الإرادة وقوة تأثيرها

 


 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإرادة وقوة تأثيرها


 بقلم القس عماد عبد المسيح

لكل إنسان طاقة كامنة في داخله تحتاج لمن يحركها وتحتاج لمن يتعرف عليها ، فالإصرار علي النجاح طاقة كامنة في دائرة الإرادة ولكل طاقة ثمن لابد أن يُدفع فمن لديه عزيمة قوية داخل ارادته سيصل يوما لقمة المجد ، أما من هزلت عزيمته فقد أصاب بالإحباط وإنتابه نوع من الكسل فهما لصوص القوة التي في الإرادة ، لذلك يجب من يريد قوة في ارادته عليه بأن يحارب كل إحساس مُحبط لأن الإحباط يولد الكسل والكسل يولد الفقر " قَلِيلُ نَوْمٍ بَعْدُ قَلِيلُ نُعَاسٍ، وَطَيُّ الْيَدَيْنِ قَلِيلاً لِلرُّقُودِ، فَيَأْتِي فَقْرُكَ كَسَاعٍ وَعَوَزُكَ كَغَازٍ.( أم ٦ : ١٠ ) فالنوم له طعم لذيذ ولا سيما في اللحظات الأخيرة منه ، والإستيقاظ مبكراً غير مُلذ للجسد ، لكنه مُلذ للنفس الطموحة التي تريد أن تكون في مجد الرب وفي حياة الرفعة .

سليمان الحكيم يدعوا الكسلان لأعظم إستاذة في النشاط ليتعلم منها "  اِذْهَبْ إِلَى النَّمْلَةِ أَيُّهَا الْ‍كَسْل‍اَنُ. تَأَمَّلْ طُرُقَهَا وَكُنْ حَكِيمًا. ( أم  ٦ :‏ ٦  ) فالنمل يري المستقبل جيداً ويعمل في الصيف من أجل مخاطر الشتاء " النَّمْلُ طَائِفَةٌ غَيْرُ قَوِيَّةٍ، وَلكِنَّهُ يُعِدُّ طَعَامَهُ فِي الصَّيْفِ. ( أم ٣٠ : ٢٥ ) وإن كان يعمل هذا بالفطرة ولكنها حكمة رائعة نتعلمها من النمل ، فالنوم والكسل يصلان الإنسان الي الموت ويكون دائماً في خسارة للعمر والوقت والسنين تمر دون أن يستفيد منها " اَلْ‍كَسْل‍اَنُ لاَ يَحْرُثُ بِسَبَبِ الشِّتَاءِ، فَيَسْتَعْطِي فِي الْحَصَادِ وَلاَ يُعْطَى. ( أم ٢٠ : ‏٤  ) الكسالة في هذا الزمان كثيرين جداً والسبب بعض الحجج التي لا تُجدي نفعاً ، فالكسلان دائماً يذكر أسباب ليس لها ارتباط بالواقع ، فيقول أن البطالة مرض المجتمع ! أقول إن البطالة مرض موجود في كل مكان وفي كل العالم ولكن الإنسان الذي يكتشف قوة ارادته وكمية الطاقة المتاحة ويُفكر كيف يعمل فسيعمل وسيكون نشيطاً وناجحاً ، فيأتي السؤال المُلح " إِلَى مَتَى تَنَامُ أَيُّهَا الْكَسْلاَنُ؟ مَتَى تَنْهَضُ مِنْ نَوْمِكَ؟  ( أم ٦ : ٩ ) فالنفس الكسلانة تنظر حولها وتتمني وتشتهي ولكنها لا تحصل علي شيئ ، لأن في الحصول علي المشتهي يحتاج الي بذل مجهود لينال الإنسان ما يتمناه " نَفْسُ الْ‍كَسْل‍اَنِ تَشْتَهِي وَلاَ شَيْءَ لَهَا، وَنَفْسُ الْمُجْتَهِدِينَ تَسْمَنُ. ( أم ١٣ : ‏٤ )

المجتهد لا يري الصعاب والحواجز لكنه يري النجاح والقوة والعزيمة ، المجتهد لا يري ارتفاع السُلم فيغني له بعزيمته لأنه قادر علي صعوده بمنهجية ونظام وليس بعشوائية وفوضي فكرية " طَرِيقُ الْ‍كَسْل‍اَنِ كَسِيَاجٍ مِنْ شَوْكٍ، وَطَرِيقُ الْمُسْتَقِيمِينَ مَنْهَجٌ ( أم ١٥ : ‏١٩ ) أما الكسلان فدائماً له أعذاره الغير مقبولة ، فالخوف من الفشل كالأسد الهائج في الشوارع ، فالخوف مفتاح الفشل والكسل " قَالَ الْ‍كَسْل‍اَنُ: "الأَسَدُ فِي الْخَارِجِ، فَأُقْتَلُ فِي الشَّوَارِعِ!". ( أم ٢٢ : ‏١٣ ) ، ( أم ٢٦ : ‏١٣ ) فمن خاف من الحوادث فلن يعتلي قيادة سيارة ومن خاف من الخسارة يوماً فلن يذوق طعم النجاح .

        الإرادة هي مفتاح لكل البركات فعندما ندرب ارادتنا لتكون قوية وليست في نطاق الخوف والكسل بل في نطاق النشاط والقوة ستأكل النفس من خيرات تعبها ، فقد وبخ الرب العبد الكسلان ووصفه بالشرير لأنه لم يستثمر الوقت ليربح لسيده وينال المكافئات " فَأَجَابَ سَيِّدُهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ وَالْ‍كَسْل‍اَنُ، عَرَفْتَ أَنِّي أَحْصُدُ حَيْثُ لَمْ أَزْرَعْ، وَأَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ أَبْذُرْ، ( مت ٢٥ : ‏٢٦ ) فهذا العبد لم يستثمر الوزنة لأنه وضع أمامه أعذار واهية ، فحسد صاحب المال ورأي أنه يوظف أمواله دون أن يكون له من التعب نصيب ، فدائماُ الكسالة يحسدون اصحاب الأموال ويحقدون عليهم وبالتالي لا يعملون ويحاولون خسارة من هم في ادارة أعمال ، فهذا العبد قّبل واتفق قبل رحيل سيده علي استثمار ماله ، فلماذا دفن مال سيده ولم يستثمره ، فقد كان بالأجدي عليه عدم قبول مال سيده من البداية ، لذلك أقول لكل إنسان اجتهد ولا تنظر لغيرك فيما يملك ولكن استثمر ما تملكه من قوة وارادرة وعزيمة لتكون شيئاً فستنال يوماً النجاح وترتقي من مستوي لمستوي .

تأثيرات الإرادة وقرارات اليوم :

        الإرادة هي قوة لإتخاذ القرار والإنطلاق نحو التنفيذ مع المثابرة لينال الإنسان ما يريده وما يتمناه وما يربوا اليه ، فالأفكار لن تصير أهداف بدون أن يُتخذ بخصوصها قرار ، والقرارات لا يجب أن تُتخذ تحت أي ضغوط نفسية أو فكرية ، فالقرارات المتخذة عن إرادة كاملة دون تأثيرات خارجية لا يصحبها ندم ، حتي في وقت الخسارة والقرارات الخاطئة ، فالقرارات التي بإرادة كاملة تجعل الأماني واقع معاش ، أما القرارات بإرادة غير ثابتة تجعل الحياة في تقلقل وعدم راحة كموج البحر الذي لا يهدأ علي الإطلاق " وَلكِنْ لِيَطْلُبْ بِإِيمَانٍ غَيْرَ مُرْتَابٍ الْبَتَّةَ، لأَنَّ الْمُرْتَابَ يُشْبِهُ مَوْجًا مِنَ الْبَحْرِ تَخْبِطُهُ الرِّيحُ وَتَدْفَعُهُ. رَجُلٌ ذُو رَأْيَيْنِ هُوَ مُتَقَلْقِلٌ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ. ( يع ١ : ٦ ـ 8 ) الرجل ذو الرأيين هو مُتأرجح بين فكرتين أو أمرين فلم تجد له طريق واضح أو معالم فكرية لتتعامل معه ، لذلك يحتاج كل إنسان الي التريس والتركيز علي الأهم ثم المهم وترك ما لا يفيد ، فكثيرين منا يقع تحت كلمة " ماذا لو .. ؟! " هذه الكلمة تجعل الإنسان غير متمكن ، ولكن ليكن مع كل قرار دراسة ليست بـ " ماذ لو! " بل دراسة القرارات بنتائجها ثم إتخاذ القرار بإرادة كاملة والتعلم من الخطأ ، فالقرارات المبنية علي احتمالين هي قرارات فاشلة لأن " ماذا لو " اسلوب إمساك العصا من النصف ، هذا اسلوب يُضعف الشخصية ويُضعف الإرادة ، لأن الإنسان الذي لا يعرف الي أين يتجه سينتهي به الأمر الي مكان لا يريده ، فكن حاضر واقعك وقارئ ماضيك  لتتخذ قرارك بقوة ارادتك لتصنع مستقبلك وكن مثابراً .

        لإتخاذ قرارات صحيحة يحتاج الإنسان لتفكير فعال ومستقل بدون تأثيرات خارجية ، لأن التأثيرات الخارجية تجعل من القرارات ردود افعال ونتائج لا قرارات حرة نزيهة ، فقد حدث يوماً في ( 2صم 13 ) أن أمنون أحب أخته ثامار " كَانَ لأَبْشَالُومَ بْنِ دَاوُدَ أُخْتٌ جَمِيلَةٌ اسْمُهَا ثَامَارُ، فَأَحَبَّهَا أَمْنُونُ بْنُ دَاوُدَ " حب خاطيئ يقود لقرار خاطيئ ,لأن تفكيرقلبه يعلم بأن لا يجوز فعل ما يريد فحزن ومرض " وَأُحْصِرَ أَمْنُونُ لِلسُّقْمِ " ياليته اتخذ قراره بنفسه ما كان فعل فعلته ، ولكن لسبب وجود أخر في حياته دُفع ليأخذ قراراً ليس صائباً " كَانَ لأَمْنُونَ صَاحِبٌ اسْمُهُ يُونَادَابُ ... ٤فَقَالَ لَهُ: "لِمَاذَا يَا ابْنَ الْمَلِكِ أَنْتَ ضَعِيفٌ هكَذَا مِنْ صَبَاحٍ إِلَى صَبَاحٍ؟ أَمَا تُخْبِرُنِي؟" فَقَالَ لَهُ أَمْنُونُ: "إِنِّي أُحِبُّ ثَامَارَ أُخْتَ أَبْشَالُومَ أَخِي"." فمنذ البداية الفكر خاطيئ والصاحب حكيم مُخطيئ بفكر شرير فكانت مشورته حمقاء " فَقَالَ يُونَادَابُ: "اضْطَجعْ عَلَى سَرِيرِكَ وَتَمَارَضْ. وَإِذَا جَاءَ أَبُوكَ لِيَرَاكَ فَقُلْ لَهُ: دَعْ ثَامَارَ أُخْتِي فَتَأْتِيَ وَتُطْعِمَنِي خُبْزًا، وَتَعْمَلَ أَمَامِي الطَّعَامَ لأَرَى فَآكُلَ مِنْ يَدِهَا " وبالفعل تمارض ووفعل الشر بإخته ثامار وابغضها بغضاً شديداً " ثُمَّ أَبْغَضَهَا أَمْنُونُ بُغْضَةً شَدِيدَةً جِدًّا، حَتَّى إِنَّ الْبُغْضَةَ الَّتِي أَبْغَضَهَا إِيَّاهَا كَانَتْ أَشَدَّ مِنَ الْمَحَبَّةِ الَّتِي أَحَبَّهَا إِيَّاهَا. وَقَالَ لَهَا أَمْنُونُ: "قُومِي انْطَلِقِي" فالفعل أثيم والفكر نجس والشر لا يدوم طويلاً بل يجعل من الذي يسلك فيه كئيباً فإحذر لأن " احداث اليوم وغداً هي نتاج قرارات إتخذتها بالأمس "  فلم يعيش طويلاً بعد اذلاله لثمار إخته فبعد سنتين قتله ابشالوم " وَفِيمَا هُمْ فِي الطَّرِيقِ وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى دَاوُدَ وَقِيلَ لَهُ: "قَدْ قَتَلَ أَبْشَالُومُ جَمِيعَ بَنِي الْمَلِكِ، وَلَمْ يَتَبَقَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ ... فَأَجَابَ يُونَادَابُ بْنُ شِمْعَى أَخِي دَاوُدَ وَقَالَ: "لاَ يَظُنَّ سَيِّدِي أَنَّهُمْ قَتَلُوا جَمِيعَ الْفِتْيَانِ بَنِي الْمَلِكِ. إِنَّمَا أَمْنُونُ وَحْدَهُ مَاتَ، لأَنَّ ذلِكَ قَدْ وُضِعَ عِنْدَ أَبْشَالُومَ مُنْذُ يَوْمَ أَذَلَّ ثَامَارَ أُخْتَهُ " ( 2صم  ١٣ : 1 – ٣٩ ) حتي ابشالوم فلم يعيش طويلاً فقد قتله جنود داود لأن طلب قتل داود ابيه . ( 2صم ١٨:‏٩ ـ 15 ) عندما يُنقي الإنسان أفكار قلبه ويستأثرها لطاعة المسيح ستكون أفكاره نقية وقراراته صائبة قوية حكيمة

        القرارات السريعة النابعة من قرأة الواقع تبث روح الخوف في القلوب ، فالخوف قاتل كل طموح ومفشل كل إيمان ، فعندما تقرأ الأحداث بدون معية الرب وروح الصلاة ستنال من الخوف نصيب ، هروب رجال اسرائيل من أمام جليات ناتج من تأثير الخوف والرعب " فَخَرَجَ رَجُلٌ مُبَارِزٌ مِنْ جُيُوشِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ اسْمُهُ ‍جُلْيَاتُ، مِنْ جَتَّ، طُولُهُ سِتُّ أَذْرُعٍ وَشِبْرٌ، ...... وَجَمِيعُ رِجَالِ إِسْرَائِيلَ لَمَّا رَأَوْا الرَّجُلَ هَرَبُوا مِنْهُ وَخَافُوا جِدًّا. ......( 1صم ١٧ : ‏٤ ، 23  ) أما التأني في اتخاذ القرارات يمنح للنفس فرصة التفكير وقرأة الأحداث الواقعة بحسب المستوي اللائق للكيان الروحي ، فلم ينظر شاول ولا رجال اسرائيل لمستوي المعية الإلهية التي رافقة شعب الله طول السنين الماضية ، لكنهم قاسوا كتف شاول بكتف جليات فوجدوا شاول كتفه ضئيل ، فماذا يفعل رجال شاول الأقل كتفاً من الملك ، إن المقاييس البشرية ليست دائما صائبة ، فتوجد إمور تحتاج لإمكانيات وقامات روحية تجعل من أصغر كتف أكبر من أي كتف مهما إن كان مستواه ، وقف داود متذكرا يد الرب التي كانت معه في موقف الأسد والدب وعلم بأن اله الماضي هو اله المستقبل " فَقَالَ دَاوُدُ لِشَاوُلَ: "لاَ يَسْقُطْ قَلْبُ أَحَدٍ بِسَبَبِهِ. عَبْدُكَ يَذْهَبُ وَيُحَارِبُ هذَا الْفِلِسْطِينِيَّ" ... وَقَالَ دَاوُدُ: "الرَّبُّ الَّذِي أَنْقَذَنِي مِنْ يَدِ الأَسَدِ وَمِنْ يَدِ الدُّبِّ هُوَ يُنْقِذُنِي مِنْ يَدِ هذَا الْفِلِسْطِينِيِّ". فَقَالَ شَاوُلُ لِدَاوُدَ: "اذْهَبْ وَلْيَكُنِ الرَّبُّ مَعَكَ". ( 1صم ١٧ : ٣٧ ) فالقرار الذي إتخذه داود نابع من الثقة في الهه ، وهذه الثقة تمنح المؤمن مقدرة للدخول في أصعب المواقف ويكون الإنتصار حليفه ، فقد هزم داود جليات  ( 1صم ١٧ : ٤٥ ـ 49 ) فجليات يمثل القرار الصعب لكل نفس فينا ولكي نهزمه نحتاج لقرار ايماني بأن النصرة والإنتصار لنا مهما كانت قوة العدو .

الارادة مجال روحي

الايمان والثقة :

الإرادة لكي تكون فعالة وبقوة تحتاج للدعم دائماً بالطاقة الروحية ، أقصد بها الإيمان والثقة وهما الداعمتان المساندتان لقوة الإرادة ، فقد كان يوسف متشدد بالرب إلهه الذي عرفه من أجداده ومن يعقوب أبيه ، فقد عرف الكثير عن معية الله لأجداده ابراهيم واسحاق ومن أبيه يعقوب لذلك يقول الوحي عنه " يُوسُفُ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ عَلَى عَيْنٍ. " فالتشبيه بأنه غصن علي نبع مياه تجده دائماً مرتوي وفي حياة الشبع ، وعندما يحاط بأخرين تجده شديد العزم قوي الإرادة " أَغْصَانٌ قَدِ ارْتَفَعَتْ فَوْقَ حَائِطٍ. فَمَرَّرَتْهُ وَرَمَتْهُ وَاضْطَهَدَتْهُ أَرْبَابُ السِّهَامِ. وَلكِنْ ثَبَتَتْ بِمَتَانَةٍ قَوْسُهُ، وَتَشَدَّدَتْ سَوَاعِدُ يَدَيْهِ. " الثبات والقوة والشدة يرجع الي مستوي إيمان وعقيدة راسختين مهما كان الأمر والسبب إله أبيه الذي عرفه منذ الصغر " مِنْ يَدَيْ عَزِيزِ يَعْقُوبَ، مِنْ هُنَاكَ، مِنَ الرَّاعِي صَخْرِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ إِلهِ أَبِيكَ الَّذِي يُعِينُكَ، وَمِنَ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي يُبَارِكُكَ، تَأْتِي بَرَكَاتُ السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَبَرَكَاتُ الْغَمْرِ الرَّابِضِ تَحْتُ. بَرَكَاتُ الثَّدْيَيْنِ وَالرَّحِمِ. " ( تك  ٤٩ : ٢٢ ـ 26 ) معرفة اله الأباء يكمت في معرفة الأباء ، فعندما يكون للأب معرفة بالرب سيكون الأبناء لهم نفس الإتجاه ، فقد تعلم يوسف من ابيه ومن جده ما يجب أن يتعلمه ليدفعه نحو الإرادة القوية ويكون للإرادة مجال ايماني واسع المدي ومريح للنفس مهما كانت الضيقات والألام .

الإتكال لا التواكل :

الإتكال علي الرب من المفاتيح الروحية المدعمة للإرادة القوية لأن الإتكال علي الرب يُفعل الراحة والهدوء داخل النفس ويوقف الضغوط الخارجية والنفسية فيُقاد الي ارادة جيدة لقرارات صائبة " لِيَكُونَ ‍اتِّكَالُكَ عَلَى الرَّبِّ ... ( أم ٢٢ : ‏١٩ ) يوجد فرق بين الإتكال والتواكل ، فالتواكل هو أن أكون سلبياً وأترك الأخر يفعل لي ما اريده دون أن أشاركه بشيئ ، أما الإتكال فهو أن أقوم بواجبي كاملة وأترك النتائج لمن بيده الأمر " ذُو الرَّأْيِ الْمُمَكَّنِ تَحْفَظُهُ سَالِمًا سَالِمًا، لأَنَّهُ عَلَيْكَ مُ‍تَوَكِّلٌ. ( إش ٢٦ : ‏٣  ) فالإتكال علي الرب يمنح المؤمن بركات غير عادية مثل : " الحفظ سالماً " من مخاطر القرارات الخاطئة ، ومثل " الرحمة " التي هي بركة من بركات التوكل علي الرب " كَثِيرَةٌ هِيَ نَكَبَاتُ الشِّرِّيرِ، أَمَّا الْمُ‍تَوَكِّلُ عَلَى الرَّبِّ فَالرَّحْمَةُ تُحِيطُ بِهِ. ( مز ٣٢ : ‏١٠  ) الرحمة تحيط بالمؤمن المتوكل علي الرب لأنه في اجواء صالحة للارادة وقراراتها ، وأيضاً من بركات الإتكال علي الرب " الفرح والإبتهاج " اللذان يمنحان مساحة للارادة للتفكير دون ضغوط أو مشاكل سواء كانت خارجية أو داخلية ، ففي الفرح والإبتهاج لا هم ولا غم  " أَمَّا أَنَا فَعَلَى رَحْمَتِكَ ‍تَوَكَّلْتُ. يَبْتَهِجُ قَلْبِي بِخَلاَصِكَ. ( مز ١٣ :‏ ٥ ) فالأجواء الروحية من أهم مدعمات الارادة القوية والقررارت الصائبة " ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ! طُوبَى لِلرَّجُلِ الْمُ‍تَوَكِّلِ عَلَيْهِ. ( مز ٣٤ : ‏٨ ) فهل تبدأ من الأن لتتوكل علي الرب اتكال كامل بثقة ويقين وايمان .

العلاقات الطيبة :

العلاقة القوية مع الأسرة والأصدقاء والجيران يُهيئون الأجواء الروحية للإرادة السوية القوية ، فإن أصاب الخمول الإنسان في علاقته ستؤثر علي قراراته ، لأن العلاقات المتوترة تسرق الطاقة الذهنية وتجعل التفكير في طريق الشلل وعدم المقدرة علي التقدم للأمام ، فلتسعي دائماً لتكون علاقاتك مع من حولك في سلام ومحبة وهدوء ، وبالأخص زوجتك وابنائك ، فقد غنت عروس النشييد لحبيبها قائلةً "  أَدْخَلَنِي إِلَى بَيْتِ الْخَمْرِ، وَعَلَمُهُ فَوْقِي ‍مَحَبَّةٌ. ( نش ٢ : ‏٤ ) فبيت الخمر هنا يعني بيت اللذة والفرح ، والشعار المرئي للكل هو المحبة ، فالعلاقات الطيبة داخل الأسرة من المقومات المهمة لإرادة سوية وقرارات حكيمة وناجحة لكل حياتك ولجميع اشغالك واعمالك ، اهرب أخي من المشاحنات والمجادلات الأسرية واسعي نحو السلام والهدوء لتنال قوة في داخلك وتقضي أيام هادئة مطمئنة في خوف الله ، فيغني العريس قائلاً : " مَا أَحْسَنَ حُبَّكِ يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ! كَمْ ‍مَحَبَّتُكِ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْرِ! وَكَمْ رَائِحَةُ أَدْهَانِكِ أَطْيَبُ مِنْ كُلِّ الأَطْيَابِ! ( نش ٤ :‏ ١٠ ) فالحب والمحبة من أهم مدعمات الهدوء الأسري والعلاقات السوية والصالحة للإرادة الحرة المنطلقة نحو الهدف " مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْفِئَ الْ‍مَحَبَّةَ، وَالسُّيُولُ لاَ تَغْمُرُهَا. إِنْ أَعْطَى الإِنْسَانُ كُلَّ ثَرْوَةِ بَيْتِهِ بَدَلَ الْ‍مَحَبَّةِ، تُحْتَقَرُ احْتِقَارًا. ) نش ٨ : ‏٧  ) اسعي نحو اسرة مطمئنة هادئة لتنال راحة القلب وهدوء الفكر .

الإرادة والتأثير النفسية الخفية :

الخوف تأثير خفي :

الإرادة قوة فكرية تتحكم في الإنسان كله روحا ونفساً وجسداً ، الارادة في ضعفها قوة سلبية وفي قوتها قوة ايجابية ، لذلك يجب أن يأخذ الإنسان قراراته بشكل واعٍ ، لأن الإرادة مع القرارات السلبية تقود الإنسان لنتائج غير مرجوة ، والإرادة مع القرارات الإيجابية تقود الإنسان لنتائج مرجوة ومرغوبة ، فالقرارات التي ليست في المستوي اللائق والعالي يكون ورائها تأثيرات نفسية تُسمي بالتأثيرات الخفية ، فمثلاً الخوف من أمر ما سيمر به الانسان فيتوقع أشياء قد لا تحدث ، قيأخذ قراراته بناءً علي مخاوفه ، فيكون الخوف هو التأثير الخفي الذي يدفع الشخص لقرارات ليست حميدة وارادة تسير في طريق لا يُعرف عقباه ، عندما خاف ابونا ابراهيم من الموت عند نزوله مصر وأيضاً الي أبيمالك ملك قرار ، كان مضطراً لفعل أمر ليس في محله أخذ قراره بإرادته بالإتفاق مع زوجته " فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: "إِنِّي قُلْتُ: لَيْسَ فِي هذَا الْمَوْضِعِ ‍خَوْفُ اللهِ الْبَتَّةَ، فَيَقْتُلُونَنِي لأَجْلِ امْرَأَتِي. ( تك ٢٠ : ‏١١ ) ففوبيا الخوف جعلته يتفق أن زوجته أخته كي لا يُقتل من المصريين بسببها ، فالتأثيرات الخفية تقود الإنسان لفعل إمور بارادة ليست سليمة وليست سوية ، أيضاً الخوف تأثيرخفي فعال في الأعداء الذين يريدون أزيتنا ، فعندما قتل شمعون ولاوي كل رجال أهل شكيم لسبب دينا اختهم ، وضع الله في قلوب المدن المحيطة بهم خوف كي لا يقتربوا من يعقوب وبنيه "  ثُمَّ رَحَلُوا، وَكَانَ خَوْفُ اللهِ عَلَى الْمُدُنِ الَّتِي حَوْلَهُمْ، فَلَمْ يَسْعَوْا وَرَاءَ بَنِي يَعْقُوبَ. ( تك ٣٥ : ‏٥ ) فالتأثيرات الخفية لها استخداماتها من عالم الروح ، فابليس قد يزرع الخوف ليدفع الإنسان نحو اهداف يريد تحقيقها ، والرب أيضاً يفعل هذا من أجل امتداد ملكوته وحماية أبناء الله الحاملين مسيرته ، لذلك قبل أن يزرع الرب الخوف في المدن من اجل حماية يعقوب ، نري يعقوب عزل الألهة الغريبة وتطهر وأبدل الثياب وبني مذبحاً للرب  " فَقَالَ يَعْقُوبُ لِبَيْتِهِ وَلِكُلِّ مَنْ كَانَ مَعَهُ: "اعْزِلُوا الآلِهَةَ الْغَرِيبَةَ الَّتِي بَيْنَكُمْ وَتَطَهَّرُوا وَأَبْدِلُوا ثِيَابَكُمْ. وَلْنَقُمْ وَنَصْعَدْ إِلَى بَيْتِ إِيلَ، فَأَصْنَعَ هُنَاكَ مَذْبَحًا ِللهِ الَّذِي اسْتَجَابَ لِي فِي يَوْمِ ضِيقَتِي، وَكَانَ مَعِي فِي الطَّرِيقِ الَّذِي ذَهَبْتُ فِيهِ".( تك ٣٥ : ٣ ) فلكي يفعل الرب هذا معنا اليوم يجب كمؤمنين وكـ(مسيحيين) نعزل كل التماثيل والأيقونات التي في حياتناً وكل ما لا يمجد الله في حياتنا الروحية وننعزل عن كل ما لا يخدم ملكوت الله في حياتنا ، فالعالم اليوم مضطرب ومنزعج لأن أولاد الله يتبنون في حياتهم إمور لها شكل روحي وليس لها عمق الروح فتقود الإنسان للسجود والعبادة لغير الرب ، وهذا يجعل تأثيرات الخفية تكون فينا ولا تكون في الأعداء ، إن التوبة وترك الأركان الضعيفة من أهم مبادئ الله في قلوب أبناءه الطالبين وجهه ورحمته .

الإتكال علي الرب تأثير خفي :

من التأثيرات الخفية التي يكون لها قوة ايمانية فعالة هي " الإتكال علي الرب " يقول الرب في كلمته ويغنيها كاتب المزمور " اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ الْعَلِيِّ، فِي ظِلِّ الْقَدِيرِ يَبِيتُ. أَقُولُ لِلرَّبِّ: "مَلْجَإِي وَحِصْنِي. إِلهِي فَأَتَّكِلُ عَلَيْهِ".( مز ٩١ : 1 ، 2 )  فالإتكال علي الرب تأثير ايماني خفي لا يُري للغير ، ولكننا نري نتائجه الفعالة في حياة المؤمن لأن الإتكال علي الرب يمنح النجاة والثقة والقوة الإيمانية للسير وسط المخاطر بلا خوف سلبي " لأَنَّهُ يُنَجِّيكَ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِ وَمِنَ الْوَبَإِ الْخَطِرِ. بِخَوَافِيهِ يُظَلِّلُكَ، وَتَحْتَ أَجْنِحَتِهِ تَحْتَمِي. تُرْسٌ وَمِجَنٌّ حَقُّهُ. ( مز ٩١ : 3 ـ ٥ ) فالمؤمن المتكل علي الرب ينال من الرب الحماية والبركة ويكون قادر علي اتخاذ القرارات المرتبطة بالإيمان ، لذلك ادعوك أن تقرر أن تحيا متكلاً علي الرب وليس علي البر الذاتي ، لأن المتكل علي البر الذاتي ينال إثم " إِذَا قُلْتُ لِلْبَارِّ: حَيَاةً تَحْيَا. فَاتَّكَلَ هُوَ عَلَى بِرِّهِ وَأَثِمَ، فَبِرُّهُ كُلُّهُ لاَ يُذْكَرُ، بَلْ بِإِثْمِهِ الَّذِي فَعَلَهُ يَمُوتُ. ( حز ٣٣ : ‏١٣ ) فالأعمال الصالحة التي في الماضي لا تبرر الإنسان الذي يُخطيئ في الحاضر ، فمن يريد أن يقرر الإتكال فعليه أن يتكل اتكالاً ايجابياً لينال من الرب كل ما هو للبركة ، الإنسان المتكل علي الرب يستطيع أن يسير في الحياة بطريقة مختلفة عن من هو في اتكال علي الذات أو علي الإمكانيات .

الفرح والإبتهاج تأثير خفي :

من التأثيرات الخفية تأثير إيجابي لكنه أيضاً تأثير خفي ، وهو تأثير الفرح والإبتهاج الذي يدفع الإنسان لإتخاذ قرارات علي قدر من المسئولية ووالقوة ، فعندما رأو المرأتين القبر فارغ والمسيح قد قام كما بشرهم الملاك فرحوا ومن الفرح صاروا مبشرات بالقيامة " فَخَرَجَتَا سَرِيعًا مِنَ الْقَبْرِ بِ‍خَوْفٍ وَفَرَحٍ عَظِيمٍ، رَاكِضَتَيْنِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ. ( مت ٢٨ : ‏٨ ) فقرار أن يخبروا التلاميذ قرار تحت التأثير الخفي للفرح ، ثم أيضاً له تأثير علي الجسد كله " اَلْقَلْبُ ‍الْفَرْحَانُ يَجْعَلُ الْوَجْهَ طَلِقًا، وَبِحُزْنِ الْقَلْبِ تَنْسَحِقُ الرُّوحُ. ( أم ١٥ : ‏١٣ )  وأيضاً نري أن الفرح يستطيع أن يشفي الجسد والإنسحاق يُمرضه " الْقَلْبُ ‍الْفَرْحَانُ يُطَيِّبُ الْجِسْمَ، وَالرُّوحُ الْمُنْسَحِقَةُ تُجَفِّفُ الْعَظْمَ. ( الامثال ١٧ : ‏٢٢ ) فخذ قرارك في أن تكون فرحاً دائماً ليكون التأثير الخفي ايجابياً وليس سلبياً .

الإرادة وميكانيكا الحركة

        القوة التي توجد في دائرة الإرادة كفيلة لتحرك كل ما هو راقد وفي حالة عدم الحركة ، سواء كانت قوة الإرادة العاملة داخل النفس للنفس أو قوة الإرادة العاملة بالقوة لفرض تأثيرها علي المحيطين اشخاص أو جماعات ، قوة الارادة لها تأثير لتغيير المجتمع في الجوانب الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والدينية ، فكل الرواد الذين في المجتمع كان لهم التأثير الفعال للتغيير بقوة الارادة المُحركة للأخرين ، حتي اليوم امكانية التأثير فعال من خلال الإمكانيات المتاحة من كتب وانترنت بالثقافة والقرأة والمعرفة والفهم ، فاصرار كل متعلم علي توصيل معرفته وعلمه للأخرين بإرادة كاملة للتغيير الي الأفضل ، من خلال الوسائل المتاحة تمنح المجتمع قوة الحركة ، فللإرادة قوة تكمن في العقل الباطن ليس للرقود بل لتملك الكيان وبث روح الحركة والإنتفاضة بالحوار والفهم والمعرفة بحسب الوسائل المتاحة.

المجتمع انتفض في عام 2010م عن طريق نفوس قليلة بارادة كاملة استخدمت وسائل التثقيف كالميديا والإنترنت واستخدمتها كقوة ضغط فتحركو تحرك خاص موجه نحو كيان الدولة للتصحيح ، وسرعان ما تطور بتدخل عناصر اخري بفكر أخر ليتحول الأمر من هدف تصحيحي الي ثورة للتغيير ، فقد كانت ثورة بلا قائد اُستُغلت من خلال نفوس لهم إرادة وفكر بإمكانيات مُحركة دفعت الشباب نحو فرض قوة ارادتهم بإصرار مُلح دون ملل أو كسل ، نالوا ما ارادوا متحدين أي قوة أخري ، فقوة الفكر بإرادة كاملة هي القادرة علي التغيير سواء كان الفكر ايجابي للصالح أو سلبي للتدمير .

الرب في كلمته بنفس هذا المنطق تحرك نحو العالم متجسداً ليُكّون قوة للتغيير من خلال الفكر ونشر مبادئه في مجتمع حامل مسيرة الله في الأباء إبراهيم واسحاق ويعقوب ، واختار مجموعة تتكون من الـ 12 تلميذ ودعاهم رسل ( أع ١ : ‏٢ ) وارسلهم ليكرزوا بعمل المسيح الكفاري ، فالمبادئ الإلهية والمحبة التي في قلب الله نحو البشرية دفعته ليتحرك بالتجسد والفداء ، ووضع هذا في قلب تلاميذه ليتحركوا هم بدورهم نحو التعاليم الإختبارية التي اختبروها وعرفوها من المسيح وابتدأوا في الكرازة لتغيير المجتمع ، وتم فعل هذا بقوة مؤيدة هي قوة الروح القدس التي تمنح للمبشر والكارز والخادم ، قوة داخلية ليستطيع أن يتحرك نحو من حوله لتغيرهم " لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ، أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِ‍الْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ،( أف ٣ : ‏١٦ ) فالتأييد بقوة الروح في العقل الباطن يعمل من خلال التعاليم والأفكار الروحية والكتابية الكامنة في داخل المؤمن الفاهم الحامل قرار الخدمة بارادة كاملة .

قوة عمل الروح القدس كتاييد داخلي يحتاج لحياة الاستعداد الروحي للفهم والمعرفة وللكرازة والتبشير وللخدمة ، فالمؤمن الذي يبتعد عن دوائر العمل الإلهي لن يختبر هذا التأييد والقوة الروحية المحركة لعمل الله ، لذلك يقول الرسول بولس القول الإختباري " أَنَّ إِنْجِيلَنَا لَمْ يَصِرْ لَكُمْ بِالْكَلاَمِ فَقَطْ، بَلْ بِ‍الْقُوَّةِ أَيْضًا، وَبِالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَبِيَقِينٍ شَدِيدٍ، كَمَا تَعْرِفُونَ أَيَّ رِجَال كُنَّا بَيْنَكُمْ مِنْ أَجْلِكُمْ. ( 1تس  ١:‏ ٥ ) فالقرارات الروحية التي يأخذها المؤمن تحتاج لمؤمن ممتليئ بالروح ليستطيع علي تنفيذها بكل ارادة لتفعيل كل إمور الله بقوة الروح ، وليعلم الكل أن المسئول عن التنفيذ هو المؤمن بقوة الروح القدس ، " وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ، بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَ‍الْقُوَّةِ، ( 1كو ٢ : ‏٤ ) والمسئول عن التأثير هو الرب بالروح القدس العامل فينا " وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا،( أف ٣ : ‏٢٠ ) لذلك إن كنت من الدارسين والباحثين ومن ضمن المؤمنين الفاهمين فتقدم نحو الأمام لا اعتماداً علي فهمنا بل اعتماداً علي الروح القدس في استخدام المعرفة والفهم الذي لنا، فقبل أن يفعل الروح القدس أكثر جداً علينا أن نطلب ونفتكر أولاً فيتحرك الروح القدس العامل فينا ليحقق الملئ الإلهي المرجوا بحسب محبة المسيح " وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ. ( أف ٣ : ١٩ ) لذلك أدعوك اليوم لتتمنطق بالقوة ليُصَيِّرُ طريقك كاملاً " الإِلهُ الَّذِي يُمَنْطِقُنِي بِ‍الْقُوَّةِ وَيُصَيِّرُ طَرِيقِي كَامِلاً. ( المزامير ١٨:‏٣٢ ) أقول أمين ياشعب الرب.

الارادة وقوة الأسْر :

الإنسان في حياته يأتي علي ذهنه أفكاراً وهذه الأفكار تتطور وتَكبُر وتكون قرارات فعالة على أرض الواقع وتحتاج لأسرها قبل أن تنموا وتتحكم في حياتنا ، لذلك يضع الرسول بولس أربعة مستويات للفكرة وهما :

1 ـ فكرة    2 ـ علو     3 ـ ظنون     4 ـ حصون

الحصن قبل أن يكون حصناً كان ظناً والظن كان علواً والعلو كان فكرة والفكرة إن لم تُستأسر ستنمو بمراحلها الأربعة الي أن تصير حصناً يحتاج لهدم " إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بَلْ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ.‏ هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ،‏ وَمُسْتَعِدِّينَ لأَنْ نَنْتَقِمَ عَلَى كُلِّ عِصْيَانٍ، مَتَى كَمِلَتْ طَاعَتُكُمْ " ( 2كو ١٠ : ٤ – 6 )

 

الحصون : strong holds  وتعني : قوي يحمل ، وفي اللغة اليونانية : ὀχύρωμα وتنطق ochurōma وتعني فكرة مؤمنة ـ قلعة ـ معقل ، هذه هي طبيعة الحصون فمن هو داخل الحصون محمي ومؤَمّنْ ، وله مقدرة علي الإستمرارية في الحياة والوجود بعيداً عن المخاطر وعند خروجه من الحصن يكون قوة مؤثرة وفعالة ، الحصون في طبيعتها مستوي حماية ، ويوجد منها نوعان حصون إجابية حميدة كالتعاليم الكتابية والمفاهيم الروحية .... الخ.  وحصون سلبية مدمرة كالانتقام والخصام والقتل والتدمير والحقد و... الخ. فعندما الرسول بولس يطلب من المؤمنين بهدم الحصون فهي الحصون السلبية التي هي ضد مشيئة الله ، هذا لأن وجودها في العقل الباطن للمؤمن قوة سلبية تحتاج للتحرر منها ليستطيع الإنسان أخذ قراراته بإرادة حرة ودون تأثير خفي

 

 

الطنون : imaginations وتترجم إسقاط الخيال وجاءت في الأصل اليوناني λογισμός وتنطق logismos وتعني : خيال الفكر ، هذه الطنون عبارة عن أفكار ليست لها واقع حقيقي ولكنها متواجدة في عقول اصحابها وفي تبنيها تدمير للحياة الروحية والعلاقات الزوجية والصداقات وإن دخلت داخل الكنائس والإجتماعات فستكون مدمرة للغاية ، ليس هذا فقط ولكن الظنون قد تدخل في التعاليم والأفكار التي ليست لها أسانيد كتابية كاللذين يصلون وهم يكررون الكلام دون فهم ومعرفة كالصلوات المحفوظة المتكررة يومياً فمثل هذا النوع من الصلاة غير مقبول للرب " وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلاً كَالأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ. ( مت ٦ : ٧ ) فالصلوات يجب أن تكون من أعماق القلب كي لا تكون متكررة دون قلب مخلص صادق وله مشاعر واحاسيس صادقة نحو ما يقول ، فالظنون تلعب دور فعال في كل شيئ داخل الكنيسة الواحدة وداخل المؤسسات والمجامع الكنسية فتري نفوس تتبني مماحكات الكلام والطنون الردية يقول الرسول أن نتجنب مثل هؤلاء ( 1تي ٦ : ٣ ) فالمحبة هي العلاج والسلاح الهادم للظنون " الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّؤَ، ( 1كو ١٣ : ٤ )

 

العلو : every high thing وتترجم كل شيئ عالٍ وجاءت في الأصل اليوناني ὕψωμα وتنطق hupsōma وتعني : مكان مرتفع ـ شيء مرتفع ـ أي ارتفاع ـ حاجزا تصويريا ، فكل من يأخذ إسماً أو مكاناً فوق المسيح ومعرفة الله فقد فعل خطية ، لذلك لا تجعل قديساً أو ملاكاً أو صورة أو تمثالاً .... الخ. يعلوا اسمه في حياتك فوق المسيح ومعرفة الله وكلمته ، فعندما يأخذ اهتمامك أي من هذه الأشياء ستجد عصا الرب ( القضاء الإلهي ) أتياً علي النفس أو الكنيسة أو... الخ. دعونا أحبائي نهدم كل ما لا يرتبط ويمجد الرب الرب .

 

الفكر : very thought وتترجم معتقد وجاءت في الأصل اليوناني νόημα وتنطق noēma وتعني الفكر ـ العقل ، فعندما نستأسر الأفكار والمعتقدات والعقول ونضعها في ضوء كلمة الله ننال الفهم الصحيح فيختفي مستوي العلو والظنون ولا تجد مكاناً للظنون ، بل بكل فكرة روحية وتعليم روحي واضح في كلمة الله نستطيع أن نهدم كل شيئ يعلوا ضد الرب ومعرفته ونهدم كل معتقد مؤّمَن داخل حصن منيع في عقول البشرية ، إن كلمة الله هي مركز طاعة المؤمنين لله ، فكن مستعد للتخلص من كل معتقد أثم .

أما كلمة هادمين : the pulling down وتعني سحب لأسفل وجاءت في الأصل اليوناني καθαίρεσις وتنطق kathairesis وتعني الانقراضتدمير ـ  سحب أسفل ، فالعقول تحمل معتقدات تحتاج لتفنيطها وتحليلها لأسرها في ضوء كلمة الله ، فيحدث لها انقراض أو تدمير ، أو هبوط فتسقط ولا يكون لها قيام ، فهل تعمل الأن علي استخدام مبدأ الكاسرزز لهدم كل ملا يرتبط بالرب وبكلمته ، فتصفية الأجساد لا تهدم الأفكار ، فالفكر يُهدّم بالفكر المضاد .

 

 


 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس