أيوب ومرحلة التجديد الجزء الثالث دراسة قي سفر ايوب


أيوب ومرحلة التجديد

الجزء الثالث 

من اصحاح 13 الي 18 


بقلم القس عماد عبد المسيح

----------------------------------------------------------------

مقدمة

يشرفني تقديم دراسة في سفر أيوب من الإصحاح الثالث عشر حتي الإصحاح الثامن عشر تحت عنوان " أيوب ومرحلة التجديد " فيصير الكتاب الثالث في سلسلة دراسية في سفر أيوب. 

قدمنا الجزء الأول من الإصحاح الاول حتي الإصحاح السادس بعنوان " الطريق المدمر والسماح الإلهي " وتضمن العناوين التالية: 

أيوب ومستوي الكمال ـ أيوب ومستوي الكهنوت ـ مستوي السياج الإلهي ـ البكر وأهميته في كلمة الله ـ دمار رأس المال لكسر أيوب ـ سجود إبليس لنوال حق التجربة ـ الاكتئاب النفسي الذي لأيوب  ـ السماح الإلهي حقيقة أم خيال ـ ردود الفعل النفسي لأيوب ـ أقسام الهاوية ـ يطلبون الموت ولا يجدونه ـ شهادة مشددة وليست للتشديد ـ هواجس الليل كوابيس مرعبة ـ هل حقا الله دائم الشكوك وعنيف ؟ ـ مفهوم القديسين في كلمة الله ـ هل الإنسان مولود للمشقة حقا ـ هل حقا الله يجرح ويسحق يعصب ويداه تشفيان ـ ميزان المصائب ـ التعزيات المعذبة والمساعدة المطرودة

وقدمنا في الجزء الثاني كتاب بعنوان " النصيب والتعبيرات النفسية " وتضمن العناوين التالية: 

الإفتراء بهتاناً وفرياً ـ التعبير النفسي والموقف الإلهي ـ معارضة أم تذمر ـ الكمال مستوي للقبول الإلهي ـ نظرة للحياة من منظور الماضي ـ لا تكن مخدوعا ـ مرارة النفس التي لأيوب ـ القسمة والنصيب وحياة القلق

سفر أيوب من الأسفار المهمة والشيقة جدا، وفي دراستها ستتعلم الكثير والكثير ولذلك علينا أن نستمر معا ولا نمل ولذلك بدأت الدراسة في الـ ستة إصحاحات الأولي ثم في الستة الثانية، وهانحن بصدد الجزء الثالث في ستة إصحاحات اخري أصلي أن تكون هذه الدراسات سبب بركة وتغيير لمفاهيم وافكار كثيرة تبنناها في حياتنا ، فيوجد من يظن أن الله قد سمح لأيوب بهذه التجربه فجرحه ليعصب وسحقه ليشفي،  ولكن في الحقيقة أن الله لم يفعل هذا إطلاقا،  فعندما جُرح أيوب تدخل الله ليعصب وعندما سُحق تدخل الله ليشفي،  فجميع تصريحات أصدقاء أيوب تحمل معاني ليست صائبة،  حتي وإن كان في شكلها حقيقي وعملي،  ولكن عندما نطبقها في قصة أيوب وحياته نراها لا تتفق معه وتعد من الإفتراءات علي أيوب وعلي الله،  ولذلك دعونا ندرس لنتعلم ونفهم الحق،  أصلي أن تكون هذه الدراسة سبب بركة علي حياة الجميع.  

----------------------------------------------------------------

1

الصمت سلاح الفهماء

 

يقف أيوب في منطقة المدافع عن إتهامات أصدقائه له، فهم يطعنون في كمال قلبه وإستقامة روحه وأن ما حدث هو لسبب سلوك غير مرضى في حياة أيوب، ولكن ما فعله أيوب هو أنه أعلن إيمانه ومقدار ثباته أمام تيارات ليست سوية وليست حميدة، وأفاد لهم بأن مدرك تماما ما يقولونه وما يتهامسون به "هذَا كُلُّهُ رَأَتْهُ عَيْنِي. سَمِعَتْهُ أُذُنِي وَفَطِنَتْ بِهِ.مَا تَعْرِفُونَهُ عَرَفْتُهُ أَنَا أَيْضًا. لَسْتُ دُونَكُمْ. ) أي ١ : ١-٢  (هنا هو يتكلم عن الحكمة والفهم لأنه أعاد نفس الكلام الذي تفوه به في الإصحاح السابق" "صَحِيحٌ إِنَّكُمْ أَنْتُمْ شَعْبٌ وَمَعَكُمْ تَمُوتُ الْحِكْمَةُ!غَيْرَ أَنَّهُ لِي فَهْمٌ مِثْلَكُمْ. لَسْتُ أَنَا دُونَكُمْ. وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِثْلُ هذِهِ؟  ( أي 13 : 2 ، 3 )  فكلمات أصدقاء أيوب تظهر حكمة ولكنها تجلب تعب والم نفسي فوق الامه التي لا تحتمل، لذلك أقر بأن الوحيد الذي يفهم ويدرك ويشعر به هو القدير وأن أصدقاء أيوب لا يفهمون وجهلة لدرجة ان كلامهم ممزوج بالكذب والنفاق" أَمَّا أَنْتُمْ فَمُلَفِّقُو كَذِبٍ. أَطِبَّاءُ بَطَّالُونَ كُلُّكُمْ. ( أي 13 : 4 )  حقا إنها معاناة.

إن رجال الله علي مر العصور يعانون من وجود أشخاص يدعون الفهم والحكمة ولكنهم في الحقيقة فاقدي الحس ومستنزفون لأبعد الحدود " هأَنَذَا عَلَى الَّذِينَ يَتَنَبَّأُونَ بِأَحْلامٍ كَاذِبَةٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، الَّذِينَ يَقُصُّونَهَا وَيُضِلُّونَ شَعْبِي بِأَكَاذِيبِهِمْ وَمُفَاخَرَاتِهِمْ وَأَنَا لَمْ أُرْسِلْهُمْ وَلاَ أَمَرْتُهُمْ. فَلَمْ يُفِيدُوا هذَا الشَّعْبَ فَائِدَةً، يَقُولُ الرَّبُّ. ( إر 23 : 32 ) إن وجود مثل هؤلاء مستهلكون للطاقة ويسببون تعب وضلال فكري بعيدا عن الحقيقة وبلا قراءة روحية للواقع، يراهم كاتب المزمور أنهم متكبرون وينسبون إمورا علي خلاف الحقيقة " الْمُتَكَبِّرُونَ قَدْ لَفَّقُوا عَلَيَّ كَذِبًا، أَمَّا أَنَا فَبِكُلِّ قَلْبِي أَحْفَظُ وَصَايَاكَ. ( مز 119 : 69 ) والحل الأمثل هو إغلاق الأذن عن سماع كلمات خارج المشيئة والإلتجاء الي الله لأن حُكمه عادل وحق " وَلكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُكَلِّمَ الْقَدِيرَ، وَأَنْ أُحَاكَمَ إِلَى الله. ( أي 13 : 3 ) أما انتم أيها البشر فإصمتوا. 

إن الصمت في وقت الألم والوجع والضيق يُحسب حكمة لذلك قال لهم " لَيْتَكُمْ تَصْمُتُونَ صَمْتًا. يَكُونُ ذلِكَ لَكُمْ حِكْمَةً ( أي 13 : 5 ) الجميل في الصورة أن أيوب مُدرك جيدا الطبيعة الفكرية التي يتكلمون بها أصدقاءه، لذلك إنتهرهم وطلب منهم الصمت، لأن بكلامهم اضافوا علي الوجع الم وعلي النفس ضيقا، فقد رأي أيوب أن كلامهم لا يدل إلا علي حقيقة واحدة أنهم يجهلون الحق وأغبياء " بَلِ الأحْمَقُ إِذَا سَكَتَ يُحْسَبُ حَكِيمًا، وَمَنْ ضَمَّ شَفَتَيْهِ فَهِيمًا. ( أم 17 : 28 )لأن " ذُو الْمَعْرِفَةِ يُبْقِي كَلامَهُ، وَذُو الْفَهْمِ وَقُورُ الرُّوحِ. ( أم 17 : 27 ) لذلك لا يجب أن نكترث لكلمات أناس منتهية صلاحيتهم داخل مشيىة الله، أناس خارج الخدمة الإلهيّة، فهم متواجدون أمام الجميع ويعرضون أفكارهم ولكنها في نظر الله ليس لها صلاحية، وبكلامهم يُخرجون المستمع خارج مشيىة الله وحكمته.

احبائي لنتحل بالحكمة فنصمت صمتا ولا نتكلم في وقت الشدة، ولا نتفوه بكلمات تحليلية عن الحدث، فلنتروي ونصمت، فالصمت وقت الشدة والوقوف بجانب المتألم دون تقديم احتمالات خارج مشيئة الله "  لِذلِكَ يَصْمُتُ الْعَاقِلُ فِي ذلِكَ الزَّمَانِ لأنَّهُ زَمَانٌ رَدِيءٌ ( عا 5 : 13 ) فصمتك حكمة تحسب لك، وتحاليلك وكلامك يُسقطك في دوائر نفسية ويدفع آخرين بعيدا عن الحقيقة، ولذلك فلنصمت.

----------------------------------------------------------------

2

مواجهة جريئة

   

كما ان الصمت سلاح الفهماء ايضا للمتألم صوت يجب أن يُسمع، دعا أيوب أصدقائه ليصمتوا لأن كلماتهم كانت جارحة لأبعد الحدود، ثم يعاود فيقول " اِسْمَعُوا الآنَ حُجَّتِي، وَاصْغُوا إِلَى دَعَاوِي شَفَتَيَّ. ( أي 13 : 6 ) حجته إنه يفهم الله إلهه أكثر من فهمهم ويعرفه يقين المعرفة، لأن كلامهم عن الله ليس بصواب وادرك ظلمهم وغش افكارهم، وأن عليه مواجهتهم لذلك واجههم قائلا " أَتَقُولُونَ لأجْلِ الله ظُلْمًا، وَتَتَكَلَّمُونَ بِغِشٍّ لأجْلِهِ؟ ( أ 13 : 7 ) المواجهة مقدرة الشخص الصلب القوي الذي يُدرك من يعبد، فقد رسموا خط وساروا عليه " أن أيوب مخطيئ وان الله يجربه " فكانوا يبرأون الله ويذنبون أيوب ولذلك كانت كلماتهم ليست في واقعها وليست في محلها، فهي لم تخدم الله بل بالعكس جعلت من الله الشخص الذي يجرح ويسحق وجعلت من الله مجرب، وفي الحقيقة أن الله ليس بمجرب علي الإطلاق وأن الجرح والسحق هو من إبليس لأنه لا يريد أن يري مستقيما علي الأرض. 

أعطي أيوب درس لأصدقائه اللذين نسبوا لله أمرا ويدافعون عنه بهتانا، فقال لهم أيوب من الذي يحاكم من؟ الإنسان يحاكم الله. ام أن الله يحاكم الإنسان؟ " أَخَيْرٌ لَكُمْ أَنْ يَفْحَصَكُمْ، أَمْ تُخَاتِلُونَهُ كَمَا يُخَاتَلُ الإنْسَانُ؟ ( أي 13 : 9 ) عليهم أمر يجب أن يفعلوه أن يفحصهم الله ويفحص دواخلهم، ليغيرهم ويدركوا أن أيوب رجل كامل ومستقيم، وأن ما حدث له كان من ترتيب إبليس محاولا أن يجد ثغرة في حياة أيوب، ولم يجد إلا نقطة واحدة وهي الخوف.

يقف أيوب برغم ضيق نفسه وألامه ووجعه الذي ليس له نظير في جيله وجيل من سبقوه، يقف موقف رجل الشجاع الفاهم أين يقف وماذا يقول " أَتُحَابُونَ وَجْهَهُ، أَمْ عَنِ الله تُخَاصِمُونَ؟ ( أي 13 : 8 ) الله فوق كل تصرفات البشر وتصورات قلوبهم، يترك الشرير في شره ويتفاعل معه من خلال معاملات خاصة، ويترك الغبي والفاهم خطأ ويتعامل معه من خلال المقربين والمحيطين ليعدل مفاهيمه، وها هو أيوب يأخذ موضع الفاهم العارف الذي من خلاله يُحدث مواجهة، فيطلب منهم الصمت وسماع صوت كلامه وقبول توبيخ الله لهم إن صارت محاباه للوجوه " تَوْبِيخًا يُوَبِّخُكُمْ إِنْ حَابَيْتُمُ الْوُجُوهَ خِفْيَةً. ( أي 13 : 10 ) من هنا يجب معرفة اتجاهين اساسيين في التعامل مع النفوس الصاعبي التعامل، وهما تمييز الكلام والتصرفات،  والمواجهة بلا خوف وبلا تردد.

إستطاع أيوب أن يقرأ أصدقائه ويميز اقوالهم ولذلك لم يصمت برغم وجعه وألمه والمرارة التي كانت في داخله، وكأنه يقول لهم خافوا الله فيما تقولون " فَهَل يُرْهِبُكُمْ جَلالُهُ، وَيَسْقُطُ عَلَيْكُمْ رُعْبُهُ؟ ( أي 13 : 11 ) ومن الآخر يقول لهم أن خطبكم وكلامكم المحصن رماد وطين "  خُطَبُكُمْ أَمْثَالُ رَمَادٍ، وَحُصُونُكُمْ حُصُونٌ مِنْ طِينٍ. ( أي 13 : 12 ) لذلك اقول أن أعظم الإمور أن تقرأ المشهد جيدا وتقرر من تواجه ومتي تواجه وماذا تقول.

----------------------------------------------------------------

3

يقين الإيمان بالله باب للنجاة


يقف الإنسان كثيرا متحيرا من معاملات الحياة معه ويتسائل لأنه لا يدري هل هي من الله أم أنها من غير الله، وإن كانت منه فلماذا؟ وإن كان من غيره فايضا لماذا؟ التسائلات هذه حق واجب الإجابة عليها حتي وإن كانت في صميم الحق المطلق الذي لله، لان جميع الحقوق الإلهية في تعاملاته معنا موضحه في كلمة الله، وكل يوم يزداد الفهم والمعرفة، فمعظم ما كان غامض لدي أباءنا اليوم لنا فيه فهما ومعرفة وهذا ما علمه الرب لدانيال "  " أَمَّا أَنْتَ يَا دَانِيآلُ فَأَخْفِ الْكَلامَ وَاخْتِمِ السِّفْرَ إِلَى وَقْتِ النِّهَايَةِ. كَثِيرُونَ يَتَصَفَّحُونَهُ وَالْمَعْرِفَةُ تَزْدَادُ". ( دا 12 : 4 ) فمعاملات الحياة العامة لدي الإنسان يدخل فيها الشخص ذاته والآخرين المحيطين به والله والأرواح الشيطانية المحيطة التي لا نراها، فبالنسبة للإنسان ذاته في تصرفاته يسمح للآخرين وللارواح النجسة بالتدخل وايضا بالتدخل الإلهي إذا أعطي فرصة لله ليشكل فيه، أما إذا كان العناد ومحبة الذات هي أساس حياته فلن ينال إلا التعب لانه بذلك يفتح الأبواب لأبليس ، ويحصد إبتعاد الصالحين عن دائرة حياته ، وإقتراب اللذين علي شاكلته  بالتدخل في حياته والتعامل معه ليستفيدوا منه علي قدر المستطاع.

من الصعب أن يكون المؤمن الصديق الأمين، حوله أناس صاعبي التعامل، لهم فلسفتهم ومعتقداتهم نحو الله ونحو أنفسهم، ويطبقونه علي الآخرين دون مراعاة النفسية والفوارق الفكرية، فأيوب كان حوله مثل هؤلاء فأتعبوه وطلب منهم الصمت أفضل من سماع أقولهم المرتبطة فاصبع الإتهام " اُسْكُتُوا عَنِّي فَأَتَكَلَّمَ أَنَا، وَلْيُصِبْنِي مَهْمَا أَصَابَ. ( أي 13 : 13 ) فالوحيد الذي يُقيم نفسي أمامي هو الله لذلك ".. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ ( أي 13 : 15 ) هذا هو الحل الوحيد لكل الألم أن يضع نفسه أمام الله الذي يقدر القيم ويرفع الكيان ويصنع المقامات،  من يلجأ اليه قادر علي تبرئته وإظهار حقه. "  هأَنَذَا قَدْ أَحْسَنْتُ الدَّعْوَى. أَعْلَمُ أَنِّي أَتَبَرَّرُ. ( أي 13 : 18 ) يقين الإيمان بالله مفتاح النجاة، ولكن لا يجب أن ينساق المؤمن وراء الأفكار السلبية التي تحيط به وتنقله من الأخرين، فايوب برغم هذا تأثر بسبب عاملين، الأول واقع التجربة، والثاني الثقل الكبير من كلمات نفوس حوله صاعبي التعامل، فشعر بأن يد الله عليه ثقيله " أَبْعِدْ يَدَيْكَ عَنِّي، وَلاَ تَدَعْ هَيْبَتَكَ تُرْعِبُنِي. ( أي 13 : 21 ) ودعا الله ان لا يصمت بل يتكلم ويجيب اسئلته "  ثُمَّ ادْعُ فَأَنَا أُجِيبُ، أَوْ أَتَكَلَّمُ فَتُجَاوِبُنِي. ( أي 13 : 22 ) إن الظروف تشير بأن الله يعاقبه، وكلمات اصدقائه كذلك، وهذا دفعه ليسأل الله " كَمْ لِي مِنَ الآثَامِ وَالْخَطَايَا؟ أَعْلِمْنِي ذَنْبِي وَخَطِيَّتِي. ( أي 13 : 23 ) شعر بان الله يستذنبه ويعاقبه، إنها صورة ليست حقيقية ولكنها وصلت بسبب كلمات وأفكار أصدقائه، فطلب.جه الله أن لا يحجب وجهه عنه لأنه بريئ " لِمَاذَا تَحْجُبُ وَجْهَكَ، وَتَحْسِبُنِي عَدُوًّا لَكَ؟ (أي ١٣ : ٢٤) إنه سؤال وطلب بحسب إحتياج نفسه، فهل سيجيبه الله؟ بكل تاكيد سيجيبه الله، ولكن فكرة أن الله عدو لأيوب فهذا أمر يحتاج لتعديل، لأنه لا يجب إنساب كل الأحداث أنها من الله، فيوجد جزء كبير من إبليس وجزء مشترك فيه المحيطين وجزء أخر مشترك فيه الإنسان ذاته، حتي وإن لم يفعل الإنسان شيئا، فعلي الأقل فتح باب لإبليس كباب الخوف والرعب الذي كان لأيوب قبل أحداث حياته " لأنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ. ( أي 3 : 25 ) لابد من المعرفة ليستريح القلب وتهدأ النفس. 

----------------------------------------------------------------

4

المكتوب وموقف كلمة الله منه


يقف أيوب أمام مشاكله وضيقته وتجربته وألامه وهو في كامل التعب متسرعا فيصرح بأنه مثل الورقه في مهب الريح ومثل القش اليابس بلاقوه " أَتُرْعِبُ وَرَقَةً مُنْدَفَعَةً، وَتُطَارِدُ قَشًّا يَابِسًا؟ ( أي 13 : 25 ) فهو يري نفسه كالورقه وكالقش أمام من؟ أمام الله، تمام ـ هذا طبيعي، فمن هو الإنسان؟ إنه تراب، بالمقارنة بينه وبين الله يصير الإنسان ليس شيئا، الي هنا الإمور طبيعية مقارنة في محلها، لكن أن تاخذ منحني العتاب واللوم علي الله وكانه يقول له لا تستخدم قوتك هذه علي لأن فارق القوة والقدرة كبير فانت الله وانا الإنسان فلا ترعبني، هذا يحتاج الي مراجعة لفهم وفكر أيوب وأصدقاءه.

حقيقةً الأمر في نظر أيوب فارق قوة كبير، ولكن الله لم يتحرك تجاه أيوب بأي نوع من أنواع العقاب أو الشدة، حقيقةً الله لم يجرب أيوب، الله لم يُرعب أيوب، ولكن لسبب أن ما حدث ليس عند أيوب إيجابة فبالطبيعي يلجأ لله متسائلا أو معاتبا، هذا حق لأيوب، حتي وإن السؤال أخذ شكلا من أشكال اللوم والعتاب الشديد، هذا بمقياس شدة الوجع والألم.

لكن الأمر عند أيوب ياخذ فكرا آخر، أنه يري أن الله قد كتب عليه المر والتعب والألم " لأنَّكَ كَتَبْتَ عَلَيَّ أُمُورًا مُرَّةً، وَوَرَّثْتَنِي آثَامَ صِبَايَ( أي 13 : 26 ) جعل رجله في المقطرة وثبت خطايا صباه، والسؤال هل حقا الله يكتب الألم والتعب علي الإنسان أم أن للتعب والألم طريق أخر بعيد عن الله؟ في الحقيقة يجب أن ندرك ان للتعب والألم خطان ـ الأول: بعيد عن الله ونجلبه نحن لانفسنا من خلال أنفسنا أو من خلال علاقاتنا مع الآخرين وتدخل عدو الخير إبليس لإستغلال الموقف والواقع المعاش، والثاني: هو اخطائنا التي إستلزمت القضاء الإلهي، أما فكرة المكتوب وحتمية تنفيذه فهذا ليس واقع كتابي وطريق لا يسلكه الله إطلاقاً، فمن يعتقد أن المكتوب علي الجبين لابد أن تراه العين، أقول بالفم الملأن لا يوجد أي مكتوب علي الجبين، ولا يوجد مكتوب لازم تشوفه العين، الذي يحدث فقط أن بعدم إحترام كلمة الله وقوانينها ومبادئها المكتوبة في كلمة الله يصدر حكما بحسب المكتوب( المبادئ) " لِيُجْرُوا بِهِمُِ الْحُكْمَ الْمَكْتُوبَ. كَرَامَةٌ هذَا لِجَمِيعِ أَتْقِيَائِهِ. هَلِّلُويَا. (مز ١٤٩ : ٩) فالحكم المكتوب حكم به الإنسان علي نفسه لسيره بعيدا عن الحق، فيسري عليه كل ما هو سلبي وبعدم حماية. لذلك شعر أيوب أن رجليه في المقطرة " فَجَعَلْتَ رِجْلَيَّ فِي الْمِقْطَرَةِ، وَلاحَظْتَ جَمِيعَ مَسَالِكِي، وَعَلَى أُصُولِ رِجْلَيَّ نَبَشْتَ. ( أي 13 : 27 ) من كبلك أيوب؟ لا أحد، ومن أدخلك في شدة وضيق؟ إنه إبليس مستغلا الخوف الذي فيه ( أي 3 : 25 ) ولكن الرب اله قدير يستطيع أن ينجي وهو ينجي وسينجي.

أحبائي توجد أساسيات تحتاج للمعرفة والفهم ولا يجب الحيدان عنها .

 1 - الله مصدر كل شيئ .. كل شيئ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. ( يو 1 : 3 ) ( 1كو 8 : 6 ) ( كو 1 : 16 ) ( عب 1 : 2 ) حتي الألم والتعب، ولكن للالم والتعب طريق يجب أن نعلمه، أن من مد يده لياخذ الألم والتعب هو أنا أو أخرين سمحنا بوجودهم حولنا أو في حياتنا، فأتعبونا، أو أرواح نجسة دخلوا لحياتنا بسبب ثغرات روحية، لذلك علينا أن نكون في حياة الإستيقاظ الروحي تلداىم والواضح والجلي، ولا نعطي لإبليس مكانا،فالله مصدره ولكن ليس مانحه.

 2 - الله مصدر الخير بإرادته الإلهية - ومشيئته الإلهية ، ولا يجرب أحد بالشرور " لا يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: "إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ الله"، لأنَّ الله غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لا يُجَرِّبُ أَحَدًا. ( يع 1 : 13 ) هذه الحقيقة يجب أن نسير عليها طول أيام حياتنا، فالله كما انه مصدر كل شيى لكنه لا يجرب ولا يؤلم ولا يقلب في الماضي ليؤذي، فهو مانح الخير صافح عن الذنب لمن إعترف به، ومبرئ الأثيم إذا تاب.

3 - الله مصدر الشر بحكمته الإلهية - و قضاءه الإلهي " مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ، صَانِعُ السَّلامِ وَخَالِقُ الشَّرِّ. أَنَا الرَّبُّ صَانِعُ كُلِّ هذِهِ. ( أش 45 : 7 ، 18 ) ( تك 2 : 3 ) ( أش 40 : 28 ) ( أش 42 : 5 ) نعم فكما أن الله مصدر الخير فهو مصدر الشر، اي أن الشر داخل دائرته وكما قلنا ليس مانحه، فهو كالمهندس، يضع الأمان للعمال والموظفين لديه من خلال قوانين وأنظمة ولكن من يكسر قانون يحتمل جزاء العقاب او الحرمان، من خلال مكتب شئون العمال، فالمهندس لم يقدم الجزاء بنفسه بل توجد هيئة منظمة لفعل هذا، داخل الهيكل الاداري، هكذا فالله لا يقدم الشر، فالشر فاعله إبليس، ولكنه ايضا لا يخرج خارج النظام الالهي من خلال القوانين.

الإنسان عندما يخطئ يدخل تحت الحكمة الإلهية فيُفعل القضاء الإلهي علي حياته ، إذا حكم عليه بالإدانة يدخل تحت التأديب ، يُفتح لإبليس باب كبير للتحرك، فيُفعِل الأمراض والأوبئة ، فيدخل الإنسان ويكون تحت التجربة والألم بفعل شيطاني " وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِهِ. ( يع 1 : 14 )


4 ـ بالصلاة والتوبة والرجوع يدخل الإنسان تحت المشيئة الإلهية والإرادة الإلهية ، فيُفعل في حياته الخير والشفاء وكل ما هو صالح ، بما فيهم خدمة الملائكة أيضا للحماية " فَإِذَا تَوَاضَعَ شَعْبِي الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ وَصَلَّوْا وَطَلَبُوا وَجْهِي، وَرَجَعُوا عَنْ طُرُقِهِمِ الرَّدِيةِ فَإِنَّنِي أَسْمَعُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَغْفِرُ خَطِيَّتَهُمْ وَأُبْرِئُ أَرْضَهُمْ. ( 2أخ 7 : 14 ) لذلك فالتعلم ان الله رحيم، طويل الروح، وكثير الرحمة وغافر عن الذنب، إنه يُبرئ إبراءً، اهم شيئ هو التوبة والرجوع اليه ليقدم الغفران والرحمة.

----------------------------------------------------------------

5

مولود المرأة هل يزكوا


يتكلم أيوب عن الإنسان في أربعة حقاىق أساسية في الحياة رآهم في حياته ويدركها كل متأمل، أن مولود المراة: قليل الايام ـ شبعان تعب ـ ينتهي سريعا ـ ايامه محدوده ومعدودة، ولذلك يطالب الله ببعض الإمور بحسب ظنه أن الله أساس تجربته وتعبه فيقول: لا تحاكمه ـ لا تضعه في عقلك، وهذا معناه أن أيوب له فهم يحتاج لتعديل، هذا الفهم منتشر الي يومنا هذا، ان الله هو المُجرب الأساسي لأيوب، وهذا هو الفهم المنتشر وسط أصدقائه وفي كل الجيل، حتي أنه منتشر في جيلنا تحت بند القًدر والنصيب والحظ، وفي الحقيقة الله بريئ من هذا الأمر لأنه غير مجرب أحد بالشرور وهو لا يجرب أحد، ولسنا من أصحاب عقيدة القدرية،  اماالنصيب والحظ فلهما فكر مختلف عن ما هو متداول بين البشر، 

إن الكلمات التي تفوه بها أيوب عن مولود المراة في سفره يضع أيوب لمولود المرأة كلمات في ثلاثة مواضع، ففي ( أي 1 : 14 ) شبعان تعب وقليل الأيام،  وفي ( أي 15 : 14 ) لا تزكية للإنسان أمام الله لأن ليس له قيمة " مَنْ هُوَ الإنسَانُ حَتَّى يَزْكُو، أَوْ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَتَبَرَّرَ؟ " وفي  ( أي 25 : 4 ) لا يوجد من يبرره " فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإنْسَانُ عِنْدَ الله؟ وَكَيْفَ يَزْكُو مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ؟، إنها أسئله بالنسبة لايوب تحتاج الي ردود، فهو يري الله العالي فوق الجميع، والإنسان ضعيف ولا يقارن بالله علي الإطلاق.

ـ فمولود المرأة: 

1 ـ قليل الأيام: حقيقة مهمة يجب ادراكها أن الإنسان مهما طالت أيامه أيضا تصنف تحت بند قليل الأيام " اَلإنْسَانُ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ، قَلِيلُ الأيَّامِ وَشَبْعَانُ تَعَبًا. ( أي 14 : 1 ) إذا نظرنا الي كل رجال الله في الكتاب المقدس فسنجد مهما طالت الاعمار فهم اصحاب ايام ويُكتب بعدها بالبنط العريت " ومات " فمثلا ادم كانت ايامه بمىات السنين ولكن في النهاية مات " فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ آدَمَ الَّتِي عَاشَهَا تِسْعَ مِئَةٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً، وَمَاتَ. ( تك 5 : 5 ) هل هي قليلة.. نعم قليلة، بمقارنتها بالحياة المستمره.. قليلة، عندما نورد أعمار من عاشوا فوق التسع مئة سنة تجدهم، أدم شيث ( تك 5 : 8 ) أنوش ( تك 5 : 11 ) قينان ( تك 5 : 14 ) يارد ( تك 5 : 20 ) متوشالح اكبر الاعمار سنا. ( تك 5 : 27 )  فبرغم اعمارهم الطويلة جدا تعتبر لها نهاية وماتوا جميعهم كذلك ابونا إبراهيم الذي عاش 175  سنة ومات ( تك 25 : 7 ) وغيرهم فمهما طالت هي قليلة.

2 ـ شبعان تعب: الأعمار مهما طالت هي قليلة بالمقارنة بالحياة المستمرة والممتلىة تعب، لماذا التعب؟ لأن الطبيعة البشرية تخزن داخلها كل ما هو سلبي وتتذكره، أما كل ما هو إيجابي يمر مر الكرام علي الشخص لأنه يعتبر الطبيعي المفترض، ولذلك عندما يعيشه الإنسان لا يتم التركيز عليه، نعم المواقف الجميلة تترك بصمات إيجابية، ولكن السلبية منها تترك بصمات لا تمحي، يقول أيوب " اَلإنْسَانُ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ، قَلِيلُ الأيَّامِ وَشَبْعَانُ تَعَبًا. ( أي 14 : 1 ) هل يوجد في حياة ايوب مواقف رائعة ومواقع جمال؟ بكل تأكيد نعم يوجد، لكن لماذا لم يذكرها؟ هذا لأنه وقت كلامه كان يعيش واقع الامه، ولذلك عندما أراد تلخيصها قال قولته المشهورة " قَلِيلُ الأيَّامِ وَشَبْعَانُ تَعَبًا " هي نفس تلخيص يعقوب لحياته بقوله عندما سأله فرعون، كَمْ هِيَ أَيَّامُ سِنِي حَيَاتِكَ؟ " فَقَالَ يَعْقُوبُ لِفِرْعَوْنَ: "أَيَّامُ سِنِي غُرْبَتِي مِئَةٌ وَثَلاثُونَ سَنَةً. قَلِيلَةً وَ رَدِيَّةً كَانَتْ أَيَّامُ سِنِي حَيَاتِي، وَلَمْ تَبْلُغْ إِلَى أَيَّامِ سِنِي حَيَاةِ آبَائِي فِي أَيَّامِ غُرْبَتِهِمْ". ( تك 47 : 9 ) فسماها غربة وهذا ما كان يريح نفسه أنه ضيف علي الأرض وسيأتي يوما ليرحل، وبرغم هذا فهي أيام ممتلئة تعب.

تعبير شبعان تعب من التعبيرات التي تعبر عن النفسية الممتلىة لدرحة الإحساس المرهق والمتعب، فنفسية ايوب كانت متألمة للغاية، فكل رجال الله في الكتاب المقدس صرحوا بأنهم غرباء، فداود في صلاته قال لله"  نَحْنُ غُرَبَاءُ أَمَامَكَ، وَنُزَلاءُ مِثْلُ كُلِّ آبَائِنَا. " ( 1أخ 29 : 15 ) فعندما يتعامل المؤمن بهذا المنطق سيكون سهل عليه العطاء وعدم الحزن علي ما يفقد في حياته من ممتلكات وأموال و.... الخ. بلدد صديق أيوب كان يعلم أن ايان الإنسان قليلة مهما طالت " لأنَّنَا نَحْنُ مِنْ أَمْسٍ وَلا نَعْلَمُ، لأنَّ أَيَّامَنَا عَلَى الأرْضِ ظِلّ. ( أي 8 : 9 ) ولذلك كان يذكر ايوب بان ما انت عليه ناتح من حياتك المستترة واخطاىك التي لا يعلم عنها احد " هَلْ يَنْمُي الْبَرْدِيُّ فِي غَيْرِ الْغَمِقَةِ، أَوْ تَنْبُتُ الْحَلْفَاءُ بِلا مَاءٍ؟ ( أي 8 : 11 ) وكأنه يقول لأيوب " لا توحد نار من غير شرارة " كل هذه التعليقات وكلمات أصدقائه من ضمن أتعابه التي إجتاز فيها أيوب ليصرح أنه شبعان تعب.

3 ـ ينحسم سريعا: مولود المراة أيامه قليلة ومن جهة التعب شبعان للنهاية، ولكن أيوب بضيف كلمة وكأنه في حلبة القضاء فيقول أنه ينحسم سريعا أي أن قضاياه وأوامره يتم انهائها بسرعه حتي كيان وجوده فهو كالظل يظهر ثم ينتهي مع غياب النور " يَخْرُجُ كَالزَّهْرِ ثُمَّ يَنْحَسِمُ وَيَبْرَحُ كَالظِّلِّ وَلا يَقِفُ. ( أي 14 : 2 ) هذا هو الإنسان ينتهي سريعا، وهذا يجعل من له حكمة التعامل مع الحياة كغريب وكضيف، أهم شيئ أن يعيش مستريح فقد كان أيوب يعيش مستريحا قبل التجربة،  ولكن التجربة اقتحمت حياته فحطمته " كُنْتُ مُسْتَرِيحًا فَزَعْزَعَنِي، وَأَمْسَكَ بِقَفَايَ فَحَطَّمَنِي، وَنَصَبَنِي لَهُ غَرَضًا. ( أي 16 : 12 ) إن من فوائد التجربة علي أيوب أن يتعلم عن الله ما لم يتعلمه قبل التجربة، فليس معنى هذا ان الله سمح او أتي بالتجربة. كلا وحاشا. ولكن عندما وُجدت التجربة كانت الفرصة لله ليعلم أيوب، أي أن الله حول من التجربة فرصة كالإمتحان فينتقل أيوب من مستوي لمستوي مختلف، وكأن الله يستعمل قانون " وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ الله، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ.( رو 8 : 28 ) فالله لم يأتي بالتجربة ولا بالتعب، ولكنه أتي بالفرصة في وسط الألم والتجربة والتعب والتحطيم.

الشعور بالغربة في الحياة فرصة رائعة للخروج من كل الأزمات لتمر بنا بلا تعب نفسي " لأنَّنَا نَحْنُ غُرَبَاءُ أَمَامَكَ، وَنُزَلاءُ مِثْلُ كُلِّ آبَائِنَا. أَيَّامُنَا كَالظِّلِّ عَلَى الأرْضِ وَلَيْسَ رَجَاءٌ. ( 1 أخ 29 : 15 ) وكلمة رجاء هنا عائدة علي الإمور الأرضية وليس المقصود بها ما هو أبدي، فأين الأجداد والأباء، إنهم كالظل إنحسموا سريعا، حقيقة أين أبي؟ أبي الذي تعلمت منه الكثير وخدم سيده وترك بصمة رائعة في كثيرين، إنه كالظل انتهي سريعا، أين والدتي التي خدمت الرب بكل قلبها وبكل ما أوتت من قوة  أيضا إنها كالظل، ف أبائي عاشوا غرباء ونحن يجب أن نعيش كذلك غرباء علي الأرض، أنظر للملوك أين هم؟ للرؤساء كيف اصبحوا؟ وراهم التراب ـ إنتهوا، والأصعب من هذا أن من هو ليس بمؤمن له عذاب أبدي، يعيش هنا علي الأرض سنين عددها ولكنه سيكون في مصيره الأبدي الي ما لا نهاية، فأنت غريب سواء كنت مؤمنا او غير مؤمنا، أنت ضيف فلا تتمسك بالعالم وما فيه لأن كله كالسراب والعدم.

4 ـ أيامه محدودة ومعدودة بالشهور: فالإنسان أامه معدودة ـ تمام ـ أما كلمة محدودة وبالشهور فهذا ليس معناه أن الله قد حدد عمره، ولكن لأن الإنسان كالظل فأيامه علي الأرض قليلة وتعد بالشهور،  اما في فكر أياب أن الله حدد عمر لكل إنسان " إِنْ كَانَتْ أَيَّامُهُ مَحْدُودَةً، وَعَدَدُ أَشْهُرِهِ عِنْدَكَ، وَقَدْ عَيَّنْتَ أَجَلَهُ فَلا يَتَجَاوَزُهُ، ( أي 14 : 5 ) هذا الفكر بكل تأكيد يحتاج لنظرة ثاقبة ولتعديل، لأن الله خلق الإنسان ليعيش أما أن الله حدد أجله بميعاد فهذا فكر لا أقبله. 

الله يعلم اين سأعيش ومتي وكيف سأموت ، ولأن الإنسان مولود تحت الخطية فعوامل الموت تعمل فيه منذ وهو جنين في بطن أمه، ويأتي اليوم الذي يحصد فيه هذا، ولذلك فالله ليس كالمخترع الذي يخترع جهاز ويعطي له فرضية عمر، بل الله خلق الإنسان ليحيا ومسئولية حياته وموته مسلمة لطريقة العيش والبيئة المحيطة به والقضاء الإلهي الذي يصدر احكاما منها الموت.

مكتوب عن الله يميت ويحي، فهو يميت ويحي بقوانين وأليات ومبادئ، فالله ليس بفارض حكم دون أسانيد، قد لا تظهر الأسانيد للجميع ولكنها معلنة لمن يخصه الأمر " الرَّبُّ يُمِيتُ وَيُحْيِي. يُهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَيُصْعِدُ.( 1 صم 2 : 6 ) تمام فالحكم في يده، فهو الله ولكنه يميت ويحي بحسب مبادئه الذي يحترمها " إِذَا أَخْطَأَ إِنْسَانٌ إِلَى إِنْسَانٍ يَدِينُهُ الله. فَإِنْ أَخْطَأَ إِنْسَانٌ إِلَى الرَّبِّ فَمَنْ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِهِ؟" وَلَمْ يَسْمَعُوا لِصَوْتِ أَبِيهِمْ لأنَّ الرَّبَّ شَاءَ أَنْ يُمِيتَهُمْ. ( 1صم 2 : 25 ) فكلمة شاء أن يميتهم مرتبطة بالقضاء الإلهي، بناء علي عدم طاعتهم وعدم الإيمان وبسبب التمادي في الشرور والخطايا " الشَّرُّ يُمِيتُ الشِّرِّيرَ، وَمُبْغِضُو الصِّدِّيقِ يُعَاقَبُونَ. ( مز 34 : 21 ) فالله عندما يقضي فهو يقضي بالعدل " بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأرضْضِ، وَيَضْرِبُ الأرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ. ( أش 11 : 4 ) ولذلك فالعبارة التي قالها أيوب أن الله اعطي وحدد عمر الإنسان فهو بحسب قوانين.

ليس فقط الشر يميت، ولكن أوقات يضم الرب الصديق من وجه الشر " بَادَ الصِّدِّيقُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ ذلِكَ فِي قَلْبِهِ. وَرِجَالُ الإحْسَانِ يُضَمُّونَ، وَلَيْسَ مَنْ يَفْطَنُ بِأَنَّهُ مِنْ وَجْهِ الشَّرِّ يُضَمُّ الصِّدِّيقُ. ( أش 57 : 1 ) ففي هذا نري أن الله يُخرج الصديق من العالم الممتليئ شرور كي لا يري حكم الله علي من احبهم فيوجعه قلبه، وأوقات كثيرة ينجي الصديق كلوط ويخسر ممتلكاته في سبيل نجاته من موت محقق علي بلدة إختارها للسكني والعيش فيها. 

يوما قال الرب للملك يوشيا أنه سيضم لأباءه كي لا يري القضاء الذي فاعله في شعبه لسبب خطاياهم التي بلا توبة " لِذلِكَ هأَنَذَا أَضُمُّكَ إِلَى آبَائِكَ، فَتُضَمُّ إِلَى قَبْرِكَ بِسَلامٍ، وَلا تَرَى عَيْنَاكَ كُلَّ الشَّرِّ الَّذِي أَنَا جَالِبُهُ عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ". فَرَدُّوا عَلَى الْمَلِكِ جَوَابًا. ( 2مل 22 : 20 ) بمعني أن موت يوشيا ليس بحكم قضائي بل برحمة الهية، فهو سيذهب لمكان أفضل ولا يعيش ماساة شعب أحبه يوشيا وأراد الهير لهم، ولكنهم شعب غليظ الرقبة، إنه إمتياز كبير أن يتعامل الرب برحمته مع من سار بأمانة مع الهه او سار في مشيئة الله وارضي الرب.

يطلب ايوب من الله أمورا يحتاج تفعيلها وهي: 

1 ـ عدم المحاكمة: من الطبيعي أن يري أيوب ويترحم أحداثه وواقعه بحسب الأمه وأتعابه، فهو من الداخل غضبان ـ ثائر ـ غير راضي " فَعَلَى مِثْلِ هذَا حَدَّقْتَ عَيْنَيْكَ، وَإِيَّايَ أَحْضَرْتَ إِلَى الْمُحَاكَمَةِ مَعَكَ. ( أي 14 : 3 )  شعر بأن الله أحضره للمحاكمة وأنزل علي حياته عقاب، فجميع كلماته ممتلئة حيرة قلب وعدم فهم وياخلص في سؤال واحد، لماذا كل هذا، وماذا فعلت؟ فهو يري نفسه بريئ ولم يفعل شيئا، ونسي أنه تبني الخوف والرعب بحسب( أي 3: 25 ) لخوف منح فرصة لإبليس للدخول.

أعلم انه قد يعترض القارئ بالقول،  لكل إنسان مقدار من المخاوف؟ إذا لكل إنسان فرصة لتدخلات إبليس في حياته؟  اجيب وأقول إنه سؤال وجيه جدا، نعم كبشر يوجد مخاوف ولكن.. يجب التفريق بين مخاوف متبناة ومخاوف مرفوضة من الأساس، فمثلا التأمين الطبيعي للمنزل من مخاوف اللصوص قانوني وطبيعي جدا، أما وسواس الخوف المقلق للنوم والمتبني لدرجة الكوابيس والأحلام المزعجة فهذا خوف يحتاج لرفضه ونزعه لأنه يضع الانسان في دائرة عدم الثقة في الله، وهكذا، فالخوف المتبني باب لإبليس، هكذا كان أيوب " لأني ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيّ. ( أي 3 : 25 ) إنه أمر واضح أن ايوب تبني الخوف فأتاه، فقد كان يخاف من بطش ربنا بأولاده لسبب اي خطية تجلب غضب الله عليهم، فقد كان يقدم ذبائح عنهم "  وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: "رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ". هكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّامِ( أي 1 : 5 ) فبرغم أن الذبيحة هنا عمل روحي ولكنه نابع من الخوف ولذلك كان مؤشر لقرأة إبليس للخوف الذي في قلب أيوب.


هذا ما كان يحير أيوب فعندما قال"  وَإِيَّايَ أَحْضَرْتَ إِلَى الْمُحَاكَمَةِ مَعَكَ " وكأنه يقول لله، لا تحاكمني الم أقدم ذبائح عن أولادي! لماذا ماتوا بهذه الطريقة وجميعهم معا؟ إنه سؤال وجيه، ولذلك لم يتركه الرب وفي نهاية السفر سنري مقدار إهتمام الله بأيوب وبمقدار التعويض الإلهي الذي منحه إياه الله. فقد عالج الرب الخوف في ايوب عندما وضع أمامه مثل الفرس الذي لا يخاف وقت المعركة،  لا يخاف من صوت الخرب ولا من صوت السيوف فققال له " "هَلْ أَنْتَ تُعْطِي الْفَرَسَ قُوَّتَهُ وَتَكْسُو عُنُقَهُ عُرْفًا؟يَضْحَكُ عَلَى الْخَوْفِ وَلا يَرْتَاعُ، وَلا يَرْجعُ عَنِ السَّيْفِ. ( أي 39 : 19 ، 22 ) فالخوف عند أيوب كان مفتاح تدخل ابليس، لذلك يقول الرسول بولس ان الخوف له عذاب" لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ. ( 1يو 4 : 18 ) فالمؤمن الممتليئ محبة لله يمتليئ ثقة ولا يكون للخوف محال في حياته، اناشدك قارئي العزيز ان تمتليئ ثقة في الهك ولا تخف.

2  ـ لا تضعه في عقلك ( ماتحطهوش في دماغك) :  هل الأمر هكذا عند الله؟ هل الله يضع إنسان في عقله ليؤذيه؟ حاشا لله أن يكون هكذا، فالله محب وخلق الإنسان ليجعله سعيدا، فالشر الذي يحدث يصير خارج دائرة العمل الإلهي، لذلك عبارة أيوب في قوله " فَأَقْصِرْ عَنْهُ لِيَسْتَرِيحْ، إِلَى أَنْ يُسَرَّ كَالأجِيرِ بِانْتِهَاءِ يَوْمِهِ. ( أي 14 : 6 ) ليست في محلها عن الله ، فأيوب في فهمه يدخل في دائرة الإدانة لله حتي ولو بدون قصد، فهو يعبر عن مقدار ومستوي التعب والألم، يطلب أيوب من الله أن يخرجه من عقله كي يستريح من الألم.

هذه العبارة التي إستخدمها أيوب تشبه كلماته التي أوردها في الاصحاح السابع بقوله " حَتَّى مَتَى لا تَلْتَفِتُ عَنِّي وَلا تُرْخِينِي رَيْثَمَا أَبْلَعُ رِيقِي؟ ( أي 7 : 19 ) فهو يطلب من الله أن يترأف عليه حتي يستطيع بلع ريقه، هذا تعبير عن مقدار وثقل التجربة والألم، وايضا تحمل معني ان الله هو صاحب التجربة والألم، تقريبا هذا هو المفهوم الدارك وسط الاجيال، وحتي يومنا هذا، ولذلك يجب تصحيح هذا المفهوم،قالله لا يجرب احد بالشرور، بل بالعكس ينظر لمن هو مُجرب ومُتألم ليرفع الأمه وأتعابه.

يري أيوب أن الله رقيب للناس ويري انه لم يُخطيئ لذلك يستنكر تجربته إذا كانت نتيجة خطأ فيه " أَأَخْطَأْتُ؟ مَاذَا أَفْعَلُ لَكَ يَا رَقِيبَ النَّاسِ؟ ... ( أي 7 : 20 ) يري نفسه أنه لم يخطيئ وأنه لا يستحق التجربة والعقاب " أَأَخْطَأْتُ " في التقرير الإلهي عن أيوب يقول الرب عنه أنه لم يخطيئ برغم كل ما حدث له " فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ وَلَمْ يَنْسِبْ للهِ جِهَالَةً. ( أي 1 : 22 ) فمن الجميل والرائع أن تكون حياة الانسان مزكاه من الله أو مزكاه أمام الله، فقد تزكي أيوب، فهل مولود المرأة يزكوا أمام الله؟ نعم يزكوا أمام الله، بالسلوك المرضي وحياة الرضا، فقد تزكي أيوب أمام الله لأنه سار في كمال قلبه الي النهاية.

----------------------------------------------------------------

6

فقدان الأمل باب لليأس


يتكلم أيوب في سفره عن أن لكل شيئ أمل للعودة من جديد أما الإنسان عندما يُبلي ينتهي ولا يعود " لأنَّ لِلشَّجَرَةِ رَجَاءً. إِنْ قُطِعَتْ تُخْلِفْ أَيْضًا وَلا تُعْدَمُ خَرَاعِيبُهَا.وَلَوْ قَدُمَ فِي الأرضِ أَصْلُهَا، وَمَاتَ فِي التُّرَابِ جِذْعُهَا،فَمِنْ رَائِحَةِ الْمَاءِ تُفْرِخُ وَتُنْبِتُ فُرُوعًا كَالْغِرْسِ.أَمَّا الرَّجُلُ فَيَمُوتُ وَيَبْلَى. الإنسَانُ يُسْلِمُ الرُّوحَ، فَأَيْنَ هُوَ؟ ( أي 14 : 7 ـ 10 ) إنها صورة لفقدان الأمل وضعف الإنسان وقلة حيلته، فيري أيوب أن الشجرة أفضل في رجائها عن الإنسان 

كلمة " رجاء " في اللغة الانجليزية في سفر أيوب جاءت " hope " وتعني أمل، في الأصل العبري " תּקוה " وتنطق " tiqvah ـ تيجفا "تعني " أمل " أي أن إمكانية العودة للحياة مرة أخري تمنح هدوء نفسي وراحة لوجود فرصة ثانية، أو معرفة وجود توقع مفترض، فالشجرة عندما تنشف فروعها ومازالت جذورها في الأرض، فللشجرة فرصة جديدة للثمر والإزدهار، أما أيوب فلا يري في حياته من مات وعاد مرة أخري فالشعور بعدم الأمل لغة يأس، واليأس مستوي من العذاب الذي يحتاج فاقد الأمل أن يخرج من يأسه بشعاع نور يمنحه رجاء.

نفس كلمة الرجاء في العهد الجديد اللغة اليونانية جاءت ἐλπίς وتنطق elpis ـ إلبيس، وتعني أمل وترجمت رجاء كما في مت 12: 21، يو 5: 25، أع 2: 26، 23: 6، 24: 15، وغيرهما من الأيات 

ولكن توجد كلمة أخري لكلمة رجاء trust وفي اليوناني ἐλπίζω وتنطق elpizo ـ البيذو وتعني أمل ـ ثقة، كما في رو 5: 2، ومت 27: 43 وتوجد كلمة أخري تعني إتكال πείθω وتنطق peitho ـ بيثو كما في مر 10: 24، ولذلك علينا التفرقة بين كلمة رجاء التي تعني أمل وكلمة رحاء الي تعني ثقة وإتكال، أيوب كان يطلب الأمل في شفاءه والرجوع للحياة الطبيعية من جديد، فصلي لله يقول له أن للزرعة رجاء ـ امل، أما مولود المراة فمسكين وضعيف ويحتاج لمن ينزع اليأس من حياته.

----------------------------------------------------------------

7

السموات وإنتهاء الإنسان

 

تطرق أيوب في كلامه مع الله الي عبارات تحتاج الي فهم إدراكي واسع بحسب فكر كلمة الله بصفة عامة، لأن مفهومها عند أيوب قد يكون الفهم المحدود الخاص بان كل شيئ سينتهي حتي السماوات ولن يعودا كذلك الإنسان " وَالإنْسَانُ يَضْطَجِعُ وَلا يَقُومُ. لا يَسْتَيْقِظُونَ حَتَّى لا تَبْقَى السَّمَاوَاتُ، وَلا يَنْتَبِهُونَ مِنْ نَوْمِهِمْ. ( أي 14 : 12 ) والأهم هو إدراك أن كل شيئ سينتهي حتي السموات ستزول أمر يجعلنا ننحني سجودا لكلمة الله لأن أيوب في زمن بعيد عن دائرة العلم، ولكنه قريب لدائرة الفهم الروحي والخضوع للوحي الإلهي، فزوال السموات قضية أعلنها الكتاب المقدس في أكثر من موضع، فقد تكلم عنها الرسول بطرس عندما قال " مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَالْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ. ( 2بط 3 : 12 ) هذه حقيقة معلنة في كلمة الله سيأتي الوقت الذي يحدث فيه هذا، وفي وقتها يتم خلق سماء جديدة وأرض جديدة كما أعلن النبي أشعياء " لأنِّي هأَنَذَا خَالِقٌ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، فَلا تُذْكَرُ الأولَى وَلا تَخْطُرُ عَلَى بَال. (إش 65 : 17 ) (إش 66 : 22 ) الْبِرُّ. (2يط 3 : 13 ) حقيقة أن السموات ستزول أمر حتمي معلن في كلمة االه.

يري أيوب أن الأموات ما هم إلا نيام إلي أن تزول السموات والمقصود هنا أنه يوجد فرصة أخري للأموات في نهاية الزمان، ولذلك طلب من الله أن يميته الي أن يمر وقت الغضب والتجربة ثم يعيده مرة أخري " لَيْتَكَ تُوارِينِي فِي الْهَاوِيَةِ، وَتُخْفِينِي إِلَى أَنْ يَنْصَرِفَ غَضَبُكَ، وَتُعَيِّنُ لِي أَجَلا فَتَذْكُرَنِي. ( أي 14 : 13 ) فالأمر لدي ايوب كان واضحا، أنه يوجد قيامة اموات، فكونه يقول لله واريني في الهاوية، ويخفيه اي يخبئه ثم يعيده مرة اخري فهذا معناه أنه يؤمن بقيامة الأموات.

كلمة الهاوية هنا ليست جهنم لأن المقصود بها هنا القبر، هذا يحسب أصل اللغة العبرية " שׁאל שׁאול وتنطق she'ol she'ol شاؤول وتعني قبر، وفي اللغة الانجليزية " the underworld " وتعني العالم السفلي، فالقصد من كل هذا طلب معونة الله للعبور من الأزمة التي يمر بها حتي ولو بالموت ـ لأن الله قادر أن يعيده من جديد.

----------------------------------------------------------------

8

مراقبة الخطايا

 

من له حق مراقبة الخطايا؟ هل الله وحده أم البشر أيضا؟ إن الله في تعاملاته مع بني البشر يري الجميع ويراقب الكل ، فيقول أيوب أن الله يراقب خطاياه " أَمَّا الآنَ فَتُحْصِي خَطَوَاتِي، أَلا تُحَافِظُ عَلَى خَطِيَّتِي!مَعْصِيَتِي مَخْتُومٌ عَلَيْهَا فِي صُرَّةٍ، وَتُلَفِّقُ عَلَيَّ فَوْقَ إِثْمِي. ( أي 14 : 16 ـ 17 ) هذا الفكر يحتاج الي توضيح ويحتاج للرفض وعدم القبول، بمعني أن الله لا يجلس طول اليوم وطول الوقت يراقب خطايا البشر ، حاشا ان يكون الهدف مراقبة الخطايا ولكن هدف الله في المراقبة هو للمكافىة والحماية، فهو  يراقب الإنسان ليقبل اليه ، ولكنه يراقب من أجل الحماية والمكافأت، أما الخطايا يتم مسحها للتائب علي حساب دم الذبيحة، وفي العهد الجديد يتم غفران خطايا التائب علي حساب دم المسيح.  

أما بخصوص الخطايا المتبناه من فاعليها فهي محفوظة ليوم الدينونة سواء للخطاة او للمؤمنين، وبالأخص للمؤمنين فيحاسبون في الأبدية أمام كرسي المسيح فيكافئون عن فعل الخير، وتُقّيّم مكانتهم في الميراث بحسب حياتهم التي عاشوها علي الأرض، لأن كلمة الله واضحة بأن الزاني والشتام وفاعلي الشر ليس لهم ميراث في الأبدية " أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لا يَرِثُونَ مَلَكُوتَ الله؟ لا تَضِلُّوا: لا زُنَاةٌ وَلا عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلا فَاسِقُونَ وَلا مَأْبُونُونَ وَلا مُضَاجِعُو ذُكُورٍ، ( 1كو 6 : 9 ) فالميراث الأبدي يبدأ بالحياة الأبدية ومستويات من المجد في منازل أبدية ومكانة، فليس جميع المؤمنين في الأبدية في مكانة واحدة، الأمر يتوقف علي مستوي الغلبة والإنتصار " مَنْ يَغْلِبْ يَرِثْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَكُونُ لَهُ إِلهًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا. ( رؤ 21 : 7 ) هذا حق يجب أن يدرك.

هل كان ايوب يدرك كل هذا، بالكبع لا، لأن ما نعلمه اليوم هو مور الخق الذي أعلن تدريجيا الي أن وصل الينا كاملا بمجيئ المسيح وكتابة الوحي علي يد تلاميذه، ففكرة ان الله يجلس يراقب خطايا وأخطاء البشر امر ليس طبيعيا وليس حقيقيا، ومون ان أيوب يقول " مَعْصِيَتِي مَخْتُومٌ عَلَيْهَا فِي صُرَّةٍ، وَتُلَفِّقُ عَلَيَّ فَوْقَ إِثْمِي " وفي الترجمةالتفسيرية للكتاب المقدس " فَتَخْتِمُ مَعْصِيَتِي فِي صُرَّةٍ، وَتَسْتُرُ ذَنْبِي.  " فالله لا يراقب الذنوب ويحفظها ليعاقب ويدين، بل إن اخطائنا وخطايانا التي نفعلها تحتاج دائما للتوبة والرجوع لغفرانها لأن " وَلا سَارِقُونَ وَلا طَمَّاعُونَ وَلا سِكِّيرُونَ وَلا شَتَّامُونَ وَلا خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ الله. ( 1كو 6 : 10 ) هذه هي الصرة التي تحفظ ليوم الينونة والحساب فليس لأن الله يراقب الخطايا، بل لأن الله يراقب ليكافأ عن الخير أما الشر فهو الذي يضعف رصيدنا الأبدي، فرصيد المؤمن كإبن له حق الميراث الكامل منذ الولادة الروحيه له، ولكن خطاياه وتعدياته تقلل من رصيده الأبدي الذي له في الأبدية، لذلك ستجد مؤمنين في الأبدية في مجد وأخرين في مجد أقل، وستجد مؤمنين علي رؤسهم أكاليل، وأخرين بلا أكاليل، وستحد مؤمنين لهم أجرة عن ما فعلوا وأخرين بأجرة أقل أو بلا أجرة، فسلوكنا هنا يحدد مكانتنا هناك، وأن مراقبة الخطايا ليست الهدف الاساسي في عملية النراقبة، بل المراقبة أساسها الحماية والمكافئة والإهتمام الإلهي بالبشر، وبالطبيعي في قلب المراقبة يري الله الخير الذي تم فعله والشر الذي تم السلوك فيه. 


     يتابع أيوب افكاره واتجاه التعليم الذي تناوله في حياته، فيستمر يعلن ان الله مصدر لهذا الألم ولهذه التجربة، فهو كالجبل الساقط وصخرة تزحزحت من مكانها " إِنَّ الْجَبَلَ السَّاقِطَ يَنْتَثِرُ، وَالصَّخْرَ يُزَحْزَحُ مِنْ مَكَانِهِ. ( أي 14 : 18 ) فالجبل الشامخ يمكن أن يتأثر من كمية المياه وقوة اندفاعها هكذا ايوب يري نفسه قد تأثر والسبب أن الله اراد ذلك " الْحِجَارَةُ تَبْلِيهَا الْمِيَاهُ وَتَجْرُفُ سُيُولُهَا تُرَابَ الأرْضِ، وَكَذلِكَ أَنْتَ تُبِيدُ رَجَاءَ الإنْسَانِ. ( أي 14 : 19 ) هل حقا هذا ما فعله الله في ايوب؟.... كلا.

نعم الله يستطيع أن يفعل هذا لكنه لا يفعل هذا، لانه يوجد فارق بين ما يستطيع فعله الله وما لا يريد فعله، فالله يستطيع أن يجرب، ولكنه لا يجرب أحدا " لا يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: "إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ الله"، لأنَّ الله غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لا يُجَرِّبُ أَحَدًا. ( يع 1 : 13 ) يستطيع ان يزحزح الجبال ولكنه لا يفعل ذلك، إن الله لا يبيد أي أمل يتشبث به أي إنسان فهو"  لا تُبِيدُ رَجَاءَ الإنْسَانِ. " إن فكر أيوب مستمد من جيله وفهمهم عن الله، لأن كان أصدقاء أيوب يغهمون هذا وكان هدف كلامهم عن أيوب يثبتون أن التجربة من الله لسبب أخطاء ايوب، وهذا الفكر ليس بصواب علي الإطلاق.

القهر والتجبر من الله علي الانسان ليس حقيقة، فقول أيوب " تَتَجَبَّرُ عَلَيْهِ أَبَدًا فَيَذْهَبُ. تُغَيِّرُ وَجْهَهُ وَتَطْرُدُهُ. (أي 14 : 20 ) قول ليس صحيحا علي الله إلا إذا كان في نطاق القضاء الإلهي، اي أن من الإنسان إذا بدأ بالتجبر او قهر الأخرين أو ظلمهم او فعل إمور ضد مشيئة الله، فهنا يدخل تحت القضاء الإلهي كما دخل شاول ورفض من الله " لأنَّ التَّمَرُّدَ كَخَطِيَّةِ الْعِرَافَةِ، وَالْعِنَادُ كَالْوَثَنِ وَالتَّرَافِيمِ. لأنَّكَ رَفَضْتَ كَلامَ الرَّبِّ رَفَضَكَ مِنَ الْمُلْكِ". (1صم 15 : 23 ، 26 ) (1صم 16 : 1 ، 7 ) فرفض الرب لشاول ليس تجبر منه أو قهر بل حكم قضائي علي حياته، اما الطبيعة الإلهية فليس فيها تجبر وليس فيها قهر او ذل، بل بالعكس أنه يقبل الجميع ويريد رجوعهم اليه " لِيَكُنِ الرَّبُّ إِلهُنَا مَعَنَا كَمَا كَانَ مَعَ آبَائِنَا فَلا يَتْرُكَنَا وَلا يَرْفُضَنَا. ( 1مل 8 : 57 ) فهو اله محب يقول لإرميا " تَرَاءَى لِي الرَّبُّ مِنْ بَعِيدٍ: "وَمَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَدَمْتُ لَكِ الرَّحْمَةَ. ( ار 31 : 3 ) هذا هو الهنا له كل المجد لا يترك شعبه او أولاده بل يتعامل معهم برفق وطيبة ومحبة الي ان يرجعوا ." كُنْتُ أَجْذِبُهُمْ بِحِبَالِ الْبَشَرِ، بِرُبُطِ الْمَحَبَّةِ، وَكُنْتُ لَهُمْ كَمَنْ يَرْفَعُ النِّيرَ عَنْ أَعْنَاقِهِمْ، وَمَدَدْتُ إِلَيْهِ مُطْعِمًا إِيَّاهُ. ( هو 11 : 4 )  هذه هي طول أناة الرب، ولكن إن لم يرجع الإنسان عن خطاياه وشر قلبه فهو وحده يتحمل لأنه سيدخل تحت القضاء الإلهي وكمؤمن في قسم إسمه التأديب فكن حذرا وسر بأمانة مع الله وتب.

--------------------------------------------------------------

9

اصدقاء متعبون


     هل يصمت الأصدقاء عندما لا يكونوا فاهمين ما هي مشيئة الله؟ ألا يوجد صديق عاقل ليصمت وقت الشدة، ووإذا تكلم فليتكلم فالحسني والكلام الطيب، ولكن للأسف قليلون هم الأصدقاء  الحكماء الفاهمون اللذين يحاكون في وقت الازمات بالصالح، اليفاز التيماني صديق ايوب من الاصدقاء الثلاثة " ... أَصْحَابُ أَيُّوبَ الثَّلاثَةُ ــ أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ الشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ،... " هؤلاء الثلاثة كان هدفهم تعزية ايوب ومواساته " ....  وَتَوَاعَدُوا أَنْ يَأْتُوا لِيَرْثُوا لَهُ وَيُعَزُّوهُ. (أي 2 : 11 ) ففي الإصحاح الرابع عشر تكلم أيوب بكلمات عبر فيها عن ما يدور في عقله وباطنه ليستريح، ولكنهم زادوا عليه حملا لذلك " فَأَجَابَ أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَقَالَ: ( أي 15 : 1 ) ياليته يقول كلاما يعزي ويرثي له، ولكنه للاسف زاد علي نفسيته ثقلا جديدا فقال له " أَلَعَلَّ الْحَكِيمَ يُجِيبُ عَنْ مَعْرِفَةٍ بَاطِلَةٍ، وَيَمْلأ بَطْنَهُ مِنْ رِيحٍ شَرْقِيَّةٍ، (أي 15 : 3 ) المقصود بالحكيم هنا هو ايوب، لانه قال يوما لهم انه حكيم مثلهم ويعلم اكثر ما يعلمون " غَيْرَ أَنَّهُ لِي فَهْمٌ مِثْلَكُمْ. لَسْتُ أَنَا دُونَكُمْ. وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِثْلُ هذِهِ؟ (أي 12 : 3 ) ولذلك يتكلم اليفاز مع ايوب ويصفه بالحكيم ويساله سؤال " أَلَعَلَّ الْحَكِيمَ يُجِيبُ عَنْ مَعْرِفَةٍ بَاطِلَةٍ، وَيَمْلأ بَطْنَهُ مِنْ رِيحٍ شَرْقِيَّةٍ، فَيَحْتَجَّ بِكَلامٍ لا يُفِيدُ، وَبِأَحَادِيثَ لا يَنْتَفِعُ بِهَا؟ (أي 15 : 2 ، 3 ) وكلمة ريح شرقية المقصود بها أن كلام أيوب فارغ بلا قيمة ولا يفيد ولا ينفع، إن اليفاز جعل من أيوب إنسانا مخطيئ وبلا قيمة، ياله من صديق يجب الإنعزال عنه إن لم يرجع ويتوب ويعتذر عن ما قال.

من الصعب ان يكون جارحوك هم اخوتك أو أصدقاىك المقربين اليك، ففي الحياة ووقت الازمات ستظهر معادن الناس، فقد يكون فاعلي الأزمة هم إخوتك كيوسف واخوته، وأوقات تصدر الأزمة من الخارج وينضم اليها احباء قلبك فيصنعون أزمات وجروح أنت في غني عنها كما في أيوب، إقرأ معي ما قاله أليفاز "  أَمَّا أَنْتَ فَتُنَافِي الْمَخَافَةَ، وَتُنَاقِضُ التَّقْوَى لَدَى الله. لأنَّ فَمَكَ يُذِيعُ إِثْمَكَ، وَتَخْتَارُ لِسَانَ الْمُحْتَالِينَ. (أي 15 : 4 ، 5 ) ياإلهي... ياإلهي. علي أشخاص مثل هؤلاء ألا يكفي شدة الألم والوجع الصادر من فقدان الأبناء والصحة والمال والممتلكات، فقد زاد الكيل من أصدقاء أيوب، لأنهم جعلوا من أيوب 

1 ـ رجل بعيد عن مخافة الله 

2 ـ وليس بتقي، 

3 ـ ولسانه لسان اثيم 

4 ـ ومحتال 

كلام موجع للغاية، هذا يذكرنا بعروس النشيد عندما قالت "  لا تَنْظُرْنَ إِلَيَّ لِكَوْنِي سَوْدَاءَ، لأنَّ الشَّمْسَ قَدْ لَوَّحَتْنِي. بَنُو أُمِّي غَضِبُوا عَلَيَّ. جَعَلُونِي نَاطُورَةَ الْكُرُومِ. أَمَّا كَرْمِي فَلَمْ أَنْطُرْهُ. ( نش 1 : 6 ) اي شمس؟!. إنها شمس التجارب، أي تجارب؟!. إنها اصعب تجربة التي تصدر من الأقرباء والاحباء والمعارف " بَنُو أُمِّي غَضِبُوا عَلَيَّ. " استغلوها لحراسة كرومهم وابعدوها عن حراسة كرومها، فقد وقعت في دائرة الإستغلال من احبائها اليس هذا صعب للغاية، إن حل مثل هذه الإمور يحتاج الي وقفة والي اتخاذ موقف لرسم حدود في التواصل والعلاقات، فليس من خق اي من كان او يكون يقيم حالتي ويصدر قراراته او يبدي رأيه دون علم وفهم وبلا إذن واضح ليتكلم علي حياة أخرين لهم استقلاليتهم.

صراع الأفكار وتسابق الأوضاع جعل من أصدقاء أيوب رجال مستنذفين للطاقة، أراد اصدقاء ايوب ان ياخذوا وضع القاضي وارادوا وضع أفكار صارت صراع بينهم وبين أيوب، ارادوا أن يستذنبوا أيوب، فزادوا علي كاهله عبئا، ارادوا تأسيس فكرة أن أيوب مخطيئ ومستذنب ومدان " إِنَّ فَمَكَ يَسْتَذْنِبُكَ، لا أَنَا، وَشَفَتَاكَ تَشْهَدَانِ عَلَيْكَ ( أي 15 : 6 ) إنها مواجهة ولكنها من النوع الثقيل، أن تواجه أشخاص لهم فكر مغلوط عن معاملات الله مع الإنسان، فمن الصعب التعامل معهم وحوارهم، فكل هدفهم يسيرون حكماء ومحللون روحانيون فيحكموا علي واقع أيوب بالإدانة والإستذناب، فيقللون من مستوي ادراكه ويستهزئون به " أَصُوِّرْتَ أَوَّلَ النَّاسِ أَمْ أُبْدِئْتَ قَبْلَ التِّلالِ؟ (أي 15 : 7 ) اي أنهم يريدون تقليل من قدراته الذهنية، فانت ياايوب لست من قديم الأزل لتفهم وتعرف ولست من رجال الله الجالسون في محضره لتفهم إمور الله " هَلْ تَنَصَّتَّ فِي مَجْلِسِ الله، أَوْ قَصَرْتَ الْحِكْمَةَ عَلَى نَفْسِكَ؟ (أي 15 : 8 ) وان ما تعرفه ليس اكثر مما نعرف " مَاذَا تَعْرِفُهُ وَلا نَعْرِفُهُ نَحْنُ؟ وَمَاذَا تَفْهَمُ وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَنَا؟ (أي 15 : 9 ) ياه يااصدقاء ايوب، حقا انتم مستذنبون ومخطئون في حق ايوب 

السؤال الذي أسأله لمثل هؤلاء الأصدقاء، لماذا المقارنات بالغير؟ ولماذا حب إظهار الذات والأنا والتنافس علي المعرفة؟ إن مثل هؤلاء مستنذفون لكل راحة ومعطلين للشفاء النفسي لأنهم يزيدون الجروح جروحا، هم يرون أن إمكانياتهم أفضل ومعرفتهم اعمق " عِنْدَنَا الشَّيْخُ وَالأشْيَبُ، أَكْبَرُ أَيَّامًا مِنْ أَبِيكَ. (أي 15 : 10 ) ولا يدرون أن بكلامهم ينالون غضب الله وعدم رضاه، إن صمت من ليسوا في ذات التجربة خدمة جليلة لمن هم في الام التجربة ومراراتها، فهم يرون ان الفارق كبير بين الإنسان وخالقه وبالتالي يدفعون ايوب الي طريق الإبتعاد عن الله " مَنْ هُوَ الإنْسَانُ حَتَّى يَزْكُو، أَوْ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَتَبَرَّرَ؟ (أي 15 : 14 ) هذا الفارق من ذهن الاصدقاء او مما يتداول في جيلهم، ولكنه ليس بحق، فالله ليس ببعيد عن الإنسان ودائما قريب ومتواجد، ولذلك ليس من الصالح إنساب هذا ووضع فارق أو اسوار بين الإنسان وخالقه، فخالق الإنسان هو الله وهو ليس ببعيد فيغني الصديق ويقول " فَاعْلَمُوا أَنَّ الرَّبَّ قَدْ مَيَّزَ تَقِيَّهُ. الرَّبُّ يَسْمَعُ عِنْدَ مَا أَدْعُوهُ. (مو 4 : 3 ) نعم الرب قريب لمحبيه.

----------------------------------------------------------------

10

موقف الله من قديسوه والسموات


هذا الموضوع من المواضيع الشائكة خصوصا إذا توسعنا في الدراسة حول القديسين ووضع الملائكة بالنسبة للناس والله، ولذلك سأتناول الموضوع من زاويتين: 

الأولي: موقف أصدقاء أيوب من الله تجاه الملائكة والقديسين

والثانية: موقفنا نحن في هذا الزمن من الملائكة والقديسين.

أعلم أن الموضوع يمثل للبعض مبدأ حياة وعشرة ذهنية وعقائدية مع الملائكة والقديسين،  والبعض الآخر يري أن لا وجود بما يسمي خدمة القديسين لبني جنسنا وأن خدمة الملائكة تسير بحسب الأوامر الإلهية وليست بحسب توجيهنا في صلاتنا لهم، وأنه لا يجوز الصلاة للقديسين والملائكة لأن هذا يعتبر شرك بالله، قد يصدم بعض القراء من هذا الكلام، ولكن لابد من إظهار الحقائق وإعلان الحق، ولذلك هيا نبدأ في الأمر الاول وهو:

ـ موقف أصدقاء أيوب من الله تجاه الملائكة والقديسين: 

صرح أصدقاء أيوب أن " هُوَذَا قِدِّيسُوهُ لا يَأْتَمِنُهُمْ، وَالسَّمَاوَاتُ غَيْرُ طَاهِرَةٍ بِعَيْنَيْهِ، (أي 15 : 15 ) هل حقا الله لا يأتمن القديسون؟ بكل تأكيد الله في تكوين شخصيته سوي تجاه نفسه والأخرين وأيضا هو كامل الإدراك وإدراكه مُطلق، وهو يعرف الإنسان ويعلمه كامل العلم والمعرفة، وأنه منذ بداية التاريخ في تعاملاته يعطي أسراره وتكليفاته لأنبياءه وخدامه ويعطي فرصة للجميع ليُستخدموا، ففكرة أن الله لا ياتمن القديسون فكرة ليست بجيدة وليس صحيحة، أما بخصوص القديسون اللذين رحلوا من عالمنا فليس لهم اي خدمة أو وجود في حياتنا التي علي الأرض، فيقول عنهم الكتاب " ..... أكْتُبْ: طُوبَى لِلأمْوَاتِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فِي الرَّبِّ مُنْذُ الآنَ". "نَعَمْ" يَقُولُ الرُّوحُ: "لِكَيْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ أَتْعَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ". (رؤ 14 : 13 ) فالخدمة عمل وتعب واعطي لهم أن يستريحوا، ولذلك لا يقوموا بأي عمل أو خدمة تخصنا نحن في هذا العالم لانهم رحلوا منه وليس من جديد ليقدموه، وبخصوص شفاعتهم فيمكنك طلب دراسة موضوع الشفاعة لاهميته.

أراد اصدقاء أيوب إظهار قداسة الله بالمقارنة بالقديسين والملائكة، فإن كان القديسون غير أمناء بالنسبة لأمانة الله والسماء ليست بطاهرة أمامه فما هي حالة الإنسان وكيف تكون أمام الله" فَبِالْحَرِيِّ مَكْرُوهٌ وَفَاسِدٌ الإنْسَانُ الشَّارِبُ الإثْمَ كَالْمَاءِ! (أي 15 : 16 ) إن أصدقاء أيوب أرادوا إعطاء صورة معتمة عن طبيعة الله نحو خلائقه، ولكن لنعلم بأن الملائكة الساقطة تم طردهم من السماء والإنسان الساقط تم طرده من الجنة، وأعاد الله نقاء وطهارة الإنسان المؤمن من خلال الذبيحة في العهد القديم وموت المسيح وكفارته في العهد الجديد ، ولذلك فموضوع أن السماء ليست بطاهرة أمامه فلا وجود وجه للمقارنة بين قداسة الله ودرجة نقاء اي من خلائقه سواء كانوا قديسون أو ملائكة أو بشر أو سماء. 


ـ موقفنا نحن في هذا الزمن من الملائكة والقديسين: 

نقف الأن أمام موضوع في غاية الأهمية وهو موقفنا نحن تجاه القديسون والسماء، فكما شرحنا انه ليس للقديسون عمل ولا يقفون ما بين الأرض والسماء في شفاعة او اي عمل يكلفون به، ولذلك لا يجب أن نصلي لاي من القديسين مهما كانت مكانتهم ومهما علا شأنهم، فقد كانت خدمتهم هنا علي الأرض اما بعد انتقالهم فهم في راحة (رؤ 13 : 14 ) هذا هو الحق الذي يجب أن يقف عليه كل مؤمن فيكون ثابتا لا يتزعزع.

اما عن موقف الله فهو القدوس الذي لا يقارن علي الإطلاق لا بالسماء ولا بالأرض ولا بالملاىكة ولا القديسون ولا باي من خلائقه، لأن من يساويه؟ "... لَيْسَ مِثْلُ الرَّبِّ إِلهِنَا. (خر8 : 10 ) وفي مخاطبة مع يشرون قيل عن الله" لَيْسَ مِثْلَ الله يَا يَشُورُونُ. يَرْكَبُ السَّمَاءَ فِي مَعُونَتِكَ، وَالْغَمَامَ فِي عَظَمَتِهِ. (بث 33 : 26 ) هكذا في (2صم 7 : 22 ) (إش 46 : 9 ) فبمن نقارنه وبمن نشابهه " فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَ اللهَ، وَأَيَّ شَبَهٍ تُعَادِلُونَ بِهِ؟ (إش 40 : 18 ) فلا يوجد شبيه له ولا يوجد من يساويه " "فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي فَأُسَاوِيهِ؟" يَقُولُ الْقُدُّوسُ. (إش 40 : 25 ) ولا يجب أن نضع من يمثل به " بِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي وَتُسَوُّونَنِي وَتُمَثِّلُونَنِي لِنَتَشَابَهَ؟. (إش 46 : 5 ) فالله فريد في كينونته، ولذلك لا يضع نفسه في مقارنات، فالقديسون والملائكة هم من ضمن خلائقه المحبوبون لدية، فالإنسان تبناه الله لي،فع شأنه والملائكة أرواح خادمة وضعها امام وحول عرشه ولذلك قول اليفاز " هُوَذَا قِدِّيسُوهُ لا يَأْتَمِنُهُمْ، وَالسَّمَاوَاتُ غَيْرُ طَاهِرَةٍ بِعَيْنَيْهِ، (أي 15 : 15 ) قول ليس في محله، فعلي مر العصور الله يتعامل مع الإنسان ومع جميع خلائقه بكرامة وجمال، فهو الله الذي أبدع الكون ولا ينسب لهم حماقة علي الإطلاق.

----------------------------------------------------------------

11

افحص قبل أن تُعلم


لا يجب أن يضع الإنسان نفسه في موضع المُعلم الذي يمتلك كل الحق، فلا يوجد من يمتلك كل التعليم وكل الحق إلا الله وحده، فقد يكون لنا كلمات واقعها صحيح فنُمدح عليها، وأخري برغم واقعها ففي داخلها لا يوجد الصواب، فقد وقع اليفاز في واقع إختباري أعطي له صورة عن الله وعن معاملاته علي خلاف الحقيقة، فيبدأ بقول يجب تجنبه " أُوحِي إِلَيْكَ، " اي ان ما سأقوله ما وهو إلا وحي من أجلك ولذلك " اسْمَعْ لِي  " ماذا سيقول؟ إن ما سيقوله عبارة عن احداث ماضية رأها اليفاز فتعلم منها " فَأُحَدِّثَ بِمَا رَأَيْتُهُ، (أي 15 : 17 ) ما رأه رأه وسط شعب عاش في وسطهم لهم أرض يمتلكوها ولذلك هم حكماء، ليس في وسطهم غريب، اراد اليفاز إعطاء صورة أن التعاليم التي سيقولها هي خلاصة تعاليم ليس فيها تعاليم غريبة " الَّذِينَ لَهُمْ وَحْدَهُمْ أُعْطِيَتِ الأرْضُ، وَلَمْ يَعْبُرْ بَيْنَهُمْ غَرِيبٌ. ( أي 15 : 19 ) إن بداية اليفاز بداية ليست مشرقة فليس معني أن الحكمة الخارجة من شعب هي حكمة اختبارية ومسلمة من الآباء أنها حكمة وتعاليم ليس فيها شوائب، يقع كثيرون في هذا الفخ، انهم يتسلمون تعاليم من الأولين دون أن يفحصوها، فيقعون في مبادئ ضد الله وضد كلمته، فمهما كانت تعاليم الاولين يحب ان تُفحص جيدا لأنها ليست وحي كما ادعي اليفاز، يجب أن تُفحص ولا نضع عليها هالة قدسية من النور والصاقها بالحق والكمال.

يضع اليفاز تعاليم في آذن أيوب ليثبت له فهم أنه شرير لسبب الامه التي يتلوي بها " الشِّرِّيرُ هُوَ يَتَلَوَّى كُلَّ أَيَّامِهِ، وَكُلَّ عَدَدِ السِّنِينَ الْمَعْدُودَةِ لِلْعَاتِي. (أي 15 : 20) هنا يحاول اليفاز وضع قاعدة تعليمية أن الظالم يحصد من ثمار عدد سنين ظلمه فيتلوي من شدة الألم والتجربة، تمام... فقد تحدث مع عتاة كثيرون ولكنها ليست بقاعدة، فيوجد أشرار كثيرون عتاة وظالمون يستمروا سنين حياتهم في ظلمهم دون أن يتلوا أو يحصدون من ثمارها، لأن لله معاملات خاصة مع كل شخص علي حدة، فيوجد من يحصد من ثمار افعاله الأثمة هنا علي الأرض، ويوجد من يحصدها في الأبدية وينال عقاب ما فعل، ويوجد من يحصد أولاده من ثمار افعال الآباء سواء كانت خير أو شر، فقد تري ملك أو رئيس دولة يصدر قرارات لصالحة ويظلم فئة كبيرة من شعبه ويعيش متمتع بالسلطة والجاه والعز ليوم وفاته، ويحصد شعبه من بعده علي المرار والتعب والألم، وياتي من يخلفه ليصحح ما افسده فينال الشقاء والتعب، ليحصد الجيل اللحق علي الراحة، ولكي لا أطيل في الشرح أقول أن القاعدة التي أراد اليفاز أن يضعها ليست صحيحة كما ينبغي، بالإضافة الي أنها لا تنطبق علي أيوب، فهو قد زاد علي عاتق أيوب حمل فوق الطاقة.

اراد اليفاز توصيل صورة معتمة عن أيوب لأيوب، بأنه شرير وظالم ويتلوي من شر أفعاله، وفوق هذا أن الأصوات والافكار التي تعذب ذهنه هي من الله لأنه شرير " صَوْتُ رُعُوبٍ فِي أُذُنَيْهِ. فِي سَاعَةِ سَلامٍ يَأْتِيهِ الْمُخَرِّبُ. (أي 15 : 21 ) فلم يتمتع أيوب بالسلام الدائم وجاءه المخرب لينزع سلامه ويمنحه الرعب، فهل حقا أيوب يستحق أن ينطبق عليه قوانين اليفاز وتعاليمه التي تحمل حقا ناقصا وتعليما غير كاملة، ويضعها علي أيوب الرجل المشهود عنه بالكمال، للأسف اليفاز لم يفحص كلامه ولم يفحص تعاليم أباءه التي تسلمها.  


تحليل للواقع من غير متخصص

من الصعب أن يتكلم صديق أو أخ دون علم حقيقي، فكثيرا ما نُتعب كثيرين في دوائر حياتنا فقط لأننا لم نتعلم الصمت وقتها، أعطي اليفاز تحليل للواقع الذي لأيوب وهو غير متخصص فصور لايوب انه شرير ويتلوي بعدد ايام شره وان اصوات الرعب والالم ما هي إلا عقاب الهي عن افعاله، وزاد في حديثه بان يرسل له رسالة فقدان الامل وان نهايته قريبة " لا يَأْمُلُ الرُّجُوعَ مِنَ الظُّلْمَةِ، وَهُوَ مُرْتَقَبٌ لِلسَّيْفِ. (أي 15 : 22 ) يااااه علي نفوس وضعت نفسها في واقع ليس لها، لماذا مثل هؤلاء؟ إن وجودهم في حياتنا غلطة [ فمثل هؤلاء اتعبونا ] وخسارتهم مكسب، لا تندم علي اي من كان.. تدخل في حياتك بلا حق.. وبخته أو عاتبته فتركك ومضي، فمثل هؤلاء لا يجب ان يستمروا هكذا في حياتك، فإن لم يعتزروا فعدم وجودهم في دائرتك راحة.

يسألوني كثيرين عن احباء مقربين لحياتهم تغيرت معاملاتهم ومضوا دون جرس إنذار، ودون حدوث اي نوع من الاخطاء، واخرين تصرفوا بغرابة وتغيرت مبادىهم، فماذ نفعل وكيف نعيدهم؟ اقول اتركهم يتركوك ما دامت هذه إرادتهم، فإن كنت حاولت اعادتهم ورفضوا أو هربوا منك، فاتركهم ولا تندم أو تحزن، فالطبيعة البشرية هكذا متغيرة، وإن كانوا موجودين في حياتك ويسببون لك اتعابا وضيقا فحذرهم وإن لم يستجيبوا فأخرجهم من دائرة حياتك لتقضي باقي أيامك مطمئنا وفي سلام.

من الصعب علي ايوب ان يسمع كلمات موقعة طول الوقت فاليفاز لم يترك شيىا ليعزي به ايوب، بل تدخل في خبزه (أي 15 : 23 ) وكأن الضيق والضرر ما هم إلا ملوك علي الحياة متواجدين في حياة ايوب ولن يتركوه فقد دخل في نطاق مملكتهم " يُرْهِبُهُ الضُّرُّ وَالضَّيْقُ. يَتَجَبَّرَانِ عَلَيْهِ كَمَلِكٍ مُسْتَعِدٍّ لِلْوَغَى. (أي 15 : 24 )تصورات قلب اليفاز تجاه أيوب تصورات مره ومقلقة ومتعبة، فقال عن أيوب أنه: متعدي علي الله  (أي 15 : 25 ) ومتصلب العنق ـ أي عنيد (أي 15 : 26 ) وانه ثمن بالظلم ( أي 15 : 27 ) ومرتشي (أي 15 : 34 ) وغشاش ( أي 15 : 35 ) نتيجة هذا لن يري العمار والهدوء بل سيري الدمار والخراب " فَيَسْكُنُ مُدُنًا خَرِبَةً، بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ عَتِيدَةً أَنْ تَصِيرَ رُجَمًا. لا يَسْتَغْنِي، وَلا تَثْبُتُ ثَرْوَتُهُ، وَلا يَمْتَدُّ فِي الأرضِ مُقْتَنَاهُ ( أي 15 : 28 ، 29 ) حقيقي خسارة هؤلاء مكسب كبير فلا تندم.

----------------------------------------------------------------

12

نتيجة حتمية لنوعية المحيطين


توجد نتيحة حتمية يخرج بها الإنسان عن المحيطين به، فإن كانوا صاعبي التعامل فستخرج النتيحة كايوب عندما قال " قَدْ سَمِعْتُ كَثِيرًا مِثْلَ هذَا. مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ! ( أي 16 : 2 ) وفي اللغة الانحليزية تأتي " miserable comforters are ye all " وتعني " معزون بؤساء جميعكم " فايوب هنا يوصف حالتهم وليس فقط العمل الذي يقيمون به تجاهه، فهم فاقدي التعزية لأنهم بؤساء فكيف سيعزونه، وكلمة " معزون ـ comforters " في الاصل العبري " נחם ـ ناشام ـ nacham " وتعني " راحة ـ مريحون " فكيف يكونوا مريحون وهم " بؤساء ـ miserable " وكلمة بؤساء في العبري " עמל ـ أمال ـ amal " وتعني " أمل " فهم بلا أمل اي بؤساء ولذلك لم يعطوا لأيوب أي نوع من أنواع الرجاء فهم بؤساء.

إن نوعية المحيطين تحدد طريقة الهدوء والسلام الذي سيتمتع به الشخص، لانهم يعكسون ما هم فيه من خلال تعاملاتهم معك وكلامهم عنك، ولذلك يجب الإنتباه جيدا لنوعية النفوس المشاركة لحياتنا ولظروفنا، فهل هم ممتلئون رجاء أم هم متعبون ـ بؤساء، ولذلك سأل أيوب "  هَلْ مِنْ نِهَايَةٍ لِكَلامٍ فَارِغٍ؟ أَوْ مَاذَا يُهَيِّجُكَ حَتَّى تُجَاوِبَ؟ ( أي 16 : 3 ) أدرك أيوب كم الكلمات التي بلا هدف بناء التي تكلم بها هؤلاء الرجال، فبكل بساطة أجابهم أيوب أنه يستطيع أن يفعل كما فعلوا وان ينغص عليهم بكلمات كما فعلوا، فعلي الأقل كان واحب عليهم وضع أنفسهم مكانه ليشعروا شعوره ويدركوا إدراكه فيتكلمون بكلام موزون لرثاءه " أَنَا أَيْضًا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَكَلَّمَ مِثْلَكُمْ، لَوْ كَانَتْ أَنْفُسُكُمْ مَكَانَ نَفْسِي، وَأَنْ أَسْرُدَ عَلَيْكُمْ أَقْوَالا وَأُنْغِضَ رَأْسِي إِلَيْكُمْ. ( أي 16 : 4 ) للأسف هم معزون بلا تعزية وبؤساء بلا امل.

برغم حتمية المحيطين حول أيوب كان رجل واقعي جدا وكلماته لها حكمة واضحة، فقد اعلن عن فظاظتهم ومقدار بؤسهم، وبالرغم من هذا اراد ان يعلمهم درسا، أنه إن تبادلوا الاماكن لكان شددهم وعزاهم بكلمات تسندهم " بَلْ كُنْتُ أُشَدِّدُكُمْ بِفَمِي، وَتَعْزِيَةُ شَفَتَيَّ تُمْسِكُكُمْ. ( أي 16 : 5 ) هذا هو رجل الله بحق الذي لا يتفوه بكلمات جارحة لنفوس متألمة، فالمديح والرثاء والثناء أمر يحتاجه كل مجروح وكل متألم وكل من تلطم من الايام، فلذلك عليك بامرين، إذا تواجدت في دائرة اهرين فكن لكيفا، وإن تواجد اخرين في دائرتك فقم بفرتلتهم وتنقيتهم ليستمر من هو اهلا لتعزيتك.

----------------------------------------------------------------

13

الكأبة الناتجة من الظروف


يمر معظم البشر ( بل قد يكون الكل ـ الجميع ) بظروف صعبة فيكتأبون، هذا النوع من الكأبة وارد علي كثيرين، يزول بزوال الظرف المسببة للكأبة، إجتاز أيوب هذا النوع من الكأبة " "إِنْ تَكَلَّمْتُ لَمْ تَمْتَنِعْ كَآبَتِي، وَإِنْ سَكَتُّ فَمَاذَا يَذْهَبُ عَنِّي؟ ( أي 16 : 6 ) فالكأبة مشاعر سلبية تنبع من داخل النفس وتصيب الإنسان بأعراض مؤلمةمنها: 

ـ الميول للإنطواء والابتعاد عن المحيطين، والشعور بالإنقباض والحزن وتكون الأيام بالنسبة له متشابهة وبلا طعم، هذه الكأبة بدأت مع ايوب منذ بداية الازمة عندما شارموه أصدقائه أحزانه " وَقَعَدُوا مَعَهُ عَلَى الأرضِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَ لَيَال، وَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ بِكَلِمَةٍ، لأنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ كَآبَتَهُ كَانَتْ عَظِيمَةً جِدًّا. ( أي 2 : 13 ) فأين السرور قد إنتفي وغاب عنه الفرح، فعند غياب السرور يفقد الإنسان بهجة الحياة.

يشعر المكتئب بأن قيمته قلت وفقدان الثقة في النفس وهذا مر به أيوب " " اُذْكُرْ أَنَّ حَيَاتِي إِنَّمَا هِيَ رِيحٌ، وَعَيْنِي لاَ تَعُودُ تَرَى خَيْرًا.لاَ تَرَانِي عَيْنُ نَاظِرِي. عَيْنَاكَ عَلَيَّ وَلَسْتُ أَنَا. ( أي 7 : 7 ، 8 ) فقدان الأمل ثمة المكتأب يري أنه لن يري في حياته القادمة خيرا فقد رذلها " كَامِلٌ أَنَا. لا أُبَالِي بِنَفْسِي. رَذَلْتُ حَيَاتِي. ( أي 9 : 21 ) هذا بالإضافة الي أنه يستسلم للواقع والألم لأن يأسه أقنعه بأن الله يراه مستذنب ولا فائدة من كلامه " أَنَا مُسْتَذْنَبٌ، فَلِمَاذَا أَتْعَبُ عَبَثًا؟ ( أي 9 : 29 ) كل هذا يُشعِر أيوب بالدونية " هَا أَنَا حَقِيرٌ، فَمَاذَا أُجَاوِبُكَ؟ وَضَعْتُ يَدِي عَلَى فَمِي. ( أي 40 : 4 ) لذلك لا يجب الاستسلام للمشاعر السلبية وقت الأزمة، يجب التعامل معها بحرفية عن طريق قول كلمات لأنفسنا عكس مشاعرنا، فالكلمات الإيجابية تُذهب المشاعر السلبية وتسكن من حالتها، فيستطيع الإنسان أن يعبر المحنة بسلام.

المحنة ستعبر ستعبر مهما طالت مدتها، ستزول وتنتهي ويزول معها اكتئابها، فصبرا صبرا لان يد الرب ممدودة في وقت الأزمة ولسبب كئابة قلبك لم تعد تري يده القديرة التي تسندك، لا يري الإنسان يد الله لسبب فقدان الأمل أو الرجاء " مَا هِيَ قُوَّتِي حَتَّى أَنْتَظِرَ؟ وَمَا هِيَ نِهَايَتِي حَتَّى أُصَبِّرَ نَفْسِي؟ ( أي 6 : 11 ) ولكن الله موجود وسيعبر الإنسان المحنة، فقد عليه التحلي بالإيمان والثقة بالله لأنه لن يتركه ولن يهمله " انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاصْبِرْ لَهُ، وَلا تَغَرْ مِنَ الَّذِي يَنْجَحُ فِي طَرِيقِهِ، مِنَ الرَّجُلِ الْمُجْرِي مَكَايِدَ. ( مز 37 : 7 ) فهل لك أن تفعل هذا؟ أأمل لك أن تصبر له لأن للظلم والظلمة وقت وسينتهي.. فاصبر له.

----------------------------------------------------------------

14

الإفتراس الإلهي


كلمة واقعها مؤلم، فهل حقا لله طرق إفتراس؟ فقد قال أيوب أن الله " ضَجَّرَنِي ـ قبض علي ـ افْتَرَسَنِي ـ وَاضْطَهَدَنِي " ( أي 16 : 7 ـ 9 ) هذه مشاعر ايوب ناتجة من تحليله للأحداث التي يعيشها متألما جدا.

ولإيحابة السؤال أقول: نعم ـ الله يصنع كل هذا ولكن لم يصنعه مع أيوب، فلم يكن هو الفاعل، الله يفترس في دائرة قضاءه ولا يفترس الإنسان الصالح، بمعني أنه عندما يصنع الإنسان شرورا ويصبر عليه  الرب ليرجع الإنسان ويتوب، وبعد إنتظار بطول الروح الإلهي عليه ويرفض التوبة والرجوع عن شره،  هنا يدخل الإنسان الي دائرة القضاء الإلهي فيَحكم عليه فيُفترس، كسدوم وعمورة التي أفترست بنار وكبريت لأنها تمسكت بشذوذها الجنسي وخطاياها ولم تتب، فحكم عليها بالهلاك، هذا حُكم قضائي، وفي ذات الوقت تم نجاة لوط لأنه بار وسط شعب نجس، فالله صالح هو، لا يفترس لمجرد الإفتراس ولكن لإفتراسه قانون لابد أن يفعل من خلال القضاء الإلهي ، أما إن حدث لاي مؤمن صالح إفتراس أو ضيق أو اضطهاد أو تجربة، فهذا ليس نابع من الله بل من البشر المحيطين ومن إبليس، ويأتي دور الله في عدة مراحل:

أولا :  يسند وقت التجربة والألم، 

ثانيا : يعوض عن كل ما فقد أو ضاع وقت التجربة وبأضعاف.

فيوجد فرق بين التجربة والاحكام القضائية، فالتجارب منبعها إبليس والاحكام القضائية منبعها الله، وايضا لا يتحرك إبليس إلا بحكم قضاىي ايضا، أي أنه يشتكي الي الله كقاضي وتكون شكواه حق فينال حكم بالتدخل فيجرب الإنسان، هذا ما فعله في أيوب بحسب أيوب : 3 : 25 عندما تبني الخوف والفزع وتدخل إبليس بشكواه ليحقق له فزعه وخوفه، فالإفتراس هنا ليس الله بل عدو كل خير عندما وجد فرصة للشكاية وحصل علي حُكم بالتدخل.

اما التجارب التي تحدث من اشخاص حولنا كاخوه وأصدقاء، فهم داخل دوائر حياتنا بسماح منا، ولذلك عندما يتحركون في حياتنا لا يحتاجون من الله الي حُكم قضائي بل يتحركون مباشرة، فقد تحرك إخوة يوسف علي يوسف فرموه داخل البئر، وباعوه عبد، وبسبب قداسته ورفضه للنجاسة دخل السجن، ولكن الله لم يتركه وانقذه بتعويض،، من السجن الي المُلك، وإستطاع أن يتمتع بالمعية الإلهية والسندة من الله الي أن تم تعويضه ويستطيع الوحي أن يغني فيقول " وَكَانَ الرَّبُّ مَعَ يُوسُفَ فَكَانَ رَجُلاً نَاجِحًا، وَكَانَ فِي بَيْتِ سَيِّدِهِ الْمِصْرِيّ. ( تك 39 : 2 ) فالنجاح الذي عاشه يوسف بدأ من أول يوم تجربة الي أخر يوم ولذلك كلل بالتعويض ورفع راسه مُكرما.

فمشاعر أيوب بان الله ضَجَّرَهُ ـ قبض عليهِ ـ افْتَرَسَهُ ـ وَاضْطَهَدَهُ " مشاعر نفسية وترجمة خاطئة في وقت المحنة، ولذلك يحتاج المؤمن في وقت المحنة أن يرفع وجهه لإله السماء فيخاطبه مفهما ومعالجا وساندا وشافيا وفي النهاية معوضا عن كل ما سلب منه وضاع، فالله قبل أن يكون قاضيا فهو يتعامل كخالق وكأب ويسند كأخ وصديق ويعوض كأب محب لأبناءه... فإقترب منه.. وثق فيه.

ـ اتهام الله بما لم يفعله: 

إتهم أيوب الله بعدة إتهامات، هذا غير انه بدأ بأن الله إفترسه واضطهده ولكنه أيضا إتهمه بأنه سلم نفس ايوب للأعداء، فهل حقا الله يفعل كل هذا في نفس صالحة؟ بكل تأكيد الله بريئ من كل هذا، فأيوب شعر بانه قد ضُرب من كل جانب ومن الجميع " فَغَرُوا عَلَيَّ أَفْوَاهَهُمْ. لَطَمُونِي عَلَى فَكِّي تَعْيِيرًا. تَعَاوَنُوا عَلَيَّ جَمِيعًا. ( أي 16 : 10 )  فبالحقيقة التجربة قاسية وليس فيها رحمة، ولسبب عدم فهمه مِن مّن جاءت هذه الضربات! فقد نسب كل هذا في الله!. " دَفَعَنِيَ الله إِلَى الظَّالِمِ، وَفِي أَيْدِي الأشْرَارِ طَرَحَنِي. ( أي 16 : 11 ) من المؤسف ومن المؤلم أن نتفوه بكلمات ونعلق احداث لم نفهم مصدرها الي الله أو الي مّن في مقدرته فعل هذا دون دراسة وفهم، ولذلك علينا توخي الحذر في تستيف الاوراق وإجابة اسئلتنا دون دراسة ودون وعي ودون إدراك.

يُعلن أيوب أنه كان مستريح ونسب فزعه لله، ليس هذا فقط بل أن الله حطمه ونصب له فخا " كُنْتُ مُسْتَرِيحًا فَزَعْزَعَنِي، وَأَمْسَكَ بِقَفَايَ فَحَطَّمَنِي، وَنَصَبَنِي لَهُ غَرَضًا. ( أي 16 : 12 ) من جهة الراحة حقا هو كان مستريح وعندما يقارن واقعه عن ما سبق يري فارق كبير، ولمن ينسب هذا الفارق المؤلم، لا يجد أمامه إلا الله، ولذلك نسب كل ما حدث له لله فيقول " أَحَاطَتْ بِي رُمَاتُهُ. شَقَّ كُلْيَتَيَّ وَلَمْ يُشْفِقْ. سَفَكَ مَرَارَتِي عَلَى الأرْضِ. ( أي 16 : 13 ) يا إلهي علي هذا النوع من التفكير، إنهم كثيرون في هذه الأيام، ينسبون مصائبهم لله تحت بند القدر والمكتوب، فهذا الفكر ليس بصواب ولا يتماشي مع كلمة الله، فالله لا يفكر بالشر او بالشرور تجاه بني البشر، ولكنه يسلك بالمحبة واللين واللطف، ويصبر علي مستوي تفكيرنا حتي نفهم الحق ونسير فيه.

اعلن أيوب مقدار الامه وتعب نفسيته وشعوره السلبي نحو الله بصراخه له " خِطْتُ مِسْحًا عَلَى جِلْدِي، وَدَسَسْتُ فِي التُّرَابِ قَرْنِي. اِحْمَرَّ وَجْهِي مِنَ الْبُكَاءِ، وَعَلَى هُدُبِي ظِلُّ الْمَوْتِ. مَعَ أَنَّهُ لا ظُلْمَ فِي يَدِي، وَصَلاتِي خَالِصَةٌ. ( أي 16 : 15 ، 17 ) من حقك ايوب الصراخ لله وإعلان حالتك وكشفها، فالوحيد القادر علي الإتحاد بك ورفعتك هو الله، فقد فعلت الصواب في رفع صلاتك الخالصة وحتي في تعبيراتك واتهامك لله بأنه هو الذي إفترسك، لك حق لان المعرفة لديك في زمنك كانت في هذا المستوي، ولكن الحق قد أعلن في كلمة الله اليوم ولا يحق لمن كان أو يكون أن يتهم الله بما لم يفعله في نفس بريئة، فالله في قضاءه يصنع هذا بحكم كما شرحنا، أما أنه يفعل هذا في بريى فهذا ما لم ولن يفعله الله.

----------------------------------------------------------------

15

الإحتياج للتعضيد


يعلن أيوب إحتياجه للتعضيد من اشخاص يقفوا لسندته والدفاع عنه، فيقول " يَا أَرْضُ لا تُغَطِّي دَمِي، وَلا يَكُنْ مَكَانٌ لِصُرَاخِي. ( أي 16 : 18 ) وكأنه يقول إذا كنت مخطئا أو بي إثم فلا يُستمع لي لا من الأرض ولا من السماء " إِنْ رَاعَيْتُ إِثْمًا فِي قَلْبِي لا يَسْتَمِعُ لِيَ الرَّبّ. ( مز 66 : 18 ) فهو يدرك كامل الإدراك أنه بريئ من كل التهم الموجهه إليه من أصدقائه، وأنه لا يستحق الواقع المؤلم الذي دخل فيه، فالإنسان الذي يطلب رديا من الله لا يستمع أليه الرب ولا ينال منه ما طلبه " تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لأنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ. ( يع 4 : 3 ) فهو يري ويعتقد كامل الإعتقاد أن الله لا يسمع للخطاة والأشرار " أَفَيَسْمَعُ الله صُرَاخَهُ إِذَا جَاءَ عَلَيْهِ ضِيقٌ؟ ( أي 27 : 9 ) فهذا الإعتقاد أيضا خاطئ لأن الله يسمع لكل متألم وفي أنين، الشيى الوحيد الذي لا يسمعه الله هو الطلب الرديئ، كالدعاء علي الأخرين بالشر والدمار والموت و....الخ. أما الصراخ لله من  المتألم والتعبان والمجروح يُسمع سواء كان صديقا أو شريرا، فليس لأن الله إستجاب لصراخ إنسان فهذا يدل علي قداسته، ولكنه يدل علي أمانة الله ووقوفه بجانب إنسان خلقه وجبله، ولكن أيوب في كلامه هذا " يَا أَرْضُ لا تُغَطِّي دَمِي، وَلا يَكُنْ مَكَانٌ لِصُرَاخِي."  يريد أن يثبت بكلامه هذا أنه ليس فيه أي ذنب لينال كل هذا، فيطلب ويحتاج من يقف مكانه ويدافع عنه " أَيْضًا الآنَ هُوَذَا فِي السَّمَاوَاتِ شَهِيدِي، وَشَاهِدِي فِي الأعَالِي. ( أي 16 : 19 ) هو هنا يتكلم عن الله الذي يري كل شيى والذي يحكم وحكمه عادل وانه هو الشاهد الوحيد علي حياته وأن الله يعلم من هو أيوب وكيف يكون. 

كون أن أيوب يعتقد أن الله شاهد فهذا أمر يدفع للراحة والهدوء النفسي، فقد يدخل إنسان في دائرة اللوم والإدانة والشكوك من الآخرين دون سبب، ولا يصدقه أحد فيحتاج لهذا القول " الله شاهد لي " هذا الإعتقاد رائع ومهم جدآ فقد كتب كاتب المزمور أن الله شاهد أمين " .. وَالشَّاهِدُ فِي السَّمَاءِ أَمِينٌ".. ( مز 16 : 19 ) حقيقي لا يوجد شاهد أمين علي طول الطريق إلا الله، ولذلك قال المسيح ليوحنا عن نفسه أنه الشاهد الأمين " وَاكْتُبْ إِلَى مَلاكِ كَنِيسَةِ الّلاوُدِكِيِّينَ:"هذَا يَقُولُهُ الآمِينُ، الشَّاهِدُ الأمِينُ الصَّادِقُ، بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ الله: ( رؤ 3 : 14 و 1 : 5 ) فهو الشاهد علي جميع الأحداث التي تمر بحياتك حتي علي زواجك أو غدرك أو امانتك " فَقُلْتُمْ: "لِمَاذَا؟" مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الشَّاهِدُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ امْرَأَةِ شَبَابِكَ الَّتِي أَنْتَ غَدَرْتَ بِهَا، وَهِيَ قَرِينَتُكَ وَامْرَأَةُ عَهْدِكَ. ( ملا 2 : 14 ) فالوحيد الذي يسند ويحكم بالعدل هو الله لأنه الشاهد علي كل شيئ حتي صلواتك التي تصليها في الخفاء من أجل الأخرين " فَإِنَّ الله الَّذِي أَعْبُدُهُ بِرُوحِي، فِي إِنْجِيلِ ابْنِهِ، شَاهِدٌ لِي كَيْفَ بِلا انْقِطَاعٍ أَذْكُرُكُمْ، ( رو 1 : 9 ) هذا النوع من الإيمان مريح للنفس لأنه يعطي للإنسان أدراكا بأن الله لن يضيع حق من كان ومن يكون، لانه هو الشاهد في الأعالي، هذا هو الواقع الأساسي فالله في السماء من الأزل والي الأبد يشهد،  فالاب يشهد للإبن وما زال يشهد والإبن ايضا شاهد أمين من أجل الأب " أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي". ( يو 8 : 18 ) فهذه الدائرة حق ويجب أن تُدرك.


الموجع لأيوب أن الظروف كلها ضده وحتي أصحابه لم يشهدوا عنه شهادة حق " الْمُسْتَهْزِئُونَ بِي هُمْ أَصْحَابِي. للهِ تَقْطُرُ عَيْنِي ( أي 16 : 20 ) يا إلهي.. يا إلهي عندما يقف ضدك من تتوقع انه سندك أو معضدك، الأخ قد يترك أخيه ويهينه ويجرحه وايضا الزوجـه يتركك/تتركك. حتي الأصدقاء قد تظهر عدم أمانتهم وتعيش في دوائر خيانتهم، وفي وقت الشدة يهملوك " تَرَاءَفُوا، تَرَاءَفُوا أَنْتُمْ عَلَيَّ يَا أَصْحَابِي، لأنَّ يَدَ الله قَدْ مَسَّتْنِي. ( أي 19 : 21 ) فهل يوجد خير من أصحاب أو احباب؟ اقول.. لا تنتظر.. فقد ياتي خيرا من البعض وقد يتركك الجميع، فالمكثر الاصحاب قد لا يكون بأمان " اَلْمُكْثِرُ الأصْحَابِ يُخْرِبُ نَفْسَهُ، وَلكِنْ يُوجَدْ مُحِبٌّ أَلْزَقُ مِنَ الأخِ. ( أم 18 : 24 ) فالأمان الوحيد هو في الله الهك وحده.

----------------------------------------------------------------

16

الضمان الإلهي


يحتاج الإنسان دائما الي الضمان والأمان، وبدونهما يعيش في تعب والم وضيق وينتابه شعور بالإكتئاب، لذلك يبحث الإنسان عن الأمان في حياته قبل المأكل والمشرب، فإن كان يعيش في قصر غير أمن فالكوخ او غرفة فوق السطوح مع الأمان افضل له من القصر ، كان ايوب يعيش مترفها مستريحا " كُنْتُ مُسْتَرِيحًا فَزَعْزَعَنِي، وَأَمْسَكَ بِقَفَايَ فَحَطَّمَنِي، وَنَصَبَنِي لَهُ غَرَضًا. ( أي 16 : 12 ) ولكنه تزعزع لدرجة أنه فقد الأمان وإنتظر الموت " رُوحِي تَلِفَتْ. أَيَّامِي انْطَفَأَتْ. إِنَّمَا الْقُبُورُ لِي. ( أي 17 : 1 ) وصل أيوب لمستوي عال جدا من التعب النفسي الذي زاد بوجود اصدقائه اللذي ن يصنعون ضجيج ذهني علي حياته لدرجة انه تمني عدم وجودهم " لَوْلا الْمُخَاتِلُونَ عِنْدِي، وَعَيْنِي تَبِيتُ عَلَى مُشَاجَرَاتِهِمْ. ( أي 17 : 2 ) فمن يضمن له راحته، زوجته اتعبته بتعليق مؤلم، اصدقائه زادوا عليه حمل، الأيام يراها سوداء كالفحم، فمن يضمن له الراحة والأمان إلا الله، لذلك صرخ اليه قائلا " كُنْ ضَامِنِي عِنْدَ نَفْسِكَ. مَنْ هُوَ الَّذِي يُصَفِّقُ يَدِي؟ ( أي 17 : 3 ) اي من هو الذي يكون كفيلي، إنه سؤال إجابته بعيدة جدا عن أيوب هكذا يراها، ولكن هل هي بعيدة عن الله؟ هل الله لا يستطيع أن يكون ضامن وكفيل له؟ أنها صرخة قوية يحناجها كل متألم وكل سقيم النفس.

الأمان يختلف عن الضمان، فالامان هو شعور ناتج من خلال احداث واقعية، ومن خلال مستوي من الضمان في الحياة، فعندما يدخل الإنسان في ضمان إموره يشعر بالأمان، ففي ضمان التقدير والاهتمام من الاخرين يحرك مشاعر الأمان الداخلي فيشعر الإنسان بالراحة، فالتقدير والاهتمام يزيد الإنسان الشعور بالثقة في النفس وال،احة الداخلية، ولذلك ايوب إتجه الي الله واضعا يده علي وجعه واحتياجه ويطلب من الله ان يكون ضامنه، فاصدقاىه لا يفهموه ويزيدونه جرحا، اما الله فهو القادر عاي معتلجة ايوب وضمان لنفسه، ولذلك قال " كُنْ ضَامِنِي عِنْدَ نَفْسِكَ. " فأصدقائه لم يضمنوا له الراحة بل اتعبوه ولم يصمتوا فالصمت وقت بلية الاخ او الصديق،  افضل من التحدث والثرثرة التي تتعب وتؤلم " وَيَجِبُ أَنْ لا تَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ أَخِيكَ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ، وَلا تَشْمَتَ بِبَنِي يَهُوذَا يَوْمَ هَلاكِهِمْ، وَلا تَفْغَرَ فَمَكَ يَوْمَ الضِّيقِ، ( عو 1 : 12 ) فالإلتجاء الي الرب افضل من الإلتجاء الي البشر فاقدي التعزية، الرب عندما نلتجيئ اليه يشفينا " يَا رَبُّ إِلهِي، اسْتَغَثْتُ بِكَ فَشَفَيْتَنِي " ( مز 30 : 2 )  فالرب الوحيد القادر ان يسند ويعضد ويبارك ويعين " اسْتَمِعْ يَا رَبُّ وَارْحَمْنِي. يَا رَبُّ، كُنْ مُعِينًا لِي ( مز 30 : 10 )  فلتثق أن الله يعينك ويسندك، الأمان الحقيقي يوجد داخلك ، لا تبحث عنه خارجك لأنك لن تجده ، فمن يبحث عن الامان خارجا فهو يبحث في سراب ، فأنت من تصنع أمانك من خلال الرب الساكن فيك فإتركه يصنع داخلك الأمان " حَوَّلْتَ نَوْحِي إِلَى رَقْصٍ لِي. حَلَلْتَ مِسْحِي وَمَنْطَقْتَنِي فَرَحًا ( مز 30 : 11 ) فهو من يحول النوح والالم لفرح وشفاء ويجعل الأوقات والسنين مجال للخلاص من الضيق والألم وإزدياد في الحكمة والفهم " تَعَالَى الرَّبُّ لأنَّهُ سَاكِنٌ فِي الْعَلاءِ. مَلأ صِهْيَوْنَ حَقًّا وَعَدْلا. فَيَكُونُ أَمَانُ أَوْقَاتِكَ وَفْرَةَ خَلاصٍ وَحِكْمَةٍ وَمَعْرِفَةٍ. مَخَافَةُ الرَّبِّ هِيَ كَنْزُهُ  ( أش 33 : 5 ، 6 ) فهل لك في هذه الدوائر الروحية التي هي العدل والحكمة والمعرفة ومخافة الرب فكل هؤلاء يجلبون لصاحبه الأمان.لا تخاف من الزمن في ماضيه وحاضره أو حتي مستقبله ، لأن الهك معك ولن يتركك ، فقط عيش في المبادئ الكتابية وثق بأن أمانك ينبع من داخلك 

فاقدي الشيئ يُمنعون عن الرفعة : 

من الإمور المحيرة في حياة الإنسان أن يقف في مكان الإحتياج للرفعة وتُمنع نفسه عنه والسبب عدم الإمتلاك " لأنَّكَ مَنَعْتَ قَلْبَهُمْ عَنِ الْفِطْنَةِ، لأجْلِ ذلِكَ لا تَرْفَعُهُمُ. ( أي 17 : 4 ) من الوهلة الأولي تري من كلام أيوب أن الله هو الذي منع إمتلاك الفطنة وبالتالي منع عنهم الرفعة، ولكن في الحقيقة تمنع الفطنة عن رافضيها وتمنع الرفعة عن من ليس له فطنة، نري هذا في فرعون الذي اعطي الرب قساوة لقلبه القاسي، فليس الله منبع قساوة قلب فرعون ولكن لان بذرة القساوة موجودة من الاساس في داخله فلم يمنع الرب نموها وتكاثرها، هكذا رافضي الفطنة، يُمنعون من الرفعة. 

جاءت كلمة فطنة understanding وتعني فهم وفي الأصل العبري שכל שכל وتنطق sekel وتعني الفهم ـ الحكمة ـ البصيرة، فالمعرفة والفهم باب للرفعة والمجد، ولذلك نري أنه لا يجب علي الإنسان أن يترك الحكمة والمعرفة والفهم، فليس الله الذي منع ولكن لأن بذرة الرفض لديهم موجودة من الأساس فيحصدون نموها وتكاثرها وثمارها، فالله لا يشترك في اعمال ظلمة ولا يساعد علي أن يكون احد في دوائر ظلمة ، لانه لا يجرب أحد بالشرورو ـ هذامبدأ الهي.

الحياة في المبادئ الكتابية ترضي الله وتطفئ نار غضبه لأن الرحمة الإلهية تتقدم عن القضاء الإلهي إن وجدت فرصة رضا " وَلا يَلْتَصِقْ بِيَدِكَ شَيْءٌ مِنَ الْمُحَرَّمِ، لِكَيْ يَرْجعَ الرَّبُّ مِنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ، وَيُعْطِيَكَ‍رَحْمَةً. يَرْحَمُكَ وَيُكَثِّرُكَ كَمَا حَلَفَ لآبَائِكَ، " ( تث 13 : 17 ) هنا مستوي الرفعة ويرجع هذ السبب الي  محبة الفهم ، لتعلم أن الرب لا يبحث عن اذيتك بل يبحث عن رحمته الكثيرة لك " الْعَدْلُ وَالْحَقُّ قَاعِدَةُ كُرْسِيِّكَ. الرَّحْمَةُ وَالأَمَانَةُ تَتَقَدَّمَانِ أَمَامَ وَجْهِكَ. " ( مز 89 : 14 ) فتستطيع أن تغني وتقول " إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، وَأَسْكُنُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ إِلَى مَدَى الأيَّامِ. ( مز 23 : 6 ) وتقول أيضا " وَأَنَا قُلْتُ فِي طُمَأْنِينَتِي: "لا أَتَزَعْزَعُ إِلَى الأبَدِ". ( مز 30 : 6 ) اعلم جيدا أنه يوجد كثيرين لديهم مشاكل كثيرة وهذه المشاكل تجعل درجات الأمان ضعيفة ، مثال : عندما نواجه صعوبات ونصرخ للرب احيانا لا نري يد الله واضحة ونقول : اين الله ؟ ألا يشعر بنا ؟ وعندما تحل القضية أو المشكلة يكون مضي وقت طويل جدا ، قد ينهار البعض بسبب طول الإنتظار ! فماذا نفعل ؟ 

لابد أن نعلم أن الله موجود ويري كل شيئ  "هُوَذَا اللهُ يَتَعَالَى بِقُدْرَتِهِ. مَنْ مِثْلُهُ مُعَلِّمًا؟ ( أي 36 : 22 ) فهو يري ويعلم حتي وإن لم يتدخل ، فعيناه تخترقان كل شيئ " وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ  .......  ( رؤ 19 : 12 ) ولأنه كاشف كل شيئ فلا تخاف

----------------------------------------------------------------

17

تلف العيون


قال أيوب عبارة قاصدا بها اعداءه اللذين نهبوه، ويلقي اللوم علي أصحابه فقد سلبوا منه هدوءه وسلام نفسه الداخلي وأزعجوه " الَّذِي يُسَلِّمُ الأصْحَابَ لِلسَّلْبِ، تَتْلَفُ عُيُونُ بَنِيهِ. ( أي 17 : 5 ) أراد أن يضع حدود لاصدقاءه بأن يرعبهم خوفا علي اولادهم، بان يكفوا عن الكلام السلبي الذي يسلب الراحة من حياة من يحتاجها، فأيوب وضع تلف العيون في هذه الآية قاصدا بها من حوله، ولكنه في آية اخري عبر بنفس التعبير عن نفسه أن عينيه كلت بسبب الخزن " كَلَّتْ عَيْنِي مِنَ الْحُزْنِ، وَأَعْضَائِي كُلُّهَا كَالظِّلِّ. ( أي 17 : 7 ) فالالم والضيق شديد للغاية جعلت عيونه مكسورة ونفسيته محطمة ولذلك " كَلَّتْ عَيْنِيهِ " 

 جميعنا يمر بظروف صعبة تجعل كلل وتلف العيون أمر وارد في حياتنا،  بمعني آخر أن تكون العيون مكسورة نتيجة الإكتئاب الحادث بسبب شدة الألم والضيق الحادث، هذا الامر من تلف العيون هو عارض ووجوده يستمر مع وجود الحدث وينتهي بإنتهاء الحدث،  ولذلك يجب ان نفرق بين:

١ ـ تلف العيون الناتج عن ظروف خارج الأرادة دون خطأ مني. 

٢ ـ وتلف العيون الناتج عن ظروف خارج الإرادة وبخطأ مني. 

الشكل العام والناتج واحد ولكن التدخل الإلهي مختلف.

عندما يُدخل الإنسان نفسه في ضيق ينتابه حزن قد يصل لتلف العيون فتكون الجفون مكسورة علي العين ويظهر فيها شدة الحزن والألم، هذا النوع من تلف العيون عندما يتدخل الله ليرفعه لا يمنح معه تعويض عن ما سلب وضاع وخسرته لانه يدخل تحت بند القضاء الإلهي حتي وإن لم يصدر حُكم بعقاب معين، ولكن بسبب خطأي حدث لحياتي خسارة تسببت في تلف العين من شدة ألحزن، نري هذا في حياة شعب الله فعندما يخطىون يكون القضاء الالهي مصحوبا بالعقاب فيدخل الشعب في ضيق شديد " وَإِنْ رَفَضْتُمْ فَرَائِضِي وَكَرِهَتْ أَنْفُسُكُمْ أَحْكَامِي، فَمَا عَمِلْتُمْ كُلَّ وَصَايَايَ، بَلْ نَكَثْتُمْ مِيثَاقِي، فَإِنِّي أَعْمَلُ هذِهِ بِكُمْ: أُسَلِّطُ عَلَيْكُمْ رُعْبًا وَسِلُا وَحُمَّى تُفْنِي الْعَيْنَيْنِ وَتُتْلِفُ النَّفْسَ. وَتَزْرَعُونَ بَاطِلا زَرْعَكُمْ فَيَأْكُلُهُ أَعْدَاؤُكُمْ. ( لا 26 : 14 ـ 16 ) ( تث 28 : 64 ، 65) هذا العقاب ما هو إلا نزع الحماية بالطريقة التي يمنح للأعداء فرصة بالدخول للنهب والسلب، هنا عند التدخل الإلهي يرفع الأعداء ويبعدهم ولكنه لا يمنح الرب تعويض مباشر عن ماسلب، ولكنه يمنح بركات عندما يرجع الشعب عن خطاياه وخطأه، فيكون له فرصة ليعوض الإنسان بنفسه عن خسائره.

أما عندما تتلف العيون نتيجة أحداث خارج الإرادة دون خطأ مني فهنا يتدخل الله في حياة الإنسان فيرفع الضيق ويبدأ الله بالتعويض الإلهي بنفسه، ويمنح الإنسان سلاما " أَمَّا الصِّدِّيقُ فَيَسْتَمْسِكُ بِطَرِيقِهِ، وَالطَّاهِرُ الْيَدَيْنِ يَزْدَادُ قُوَّةً. ( أي 17 : 9 ) هذا إدراك روحي عال الجودة، فالصديق " المؤمن " يستمسك بطريقه الكامل، وياتي التعويض الإلهي من إله السماء " فَتَعْمَلُونَ فَرَائِضِي وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي وَتَعْمَلُونَهَا لِتَسْكُنُوا عَلَى الأَرْضِ آمِنِينَ. ( لا 25 : 18 و 26 : 5 ) ( يؤ 2 : 25 ، 26 ) هذا هو الهنا الذي يمنح للإنسان فرص ذهبية، فقط علينا التمسك بالكمال الي النهاية ونترك الباقي علي الرب.

ـ الاستسلام واقع مؤلم : 

من المؤسف جدا أن يستسلم الإنسان لواقع حياته، فيصنع لنفسه واقع مؤلم هو في غني عنه، ولتوضيح الفكرة أقول: إن التجربة واقع حياتي مؤلم يحتاج للمعاملة الخاصة بهدوء النفس لتجميع القوة الفكرية لمعالحة الواقع والخروج من المشكلة أو التجربة، فلا يوجد تجربة تبقي طول العمر، فلكل تجربة بداية ونهاية، إلا إذا كانت التجربة من نوع العاهه المستديمة، ايضا هذا النوع يحتاج لراحة النفس للمقدرة علي التعامل، فالإستسلام لواقع التجربة يزيد الهم هما والتعب تعبا والألم الما، انظر الي أيوب الذي ادخل نفسه بمساعدة اصدقائه للإستسلام المؤقت لتجربة حياته فقال: " أَيَّامِي قَدْ عَبَرَتْ. مَقَاصِدِي، إِرْثُ قَلْبِي، قَدِ انْتَزَعَتْ. ( أي 17 : 11 ) شعر أيوب أن كل ما في حياتة قد هدم وأن مستقبله الذي خطط له لن يستطيع تتميمه والسعي نحوه، فياله من شعور مؤلم.

هل يوما شعرت بان نهار يومك الذي انت فيه طبيعته مظلمه ويصير نورا نعتما ـ كالظل، هءا هو شعور ايوب " يَجْعَلُونَ اللَّيْلَ نَهَارًا، نُورًا قَرِيبًا لِلظُّلْمَةِ. ( أي 17 : 12 ) فهو لا يري فيه نورا ولا يري فيه الظلمة الكاملة ، فهو متخبط لأن من حوله يقولون النور قريب "' نُورًا قَرِيبًا لِلظُّلْمَةِ " ولأنه في قلب العتمة ـ التجربة، لا يستطيع أن يري شعاع النور مهما كانت التحليلات الإيحابية للآخرين، ولذلك عند الإستسلام يسلك الانسان نحو الإكتئاب وقد يكون خادا " إِذَا رَجَوْتُ الْهَاوِيَةَ بَيْتًا لِي، وَفِي الظَّلامِ مَهَّدْتُ فِرَاشِي، ( أي 17 : 13 ) لذلك لا يجب أن نعيش حياة الإستسلام بل حياة قرأءة الواقع وغلق كل الأصوات السلبية المحيطة التي تصدر من زوجة مثل زوجة أيوب أو أصدقاء مثل أصدقأء ايوب، عدم الإنصياع وراء أفكار تهدم وتزيد التعب تعبا والألم الما، لا يجب ان تناجي الهاوية والظلام، الفبر والدود "  وَقُلْتُ لِلْقَبْرِ: أَنْتَ أَبِي، وَلِلدُّودِ: أَنْتَ أُمِّي وَأُخْتِي، ( أي 17 : 14 ) لانكبهذه الطريقة تدخل في دائرة اكتىابية بفقدان الأمل وزيادة لخيرة القلب " فَأَيْنَ إِذًا آمَالِي؟ آمَالِي، مَنْ يُعَايِنُهَا؟ ( أي 17 : 15 ) ففي فقدان الأمل موت الايام وذبح النور وفرصة للظلمة بالتجول في الحياة والسيطرة علي الأذهان، فمهما كانت الامك ومشاكلك فالنور قريب " نُورًا قَرِيبًا لِلظُّلْمَةِ " وحتما ستتبدد الظلمة مهما إن طالت.

----------------------------------------------------------------

18

صوت موبخ أخر


اتخبل أن أيوب واقف أمامي الآن ونحن بصدد الإصحاح ال 18 واقول له " قلبي معك والدي العزيز ورجل الله المبارك " فبعد أن صمت اليفاز بدأ صديق أخر في التفوه بكلمات أخري، وللاسف لم يختلف إطلاقا عن صديقه الأخر، فنفس السيناريو ونفس الافكار وإن لم يزيد، ففي الحزء الأول من كلماته بداها بتوبيخ أيوب، لأن أيوب في ردوده لم يصمت بل كان يصفهم بأنهم لا يفهمون وأن الحكمة أتت الي عندهم وتوقفت عن الدخول " "صَحِيحٌ إِنَّكُمْ أَنْتُمْ شَعْبٌ وَمَعَكُمْ تَمُوتُ الْحِكْمَةُ! (أي ١٢ : ٢) وقال أيضا  كلمات تقلل من قيمتهم لديه بوصفه إياهم بالكذب وانهم بطالون وأنهم بلا حكمة لأنهم لم يصمتوا " أَمَّا أَنْتُمْ فَمُلَفِّقُو كَذِبٍ. أَطِبَّاءُ بَطَّالُونَ كُلُّكُمْ. لَيْتَكُمْ تَصْمُتُونَ صَمْتًا. يَكُونُ ذلِكَ لَكُمْ حِكْمَةً. (أي١٣: ٤-٥) ولذلك كان رد بلدد موبخا إياه بقوله " لِمَاذَا حُسِبْنَا كَالْبَهِيمَةِ، وَتَنَجَّسْنَا فِي عُيُونِكُمْ؟ ( أي 18 : 3 ) فقد بدأ بلدد بتوبيخ أيوب ويصفه بأن ايوب في ردوده لم يكن متعقل " تَعَقَّلُوا وَبَعْدُ نَتَكَلَّمُ. " وفي ترجمة التفسير التطبيقي جاءت " مَتَى تَكُفُّ عَنْ تَرْدِيدِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ؟ تَعَقَّلْ ثُمَّ نَتَكَلَّمُ " الغريب أن أيوب لم يبدأ بكلمات ضد أصدقاءه إلا بعد أن بدأوا هم أولا، فكانت معظم كلمات اليفاز بها إهانة لأيوب ولوم، وجعلته يأخذ طريق المدافع عن نفسه وعن كرامته، فايوب لم يكن فاهم ما يحدث له ولماذا حدث ومن هو الذي وراء هذا كله، هل يوجد غير الله، فلم يكن أمامه إلا الله ليتهمه، وكذلك أصدقاء أيوب عندما أرادوا أن يبرروا الله إتهموا أيوب بأن ما حدث له بسبب خطيته وشر قلبه، فالحديث أخذ مسلك اللوم والإدانة بعضهم علي بعض.

رأي بلدد في أيوب أنه شخص يهري في نفسه وكأنه مفترس يفترس ذاته بسبب غيظه  "  يَا أَيُّهَا الْمُفْتَرِسُ نَفْسَهُ فِي غَيْظِهِ، " وفي ترجمة كتاب التفسير التطبيقي جاءت " يَا مَنْ تُمَزِّقُ نَفْسَكَ إِرْباً غَيْظاً " بمعني أن أيوب بسبب غيظه بيأكل في نفسه وسيدمرها ـ نعم سيدمرها ـ هذا ما رأه بلدد، المشكلة ليست في واقع أيوب بل في طريقة كلمات أصدقاء أيوب والعمل علي إنتهاره دائما، فهو يريد أن يقول له أن واقع تجربتك التي هي نتاج خطيتك واضح وثابت كثبات الصخر وثبات الأرض " هَلْ لأجْلِكَ تُخْلَى الأرضُ، أَوْ يُزَحْزَحُ الصَّخْرُ مِنْ مَكَانِهِ؟ (أي ١٨ : ٤) بمعني أنه إن تزحزحت الصخور أو الارض فيمكن أن تتزحزح تجربتك، وكأن ما حدث لأيوب هو نهاية النهاية له ولن يخرج منه إطلاقا، ففي ردود أيوب علي اليفاز كلمات مشابهه لكلمات بلدد، فبلدد يقول له أنه يأكل نفسه بنفسه، وأيوب في رده علي اليفاز قال له نفس الكلمات بقوله إصمتوا فلن أأكل لحمي باسناني فأنا تارك نفسي أمام الرب فهو كفيلي " أسْكُتُوا عَنِّي فَأَتَكَلَّمَ أَنَا، وَلْيُصِبْنِي مَهْمَا أَصَابَ. لِمَاذَا آخُذُ لَحْمِي بِأَسْنَانِي، وَأَضَعُ نَفْسِي فِي كَفِّي؟ هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لا أَنْتَظِرُ شَيْئًا. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ. ( أي 13 : 14 ، 15 ) فيرجع بلدد يستخدم نفس كلمات أيوب متهما إياه بأنه سيأكل نفسه ويدمرها، إن طلب أيوب بسكوت أصدقائه طلب حكيم جدا وواقعي وإن نم فينم علي أنه حكيم وفاهم.

----------------------------------------------------------------

19

وضعوا انفسهم فصنعوا أزمة


يتكلم بلدد الشوحي عن أنه ليس للأشرار مجال للمعان الوجه " نُورُ الأشْرَارِ يَنْطَفِئُ .... (أي ١٨ : ٥) وإن كانت هذه حقيقة ولكن استخدامها عن ايوب يعتبرتعدي الحدود وإتهام سافر وليس من حقه الصاق هذا القول علي أيوب، فمهما كان واقع الألم والتجربة ومهما كان غموض الحدث فلا يجب تطبيق افكار من العموم للخاص بلا فهم وادراك روحي، فعندما تقال مثل هذه الأقوال في العموم كقول سليمان الحكيم " نُورُ الصِّدِّيقِينَ يُفَرِّحُ، وَسِرَاجُ الأشْرَارِ يَنْطَفِئُ. (أم ١٣ : ٩) يكون واقعها مقبول وللتعليم، علي خلاف شخصنة القول، فكثير من المشاكل تكون أحداثها بسبب اقول عامة تستخدم لتصف واقع اشخاص في تجارب والألم ليس لها نتائج تحليلي واضح وملموس.

يدخل بلدد الي داخل واقع أيوب الي خيمته المقصود بها حياته " النُّورُ يُظْلِمُ فِي خَيْمَتِهِ " ويصفها العتمة والظلمة ونورها المنطفيئ " وَسِرَاجُهُ فَوْقَهُ يَنْطَفِئُ " اي ليس للشرير نبادئ تنير خياته، فهذا القول حقيقة عامة ولكن لا يجب ان نوظفها لوصف حالة شخص في تجربة وجعة فنزيد جرحه، إن هذا الفكر موجود لدي أيوب فقد قال هو ايضا مثل هذا القول " كَمْ يَنْطَفِئُ سِرَاجُ الأَشْرَارِ، وَيَأْتِي عَلَيْهِمْ بَوَارُهُمْ؟ أَوْ يَقْسِمُ لَهُمْ أَوْجَاعًا فِي غَضَبِهِ؟ (أي ٢١ : ١٧) هذا من شدة الألم ومن الأقول التي سمعها من أصدقائه، فقد بهتوا عليه فحمله فوق الطاقة ولم يجد منطق غير هذا فتفوه بنفس ما تفوهوا به، هنا نري خطورة العلاقات مع الأشخاص الموضوعين في غير مكانهم الصحيح. 

ـ هم أصدقاء؟..... نعم أصدقاء. 

ـ وجب عليهم التواجد لمساندة صديقهم؟..... نعم وجب عليهم ذلك.

ـ قاموا بواجبهم بواقع صحيح؟....... لم يفعلوا ذلك،  فلم يكونوا في واقع صحيح نحو أيوب، فقد كان واقع وجودهم أزمة حقيقية فوق ازمة أيوب.

لاحظ كمية الكلمات السلبية التي استخدمها بلدد ليصف واقع ايوب بغير الحقيقة، قد قال: 

نور ينطفئ ـ خيمة تظلم ـ خطوات حياته تُقصر ـ وافكاره تكون سبب ازمته ـ يقع في شباك ـ مصيدة وفخ افكاره ـ رهبة ـ واهوال ـ زعر ـجوع ـ وبوار.. ( أي 18 : 5 ـ 12 )

ياااااه علي كمية الكلمات السلبية التي تفوه بها بلدد نحو أيوب، إنها كلمات ليست في واقعها الصحيح لأن هذا الصديق وضع نفسه مكان أيوب في تقييم الحدث، إن الوحيد الذي له حق تحليل واقعه هو ايوب صاحب الالم والتجربة،وأما المحيطين فعليهم شيئا واحدا هو المساندة والتعضيد وليس التحليل والتقييم كي لا يوقعوا الأخرين في ازمة جدبدة وزيادة احمال هم في غني عنها.

ـ سلطان ملك الأهوال: 

يضع بلدد الشوحي امام ايوب كلمات قاسية ومصطلحات تافهة تحتاج للتجاهل، لان في الإهتمام بها تستنزاف للطاقة الذهنية والوقت، فقد وضع امامه حقيقة ان المرض ليس له شفاء وأنه سيفترس أيوب إفتراسا من الجلد الي الاعضاء " يَأْكُلُ أَعْضَاءَ جَسَدِهِ. يَأْكُلُ أَعْضَاءَهُ بِكْرُ الْمَوْتِ. ( أي 18 : 13 ) فلا يجد اعتمادا في حياته لأنه سلم لملك الاهوال ـ ملك الموت " يَنْقَطِعُ عَنْ خَيْمَتِهِ، عَنِ اعْتِمَادِهِ، وَيُسَاقُ إِلَى مَلِكِ الأهْوَالِ. ( أي 18 : 14 ) إن بلدد يجسد روح الموت ليضعه في داخل عقل أيوب ليستقبله لان هذا مصيره، وان خيمته واصولهوفروعه ياخذها غريب ولا يكون لايوب ذكر فقد ابيد" ذِكْرُهُ يَبِيدُ مِنَ الأَرْضِ، وَلاَ اسْمَ لَهُ عَلَى وَجْهِ الْبَرِّ. ( أي 18 : 17 ) هذا التصور المرعب الذي رسمه بلدد أمام أيوب تفاهات يجب تجاهلها والإلتجاء للرب ليرفع كل تسلط غريب من عدو الخير الذي حرك اشخاص ليعيقونا عن نوال تعويضات الله وتدخلاته،  فقد رأي بلدد أن أيوب شرير ويستحق هذا ان يطرد الي الظلمة ويقطع نسله لأنه شرير ويستخق هذا " إِنَّمَا تِلْكَ مَسَاكِنُ فَاعِلِي الشَّرِّ، وَهذَا مَقَامُ مَنْ لا يَعْرِفُ الله". ( أي 18 : 21 ) تصور قلب بلدد تصور شرير ويحتاج لمن يسكته ويضع كمامة علي فمه او لمن يغير فكره الشرير الخاقد الذي لا يري صلاحا ولا نورا في الآخرين.

إن ملك الاهوال الذي اراد به ان يُرعب ايوب ليس له سلطان علي الاحياء، إلا بعد موتهم، بمعني ان الموت واقع سيحدث حتما للجميع إلا لمن سيكونوا موجودين وقت مجيى تلمسبح الثانيلإختكاف المؤمنين، ولذلك ليس الامر مرعب للغاية، فالموت قد يكون راحة لانه ينقل الإنسان من عالم الي عالم اخر، فقد رحل اخنوخ من عالم الي عالم اخر بلا بموت " وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ الله، وَلَمْ يُوجَدْ لأنَّ الله أَخَذَهُ. (تك ٥ : ٢٤) وكذلك إيليا النبي لم يري الموت ولكنه ؤحل من عالم الي عالم أخر بلا ملك الاهوال " وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَكَلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ. (2مل ٢ : ١١) إنه موقف رهيب حدث امام اليشع رجل الله ان يؤخذ منه إيليا بسلطان وقوة الهية نادرة الحدوث والتكرار، فملك الموت ما هو إلا فزاعة يستخدمها الجاهل ليرعب به الأخرين، ولا يجب استخدامه فيمثل ظروف ايوب، ملك الاهوال ليس له سلطان ليرعبنا نحن اصحاب زمن العهد الجديد لأن المسيح أباد سلطانه واباد الفزعة والرعب والتصورات الذهنية المصاحبة له "  فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأوْلادُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، (عب ٢ : ١٤) فليس من حق مهما كان او يكون ان يستخدم مصطلخات تقلل من روح الثقة في الله الذي نجي وينحي وسينجي، فالرب اله قدير يستطيع ان يشفيويقيممن الاموات، فلا يجب ان نسير بمنهج مدرسة اصدقتء أيوب.

----------------------------------------------------------------

ـ خاتمة

شكرا للرب لإتمام الجزء الثالث في دراستنا لسفر ايوب، وبمشيئة الرب سيكون لنا دخول في الجزء الرابع في وقت لاحق، صلواتكم.

.          محبكم القس عماد عبد المسيح 

-----------------------------------------------



------------------------------------

مع كا مل تحياتي - الي ان نتقابل في الجزء الرابع بمشيىة الرب




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس