العيون وواقعها الروحي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العيون
وواقعها
الروحي
بقلم القس
عماد عبد المسيح عطية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العيون
وواقعها الروحي
العيون في كلمة الله
أنواع
ولها استخدامات
مختلفة
ولها واقع روحي يُلمس
في عالم المادة
العيون قنوات
شرعية لتداخلات روحية ونفسية تؤثر في الواقع المادي بل وتؤثر في الحياة بجملتها .
العيون في كلمة الله لها تأثير فعال في مصير
الخليقة بجملتها فحولتها من خليقة بريئة بلا شر الي خليقة مخطئة ممتلئة شرور عندما
نظرت حواء للشجرة ورأتها شهية وبهجة للعيون " فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا
بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ
ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ. (تك ٣ : ٦) بنظرات حواء بدأت الخليقة في اجواء من السقوط ، وعندما
أطاع أدم لنظرات ولصوت
حواء سقطت الخليقة في مستنقع من الشرور ، بكل تأكيد لا لوم عاي حواء ونظراتها لان الصية لم
تُعطي لها بل اعطيت لأدم ، ومن أدم دخلت الخليقة في دائرة من السقوط " مِنْ
أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى
الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى
جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ. ( رو ٥ : ١٢ ) فالعيون لها واقعها وتأثيرها
الروحي ، بالعيون تتهيأ الأجواء وبالطاعة لروح الشر سقوط في عالم الخطيئة ، قد يصنع لك إنسان
أجواء مفتوحة للشر أو للخطية ببعض النظرات أو الكلمات او الأفعال ، وفي استجابتك
لهذه الاجواء وتفاعلك معها يضعك في دائرة سقوط قد لا تريدها ، لذلك يمكنك الهروب
من كل الأجواء التي تُيأ من حولك .
عندما
نظرت إمرأة فوطيفار ليوسف هنا صنعت أجواء من الشرور لتجذبه في دائرة شرورها ، ولكن
يوسف كان صاحياً مستيقظاً واعياً ، فهرب من دائرتها مهما كانت التكلفة " فَأَمْسَكَتْهُ
بِثَوْبِهِ قَائِلَةً: "اضْطَجعْ مَعِي!". فَتَرَكَ ثَوْبَهُ فِي
يَدِهَا وَهَرَبَ وَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ. (تك ٣٩ : ١٢) إن الهروب من دوائر
الشر اكبر حكمة يفعلها المؤمن ختي وإن كلفته عمره " فَأَخَذَ يُوسُفَ
سَيِّدُهُ وَوَضَعَهُ فِي بَيْتِ السِّجْنِ، الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ أَسْرَى
الْمَلِكِ مَحْبُوسِينَ فِيهِ. وَكَانَ هُنَاكَ فِي بَيْتِ السِّجْنِ. (تك ٣٩
: ٢٠) حتماً سينال من الرب جزاءً صالحاً كما نال يوسف من الرب علي يد فرعون ملك
مصر " أَنْتَ تَكُونُ عَلَى
بَيْتِي، وَعَلَى فَمِكَ يُقَبِّلُ جَمِيعُ شَعْبِي إِلاَّ إِنَّ الْكُرْسِيَّ
أَكُونُ فِيهِ أَعْظَمَ مِنْكَ". (تك ٤١ : ٤٠) يوجد حول المؤمنين اناس
فاقدي الحس يصنعون أجواء مفتوحة للشر والخطية والتعدي ، فالهروب خارج دائرة هذه
الاجواء فرصة رائعة للإستخداماتالالهية في حيات المؤمن الأمين ، اما الغير أمين
فسيسقط في براثن مغريات العالم ومراكزها الكاذبة وأجوائها التي تقود الإنسان نحو
كل نا هو غير مرضي للرب ولخدمته .
عندما رفعت حواء عيونها لتنظر للشجرة صارت
الأجواء الروحية مُهيئة لتفعيل أكبر خطية جرفت الخليقة لدوائر ظلمة ليس لها مثيل
بخضوع أدم وعصيانه عندما أكل من الشجرة ، صار في العالم بالسقوط روح القتل والدمار
، لا لوم علي حواء لأن
الخليقة لم تكن قد سقطت بعد ، أما بعد السقوط فسيحاسب الإنسان علي النظرات
والأفكار والشهوات التي لم تدخل دائرة التفعيل بعد ، لأن كل هذا يصنع أجواء خارج
المشيئة ، فيقول سليمان الحكيم بالروح القدس "
فِكْرُ الْحَمَاقَةِ خَطِيَّةٌ، وَمَكْرَهَةُ النَّاسِ الْمُسْتَهْزِئُ. (أم
٢٤ : ٩) فمجرد الأفكار التي لم تفعل ولم تترجم في الواقع خطية سيحاسب عليه كل
إنسان ، لذلك يتسائل كاتب المزمور قائلاً لكل شرير متغافل عن مقدرة الهه " لِمَاذَا
أَهَانَ الشِّرِّيرُ اللهَ؟ لِمَاذَا قَالَ فِي قَلْبِهِ: "لاَ
تُطَالِبُ"؟ (مز ١٠ : ١٣) إنه من الغباء أن يسير الإنسان في دوائر الشر
متناسياً عين الرب التي تري في الظلام كما تري في النور " الظُّلْمَةُ
أَيْضًا لاَ تُظْلِمُ لَدَيْكَ، وَاللَّيْلُ مِثْلَ النَّهَارِ يُضِيءُ.
كَالظُّلْمَةِ هكَذَا النُّورُ. (مز ١٣٩ : ١٢) فمن يظلم ويسير في حق ليس حقه
سينال من الرب في يوم غضبه لانه فاحص جميع القلوب.
العيون قد تكون أفعال مستحسنة للنفس ،
فعندما رأوا اهل سدوم الرجلان يدخلان بيت لوط وقفوا امام بيته طالبين الرجلان
ليعرفونهم ( ليمارسون الشذوذ الجنسي ) ولكن لوط وقف أمامهم رافضاً طلبهم ومقدماً
لهم عرض له واقع مرير " هُوَذَا
لِي ابْنَتَانِ لَمْ تَعْرِفَا رَجُلاً. أُخْرِجُهُمَا إِلَيْكُمْ فَافْعَلُوا
بِهِمَا كَمَا يَحْسُنُ فِي عُيُونِكُمْ. وَأَمَّا هذَانِ الرَّجُلاَنِ فَلاَ
تَفْعَلُوا بِهِمَا شَيْئًا، لأَنَّهُمَا قَدْ دَخَلاَ تَحْتَ ظِلِّ
سَقْفِي". (تك ١٩ : ٨) إن عرض لوط لأهل سدوم يفرض عليهم عيون في أفعال
مستحسنة لديهم تجاه بناته ، ولكنهم رفضوا واصروا في الحاح علي طلبهم هذا ، فضربهما
الرجلان بالعما " وَأَمَّا الرِّجَالُ الَّذِينَ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ
فَضَرَبَاهُمْ بِالْعَمَى، مِنَ الصَّغِيرِ إِلَى الْكَبِيرِ، فَعَجِزُوا عَنْ
أَنْ يَجِدُوا الْبَابَ. (تك ١٩ : ١١) كانت العيون الداخلية لأهل سدوم وعمورة
عيون مغلقة مقفلة لا تري إلا الشر ، وبسبب تمسكهم بالشر أغلقت عيونهم الخارجة حتي
أنهم لم يعودوا للرؤيا وماتوا بالنار والكبريت ربما دون ان يروا شيئاً ، الإنسان
البعيد عن الرب اعمي البصيرة والبصر وإن لم يستجب لصوت ونداء الرب ستكون أخرته مرة
.
العيون التي كانت لأهل سدوم عيون شريرة
نجسة لم تتطهر ولم تتنقي والنفس المتنجسة بلا توبة تموت " وَأَمَّا
الإِنْسَانُ الَّذِي يَتَنَجَّسُ وَلاَ يَتَطَهَّرُ، فَتُبَادُ تِلْكَ النَّفْسُ
مِنْ بَيْنِ الْجَمَاعَةِ .. ( عد ١٩ : ٢٠ ) فمن لم يسلك طريق التقديس سيكون
مُعرض للحكم القضائي الإلهي بعد إعطاء الفرص للتوبة ، فالشر الذي في أهل سدوم ليس
في عيونهم فقط ولكنها في أفعالهم أيضاً ، فالكيان الذي لهم كيان متنجس بشرور
الشذوذ الجنسي ، رغم هذا الشر ولكن الفرص صارة متاحة لهم سنين عددها كثير ، فالرب
يريد من شعبه وكل من يريد أن يعيش في دائرة الرب عليه أن يفتش عن مناطق النجاسة
ويخرجها من حياته " وَقَالَ لَهُمُ: "اسْمَعُوا لِي أَيُّهَا
اللاَّوِيُّونَ، تَقَدَّسُوا الآنَ وَقَدِّسُوا بَيْتَ الرَّبِّ إِلهِ آبَائِكُمْ،
وَأَخْرِجُوا النَّجَاسَةَ مِنَ الْقُدْسِ، ( 2أخ ٢٩ : ٥ ) فإن كانت مناطق
النجاسة تكمن في العين فعليك طلب الرب لتقديسها ، لأنها قناة من القنوات التي يجب
أن تستخدم في الحق والإستقامة .
واقع الشرور ودوائر النظرات :
لكل شر واقع وأجواء وطاقة
يعمل في نطاقهما ، ولكل شر رونقه وجاذبيته وقليلون هم الذين يستطيعون الهروب منه
الي أجواء روحية بتفعيل طاقات بواقع في مستوي النعمة الروحية والسلوك في مستوي
ايجابي بحسب مشيئة الله ، فقد كان لوط وسط أجواء ليست بحسب مشيئة الرب ولكنه لم
يترك هذه الأجواء بل إستمر فيها لدرجة العذاب لشعوره بالطاقة الكامنة في الأجواء
الروحية من خلال قناتين شرعيتين وهما السمع والنظر " .. لُوطًا ... إِذْ
كَانَ الْبَارُّ، بِالنَّظَرِ وَالسَّمْعِ وَهُوَ سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ،
يُعَذِّبُ يَوْمًا فَيَوْمًا نَفْسَهُ الْبَارَّةَ بِالأَفْعَالِ الأَثِيمَةِ.
( 2بط ٢ : ٧ ، 8 ) فالخطية لها عذاب لمن
يفعلها ولمن يشارك فيها مشاركة سلبية ، فقد شارك لوط أهل سدوم مشاركة سلبية بالسمع
والنظر وعدم مقدرته لتغيير من حوله ، فهو لم يفعل كما فعلوا ولكنه لم يخرج من
وسطهم .
وقف أهل سدوم تجاه لوط ونادوا عليه يسئلونه
عن الرجلان ليعرفونهما " فَنَادَوْا لُوطًا وَقَالُوا لَهُ: "أَيْنَ
الرَّجُلاَنِ اللَّذَانِ دَخَلاَ إِلَيْكَ اللَّيْلَةَ؟ أَخْرِجْهُمَا إِلَيْنَا
لِنَعْرِفَهُمَا ".( تك ١٩ : ٥ ) إن الأجواء الشريرة لأهل سدوم مفتوحة
تجاه فعل الشذوذ الجنسي كشر متفشي بطريقة جعلت من الصغير للكبير يفعل هذا الأمر
" ... أَحَاطَ بِالْبَيْتِ رِجَالُ الْمَدِينَةِ، رِجَالُ سَدُومَ، مِنَ
الْحَدَثِ إِلَى الشَّيْخِ، كُلُّ الشَّعْبِ مِنْ أَقْصَاهَا. ( تك ١٩ : ٤ ) إن
نظرات أهل سدوم وقعت علي الرجلان بطريقة شريرة ولم يُدركا أنهما ملاكان لأن
عيونهما الداخلية مغلقة علي كل ما هو في عالم الروح ، ومفتوحتان علي كل ما هو في
عالم المادة والشر فصارت العيون قنوات شرعية شريرة لفعل الشر ، حاول لوط ثني شعب
سدوم عن فعلته بطريقة خاطئة للغاية بتقديم عرض شرير " هُوَذَا لِي
ابْنَتَانِ لَمْ تَعْرِفَا رَجُلاً. أُخْرِجُهُمَا إِلَيْكُمْ فَافْعَلُوا بِهِمَا
كَمَا يَحْسُنُ فِي عُيُونِكُمْ. وَأَمَّا هذَانِ الرَّجُلاَنِ فَلاَ تَفْعَلُوا
بِهِمَا شَيْئًا، لأَنَّهُمَا قَدْ دَخَلاَ تَحْتَ ظِلِّ سَقْفِي ". ( تك
١٩ : ٨ ) ولكنها كانت محاولة فاشلة لم تستمر كثيراً ، فقد فعلوا بناته معه ما كان
سيفعلوه اهل سدوم بهم ، فالواقع الشرير يعمل داخل دوائر من النظرات والأفكار
الشريرة الخاطئة ، ويولد جاذبية نحو فعل ما هو خارج مشيئة الله ويجعل الأجواء
الروحية مغلقة وليست حسب قلب الله .
النفوس التي استسلمت للشرور وللخطية يعمل في
أجوائها أرواح شريرة تسيطر وتستلم أجسادهم " لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ
اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ، لأَنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ
الاسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِيَّ بِالَّذِي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ ، ( رو ١
: 26 ) فأهواء الهوان vile affections وتترجم إلى العواطف الخبيثة وما هي إلا أرواح شهوة πάθος ἀτιμία وتنطق pathos atimia وتترجم شهوة
شاذة ، فأرواح الشهوة تعمل وتُفعل بطريقة مقذذة " وَكَذلِكَ
الذُّكُورُ أَيْضًا تَارِكِينَ اسْتِعْمَالَ الأُنْثَى الطَّبِيعِيَّ، اشْتَعَلُوا
بِشَهْوَتِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَاعِلِينَ الْفَحْشَاءَ ذُكُورًا بِذُكُورٍ،
وَنَائِلِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ جَزَاءَ ضَلاَلِهِمِ الْمُحِقَّ ( رو ١ : 27 ) هذه
الأنواع من الأرواح الشريرة عندما تمتلك إنساناً لا تتركه إلا وهو في دائرة الرفض
لأنها استحوزت علي القنوات الشرعية التي للجسد والنفس وامتلكتها ، وبالتالي لن
تستجيب لصوت الرب ونداء العقل " وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ
يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ، أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ
لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ، مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرّ
وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ، مَشْحُونِينَ حَسَدًا وَقَتْلاً وَخِصَامًا وَمَكْرًا
وَسُوءًا، ( رو ١ : 28 – 29 ) كل هذه أرواح شريرة تمتلك النفس التي لم تسلك
في طريق الرب ولم تعيش حياة التوبة ، لذلك أناشد كل مؤمن أن يبتعد عن الطاقات
السلبية التي تصدر من نفوس شريرة لئلا يصيروا هم أيضاً طاقات سلبية علي من حولهم ،
فيصيروا نفوس مسببة أصل مرارة " مُلاَحِظِينَ لِئَلاَّ يَخِيبَ أَحَدٌ
مِنْ نِعْمَةِ اللهِ. لِئَلاَّ يَطْلُعَ أَصْلُ مَرَارَةٍ وَيَصْنَعَ
انْزِعَاجًا، فَيَتَنَجَّسَ بِهِ كَثِيرُونَ. ( عب ١٢ : ١٥ ) ( تث ٢٩ : ١٨ )
( عب ٤ : ١ ) فالمؤمن الهارب من مناطق الشر والمبتعد عن النفوس الغير أمينة هو في
مستوي الغالبين المنتصرين الذين يسرون قلب الأب المطعين للحق وهاربين من الفساد
" ... هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ. (
2بط ١ : ٤ ) ( 1يو ٢ : 15 ، ١٦ ) في اسم
المسيح أمين.
العيون حالة في دائرة النفس :
تستخدم كلم
العيون كحالة رضا للنفس عند تفعيل واقع أو حادث أو عمل ما من الأخرين أو من ذات
الإنسان نفسه ، هذا نجده عندما وقف ابونا إبراهيم أمام شعب بني حث " فَقَامَ
إِبْرَاهِيمُ وَسَجَدَ لِشَعْبِ الأَرْضِ، لِبَنِي حِثَّ،وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً:
"إِنْ كَانَ فِي نُفُوسِكُمْ أَنْ أَدْفِنَ مَيْتِي مِنْ أَمَامِي،
فَاسْمَعُونِي وَالْتَمِسُوا لِي مِنْ عِفْرُونَ بْنِ صُوحَرَ ،أَنْ يُعْطِيَنِي
مَغَارَةَ الْمَكْفِيلَةِ الَّتِي لَهُ، الَّتِي فِي طَرَفِ حَقْلِهِ. بِثَمَنٍ
كَامِل يُعْطِينِي إِيَّاهَا فِي وَسَطِكُمْ مُلْكَ قَبْرٍ". فكانت اجابة
عفرون " لاَ يَا سَيِّدِي، اسْمَعْنِي. اَلْحَقْلُ وَهَبْتُكَ إِيَّاهُ،
وَالْمَغَارَةُ الَّتِي فِيهِ لَكَ وَهَبْتُهَا. لَدَى عُيُونِ بَنِي شَعْبِي
وَهَبْتُكَ إِيَّاهَا. ادْفِنْ مَيْتَكَ".( تك ٢٣ : 7 ـ ١١ ) فالعيون هنا تعني أن ما سيفعلونه بني حث سيكون
بكامل الرضا ، فعمل الخير لابد أن يكون بنفس راضية لا عن اضطرار بل بكل الرضا
وبكامل الإختيار ، فعند دفع ثمن شيئ أو أجرة عامل لا يجب أن نقدمه بطريقة تُشعر
الأخر بعدم الرضا ، لأن هذا يخلق نفوس مكتئبة ويتولد داخلها روح من التذمر ، أيضاً
الموظف الذي يتعامل مع الأخرين لا يجب أن يتعامل بحالة من عدم الرضا لأن هذا يخلق
أجواء من الإختلافات والصراعات لأخذ الحقوق هكذا الأمر في كل مسئول أو خادم أو
عامل أو .... الخ.
كان شمعون
ولاوي في حياتهما اسلوب متعب للغاية في تعاملاتهم مع من حولهم من بشر أو كائنات
أخري فقال عنهم يعقوب ابيهم " فِي مَجْلِسِهِمَا لاَ تَدْخُلُ نَفْسِي.
بِمَجْمَعِهِمَا لاَ تَتَّحِدُ كَرَامَتِي. لأَنَّهُمَا فِي غَضَبِهِمَا قَتَلاَ
إِنْسَانًا، وَفِي رِضَاهُمَا عَرْقَبَا ثَوْرًا. ( تك ٤٩ : ٦ ) ( تك ٣٤ : ٢٦ ) فحياة المؤمن يجب أن تكون في
تدقيق كامل ومبتعد عن كل متملق خاطي أو مخطيئ " يَا ابْنِي، إِنْ
تَمَلَّقَكَ الْخُطَاةُ فَلاَ تَرْضَ يَا ابْنِي، ..... لاَ تَسْلُكْ فِي
الطَّرِيقِ مَعَهُمْ. اِمْنَعْ رِجْلَكَ عَنْ مَسَالِكِهِمْ.. ( أم ١ : 10 ) فمثل
هؤلاء ليس لهم إلا أهوائهم وملذات قلبهم حتي وإن كانوا في الإيمان ، فليكن شعارك
" مِنْ كُلِّ طَرِيقِ شَرّ مَنَعْتُ رِجْلَيَّ، لِكَيْ أَحْفَظَ كَلاَمَكَ.
( مز ١١٩ : ١٠١ ) هذا ليس معناة حياة السلبية بل معناة عدم فعل الشر كنوع من
الإفتراء وإثبات الذات ، بل عند التمرد علي واقع شرير يصر هذا حق ، فقد عاش المسيح
متمرداً علي الشر وموبخاً الكتبة والفريسيين ( مت ٢٣:١٣ ـ 29 ) فهذا حق روحي
يُفعل بكامل الرضا النفسي ولكن بدون إفتراء وبطرق شرعية .
حياة
العيون المرضية عن كل فعل جيد نراه في الله الذي خلق الكون وبعد كل مرحلة يقول
" وَرَأَى اللهُ أَنَّهُ حَسَنٌ. "
( التكوين ١:٤ ، ١٠ ، 12 ، 18 ، 21 ، 25 ، 31 ) هذه هي العيون الراضية عن فعل
الإمور بكامل الرضي النفسي ، حتي بعد وقت الغضب الإلهي لإنهاء مرحلة ممتلئة شر
وبداية مرحلة جديدة مع نوح نري الله يتنسم رائحة الرضا عندما بني نوح مذبح للرب
" ... فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا. وَقَالَ الرَّبُّ فِي
قَلْبِهِ: "لاَ أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ،
لأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ الإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ. وَلاَ أَعُودُ
أَيْضًا أُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ كَمَا فَعَلْتُ. ( تك ٨ : 20 – ٢٢ ) فحالة الرضا
الإلهي يرتبط معه وعود وبركات ، فالوعد كان بعدم تكرار الطوفان مرة اخري ، أما
البركات فكانت عندما قال " وَبَارَكَ
اللهُ نُوحًا وَبَنِيهِ وَقَالَ لَهُمْ: "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا
الأَرْضَ. وَلْتَكُنْ خَشْيَتُكُمْ وَرَهْبَتُكُمْ عَلَى كُلِّ حَيَوَانَاتِ
الأَرْضِ وَكُلِّ طُيُورِ السَّمَاءِ، مَعَ كُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ،
وَكُلِّ أَسْمَاكِ الْبَحْرِ. قَدْ دُفِعَتْ إِلَى أَيْدِيكُمْ ( تك ٩ : ١- ٢٩ ) فحياة السلوك المرضي يفتح
أجواء من العيون البسيطة الراضية عن الواقع ، أما السلوك في دوائر الشر والخطية
فيدفع الإنسان لحياة التمرد والتذمر وعدم الرضا .
التوحم والإتكال علي العين
:
حدث يوماً أن أبونا يعقوب إثناء عمله مع خاله لابان أنه
أراد استخدم حيلة خاطئة " وَحَدَثَ كُلَّمَا تَوَحَّمَتِ الْغَنَمُ
الْقَوِيَّةُ أَنَّ يَعْقُوبَ وَضَعَ الْقُضْبَانَ أَمَامَ عُيُونِ
الْغَنَمِ فِي الأَجْرَانِ لِتَتَوَحَّمَ بَيْنَ الْقُضْبَانِ. ( تك ٣٠ :
٤١ ) فبحسب العلم لا صحة لهذا الفعل لذلك نجد الرب صحح الفكر علي يعقوب عندما
أعلمه أن البركة التي له ليست بحسب قطعة الخشبة " وَقَالَ لِي مَلاَكُ
اللهِ فِي الْحُلْمِ: يَا يَعْقُوبُ. فَقُلْتُ: هأَنَذَا فَقَالَ: ارْفَعْ
عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ. جَمِيعُ الْفُحُولِ الصَّاعِدَةِ عَلَى الْغَنَمِ
مُخَطَّطَةٌ وَرَقْطَاءُ وَمُنَمَّرَةٌ، لأَنِّي قَدْ رَأَيْتُ كُلَّ مَا يَصْنَعُ
بِكَ لاَبَانُ.( تك 31 : 11 ) فكثرة الغنم ليس لسبب الوحم بل لسبب البركة
التي بارك الرب بها يعقوب ، لأن علمياً لا يوجد تأثير من العين علي الحمل ، فالفعل
الذي فعله يعقوب نابع من الثقافة المنتشرة في المجتمع في ذلك الوقت ، والي يومنا
هذا يوجد هذا الفكر في بعض المجتمعات ... ولكن ..
هذا الإسلوب في عالم الروح يُجدي نفعاً سلبياً ويسبب
مرارة لكثيرين ، لا أقصد تأثير التوحم علي الحمل .. ولكن .. أقصد طريقة الحيل
الماكرة التي يستخدمها البعض لنوال حق ليس من حقه ، فلكي يغتني يعقوب اراد استخدام
طريقة خادعة برغم أنها لم تكن حقيقية في تأثيرها ، فكل من يتعامل بطرق خادعة بالتلاعب
في المصادر والأوراق بطرق مستترة يعتبر غش وسينال فاعله جزاء فعلته هنا وفي
الأبدية ، هذا بالإضافة إلي إنه يورث أبناءه لعنات ( ارواح شريرة ) لتفعيل نفس
الأساليب في حياته أو بعد وفاته ، فتجد تكرار نفس الفعل أو ما يشابهه في حياة
الأبناء والأحفاد ، فقد تعامل يعقوب بمكر " فَقَالَ: "قَدْ جَاءَ
أَخُوكَ بِمَكْرٍ وَأَخَذَ بَرَكَتَكَ". ( تك ٢٧ : ٣٥ ) وهكذا فعلوا
أبناءه مع ابيهم " فَأَخَذُوا قَمِيصَ يُوسُفَ وَذَبَحُوا تَيْسًا مِنَ
الْمِعْزَى وَغَمَسُوا الْقَمِيصَ فِي الدَّمِ. وَأَرْسَلُوا الْقَمِيصَ
الْمُلَوَّنَ وَأَحْضَرُوهُ إِلَى أَبِيهِمْ وَقَالُوا: "وَجَدْنَا هذَا.
حَقِّقْ أَقَمِيصُ ابْنِكَ هُوَ أَمْ لاَ؟" ( تك ٣٧ : ٣١ ) فالذي يزرعه
الإنسان سيحصده هو وكل من ينتمي اليه ( وكل من حوله ) نري هذا واضح في حياة داود ،
فقد زني وقتل وحدث هذا في أبناءه قتل وزني ( 2صم 11 ) فكما حدث لداود حدث لأبناءه
فأزل أمنون ثامار اخته ، وقام أبشالوم وقتل أمنون لإزلاله اخته ثامار ( 2صم ١٣ ) هذا تعليم مهم يجب علي كل من يقرأه يتوخي
الحذر ، فليست النعمة كلمة للغطاء الروحي من نتائج تصرفاتنا ( يمكنك قرأة هذا
الموضوع في الدراسة السابقة بعنوان: الارتكاس في أولاد يعقوب )
حياة الأمانة من أهم الطرق التي يريدها الرب وقد تكون
مكلفة كثيراً عندما يتواجد الأمين وسط من هم بعيدين عنها ، إن اتجاه قلب يعقوب كان
نحو تأمين حياته لأنه خرج هارباً من بيت أبيه وحاول بطريقة خاطئة لم تجدي معه
نفعاً ، فباركه الرب ليس لأنه سلك طريق له شكل الخداع بل لأن هدفه حَّمل المسيرة
الإلهية رغم أخطاءه ، لذلك أحبائي سير بالأمانة وإخدم إلهك لأن الرب وحده هو
المكافئ والمبارك ، لأن الإغتناء بطرق ليست أمينة تجلب الأرواح الشريرة لخدمة الشر
وتملكها حياة الأسر والنفوس من جيل الي جيل ، ولن يُرفع هذا إلا بالجيل التائب الذي
يكتشف خطايا الأباء والأجداد ، فلا تتعجب عندما تري نفوس مكلفة بخدمة ليسوا أمناء
علي الخدمة في حياتهم ، فسيسقطون ويكون سقوطهم مريعاً .
إن الله يبحث عن الأمانة كسلوك مرضي أمام الله ، فهو لا
يريدنا أن نتمم عمله فحسب لكنه يريدنا أن نتمم عمله بطرق شرعية وأمينة بلا مكر أو
خداع أو محبة للنفس ، لم يكن عالي وابناه أمناء في حياة شعب الرب ، لذلك قال الله
إنه سيختار لنفسه شخصا أمينا " وَأُقِيمُ لِنَفْسِي كَاهِنًا أَمِينًا
يَعْمَلُ حَسَبَ مَا بِقَلْبِي وَنَفْسِي، وَأَبْنِي لَهُ بَيْتًا أَمِينًا
فَيَسِيرُ أَمَامَ مَسِيحِي كُلَّ الأَيَّامِ. ( 1صم ٢ : ٣٥ ) وقد تمت هذه
النبوة عندما انتهت خدمة عالي الكاهن ونسله وبدأت خدمة صادوق الكاهن في عهد داود
" وَقَالَ الْمَلِكُ لأَبِيَاثَارَ الْكَاهِنِ: "اذْهَبْ إِلَى
عَنَاثُوثَ إِلَى حُقُولِكَ، لأَنَّكَ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ، وَلَسْتُ
أَقْتُلُكَ فِي هذَا الْيَوْمِ، لأَنَّكَ حَمَلْتَ تَابُوتَ سَيِّدِي الرَّبِّ
أَمَامَ دَاوُدَ أَبِي، وَلأَنَّكَ تَذَلَّلْتَ بكل ما تذلل به أبي".
وَطَرَدَ سُلَيْمَانُ أَبِيَاثَارَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَاهِنًا لِلرَّبِّ،
لإِتْمَامِ كَلاَمِ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ عَلَى بَيْتِ عَالِي فِي
شِيلُوهَ. (١مل ٢: ٢٦، ٢٧) لأنه بطرد ابياثار تبقي صادوق هو الكاهن من ايام
داود وسليمان حتي عزرا ، فالأمين حتماً سيكافأ من الرب وستكشف الأبدية الكثير
والكثير .
كان في أيام نحميا رجلان يُشهد عنهم أنهم أمناء أكثر مِن
مَّن حولهم فكانت لهم فرصة الخدمة لتدبير شؤون أورشليم " أَقَمْتُ
حَنَانِيَ أَخِي وَحَنَنْيَا رَئِيسَ الْقَصْرِ عَلَى أُورُشَلِيمَ، لأَنَّهُ
كَانَ رَجُلاً أَمِينًا يَخَافُ اللهَ أَكْثَرَ مِنْ كَثِيرِينَ. ( نح ٧ : ٢ )
فالأمانة تبدأ بالعين البسيطة التي لا تطمع في مال الغير ولا تطمع في المراكز التي
ليست لهم ، فالعين البسيطة تجعل الجسد كله نيراً " سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ
الْعَيْنُ، فَمَتَى كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا،
وَمَتَى كَانَتْ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ يَكُونُ مُظْلِمًا. ( لو ١١ : ٣٤ ) فالعين هما الفهم الروحي والبصيرة الروحية
فالخطايا التي يتبناها الانسان تعيق العين الداخلية فلا تكون بسيطة ، فالشهوة
والشراهة ومحبة النفس والكبرياء ... الخ. يجعلان العين الداخلية للإنسان أقل
إحساساً بالأمانة ، فأن تكون العين بسيطة أي سليمة ثابتة ، تعيش علي مبدأ وليست
مفتوحة علي الخارج بلا ضوابط.
عيون لا تعرف الحزن :
عندما ينتظر الإنسان مكان أفضل ومكتمل من
كل الجوانب ويدرك هذا إدراكاً كاملاً ، ترخس في عينيه مبهاج الإمور الحاضرة والممتلكات
الأقل قيمة بالنسبة لما سيكون لهم ، كانت مصر في العصور القديمة دولة عظيمة ولها
مكانتها بين الشعوب ، فمن كان يُهاجر اليها يكون صاحب إمتياز ويفتخر ، فعندما أتي
اليها يعقوب بعد أن اعتلي يوسف عرش مصر قال لهم " وَلاَ تَحْزَنْ عُيُونُكُمْ
عَلَى أَثَاثِكُمْ، لأَنَّ خَيْرَاتِ جَمِيعِ أَرْضِ مِصْرَ لَكُمْ". ( تك ٤٥
: ٢٠) هذا هو الحال في كل الأرض ، عندما يدخل الإنسان مرحلة جديدة أفضل من التي
قبلها لا يذكر الإمور الأولي ، فلم تكن مصر في زمن يوسف أرض عبودية بل أرض خير
وبركة علي يعقوب والأسباط ، ولكن لسبب أن الشعب استراح واستمر في تمركزه في هذه
الأرض ولم يُكمل المسيرة التي كانت علي قلب ابونا ابراهيم واسحق ويعقوب استُعبِدّ
فيها ، فبدل أن تكون أرض الخير والبركة صارت أرض العبودية والمذلة " فَاسْتَعْبَدَ
الْمِصْرِيُّونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِعُنْفٍ،وَمَرَّرُوا حَيَاتَهُمْ بِعُبُودِيَّةٍ
قَاسِيَةٍ فِي الطِّينِ وَاللِّبْنِ وَفِي كُلِّ عَمَل فِي الْحَقْلِ. كُلِّ
عَمَلِهِمِ الَّذِي عَمِلُوهُ بِوَاسِطَتِهِمْ عُنْفًا. ( خر ١ : 13 ، ١٤ ) هذا
هو الحال عندما تحلوا في عيوتتا أماكن نستريح فيها وننسي التكليف الإلهي ونعيش في
تمركز حول الذات من مأكل ومشرب ومشغوليات ، تتحول أرض البركة الي ارض مذلة .
أعرف أُناس كانت لهم خدمة رائعة وبسبب تمركزهم حول
أنفسهم تحولت بيوتهم بل وخدمتهم الي أرض مذلة ، صارت عيونهم لا تنظر الي عمل الله
بل الي أعمالهم وحياتهم فقط ، استقروا في بيوتهم لبنائها والإرتفاع بها وفي
أعمالهم للمكاسب والإزدهار ونسوا خدمة الرب ، فكانت النتيجة أن أبنائهم عندما
كبروا لم يصيروا في معرفة الرب وخدمته ولم يسيروا كما كان ابوهم في بداية حياته ،
وتحولت بيوتهم إلي أماكن عادية جداُ ليس لها صلة بمجد الرب ، وللأسف مثل هؤلاء
عندما تقدم لهم الدعوة ليبدأوا من جديد لحياة الحرية في المسيح لا يستطيعون لأنهم
من كثرة العبودية والمذلة صار لهم شعور بصِغَرِ النَّفس في الحياة الروحية ، فلن
تجد فيهم استجابة واضحة " فَكَلَّمَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ هكَذَا،
وَلكِنْ لَمْ يَسْمَعُوا لِمُوسَى مِنْ صِغَرِ النَّفْسِ، وَمِنَ الْعُبُودِيَّةِ
الْقَاسِيَةِ. ( خر ٦ : ٩ ) فالحياة المتمركة داخل الإمور الحياتية الطبيعية
دون الإهتمام بالحياة الروحية تُصيب الإنسان بصغر نفس من جهة إمور الله ، فلا
يستطيع أن يكون رجلاً روحياً يُعتمد عليه ، هذه الحالة ليست في فرد بل كانت في شعب
، شعب بجملته ينتابه شعور بعدم المقدرة علي الصمود والإستمرار في طلب الحرية
والتحرير ، فكلما طلب حرية كلما زاد عليه تيار الإستعباد فيتراجع للخلف ولا يستجيب
لنداء رجال الله ويفضلون حياة الذل عن أن يخطوا خطوة لا يُدركون نتائجها ، فالأباء
المتمركزين داخل عباءة الذات لن يحصلوا إلا حياة ليست فيها الرب حتي وإن إغتنوا ،
وعلي النقيض يوجد أباء فضلوا الرب وخدمته عن أن يكون لهم من المال والجاه هدف أمام
عيونهم ، وكانت النتيجة أن الرب بارك حياتهم وحياة ابنائهم واحفادهم وصارت بيوتهم كنائس
ومراكز خدمة لإعلان كلمة الله وخدمة الرب ، فياله من شرف كبير أن عيوننا لا تنظر
الي ما هو زمني بل تنظر الي ما هو أبدي فتصير خيرات الملكوت لنا زمنياً وأبدياً
إن النفوس التي تسير بحسب قلب الله لا يكون لها إلا
الفخر بالرب والتمسك به وعدم الرجوع للأركان الضعيفة ودائماُ يذكرون فضل الرب عليهم
" أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ
بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. ( خر ٢٠ : ٢ ) فالشعب في زمن العبودية كان لهم
ثقافة عبادة الهة كثيرة ، فقد كان النيل الها وللزراعة الها وللمطر الها و....
الخ. لذلك قال الرب لا يكون لكم الها غيري الإله الذي اخرجكم من أرض العبودية ،
وهنا التحدي والتحول من نفوس لها حياة تعدد الهة الي التخلي عن كل اله من أجل الرب
اله السماء والأرض ، الإله الذي أعلن ذاته لشعبه ، هكذا في أيامنا فيوجد من يعبدون
الرب ويخدمونه وبجانبه يخدمون اله المال أو الشهوة أو الشهرة أو ... الح. ولكن
الرب يريدنا اليوم أن نذكر أن الحرية هي في دائرة الرب وحده وليست في غيره ،
فالمؤمن ليس له الا الأب الذي يمنح الحريى الكاملة " إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ
أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ
نَصْرُخُ:"يَا أَبَا الآبُ". ( رو ٨ : ١٥ ) فالحرية التي في المسيح
تمنح الشجاعة للإستمرارية في عمل الرب دون الرجوع لأركان الضعف وصغر النفس والخوف
" فَاثْبُتُوا إِذًا فِي الْحُرِّيَّةِ الَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا
الْمَسِيحُ بِهَا، وَلاَ تَرْتَبِكُوا أَيْضًا بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ. ( غلا ٥
: ١ ) هذا ما يريده الرب أن لا ننظر الي ما هو خارج دائرة الإمور الروحية الغير
مرتبطة بالرب وخدمته ، فلتتجه عيوننا الي كل ما هو في الرب لأن هذه هي الحرية
الحقيقية ، وغير ذلك أركان ضعيفة تقود الإنسان الي دوائر عبودية ، أصلي أن يكون
لشعب الرب عيون مفتوحة لمجد الرب وخدمته .
العيون ومستوي تبريرها
:
الواقع
الروحي للعيون مرتبط بمستوي التفكير واتجاه القلب ، فهي التي حولت اتجاه الخليقة
من حالة البراءة الي حالة من التعدي والعصيان ، فالإنسان بنظراته يستطيع أن يغير
واقعه من إيجابي إلي سلبي والعكس ، فالنظرات تحول الجسد كله لدائرة السلوك وهنا
يتغير الواقع ، هذا كان يُدركه " صوفرالنعماتي " فخاطب ايوب قائلاً
" إِنْ أَبْعَدْتَ الإِثْمَ الَّذِي فِي يَدِكَ، وَلاَ يَسْكُنُ الظُّلْمُ
فِي خَيْمَتِكَ، حِينَئِذٍ تَرْفَعُ وَجْهَكَ بِلاَ عَيْبٍ، وَتَكُونُ ثَابِتًا
وَلاَ تَخَافُ. لأَنَّكَ تَنْسَى الْمَشَقَّةَ. كَمِيَاهٍ عَبَرَتْ تَذْكُرُهَا .....
وَتَطْمَئِنُّ لأَنَّهُ يُوجَدُ رَجَاءٌ. تَتَجَسَّسُ حَوْلَكَ وَتَضْطَجِعُ
آمِنًا.َ تَرْبِضُ وَلَيْسَ مَنْ يُزْعِجُ، وَيَتَضَرَّعُ إِلَى وَجْهِكَ
كَثِيرُونَ. أَمَّا عُيُونُ الأَشْرَارِ فَتَتْلَفُ، وَمَنَاصُهُمْ يَبِيدُ،
وَرَجَاؤُهُمْ تَسْلِيمُ النَّفْسِ".( أيوب ١١ : ١٤ ـ 20 ) الأشرار
عيونهم للتلف فلا يستطيعوا الفهم والمعرفة لأن بصيرتهم قد طمستها الخطية والشر ،
فطبيعة الأشرار للنهاية تلف ودمار ، أما الأبرار فلهم من الرب بركات وأمان ، حتي
في وسط الضيق والإضطهاد تجد سلام الله في حياتهم يملأهم " وَسَلاَمُ اللهِ
الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي
الْمَسِيحِ يَسُوعَ. ( في ٤ : ٧ )
فلا خوف لكل من يسير في رضا الرب وفي مشيئته لان الرب سند يده حتي الي الموت أو
الإستشهاد ، ففي وسط حجارة الموت كان استفانوس ممتليئ بسلام الله ، لذلك لا تخاف
بل إملأ قلبك بسلام الله .
تلف العيون
معناة الخزي والخجل فبسبب تصرفات بعض الأباء يجعلون الخزي والعار نصيب الأبناء
" الَّذِي يُسَلِّمُ الأَصْحَابَ لِلسَّلْبِ، تَتْلَفُ عُيُونُ بَنِيهِ. (
أي ١٧ : ٥ ) المطلوب هو حياة الأمانة مع الجميع لأن فيها سلام وأمان ،
فطبيعة الرب الكمال والعدل والأمانة ويريد من كل أبناءه أن يكونوا في هذه الدوائر
" هُوَ الصَّخْرُ الْكَامِلُ صَنِيعُهُ. إِنَّ جَمِيعَ سُبُلِهِ عَدْلٌ.
إِلهُ أَمَانَةٍ لاَ جَوْرَ فِيهِ. صِدِّيقٌ وَعَادِلٌ هُوَ. ( تث ٣٢ : ٤ )
فلنسلك في طبيعة الرب وهذا يتطلب مؤمنون ممتلئون بالروح القدس فيستطيعوا أن يمجدوا
الرب ، فمن أمانة الرب أنه يجعل نفوس تختبر قوة يديه وذراعه الممدودة ليشهدوا عنه
ليكشف الرب عن بره أمام عيون الأمم الذين لا يعرفون الرب " رَنِّمُوا
لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً، لأَنَّهُ صَنَعَ عَجَائِبَ. خَلَّصَتْهُ
يَمِينُهُ وَذِرَاعُ قُدْسِهِ. أَعْلَنَ الرَّبُّ خَلاَصَهُ. لِعُيُونِ الأُمَمِ
كَشَفَ بِرَّهُ. ذَكَرَ رَحْمَتَهُ وَأَمَانَتَهُ لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ. رَأَتْ
كُلُّ أَقَاصِي الأَرْضِ خَلاَصَ إِلهِنَا.( مز ٩٨ : ٢ ) فالرب الهنا لا يترك نفسه بلا شاهد لكي
تري عيون الأمم وكل أقاصي الأرض خلاص الرب وقدرته العظيمة لكي يكونوا بلا عذر .
يتكلم
كاتب الأمثال بوحي الهي عن سبعة إمور لا يجب أن تكون بين
ابناء الرب ولا سيما العيون المتعالية لأنها سبب كل الستة ، فبدون العيون
المتعالية لا تري لسان كاذب ولن تري يد وارجل وقلب ولسان في الشر يسلك " هذِهِ السِّتَّةُ يُبْغِضُهَا
الرَّبُّ، وَسَبْعَةٌ هِيَ مَكْرُهَةُ نَفْسِهِ: عُيُونٌ مُتَعَالِيَةٌ،
لِسَانٌ كَاذِبٌ، أَيْدٍ سَافِكَةٌ دَمًا بَرِيئًا، قَلْبٌ يُنْشِئُ
أَفْكَارًا رَدِيئَةً، أَرْجُلٌ سَرِيعَةُ الْجَرَيَانِ إِلَى السُّوءِ، شَاهِدُ
زُورٍ يَفُوهُ بِالأَكَاذِيبِ، وَزَارِعُ خُصُومَاتٍ بَيْنَ إِخْوَةٍ. يَا ابْنِي،
احْفَظْ وَصَايَا أَبِيكَ وَلاَ تَتْرُكْ شَرِيعَةَ أُمِّكَ. ( أم ٦ : 16 ـ ٢٠
) فالعيون المتعالية تجل صاحبها متكبراً ، وخطية الكبرياء من الخطايا التي يكرهها
الرب وتجل صاحبها في ذل وهوان " وَيُذَلُّ الإِنْسَانُ وَيُحَطُّ
الرَّجُلُ، وَعُيُونُ الْمُسْتَعْلِينَ تُوضَعُ. ( إش ٥ : ١٥ ) فالرب يعرف
كيف يتعامل مع كل مستعلي ، لأن المستعلي يفتح أمام إبليس أبواب للتدخل والكسر ،
لذلك يضاف علي الستة الموجودين بسفر الأمثال ستة اخري في اشعياء وهم : (١) استغلال
الآخرين ( إش٥ : ٨ – ١٠ ) ، (٢) السكر (إش ٥ : ١١ ، ١٢ ) ، (٣) التهكم
بالافتخار بارتكاب الخطية (إش ٥ : ١٨ ، ١٩
) ، (٤) الخلط بين المعايير الأدبية (إش ٥ : ٢٠ ) ، (٥) الغرور ( إش٥
: ٢١ ) ، (٦) إفساد العدالة (إش ٥ : ٢٢ – ٢٤ ). كل هذه الخطايا تُشعل غضب
الله وتحرك يد الرب للقضاء " مِنْ أَجْلِ ذلِكَ حَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ
عَلَى شَعْبِهِ، وَمَدَّ يَدَهُ عَلَيْهِ وَضَرَبَهُ، حَتَّى ارْتَعَدَتِ
الْجِبَالُ وَصَارَتْ جُثَثُهُمْ كَالزِّبْلِ فِي الأَزِقَّةِ. مَعَ كُلِّ هذَا
لَمْ يَرْتَدَّ غَضَبُهُ، بَلْ يَدُهُ مَمْدُودَةٌ بَعْدُ. ( إش ٥ : ٢٥ ـ 30 )
فالمشاكل التي تأتي من الأخرين من اسبابها عدم السير بالأمانة مع الرب وداخل
مشيئته ، لذلك يدعونا الرب أن نتبع الفهم ونترك كل ما هو مرتبط بالجهالات " اُتْرُكُوا
الْجَهَالاَتِ فَتَحْيَوْا، وَسِيرُوا فِي طَرِيقِ الْفَهْمِ". ( أم ٩ :
٦ ) لأن المستعلي رجس قدام الله ( لو ١٦ : ١٥ )
نهاية الأمر ـ الرب يريد مؤمنين عيونهم الداخلية مستنيرة
ليستطيعوا أن يعرفوا طريق الرب والرجاء الإلهي والغني الروحي والميراث الأبدي
" مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ
دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ، ( أف ١ :
١٨ ) فالاستنارة الروحية لا تبعد عن كلمة الله ودراستها ، فكل مهمل لكلمة الله لن
يكون من ذوي المؤمنين الوارثين ، لأن الوارثين هم من لهم حياة الإستنارة الروحية
بكلمة الله فهي التي تُصّير الجاهل حكيماً " نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ
يَرُدُّ النَّفْسَ. شَهَادَاتُ الرَّبِّ صَادِقَةٌ تُصَيِّرُ الْجَاهِلَ
حَكِيمًا. ( مز ١٩:٧ ) اطلب من الرب اليوم أن يفتح بصيرة شعبه ويكونوا في
دائرة المشيئة في اسم المسيح أمين


تعليقات
إرسال تعليق