الفروق العقائدية وخطر التعصب

 

   ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الفروق العقائدية

وخطر التعصب

بقلم القس

عماد عبد المسيح عطية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  

 الفروق العقائدية وخطر التعصب

 

هذا هو الحال : أنا إرثوذكسي .. أنا إنجيلي .. أنا كاثوليكي .. أنا أسقفي .. أنا مسيحي .. كل طائفة تنادي تابعيها ومُريديها لا يرون إلا أنفسهم .. عالم متعصب .. التعصب أعمى الفكر تجاه الأخر .. فمن هو متعصب لطائفته ويكره غيره يُعلن جهله الروحي وعدم محبته ، فيوجد فرق بين الإنتماء والتعصب  ، فالمنتمي لكنيسة أو مجمع أو كيان روحي تجده واضح وهادي النفس حتي وإن جلس مع من يختلف معه في العقيدة ، أما المتعصب فتجده حاد في نظراته وكلماته ودائماً في دائرة الهجوم والإنتقاد ولا يستمع جيداً للغير ، إن العالم الذي نعيش فيه لا يحتاج الي التعصب والبغضة ولكنه يحتاج الى الإنتماء والمحبة.

الفروق العقائدية هل تمثل خطراً علي المسيحية ؟ وهل يستحق التعصب الذي بين أبناء الديانة الواحدة ؟ إن التاريخ في كل العصور يشهد عن صراعات عقائدية تجعل من النسيج الواحد قطع متناثرة ، وكل فريق يحارب الأخر ويتمني زواله وهذا يساعد إبليس علي سرعة التفشي والتدخل في حياة المجتمعات والكيانات القائمة لتفتيتها وإضعافها فلا تهتم بأهم ما يريده الرب وهو الكرازة بالإنجيل ، فالفروق العقائدية لا يجب أن تكون سبب خلافات لدرجة النزاعات والإنفصال الواحد عن الأخر بل يجب أن تكون مجال للتواصل والمناقشات البناءة بكل الحب والإحترام المتبادل للثراء الفكري والتهزيب المسيحي ، لكسر روح التعصب الذي ملأ الكون حقداً وبغضة وكراهية وجعل البعض يسير نحو الكذب والإفتراء ليظهر للأخرين أنه علي حق ، فالمتعصب لا يستطيع أن يحتوي المختلف عنه في العقيدة أو الطائفة وتجده نافر للأخر .

توجد عقائد جوهرية لا يجب المساس والتلاعب فيها ، مثل الثالوث واللاهوتيات كلاهوت الأب ولاهوت الإبن ولاهوت الروح القدس والتجسد والصليب والفداء ، ولا يجب أن نعادي من يختلف معنا في المفهوم عنها بل الدفاع الحُجة بالحُجة  ، هكذا في باقي العقائد فيمكن قبول الإختلاف الفكري فيهما ولا يجب أن يعترينا روح التعصب الذي يهدم روح الوحدة ويفتت الكيانات ويُعيق تدفق روح المسيح في حياة شعب الرب ، فـ الخلافات كثيرة: بعضها فى العقيدة والإيمان الذي يجب أن نقابله بالحُجة وبالدراسات والفهم الكتابي ، وبعضها فى الطقوس التي يجب أن نحترم بعضنا البعض في ممارستها وعند النقض لا يجب أن يكون بحدية أو عصبية ويجب أن يُقابل بالحجة والبرهان ، والبعض الثالث فى النظام الكنسى الذي يجب أن يحترم كل كيان الكيان الأخر وما يخصه من نظام ، فعندما تجلس مع ملحد ( علي سبيل المثال ) فلا تتعامل معه بروح التعصب فترفضه وتقف علي المنابر وتعلن عن أنه الحادي كافر ، بل يحتاج مثل هذا الي روح المحبة والإحتواء وتقديم روح المسيح والتعليم الكتابي بالحجة والبرهان ، فالتعصب يدفع النفوس للجهل والهلاك ، فكن مؤمناً مسيحياً انجيلياً كنت أو إرثوذكسياً أو كاثوليكياً أو أسقفياً . ارفض روح التعصب وكن مُحباً.

إن التعصب مرتبط بالذات الإنسانية وروح الكبرياء ، فالذي سيحاسب النفوس هو الرب ديان الجميع " ارْتَفِعْ يَا دَيَّانَ الأَرْضِ. جَازِ صَنِيعَ الْمُسْتَكْبِرِينَ. (مز ٩٤ : ٢ ) ، ( تك ١٨ : ٢٥ ) ، ( تك ١٦ : ‏٥ ) ، ( 1صم ٢٤ : ‏١٢ ، 15 )  أيوب ٢١ : ‏٢٢ ) " وَهُوَ ‍يَقْضِي لِلْمَسْكُونَةِ بِالْعَدْلِ. يَدِينُ الشُّعُوبَ بِالاسْتِقَامَةِ. ( مز ٩ : ‏٨  ) ، ( مز ٨٢ : ‏١ ) فما علي شعب الرب إلا أن يتبادلوا الفكر والدراسة والتعليم بالبراهين والحجة ولا يزدري الأخ بأخيه بل يتبادلوا المحبة وقبول الأخر مهما كانت نقاط الخلاف ، فقد كان المسيح يختلف مع الفريسيين والكتبة ولكنه كان يتكلم معهم بالحجة والبرهان ، ولأنهم ممتلئون تعصباً فكانوا حقيدون علي المسيح لدرجة أنهم اسلموه حسداً " ... أَنَّهُمْ أَسْلَمُو‍هُ حَسَدًا. ( مت ٢٧ : ‏١٨ ) فأسلموه حسداً لأنهم كانوا بلا حُجه ، هكذا ستجد المتعصبون في كل مكان ومن كل المعتقدات والطوائف ، ولكن الرب يعلمنا أن نعلن الحق دون تعصب وأن نكون مستعدين لأن يُفعل فينا كما فُعل في المسيح " فَمَتَى ‍أَسْلَمُو‍كُمْ فَلاَ تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَتَكَلَّمُونَ، لأَنَّكُمْ تُعْطَوْنَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا تَتَكَلَّمُونَ بِهِ، ( مت ١٠ : ‏١٩ ) لذلك أناشدك اليوم أن تدرس كلمة الله وتستمع للأخر وتطلب من الرب فهماً ونوراً فيفتح الرب بصيرتك لتستنير وتُنير الأخرين .

المجامع والنتائج المترتبة

انعقاد المجامع المسكونية دائماً من اجل حلول المشاكل واتخاذ القرارات التي قد تخدم العمل الإلهي وقد لا تخدمه ، إن أول مجمع حدث في القرن الأول ونقرأ احداثه في ( سفر الاعمال 15 ) وكانت المشكلة أن مجموعة من الذين أمنوا من الفريسيين تكلموا قائلين " وَقَالُوا:"إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَنُوا، وَيُوصَوْا بِأَنْ يَحْفَظُوا نَامُوسَ مُوسَى".( أع ١٥ : ٥ ) من اجل ذلك اجتمغ الرسل والمشايخ لينظروا هذا الأمر ، لأن في سكوتهم تهويد للمسيحية وهذا ما لا يقبله خادم أمين لعمل الله ، في هذا المجمع حدث مباحثة كثيرة قام بطرس وتكلم كيف أن الأمم قبلوا الروح القدس رغم أنهم ليسوا مختونين وليسوا يهوداً وليس لهم الناموس " وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِشَيْءٍ، إِذْ طَهَّرَ بِالإِيمَانِ قُلُوبَهُمْ. فَالآنَ لِمَاذَا تُجَرِّبُونَ اللهَ بِوَضْعِ نِيرٍ عَلَى عُنُقِ التَّلاَمِيذِ لَمْ يَسْتَطِعْ آبَاؤُنَا وَلاَ نَحْنُ أَنْ نَحْمِلَهُ؟ ( أع ١٥ : ٩ ، 10 ) وكان برنابا أيضاً متحدثاً في هذا المجمع الرسولي  ثم حسم الموقف كله الرسول يعقوب ( أخو الرب ) قائلاً : " لِذلِكَ أَنَا أَرَى أَنْ لاَ يُثَقَّلَ عَلَى الرَّاجِعِينَ إِلَى اللهِ مِنَ الأُمَمِ،بَلْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ أَنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ نَجَاسَاتِ الأَصْنَامِ، وَالزِّنَا، وَالْمَخْنُوقِ، وَالدَّمِ. ( أع ١٥ : ١٩ ـ 20 ) هكذا رأوا الرسل والمشايخ أن يذهب الي انطاكية مع بولس وبرنابا رجلين متقدمين في الأخوة هما برسابا وسيلا ليوضحان قرار هذا المجمع الرسولي ، هكذا نري أن التفاهم والخضوع كانا من أهم صفات المجامع الرسولية لذلك لم يحدث إنقسامات أو إنشفاقات

قد كانوا يتباحثون بالمنطق والحُجة الكتابية والبراهين الروحية الشاهدة بعمل الروح القدس ، فلم يكونوا في مباحثاتهم جامدين متعصبين للأراء ، بل كانوا سلسين مُقنعين بعضهم البعض وفي نهاية الجلسة كانوا مُحترمين في تعاملاتهم معاً ومقدرين خدمة كل منهم ، وبنفسٍ واحدةٍ كانوا يقررون ويُقدرون يعضهم بعضاً " رَأَيْنَا وَقَدْ صِرْنَا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ أَنْ نَخْتَارَ رَجُلَيْنِ وَنُرْسِلَهُمَا إِلَيْكُمْ مَعَ حَبِيبَيْنَا بَرْنَابَا وَبُولُسَ، رَجُلَيْنِ قَدْ بَذَلاَ نَفْسَيْهِمَا لأَجْلِ اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَقَدْ أَرْسَلْنَا يَهُوذَا وَسِيلاَ، ... ( أعمال الرسل ١٥ : ٢٦ ، 27 ) إن هذا المجمع الرسولي كان بالحب والإحترام المتبادل، فقد كانوا يناقشون القضية الفكرية وليسوا لمحاكمة الأشخاص وشجبهم من تاريخ الخدمة والعمل الإلهي ، لم يذكر التاريخ مجامع اخري ( قد يوجد ولكني لم اتوصل اليهم ) إلا في القرن الثالث الميلادي ظهرت عدة مشاكل وتم عقد " مجمع قرطاجنة 257م "

مجمع فرطاجنة 257 م

حدث خلاف بين إثنين من الأساقفة وهما " كبريانوس اسقف قرطاجنة واستفانوس اسقف روما ، حول اعادة معمودية العائدين من هرطقتهم الي الكنيسة ، فـ كبريانوس نادي بـ إعادة المعمودية واستفانوس لم يقبل به ، نجم عن هذا الإختلاف خلاف بينهما استمر حتي استشهاد كبريانوس ، السؤال الذي يجب أن يُطرح هو : لم يكن الخلاف حول لاهوت المسيح أو عقيدة في الإبن أو الأب أو الروح القدس ، فلم يكن الخلاف جوهرياً يجعل الإثنين في خصام ، فخصام جبهتين تعني انفصال حتي ولو الي حين ، لماذا لا نقبل الحجة الأقوي المبنية علي كلمة الله ؟ فمن تثبت علي ايمانه ومعموديته فليستمر ومن اختلف فليختلف ولكن ليُقبل كشخص دون أن يكون نزاع طالما الخلاف ليس في الإمور الجوهرية التي تمس صُلب الإيمان المسيحي الحقيقي ، إن التمسك بالأفكار التي ليست لها حُجة كتابية يدفع اصحابها للإنقسامات ، فدعونا نقيّم الأفكار ونُثّبت الحجج وندرس المواضيع الروحية ونقبل بعضنا البعض حتي وإن اختلفنا .

مجمع أنقرة 314 م :

هذا المجمع في القرن الرابع وتكون من 21 اسقفاً وكان الموضوع الرئيسي هو " توبة المرتدين عن الإيمان " فبسبب أن بعض المسيحيين الذين لم يستطيعوا احتمال الإضطهاد وانكروا الإيمان فوضع المجمع المنعقد 10 قوانين من مجمل 25 قانوناً ، وتتلخص في الحرمان من المشاركة في الخدمة لمدة معينة أو الابتعاد عن الكنيسة والصلاة والتناول لمدة ، وغيرها من العقوبات التي فرضت علي التائبين العائدين من ارتدادهم ، ومده العقوبات تتراوح في قوانين مجمع أنقرة من سنتين وثلاث سنوات إلى ثلاثين سنة ومدى الحياة ، ، كل هذا حِمل علي كاهل الشعب والخدام ، فقد كان يكفي توبتهم ودخولهم للكنيسة تحت الملاحظة للتعليم ، ولكن هذا ما حدث في القرن الرابع ، نعم كان الإضطهاد شديد والتيار عالٍ علي الكنيسة والشعب ، ولكن أضافت الكنيسة علي الشعب حِمل العقوبات ، هذا بالإضافة الي قانون عدم زواج الشمامسة بعد رسامتهم دون الرجوع لكلمة الله بخصوص هذا ، فأين الحُجة في ذلك ؟. لا أقصد النقض ولكن أقصد أن أُظهر مقدار الأحمال التي كان من الممكن تفاديها واحتضان العائدين وملاحظتهم حتي أن يستقيموا ويكونوا في خدمة الرب وامتداد ملكوته ، إن التشدد أمر صعب وفي غاية الأسي لأنه يُوّلِد نفوس تحتاج من يُشفق عليها .

مجمع قيصرية الجيدة 315 :

اجتمع فيه خمسون أسقفاً وهذا المجمع أقر المجمع السابق مجمع انقرة وفيها تم تأكيد الخلاف الذي بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية بشأن إعادة معمودية التائبين من هرطقتهم ، والي يومنا هذا الكنيسة الشرقية لا تعترف بمعمودية أي كنيسة أخري غيرها فقط ! ، وهنا نري دوائر التعصب الشديد تجاه بعض المواضيع التي تم الإختلاف عليها ، وعدم قبول الأخر بل وشجبه من تاريخ المعاملات ، إننا نحتاج اليوم للنظر في هذه القضايا بروح من المحبة وليس بروح الذات والأنا ، لأن نور الكلمة صار واضح اليوم أكثر من ذي قبل فهل نتحكم اليه ؟

مجمع نيقية 325 م :

في هذا المجمع أتفق علي تحريم تعاليم اريوس ولست مع نفيه واعدام من يتستر عليه ، فقد كان هدف المجمع مناقشة هذه البدعة وشجبها كفكر ، أما أمر النفي فهذا تقييد للحرية الشخصية وليس تقييد للفكر ، فالفكر لا يقيد بل مازال حتي اليوم لأريوس أتباع أو متبنيين لفكره ، إن موافقة الملك قسطنطين الكبير علي انعقاد المجمع جعل المجمع له أجواء سيادية تجعل موازين المناقشات لها نتائج وقرارات وأحكام تجعل المفكرين يعملون مليون حساب قبل إعلان ونشر أفكارهم التي قد تكون صحيحة ومفيدة ، إن الحكومات والمؤسسات الدينية التي تعطي حرية فكرية ومناقشة الأفكار الحجة بالحجة تجعل من الشعب قوة لا يستهان بها للتقدم والإزدهار ، أرسل الملك رسائل لإستدعاء جميع الأساقفة لإنعقاد المجمع في مدينة نيقية فإجتمع 318 أسقفاً من كل العالم ، وكانت الجلسات دفاعية ضد الفكر الأريوسي الذي " يقلل من أزلية الإبن ، ولاهوت الإبن مكتسب من لاهوت الأب " ، بعد رد الشماس اثناسيوس علي اريوس ووضع قانون الإيمان جعل من انتشار للفكر اللاهوتي الصحيح في ربوع الكنائس والبلاد ، وبقرار مجمعي تم تحريم اريوس واتباعه وأمر الملك بنفي أريوس وحرق كتبه ، وفي نفس المجمع تم تحريم سابليوس الذي كانت له بدعه اخري بقوله بأن " الأب والإبن والروح القدس إقنوماً واحداً وليس ثلاثة أقانيم " فالكنيسة يجب أن تقف أمام كل تيار فكري لا يتفق مع كلمة الله بالحجة كما أوضحت ، ولا يجب أن تكون كالحكومات في قراراتها بالنفي والشجب ، بل عليها بأن تكون في كامل استيقاظها تعليمياً وبالبراهين الكتابية الواضحة ويكون لديها الإستعداد للإصلاح الفكري للمعتقدات عندما تجد إحتياج لذلك.

في هذا المجمع تم تحديد ميعاد يوم عيد القيامة ، فقبل هذا المجمع لم يكون للكنيسة احتفاليات لعيد القيامة ، فمن القرن الرابع الي اليوم نري الكنائس الرئيسية الأربعة الكاثوليك والإرثوذكس والإنجيليين والأسقفية يحتفلون بعيد القيامة مع مراعاة أن المسيحية لم تنقسم الي طوائف إلا بعد الإختلاف في مجمع خلقدونية ، في مجمع نيقية تم إقرار عدم اعادة معمودية العائدين من التعاليم المهرطقة الي الإيمان مرة اخري ، إن التشدد في الحق الكتابي يقود الكنيسة الي قرارات قاسية ، أما التمسك بالحق الكتابي يقود الكنيسة الي قرارات تساعدها لنشر الفكر الروحي والحق الكتابي بقوة دون المساس بحرية المفكرين أو المفسرين ، فمصادرة الأشخاص أصعب من مصادرة الأفكار ، لأن الأفكار التي خرجت من مفكريها الي مستمعين أو قارئين تجعل امكانية انتشارها متاحة حتي وإن تمت مُحاكمة أصحابها ، إن القرن الرابع شهد مجموعة من الهرطقات والتعاليم ليست بقليلة بعضها مّر من المجامع ولم ينال فرصة للمناقشة أو تم مناقشته بعيدا عن المجامع وتم قبوله دون أن يُناقش بالمجامع والبعض تم شجبه ، إننا في هذه الدراسة لا نتكلم عن الهرطقات والردود عليها ولكننا نتكلم عن المجامع والنتائج التي ترتب عليها قرارات مازالت مؤثرة علي مجتمعاتنا وكنائسنا حتي اليوم.

مجمع القسطنطينية 381 م .

في هذا المجمع حضر فيه 1500 أسقفًا تم مناقشة وشجب عدة بدع مهرطقة كبدعة الاسقف أبوليناريوس وبدعة سابليوس و بدعة مكدونيوس ، فبدعة أبوليناريوس التي تقول " أن لاهوت الابن عوضاً عن الروح الإنسانية للمسيح ، وتحملت الآلام والصلب والموت مع الجسد، كما إنه اعتقد أيضًا بوجود تفاوت بين الأقانيم فقال: الروح القدس عظيم والابن أعظم، أما الآب فهو الأعظم." ففي هذا الفكر الغاء لإيمان كمال الناسوت ، فالمسيح إنسان كامل ولاهوت كامل والإثنان لم يفارقا بعض وفي نفس الوقت اللاهوت لم يشارك في الألام بل اللاهوت أعطي لا محدودية لعمل الفداء ، فالمجامع مسئوليتها الأساسية تحليل الأفكار المضادة لفكر الكلمة المقدسة والرد عليها بالدليل الكتابي الواضح وتركه للأجيال وللتاريخ ، ليتعلم كل جيل الحق الكتابي دون تعصب .

في هذا المجمع تم مناقشة بدعة سابليوس " بأن الله إقنوم واحد وليس ثلاثة أقانيم أي إقنوم واحد بثلاثة أسماء ، وأن هذا الأقنوم حينما خلقنا فهو الآب، وحينما خلّصنا فهو الابن، وحينما قدسنا فهو الروح القدس " فبكل تأكيد أن هذا الفكر يُناقض فكر كلمة الله الواضح في ارسال الأب للإبن وإرسال الإبن للروح القدس ، لأنه بهذا يصل الي أن التجسد ليس مجرد إلا صورة من صور الظهورات لإقنوم الأب وحلول الروح القدس كذلك ، وهذا ليس كتابي ويحتاج لإنعقاد مجمع فإنعقاد مجمع القسطنطينية مهم لمناقشة مثل هذه البدع .

في هذا المجمع تم مناقشة فكرة مهرطقة ثالثة تسمي ببدعة مكدونيوس الذي تقول : " إن الروح القدس أقل من الابن لأنه يأخذ مما للابن وبخبرنا ، أن الروح القدس عمل إلهي منتشر في الكون، وليس بأقنوم متميز عن الآب والابن، بل هو مخلوق يشبه الملائكة وليس ذو رتبة أسمى منهم " فانعقاد المجمع لمناقشة مثل هذه البدع مهم لا لمحاكمة الأشخاص بل لمحاكمة الأفكار ، ولكن للأسف تم محاكمة الأفكار والأشخاص فيوجد من نُفي ومن قُتل ومن سُجن ، هذا هو الحال حتي اليوم فمن يتفوه ببنت شفاه فيما لا يُعجب المؤسسات الدينية والحكومية ينال محبتها السلبية ، نحتاج الي روح الفهم والمعرفة دون روح التعصب ، فالتعصب واستخدام السلطة دون المنطق حيل الضعيف الذي بلا حُجة وبلا منطق ، فيكفي أن نكون أصحاب الفكر الواعي والمنطق الكتابي الواضح دون استخدام التهديد والسلطان السيادي أو الكنسي فلنحارب الفكر بالفكر والمنطق بالمنطق بالدلائل والبرهان ، أما استخدام السلطان في البتر والكسر فلا يكون هذا إلا تطرف واضح دوافعه روح التعصب ، فكما قلت إن محاكمة أفكار أبوليناريوس وسابليوس و مكدونيوس ونسطور و اريوس و .... الخ. أفضل من محاكمة أشخاصهم ، فلم يستخدم المسيح سلطان لاهوته في ردع المختلفين معه بل استخدم سلطان الكلمة والفكر والمنطق بالحجة والبرهان الكتابي دون المساس لدائرتهم الشخصية أو حياتهم الخاصة أما عن اخلائهم من رتبتهم الكنيسة فهذا حق المجامع ولكن مع مراعاة عدم سلب حقوقهم التي لهم في فترة خدمتهم ، فهل كانت المجامع تفعل هذا ؟ أقول لا والي اليوم .

مجمع أفسس الأول 431 م :

هذا المجمع من اسباب انعقاده بدعة الراهب البريطاني بيلاجيوس الذي كان يُعلم قائلاً " أن خطية أدم قاصرة عليه وحده ، وأن القداسة يصل اليها الانسان بذاته بدون مساعدة نعمة الله " وبهذا الفكر يضرب بعرض الحائط الأيات التي تتكلم عن توارث الخطية وتوارث نتائجها " هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي ( مز 51 : 5 ) ، ( رو 5 : 12 )  ، ( تك 2 : 17 ) ، ( رو ٦ : ٢٣ ) ، ( 1كو ١٥ : ٢١ ) ، ( 1كو ١٥ : ٢٢ ) وتم تحريمه كباقي الهراطقة اللذين سبقوه ، كما تم مناقشة بدعة نسطور الذي نادي بأن " للمسيح أقنومين وشخصين وطبيعتين " وبكل تأكيد يحتاج هذا لمواجهة تعاليمه والرد عليها ، لذلك تم انعقاد المجمع ، هذا بالإضافة الي مناداته بـ " عدم تسمية العذراء مريم بوالدة الإله " حاكموا نسطور علي تعليمه بخصوص لاهوت المسيح وهذا حق ، أما بخصوص مصطلح والدة الإله فلم يرد في كلمة الله هذا اللقب وعلي الرغم من ذلك ناقشوه وبسبب هذا وضعوا تسبحة أضافوا فوق مصطلح ام الإله مصطلح أم النور مع كلمتين تعظيم وتمجيد " نعظمك يا أم النور الحقيقى و نمجدك أيتها العذراء القديسة, والدة الإله, لأنك ولدت لنا مخلص العالم, أتى و خلص نفوسنا. " فنسطور لم يتفق معهم في هذا ورفض قبول كتاباتهم وقراراتهم ، لكن تم تحريمه ونفيه الي مصر ، ليس كل مهرطق جميع تعاليمه خاطئة ، فيوجد فيها ما لم يستطيع ادراكه لذلك يخرج بأفكار خاطئة ، فكما قلت أنه يجب أن تكون الحُجة بالحُجة ، ليكون للشعب فرصة التعليم والفهم وتمييز الإمور بدون عصا السلطان والسيادة .

مجمع أفسس الثاني 449 م

        في هذا المجمع تم مناقشة بدعة أوطاخي ( او افتيخوس ) وكانت بدعته كنسطور في موضوع طبيعة المسيح فقال " أن طبيعة المسيح الناسوتية تلاشت في الطبيعية الإلهية فصار بطبيعة واحدة ممتزجة " ولكن في هذا المجمع تم اقرار الطبيعة الواحدة للمسيح ، إن اختلاف بين الطبيعة الواحدة والطبيعتين لم يكون له قوة تأثير فعال وقوي إلا عند مجمع خلقدونية سنة 451 م

مجمع خلقدونية سنة 451 م

رفضت بعض الكنائس قرارات مجمع خلقدونية ككنيسة الاسكندرية وأورشليم وفلسطين واعتبروه مجمع زائف لمناداته بطبيعيتين في المسيح بعد الاتحاد. ففي هذا المجمع تم رفض نتائج مجمع أفسس الثاني 449 م الذي أقر بالطبيعة الواحدة ، ومن هذا المجمع انقسمت الكنيسة الي اللاخلقدونيين والخلقدونيين وصار انفصال بين الشرق والغرب ، فالذي قسم الكنيسة الي قسمين هو روح الجدال الذي جعل صراع بين الغرب والشرق ،  ومنعهم حضور من يمثل عن الشرق كالبابا ديسقوروس ، فالخلاف القائم حتي اليوم علي الطبيعة الواحدة التي تبنتها كنيسة الشرق والطبيعتين التي تبنتها كنيسة الغرب ومن هنا تحولت المسيحية من كاثوليك في الغرب وارثوذكس في الشرق وتبع الكنيستين بعض الكنائس بالمناطق الأخري فصارت المسيحية خلقدونيين واللاخلقدونيين ، إن التمسك علي التعصب في الجدال والمناقشة جعل الكنيسة منقسمة ، أما الكنيسة إن كانت قد ناقشت الفكر كفر وفندده دون أن تقاوم الأشخاص كأشخاص وتجمد حياتهم لكان العالم تغيير للأفضل ، ولكن كان يُصاحب نقاش الأفكار والإختلافات طرق ذاتية نفسانية ، فقد فعلوا في مجمع الخلقدوني أنهم منعوا البابا ديسقوروس من الحضور بقوة الحراسة المشددة وداخل المجمع مرروا ورقة بيضاء ومضوا عليها ليكتبوا فيها مايشاؤون ضد البابا ديسقوروس ، فمثل هذه التصرفات تجعل من نظام المجامع وجود تيارات ليست بحسب المشيئة الإلهية ، وهذا يساعد علي حياة الإنقسام في أي مجمع كان أو سيكون .

الكنيستين اليوم يحاولا التقرب من بعضهما بمجيئ بابا الفاتيكان البابا فرنسيس في مايو 2017 م وزيارته للكاتدرائية بمصر ومقابلته للبابا تاودروس ، فكان لزيارته واقع رائع علي الشعب المصري وعلي النخبة المثقة في مصر ، ولكن لم يكون علي بعض الأباء الكهنة واقع سعيد بل كان واقعهم متشدد ومتعصب كما كان الخلقدونيين أيام انغقاد المجمع في تشددهم بتعاليمهم ، فلا فرق بين الخلقدونيين وللاخلقونيين في التعصب والتشدد ، فالكنيستين لهم حياة التعصب حتي اليوم .. للأسف .

إن التمسك بالتعاليم واعلانه بكل حب واحترام للأخر شيئ والتعصب واضطهاد الأخر شيئ أخر ، فدوائر الحرمان علي الأشخاص شيئ وحرمان التعاليم المناقضة للكنيسة شيئ أخر ، فقد نختلف في فهمنا للأية ولكن يمكننا أن نظل في احترامنا بعضنا للبعض مع نشر للتعاليم الصحيحة بالحجة والبرهان ، فالحق الكتابي واضح كالشمس وسينتصر مهما كان قوة وسطوة المخالفين له ، فالكنيسة علي مر العصور سلكت طريق الحرمان لكل من يعاديها فكرياُ ، فالكنيسة عندها الحق في بعض المواضيع ولكنها في تعصبها وشدة قراراتها بنفي الأشخاص عن طريق قوة وسيادة الحكومة المساندة لها جعل من المهرطقين قوة مضادة لنشر أفكارهم بنفس الطريقة عندما يميل حاكم نحو أي فكر يخالف قرارات المجامع .

التعصب استنزاف للطاقة الروحية :

 التعصب هو عدم قبول الحق المعلن والواضح لسبب ميل المتعصب تجاه نفسه ، حتي عند ظهور الدليل والبرهان ، فعند سردنا لتاريخ المجامع يتضح أن أجواء التعصب واضحة من كلا الجانبين لأن كل جانب يري نفسه علي حق ، وفي نقاشهم للمواضيع المطروحة يتم تحريم الجانب الأقوي في الحجة للجانب الأخر ، أو يسيطر الجانب الذي إستطاع أن يميل القضاة أو الحكومة لجانبه مع التمسك بالأفكار التي تبناها ، فالتعصب دائرة قديمة وما زالت حتي اليوم ، التعصب منتشر بأشكاله وبكامل أنواعه الديني والسياسي والطائفي والقبلي والعرقي والذهني والفكري فليس رجال الدين أو رجال الكهنوت هم فقط المتعصبين ، فالمتعصبين تجدهم في كل مكان وبالأخص المتدينين ، فالمسيح كان يُعلم دون أن يفرض تعليمه بقوة القانون أو بالتهديد وكذلك التلاميذ في عصر الكنيسة الأول لم يهددون أحد بل كان التأديب الذي يقدمونة من أجل التهذيب وليس أحكاماً للتقييد الفكري والنفي والحبس أو القتل .

التأديب إسلوب تربية : من أجل التهذيب والتقويم عن طريق التعليم الكتابي والتحذيرات من نتائج الإنحراف الفكري " وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ، بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأْدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ. ( أفسس ٦ : ٤ ) لأن التربية بإسلوب التهديد القاسي أو الأحكام الشديدة يدفع الأبناء لدوائر من الغيط فيسلكون طريق الفشل " أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ لِئَلاَّ يَفْشَلُوا. ( كو ٣ : ٢١ ) لذلك فليتبدل التهديد بالتحذيرات وبالتعليم لأن " كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَال‍تَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، ( 2تي ٣ : ‏١٦ ) ، ( عب ١٢ : ‏٥  ) فالأبناء القريبين من كلمة الله ستجدونهم مرنين مطيعين يسلكون وسط المجتمع بفهم ، أما القريبين من القوانين والطقوس والأنظمة البشرية والتهديدات والأحكام ستجدونهم عصبيين وعنفاء ومعاندين فهذا هو المتعصب بعينه .

الأحكام نظام اداري وقضائي : فالمؤسسات والشركات والحكومات لديها أحكام ، ولأن الكنيسة كنظام مؤسسي لذلك يوجد بها نظام إداري وقوانين وأحكام ، ولكن عندما تستمد الكنيسة سلطانها من قوة القانون المدني والحكومات هنا يصير العمل الإلهي والتحذيرات الي تهديدات وأحكام تقييد من لهم فكر حتي وإن كان مخالفاً ، فالكنيسة يمكنها فصل المنحرف فكرياً من نظامها الكنسي الي خارجها ، ولكن أن تستخدم السلطة المدنية لدفع المخالف لها فكرياً الي السجن أو القتل أو التشهير بمصطلحات تمس شخصه فهذا تعصب وإفتراء لا يقبله الفاهمون

الكنيسة في القرون الوسطي كانت شديدة متعصبة وقاسية لأن أحكامها الكنسية كانت بقوة القانون الروماني فحكمت علي البعض بالسجن والبعض الأخر بالنفي والبعض الأخر بالموت استمر هذا الحال من القرن الرابع جتي السادس عشر تقريباً ، فقد كانت الكنيسة لها مواقف متشددة جداً مع المخالفين لها أو الخارجين عن نظامها ، حتي يومنا هذا يوجد متعصبين يحرضون ضد الأخر بطرق مستفزة للغاية ، فكل متعصب لا يخدم ملكوت الله بل يساعد علي اعاقة العمل الإلهي ويساعد علي تفشي روح العبودية وعدم تقدم المجتمع نحو الحرية ، فهم يحتاجون لمعجزة الهية كما حدث في أوروبا بقدوم النهضة والإصلاح الديني الذي قام به مارتن لوثر الذي لم يُسلم من يد الكنيسة الكاثوليكية في ذاك الوقت التي قاومته وطلبت رأسه .

الي يومنا هذا نجد من المتعصبين اكواماً اكواماً ومجموعات بل وجماعات في كل مكان وكأن العالم لم يتعلم من تاريخه ، فعندما نقرأ التاريخ نتعظ ، ولكن للأسف سيظل التعصب مفتاح شيطاني لتدمير كل ما هو جميل أو كل ما هو للخير ، بكل تأكيد ليست جميع أفكار المتعصبين صحيحة وليس جميع المتَعصّب في حقهم هراطقة ، فمصطلح هراطقة كثيرا كان يستخدم كسلاح لهدم الأخر واسكات صوته ، سواء كانت كلمة هراطقة أو بروتستانت ( معارض ) فالكلمتان تستخدمان حتي الأن ، إن كل صاحب فكر يجب أن يُحترم ولكن لنُقيم الأفكار ولا نكون محمولين بكل ريح تعليم سواء كان قديم متوارث أو قديم مستحدث أو جديد وحديث ، لأن الذين يقبلون تعاليم دون فحص هم أطفال " كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ، بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ. ( أف ٤ : ١٤ ) فعندما نُفلتر التعاليم ونحللها نستطيع أن نُقَيّمها ونقبل ما نراه صواباً ونرفض كل ما هو غير صحيح دون أن نكون متعصبين ضد الأشخاص المخالفين لنا في الفكر أو العقيدة ، إن في اختلافنا في بعض العقائد كطريقة العبادة والعقائد المكملة لحياتنا الروحية والممارسات التي تُعلن إيماننا ، لا يجب أن نكون فيها متعصبين ، أما ما هو في اساسيات الإيمان يجب أن نكون متمسكين بتعاليمنا فيه دون تعصب بل بكل الحب نقدم الحق ونترك الأخر يُفكر ويدرس ، ونصلي من أجله لتستقيم أفكاره ويعرف الحق 

الكنائس الأربعة ونقاط الإختلاف :

          بكل تأكيد من يقرأ هذا العنوان يُدرك أنني سأتكلم عن المواضيع مهاجماً إحدي الكنائس ، ولكني لن أفعل كذلك بل سأسرد لكم بعض النقاط المهمة التي يجب أن توضع في الإعتبار ، لأن الإختلافات القائمة يُمكن دراستها ومعرفة مستوي التعليم ، ومن يرفض شيئاً منها فلن يخرج خارج الإيمان المسيحي طالما لم ينكر الله المثلث الأقانيم والتجسد والفداء، فلماذا التعصب إذاً ؟ لماذا التعصب حتي وإن كانت الإختلافات قوية في الشكل والمضمون ، التعصب يصنع عملية حّجر علي الأخر وهذا ليس من حق أي إنسان مهما كان وضعه ومستواه الاجتماعي والديني ، فرؤيتنا لبعض لكي تكون واضحة يجب أن نستمع لبعض ونقرأ لبعض وندرس التعاليم وفروقها بكل وضوح وشفافية بلا تحيز ، ومن يري الحق واضح أمامه فليسير فيه ، فالرب لا يترك من يريد معرفة الحق ، فقد كان شاول مضطهد المسيحية لدرجة أنه صار قاتلاً لأتباع المسيح ، ولكن لأنه كان من الباحثين عن الحق ترأي له الرب ووضح له الإيمان الحقيقي ، لماذا التعصب والمسيح علمنا المحبة ؟ لماذا التعصب والمسيح لم يكن متعصباً ؟ المسيح كان متمسكاً بالتعاليم والمبادئ دون أن يكون متعصباً لا لقول ولا لفعل ، إن مواضيع الإختلاف كثيرة ولكننا يجب أن نتقابل ونتقارب لأن لنا مسيح واحد وكتاب مقدس واحد وإيمان في الله واحد .

          موضوع الطبيعتين والمشيئتين : جميع الكنائس تؤمن أن للمسيح طبعتين لاهوتية وناسوتية وسار بهم علي الأرض منذ التجسد حتي الصعود ، الطبيعتين والمشيئتين متحدتان ولم ينفصلا اطلاقا ، أو حدث بينهم انفصال فهذا يرجع لمستويات الفهم والإدراك ، فالإختلاف لن يغير من طبيعة المسيح شيئ ، فهو يمتلك طبيعتين متحدتتان دون اختلاط أو امتزاج لصفاتهما ودون تغيير ، والكنائس جميعها تؤمن بهذا وتؤمن بالثالوث والتجسد والفداء والخلاص من الخطية بدم المسيح ، وهنا نقطة التلاقي التي يجب أن ندركها ونتعامل معها دائماً ، قلنترك التعصب ونسعي نحو المحبة لنكون تلاميذ حقيقيين للمسيح " بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: ‍إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ". ( يو ١٣ : ‏٣٥ ) ان الطبيعة الناسوتية تراها واضحة في كلمة الله عندما كان يأكل وينام ويُفكر ، والطبيعة اللاهوتية تراها أيضاً واضحة في معجزاته وقرأته للأفكار وفي تنبؤاته وفي أقواله وفي سلطانه ، والطبيعتين متواجدتين فيه بوحدة وترابط عجيب ، وهنا نري قوة اللاهوت المتجسد .

إنبثاق الروح القدس :  إن إنبثاق الروح القدس أمر حتمي لأن المسيح صرح بهذا " "وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ، رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي.  ( يو ١٥ : ٢٦ ) أما عن الإيمان بإنبثاق الروح القدس من الأب والإبن معاً فهذا لا يُغير من جوهر الثالوث شيئاً ، لذلك لا داعي إطلاقاً لروح التعصب الذي يملأ الكون ضجيجاً وإستنزافاً ، فالرح القدس كإقنوم له كينونته التي لا تتغير حتي وإن تغير فكرنا نحوه ، فمصدره الأب من الأزل والي الأبد ، فلنقبل بعض لنجعله يعمل فينا بقوة ويغيرنا ويملأنا لأن العالم الذي نعيش فيه يحتاج لمؤمنين ممتلئين بالروح القدس وليس نفوس في روح التعصب .

أسرار الكنيسة : تهتم الكنيستين الغربية والشرقية بأسرار الكنيسة السبعة " المعمودية ـ الميرون ـ التناول ـ الإعتراف ـ مسحة المرضي ـ الزيجة ـ الكهنوت ) جميع الكنائس تؤمن بهم ولكن مع الإختلاف في كلمة سر ، فسواء كانوا  أسرار أو غير ذلك فهذا لا يُغير من وجودهما ، ولكن كلٍ يتعامل معهم بطريقته وبفهمهم الكتابي عنهم ، فـ زيت الميرون إشارة للروح القدس ، الكنائس التقليدية يؤمنون بها بطريقة طقسية ، أما الإنجيليون يؤمنون بها روحياً ، فالروح القدس اختبار يختبره كل مؤمن ، عندما  نتكلم عن الروح القدس فنحن نتكلم عن إقنوم لا يحده زيتاُ ولا جسداً ، ولكننا نتعامل معه بالإيمان ، أما من يتعاملون مع الروح القدس برمز الزيت فلهم معتقدهم ولا يجب أن نقف ضدهم بتعصب ، بل نفند الحقائق فقط ونترك كلمة الله للتأثير ، من يؤمنون بزيت الميرون فليضعوا الحقائق التي يؤمنون بها ويتركون تأثير الحق الكتابي في الحياة ، ولا داعي للتعصب ، لأن سواء كان الروح القدس يُعطيّ عن طريق زيت الميرون أو لا ، فهذا لن يُغير من طبيعته شيئاً ، كذلك في باقي الأسرار الكنسية ، فلنقرأ الفكر والفكر المضاد ولا نتعصب ، لأن فكر الرب في كلمته والحق الكتابي أكبر بكثير من إنسان يتعصب له أو من اجله .

ممكن نختلف لكن لا يجب أن نتعصب فالفروق الموجودة كبيرة وكثيرة ولكن ليحترم كل واحد إيمان وعقيدة الأخر لأن في النهاية سننتهي لنفوس متعبدة للرب ، فعندما ننفتح بعضنا علي بعض ينفتح الروح القدس علينا وعندما ننغلق بعضنا علي بعض نخسر الكثير في المعاملات الإلهيه ويخسر العالم معنا ، فالإختلافات التي حدثت في المجامع في العصور الأولي جعلت من الكنيسة الواحدة عدة كنائس متناثرة ومتخالفة بعضها عن بعض ، فالإختلافات جزء منها عقائدي والجزء الأخر كرسي ومناصب وذات ، حتي في الإختلافات لا يجب أن نثبت كلامنا من أجل ماء وجهنا بل لأجل الحق ، ويكون لدينا الإستعداد للتخلي عن كل ما هو زيف وبلا دلائل كتابية وبراهينه قد تكون ضعيفة أو مستنتجة نتيجة الأفكار الفلسفية التي تصاحب الفكر الكتابي ، لذلك دعونا ندرس كلمة الله برح الله لا بروح فلسفية أو نفسية لتستقيم تفاسيرنا وفهمنا للحق . 

 





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس