء إسرائيل واحتكارهم لفكرة الخلاص لأنفسهم فقط، شوّه رسالة الله، وأفرغها من هدفها الأساسي. الصراع الذي نراه اليوم بين الأمم وإسرائيل ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات نفسية وتاريخية، غذّاها العناد الروحي من الجانبين. لقد أعطى كل طرف مساحة للشيطان ليشوّه المقصد الإلهي، فتحولت رسالة الخلاص من دعوة جامعة، إلى نزاع قومي. وبين الغيرة المريضة والاعتداد الخاطئ، ضاعت صورة الله كأب للجميع، ومخلص لكل البشر.

إن هذا التاريخ ينبغي أن يكون تحذيرًا صارخًا للكنيسة اليوم، كي لا تسلك ذات الطريق الذي سلكه شعب إسرائيل، فلا تقع في فخ التميز الكاذب أو الاعتداد بالدعوة دون أمانة الرسالة. الكنيسة ليست وريثة للاختبار الإلهي لكي تحتكره، بل لتعلنه. وإن تحولت الكنيسة إلى كيان يُمجِّد ذاته بدلًا من أن يُمجِّد المسيح، وإن رأت في نفسها الغاية لا الوسيلة، فإنها تفقد تأثيرها، وتخسر دعوتها. الخطر ليس في الرفض الخارجي فحسب، بل في التيبس الداخلي. فالكنيسة المدعوة لتكون نورًا للعالم، إن خبأت نار دعوتها، ستُزحزَح من منارتها.

 

أولًا: إعلان نعمة الله من خلال المختارين

عندما نقرأ حياة الآباء، نرى أن الله لم يخترهم لأنهم أبرار أو أكمل من غيرهم، بل لأنهم تجاوبوا مع النعمة، في إبراهيم، رأى الله قلبًا مستعدًا للإيمان والطاعة، لا كمالًا أخلاقيًا. فالله أعلن نعمته لإبراهيم، ثم لإسحاق ويعقوب، لكي يرى العالم كله أن الله لا يختار الكاملين، بل يصنع الكاملين بالنعمة "فَآمَنَ بِالرَّبِّ، فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا" (تكوين ١٥: ٦) وبهذا، تحوّلت حياة إبراهيم إلى لوحة إلهية تعلن أن النعمة ليست محصورة في مكان أو نسب، بل تأتي حيث يوجد إيمان حي، بل أن نعمة الله ظهرت بصورة متزايدة في معاملات الله مع شعب عنيد وصلب الرقبة، مثل بني إسرائيل، ليُظهر من خلالهم صبره وطول أناته " أَمَّا هُوَ فَرَؤُوفٌ، يَغْفِرُ الإثْمَ وَلا يُهْلِكُ. وَكَثِيرًا مَا رَدَّ غَضَبَهُ، وَلَمْ يُشْعِلْ كُلَّ سَخَطِهِ. (مز ٧٨ : ٣٨) فهل كانت نعمة الله حكرًا على إسرائيل؟ أبدًا! لكنها ظهرت فيهم أولًا، كي تُعلَن للجميع لاحقًا. مثل ما تكون الشعلة في يد شخص، لكي يُنير الطريق أمام الآخرين.

من أعجب الصور التي نراها في العهد القديم، هو محبة الله المتكررة لشعب يخونه مرارًا. وهذه المحبة ليست لأن الشعب يستحق، بل لأن الله يُحب بذاته. وهذا واضح في نداءات الله المتكررة عبر الأنبياء " "مَاذَا أَصْنَعُ بِكَ يَا أَفْرَايِمُ؟ مَاذَا أَصْنَعُ بِكَ يَا يَهُوذَا؟ فَإِنَّ إِحْسَانَكُمْ كَسَحَابِ الصُّبْحِ، وَكَالنَّدَى الْمَاضِي بَاكِرًا. (هو ٦ : ٤) محبة الله لشعبه كانت درامية، علنية! لكنها كانت لأجل هدف أسمى، أن يعرف العالم أن الله يحب رغم الخيانة، ويطلب العهد رغم الجفاء، وهذه المحبة المعلنة لشعب قاسي القلب، كانت سببًا في غيرة الشعوب، لا على الشعب، بل على العلاقة التي تربطهم بالله. ومن هنا نفهم ما قاله بولس " لكِنِّي أَقُولُ: أَلَعَلَّ إِسْرَائِيلَ لَمْ يَعْلَمْ؟ أَوَّلا مُوسَى يَقُولُ:"أَنَا أُغِيرُكُمْ بِمَا لَيْسَ أُمَّةً. بِأُمَّةٍ غَبِيَّةٍ أُغِيظُكُمْ". (رو ١٠ : ١٩) فالله يستخدم المحبة، لا التفضيل، لكي يجذب الأمم إلى ذاته. الشعب المختار كان المسرح الذي تُعرض فيه محبة الله أمام الأمم، لا الممثل الوحيد في خطة الخلاص.

 

ثانيا: حنان الله في التأديب، لا في التهاون:

إن حنان الله لم يظهر فقط في رحمته ومحبته، بل أيضًا في تأديبه العادل لشعبه، حتى لا يظن أحد أن الاختيار يعني حصانة ضد العقاب. لقد سمح الله بالسبي والضيق والجوع والضياع، لأن الهدف لم يكن تعذيب الشعب، بل إصلاحه ليكون شاهدًا حيًا. " لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأُخَلِّصَكَ. وَإِنْ أَفْنَيْتُ جَمِيعَ الأُمَمِ الَّذِينَ بَدَّدْتُكَ إِلَيْهِمْ، فَأَنْتَ لاَ أُفْنِيكَ، بَلْ أُؤَدِّبُكَ بِالْحَقِّ، وَلاَ أُبَرِّئُكَ تَبْرِئَةً. لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: كَسْرُكِ عَدِيمُ الْجَبْرِ وَجُرْحُكِ عُضَالٌ. (أر٣٠ :  ١١-١٢) الله لا يدلّل شعبه المدعو، بل يؤدبه، لأنه أب حنون، لا قاضٍ متحيز. هذه الصورة التربوية، تُظهر أن الله يُعامل شعبه بمسؤولية أعلى، لأنه دعاهم إلى علاقة أعمق، الله لا يعمل من خلال الأغلبية، بل غالبًا ما يبدأ بفرد – كما بدأ بإبراهيم – ثم بشعب، ثم بمجموعة، لكي يُعلن نفسه للعالم، في يوسف، نرى كيف حفظ الله حياة الأمم من الجوع " فَقَدْ أَرْسَلَنِي الله قُدَّامَكُمْ لِيَجْعَلَ لَكُمْ بَقِيَّةً فِي الأرْضِ وَلِيَسْتَبْقِيَ لَكُمْ نَجَاةً عَظِيمَةً. (تك ٤٥ : ٧) وفي دانيال، نرى كيف أشع نور الله في قلب إمبراطور وثني. في يونان، نجد الله يرسل نبيًا يهوديًا لينذر مدينة أممية، ويُظهر شفقته على الشعوب "أفَلا أَشْفِقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ؟" (يونان ٤: ١١) وحتى في إشعياء، نجد إعلانًا بأن خلاص الله لن يُحبس في حدود إسرائيل "فَتَرَى جَمِيعُ أَقَاصِي الأرْضِ خَلاصَ إِلهِنَا" (إشعياء ٥٢: ١٠) إذًا، الأمم كانت دائمًا في قلب الله، واختياره لإسرائيل لم يكن إقصاءً، بل منصة لإعلان الشفقة والعطف الإلهي للعالم.

عدالة الله لا تُفهم بمعزل عن نعمته، ومحبته، وحنانه. نعم، اختار الله شعبًا واحدًا، لكن لا ليُدلّله، بل ليُستخدم كأداة لكشف وجهه الحقيقي للعالم. لقد اختار من خلالهم أن يُظهر نعمته التي لا تُقارن، ومحبته التي لا تُفهم، وحنانه الذي لا يُفسر، لكي تغار الأمم، وتطلبه، وإن كانت الأمم يومًا تحسد العلاقة بين الله وشعبه، فذلك لأن الله أعدّ لهم ذات الحب، ذات النعمة، وذات الشفقة. وما بدأه في إبراهيم، يُكمّله في المسيح، الذي به صارت كل الأمم مدعوة إلى شركة واحدة في الخلاص "لَيْسَ يُهُودِيٌّ وَلا يُونَانِيٌّ، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (غلاطية ٣: ٢٨).

 

 

 ٢

 أمم أُخرى تعامل الله معها

 

ليس شعب إسرائيل وحدهم مَن نالوا معاملات الله، بل أن لله تعاملات متكررة ومقصودة مع شعوب وأمم غير إسرائيلية. هذا يُظهر عدله الشامل، ورحمته التي لا تنحصر داخل حدود جغرافية أو قومية. فالله لم يكن يومًا إلهًا لشعب واحد فقط، بل هو خالق الجميع، ويحب الجميع، ويدعو الجميع إلى التوبة والحياة.

 

أولًا: نينوى – المدينة الأممية التي رحمها الله سفر يونان يقدم واحدة من أوضح الصور عن تعامل الله مع الأمم برحمة. نينوى، مدينة عظيمة من مدن أشور، كانت مشهورة بشرها، ومع ذلك أرسل الله نبيًا خاصًا، يونان، لينذرها، رغم أنه نبي لإسرائيل. هذه البادرة تكشف عدل الله ورغبته في الخلاص لا الدينونة. قال الرب: " أَفَلا أَشْفَقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رِبْوَةً مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ يَمِينَهُمْ مِنْ شِمَالِهِمْ، وَبَهَائِمُ كَثِيرَةٌ؟". (يو ٤ : ١١) لقد تابت نينوى فرجع الله عن العقاب. لم يرفضها لأنها ليست من شعبه المختار، بل قبِل توبتها، بل وجعل توبتها مثالًا يُدان به الجيل اليهودي في زمن المسيح " رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا! (مت ١٢ : ٤١) فهل ندرك انه ليس عند الرب محاباه في معاملاته، سواء كان علي مستوي المدن او الأفراد

 

ثانيًا: راحاب – الأممية التي آمنت فدخلت شعب الله راحاب الزانية، امرأة أممية من أريحا، اختبرت رحمة الله وعدله حين أعلنت إيمانها بإله إسرائيل. قالت للجواسيس " وَقَالَتْ لِلرَّجُلَيْنِ: "عَلِمْتُ أَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَعْطَاكُمُ الأرْضَ، وَأَنَّ رُعْبَكُمْ قَدْ وَقَعَ عَلَيْنَا، وَأَنَّ جَمِيعَ سُكَّانِ الأرْضِ ذَابُوا مِنْ أَجْلِكُمْ، (يش ٢ : ٩) لم يرفضها الله لأنها كنعانية، بل قبلها بالإيمان، بل وأصبحت جزءًا من نسب المسيح نفسه " وَسَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ. وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوثَ. وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى. (مت ١ : ٥) فهل يوجد كرامة اكثر من هذا لمن امن، إيمان راحاب لم يكن مجرد كلمات، بل تجلّى في أفعال عملية: خبأت الجواسيس وخاطرت بحياتها من أجل الرب، وكأنها تقول: لم يعد لأريحا وآلهتها، بل لإله السماء والأرض. هذا التحوّل الجذري، وسط بيئة وثنية، يكشف عن سلطان النعمة في اجتذاب النفوس من أقصى الأرض إلى قلب العهد. وكم هو مدهش أن الله لم يكتفِ فقط بقبولها، بل رفعها وشرفها وجعلها رمزًا حيًا للنعمة العاملة في من يعتبرهم البشر "خارج الدائرة". يشير كاتب العبرانيين إليها ضمن أبطال الإيمان "بِالإِيمَانِ رَاحَابُ الزَّانِيَةُ لَمْ تَهْلِكْ مَعَ الْعُصَاةِ، إِذْ قَبِلَتِ الْجَاسُوسَيْنِ بِسَلامٍ." (عب ١١ : ٣١). راحاب هي صوت الأمم الذين تجاوبوا مع الايمان ب الله، لتقول للأجيال: "الرب لا ينظر إلى الماضي بل إلى الإيمان"، وهذا درس حيّ للكنيسة ألا تستهين بأي خاطئ ما دام قد آمن بقلب صادق.

 

ثالثًا: راعوث – الموآبية التي اختارت الرب راعوث امرأة من شعب موآب، وهو من الشعوب التي كان لها تاريخ صعب مع إسرائيل. لكنها حين أعلنت ولاءها لله قائلة: "شعبك شعبي، وإلهك إلهي" (راعوث ١ : ١٦) قبلها الله، وأدخلها في خطة الفداء، وجعلها هي أيضًا في سلسلة نسب المسيح، إيمان راعوث لم يكن مجرد قرار عاطفي تجاه حماتها، بل كان إعلانًا جوهريًا لرفض ماضيها الوثني، والدخول الكامل في علاقة عهد مع إله إسرائيل. قرارها أن تترك أرضها وشعبها وآلهتها لم يكن سهلا، لكنه كان قرارًا واعيًا ومقدسًا نابعًا من قلب مشتاق لله الحي، وهكذا كافأها الله، لا فقط بالقبول، بل بالتكريم، فجعلها زوجة لبوعز، ودخلت نسب المسيح، وكُتب عنها سفر كامل، ليشهد إلى الأبد عن نعمة الله التي لا تميّز ولا ترفض من يطلبه بإخلاص. في نهاية السفر نقرأ "وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ. وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى. وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ." (راعوث ٤ : ٢١-٢٢). وهكذا، فراحاب الكنعانية، وراعوث الموآبية، صارتا معًا شاهدتين أن رحمة الرب تمتد إلى كل من يؤمن، مهما كان ماضيه، وهذا ما يجب أن تتأمله الكنيسة جيدًا.

 

رابعًا: الملك نبوخذنصر – ملك أممي نال إعلانًا إلهيًا في سفر دانيال، نرى كيف تعامل الله مع نبوخذنصر ملك بابل، رغم جبروته وفخره، أعطاه الله رؤى، وأرسل إليه دانيال لتفسيرها، ووبّخه حين تكبّر، وأدّبه بأن جعله كالحيوان في البرية، لكن حين رفع عينيه إلى السماء وتواضع، ردّ الله له ملكه، وقال نبوخذنصر بنفسه: " فَالآنَ، أَنَا نَبُوخَذْنَصَّرُ، أُسَبِّحُ وَأُعَظِّمُ وَأَحْمَدُ مَلِكَ السَّمَاءِ، الَّذِي كُلُّ أَعْمَالِهِ حَقٌّ وَطُرُقِهِ عَدْلٌ، وَمَنْ يَسْلُكُ بِالْكِبْرِيَاءِ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُذِلَّهُ. (دا ٤ : ٣٤) ما جرى مع نبوخذنصر يؤكد أن الله لا يحصر نفسه داخل حدود شعب واحد، بل يمدّ نعمته وتحذيراته حتى إلى أعظم ملوك الأرض، إن كانوا مستعدين أن يسمعوا. لقد سمح الله لنبوخذنصر أن يتسلط على شعوب كثيرة، بل وأسماه "عبدي" (إر ٢٧ : ٦) لكنه لم يغفل عن كبريائه، بل تدخل بقوة ليؤدّبه ويرشده. وفي النهاية، لم يعلن نبي أو كاهن تمجيد الله، بل ملك أممي وقف قائلا إن "أعماله حق وطرقه عدل". في هذا الإعلان، يظهر العدل الإلهي والنعمة الإلهية يلتقيان: عدل يؤدب، ونعمة ترد وتقبل. لقد صار نبوخذنصر مثالا لكل من يسلك في العجرفة والعلو، وأيضًا رجاءً لكل من يتوب ويتواضع. فالله الذي افتقد ملك بابل، لا يزال يفتقد الأمم والملوك اليوم، ويطلب منهم التسبيح والخضوع له. فهل تتعلم الكنيسة من هذا؟ أن الله لا يحدّه جغرافيا، ولا يحابي شعبًا؟

 

خامسًا: كرنيليوس – الأممي الذي قَبِلَه الله قبل أن يصير يهوديًا في ( أع ١٠ ) نرى أن الله استجاب لصلاة كرنيليوس قبل أن يؤمن بالمسيح، أي قبل أن يصير جزءًا من المؤمنين، أرسل الله إليه ملاكًا، وأعدّ قلب بطرس ليكسر الحاجز القومي، والنتيجة كانت مدهشة: الروح القدس حلّ على كرنيليوس وأهل بيته وهم أمميون، قبل أن يعتمدوا بالماء، ففهم بطرس قائلًا: " فَفَتَحَ بُطْرُسُ فَاهُ وَقَالَ:"بِالْحَقِّ أَنَا أَجِدُ أَنَّ الله لا يَقْبَلُ الْوُجُوهَ. بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ، الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ. (أع١٠ :  ٣٤-٣٥) قصة كرنيليوس تمثّل نقطة تحوّل جوهرية في تاريخ الإعلان الإلهي، إذ كسرت الحاجز الذي دام قرونًا بين اليهود والأمم. لم يُطلب من كرنيليوس أن يتهوّد أولًا، بل استُجيب له لأنه كان يتقي الله ويصنع البر. هذا الحدث الإلهي لم يكن فقط من أجل خلاص كرنيليوس، بل أيضًا لتغيير فكر الكنيسة الوليدة، ليفهموا أن الله لا يُقيّد بمذهب أو عِرق أو تقليد ديني. فالروح القدس حلّ عليه قبل أن يُعتمد، في إشارة واضحة أن الخلاص بالإيمان، لا بالانتماء القومي أو الطقسي. هذه القصة تؤكد أن الأمم لم يكونوا في الهامش، بل في قلب خطة الله من البداية، وأن دعوة الكنيسة هي أن تتوسع لا أن تنغلق، لقد أعلن الله من خلال كرنيليوس أن أبواب الملكوت مفتوح لكل من يتّقي الله ويصنع البر، وأن القبول عند الله ليس حكرًا، بل وعدٌ مشروط بالتقوى والاستجابة.

 

سادسًا: المرأة الكنعانية – الإيمان الذي لم يُرفض في (مت ١٥) طلبت امرأة كنعانية شفاء ابنتها من المسيح، وبعد حوار مليء بالتحدي، أظهر الرب إيمانها القوي قائلًا: "يا امرأة، عظيمٌ إيمانك! ليكن لك كما تريدين" (مت ١٥: ٢٨). لم تكن من شعب إسرائيل، ومع ذلك نالت الاستجابة لأنها تقدّمت بإيمان حي، المرأة الكنعانية تضع أمامنا مبدأ إلهيًا واضحًا: أن الإيمان هو المعيار، لا الأصل القومي. فهذه المرأة، رغم أنها من شعبٍ مرفوض بحسب المفهوم اليهودي، جاءت بثقة حقيقية، ورفضت أن ترحل دون أن تنال رحمة. في حوارها مع الرب، قبلت أن تُدعى "كلبة" لكنها تمسّكت بالرحمة الإلهية، قائلة: "والكلاب أيضًا تأكل من الفتات الساقط من مائدة أربابهم". كان يمكن أن تُهمل، أو أن تُرفض ظاهريًا، لكنها ثابرت في الإيمان، وهو ما مدحه المسيح بقوله: "يا امرأة، عظيم إيمانك!" هذا المشهد يُظهر أن الله لا يهمّه النسب بل القلب، لا الاسم بل الثقة. وهكذا، دخلت هذه الأممية إلى دائرة البركة، في حين أن كثيرين من أبناء العهد رفضوا المسيح. هي دعوة للكنيسة أن تتعلم من هذه المرأة، أن التواضع والإيمان الحي يفتحان أبواب السماء، ولو من خارج بيت إسرائيل.

 

سابعًا: العبد الكوشي – غريب عن شعب الله ودافع عن الحق ( إر ٣٨ : ٧ – ١٣ و ٣٩ : ١٥ – ١٨ ) اسمه يعني "عبد الملك" كان كوشيًا، أي من أرض كوش (تقع جنوب مصر وشمال السودان، وتُعد جزءًا من النوبة في ذلك الوقت تقريبا) كان خصيًا (خصي القصر)، وغالبًا يشغل منصبًا إداريًا في قصر الملك صدقيا، لم يكن من شعب إسرائيل، بل غريب الجنس والإيمان، لكنه كان أبرّ من كثيرين من شعب الله، فقد كان النبي إرميا يُحذّر من بقاء الشعب في أورشليم، ويطلب منهم أن يُسلّموا أنفسهم لملك بابل ليحيوا. لكن رؤساء يهوذا اتهموه بأنه يُثبط عزائم الشعب، وأقنعوا الملك بإعدامه، فألقوه في جب عميق في سجن الملك، لم يكن فيه ماء، بل طين، وغاص فيه إرميا، بلا طعام ولا رجاء... فقط الموت البطيء، وهنا يظهر "هذا العبد الكوشي" كموقف شجاع ومليء بالرحمة، موقف عبد ملك البطولي، سمع أن النبي أُلقِي في الجب، فتحرك قلبه، دخل بثقة إلى الملك صدقيا وقال له بجرأة " يَا سَيِّدِي الْمَلِكَ، قَدْ أَسَاءَ هؤُلاءِ الرِّجَالُ فِي كُلِّ مَا فَعَلُوا بِإِرْمِيَا النَّبِيِّ، الَّذِي طَرَحُوهُ فِي الْجُبِّ، فَإِنَّهُ يَمُوتُ فِي مَكَانِهِ بِسَبَبِ الْجُوعِ، لأنَّهُ لَيْسَ بَعْدُ خُبْزٌ فِي الْمَدِينَةِ". فَأَمَرَ الْمَلِكُ عَبْدَ مَلِكَ الْكُوشِيَّ قَائِلا: "خُذْ مَعَكَ مِنْ هُنَا ثَلاثِينَ رَجُلا، وَأَطْلِعْ إِرْمِيَا مِنَ الْجُبِّ قَبْلَمَا يَمُوتُ". فَجَذَبُوا إِرْمِيَا بِالْحِبَالِ وَأَطْلَعُوهُ مِنَ الْجُبِّ. فَأَقَامَ إِرْمِيَا فِي دَارِ السِّجْنِ. (أر٣٨ :  ٩-١٠، ١٣) أنقذوا النبي، ووضعوا الخرق تحت إبطيه حتى لا تؤذيه الحبال عند رفعه، كان هذا الكوشي الغريب أكثر عدلًا ورحمة من رؤساء يهوذا، إذ خاف الله ولم يخشَ الناس، فكافئه الرب لانه اعلن شجاعته لرجل الله "  وَصَارَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلَى إِرْمِيَا إِذْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي دَارِ السِّجْنِ قَائِلَةً: "اذْهَبْ وَكَلِّمْ عَبْدَ مَلِكَ الْكُوشِيِّ قَائِلا: هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: هأَنَذَا جَالِبٌ كَلامِي عَلَى هذِهِ الْمَدِينَةِ لِلشَّرِّ لا لِلْخَيْرِ، فَيَحْدُثُ أَمَامَكَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ. وَلكِنَّنِي أُنْقِذُكَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ الرَّبُّ، فَلا تُسْلَمُ لِيَدِ النَّاسِ الَّذِينَ أَنْتَ خَائِفٌ مِنْهُمْ. بَلْ إِنَّمَا أُنَجِّيكَ نَجَاةً، فَلا تَسْقُطُ بِالسَّيْفِ، بَلْ تَكُونُ لَكَ نَفْسُكَ غَنِيمَةً، لأنَّكَ قَدْ تَوَكَّلْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ الرَّبُّ". (أر٣٩ :  ١٥-١٨) بينما كانت أورشليم تسقط، وكان الجميع يهرب أو يُقتل،  الله كرّمه لأنه - دافع عن رجل الله - لم يخشَ الملوك - وثق بالرب، فالحق والايمان ليس حكرًا على العرق أو الدين أو المركز، عبد الملك الغريب الخصي، كان بارًا أكثر من رؤساء يهوذا، الرحمة أبلغ من الشعارات، لم يكن عبد ملك نبيًا، لكنه أنقذ نبيًا، من يقف مع الحق لا ينساه الرب أبدًا، الله كافأ عبد ملك برسالة خاصة وسط الفوضى.

هل تعلم؟ أن في العهد الجديد، يظهر أيضًا خصي حبشي آخر في سفر الأعمال (ص ٨) وهو مؤمن تقيّ جاء من كوش ليعبد الله، وآمن بالمسيح على يد فيلبس. وهكذا نرى أن الرب له شهود من كل الأمم، فالأمم في العهد الجديد – شركاء في الميراث لم يتوقف تعامل الله مع الأمم في العهد القديم فقط، بل تكرّس هذا المسار في العهد الجديد. يقول بولس عن المسيح: " لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِالإيمَانِ مَوْعِدَ الرُّوحِ. (غلا ٣ : ١٤) ويؤكد أن الأمم شركاء ومقبولين " أَنَّ الأمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإنْجِيلِ. (أف ٣ : ٦) خلاصة تعامل الله مع الأمم ليس استثناءً ولا تنازلا، بل هو جزء أصيل من مقاصده منذ البداية. الله لم يرفض الأمم، بل نالوا رحمته وعدله حين تجاوبوا. هؤلاء لم يدخلوا في علاقة مع الله بسبب نسبهم أو أصلهم، بل بسبب الإيمان، وهذا ما يجعلنا نؤمن أن الله عادل ورحيم، يدعو كل الأمم ليكونوا واحدًا في المسيح. وعلينا أن نحذر من تحويل الاختيار إلى تمييز، وأن نعيش دعوة النور التي دُعينا لها، لا كامتياز، بل كمسؤولية نحو كل العالم.

 

 

٣

  العدل الإلهي في ضوء السيادة الإلهية

 

عند الحديث عن العدل الإلهي في ضوء السيادة الإلهية، نقترب من واحد من أعمق المفاهيم اللاهوتية التي تشغل الفكر الإنساني منذ القدم، كيف يكون الله سيدًا مطلقًا على كل شيء، يختار ويقضي، دون أن يكون في هذا ظلم أو جور؟ كيف نوفق بين فكرة أن الله يختار أمة، أو فردًا، أو زمنًا، أو خطة، وفي الوقت نفسه نعلن أن "الله عادل" لا يحابي الوجوه ولا يظلم أحدًا؟  "  لأنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ هُوَ إِلهُ الآلِهَةِ وَرَبُّ الأرْبَابِ، الإلهُ الْعَظِيمُ الْجَبَّارُ الْمَهِيبُ الَّذِي لا يَأْخُذُ بِالْوُجُوهِ وَلا يَقْبَلُ رَشْوَةً. (تث ١٠ : ١٧) - (رو ٢ : ١١)

 

أولًا: السيادة الإلهية لا تُناقض العدل، بل تُكمّله :

السيادة الإلهية والعدل في اختيار يعقوب دون عيسو: حكمة لا ظلم، فكثيرًا يُساء فهم السيادة الإلهية، فتُتصوَّر على أنها نوع من العشوائية أو الاستبداد. ولكن الحقيقة الكتابية تكشف عكس ذلك تمامًا - السيادة الإلهية لا تعني التسلط، بل هي تجلٍّ سامٍ للحكمة والحق، تُمارس في إطار المقاصد الأبدية لخلاص الإنسان. فالله، في كماله، ليس ملزمًا بأن يبرر قراراته للبشر، كما يقول بولس "بَلْ مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الإنْسَانُ الَّذِي تُجَاوِبُ الله؟ أَلَعَلَّ الْجِبْلَةَ تَقُولُ لِجَابِلِهَا:"لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هكَذَا؟" (رو ٩ : ٢٠) ومع ذلك، فإن هذه السيادة لا تُناقض العدل، بل تُعلنه بصورة أعمق وأقدس. الله اختار إبراهيم من وسط الأمم، ثم اختار من نسله يعقوب دون عيسو، لا لتمييز عنصري أو لتفوق أخلاقي، بل من أجل خطة خلاصية أعظم. لم يُظلَم عيسو، ولم يُقصَ من دائرة بركات الله، بل نال نصيبًا كريمًا وكرامة مستقلة، نرى هذا بوضوح في التاريخ الكتابي - لقد بارك الله عيسو، وأقام له أمة تُدعى "أدوم"، وأعطاه أرضًا خاصة به. بل عندما اقترب بنو إسرائيل من أرضه، أوصى الرب قائلًا " لا تَهْجِمُوا عَلَيْهِمْ، لأنِّي لا أُعْطِيكُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ وَلا وَطْأَةَ قَدَمٍ، لأنِّي لِعِيسُو قَدْ أَعْطَيْتُ جَبَلَ سِعِيرَ مِيرَاثًا. (تث ٢ : ٥) ولم يكتفِ الرب بذلك، بل أوصى في شريعته قائلًا  "لا تَكْرَهْ أَدُومِيًّا لأنَّهُ أَخُوكَ. لا تَكْرَهْ مِصْرِيًّا لأنَّكَ كُنْتَ نَزِيلا فِي أَرْضِهِ. (تث ٢٣ : ٧) فما يُقال عن "بُغض الله لعيسو" لا يعني كراهية شخصية، بل يشير إلى قرار سيادي بعدم مرور الخط المسياني من خلاله، وهذا لا يتنافى مع العدل، بل يُظهر تنوّع الأدوار ضمن وحدة القصد الإلهي، بل وأكثر من ذلك، فإن خسارة عيسو لمكانته في الخط المسياني لم تكن نتيجة قسوة من الله، بل نتيجة اختياره الشخصي، لقد باع بكوريته ليعقوب مقابل شهوة لحظية. ، والكتاب لا يتساهل في وصف فعلته، بل يقول في عبرانيين " لِئَلاَّ يَكُونَ أَحَدٌ زَانِيًا أَوْ مُسْتَبِيحًا كَعِيسُو، الَّذِي لأَجْلِ أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ بَاعَ بَكُورِيَّتَهُ. فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَيْضًا بَعْدَ ذلِكَ، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرِثَ الْبَرَكَةَ رُفِضَ، إِذْ لَمْ يَجِدْ لِلتَّوْبَةِ مَكَانًا، مَعَ أَنَّهُ طَلَبَهَا بِدُمُوعٍ. (عب١٢ :  ١٦-١٧) وهكذا، فإن ما فقده عيسو لم يكن بسبب ظلم من الله، بل بسبب استهانته بأقدس امتياز في عائلته، حمل البركة الروحية والنسب المسياني، حين استباح هذا الامتياز، خسره، وصار الحق في يد يعقوب لا لأنه "سرق"، بل لأنه اقتنى البكورية قانونًا، وإن كان بدهاء، فإذا نظرنا للأمر من هذا المنظور، نكتشف أن السيادة الإلهية لا تُقصي أحدًا عن رحمة الله، بل توزّع الأدوار بحسب المقاصد، دون أن تنتقص من كرامة أي شخص. فكما بارك الله يعقوب بالبركة الروحية، بارك عيسو بالنسل والميراث، وطلب من إسرائيل أن يكرموا أبناءه. فهل بعد ذلك نستطيع القول إن الله ظلَم عيسو؟ في النهاية، الله الذي اختار يعقوب لم يُبغض عيسو كإنسان، بل اختار من خلال السيادة أن يُجري خط الخلاص عبر أحد الفرعين، دون أن يهمل الآخر. وهذا درس كبير لكل من يظن أن اختيارات الله تُقصي أو تُهين، فالله لا ينسى أحدًا، ولا يتعامل بتمييز عشوائي، بل بمقاصد أزلية مليئة بالعدل، والرحمة، والحق.

 

ثانيًا: الاختيار في إطار العدل :

أحد أكبر المفاهيم الملتبسة هو أن الاختيار الإلهي يبدو وكأنه انتقائي وظالم، لكن النصوص تكشف أن الاختيار الإلهي لا يقوم على محاباة، بل على هدف ورسالة  "لأنَّهُ يَقُولُ لِمُوسَى: إِنِّي أَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ، وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ" (رو ٩ : ١٥) هذه ليست دعوة إلى ظلم الآخرين، بل إعلان أن الرحمة الإلهية غير مُقيدة باستحقاقات البشر، الله يختار ليُعلن ذاته، لكن في كل الأحوال، الجميع مدعوون للخلاص "الَّذِي يُرِيدُ أَنْ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ." (١تي ٢ : ٤ ) لذلك فاختيار الله لشعب معيّن أو لأمة معيّنة لا يُقصي الآخرين، بل يُعلن ذاته ليجذب الكل إليه من خلال قناة مُعيّنة وهذه القناه قد تكون انت قد اكون انا قد يكون اخرين.

إن السيادة الإلهية لا تمنع الله من أن يُدين حتى مَن اختارهم إن حادوا عن طريقه، نقرأ في (إر ٢٥) كيف أن الله يُرسل الأمم لتأديب شعبه وفي (عا ٣ : ٢) أن الله عرف شعب اسرائيل وعرفهم الحق وسيعاقبهم علي ذنوبهم بمقدار ومستوي معرفتهم، الله لا يحابي المختارين، بل يُؤدبهم بقسوة حين يخطئون، لأنه بحسب مبدأ العدل "كُلَّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا، يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ" (لو ١٢ : ٤٨) هذا العدل ليس انتقاميًا، بل عادلًا ومُصحّحًا، يسعى لاسترداد الإنسان لا لإهلاكه.

 

ثالثا: العدل الإلهي لا يُقاس بالمنطق البشري :

الإنسان يقيس العدالة بعدالة المقارنة، لماذا فلان ينجح وفلان يتألم؟ لماذا يُختار هذا دون ذاك؟ لكن العدل الإلهي يُقاس بمقياس الأبدية، لا اللحظة الراهنة. الله يرى النهاية من البداية، ويعمل في سياقات تتجاوز إدراك الإنسان، فمثلًا، اختيار يوسف ليعاني ثم يترقى ليس ظلمًا لإخوته أو له، بل خطة إلهية لخلاصهم كلهم. كما قال يوسف " أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا الله فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا، لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ، لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا. (تك ٥٠ : ٢٠) حين نفهم أن الله عادل في اختياراته، وسيّد في قراراته، ندرك محدوديتنا كبشر. هذا يقودنا إلى الاتضاع لا الجدال، وإلى الإيمان لا الشك. فالله الذي أعطى الحرية للإنسان، لا يستخدم سيادته لإلغاء العدالة، بل يوظف كل شيء لإعلان مجده، وخلاص الإنسان، دون أن يُجبر أحدًا أو يظلم أحدًا " يَا لَعُمْقِ غِنَى الله وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ! (رو ١١ : ٣٣)  فبدلًا من محاكمة الله بمنطقنا، يُدعى الإنسان للثقة في حكمة الله التي لا تخطئ، وفي عدله الذي لا يُجامل أحدًا، ففي ضوء السيادة الإلهية، يتجلّى عدل الله في أسمى صوره، الله لا يتصرّف بلا مقياس، ولا يختار بلا هدف، سيادته لا تُناقض محبته، وعدله لا يُلغي رحمته، بل في تفاعل فريد بين السيادة والعدل، يُعلن الله ذاته لكل الأمم، ويختار أدوات وطرقًا متنوّعة لخدمة مقاصده الأبدية، ومن هنا، فإن كل من يثق في الله، لا يُعثره الاختيار، بل يقوده للتسليم والاتضاع أمام إله يعرف ما لا نعرفه، ويقضي بما لا ندركه، لكنه عادل في كل طرقه، ورحيم في كل أعماله.

 

 

 

الفصل الخامس

من إسرائيل إلى الكنيسة

استمرارية أم قطيعة؟

 

١

 يسوع والميراث الروحي لإسرائيل

 

أثار انتقال الإعلان الإلهي من شعب إسرائيل إلى الكنيسة تساؤلات عميقة - هل يعني ذلك أن الله تراجع عن وعوده لشعبه القديم؟ هل الكنيسة بديل لإسرائيل، أم امتداد جديد في خطة الخلاص؟ هل نحن أمام استمرارية أم قطيعة؟ فمنذ البداية، يجب التمييز بين الهوية القومية والمقاصد الإلهية. فالله لم يربط وعوده بإسرائيل فقط بهويتهم كأمة، بل بطاعتهم، وأمانتهم، واستعدادهم لقبول مقاصده. ليست العلاقة "رابطة دم"، بل عهد روحي مشروط بالتجاوب. حين خالفوا مقاصد العهد، لم يُلغِ الله الوعد، بل نقله إلى الذين يقبلونه بالإيمان، دون النظر إلى الخلفية العرقية، فإسرائيل، في العهد القديم، كانت الأداة الرئيسية التي أعلن الله من خلالها ذاته ومقاصده. لكن هذا لم يكن الغاية النهائية، بل التمهيد لأمر أعظم، جسد جديد يشمل كل الشعوب، لا يقوم على النسب، بل على الإيمان. وهذا ما تبلور في الكنيسة، حيث لا فرق بين يهودي ويوناني، عبد وحر، ذكر وأنثى (غلا ٣ : ٢٨)

التحول من إسرائيل إلى الكنيسة ليس "انقلابًا"، بل انتقالٌ من الظل إلى الحقيقة، من الرمز إلى الكمال.

في الهيكل.. الذبائح... والكهنوت اللاوي... كانت هناك إشارات مستمرة لمجيئ المسيح. وحين جاء المسيح، تمّم هذه الرموز، وصار هو نفسه "الهيكل"، و"الكاهن"، و"الذبيحة". الكنيسة ليست "نسخة منقحة من إسرائيل"، بل تحقيق لنبواتها في سياق شامل للعالم كله.

 

لكن، هذه الاستمرارية لا تلغي الخصوصية الزمنية التي كانت لإسرائيل. لقد لعبت دورًا فريدًا في التجهيز للمسيح، لكن هذا الدور كان زمنيًا، وليس أبديًا. تمامًا كما أن يوحنا المعمدان جاء ليهيّئ الطريق، ثم انحسر دوره حين ظهر الحمل الحقيقي، هكذا كان دور إسرائيل في التاريخ الخلاصي، ومع ذلك، لا يجب أن نفهم هذا على أنه "قطيعة غاضبة" من الله،

لا قطيعة مع من لم يزل الله يدعوهم باستمرار للتوبة والإيمان

حتى اليوم، اليهود مدعوون للدخول في جسد المسيح، لا كغرباء، بل كأصل الشجرة التي طُعِّم فيها الأغصان من الأمم (رو ١١). فالعلاقة بين إسرائيل والكنيسة ليست علاقة "استبدال"، بل علاقة تكامل في القصد، وتدرج في الإعلان، فالكنيسة إذًا ليست بديلة عن إسرائيل، بل تمثل نقطة التقاء جديدة لكل من يؤمن – يهودًا أو أممًا – في شخص المسيح. ليست هناك "أمتان موازيتان" تسيران في خطين متوازيين، بل هناك شعب واحد جديد في المسيح، هو جسده، وهو العهد الجديد الذي يشمل الجميع.

 

إن من أخطر المفاهيم التي شوهت الفهم اللاهوتي هو ما يُسمى بـ"لاهوت الإحلال" الذي يرى أن الله أنهى علاقته تمامًا مع إسرائيل وأحل الكنيسة محلها. هذا يتعارض مع روح الكتاب المقدس الذي يقدم الله كأمين لوعوده، حتى إن خان الإنسان. ما فعله الله هو توسيع دائرة الخلاص، لا نقل الوعد إلى جهة دون أخرى، ومع ذلك، فإن الكنيسة، وهي تنال هذا الامتياز، ليست في منأى عن الدينونة إذا سلكت بالكبرياء كما فعلت إسرائيل. يحذّر بولس الكنيسة الأممية قائلًا " حَسَنًا! مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الإيمَانِ قُطِعَتْ، وَأَنْتَ بِالإيمَانِ ثَبَتَّ. لا تَسْتَكْبِرْ بَلْ خَفْ! لأنَّهُ إِنْ كَانَ الله لَمْ يُشْفِقْ عَلَى الأَغْصَانِ الطَّبِيعِيَّةِ فَلَعَلَّهُ لا يُشْفِقُ عَلَيْكَ أَيْضًا! (رو١١ :  ٢٠-٢١) هنا نرى الاتساق بين عدل الله وسيادته. ما من شعب يُعطى الامتياز لمجرد انتمائه الخارجي، بل لمدى تجاوبه مع الحق. والكنيسة اليوم، وهي تحمل راية الإنجيل، مدعوة للثبات في الإيمان، والتواضع في الخدمة، لا للافتخار على غيرها، بل لتكون بركة للعالم.

فالسؤال الحقيقي ليس: "هل استُبدلت إسرائيل بالكنيسة؟" لا... بل "هل تواصلت خطة الله الخلاصية بوجه جديد، متجدد في المسيح؟". والجواب، بوضوح، هو نعم. من خلال المسيح، كُسر الحاجز، وتوحّد الكل في شعب واحد، له رجاء واحد، وسيد واحد، وإيمان واحد، الكنيسة إذًا ليست قطيعة مع الماضي، بل استمرارية مشروطة بالإيمان، تكمّل القصة، وتفتح الباب للجميع دون تمييز. وهذا لا يمحو ما كان، بل يتممه في نور جديد، أشرق في وجه يسوع المسيح، حين نأتي إلى يسوع المسيح، لا يمكن أن نراه منفصلًا عن قصة إسرائيل، بل هو نقطة الذروة، قلب القصة، ومفتاح فهم العهدين معًا. لقد ورث يسوع كإنسان ليس فقط النسب الجسدي لإسرائيل، بل الميراث الروحي والنبوي، والدعوة الإلهية التي أُوكل بها هذا الشعب منذ إبراهيم.

 

أولًا: يسوع – الأساس في قصة إسرائيل، لا انفصال عنها :

يسوع لم يكن حدثًا معزولًا عن تاريخ إسرائيل، ولا بداية جديدة مقطوعة الجذور، بل هو اساس القصة التي بدأها الله مع شعبه منذ فجر الإعلان. منذ اللحظة التي وُعد فيها آدم ونسله بأن نسل المرأة يسحق رأس الحية (تك ٣ : ١٥)، بدأ مسار إلهي واضح، يتدرّج من وعد عام إلى دعوة خاصة لإبراهيم، ثم لإسحق ويعقوب، حتى جاء ملء الزمان في شخص يسوع المسيح، وعد الله لإبراهيم بأن تتبارك فيه جميع قبائل الأرض " وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ. لا يَقُولُ: «وَفِي الأنْسَالِ» كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ: «وَفِي نَسْلِكَ» الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ." (غلا ٣ : ١٦) لم يكن وعدًا قوميًا مغلقًا، بل بداية لرؤية خلاصية عالمية. وفي هذا الإطار، يأتي بولس ليُعلن بصراحة أن الموعد قيل عن "نسل واحد"، هو المسيح (غلاطية 3: 16). فالمسيح هو ليس فقط من نسل إبراهيم، بل هو النسل المُتمِّم لكل ما أُعلن. بذلك، يُصبح يسوع هو إسرائيل الحقيقي، لا من جهة الانتماء العرقي فقط، بل من جهة الطاعة الكاملة، التي لم يستطع الشعب أن يُحقّقها. فيه أُعيد تعريف العلاقة بالله، فلم يعد النسب الجسدي هو المحدد، بل الإيمان – وهنا يبدأ التحوّل العميق في مفهوم "شعب الله".

 

ثانيًا: يسوع – الكاهن والنبي والملك في كماله :

الميراث الروحي لإسرائيل لم يكن فقط وعدًا، بل كان قائمًا على ثلاث وظائف مركزية: الكاهن، النبي، والملك. وكلها اجتمعت في شخص المسيح، ولكن بطريقة فريدة ومكتملة.

ككاهن : لم ينتمِ يسوع إلى نسل لاوي، بل إلى رتبة ملكي صادق، وبهذا كسر الحصر الطقسي وقدّم كهنوتًا أعظم. دخل قدس الأقداس السماوي "  وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُول، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا. (عب ٩ : ١٢) فهو ليس فقط الكاهن، بل الذبيحة والهيكل أيضًا.

كنبي : لم يكن مجرّد مُبلّغ عن الله، بل هو كلمة الله المتجسد. لم يأتِ فقط برسالة، بل كان هو الرسالة، كما يقول يوحنا: "والكلمة صار جسدًا" (يو ١ : ١٤)، فالمسيح كشف الله بطريقة لم يسبق لها مثيل، لأنه هو صورة الله غير المنظور.

كملك : لم يجلس على عرش داود في أورشليم الزمني، بل أسّس مملكة لا تزول، ليست من هذا العالم، لكنها تخترق هذا العالم بالحق والنعمة والعدل " مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ." (يوحنا ١٨ : ٣٦) هو ملك الملوك، الذي تُطاع شريعته في القلوب، لا فقط في السجلات.

 

ثالثًا: يسوع والنظام الطقسي – التكميل لا الإلغاء :

المسيح ورث الميراث الطقسي لإسرائيل، لا ليُبقي عليه، بل ليُتممه، الذبائح، الهيكل، الأعياد، الناموس، كلها كانت مظاهر طقسية مهمّة في هوية إسرائيل. لكن يسوع لم يأتِ ليُبقي عليها حرفيًا، بل ليُكمّل معناها. الهيكل، مثلًا، لم يُلغَ لأنه مرفوض، بل لأنه تحقق في جسد المسيح نفسه، كما قال " انقضوا هذا الهيكل، وفي ثلاثة أيام أقيمه" (يو ٢ : ١٩) مشيرًا إلى جسده، أما الذبائح، فقد وُقفت لأنها بلغت ذروتها في ذبيحته الوحيدة والكافية: "وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنْ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأبَدِ عَنْ يَمِينِ الله" (عبرانيين 10: 12). وهكذا، لم ينسخ يسوع الطقس، بل جعله جسدًا بعد أن كان ظلًا.

 

رابعًا: يسوع – الجامع لا القاطع :

الفرق الجوهري بين يسوع ومن يدّعون تأسيس ديانات أو جماعات جديدة، هو أنه لم يقطع مع الماضي، بل جمعه فيه. فهو جامع لكل الخطوط التي بدأت مع إبراهيم وموسى وداود. هو "كمال الشريعة"، و"خاتم النبوة"، و"الابن الذي فيه سُرّ الآب". في يسوع التقت كل العهود السابقة، وتحولت من عهود حرفية إلى واقع حيّ. لم يعد الانتماء لشعب الله يُحدَّد بالختان أو النسب، بل بالإيمان الحقيقي، ولعل كلمات يوحنا المعمدان في (لوقا ٣ : ٨) تعبّر بوضوح عن هذا التحول: "فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. ولا تَبْتَدِئُوا تَقُولُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبًا. لأنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ الله قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلادًا لإبْرَاهِيمَ." فالله لا يقيس الوراثة بالدم، بل بالروح. أصبح الانتماء لله مشروطًا بالإيمان بالمسيح، لا بالعضوية الجسدية في نسل يعقوب.

 

خامسًا: يسوع – مُبدّد الكبرياء القومي ومُوسع أفق الخلاص :

رفض يسوع حصر الخلاص في أمة واحدة. وواجه التصور القومي المحدود لإسرائيل، فامتد بيده نحو الأمم، وامتدح إيمان الكنعانية، وشفا عبد قائد المئة، وعلّم السامريّة، وقبل الزواني والعشارين، وأعلن " ... إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأسْنَانِ". (مت٨ : ١١-١٢) هذا ليس تحوّلًا مفاجئًا، بل تتويجًا لما بدأه الله. يسوع لم ينقضِ القديم، بل وسّع أفقه، وكسر القوقعة العرقية، وفتح الباب أمام جميع الأمم. ميراث إسرائيل لم يُلغَ، بل نُقل إلى طبيعته الأصلية، أن يكون بركة لجميع الشعوب، في المسيح.

 

ميراث إسرائيل تحقّق في يسوع وتحوّل إلى دعوة للعالم : يسوع هو نقطة التقاء إسرائيل بالله، وهو الجسر بين العهد القديم والعهد الجديد. فيه لا تبدأ قصة جديدة، بل تُكمل القصة ذاتها بمنطق جديد: من النسب إلى الإيمان، من الظلال إلى الحقيقة، من التخصيص إلى التوسيع. المسيح لم يلغِ إسرائيل، بل أكملها، ونقل الوعود من القومية إلى العالمية، ومن الحرف إلى الروح. وهكذا، فإن كل من يؤمن به، سواء كان يهوديًا أو أمميًا، يصير وارثًا لمواعيد الله، وشريكًا في الميراث الأبدي.

 

 

 ٢

الكنيسة: امتداد لإسرائيل أم جماعة جديدة؟ :

 

يُعدّ سؤال "هل الكنيسة امتداد لإسرائيل أم كيان جديد بالكامل؟" من أكثر الأسئلة حساسية ودقة في اللاهوت الكتابي، وله تداعيات عملية في فهم العهدين، وتفسير النبوات، ومعنى "شعب الله" في الحاضر والمستقبل. يتطلب الأمر تأملًا عميقًا في الإعلان الإلهي، لا سيما في ضوء عمل المسيح، ومفهوم العهد الجديد، ودور الروح القدس في تكوين الكنيسة.

 

أولًا: الكنيسة ليست نسخة مكررة من إسرائيل :

لا يمكن القول إن الكنيسة هي مجرد امتداد بيولوجي أو قومي لإسرائيل. الكنيسة نشأت في قلب عمل خلاصي جديد في المسيح، تأسّس على موت وقيامة الرب، لا على الانتساب العرقي أو الالتزام الطقسي. يقول بولس بوضوح إن الكنيسة تكوّنت من "يهود وأمم معًا" (أف ٢: ١١–١٦)، الذين صاروا "إنسانًا واحدًا جديدًا"، لا فقط طائفة جديدة، بل كيان مخلوق بالنعمة. فالمسيح "نقض الحاجز المتوسط" و"صنع الصلح"، مؤسسًا عهدًا جديدًا لا يعتمد على العرق أو الدم أو الناموس الحرفي، بل على الإيمان الحي به.

 

ثانيًا: لكن الكنيسة أيضًا ليست قطيعة عن إسرائيل :

في المقابل، لا يجوز الحديث عن الكنيسة كجماعة لا علاقة لها بإسرائيل أو كأن الله تخلّى عن شعبه الأول. فبولس يصرّح في (رو ١١: ١) قائلًا "ألعل الله رفض شعبه؟ حاشا!" بل يؤكد أن هناك "بقية حسب اختيار النعمة" (رو ١١: ٥)، وأن الأمم قد طُعِّموا في "شجرة الزيتون" الحقيقية، أي في خط الفداء الممتد منذ إبراهيم، لا كبديل عن الأغصان الأصلية، بل كمدعوين إلى نفس الرجاء. الكنيسة إذًا ليست قطيعة، بل "اتّساع" للدائرة، حيث تمتد وعود الله إلى الجميع بالإيمان، لا بالجنس.

 

ثالثًا: فماذا تكون الكنيسة إذًا؟ :

الكنيسة في جوهرها هي شعب العهد الجديد. شعب ليس مبنيًا على نسب جسدي، بل على اتحاد روحي بالمسيح. يقول بطرس "وأما أنتم فجنس مختار، كهنوت ملوكي، أمة مقدسة، شعب اقتناء..." (١بط ٢: ٩) وهو يستخدم نفس العبارات التي استُخدمت لإسرائيل في العهد القديم (خر ١٩: ٥–٦)، لا ليُلغي دور إسرائيل، بل ليُعلن أن الكنيسة صارت هي المجال الجديد الذي يعمل فيه الله ليُعلن نفسه للأمم. ففي الكنيسة، تجتمع البقية اليهودية المؤمنة بالمسيح، مع الأمم الذين قبلوا الإنجيل، ليشكّلوا معًا شعب الله الواحد.

 

رابعًا: من "الخاص" إلى "العام" :

في العهد القديم، كان الله يعلن نفسه من خلال أمة واحدة، لها شريعة وهيكل وذبائح. أما في العهد الجديد، فالمسيح هو "الهيكل الحقيقي" (يو ٢: ١٩–٢١)، و"الكاهن الأعظم" (عب ٤ : ١٤)، و"الذبيحة الكاملة" (عب ٩: ٢٦). وهذا يعني أن كل من يتّحد بالمسيح، يقترب إلى الله مباشرة، ويصبح "كاهنًا" و"هيكلًا للروح" لذلك، فالكنيسة ليست مجموعة من الأمم انفصلت عن إسرائيل، بل "شركة قديسين" في جسد واحد جديد – جسد المسيح (أف ٤: ٤–٦).

 

خامسًا: الكنيسة تنتظر "إسرائيل" الحقيقي :

ليس كل من هو من نسل إسرائيل هو بالضرورة من إسرائيل الروحي. هكذا يشرح بولس في (رو ٩: ٦–٨)، مشيرًا إلى أن الكنيسة لا تُقصي اليهود، بل تحتضن منهم من يقبل المسيح، وتنتظر أن "يخلُص جميع إسرائيل" يومًا ما (رو ١١: ٢٦) حين يُفتح الحجاب عن عيونهم. بهذا المعنى، فالكنيسة تمثّل الامتداد الحقيقي لخطة الله، لكنها لا تلغي الرجاء الخاص ببقية يهودية ستنضم في النهاية إلى الجسد الواحد.

 

سادسًا: لاهوت "الاستبدال" أم "التحقيق"؟ :

وقع البعض في فخ ما يُسمى بـ"لاهوت الاستبدال"، أي أن الكنيسة حلّت محلّ إسرائيل، بكل وعودها ونبواتها. وهذا غير دقيق كتابيًا. الأصح هو " لاهوت التحقيق" أي أن الكنيسة هي المجال الذي تتحقق فيه وعود الله، لا على حساب إسرائيل، بل بانضمام من يؤمن من اليهود والأمم على حد سواء. فلا استبدال، ولا قطيعة، بل تحقيق النبوات في المسيح، وامتداد البركة للجميع بالإيمان.

الكنيسة ليست قطيعة عن إسرائيل، ولا استمرارًا قوميًّا لها. بل هي "كيان جديد" وُلد من رحم النعمة، وفيه تتحقّق مواعيد الله لكل من يؤمن. ففي الكنيسة، نجد استمرارية الدعوة لإعلان الله، لكن ضمن عهد جديد، لا يقوم على الختان والذبائح، بل على الصليب والقيامة. الكنيسة تحمل ميراث الإيمان، لا ميراث النسب، وتدعو الجميع – يهودًا وأممًا – إلى الدخول في شركة الحياة مع الله، لذلك اعتبر البعض أن العهد القديم والعهد الجديد يحملان رؤيتين منفصلتين عن الله والإنسان، كأن الله قاسٍ في القديم، وحنّان في الجديد، أو أن العلاقة مع الله كانت بالناموس ثم صارت بالنعمة، لكن القراءة المتأنية والعميقة للنصوص تُظهر أن هناك وحدة جوهرية في الإعلان الإلهي عبر العهدين، رغم التمايز في الوسائل والزمن والمراحل.

 

إله واحد، قصة واحدة : الكتاب المقدس لا يحوي إلهين مختلفين، بل إلهًا واحدًا يكشف نفسه تدريجيًا من التكوين إلى الرؤيا، في كلا العهدين نرى الله عادلًا ورحيمًا، محبًا وغيورًا، طويل الأناة وغافرًا للذنب. ففي العهد القديم، نسمع الله يقول لموسى عن نفسه " .... الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. (خر ٣٤ : ٦) وهو ما يكرره الرب يسوع في العهد الجديد مرارًا في صورة الآب الذي يفتّش عن الخروف الضال، والابن الضال، فالله ليس متغيّرًا في صفاته، بل ثابت، يعلن ذاته في سياقات مختلفة بحسب فهم الإنسان ونضوجه الروحي، فالعهد الجديد ليس بديلًا، بل تحقيقًا، يسوع لم يأتِ ليُلغي العهد القديم، بل ليُتمّمه. قال بوضوح " لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمّل (مت ٥ : ١٧) الكمال هنا لا يعني الإلغاء، بل التكميل – أي الوصول إلى الهدف الذي وُضعت من أجله الشريعة والنبوات. كانت الذبائح تُقدَّم كرموز، وجاء المسيح كذبيحة حقيقية، كان الكهنة يتوسّطون، فجاء المسيح ككاهن أعظم، كان الهيكل هو مكان اللقاء، فصار المسيح هو الهيكل الحي الذي نلتقي فيه بالله.

 

الناموس والنعمة لا يتناقضان : يعتقد البعض أن الناموس عكس النعمة، لكن الواقع أن الناموس نفسه كان نعمة، لأنه أظهر قداسة الله، وكشف حاجتنا إلى المخلّص. كتب بولس " إذًا، الناموس قد كان مؤدّبنا إلى المسيح (غلا ٣ : ٢٤) فالناموس لم يُعطَ ليُخلّص، بل ليُعدّ الطريق للمخلّص، وحين جاء المسيح، لم يلغِ الناموس من حيث الجوهر، بل حقّق غايته بأن كشف كيف يمكن للإنسان أن يَتَبَرّر بالإيمان لا بالأعمال، فرموز العهد القديم تتحقق في المسيح، منذ البداية كان العهد القديم يحمل إشارات نبوية ورمزية نحو المسيح، فالذبائح ترمز إلى حمل الله، وهيكل سليمان إلى حضور الله في الجسد، وقيادة موسى إلى الخروج الحقيقي من عبودية الخطية، وفي يونان كمثال إلى دفن المسيح وقيامته، وداود إلى الملك الأبدي، وليس من قبيل المصادفة أن لوقا يكتب ان المسيح بدأ من موسى وجميع الأنبياء يشرح لتلميذي عمواس ما يخصه في جميع الكتب " ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ. (لو ٢٤ : ٢٧) فالمسيح هو مفتاح فهم العهدين معًا.

 

الكنيسة وريثة الوعد لا ناسخة له : الكنيسة لا تأتي لتحذف تاريخ إسرائيل، بل لتكمّل المقاصد الإلهية فيه، فالله لم ينسَ عهوده مع الآباء، لكنه وسّعها وجعلها تُعطى بالإيمان، لم تُلغَ وعود الله، بل صارت مفتوحة لكل من يؤمن، هذا التدرّج بين العهدين هو ما يجعل الإعلان واحدًا، لا منفصلًا. فالله لا يبدأ قصة ثم يهجرها، بل يكملها في زمنه، ووفق حكمته، فالتمايز بين العهدين ليس في الله ذاته، بل في الطريقة التي يُعلن بها ذاته. في القديم، كان الشعب تحت التدريب، فكان هناك رموز وشريعة دقيقة. أما في الجديد، فقد أُرسل الروح في القلب، لا لوح حجر، في القديم كان هناك أعياد وظلال، وفي الجديد هناك شخص المسيح نفسه. لكن في كلتا الحالتين، القصد واحد أن يعرف الإنسان الله، ويسلك معه بالإيمان.

 

الإعلان مستمر، لا يتوقّف : الله ما زال يكلّم شعبه. لم يتوقّف الإعلان بانتهاء العهد القديم، بل بلغ ذروته في المسيح، وهو مستمر بالروح في الكنيسة. يقول كاتب العبرانيين "الله بعدما كلّم الآباء بالأنبياء قديمًا، بأنواع وطرق كثيرة، كلّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه" (عب ١: ١–٢) وهذا يعني أن الإعلان تطوّر، لا في جوهره، بل في وضوحه، فالله هو نفسه، لكننا نحن الذين أصبحنا نرى بعيون أكثر انفتاحًا بسبب نور المسيح، فليس بين العهدين القديم والجديد تناقض، بل تناغم. هناك تمايز في الشكل، نعم، لكن تكامل في القصد. الله أعلن نفسه بالتدرّج، من وعد إلى شريعة، ومن ظلال إلى كمال، ومن نبوّة إلى شخص، فالمسيح هو مفتاح الفهم، والكنيسة هي ثمرة الإعلان، والعهدان معًا يشكّلان قصة واحدة، قصة محبة الله للخليقة وسعيه لخلاصها.

 

الفصل السادس

في نهاية القول

 

  من الاختيار الخاص إلى المقاصد العامة

نعمة تتسع ومسؤولية تتعمق

 

تناولت هذه الدراسة الإشكالية العميقة حول مفهوم "الاختيار الإلهي"، مركزًا على ما إذا كان اختيار إسرائيل تميزًا دائمًا وتفوقًا مطلقًا، أم أنه يحمل رسالة وامتدادًا نحو دعوة عامة تشمل كل الأمم، ينطلق البحث من التأمل في طبيعة الاختيار الإلهي كما أُعلنت في كلمة الله، مشددًا على أن الاختيار ليس تفوقًا عرقيًا أو استحقاقًا أخلاقيًا، بل هو تعبير عن نعمة الله المجانية، وغرضه أن يكون وسيلة لإعلان النور للأمم، فمن إبراهيم إلى الأمم: من الامتياز إلى الشهادة -  اختيار ابونا إبراهيم كنقطة بداية لا لتمايز خاص، بل لانطلاق مسار خلاصي، حيث يُدعى فرد ليكون أبًا لأمة، ثم لتكون الأمة نورًا للعالم، إن دعوة إبراهيم لم تُبْنَ على استحقاق شخصي، بل على وعد إلهي يرتبط بعمل الله الفدائي، ويتعمق التحليل في فهم الوعد الإلهي، مبينًا أن مواعيد الله ليست مشروطة ببرّ الإنسان بل بأمانة الله، لكنها لا تُلغِي دور الإنسان في الاستجابة، فالعلاقة بين الله ونسل إبراهيم: ليس العرق بل الإيمان، تطور العلاقة بين الله وشعبه، مؤكدًا أن النسب الجسدي لا يضمن العلاقة ما لم يُقترن بالإيمان، النسل الحقيقي ليس الجسدي، بل هو من يسلك في خطوات إيمان ابونا إبراهيم، مبتدا الاعلان ب الأنبياء، الي المسيح، دعوا الشعب ليتجاوز التديّن الظاهري، نحو علاقة حقيقية بالله قائمة على الإيمان والطاعة، فامتيازات إسرائيل: وزن يحمل لأجل التفوق، نري امتيازات إسرائيل مدعمة في (الشريعة والعهود والمواعيد والآباء) لم تكن تمييزًا بقدر ما كانت مسؤولية، إذ كان ينبغي أن يحمل الشعب النور للعالم. غير أن التاريخ أظهر أن هذه الامتيازات كثيرًا ما تحولت لعبء، وفُقد الهدف الحقيقي حين صار الشعب يفتخر بها دون حياة تتطابق مع إعلان الله.

 

الأنبياء ونقد الكبرياء الديني : إن نقد الأنبياء للثقة الزائفة في الاختيار القومي، يوضح أن الله لا يكيل بمكيالين، بل يقيس على قدر النور. ويعلن أن يسوع نفسه حطّم فكرة التفوق القومي، ودعا إلى توبة حقيقية تتجاوز الحرف إلى الروح، فتعامل الله مع الأمم، بالبرّ والعدل كما تعامل مع شعبه، لأن الله ليس عنده محاباه، فتعامل الله مع الأمم بالرحمة والعدل، مقدمًا أمثلة متعددة مثل نينوى، راحاب، راعوث، نبوخذنصر، كرنيليوس، والمرأة الكنعانية، ما يدل على أن رحمة الله ليست حكرًا على إسرائيل، بل هي ممتدة لكل من يؤمن به، فمفهوم السيادة الإلهية لا تُفهم على أنها ظلم أو تحيّز، بل هي تعبير عن قصد أسمى ومخطط خلاصي عادل، ففي السيادة الإلهية والعدل اختيار، فاختيار الله ليعقوب دون عيسو لم يكن ظلمًا لعيسو، بل ترتيبًا لخطة خلاصية، حيث نال عيسو نصيبه وبركته، وأُوصي الشعب بألا يكره نسل أدوم. فالسيادة تعمل في انسجام مع العدل، وتُظهر مقاصد الله التي قد تتجاوز فهم الإنسان، لكنها لا تناقض حقه، فنري داخل العمل الالهي من إسرائيل إلى الكنيسة المسيح في قلب الاحداث، يظهر ويوضح فكرة الامتداد لا القطيعة، فالمسيح لم يأتِ ليبدأ ديانة جديدة، بل ليُكمّل ما بدأه الله مع إسرائيل، هو تحقيق الميراث الروحي، حيث يُظهر أن يسوع هو الكاهن والنبي والملك، وهو الذبيحة والهيكل، وهو الذي نقل العلاقة من قومية إلى شمولية، لم يُلغِ يسوع الناموس، بل كمّله، ولم يرفض إسرائيل، بل دعاها للعودة بالإيمان، فهي دعوة مفتوحة ومسؤولية متجددة، ففي الاختيار دعوة للتكريس، لا للتفاخر؛ مسؤولية للشهادة، لا امتيازًا مغلقًا، الكنيسة اليوم مدعوة لأن تحيا كمختارة لا بمعنى التميّز العرقي أو العقائدي، بل بالقدوة والخدمة، فالله لا يزال يدعو ويختار، لكن كل دعوة تحمل تكليفًا لا راحة، والتزامًا لا استحقاقًا، هكذا تظل دائرة الاختيار مفتوحة لكل من يقبل النعمة ويعيش بموجبها.

 

من شعب إلى كنيسة – تطور الإعلان وثبات المقصد :

أولًا: إسرائيل كأداة إعلان لا كغاية مغلقة اختار الله إسرائيل لا لفضل فيهم، بل بنعمة محضة، ليكونوا أداة شهادة لإعلانه، كما رأينا في دعوة إبراهيم ونسله. لكن هذا الاختيار لم يكن بهدف الانغلاق، بل الانفتاح. "في نسلك تتبارك جميع قبائل الأرض"، عبارة تُفكك الحصرية وتؤكد عالمية القصد، حتى في طقوسهم ونواميسهم، كان هناك رموز ونبوات تُشير إلى شيء أعظم: شخص، لا نظام؛ حضور، لا شكليات.

 

ثانيًا: المسيح – نقطة التحول لا الانفصال في يسوع المسيح لا القطيعة، هو ليس قاطعًا مع إسرائيل، بل مكمّلًا لها، فيسوع هو إسرائيل الحقيقي، الذي تمم الشريعة، وحقق رموز العهد القديم، وفتح باب النعمة للجميع، لم يُلغِ الذبائح بل قدم نفسه، لم يُبطل النبوات بل أتمها، لم يُهدم الهيكل بل صار هو هيكل الله الجديد،

 

ثالثًا: الكنيسة – ثمرة ايمان لا بديل عن اسرائيل، فهي لم تنشأ كخطة بديلة بعد فشل إسرائيل، بل كانت في قصد الله منذ الأزل، مكشوفة في الزمن عبر المسيح، هي جسده، عروسه، ومسكن روحه، ولكنها لا تُلغِي إسرائيل من ذاكرة الفداء. بل هي ثمرة الإعلان، لا نقيضه، وهنا نرفض لاهوت "الاستبدال" الذي يُقصي إسرائيل، ونقبل لاهوت "التحقيق" الذي يرى في الكنيسة تحقيقًا لما كان يُرسم في إسرائيل.

 

رابعًا: وحدة التدبير وتنوّع الوسائل، فالله لم يبدّل خطته، لكنه وسّع أدواته. إسرائيل كانت وسيلة، ثم جاءت الكنيسة، لا لتلغي بل لتُكمل. الكنيسة أُسّست على أنبياء العهد القديم ورسُل العهد الجديد (أف ٢ : ٢٠)، وهي شعب الله الجديد، لا بديلا، بل امتدادًا متجددًا. وهكذا نرى وحدة المقصد الإلهي، من آدم إلى إبراهيم، من إبراهيم إلى إسرائيل، ومن إسرائيل إلى يسوع، ومن يسوع إلى الكنيسة.

 

خامسًا: لا انحصار في الماضي، ولا انفصال عن الجذور كل من يؤمن بالمسيح – يهوديًا كان أو أمميًا – يصير شريكًا في الجسد، ووارثًا للوعد، ليست الكنيسة هيكلًا جديدًا على أنقاض قديم، بل غصنًا مطعومًا في زيتونة الله (رو ١١). وهذا يدعونا للتواضع، لا للكبرياء الروحي، ويعلّمنا أن من رفضوا نعمة الله اليوم، قد يعودون غدًا، لأن الله لا يرفض إلى الأبد.

 

سادسًا: موقف الكتاب من إسرائيل اليوم، الرسول بولس في (رومية ٩-١١) لا يُخفي حزنه على إسرائيل الجسدية، لكنه في ذات الوقت يُعلن رجاءه أنهم سيعودون يومًا، حين يدخل ملء الأمم. إذاً، الكنيسة لا تلغي إسرائيل، بل تنتظر رجوعها، وتُصلِّي لأجل توبتها، لأنها لا تنسى الجذور التي جاءت منها - الله لا يتراجع، بل يُكمّل - النعمة تُعطى لمن يؤمن، لا لمن ينتمي نسبًا - الاختيار ليس تمييزًا، بل تكليفًا - الرسالة الإلهية تسير من الخاص إلى العام، من ضيق إسرائيل إلى رحابة الكنيسة - النهاية ليست لشعب، بل لشخصيسوع المسيح، وفيه تتوحد كل الشعوب.

 

فنحن ننتقل من فكرة الاختيار كامتياز، إلى فهمه كمسؤولية؛ من تصوّر الانغلاق في شعب، إلى الامتداد في كنيسة؛ من النسب إلى الإيمان؛ ومن النظام الطقسي إلى الشخص الحي. هذه ليست رحلة تاريخية فقط، بل إعلان خلاص حيّ، فيه نرى يد الله تعمل بثبات، وحكمة، وعدالة، ونعمة، عبر العصور، لنصل إلى ملء الزمان، حيث في المسيح يسوع يُبارَك الجميع، وتُعلَن الكنيسة جسده، والميراث مفتوح لكل من يؤمن. هذا هو قصد الله: دعوة شاملة، واختيار لا يُقصي، وميراث لا يُحد بحدود جغرافية أو عرقية، بل بإيمان حيّ وعلاقة حقيقية مع مخلّص حي.

 

 


 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس