الغفران كتابياً وتطبيقه في الأسرة
الغفران كتابياً وتطبيقه في الأسرة
بقلم القس عماد عبدالمسيح
يقف الانسان الطبيعي أمام جروحة غير قادر علي الغفران ، فالجروح
النفسية المفتوحة تطلق طاقة كبيرة من الحقد والأسي والرغبة في الإنتقام أو الرغبة في الإبتعاد والإنطواء مع الشعور
برغبة في البكاء والصراخ ، فعندما يُطلب الغفران في هذا الوقت لن يكون للكلمة واقع
مريح بل واقع مؤلم بزيادة ، وكأنك وضعت يدك فوق الجرح وضغط بشدة ، لان الغفران في
كلمة الله يعني تغطية الخطايا وسترها والتكفير عنها ، فكيف يُطلب الغفران من شخص
مجروح ولم يلتئم جرحه حتي ولو التئام بسيط ومؤقت؟ فالانسان المجروح جروح مفتوحة
يكون مثل قارب في بحر وبه ثقوب أو فوارق بين الخشب ولم يطلي بمادة عازلة تسد مسامه
وتُلئِم ثقوبه ، فسيكون عرضة للغرق " اِصْنَعْ لِنَفْسِكَ فُلْكًا مِنْ
خَشَبِ جُفْرٍ. تَجْعَلُ الْفُلْكَ مَسَاكِنَ، وَتَطْلِيهِ مِنْ دَاخِل وَمِنْ
خَارِجٍ بِالْقَارِ. (تك ٦ : ١٤) فالفلك المطلي هو فلك صالح لحمل الاخرين ، أما
المجروح فلا يستطيع علي حمل أحد ، اما الإنسان المؤمن الفاهم كلمة الله ومُدركها
فهو قادر أن يفصل بين جروحه ومقدرته علي الغفران .
الإنسان المجروح لن تلتئم جروحة بأخذ الثأر ، لأن أثر الجرح سيستمر موجوداً ، لذلك يحتاج من
المجروح أن يعبر ثورة الغضب الموجوده داخله ، وحين يهدأ يبدأ في معالجة نفسه أو
معالجة الأخرين له ، ولن يجد المجروح مادة تجعل الجرح ملتئم إلا في قوة دم المسيح
، فالمسيح هو علة غفران خطايانا وخطايا من أخطأوا في حقنا وفيه قوة شفائنا من كل
الجروح " وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ
آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. (إش ٥٣ :
٥) فالمسيح كّفر عن كل خطايانا بموته علي الصليب وفيه شفائنا ، فالغفران بدون
المسيح ليس غفراناً لانه لا يحمل فيه الشفاء ، فعند تكرار الخطأ من جديد يُفتح
الجرح القديم ويكون تأثيره أقوي من الأول ، أما من إستطاع أن يغفر للأخر بقوة دم
المسيح فسيكون قد نال الشفاء ولن يُكرر فتح الجروح القديمة لأنها لن يكون لها وجود
، فلكي يستطيع الإنسان الغفران للأخرين لابد له أن يُدرك مقدار وقوة غفران المسيح
له ، فلا يكفي للإنسان أن يؤمن بفداء المسيح له فقط ، بل أن يُدرك الأبعاد
والمستويات الروحية لهذا العمل العظيم ، فللغفران أبعاد ومستويات يجب أن تُدرك
جيداً ، حينها سيستطيع أن يقدم للأخرين غفراناً وستشفي جروحه .
الغفران قبل
الشفاء :
الانسان الطبيعي يغفر بعد شفاء جروحه ، أما المؤمن الذي فوق الطبيعي
فيستطيع أن يغفر قبل أن تلتئم جروحه ، فالمسيح قدم غفراناً وهو علي الصليب وقت نزف
الدم ووقت الجروح الجسدية والنفسية التي لحقت به من كل اتجاه " فَقَالَ يَسُوعُ: "يَاأَبَتَاهُ،
اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ". وَإِذِ
اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا. (لو ٢٣ : ٣٤) ياله من مستوي
رائع أن يصل الإنسان لهذا المستوي من المقدرة علي الغفران لمن أخطأ في حقه ، غفران
وقت الجروح ، غفران وقت الإستنزاف ، غفران وقت الألم ، هل لك هذا المستوي ؟
هل لك هذه القوة التي تكمن فيك بروح المسيح؟ إن المؤمنون الممتلئون بروح
المسيح يستطيعون أن يقدموا وسط الألم غفراناً " بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ
الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، إِذْ سَبَقَ
فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا. (
1بط ١ : ١١) إن نظرة المؤمن الممتليئ بروح المسيح يُدرك أن لكل الام أمجاد بعدها لذلك لا يبالي بالألام الناتجة من
الأخرين لأنه يدرك مدي مستوي الأمجاد التي سيكون فيها زمنياً وأبدياً ، إن قوة
الغفران دائماً مرتبطة بمقدار وقوة ومستوي المحبة ، لذلك يقول المسيح "
وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي
أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ". (يو ١٧ : ٢٦) فالحب
المتبادل بين الأب والأبن يقدمه الرب بنفس المقدار والكيفية لكل المؤمنين العارفين
اسم المسيح ، وبهذا الحب موجود فينا بروحه ، هذا ليكون كل مؤمن ثابت في العمل
الإلهي بنفس مستوي الحب الذي احبنا فيه " كَمَا أَحَبَّنِي الآبُ كَذلِكَ
أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا. اُثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي. (يو ١٥ : ٩) فالمحبة
والثبات والقدرة تكمن في روح المسيح.
بهذه
المعادلة : نستطيع ان نغفر :
معرفة الرب +
المحبة المتبادلة بين الأب والإبن التي لنا + روح المسيح فينا + الثبات في محبتة =
مؤمن قادر علي الغفران
المسيح امتلك هذه المعادلة فكان قادراً علي تقديم الغفران لكل الذين
أساءو اليه ، ويطلب منا ان نمتليئ بهذه الروح روح المسيح لئلا نُحرم من بركات عمله
فينا " وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ،
إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ
رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ. (رو ٨ : ٩) فهل تطلب الأن من الرب أن
تمتليئ بروح المسيح فتنال قوة للغفران
كلمة اغفر Forgive وجاءت في اللغة اليونانيἀφίημι وتنطق aphiēmi أفايمي وتعني ترك - تخلي عن الديون - يغفر - يهجر
، فعندما قال الرب " يَاأَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُم " تعني : اهجر
لهم ، تخلي عن ديونهم ، اترك لهم ، إغفر لهم ، فالغفران معناه لا تحسب عليهم
أفعالهم ، فالمؤمن الممتليئ بروح المسيح سيكون قادر علي التخلي عن كل ادانه او لوم
، بل سيكون قادر أن يغفر ويسامح مها كانت قوة الجروح ، هذا لا يستطيع عليه أي إنسان
حتي وإن كان مؤمن ، بل يستطيع علي كل مؤمن ممتليئ بالروح القدس وروح المسيح ،
فليساعد الرب شعبه .
الغفران باب
للكرامة والخير :
لا يوجد في كلمة الله فرق بين الغفران والعفو ، ولكن في المجتمع يحدث
فرق في التطبيق ، فمن يعفو يظل متذكر الإساءة وقد يُعيد ذِكرها يوماً ، أما من
يغفر فقد عمل علي نسيان الإساءة ولا يعود لذكرها مرة أخري ، أما الغفران والعفو في
كلمة الله فهما وجهان لعملة واحدة ، فالغفران والعفو يتطلبان دفع ثمن ويتطلب كلمة
اعتذار وتوبة " لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإِثْمِ
أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأَنَّهُ
يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ. (إش ٥٥ : ٧) الغفران هنا في اللغة الانجليزية pardon ويعني استميحك
عذراً، أو معزرةً ، فعند التوبة وترك الإثم ينال الإنسان العفو وهو نوع
من أنواع الرحمة ، لأن المخطيئ في اعتذاره يُعلن تواضع ونقاوة قلب .
جاءت كلمة غفران في العبري סלח وتنطقsâlach سولاك ، وتعني يغفر، يعفو ، فدائماً الغفران يسير داخل
الرحمة ، فعندما توجد الرحمة يوجد العفو والغفران ، وقف موسي النبي
يصلي عن شعبه لسبب خطاياه وطلب من الرب الصفح والمغفرة فاستجاب الرب " اِصْفَحْ
عَنْ ذَنْبِ هذَا الشَّعْبِ كَعَظَمَةِ نِعْمَتِكَ، وَكَمَا غَفَرْتَ لِهذَا
الشَّعْبِ مِنْ مِصْرَ إِلَى ههُنَا".فَقَالَ الرَّبُّ: "قَدْ صَفَحْتُ
حَسَبَ قَوْلِكَ. (عد١٤: ١٩-٢٠) فالغفران والعفو والصفح هما مرادفات لكلمة
الغفران في اصل اللغة العبرية واليونانية ، فالصفح هو جعل الإساءة ليست موجودة في
صحيفة المُسيئ أو المخطيئ ، والغفران هو نزع الدّين ويصير الإنسان معفو عن كل دّين
وليس مطالب بشيئ ، فعندما يعفوا إنسان عن إنسان فقد دفع عنه ثمن وهو مقدار الألم
والجرح لحين الشفاء ، فالألم والتعب النفسي بعد كل اساءه يستمر تواجده فترة من
الزمن ، هذه الألام هي ثمن للغفران ، هذا في المجتمع الذي نعيش فيه ، هكذا المسيح
تألم من المخطئين والخطأة ، وفي عز الألم قال إغفر لهم تحمل الألم وطلب لهم
الغفران ، المسيح دفع ثمن خطايانا وتعدياتنا ، لذلك أقول لكل مجروح متألم ، إغفر ،
معتبراً الامك ثمن للغفران متشبها بالمسيح ، وقدم للمخطيئ في حقك دم المسيح
للغفران .
توجد كلمة اخري للغفران تكلم بها شاول الملك وطلبها من صموئيل النبي
" وَالآنَ فَاغْفِرْ خَطِيَّتِي وَارْجعْ مَعِي فَأَسْجُدَ
لِلرَّبِّ". (1صم ١٥ : ٢٥) فكلمة فاغفر جاءت נסה נשׂא وتنطق nâśâ' nâsâh نوسا وتعني رَفع، حَمل، غَفَر ، فكان الطلب هنا
مساعدة صموئيل لشاول ليقدم عنه ذبيحة ليغفر له الرب ولحّمِل الرب خطيته من خلال
الذبيحة ، فالثمن للعفو والغفران هي الذبيحة ، ولكن لأن شاول لم يُقدم توبة ورجوع
عن فعلته كانت النتيجة عدم استجابة الله له ، رغم أنه قدم ذبيحة ، ولكنه قدمها
ليُجمل ماء وجهه وليس عن ندم ورجوع وتوبة
" فَقَالَ: "قَدْ أَخْطَأْتُ. وَالآنَ فَأَكْرِمْنِي أَمَامَ
شُيُوخِ شَعْبِي وَأَمَامَ إِسْرَائِيلَ، وَارْجعْ مَعِي فَأَسْجُدَ لِلرَّبِّ
إِلهِكَ".فَرَجَعَ صَمُوئِيلُ وَرَاءَ شَاوُلَ، وَسَجَدَ شَاوُلُ لِلرَّبِّ. (1صم١٥: ٣٠-٣١)
نعم .. قدم شاول اعتراف لصموئيل ... ولكنه اراد السجود للرب ليبيض ماء وجهه أمام
شيوخ اسرائيل ، إن الغفران يحتاج لتوبة وندم واعتراف بالخطأ مهما كان الموقف مُحرج
.
في التوبة والرجوع تقدير من السماء ، فبهما المُعترف لله بخطئه ينال
كرامة ومجد الهي مهما كان نوع الخطأ أو الخطية ، نعم أحبائي إن المبادئ الإلهية لا
تتجزأ فهي فعالة ومتفاعلة علي طول الخط مع كل من يسير بموجبها ، فقد قال الرب
للشعب قديماً " فَيَزِيدُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ خَيْرًا فِي كُلِّ عَمَلِ
يَدِكَ، فِي ثَمَرَةِ بَطْنِكَ وَثَمَرَةِ بَهَائِمِكَ وَثَمَرَةِ أَرْضِكَ.
لأَنَّ الرَّبَّ يَرْجعُ لِيَفْرَحَ لَكَ بِالْخَيْرِ كَمَا فَرِحَ
لآبَائِكَ،إِذَا سَمِعْتَ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْفَظَ وَصَايَاهُ
وَفَرَائِضَهُ الْمَكْتُوبَةَ فِي سِفْرِ الشَّرِيعَةِ هذَا. إِذَا رَجَعْتَ إِلَى
الرَّبِّ إِلهِكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ وَبِكُلِّ نَفْسِكَ. (تث٣٠: ٩-١٠) فالرب
يختلف عن البشر ، فعندما تخطيئ في حق الرب وتتوب وترجع نادماً يُكرمك الرب
بالخيرات والتعويضات ، أما البشر فبعد اعتذارك تجدهم مبتعدين عنك ويصنعون مسافات
وحدود ولا ترجع العلاقة كما كانت ، إلا إذا كان قلب من أخطأت في حقه كبير ومحباً .
الغفران وأجواء
النعمة المفتوحة :
الرب الهنا يريدنا دائماً مفتوحين علي العمل الروحي ولا يُعيقنا شيئاً
، لأن الأجواء الروحية مفتوحة لنا بعمل النعمة في حياتنا ، النعمة تعمل فينا محركة
عمل الفداء الذي بدون النعمة لا يكون له تأثير ، لذلك نري النعمة الإلهية تعل
دائماً لتفعيل الغفران من خلال تقديم العمل الفدائي للمسيح كثمن " الَّذِي
فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى
نِعْمَتِهِ، (أف ١ : ٧) النعمة غنية لأنها تقوم علي تفعيل الحب الالهي والعمل
الفدائي للمسيح وغفران الخطايا ، والتمتع بالخلاص المجاني والتبرير من الخطية ، وتمنح
لنا عطايا وبركات لا حدود لها ، فالنعمة أجواء مفتوحة جعلت المسيح يُقدم نفسه
ذبيحة كفارية لكل من يؤمن به ، وجعل من دمه ثمن للتنقية ولرفع الدين وإزالة كل
التعديات من صحيفة كل من أمن بفداء المسيح ونال التبرير " مُتَبَرِّرِينَ
مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ،الَّذِي
قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ
أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. (رو٣:
٢٤-٢٥) فالمؤمن يجب أن يمتليئ بالنعمة ليستطيع أن يُشابه سيده فيستطيع أن يُقدم
للأخرين غفراناً مدفوع الثمن بدم المسيح .
بدون النعمة لا يحدث تفعيل لكل البركات والمفاتيح الالهية ، المفاتيح
الإلهية التي منها علي سبيل المثال لا علي سبيل الحصر :
١ - التوبة : " فَقَالَ لَهُمْ
بُطْرُسُ :"تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ
يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ
الْقُدُسِ. (أع ٢ : ٣٨)
٢ - الفداء
وغفران الخطايا : " الَّذِي لَنَا فِيهِ الْفِدَاءُ،
بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا. (كو ١ : ١٤)
٣ - التسامح : " وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ
مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ. (أف ٤ :
٣٢)
٤ - السلوك
بالروح والاعمال الحسنة : " وَإِنَّمَا
أَقُولُ: اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ. (غل ٥ :
١٦) وغيرهما من المفاتيح الإلهية التي
تقود الي البركات الالهية .
البركات الالهية
كـ :
١ - الخلاص والتبرير : هما بركة مترتبة علي المفتاح المسمي بغفران الخطايا والفداء الذي
بيسوع المسيح " لِتُعْطِيَ
شَعْبَهُ مَعْرِفَةَ الْخَلاَصِ بِمَغْفِرَةِ خَطَايَاهُمْ، (لو ١ : ٧٧) وأيضا
" وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ
تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ".
(أع ٤ : ١٢ )
٢ - التبرير : ايضا مترتب علي العمل الفدائي " مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا
بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، (رو ٣ : ٢٤)
٣ - الشفاء : " الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ
عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي
بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ. (1بط ٢ : ٢٤)
٤ - التحرير : " فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ
أَحْرَارًا. (يو ٨ : ٣٦)
٥ - الكرامة : " اَلْمَرْأَةُ ذَاتُ النِّعْمَةِ تُحَصِّلُ كَرَامَةً
.... (أم ١١ : ١٦) وغيرهما ... الخ.
جميعهما منح وبركات الهية تُفّعل بـ عمل النعمة الالهي ، فلكي تتمتع
بكل المفاتيح والبركات عليك التمتع بعمل النعمة الإلهي ، وعمل النعمة الإلهي تحصل
عليه بـ الإيمان بالمسيح ، وبدون الإيمان لا تمتُع بـ نعمة ولا بـ غفران خطايا ولا
استطاعة لفعل أعمال حسنة تصل لمستوي إرضاء الله " لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ
الأَنْبِيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِاسْمِهِ غُفْرَانَ
الْخَطَايَا". (أع ١٠ : ٤٣) فالنتقدم الأن نحو الإيمان والفهم لكلمة الله
والحق الكتابي لنمتليئ بروح النعمة لننال كل البركات التي لنا في إله كل نعمة ،
قال الوحي بالروح عن المسيح " أَنْتَ أَبْرَعُ جَمَالاً مِنْ بَنِي
الْبَشَرِ. انْسَكَبَتِ النِّعْمَةُ عَلَى شَفَتَيْكَ، لِذلِكَ بَارَكَكَ اللهُ
إِلَى الأَبَدِ. ( مز ٤٥ : ٢) فإنسكاب النعمة يُحدِث بركات أبدية ، إن هذا ما
هو إلا قانون الهي يتمتع به كل ممتليئ بالفهم والإدراك الروحي ، الرب لا يريدنا
مؤمنين علي الهامش ، بل مؤمنين لنا حياة القوة والإستخدام , فهل تُدرك هذا؟
ملئ النعمة
وارتباطها بـ ملئ الروح :
يوجد فرق بين مؤمن ممتليئ بالنعمة ومؤمن ممتليئ بالروح فقط وبينهما مع
مؤمن ليس له حياة الملء ، إن الممتليئ بالروح فقط ستجد اظهارات الروح من مواهب
ظاهرة وواضحة ويعيش ككنيسة كورنثوس فقط ، ستجد فيه مواهب ولن تجد فيه ثمر الروح
" وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ
كَرُوحِيِّينَ، بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَال فِي الْمَسِيحِ، (1كو ٣ : ١)
أما الممتليئ بالروح وبالنعمة سيكون ككنيسة أفسس ، والفرق بينهما كبير لأنك ستجد
فيه مواهب الروح وثمار الروح ، فقد كان المسيح ممتليئ بالروح دائماً وممتليئ
بالنعمة دائماً ، بل إن مستوي النعمة الممتليئ بها فائض لدرجة أن كل من يقترب اليه
ينال منه نعمة فائضة " وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا،
وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ.لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا
النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا. (يو١: ١٦-١٧) فليس لأن
المسيح هو نبع النعمة فقط بل لأنه ممتليئ نعمة فقادر علي الفيض ، هكذا كل مؤمن
ممتليئ يستطيع ان يملأ الأجواء المحيط من نبع إمتلائه ، فالممتليئ حقد سيملأ
الأجواء به ، ومن هو ممتليئ خصام وبغضة سيكون كذلك ، أما الممتليئ من أنهار ماء
الحياة فسيكون نبعاً مَروياً ومُروياً " مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ
الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ". ( يو ٧ : ٣٨)
فمن هو ممتليئ بروح الغغران ستجده قادر علي الغفران دون عناء ودون تعب ، سواء تم
شفاء جرحه أو مازال ينزف الاماً ، فالشبع الحقيقي للمتليئ بالروح وبالنعمة وبقوة
الغفران مصدره الرب لذلك لا تنقطع مياهه لأنه صاحب النبع الدائم المستمر بلا توقف
" وَيَقُودُكَ الرَّبُّ عَلَى الدَّوَامِ، وَيُشْبعُ فِي الْجَدُوبِ
نَفْسَكَ، وَيُنَشِّطُ عِظَامَكَ فَتَصِيرُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وَكَنَبْعِ مِيَاهٍ
لاَ تَنْقَطِعُ مِيَاهُهُ. (إش ٥٨ : ١١)
أصلي ان تكون في مستوي كنيسة افسس التي استطاعة أن تكون كنيسة قوية
ممتلئة بمسحة الروح لأنها اختبرت مستوي ختم الروح في حياتها " الَّذِي
فِيهِ أَيْضًا أَنْتُمْ، إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، إِنْجِيلَ
خَلاَصِكُمُ، الَّذِي فِيهِ أَيْضًا إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ
الْقُدُّوسِ، (أف ١ : ١٣) ختم الروح ليس مجرد تأييد لإيمان القلب ، بل هو
اختبار روحي يمنح المؤمن حياة من السلوك الواضح نحو نفسه والأخرين أيضاً ، هي حياة
إدراك مستوي الإستنارة الروحية ومستوي الدعوة الروحية والميراث الأبدي "
مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ،
وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ، (أف ١ : ١٨) إن
المؤمن البعيد عن مستويات الملء بالروح والملء بالنعمة هو مؤمن بعيد عن حلول
المسيح بالقلب وليس فيه تاسيس لمستوي المحبة القادرة علي ربط المؤمنين بعضهم ببعض
ليصلوا معاً لعلاقة روحية ممتلئة بالغفران والتسامح والود بل اقول الي مستوي كل
ملء الله أُعيِد القول إلي مستوي كل ملء الله " لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ
بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ،وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي
الْمَحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ،
مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ،وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ
الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ
اللهِ. ( أف ٣ : ١٧ – ١٩ ) فمحبة المسيح ظهر عمقها علي الصليب عندما قدم غفران
لكل المسيئيين اليه كي لا يحسب الرب لهم هذه الخطية التي يفعلونها فيه من جروح
والام ، فهل لك حلول للمسيح في قلبك لتكون في ملء نعمته الفائقة ؟
يتكلم الرسول بولس لكنيسة أفسس أن تهتم بـ ثمر الروح المتمركز في الصلاح والبر والحق (
يمكنك طلب دراسة ثمر الروح ) " لأَنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ هُوَ فِي كُلِّ
صَلاَحٍ وَبِرّ وَحَقّ. (أف ٥ : ٩) فثمر الروح يحتوي داخله علي كل مفاتيح عمل
النعمة الإلهية من محبة فرح سلام ..... " وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ
فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ،
إِيمَانٌوَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ. (غل٥:
٢٢-٢٣) فكل هذه الفاتيح تُفعل بـ عمل النعمة والإمتلاء بها ، فالمؤمن الممتليئ
بالنعمة هو يمتلك مفاتيحها وقادر علي نوال بركاتها ، أما المؤمن الذي يُعاني من
فقر النعمة ( كفقر الدم ) فلن يكون قادر علي السلوك بالروح ولن يُري لثمر الروح
ثمر في حياته ، فمن يعيش ممتليئ نعمة سيكون في دوائر مفاتيحها وبركاتها ، سيكون
قادر علي الغفران كما أن النعمة تمنحه غفراناً من الرب لكل خطاياه ، فكما غفر
المسيح لنا ينبغي لنا أيضاً أن نغفر بعضنا لبعض ، أما عن الجروح فالرب كفيل بها .
عدم حجب الغفران
وكيفية صناعة الحدود :
الغفران أمر حتمي لابد من حدوثه من أجل شفاء أنفسنا ومُباركة خدمتنا ،
والغفران ليس منحة يقدمها الإنسان لأخيه المسيئ ، بل حق روحي لكل اثنان متخاصمان
أو منفصلان عن بعضهما ، فالغفران صنعه المسيح عل الصليب ودفع ثمنه لكي يستطيع كل
مؤمن تقديمه بكل سهولة لأخيه ليس فضلاً بل حقاً ، لذلك يجب إدراك أنه يمكنك صناعة
حدود للتعامل ولكن ليس من حقك حجب الغفران عن المسيئ اليك لأنك بذلك تصنع شراً
" فَالْبَسُوا كَمُخْتَارِي اللهِ الْقِدِّيسِينَ الْمَحْبُوبِينَ
أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ
أَنَاةٍ،مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا
إِنْ كَانَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى. كَمَا غَفَرَ لَكُمُ الْمَسِيحُ هكَذَا
أَنْتُمْ أَيْضًا. (كو٣: ١٢-١٣) هذا هو القانون الإلهي الذي من يسير عكسه يفعل
خطية وشراً عظيماً في حق نفسه وفي حق جسد المسيح ، كونك تقدم غفرناً فهذا حق روحي
، وكونك تصنع حدوداً فهذا حق اجتماعي ، مع مراعاة أن يكون الحدود من أجل المعايشة
وليس في صور خصام وبغضة .
من حق كل شخص صناعة حدود للتعامل وعلي الأخر احترام هذا دون غضاضة أو
تحميل نفسي ، فعندما يكون لطرف ما مواقف سلبية من الأخر أو عدم وصول لنقطة توافق
وتلاقي فكري ، فمن حقهما صناعة حدود بالطريقة التي يراها كلاً منهما أنها مناسبة ،
فعلي كل الأطراف مراعاة آداب الحديث واللباقة في التّعامُل ، ولكن بسبب التدخل
الشديد للبعض في حياة البعض تحدث مشاكل يصعب التواصل بسببها ، لذلك قدم غفراناً
وضع حدوداً ، وكن مع المثل القائل : " من راقب الناس مات همّاًّ
". إن تحقيق علاقات حميمة وتواصل قوي مع الاخرين لا يعطي الحق للتدخل في حياة
المحيطين بنا مهما كانت نوع القرابة التي تربطنا بهم حتى وإن كانت من الدرجة
الأولى " كالأولاد والأزواج والأخوة والوالدين " مع تقديم
النصيحة كنصيحة وليس عتاباً ولوماً لأن لكل فرد حق في اتخاذ قراراته بحرية كاملة
دون أي ضغوط لأن من حق كل فرد التمتع بفرديته واحترام الأخر لها ، وإن لم يعمل
بالنصيحة فعليه الإنسحاب بهدوء دون رفضه أو هجره ، ولكن إن كانت قراراته تمس
الحياة الشخصية فعلي الفرد وضع حدود للتعامل وللتواصل بحسب الواقع المُعاش مع
مراعاة ترك مساحة من الحرية للنفس وللاخر ليستطيعا التعايش معا في سلام ، وسط
أجواء من الحدود المرسومة بوضوح لكليهما .
أن اول الأبواب
أو المفاتيح التي ترسم الحدد هو الإقرار بأن كل منا مختلف عن الأخر وأننا نحتاج
لبعض مهما كانت قوة اختلافاتنا فإننا أشخاص منفردون ولا يوجد إنسان نسخة من غيره
ولا يجوز جعل الأخر نسخة كربونية منا لأننا سنواجه مشاكل بيننا بسبب هذا الفكر ،
فكل منا يتميز عن الاخر ، ولكن الذي يجعل
الإثنين واحداً هو الإحترام والتقدير المتبادل مع إعلان الحب من خلال نطقها ككلمة
من حين لأخر ومن خلال بعض التصرفات التي تعلن المحبة ، فليس المحبة تعني اعطاء
الحق للزوجين ( او اي اثنين بينهم ارتباط )
التدخل في كل الحياة دون اعطاء مساحة للتحرك والحرية الشخصية ، بل يُمكن
للزوجين أن يسمحا لبعض بالتدخل في كل الإختيارات لا عن اجبار بل عن اختيار بشرط أن
لا يكون لطرف منهم سلوك غامض او غير مفهوم أو سري للغاية ، فالوضوح من أهم مميزات
السلوك السوي بين الزوجين ( او أي طرفين بينهم شراكة ) .
لنقترب من بعضنا مع احترام حدودنا ومحاولة فهم بعضنا البعض في
المستجدات النفسية والفكرية والجسدية والروحية الطارئة ، فمن المستجدات هو شبع أو
ديفئ أحدهم بطريقة اسرع من الاخر فيقرر الابتعاد عن الاخر في حين أن الطرف الأول
لم ينال القدر الكافي من الإستدفاء أو الشبع او الاحترام أو ... الخ. ، وعندما
يتكرار الأمر فيُترجم جفاء وتحدث الفجوة ومع مرور الوقت تتسع ويصعب حلها عندما
يتأصل الإحساس وتبرُد المشاعر ويجف الحب ، لذلك يجب علي الزوجين أن يصنعا معاً لغة
للتواصل والتفاهم ويعبر كل منهما عن ما يشعر به ويحتاجه دون خجل أو كسوف أو خوف ،
وعلي الأخر تفهم نفسية واحتياج الأخر والسعي لتلبية وتسديد الإحتياج علي قدر
المستطاع ، نحن بحاجة إلى بعضنا البعض عاطفيّاً، لأنّنا بدون دفء المشاعر
تُبلِّدنا البرودة والوحدة وتصبح حياتنا بلا معنى ، مع مراعاة وضع حدود زمنية لئلا
يصير مدةالعناق الطويلة تتحول الي اختناق ورغبة في الإبتعاد ولو لقليل من الأخر
.
الغفران والحدود
خطان متلازمان :
صناعة الحدود واجب اجتماعي وحق شخصي يحتاجه الجميع ، فالدولة التي بلا
حدود عُرضة للنهب والسلب والتعدي هكذا كل جماعة وكل اسرة وكل فرد ، فالدولة أو
الجماعة أو الفرد المتعدي يحتاج لرسم حدود تجاهه لا يتعداها فلا يصير هذا افتراءً
ولا تحجيم بل حق ، فالحدود تحفظ كل العلاقات وتجعل المتقاربون متحابون ومتعاونون
بنظام دون التصرف العشوائي ، فالعشوائيات في كل شيئ تسبب أمراض واتعاب نحن في غني
عنها ( يمكنك طلب دراسة الحدود ) ليس الغفران معناه رجوع الحياة كما كانت ، بل من
حق الأخر رسم طريقة التعامل سواء كان بالإقتراب أو الإنفصال ولكن بدون خصام وبدون
بغضة ، فالغفران معناة إزالة الدين واللوم والتعدي من صحيفة الأخر التي داخلنا ،
فتصير بيضاء فالغفران حق روحي والحدود واجب إجتماعي وحق شخصي ، يكون هذا داخل كل
كيان داخل الاسرة الاجتماعية أو الأسرة الروحية بالكنيسة او مع الاصدقاء والجيران
، فرسم الحدود شيئ اساسي والغفران مهم .
ان التدخل في
شؤون الغير بتطفل ودون اذن غير مراعٍ للحدود تكون النتيجة المباشرة الإحساس بالرفض
وربما العنف منهم وهذا يكون سبب للالم النفسية التي تقود للشعور بالجوع للحب
وهذا يُنشيئ اقتراب أكثر لتعويض هذا الجوع
فيُحدث تداخل أكثر فأكثر محاولَين الحصول على الدّفء، فيزداد تداخلهما دون أن
يقصدا ذلك، وبعد فترة، يشعر أحدهما بالضيق الشديد فيُقرّر إنهاء هذا التقرب او هذه
العلاقة فيشعر الطّرف الآخر بالغدر ، في حين أن قرار الأول إتخذه بطريقة عفوية دون
قصد الإهانة ، ولكن لأن اقترابهم دون حدود وبلا تنظيم ادي هذا الي شيئ من النفور
او الإبتعاد ، لذلك لا تقترب بزيادة ولا تبتعد بزيادة ، فلكن التواصل والإقتراب
بحب العطاء وليس بهدف الأخذ " وَلْيَكُنْ
كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ. ( 1كو ١٤ : ٤٠) فكلما كانت
الإمور منظمة ومرتبة كلما كان التواصل جيد ومريح للنفس ، الرسول بولس يحذر من
يسيرون بلا ترتيب وبلا نظام لأنه يطلق عليهم بأنهم فُضُولِيُّونَ " لأَنَّنَا
نَسْمَعُ أَنَّ قَوْمًا يَسْلُكُونَ بَيْنَكُمْ بِلاَ تَرْتِيبٍ، لاَ
يَشْتَغِلُونَ شَيْئًا بَلْ هُمْ فُضُولِيُّونَ. (2تس ٣ : ١١) كن في علاقاتك
الداخلية ( داخل الأسرة ) والخارجية ( في
المجتمع الكنسي والإجتماعي ) صانع حدود ولك حياة الترتيب .
إن فكرة الذوبان في من أحب أو ما أحب، هذا أكبر خطأ ،فيوجد نفوس ذابوا
في عملهم أوخدمتهم أو ذابوا مع أشخاص حبوهم وسرعان ما يتحول هذا العمل أو هذا
الشخص إلي مصدر أمان ، فيتصرفون كما يتصرف الطفل الممسك بلعبة وعندما تؤخذ منه
ينهار ويشعر بعدم الأمان، إن هذه التصرفات مرهقة جداً للأخر ومستنزفة للطاقة ، ولا
يستطيع أحد إحتمالها طويلاً ، فسرعان ما يتحول عنه ويعبر ، فلا تقترب للأخر لكي
تّشعر بالحب وبالأهمية بل إقترب للأخر لأنك تحبه ويهمك أمره ومشاعره واحاسيسه ،
لأن كل المشاكل ناتجة من احاسيسنا ومشاعرنا من الأخر ، وعندما تتراكم مشاعرنا
داخلن نبدأ في الإبتعاد عن بعضنا البعض ، فلا يجب أن نحكم علي الأخرين أحكام
نهائية لأن تغيرات حياتهم من مشاعر واحاسيس وأفكار ونوايا قد يكون للأحسن او
للأسوأ من حين لأخر ، وفي هذا يقول الرسول بولس " فَإِنِّي لَسْتُ
أَشْعُرُ بِشَيْءٍ فِي ذَاتِي. لكِنَّنِي لَسْتُ بِذلِكَ مُبَرَّرًا. وَلكِنَّ
الَّذِي يَحْكُمُ فِيَّ هُوَ الرَّبُّ.إِذًا لاَ تَحْكُمُوا فِي شَيْءٍ قَبْلَ
الْوَقْتِ، حَتَّى يَأْتِيَ الرَّبُّ الَّذِي سَيُنِيرُ خَفَايَا الظَّلاَمِ
وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوبِ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَدْحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ
مِنَ اللهِ. ( ١كو ٤ : ٤ - ٥ ) فالأحكام النهائية اتركها للرب أما انطباعتك
فإجعلها مرنة لكي تستطيع أن تكون قابل للشفاء فلا تنكسر ، علينا وضع حدود بيننا
وبين أيّ شيء نفعله. ليس معنى هذا أن نكون غير مُخلِصين لِما نفعل، أو أن نعمل
بأيدي مُرتخية أو قلب غير مُلتهب، فلتكن قلوبنا وولائنا للرب وحده ولنخضع له
فيحركنا حسب مشيئته ويقود حياتنا من مرحلة إلي مرحلة ونكون من مجد إلي مجد .


تعليقات
إرسال تعليق