النصيب والتعبيرات النفسية - الجزء الثاني - سفر ايوب
النصيب والتعبيرات النفسية
دراسة في سفر أيوبا
الجزء الثاني
بقلم القس عماد عبد المسيح
-----------------------------------------------------------
تنويه مهم
الكتاب الأول - الجزء الأول كان بعنوان : الطريق المدمر والسماح الإلهي - تحتوي الدراسة في الجزء الأول من الإصحاح الأول حتي الاصحاح السادس
-----------------------------------------------------------
الكتاب الثاني
وها نحن الأن بصدد الجزء الثاني لسفر أيوب بعنوان : النصيب والتعبيرات النفسية - تحتوي الدراسة في الجزء الثاني من الاصحاح السابع حتي الاصحاح الثاني عشر-
-----------------------------------------------------------
ملحوظة
في هذه الدراسات ندرس المواضيع الروحية الموجودة في سفر أيوب ولسنا بصدد تفسير السفر أية أية ، فإثناء دراستك ستدخل معنا من موضوع الي موضوع بحسب تسلسل الأيات والإصحاحات
-----------------------------------------------------------
الفصل الأول
القسمة والنصيب وحياة القلق
التعب ليس من القدرية
يتكلم أيوب عن الإنسان في عموم حياته أن الجميع غني وفقير لهم حياة السعي وفي النهاية أجرة جهاده وتعبه " أَلَيْسَ جِهَادٌ لِلإِنْسَانِ عَلَى الأَرْضِ، وَكَأَيَّامِ الأَجِيرِ أَيَّامُهُ؟ " أي ٧ : ١ فالجميع في تعب مستمر ، وهذا يعود بنا الي الحُكم الذي حُكم به علي البشرية عندما تكلم الرب مع أدم قائلاً : " وَقَالَ لآدَمَ: "لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. " ( تك ٣ : ١٧ ( فهنا التعب في نظر الإنسان قسمة قسمها الله له ، ولكن في الحقيقة ليست هكذا ، لأن الله لا يريد التعب للإنسان فقد خلقه في الجنة ، فالتعب هنا بمثابة حكم قضائي نتيجة العصيان وكسر الوصية وليس قسمة ونصيب ، وهو أيضاً اختيار الإنسان ذاته ، فقد كانت الوصية تقع في نطاق الاختيار بين الحياة والموت " وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ ". ( تك ٢ : ١٧ ( فقد وضع أدم في مكان الحياة ووضع أمامه اختيارين ، إما أن يبقي في الجنة ويحيا أو يأكل من الشجرة ويموت ، فاختار أن يأكل من الشجرة ، لذلك كان طريق الموت هو الحُكم البديل والطبيعي الذي اختاره أدم ، فالتعب والجهاد في الحياة يظهر أمامنا الصراع بين الحياة والموت ، فلأجل الحياة يتعب الإنسان في الحياة والتعب يوماً بعد يومٍ هو طريق الموت ، هذا ليتم القضاء الإلهي في خليقته علي الأرض . هذا تطلب من الله أن يوجِد حل ، لذلك تجسد الابن المبارك في صورة إنسان ليحمل الموت ويهب لنا الحياة " وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ " ( في ٢ : ٨ ( و أيضاً " لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ) " يو ٣ : ١٦ (بالتجسد جاء الحل الإلهي للبشرية ، ففي المسيح ابن الله الأزلي أعطي الحياة لكل مؤمنين العهدين القديم والجديد ، من بداية الخليقة إلي نهايتها فهو أزلي أبدي ولسلطانة لا نهاية " آيَاتُهُ مَا أَعْظَمَهَا، وَعَجَائِبُهُ مَا أَقْوَاهَا! مَلَكُوتُهُ مَلَكُوتٌ أَبَدِيٌّ وَسُلْطَانُهُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ " ( دا ٣ : ١٠٠) فالفداء والخلاص من الموت الأبدي يكمن في دائرة السلطان الإلهي ، لذلك لا فائدة لكل جهاد الإنسان لإعطاء الحياة لنفسه ، فالحياة الأبدية هي في دائرة السلطان الإلهي ، أما الحياة الدنيا فهي ممنوحة من الله للإنسان ، فما علي الإنسان إلا أن يحافظ عليها ، ومن هنا يأتي التعب ، وقد يقول احدهم كما قال أيوب " أَيَّامِي أَسْرَعُ مِنَ الْوَشِيعَةِ، " - الوشيعة : مَكُّوكِ النَّسَّاجِينَ - فمكوك النساجين يعمل ذهاباً وإياباً إلي وقت النهاية ذهاباً بلا إياباً ، هذا هو الإنسان في نظر أيوب .
القلق قسمة ونصيب :
إنه من الأفكار الخاطئة الاعتقاد بأن كل الخليقة لها من القلق نصيب ، هذا ما يدور في مخيلة أيوب ومخيلة كل البشرية " كَمَا يَتَشَوَّقُ الْعَبْدُ إِلَى الظِّلِّ، وَكَمَا يَتَرَجَّى الأَجِيرُ أُجْرَتَهُ، هكَذَا تَعَيَّنَ لِي أَشْهُرُ سُوءٍ، وَلَيَالِي شَقَاءٍ قُسِمَتْ لِي. إِذَا اضْطَجَعْتُ أَقُولُ: مَتَى أَقُومُ؟ اللَّيْلُ يَطُولُ، وَأَشْبَعُ قَلَقًا حَتَّى الصُّبْحِ) " أي ٧ : ٢ - ٤ ) وكأنها ضريبة وضعت علي البشرية ، فيمر الإنسان بأيام وأشهر خير ورخاء ويمر أيضاً بأشهر سوء وليالي شقاء ، وتكون النتيجة ومن نصيب الإنسان أن يُكتب له القلق والاكتئاب .
نحن لا نؤمن بـ " القضاء والقدر أو القدرية والمكتوب والقسمة والنصيب " لأنها عقيدة تهين الخالق ، لأنها تفقد الإنسان مسئوليته تجاه الأحداث ، وتضع كامل المسئولية علي الله ، في حين أن جميع الأحداث في مرها وحلوها هي مسئولية الإنسان أولاً وأخيراً لأن " اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي يَدِ اللِّسَانِ، وَأَحِبَّاؤُهُ يَأْكُلُونَ ثَمَرَهُ) " أم ١٨ : ٢١ ( فمن خلال أفكارك وتصرفاتك وكلامك ترسم لنفسك ولمن حولك الحياة أو الموت البركة أو اللعنة " لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَان "( مت ١٢ : ٣٧ ( فكما تفكر في داخلك تكون ما أنت عليه ، فكن ايجابياً ولا تكن سلبياً ، كي تحصد من ثمر تفكيرك وكلماتك .
القضاء الالهي ليس قسمة ونصيب :
القضاء الإلهي عندما يتحرك في عالمنا فهو يتحرك بقوانين روحية ومبادئ كتابية " اَلرَّبُّ مُجْرِي الْعَدْلِ وَالْقَضَاءِ لِجَمِيعِ الْمَظْلُومِينَ " ( مز ١٠٣ : ٦ ( فهو لا يتحرك عشوائياً ، فإنه يتحرك بالعدل ، والعدل لا يتحرك إلا دستورياً من خلال مبادئ وقوانين ، فالمبادئ والقوانين لا توجد إلا من خلال الكلمة الحية المعلنة في الكتاب المقدس ، فهو ليس كتاب ألف ليلة وليه ، ولكنه كتاب يدب بالحياة ، ومبادئ الكلمة المقدسة ما زالت تعمل ، فهي حية وفعالة " لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ " ( عب ٤ : ١٢ (ولأنها حية وفعالة فهي قادرة علي تمييز القلب بأفكاره ونياته وقادرة علي اختراق أعماق النفس والروح ، فمن هنا يعمل القضاء الإلهي " وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا " ( عب ٤ : ١٣ ( فهو من خلال كلمته المقدسة حَكم علي شعب الله قديما بعدم الدخول الي راحته " فَلْنَخَفْ، أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ وَعْدٍ بِالدُّخُولِ إِلَى رَاحَتِهِ، يُرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنَّهُ قَدْ خَابَ مِنْهُ " ( عب ٤ : ١ ( لا أقصد هنا فقدان الحياة الأبدية من عدمه ، لكني قصدت أن قضاء الله وحكمه لم يكن جزافياً بل بحسب القوانين الإلهية التي لشعب الله لهم في ذلك الوقت فقد كان موسي وقتها يسمي كليم الله ، فعصيانه هو بمثابة عصيان الرب " لأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضًا قَدْ بُشِّرْنَا كَمَا أُولئِكَ، لكِنْ لَمْ تَنْفَعْ كَلِمَةُ الْخَبَرِ أُولئِكَ. إِذْ لَمْ تَكُنْ مُمْتَزِجَةً بِالإِيمَانِ فِي الَّذِينَ سَمِعُوا " ( عب ٤ : ٢ ( لذلك عندما الله يُقًسِم غاضبا..ً فهذا حقه لأن الإنسان لم يستمع للحق ولصوت الرب " فَإِذْ بَقِيَ أَنَّ قَوْمًا يَدْخُلُونَهَا، وَالَّذِينَ بُشِّرُوا أَوَّلاً لَمْ يَدْخُلُوا لِسَبَبِ الْعِصْيَانِ، " ( عب ٤ : ٦ ( فالعصيان والتمرد وعدم سماع الكلمة المقدسة وعدم السلوك بقداسة يقود الإنسان لدائرة القضاء الإلهي ، ولنلاحظ أن التأديب يدخل في دائرة القضاء الإلهي الممتزجة بالأبوة فيقف مع ابنه في وقت حكمه عليه ، فقد حُكم علينا بالموت والهلاك ولكن لأننا أبناء أتي بنفسه ليفدينا من حكم الموت ، ففي وسط قوة القضاء الإلهي كانت المحبة الأبوية تعمل لجذب شعبه وأولاده لأنهم أبناء .
المستوي الأبوي الذي للأب نحونا نحن الأبناء في قوانينه الإلهية يبني علي العطاء الإلهي الذي تم في الصليب بتجسد الابن المبارك ، من أجل ذلك نري أن القضاء الإلهي والدينونة لا يعملان إلا علي الأشرار والبعيدين والرافدين ، أما علي الأبناء الذين تطهروا بدم المسيح فلا دينونة عليهم وبالتالي القضاء الإلهي يعمل في صورة التأديب " إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ) " رو ٨ : ١ ( وهذا ما تمتع به داود إذ قال : " تَأْدِيبًا أَدَّبَنِي الرَّبُّ، وَإِلَى الْمَوْتِ لَمْ يُسْلِمْنِي. " ( مز ١١٨ : ١٨ ( ففي التأديب معرفة وفهم " اِسْمَعُوا أَيُّهَا الْبَنُونَ تَأْدِيبَ الأَبِ، وَاصْغُوا لأَجْلِ مَعْرِفَةِ الْفَهْمِ، " ( أم ٤ : ١ ( من أجل هذا نحن لا نؤمن بالقدرية ولا بالقسمة والنصيب .
اللعنات ليست قدرية :
عندما تحدث مصيبة أو كارثة لفرد أو عائلة ابحث أولاً عن مستوي الفرد روحياً وعن قامته فإن كان علي قدر كافي من المستوي و القامة الروحية فلتعلم أن ما يحدث تجربة تحتاج لجهاد روحي في الصلاة والاقتراب نحو دوائر الحماية الإلهية التي تكمن في حياة المعرفة الكتابية والسلوك المقدس والثقة في أن حماية الله قائمة ويستطيع المؤمن أن يتمتع بها ، ففقدان الثقة يضعف من مستوي السياج الإلهي لأنها تعمل بقوانين ومبادئ إلهية .
أما ثانياً فتبحث حيث الخطية واللعنات المتوارثة من جيل لجيل ، فاللعنات لها دور فعال في المصائب والكوارث التي تحدث للفرد أو العائلة ، فكارثة القتل والزني التي لاحقت عائلة داود النبي سببها أن داود زرع خطية الزني والقتل فتوارثتها العائلة ، وكارثة الكذب في حياة أبونا إبراهيم لدرجة دفع زوجته في أحضان غريب من أجل النجاة من الموت ، تكررت مرتين في حياته وتكررت في حياة إسحق ابنه ، فتوارث اللعنات حقيقة أكيدة يحتاج المؤمن في أن يدركها ليتحرر من قبضتها ، ولكي تكسر اللعنات يحتاج المؤمن الذي أكتشف وجودها أن يتوب عن أبائه ليرفع الرب الدوائر الإبليسية النشطة في حياة الفرد أو العائلة ، فاللعنات الروحية ما هي إلا تكثيف لقوي الشر في منطقة ما سواء حول فرد أو عائلة ، فاللعنة اللاحقة بشخص ما ليس معناها أن الشخص ملعون ، كلا ، بل اللعنة لاحقة ببعض الأشياء والممتلكات فلا يجد فيها بركة ، وقد يجد خسائر متكررة وبنفس الصورة فقد تجد عائلة يتكرر فيها الطلاق الزني القتل أو الموت في سن معينة ، أو متكرر في العائلة الانفصال والمشاكل بين الزوجين وهكذا ...... الخ ، هنا يجب علي المؤمن أن يدرك هذا ويسير نحو كسر هذه اللعنات التي أكتشفها .
لكسر أي لعنة يحتاج من الإنسان المؤمن أن يهتم بكل ما هو روحي ، كالصلاة ، والصوم ، وتكريس الوقت أمام الرب ، وطلب الحماية في دم المسيح ، والعمل علي انتهار كل أرواح شر متواجدة لتحقيق اللعنة ، ومشاركة مؤمنين لهم مستوي إدراك روحي لهذا الأمر ليشاكوا الصلاة من اجل كسر أي لعنة ، وليدرك المؤمن أن له حق الحماية والبركات في المسيح ، وأن ليس لإبليس أي حق في التواجد في دائرة حياة هذا المؤمن ، وأن للمؤمن حق الدوس علي إبليس وجنوده وعلي كل قوة العدو ، فعندما يتواجدوا بكثافة لإحداث لعنة ، للمؤمن الحق علي أن يدوس عليهم بسلطان ابن الله الممنوح له بالإيمان باسمه .
-----------------------------------------------------------
الفصل الثاني
مرارة النفس التي لأيوب
الدراسة خاصة جداً ومهمة جداً لإنهاء تعالج كل مر النفس ، وسنتجول في سفر أيوب لدراسة مرارة النفس مستغلين الأحداث التي مر بها أيوب ، لذلك من المهم جداً أن تتابع معنا هذا الدراسة وتقرأها بتمعن وبروح الصلاة .
الأحداث الكثيرة المحيطة بنا ولا تمس حياتنا لا تصيبنا بمرارة النفس ، لكنها تصيبنا بالإكتئاب المؤقت التي تكون مدته دقائق أو ساعات بسيطة عند قراة الخبر أو سماعه ، وعند خروجنا من دائرة الخبر وننشغل في أشياء أخري يزول تاثير الخبر ويزول الاكتئاب المرتبط به ، فالإبتعاد عن تفاصيل الأخبار التي لا تخصنا يساعد علي عدم الإصابة بالإكتئاب مدة أطول ، فكن دائماً عميق في تعاملاتك بسيط في تفاعلاتك ، العمق في التعامل يحتاج تقدير لما هو مهم فنتعامل معه بجدية ، أما بساطة التفاعلات تحتاج عدم التركيز علي المشاعر والأحاسيس عند سماع اي حدث ، وهنا نتفادى حياة الاكتئاب حتي ولو كانت ستكون لدقائق .
الأحداث التي تخصنا ونكون طرف فيها تصيبنا بالإكتئاب والقلق طول مدة الأحداث ، وعندما نكون ينتابنا شعور بالظلم ولا نري مخرج يصير الأمر لمستوي مرارة النفس ، فيكون حال لساننا كما قال أيوب " أَنَا أَيْضًا لاَ أَمْنَعُ فَمِي. أَتَكَلَّمُ بِضِيقِ رُوحِي. أَشْكُو بِمَرَارَةِ نَفْسِي. أَبَحْرٌ أَنَا أَمْ تِنِّينٌ، حَتَّى جَعَلْتَ عَلَيَّ حَارِسًا؟ إِنْ قُلْتُ: فِرَاشِي يُعَزِّينِي، مَضْجَعِي يَنْزِعُ كُرْبَتِي، تُرِيعُنِي بِالأَحْلاَمِ، وَتُرْهِبُنِي بِرُؤًى، فَاخْتَارَتْ نَفْسِي الْخَنِقَ، الْمَوْتَ عَلَى عِظَامِي هذِهِ " ( أي ٧ : ١١ – ١٥ ) المعاناة التي عناها أيوب جعلت في داخله أسئلة ليست لها إجابة ، وهذه الأسئلة دفعت العقل الباطن ليجيب عليها في صورة أحلام وهواجس الليل ، فكانت أحلام مرعبة " تُرِيعُنِي بِالأَحْلاَمِ، وَتُرْهِبُنِي بِرُؤًى، " ولأنه لا يعلم مصدر الأحلام فقد نسبها لله ، فكانت تزيده حيرة وتعب نفسي " أَتَكَلَّمُ بِضِيقِ رُوحِي. أَشْكُو بِمَرَارَةِ نَفْسِي " فمرارة النفس توجد عندما لا يكون ردوداً لما يحير.
فمن يجيب هذه الأسئلة :
لماذا فقد كل شئ ؟
خسر أولاده مرة واحدة .. لماذا ؟
خسر عبيده وغلمانه .. لماذا ؟
فقد صحته .. لماذا ؟
خسر المواشي والجمال والأتن ... لماذا ؟
كل هذا في وقت واحد ، يزيد علي هذا الأحلام التي ترهقه ليلاً ، هذا غير كلمات أصدقائه التي كانت تزيده ألاماً " قَدْ سَمِعْتُ كَثِيرًا مِثْلَ هذَا. مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ " ( أي ١٦ : ٢ ) جميع هذه الأسئلة تجعل داخل النفس مشاكل وأحاسيس وأصوات ، فلن ينسي أيوب صوت الغلام وهو يقول له " وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَعَ، فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَك " ( أي ١ : ١٩ ) هذا مع إحساس الألم والحزن والأسى الذي رافق هذا الصوت .
كل هذه الأحداث تقود المرء للاكتئاب وللمرارة ، ولا سيما عندما لا يجد من يواسيه أو يأخذ بيده ، فالإنسان بطبعه اجتماعي ويحتاج دائما لمن يكون بجواره ويسنده ، أما عندما لا يجد أحداً يزيد هذا من كآبته ، فقد وجد أيوب أصدقاء ولكنهم كانوا أصحاب أفكار تزيد الهم والغم فلم يتعزي بهم .
كي لا يصاب الإنسان بمرارة النفس يجب أن يتحكم في مستوي التفكير في وقت الأزمات ، فلا يسمح لعقله الواعي أن يسأل أسئلة محيرة ليست لها إجابة ، بل ليصمت ويهدأ وبعد مرور وقت من الأزمة يبدأ في التفكير والتحليل ليصل للحلول ، مع ملاحظة عدم التحميل علي النفس ، لأن التفكير المستمر دون أخذ هدنة يصيب الإنسان بالقلق والتوتر مع حدوث بعض المشاكل في الجهاز العصبي الذي بدورة يصيب بعض أجهزة الجسم بالتعب أو الأمراض ، من أجل ذلك رأيت أن أكتب لكم سبعة وصايا للخروج من الاكتئاب ولعدم الدخول فيه .
الوصايا السبعة للخروج من الاكتئاب :
أسباب يجب أن تأخذ حذرك منها كي لا تصاب بالاكتئاب :
لم يخلقنا الله لنعيش مُكتئبين ، لكنه خلقنا لنعيش في فرح دائم وسلام داخلي مستمر ، فالإكتئاب ومرارة النفس إمور دخيلة علي حياة الإنسان فيجب رفضه وعدم الإستسلام لهما ، الإكتئاب والقلق أول طريق مرارة النفس ، لذلك إن أردت الوقاية عليك الإبتعاد عن كل مسببات القلق والاكتئاب ، أو بمعني أخر لا تجعل قلقك يطول لأنه يدفعك للإكتئاب والإكتئاب عندما يطول يدفعك لمرارة النفس ، لا يوجد مرارة نفس بلا اكتئاب لذلك إن أردت علاج مرارة النفس عليك معالجة الإكتئاب .
ما يسبب الاكتئاب :
الوصية الأولي :
عدم المقدرة في الحصول علي بعض الأشياء الأساسية في الحياة يسبب الاكتئاب وعندما يكون المعطل أمامك من هو مُوّكل لمساعدتك في تحقيق اهدافك فحينها تشعر بالمرارة والتعب النفسي ، فكثرة الطموح والأهداف الغير محققة تُدخل الإنسان في مستوي من الإكتئاب ، أيضاً المكاسب القليلة والمشاريع الفاشلة ، فمجرد التفكير فيها يقود للاكتئاب لأنها أصبحت ماضي قريب ، يجب أن يبتعد الإنسان عن التسليم للعقل في التفكير فيه.
إن كل المفشلات والأهداف الغير محققة يوماً ستصير ماضي بعيد ، وما لم تحصل عليه اليوم سيأتي اليوم الذي تحصل علي كل ما تريد ، من خلال وقت من الصبر والمثابرة مع الصلاة ليرتفع المؤمن فوق كل ارواح الإكتئاب .
كثيرون يتعلقون بالأشياء سواء كانت بين أيديهم أو يسعون للحصول عليها ، وعندما يفقدوها يدخلون في نوبات من التوتر والاكتئاب ولا سيما عندما تكون الخسارة كبيرة فيصاب الشخص بمرارة وتعب نفسي عميق ، لكن عندما لا يتعلق الإنسان بالأشياء والأشخاص تقل فرص الإصابة بأي من المشاكل النفسية الناتجة من الأحداث المحيطة بنا بسهولة .
إن عدم التعلق بالأشياء والأشخاص والتمسك بالرب وبكلمته يجعل داخل النفس " حائط صد " أي قوة مضادة للتوتر والقلق والاكتئاب فلا يصل المؤمن لمرارة النفس فيستطيع الإنسان التمتع بالسلام الإلهي وإستقبال التعزية والتعويضات الإلهية ، فقد فَقَدَ أيوب كل شئ فقد كان قلبه متعلق بكل ما حوله ، خسر الكل لذلك اكتئب " فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ، (أي ١ : ٢٠) هذه التصرفات تعلن روح الحزن الذي اقتحم حياة أيوب ، وبحسب ارتباطه بما فقده يكون مستوي الحزن شديد والتعرض للإكتئاب مرتفع ، والذي حفظ أيوب هو إيمانه بالله والتمسك بمبادئ الإيمان .
بعد مرحلة فرم جسدي ونفسي ابتدأ أيوب يسمع صوت الرب المطمئن فقال أيوب لله "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ.......بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي. (أي٤٢: ٢، ٥) تم التعويض الإلهي علي أيوب بعد أن تعلم كيف يري الرب بطريقة مختلفة ، ويري العالم بالمنظور الإلهي ، أن التعلق بغير والأشخاص لا ياتي من ورائهم غير التعب ، لذلك إرتبط بكل ما ومن حولك ارتباط روحي لخدمة اشخاصهم وإستخدام الأشياء لمجد الله
الارتباط بالأشياء والتعلق بهما يقودان الإنسان لمستوي من القلق والتوتر ، عندما تعلق يوسف بقميصه الملون كانت فرصة حدوث الإصابة بالاكتئاب قريبة جداً ، وعندما تعلق بإخوته وفقدهم وبيع عبد زادت نسبة الإصابة بالخوف والقلق والتوتر والاكتئاب " دخل الحديد إلي نفسه " لذلك تعلم أن لا يتعلق بقميص أهدي إليه في بيت فوتيفار ، واستطاع أن يتركه في يدها عندما أرادت أن تمسك به لفعل الخطية ، فأدعوك أيها القارئ العزيز أن لا ترتبط بالأشياء أو الأشخاص كي لا تصاب بمشاكل نفسية .
الوصية الثانية :
الأخطاء والخطايا الشخصية المكتشفة للغير ، التي تعتبر في لستة الفضائح ، سواء كانت بسيطة أو معقدة ، تقود للاكتئاب إن تبنيتها ولم تعمل لتصحيح الصورة أو الموقف ، كما يمكنك ترك كل ما هو فوق استطاعتك فالرب كفيل بتصحيحه .
عندما يسقط إنسان في خطية أو زلة ، ينتابه شعور بالذنب ، وهذا يقوده لموقفين ، إما التوبة ومسامحة النفس ، أو الشعور بالتدني وعدم الغفران لنفسه عن ما فعل ، فإن تمسك بالشعور بالذنب يكون مستعداً للإصابة بالاكتئاب ومرارة النفس ، يوجد فئة من البشر عندما تفعل شر أو تسقط في خطية معينة ولا يراها أحد ، تستهين بما فعلت ولا تفكر في الأمر ، ولكن عندما تكتشف أن أمرها فضح تبدأ في التوتر والاكتئاب ، من أجل ذلك يجب علي الإنسان أن يأتي للرب تائبا عن كل ذلة قبل أن تكتشف وبعد اكتشافها للغير ، فقد ندم إنسان عن الزني والقتل بعد أن يكتشف أن ما فعله أكتشف لغيره " يَا رَبُّ، لاَ تُوَبِّخْنِي بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ.تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي. (مز٦: ١، ٦) فيفعل كما فعل داود عندما إكتشف ناثان بالروح خطية داود ، فندم وقدم توبة ، فقال يوناثان له " فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: "أَنْتَ هُوَ الرَّجُلُ! هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: أَنَا مَسَحْتُكَ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ وَأَنْقَذْتُكَ مِنْ يَدِ شَاوُلَ،لِمَاذَا احْتَقَرْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ لِتَعْمَلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيْهِ؟ قَدْ قَتَلْتَ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ بِالسَّيْفِ، وَأَخَذْتَ امْرَأَتَهُ لَكَ امْرَأَةً، وَإِيَّاهُ قَتَلْتَ بِسَيْفِ بَنِي عَمُّونَ.فَقَالَ دَاوُدُ لِنَاثَانَ: "قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ". فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ. (2صم١٢: ٧، ٩، ١٣) لماذا نستمر في الشر بلا توبة إلا عندما تُفضح ، إنها تفتح علي حياتنا أبواب من الدمار والتدخلات الشيطانية ، وتفتح أبواب نفسية علي حياتنا ، فدعونا نقدم للرب توبة حقيقية عن كل ماضينا ، فالتوبة باب مريح وشفاء روحي للنفس البشرية .
لم يكن لأيوب خطية تذكر إلا الخوف من أن تفقد منه الممتلكات ، لذلك لم يكن الإكتئاب الذي اكتأبه نتيجة ذلة أو خطية ، فالإكتاب فقد كان لسبب الخسائر التي حدثت وكانت فوق مستوي احتماله ، ولولا معونة الرب له لكان تدمر عقله
الوصية الثالثة :
المعاملات السيئة التي من الغير تسبب اكتئاب ولا سيما عند عدم المقدرة علي الثأر أو عدم المقدرة والحصول علي الحقوق ، ومع مرور الوقت وطول المدة مع تكرار التعدي من الغير والتفكير العميق والشديد في الأحداث تصيب المرء بالمرارة الداخلية ، فلا تسعي لتثأر كي لا تدمر نفسك فإلهك إله التعويضات.
أكثر الأشياء التي تجعل الإنسان في دوائر الاكتئاب هي المعاملات السيئة من الغير ولا سيما من الأقارب ، فالأب أو الزوج عندما لا يعطي حنان وحب ويتعامل بالقسوة يقود الأخريين للاكتئاب ، هذا لأن التركيبة النفسية للإنسان تعمل علي الحرية وعدم القيود ، فالقسوي قيد من القيود التي تكبل النفس البشرية ، فالشعوب الحرة لا تجد فيها مظاهرات وعنف جماعي يلاحظ ، أما الشعوب التي تنال من قادتها القسوة والصرامة بلا حساب أو قانون تصاب بالاكتئاب ومرارة النفس ، وعند الوصول لدرجة الغليان يحدث انفجار نفسي فيحدث فوضي ينال من خلالها كل مكتئب ومضغوط الحرية التي بلا رابط ، فيتدمر المجتمع ويحتاج لمن يتفهم حالته ويعالجه نفسياً ويسدد فاتورة الإصلاح .
يوجد فرق بين القسوة كمنهج مستمر وبين التأديب للتعلم والفهم ، فالقسوة عندما تكون كمنهج مستمر تدفع الإنسان للإحساس بالظلم ويكون عرضة للإحساس بالشعور بالمرارة ، أما التأديب يجب أن يرافقه تهذيب واحتضان وتعلم " تَأْدِيبًا أَدَّبَنِي الرَّبُّ، وَإِلَى الْمَوْتِ لَمْ يُسْلِمْنِي. (مز ١١٨ : ١٨) فالتأديب يجب أن يكون بحكمة وليس بتهور يصل للموت ويكون هدفه المعرفة والإستقامة " لِقُبُولِ تَأْدِيبِ الْمَعْرِفَةِ وَالْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالاسْتِقَامَةِ. (أم ١ : ٣) فرافدي التأديب يصيروا في طريق الغباء " مَنْ يُحِبُّ التَّأْدِيبَ يُحِبُّ الْمَعْرِفَةَ، وَمَنْ يُبْغِضُ التَّوْبِيخَ فَهُوَ بَلِيدٌ. (أم ١٢ : ١)
كان لدي أيوب إثناء التجربة إحساس بالقسوة والمعاملة السيئة من أهل بيته ومن أصحابه فقال لهمْ ، فهو يعلم جيداً أنه لم يفعل شراً يستحق ما حدث له " سَمِعْتُ كَثِيرًا مِثْلَ هذَا. مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ ( أي ١٦ : ٢ ) فلم يتفهمون طبيعة أيوب وطبيعة التجربة ، فقد حكموا علي أيوب بأن ما جري له مرتبط بشر وبخطية ، فقد كانوا سبب الأم نفسية شديدة لأيوب " إِنْ تَكَلَّمْتُ لَمْ تَمْتَنِعْ كَآبَتِي، وَإِنْ سَكَتُّ فَمَاذَا يَذْهَبُ عَنِّي؟ (أي ١٦ : ٦) وصل أيوب لمستوي من الإكتئاب بل أقول وصل لمستويات من مرارة النفس ، ففقدان كل نسله أمراً ليس بسيطاً ، ولكن لولا معية الرب لكان قد فقد عقله .
تعاملت زوجة أيوب مع أيوب بطريقة معينة للغاية بقولها له عندما " فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ شَقْفَةً لِيَحْتَكَّ بِهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ الرَّمَادِ.فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: "أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ؟ بَارِكِ اللهِ وَمُتْ!". (أي٢: ٨-٩) كلمة بَارِكِ - curse تعني العن ، وفي العبري בּרך وتنطق bârak - باراك وتعني يبارك نفسه للموت ، وكأننا تقول له خلاص راحت ليك انت في النفس الاخير ، فلم تقل له الف سلامة عليك ، ربنا يشفيك يا حبيبي ، إهانة لم تتكلم معه لتواسيه وتعزيه بل وكانها تتمني له الموت ، اليس هذا أمراً مؤلماً ، كل شيئ حول أيوب ينهار ، فالذي حفظ أيوب من الإنهيار هو إيمانه بالله إيمان حقيقي .
عندما يدخل الإنسان في مرحلة من الديون التي فوق مستوي الطاقة ولا يجد لنفسه مخرج ، تُصيبه بالضيق ومرارة النفس " وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ كُلُّ رَجُل مُتَضَايِق، وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَكُلُّ رَجُل مُرِّ النَّفْسِ، فَكَانَ عَلَيْهِمْ رَئِيسًا. وَكَانَ مَعَهُ نَحْوُ أَرْبَعِ مِئَةِ رَجُل. (1صم ٢٢ : ٢) فالمديون للغير ولا يقوي علي تسديد ديونه تجد المُداين يتعامل مع المديون بطريقة المطالبة الملحة والتهديدات بالمقاضاة ، فينتابه شعور بالضيق ومرارة النفس " وَلَمَّا خَرَجَ ذلِكَ الْعَبْدُ وَجَدَ وَاحِدًا مِنَ الْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ، كَانَ مَدْيُونًا لَهُ بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ بِعُنُقِهِ قَائِلاً: أَوْفِني مَا لِي عَلَيْكَ. (مت ١٨ : ٢٨) هذه صورة صاحب الدين الملح والعنيف ، ولأنه صاحب حق فيستطيع أن يفعل في المديون إموراً قانونية ولا يُلام ، لذلك اقدم نصيحة لكل مُقدم علي مشروع او عمل ، لا تكون مفرط في الإستدانه التي تكون فوق الطاقة ، والتي ليس لك ما تفكه لتسديد ديونك ، فعلي سبيل المثال تجد سياسة البنوك لا تقرض أحداً إلا من له ضمان عقاري او شيئاً تضمن بها حقها في حالة تعسر المديون ، وتحمي المديون من السجن ، فلنسير في طريق حكيم وبلياقة فلا نصاب بأي من أنواع القلق والاكتئاب ومرارة النفس .
الوصية الرابعة :
لا تسعي وراء تفاصيل الإمور إلا إذا كنت طرف مهم لحل الأزمه ، لأن هذه التفاضل تُخزن كصور وأحاسيس داخل العقل الباطن وتخرج في وقت ما مسببة اكتئابا أو قد تساعد علي الاكتئاب ، يقف الإنسان دائماً بجوار الأحداث طالباً معرفة الجديد فيها ، مع إنها قد تتدرج في نطاق الثقافة لكنها تترك أثارها داخل النفس البشرية ، فقد تنتهي الأحداث تاركةً ورائها صور وأصوات و أحاسيس تستمر طول العمر ، ففي أحداث ٢٠١١ م لا ننسي إطلاقاً أحداث التحرير وجمعة الغضب و.... الخ ، هذه الأحداث تركت داخل كثيرين أثار نفسية سيئة جداً ، ولكي يتخلصوا منها أغلقوا التلفزيونات وتركوا الأحداث تمر دون متابعتها لأنها سببت لهم توتر وقلق والبعض عاني من الاكتئاب .
أما بخصوص الأحداث القريبة من النفس البشرية التي تخص الذات أو الأسرة أو العائلة فرجاء عدم الاهتمام بجميع تفاصل الأمور إلا للتي تساعد في قرارات مصيرية ، أما التي علي هوامش المواضيع فإتركها دون معرفة تفاصيلها ، يكون أفضل من البحث في تفاصيلها ، لأن التخلص من الصور والأحاسيس والأصوات المخزنة في العقل الباطن ليس بالسهل ، يحتاج الإنسان إلي تغيرها من الداخل واستدعائها للذهن الواعي وتغير معالمها ، ولشرح هذا دعني أضع أمامك هذا الحوار .
أتت لي شابة تبلغ من العمر خمسة عشر سنة ومعها الأم ، تشكي الأم من أن ابنتها تحب شاب يكبر عنها بخمسة سنوات ، ونصحتها الأم كثيراً ولكن دون جدوى ، فسألت الابنة هل تريدين التخلص من التواصل و التفكير في هذا الشاب ، قالت نعم لكني حاولت كثيراً ولم أستطيع ، قلت لها هل تستطيعين أن تستدعيه الأن في ذهنك ، قالت نعم هو الآن أمامي ، قلت لها رائع يمكنك الآن استدعاء أخر مقابلة بأحداثها وأصواتها وأحاسيسها ، قالت استدعيت ، قلت لها غيري في شكله ( في الوجه) ، وغيري في صوته سيتم تغير الإحساس نحوه تلقائياً ، ففوجئت بعد دقيقة بضحكات هستيرية ، قلت لها ماذا ؟ قالت هاهاها لن أستطيع أن أقابله بعد الآن لأني كلما رأيته لن أتمالك نفسي وسأفتكر أخر موقف وسأضحك في وجهه .. لا لا انه إحساس جديد ، لم أكن أتصور أنني أستطيع فعل هذا داخلي تجاهه ، فعلاً إن الإحساس الأول تبدد ، خرجت الأم وأبنتها وهم في أحاسيس مختلفة ، إن إمكانية تغيير الصور والمواقف داخل النفس البشرية من أهم الأمور التي تُعجِل بشفاء النفس من الاكتئاب والقلق .
مثل هذا القصة الحقيقية يوجد مثيلتها في كلمة الله ، فتبديل الصور يفعله الله كثيرا. في معاملاته مع شعبه ، ليس لأنه في تعب نفسي ويحتاج لتبديل الصور ، بل لأن هذا منهج إلهي يعلنه ليتحقق في شعبه ، يقول الرب " لأَنِّي عَرَفْتُ الأَفْكَارَ الَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَفْكَارَ سَلاَمٍ لاَ شَرّ، لأُعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً. (إر ٢٩ : ١١) دائماً الأفكار تسبق الأحداث ، فقبل أن أتمم ما افكر فيه يكون الفكر قد تصور صور كاملة ليعطي للجسد او للكيان اتجاه حركي او قرار لتنفيذ التصور الفكري ، فماذا يتصور الرب لشعبه واولاده ؟ إنها أَفْكَارَ سَلاَمٍ لاَ شَرّ، آخِرَةً وَرَجَاءً. وماذا ستكون النتيجة أن من يقتربون إليه سينالون ما فكر فيه الرب من أجلهم ، دائماً يرتبط بالصور والتصورات القلبية احاسيس ، فالسلام له إحساس وواقع صوتي داخلي يسمع داخل الكيان الداخلي ، لذلك كان الفكر الذي في قلب الله كامل في صورته وأحاسيسه وأصواته ، لذلك يستطيع أن يحققه ويمنحه للقريبين منه .
حتي الشرير يستطيع أن يتصور في المساء تصورات قلبية وفي الصباح يفعلونه " وَيْلٌ لِلْمُفْتَكِرِينَ بِالْبُطْلِ، وَالصَّانِعِينَ الشَّرَّ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ! فِي نُورِ الصَّبَاحِ يَفْعَلُونَهُ لأَنَّهُ فِي قُدْرَةِ يَدِهِمْ. (مي ٢ : ١) فالشرير يجلس في أمان داخل بيته وفجأة يبدأ في التفكير والتخطيط في الشر ، فعندما تكتمل الصورة داخله يتملكه إحساس محفذ للتنفيذ ، وينال صوتاً داخلياً للتحرك ، كل هذا يكون داخل الفكر ، وعلي العكس في كل إمورنا نستطيع أن نتخلص من كل مشاكلنا التي تسبب الإكتئاب بتغير الصور الداخلية فيتم تحريرنا .
إن الرب قبل أن يخلقنا تصور داخل قلبه كيف نكون فخلقنا بحسب فكر قلبه " وَقَالَ اللهُ: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ". فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. (تك ١ : ٢٦ ، ٢٧) ولأن الله خلقنا علي صورته أعطانا نفس الإمكانية أن نتصور داخلنا فنحقق ما تصورناه وشعرنا به
** اليك بعض الشاهد الكتابية التي يمكنك دراستها لأنها تحمل نفس الفكر (تك ٦ : ٥) ،(مز ٤٨ : ١٣) ، (إش ٤٥ : ٧) ، (إش ٤٥ : ١٨) ،(إش ٥٤ : ١٧) ،(إر ١ : ٥) ، (إر ٣٣ : ٢) ، (مرا ٤ : ٨)
إن تصورات قلب الله دائما بالخير لأولاده ، فهو يتصور في شعبه انهم " زَيْتُونَةً خَضْرَاءَ ذَاتَ ثَمَرٍ جَمِيلِ الصُّورَةِ دَعَا الرَّبُّ اسْمَكِ. ... (إر ١١ : ١٦) فالرب يبدل الصورة داخله فتكون عكس الواقع الذي يكون فيه الشعب ليحققه فيهم إن خضعوا ، ادعوك لتفعل انت هكذا في كل أمرٍ تريد تغييره .
مع ملاحظة أن ما تفكر فيه وتخاف منه والتعب يستطيع إبليس يحقيقه ، وهذا ما فعله إبليس مع أيوب " لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ. (أي ٣ : ٢٥) فكل تصورات قلبه التي تصورها وبكل احاسيسها نفذها له إبليس ، لذلك ليكن تصورات قلبك تخدمك فتتحقق لمجد الرب فيك ، وأرفض كل تصور قلبي شرير قد يدمرك إن تبناه إبليس ليحققه لك .
الوصية الخامسة :
الوحدة والانطواء يقودان للاكتئاب ، فلا تجلس كثيراً بعيداً عن العلاقات مهما كانت المشاكل والصدمات ، معظم من إبتعد عن الناس لهدف الإختلاء للهدوء والراحة واتخاذ القرارات ، البعض منهم افادته خلوته والبعض الأخر خرج مكتئباً ، ففي الخلوة التي مدتها قصيرة كانت ايجابيتها علي النفس اعمق ، وكلما كانت طوية تجعل النفس لا تطيق الواقع وتصتضم به ، والسبب طول مدة الوحدة والإنطواء ، فعندما يعود للتعامل مع الأخرين يشعر بالضوضاء والصخب المرتفع فيناتبه شعور بالتوتر وعدم الراحة ، فلكي تنجح الخلوة فلتجعلها ساعات كل يوم ، إما مساءاً أو صباحاً أو الإثنين معاً أو يوم كل شهر .
لكل مشكلة حل ولكل صدمة وقت للزوال ، فلا تختلي بنفسك هروباً من مشاكلك ، بل إختلي لتغير إتجاه ولإتخاذ قرارات مصيرية ، اما الإختلاء لهدف الراحة فليكن قصيراً للغاية ، إن المسيح كان يختلي يومياً ، يقضي النهار كله في علاقات وتواصل وخدمة الأخرين ، وعندما يحل المساء كان ينفرداً في موضع خلاء ليستريح ويصلي ثم يواصل حياته الطبيعية مع الأخرين في اليوم التالي ثم ينفرداً وهكذا " وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ للهِ. (لو ٦ : ١٢) إنها أعظم خلوة أن يختلي الإبن بالأب في علاقة حب متبادل ، هكذا يجب أن تكون خلوتنا ، لا للهروب من واقع الحياة بل للإختلاء بالأب السماوي للراحة والسكينة وهدوء النفس ، هذا ما نحتاج فعله كل يوم ، قد يفعل هذا صباحاً " وَفِي الصُّبْحِ بَاكِرًا جِدًّا قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ، وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ، (مر ١ : ٣٥) وقد يفعله في نصف اليوم " فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ انْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ فِي سَفِينَةٍ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ مُنْفَرِدًا. فَسَمِعَ الْجُمُوعُ وَتَبِعُوهُ مُشَاةً مِنَ الْمُدُنِ. (مت ١٤ : ١٣) وقديفعله مساءاً " وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ للهِ. (لو ٦ : ١٢) حتي المسيح كان يدعوا تلاميذه للراحة والإختلاء بعد معاناة يوم شاق " فَقَالَ لَهُمْ:"تَعَالَوْا أَنْتُمْ مُنْفَرِدِينَ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَاسْتَرِيحُوا قَلِيلاً". لأَنَّ الْقَادِمِينَ وَالذَّاهِبِينَ كَانُوا كَثِيرِينَ، وَلَمْ تَتَيَسَّرْ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلأَكْلِ. (مر ٦ : ٣١) فالخلوة الروحية للراحة والرفعة يجب ان تكون مدة قصيرة في اليوم ، قد تصل لساعة علي الأقل " ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّلاَمِيذِ فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا، فَقَالَ لِبُطْرُسَ: "أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟ (مت ٢٦ : ٤٠) فالخلوة يحتاجها الإنسان ليس للراحو النفسية فقط بل أيضاً للراحة البدنية والرفعة الروحية ، فلا تبخل علي نفسك في ان تختلي بها من حين لأخر في اليوم .
عندما تختلي بالنفس للتفكير أو للصلاة لا تسعي لتقييم مستوي التوصل المتبادل بينك وبين الأخرين لأن هذا يشعرك بالإكتئاب في كل الأحول ، فإن كت أنت مقصر فستكتئب ، وإن كانوا هم فستكتئب لكن قل" اننا سعينا معاً لنرضي بعضنا بعض علي قدر المستطاع والمرحلة القادمة سأكون أكثر عطاءً وأكثر تضحية " ولا تسعي لتقيم تواصل قد فشل أو انتهي وقته لأنه صار ماضي .
الذي أفاد أيوب أنه لم ينعزل عن أسرته في وسط محنته بل استمر مع اسرته وبين اصدقائه رغم أنهم تعبوه وتمنى صمتهم " لَيْتَكُمْ تَصْمُتُونَ صَمْتًا. يَكُونُ ذلِكَ لَكُمْ حِكْمَةً. (أي ١٣ : ٥) فالإنعزال والإنطواء كهروب من واقع أصعب من تعب المتعبين ، أما الإختلاء من أجل الصلاة وهدوء النفس فهذا جيد ولا يجب أن تكون مدة أيام بل ساعات وتعود لممارسة حياتك الطبيعية مهما كان واقع الحياة ، فمن أكثر المشاكل النفسية هي الشعور بالوحدة التي تدفع الإنسان نحو الانطواء ، فالذي يقود الإنسان لهذا الشعور هو فقدان بعض العلاقات بصدمات متكررة ومتشابهه ، فينتابه إحساس بالمرارة والخوف من ازدياد الخسائر في العلاقات ، فيقرر إنهاء علاقاته بمن حوله كرد فعل نفسي ، فيترك الجميع فيتركه الكل ، أما بخصوص تواصل قد فشل فلا تسعي لتقييم ما مضي واتركه يمضي ، وأسرع لتبديل الأحاسيس المتراكمة والصور التي تدفعك لتحليل الموقف لتجيب عن سبب الفشل ، واسعي لتقيم علاقات جديدة بشكل جديد وبمبادئ مختلفة ، واستمر فالحياة لن تتوقف حتي إن توقفت انت .
الوصية السادسة :
كثرة السعي لتحليل كل التعاملات والأفكار والعلاقات يرهق الذهن ويزيد الصور الذهنية داخل العقل الباطن ويقود للاكتئاب ، فكن بسيطاً علي قدر المستطاع ، لأن كثرة التحليل يزيدك تعقيداً وهماْ ، وقد يطرد نومك ، ودائماً لا تصل إلي نتيجة صحيحة مقدارها كامل .
يجب أن يعلم القارئ العزيز أنه لا يقدر أن يجمع كل المعلومات التي تساعده ليحلل التحليل المثالي ليصل لنتائج كاملة ، لا أعني أن يكون الإنسان سلبي ، ولكني أعني أن يرتب أولوياته واهتماماته ، فيهتم بما يري أنه مهم ، ويتعمد بترك كل ما هو ليس بهام اليوم ، كثرة العلاقات والتعاملات اليومية تضع صور وأصوات كثيرة داخل العقل الباطن التي تزيد النفس البشرية تعقيداً ، فيجب أن يعطي الإنسان لنفسه وقت ليفرغ من داخله كل ما ليس بهام ، ولكي يفرغ عليه أن يحدد الهام فقط ، يكتبه علي ورق ويقرأه مرة أو اثنين ليثبت داخله ، ويهمش ولا يكتب ما ليس بهام، فما تعيد كتابته وقرأته مرة أو اثنتين يثبت ، وما تهمشه يقوم العقل الباطن بتهميشه ، فلا يقوم بعملية إزعاج أو إعادة تركيبه داخلياً ، افعل هذا في كل أمورك ، فعندما تشاهد فيلماً مزعجا تسجل أحداث داخلك ، من اجل ذلك ما عليك إلا أن تبتعد عن التحدث عنه كي لا يثبت داخلك ، فما أقوله عن الفيلم أقوله عن باقي إمور الحياة .
عقل الإنسان لا يتوقف عن التفكير ، لذلك تعلم أن تقول لعقلك توقف عن التفكير في هذا الأمر وهذا الموضوع ، كما يمكنك إيقاف كل من يتكلم في أمرٍ لا تريد سماعه ، وإن لم يستجيب يمكنك الإنسحاب من الجلسة بإسلوب حضاري معلناً رغبتك في عدم سماع مثل هذه المواضيع ومثل هذه المناقشات ، لأنها تخزن بعمق داخلياً وتسبب ضيق وكأبة قلب .
جاء للمسيح شخص يقول له " وَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ:"يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ".فَقَالَ لَهُ: "يَاإِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟" (لو١٢: ١٣-١٤) فقد كان المسيح له اتجاه قلب ورسالة وهدف في مجيئه الأول ، سار فيه ولم يسمح لاحد أن يجعله في حيدان أو خروج عن مسيرته ، حتي وإن كان إحتياج الأخر ملح وهام ، ولكن بحسب المعرفة بان الطمع في حق الغير ظلم يتبناه البعض وليس لهم حياة الخضوع ، لذلك وجد المسيح ان التدخل في مثل هذا النوع من القضايا إرهاق للنفس وتعب للذهن ولن يجدي نفعاً ، لذلك : " وَقَالَ لَهُمُ:"انْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ". (لو ١٢ : ١٥) فالطمع يسجله الوحي ويحسبه من ضمن دائرة العبادة الوثنية " .... الطَّمَعَ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ، (كو ٣ : ٥) والطماعين يصيرون أولاد لعنة " لَهُمْ عُيُونٌ مَمْلُوَّةٌ فِسْقًا، لاَ تَكُفُّ عَنِ الْخَطِيَّةِ، خَادِعُونَ النُّفُوسَ غَيْرَ الثَّابِتَةِ. لَهُمْ قَلْبٌ مُتَدَرِّبٌ فِي الطَّمَعِ. أَوْلاَدُ اللَّعْنَةِ. (2بط ٢ : ١٤) فاعتذارك عن حل بعض المشاكل يجعلك مستريح وتستغل مجهود في رؤيتك وخدمتك .
عن خبرة ... إبتعد عن حل مشاكل تكون حالة أصحابها في الطمع والكبرياء ، فإن تدخلت بين أشخاص ووجدت أن احدهم متكبر أو طماع ، فإنسحب معلناً سبب إنسحابك بإسلوب لا يسبب لك مشاكل ، لان مثل هؤلاء لن تجدهم خاضعين لوصية الرب وكلمته ، ولن يخضعون لك ، ومهما صنعت ستكون في نظرهم مقصر .
وقف أيوب أمام مشكلته التي ليس لها حل في نظرة وبسبب تفكيره المستمر وتحليله للأحداث التي افرمته وهو لا يعلم السبب ، هذا بالإضافة لكلمات اصدقائه وزجته الذين صوروا له أن ما حدث له سببه الخطية ، لذلك شعر بأن الله يخاصمه ويحتاج أيوب لمن يصالحه مع الله فيرفع عنه مرارة نفسه " لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ، فَنَأْتِي جَمِيعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ.لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا.لِيَرْفَعْ عَنِّي عَصَاهُ وَلاَ يَبْغَتْنِي رُعْبُهُ. (أي٩: ٣٢-٣٤) عندما تصل في تفكيرك وتحايلك لطريق مسدود وتشعر بأن الأمر أصعب من مستوي تفكيرك ، توقف وابدأ في الصلاة وترك الامر ، لأن الرب يهتم بك وسيرفعك ويجيب علي كل تساؤلاتك ، لذلك لا تفكر ولا تحلل كثيراً ليكون عقلك وذهنك مستريحان .
الوصية السابعة :
الذي يصيب النفس بالإكتئاب ومرارة النفس هو الضمير ، فالإكثار من تأنيب الضمير علي كل شئ أو علي الأخطاء يقود الإنسان للإكتئاب ، لذلك لا تترك العنان لضميرك فيُتعِبك ، لكن عندما تخطيء أسرع للتوبة والاعتراف بالخطأ مع عدم إعطاء فرصة للضمير لأنه وهَّام ولا يقود للحق الكامل ، لان الضمير هو الوجدان الداخلي وهو قدرة الإنسان علي التمييز ما بين الخطا والصواب وما بين الحق والباطل بحسب ما تم تخزين داخله من معلومات وقيم ، وبالتالي يدفع الإنسان للشعور بالندم ، فليس كل شعو بالندم بحسب الضمير البشري يكون صالح ، لان الضمير قد يخطئ وقد ينحرف ، لأنه يكتسب احاسيسه ودوافعه من المجتمع والأجواء المحيطة به سواء كانت أجواء صحية أو غير ذلك ، فالضمير ليس هو صوت الله للإنسان وليس صوت الحق ، فكلما تعلمت كثيرا كلما عمل الضمير بمقدار ما تعلمته ، لذلك يجب أن تتحكم فيه كي لا يتحكم فيك .
لا اطلب إلغاء الضمير بل أطلب تهزيب الضمير وتعليمه المبادئ الكتابية ، فعندما يُعرض علي المرء تصرف ما لا يوافق مبادئ الله ، تجده سريع الإستيقاظ والتمييز فيرفض بضمير مستريح ، أما عندما يكون الإنسان بعيد عن مبادئ الله ستجده يفعل الشر ويمدحه ضميره ، في هذا يقول الرسول بولس " لِذلِكَ أَنَا أَيْضًا أُدَرِّبُ نَفْسِي لِيَكُونَ لِي دَائِمًا ضَمِيرٌ بِلاَ عَثْرَةٍ مِنْ نَحْوِ اللهِ وَالنَّاسِ. (أع ٢٤ : ١٦) فالضمير يحتاج دائماً لتدريب وتهذيب ليكون ضميراً صالحاً يعيش لله ويخدم الناس " فَتَفَرَّسَ بُولُسُ فِي الْمَجْمَعِ وَقَالَ:"أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، إِنِّي بِكُلِّ ضَمِيرٍ صَالِحٍ قَدْ عِشْتُ للهِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ". (أع ٢٣ : ١) كلما اقترب المؤمن لحياة كلمة الله والصلاة كلما كان في حياة الإستقامة الروحية وبضمير يشهد للنفس ويساندها " أَقُولُ الصِّدْقَ فِي الْمَسِيحِ، لاَ أَكْذِبُ، وَضَمِيرِي شَاهِدٌ لِي بِالرُّوحِ الْقُدُسِ: (رو ٩ : ١)
يتكلم الرسول بولس مخاطباً كنيسة كورنثوس أن يراعوا ضمائر الأخرين البسطاء الذين لا يفهمون التعاليم الصحيحة أن يسلكوا امامهم بلياقة ويبتعدون عن ما يعثرهم ولا يفعلونه " وَهكَذَا إِذْ تُخْطِئُونَ إِلَى الإِخْوَةِ وَتَجْرَحُونَ ضَمِيرَهُمُ الضَّعِيفَ، تُخْطِئُونَ إِلَى الْمَسِيحِ. (1كو ٨ : ١٢) فمن يجرح ضمائر البسطاء في الإيمان فقد فعل هذا في المسيح ، ولتفادي الاكتئاب لا تعتمد علي الضمير في التمييز والتحكيم بل اعتمد علي العقل والفهم " فَالْعَقْلُ يَحْفَظُكَ، وَالْفَهْمُ يَنْصُرُكَ، (أم ٢ : ١١) فبدونهما سيعتمد الإنسان علي الضمير المستقي من الاجواء المحيطة والمجتمع الذي قد يكون غير سوي وبالتالي يدخل الإنسان في مشاكل نفسية بسبب الضمير .
إن الوصايا السبعة هدفها ان لا يصل الإسان الي مستويات من الإكتئاب كي لا يصل يوماً لمرارة النفس ، فإتبع هذه الكلمات ولتدرك أن نفسية الإنسان نفسية تراكمية ، فالنفس تعمل دائماً علي تخزين كل شيئ نعم كل شيئ ، وعلي المرء مسئولية تفريغ عقله الباطن والتخلص من معظم محتوياتها وفلترة كل شيئ داخلها ، فكيفية فعل هذا سهل ، فبالرجوع للوصية الرابعة تستطيع التخلص من كل مخزون نفسي سلبي متعب للنفس
-----------------------------------------------------------
الفصل الثالث
لا تكن مخدوعا
نظرة تشاؤمية
" ... مَاذَا أَفْعَلُ لَكَ يَا رَقِيبَ النَّاسِ؟ لِمَاذَا جَعَلْتَنِي عَاثُورًا لِنَفْسِكَ حَتَّى أَكُونَ عَلَى نَفْسِي حِمْلاً؟وَلِمَاذَا لاَ تَغْفِرُ ذَنْبِي، وَلاَ تُزِيلُ إِثْمِي؟ .. (أي٧: ١٦-٢١)
وسط العالم الذي نعيش فيه يمر الإنسان بعدة ظروف تحتاج أن لا ننظر اليها وكأنها هي الحياة ، فالحياة تنقسم الي قسمين ، زمني وأبدي ، فالزمني هو الجزء الممتليئ مشاكل وضيق وألم ، أما الجزء الأبدي فهو للمؤمن الجمال والسعادة والهناء ، فعندما ينصب المؤمن في نطاق الزمنيات تغتم نفسه ويصاب بالإكتئاب ومرارة النفس ، اما عندما تستقيم عيناه نحو كل ما هو أبدي فسيعيش متفائلا مهما كان واقع الظروف الزمنية ، فعندما نظر أيوب الي واقعه قال " قَدْ ذُبْتُ ... " (أي ٧ : ١٦) أي كرهت نفسي ، ياااااااه علي الزمن .. لن يكون عادلا مع الجميع ، فمن معه ويمتلك ستجده في إحتياج زمني من جانب أخر ، أيوب غني ذهب غناه ، يمتلك صحة ذهبت صحته ، يمتلك زوجة وأصدقاء فسمع منهم أحلي كلام يُمر النفس ، ولديه عبيد تخلوا عنه .
نظر أيوب نظرة تشاؤمية للحياة نتيجة الأحداث التي مر بها ، فابتدأ ينظر للحياة ويري أنها بلا قيمة ، وأنها زائلة ، فالحياة بجملتها زائلة بما فيها الإنسان " .... لأنَّ أَيَّامِي نَفْخَةٌ. (أي ٧ : ١٦) وقال أيضا " مَا هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَعْتَبِرَهُ، وَحَتَّى تَضَعَ عَلَيْهِ قَلْبَكَ؟ (أي ٧ : ١٧) لا استطيع أن أقول أن أيوب أكتشف هذه الحقيقة ، فبكل تأكيد كان يعلمها ، فهو رجل حكيم في كل جيله ، فبمقدار عدد سنين حياته رأي كثيراً من الأحداث والمواقف التي تعطي له هذا المفهوم ، ولكن كي يتفوه به يحتاج أن يختبر ما يختبره الناس .
لم يكن ما حدث لأيوب مستوي بلاء من الله ، أو سماح الهي ، فكما اعلنت في الكتاب الأول لسفر أيوب - الطريق المدمر والسماح الإلهي - أن ما حدث له ليس من الله بل هي شكاية نتيجة الخوف الذي تبناه أيوب " لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ. " (أي ٣ : ٢٥) فالخوف ما هو إلا باب من الأبواب التي يستخدمها إبليس ، قد يدخل إبليس لحياة الإنسان بشرط تقديم شكاية لله ، فإبليس يتعامل مع الله كقاضي ، فعندما يريد أن يتدخل في حياة إنسان لا يستطيع إلا عندما يكون لديه سبب مقنع فيرفعه أمام الله كالقاضي ، ولأن الله عادل فلن يرفض إعطاء حق لمستحقيه حتى وإن كان إبليس .
قد يسأل سائل : هل لإبليس حق علي أولاد الله ؟ ألم يهزمه الرب علي الصليب ؟ أقول نعم قد هزم إبليس بدم المسيح ، فصار مهزوماً لكل محتمي في الدم ، ولكن يصير لإبليس حق الشكاية علي كل مستبيح ومستهتر بالحياة الروحية ، ويعرج بين الفرقتين، أو متبني أفكار ليست من الله سواء عن علمٍ أو عن جهلٍ ، فمكتوب في سفر الرؤيا عن إبليس أنه المشتكي " وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا قَائِلا فِي السَّمَاءِ:"الآنَ صَارَ خَلاَصُ إِلهِنَا وَقُدْرَتُهُ وَمُلْكُهُ وَسُلْطَانُ مَسِيحِهِ، لأَنَّهُ قَدْ طُرِحَ الْمُشْتَكِي عَلَى إِخْوَتِنَا، الَّذِي كَانَ يَشْتَكِي عَلَيْهِمْ أَمَامَ إِلهِنَا نَهَارًا وَلَيْلاً. (رؤ ١٢ : ١٠) وسيظل مشتكي لنهاية الزمان ، فعلي كل مؤمن شيئان مهمان :
أولا : يعيش في الحق الكتابي " فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيلِ، ( في ١ : ٢٧) فالمؤمن السائر بحسب الحق ، يحسب من ضمن الغالبين ، فالجهاد في الحياة الروحية والاستمرارية في السهر الروحي يحسب أمام الله جهاد ، بل أقول أيضاً أن السعي نحو البركات الروحية والعمل الروحي سواء أدركناه أو لم ندركه يحسب جهاداً ، فقد حُسب ما فعله يعقوب مع عيسوا واسحق ولابان جهاداً ، فقد قال الله له عندما صارعه إنساناً حتى طلوع الفجر " فَقَالَ: " لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ". (تك ٣٢ : ٢٨) ليس هذا معناه أن أدوس علي الآخرين أو استغل الآخرين لنوال إموراً روحية ، ولكن قد يكون في تصرفي اتجاه قلب نقي ، فلم أكن متعمداً ظلم أحد أو استغلال أحد ، فقد كان يعقوب انتهازي الفرص لنوال ما لا يدركه الآخرين ، ولا سيما فيما يخص الأمور الروحية ، فهو لم يظلم عيسوا لكنه كان مدركاً ما لا يدركه أخيه فسعي نحوه وأدركه هو ، فحسب هذا جهاداً .
الله يريد أن يري أبناءه غالبين دائماً " لاَيَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ. " ( رومية ١٢:٢١ ) فقد أعطي الرب للمؤمنين مقدرة للانتصار من خلال الإيمان والولادة الجديدة " لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا. " ( يوحنا الأولى ٥:٤ ) ومفتاح غلبة العالم هو الإيمان بالمسيح كونه ابن الله ، لأن العالم يرفض بنوية المسيح لله " مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلا الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ؟ " ( يوحنا الأولى ٥:٥ ) وللغالبين في الأبدية لهم مكانة تختلف عن غيرهم من المؤمنين ، فكن حريصاً في سلوكك .
مبدأ الله في علاقته مع بني البشر مبني علي القبول والرفض ، فقد قدم الله الدعوة لإبراهيم ليسير مسيرة روحية تبدأ به ولا تنتهي إلا بمجيء المسيح الثاني علي سحاب المجد ، مسيرة روحية ، قبلها وسار يها اسحق ولم يدركها إسماعيل ، وسار فيها يعقوب ولم يدركها عيسوا ، وسار فيها يهوذا ولم يدركها إخوته ، وسار فيها كل من ذكر اسمه في إنجيل متى الإصحاح الأول ، وتسير فيها الكنيسة التي هي أفراد وجماعة المؤمنين الذين قبلوا عمل المسيح ، ولن يدركها كل رافض لقبول المسيح وعمله الفدائي
ثانياً : يحتمي دائما في دم المسيح :
من خلال التوبة المستمرة والاعتراف للرب عن كل زلة " اَلسَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا؟ مِنَ الْخَطَايَا الْمُسْتَتِرَةِ أَبْرِئْنِي. (مز ١٩ : ١٢) فالتبرير عمل الهي مستمر يوهب لكل طالب أو سائل ، من يظن أن حماية الله حق مكتسب من خلال موت المسيح فيفعل ما يحلوا له دون حساب ودون رقيب ، فقد خَّدع نفسه أو خُدع من الآخرين ، لأن الله يريدنا في مستوي عالٍ جداً من الغلبة وحياة الحماية ، فكل غالب له مستوي من الحماية الروحية هنا في هذا العالم ، وفي الأبدية مكانة خاصة .
إليك مكانة الغالبين في الأبدية :
1 ـ من يغلب سيأكل من شجرة الحياة : " مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ". " ( رؤيا يوحنا ٢:٧ )
2 ـ من يغلب فلا يؤذيه الموت الثاني : " مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ فَلاَ يُؤْذِيهِ الْمَوْتُ الثَّانِي". ( رؤيا يوحنا ٢:١١ )
3 ـ من يغلب فسيأكل من المن المخفي : " مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَنِّ الْمُخْفَى، وَأُعْطِيهِ حَصَاةً بَيْضَاءَ، وَعَلَى الْحَصَاةِ اسْمٌ جَدِيدٌ مَكْتُوبٌ لاَ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ غَيْرُ الَّذِي يأخذ". " ( رؤيا يوحنا ٢:١٧ )
4 ـ من يغلب يأخذ سلطاناً : " وَمَنْ يَغْلِبُ وَيَحْفَظُ أَعْمَالِي إِلَى النِّهَايَةِ فَسَأُعْطِيهِ سُلْطَانًا عَلَى الأُمَمِ، " ( رؤيا يوحنا ٢:٢٦ )
5 ـ من يغلب يلبس ثياباً بيضا : " مَنْ يَغْلِبُ فَذلِكَ سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا، وَلَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَسَأَعْتَرِفُ بِاسْمِهِ أَمَامَ أَبِي وَأَمَامَ مَلاَئِكَتِهِ. " ( رؤيا يوحنا ٣:٥ )
6 ـ من يغلب سيكون عمودا في هيكل الله : " مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي، وَلاَ يَعُودُ يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ، وَأَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ إِلهِي، وَاسْمَ مَدِينَةِ إِلهِي، أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةِ النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ إِلهِي، وَاسْمِي الْجَدِيدَ. " ( رؤيا يوحنا ٣:١٢ )
7 ـ من يغلب يجلس مع المسيح في العرش : " مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ." (رؤيا يوحنا ٣:٢١ )
8 ـ من يغلب يرث كل شئ : " مَنْيَغْلِبْ يَرِثْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَكُونُ لَهُ إِلهًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا. " ( رؤيا يوحنا ٢١:٧ )
الغالبين دائما فرحين بالرب ولهم الحماية الإلهية " يَفْرَحُ الصِّدِّيقُ بِالرَّبِّ وَيَحْتَمِي بِهِ، وَيَبْتَهِجُ كُلُّ الْمُسْتَقِيمِي الْقُلُوبِ. " ( المزامير ٦٤:١٠ ) فمن هو الذي سيج حول أيوب فلم يستطع إبليس الدخول علي حياة أيوب في بادئ الأمر ، أليس الرب " أَلَيْسَ أَنَّكَ سيجت حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ. " ( أيوب ١:١٠ ) الخدعة الكبيرة التي يقوم بها ابليس أنه يصور للإنسان أن التقوي نابعة من سياح ورعاية الله ، فعند زوال السياج تزول التقوي ، ولكن في الحقيقة التي يجب أن تكون ، أن محبتنا لله وتمسكنا بحياة التقوي والسلوك المقدس ، لا يجب أن تكون نتاج حماية وسياج الله علي الحياة ، فالله في سياجه وحمايته يسير بحسب القوانين الإلهية أما الرعاية الألهية فهي قائمة ولن تزول ، ففي وسط الظروف الصعبة ورفع السياج من علي أيوب كانت الرعاية الإلهية ترافقه ، فقد لا يراها الإنسان للصوت العالي للظروف ولكنها موجودة .
السياج الإلهي مبني علي شقين
الأول: أعطاه الله لبني البشر من خلال الكينونة الإلهية في الخلق ، فكل إنسان له حق الحماية كون الله خالقه ، فيتمتع بكل ما هو معطي للحماية من خلال الطبيعة ، والمعطيات الجسدية الكامنة في جسد كل إنسان ، كذلك كل حيوان وكل طائر له حق الحماية والاهتمام من الله .
والثاني: مبني علي قبول البنوية المعطاة من خلال المسيح وعمله الفدائي ، فكل مؤمن له حماية تفوق من لم يقبل المسيح مخلص في حياته ، وتزيد هذه الحماية كلما اهتم المؤمن بعمل الله وخدمته مع السلوك المقدس والمرضي لدي الله ، فمن يسلك بكل أمانة نحو نفسه ومجتمعه ونحو الله كلما تمتع ببركات الحماية الإلهية ، والتدخلات الخاصة للنجاة لكثير من المخاطر المحيطة والتي قد يصنعها العدو لهدم وتعطيل المسيرة الروحية التي يتبناها المؤمن .
معظم كلمات أيوب مبنية علي أحداث مر بها لم يكن يريدها ، علي رغم توقعه بأنها قد تحدث يوماً ، فقد كان يرتعب ارتعابا لسبب تصورات قلبه تجاه ما يمتلك من ممتلكات ، وارتباطه بأولاده وخوفه الشديد عليهم فابتدأ يتفوه بكلمات يعلن من خلالها كم هو متألم ويطلب الله لرفع هذا العذاب ، العذاب اليومي لحالته النفسية يفوق الام جسده ، فقد كان يثق أن بسبب كماله لا يأتي عليه كل هذا الألام ، فهو الرجل المستقيم والكامل في سلوكياته ، فعندما حدث له كل هذه الأحداث صدم وشعر أنه يوجد ذنب أو إثم قد اقترفه ، وأن الله يعاقبه " أَأَخْطَأْتُ؟ مَاذَا أَفْعَلُ لَكَ يَا رَقِيبَ النَّاسِ؟ لِمَاذَا جَعَلْتَنِي عَاثُورًا - هَدَفاً لَكَ؟ - لِنَفْسِكَ حَتَّى أَكُونَ عَلَى نَفْسِي حِمْلا ؟ (أي ٧ : ٢٠) تفكير أيوب بأنه في مستوي الكمال الذي يمنع حدوث تجربة قادته إلي التشكيك في حالته الروحية ، وكأنه يقول لسبب كمالي لن يكون لي أي نوع من الأتعاب أو العقاب ، وهنا نأتي إلي معادلة مهمة جدا
الإتكال علي الكمال الذاتي للحفظ من التجارب + التجربة التي من إبليس = تشكيك في الحالة الروحية
لذلك ادعوك أخي المؤمن أن تدرك أن كمالك وسلوكك المقدس لا يمنع التجربة ، لكنه يمنح لك فرصة للتدخل الإلهي للإنقاذ، لأن الثغرات التي فيك كثيرة ، يجد ابلبس له فرصة ليدخل مجربا علي حياتك ، لذلك عليك بسد الثغرات علي ابليس فلا يجد فرصة ليجربك ، اليك الثغرات وطرق التخلص منها فلا يجد ابليس مكانا.
الثغرات وطرق التخلص منها :
يريد إبليس دائما أن يدخل علي حياة الإنسان ولذلك ينتهز الفرص المتاحة أمامه ، فهو لا يستطيع أن يقتحم حياة أي من كان إلا من خلال الثغرات التي يجدها في حياة الإنسان ويحولها لثغرات قانونية يدخل من خلالها ليجرب - ليدمر - ليهلك ، الثغرات يقننها من خلال تقديم شكاية عنها ، ونوال حكم بخصوصها ثم يدخل من خلالها علي الحياة لينفذ مخطاطه .
الثغرة الأولي - الخوف : سقط أيوب في براثن هذه الثغرة ، فقد ارتعب وفزع قبل أن يأتي عليه شيئ من مخاوفه هذه ، فقد صرح قائلا " لأنِي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ troubled مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ. (أي ٣ : ٢٥) فالإرتعاب هو feared פּחד pachad باتشيد الخوف الشديد والفزع هو troubled יגר yagor ياجور الخوف الإضطراب والقلق ، فهذا المستوي من الخوف باب مفتوح لإبليس يستطيع الدخول منه ولكن لن يستطيع إلا بعد تقديم شكاية ونوال حكم بذلك ، وهذا معناه أن الخوف والقلق متمكن من أيوب وقد تبناه في حياته ، صار ملازما في حياته بإستمرار .
يوجد فرق بين الخوف الناتج من موقف أو حادث مفاجيئ ، والخوف الوهمي الغير مرتبط بواقع في الوقت الحالي ، فتصورات القلب وتبني الخوف يجعل لإبليس فرصة ذهبية لتحقيق هذا الأمر ، فالخوف المرتبط بالواقع يحتاج لتشخيصه والإلتجاء للرب ليبدده " لأنِي سَمِعْتُ مَذَمَّةً مِنْ كَثِيرِينَ. الْخَوْفُ مُسْتَدِيرٌ بِي بِمُؤَامَرَتِهِمْ مَعًا عَلَيَّ. تَفَكَّرُوا فِي أَخْذِ نَفْسِي.أَمَّا أَنَا فَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ يَا رَبُّ. قُلْتُ: "إِلهِي أَنْتَ". (مز٣١: ١٣-١٤) فالخوف المستدير بي أي المحيط بي الموجود حولي من كل جانب ، عند الإلتجاء للرب يتدخل ويصنع المعجزات ويبدد كل مخاوف ، أما الخوف الوهمي يحتاج لتشخيصه ورفضه رفض نهائي والإلتجاء للرب لرِفعة الروح والنفس ، فيرتفع الإنسان فوق كل اضطراب وقلق ، فالوعود الإلهية دائما هي فوق جميع المخاوف الوهمية والمستديرة بي " وَالرَّبُّ سَائِرٌ أَمَامَكَ. هُوَ يَكُونُ مَعَكَ. لا يُهْمِلُكَ وَلا يَتْرُكُكَ. لا تَخَفْ وَلا تَرْتَعِبْ". (تث ٣١ : ٨) فالثقة أن الرب موجود معي في كل الأحوال والظروف تجعل المؤمن في سلام كامل ، كانت الوعود لأبونا ابراهيم ضد جميع أنواع المخاوف " لا تَخَفْ يَا أَبْرَامُ. أَنَا تُرْسٌ لَكَ. أَجْرُكَ كَثِيرٌ جِدًّا". (تك ١٥ : ١) (تك ٢٦ : ٢٤) ولأبونا يعقوب " أَنَا الله، إِلهُ أَبِيكَ. لا تَخَفْ مِنَ النُّزُولِ إِلَى مِصْرَ، لأنِّي أَجْعَلُكَ أُمَّةً عَظِيمَةً هُنَاكَ. (تك ٤٦ : ٣) فنزول يعقوب لمصر له ولأبائه فرصة عظيمة للرعاية والحماية ، ولكنها ليست للنسل ، فكان من المفترض الارتحال بعد موت يوسف ، ولكن الشعب لم يفعل هذا واستمر بأرض مصر فدخل في عبودية ، اخرج الرب الشعب بيد موسي النبي بعد صراخهم أمام الرب " وَحَدَثَ فِي تِلْكَ الأيَّامِ الْكَثِيرَةِ أَنَّ مَلِكَ مِصْرَ مَاتَ. وَتَنَهَّدَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ وَصَرَخُوا، فَصَعِدَ صُرَاخُهُمْ إِلَى الله مِنْ أَجْلِ الْعُبُودِيَّةِ. (خر ٢ : ٢٣) وسار معهم موسي بوعد الرب له بعدم الخوف (عد ٢١ : ٣٤) ويستمر وعد الرب لنا بأن لا نخاف " إِذَا اضْطَجَعْتَ فَلاَ تَخَافُ، بَلْ تَضْطَجعُ وَيَلُذُّ نَوْمُكَ.لاَ تَخْشَى مِنْ خَوْفٍ بَاغِتٍ، وَلاَ مِنْ خَرَابِ الأَشْرَارِ إِذَا جَاءَ.لأَنَّ الرَّبَّ يَكُونُ مُعْتَمَدَكَ، وَيَصُونُ رِجْلَكَ مِنْ أَنْ تُؤْخَذَ. (أم٣: ٢٤-٢٦) (إش ٣٥ : ٤) (إش ٤٠ : ٩) (إش ٥١ : ١٢) (إش ٥٤ : ٤) (مت ١٠ : ٢٦) (مت ١٠ : ٢٨) (مت ١٠ : ٣١) (مت ١٤ : ٢٧) (مت ١٧ : ٧) اطرد الخوف من حياتك لأن الإيمان هو الثقة في الله والخوف هو الثقة في إبليس ، فبإيمانك أطرد مخاوفك لتفتح الأجواء الروحية فتنال من الله بركات مذخرة لك ، فوعود الرب لك أمينة الي المنتهي.
والثاني: مبني علي قبول البنوية : من ضمن الثغرات التي يدخل من خلالها ابليس الظلم .. أن تظلم أحدا .. أن تكون ظالم ، وايضا شعورك بأنك مظلوم ، فالظلم والاحساس بالظلم يفتحان المجال لإبليس ، فالمشاعر السلبية طريق مفتوح لعدو كل خير ، يجب علي المؤمن رفض كل أحاسيس سلبية مهما كانت الظروف والأحداث ، لا أدعوا لقتل مشاعرنا ، فالمشاعر لا تقتل ولكنها تستبدل ، بمعني أنه عندما تشعر بمشاعر خوف يمكنك مخاطبة نفسك بما هو إيجابي لطرد مشاعر الخوف واستبدالها بمشاعر أمان وإطمئنان ، وهكذا في مشاعر الحزن والفشل واليأس وأيضا الظلم ، فأكبر مشاعر يضعها إبليس في حياة الإنسان هو الشعور بأن الذي ظلمك هو الله ، فمنح من لا يستحق وتركك أنت كالمثل القائل " يعطي الحلق للي بلا ودان " بكل تأكيد مثل مهين لله ، فالله في عطاءه يعرف جيدا ماذا يفعل ، وكثيرا من العطاءات لا دخل لله فيها لأنها إختيارات الإنسان ذاته لوجوده في دوائر مفتوحة مجتمعيا بلا رقيب ، أو وجد من يساعد في ذلك .
فهم ايوب أن البلايا تحدث نتيجة الظلم ، فسأل نفسه ومن حوله " وَالآنَ تَفَرَّسُوا فِيَّ، فَإِنِّي عَلَى وُجُوهِكُمْ لا أَكْذِبُ.اِرْجِعُوا. لا يَكُونَنَّ ظُلْمٌ. اِرْجِعُوا أَيْضًا. فِيهِ حَقِّي.هَلْ فِي لِسَانِي ظُلْمٌ، أَمْ حَنَكِي لا يُمَيِّزُ فَسَادًا؟ (أي٦: ٢٨-٣٠) إنه سؤال إستنكاري ، فهو يعلم أنه لم يظلم أحدا ، ولم يسلك في طريق الظلم فلماذا أصابه كل هذا ؟ بالنسبة لأيوب ما حدث له شيئ مُحير جدا ، فإن كان قد ظلم أحدا فما حدث له يعطيه مبرر أنه يستحق " يستاهل " ولكنه يقول تفرسوا في أي انظروا فلم أظلم أحدا ، وعندما لم يجد في داخله ظلم ، ابتدأ يشعر بظلم الله له فقال " أَحَسَنٌ عِنْدَكَ أَنْ تَظْلِمَ، أَنْ تُرْذِلَ عَمَلَ يَدَيْكَ، وَتُشْرِقَ عَلَى مَشُورَةِ الأَشْرَارِ؟ (أي ١٠ : ٣) الإحساس بأن الله ظالم إحساس مؤلم برغم أنه إحساس كاذب فالله لا يظلم أحدا علي الإطلاق بل يرفع الظلم دائما عن المظلوم ، أيوب بشر مثل كل إنسان فقد قاده تفكيره في ذاته ماذا فعل ؟ وقاده تفكيره في الله هل ظلم ؟ فقال " أَحَسَنٌ عِنْدَكَ أَنْ تَظْلِمَ " حاشا لله .. فالله عادل واله حق هو ، فهو الذي علم الشعب هذا التعليم " "لا تَقْبَلْ خَبَرًا كَاذِبًا، وَلاَ تَضَعْ يَدَكَ مَعَ الْمُنَافِقِ لِتَكُونَ شَاهِدَ ظُلْمٍ.وَلاَ تَأْخُذْ رَشْوَةً، لأَنَّ الرَّشْوَةَ تُعْمِي الْمُبْصِرِينَ، وَتُعَوِّجُ كَلاَمَ الأَبْرَارِ. (خر٢٣: ١، ٨) فالله لا يُحب الظلم ويقاضي الظالم بقضاءه العادل.
متذ التاريخ يتعامل الله مع الظلم بقضاءه الذي يجد فيه إبليس فرصته ليتحرك بالحكم القصائي للإهلاك والتدمير والموت ، فعندما فسدت الأرض وإمتلأت ظلما كان القضاء الإلهي مُعلن لنوح بنهاية كل شرير ظالم " وَفَسَدَتِ الأَرْضُ أَمَامَ اللهِ، وَامْتَلأَتِ الأَرْضُ ظُلْمًا.فَقَالَ الله لِنُوحٍ: "نِهَايَةُ كُلِّ بَشَرٍ قَدْ أَتَتْ أَمَامِي، لأَنَّ الأَرْضَ امْتَلأَتْ ظُلْمًا مِنْهُمْ. فَهَا أَنَا مُهْلِكُهُمْ مَعَ الأَرْضِ.فَهَا أَنَا آتٍ بِطُوفَانِ الْمَاءِ عَلَى الأَرْضِ لأهْلِكَ كُلَّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ. كُلُّ مَا فِي الأَرْضِ يَمُوتُ. (تك٦: ١١، ١٣، ١٧) فوجد إبليس فرصته بالحكم القضائي الذي علي ظلم الإنسان وعمل للإهلاك ، فدوائر الظلم تحرك القضاء الإلهي فيتحرك إبليس للإصطياد ، فعندما تحرك شمعون ولاوي بالظلم لم ينالوا رضي يعقوب ابيهم وكان القضاء الإلهي علي نسلهم بالتفرقة ، وهنا صار الباب مفتوح لروح التفرقة علي نسل شمعون ولاوي " شِمْعُونُ وَلاَوِي أَخَوَانِ، آلاَتُ ظُلْمٍ سُيُوفُهُمَا.فِي مَجْلِسِهِمَا لاَ تَدْخُلُ نَفْسِي. بِمَجْمَعِهِمَا لاَ تَتَّحِدُ كَرَامَتِي. لأَنَّهُمَا فِي غَضَبِهِمَا قَتَلاَ إِنْسَانًا، وَفِي رِضَاهُمَا عَرْقَبَا ثَوْرًا.مَلْعُونٌ غَضَبُهُمَا فَإِنَّهُ شَدِيدٌ، وَسَخَطُهُمَا فَإِنَّهُ قَاسٍ. أُقَسِّمُهُمَا فِي يَعْقُوبَ، وَأُفَرِّقُهُمَا فِي إِسْرَائِيلَ. (تك٤٩: ٥-٧) هكذا أحبائي نحتاج لفهم الحقائق الروحية أن سياج الله موجود ولكنه يخترق بسبب بعض الثغرات الروحية او النفسية او الجسدية ولن يتحرك ابليس إلا بعد الشكاية وموال حكم قضائي ليري نفسه ويتحرك بقوته ، فما علينا إلا أن نُسد كل ثغرة بالتوبة والرجوع والعمل علي حياة الإيمان والسير بالأمانة .
الثغرة الثالثة - اللسان : من أخطر الثغرات التي تفتح ابواب كثيرة لإبليس ، الباب الذي يأخذ من خلاله الأوامر للتحرك ، فطبيعته طبيعة ملائكية وتخدم صاحب الأمر والنهي ، فالملائكة تخدم الله وتعمل عند سماع صوت كلامه " بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً، الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ. (مز ١٠٣ : ٢٠) نفس الطبيعة موجودة في إبليس ولكن مع الفارق ، فالملائكة تسمع صوت كلام الرب وتفعل أمره أما الشياطين فقد جندت نفسها لسماع كل ما يصدر من الإنسان وتطالب بتنفيذ كلامه .
للسان سوط يصل لك حيث تكون ، ولذلك قال اليفاز عبارة في غاية الأهمية " مِنْ سَوْطِ اللِّسَانِ تُخْتَبَأُ، " لماذا لا نقاومه؟ فبكل بساطة إنه لا يُقاوّم ، فلكل كلمة أرواح تخدمها ، ففي الموت والحرب تجد فداء ، أما في سوط اللسان خراب قادم " فِي الْجُوعِ يَفْدِيكَ مِنَ الْمَوْتِ، وَفِي الْحَرْبِ مِنْ حَدِّ السَّيْفِ.مِنْ سَوْطِ اللِّسَانِ تُخْتَبَأُ، فَلاَ تَخَافُ مِنَ الْخَرَابِ إِذَا جَاءَ. (أي٥: ٢٠-٢١) وإن كان اليفاز يتكلم عن معية الرب ولكنه يظهر حقيقة اللسان وقوة تأثيرة ، فلا يجب الإستهانة به " اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي يَدِ اللِّسَانِ، وَأَحِبَّاؤُهُ يَأْكُلُونَ ثَمَرَهُ. (أم ١٨ : ٢١) فلكل كلمة ثمر في جوانبه ايجابي وسلبي ، فعندما يتكلم اللسان يحدث ثمار يحصدها المستمع ويحصدها المقصود بالكلام .
كلما كان اللسان هادئ كلما كان سبب حياة لذات الإنسان ولمن حوله " هُدُوءُ اللِّسَانِ شَجَرَةُ حَيَاةٍ، وَاعْوِجَاجُهُ سَحْقٌ فِي الرُّوحِ. (أم ١٥ : ٤) (مز ١٢ : ٣) (أم ١٧ : ٢٠) (أم ٢٦ : ٢٨) في شجرة حياة ملائكة تخدم " لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ. (مز ٩١ : ١١) وفي سحق الروح أروأح شريرة تخدم ، هكذا عرف الشعب قديما فإتفقوا علي ضرب ارميا باللسان " فَقَالُوا: "هَلُمَّ فَنُفَكِّرُ عَلَى إِرْمِيَا أَفْكَارًا، لأَنَّ الشَّرِيعَةَ لاَ تَبِيدُ عَنِ الْكَاهِنِ، وَلاَ الْمَشُورَةَ عَنِ الْحَكِيمِ، وَلاَ الْكَلِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ. هَلُمَّ فَنَضْرِبُهُ بِاللِّسَانِ وَلِكُلِّ كَلاَمِهِ لاَ نُصْغِي". (إر ١٨ : ١٨) فالكاهن في فمه الشريعة التي لها خدمة ملائكية ، والنبي يتكلم بكلمات الله التي لها خدمة ملائكية ، والاشرار يتفوهون بكلمات اللسان بهدف الأذية التي يخدمها إبليس
تكلم الرسول يعقوب عن اللسان ووصفه بأنه نار " هكَذَا اللِّسَانُ ... هُوَذَا نَارٌ قَلِيلَةٌ، أَيَّ وُقُودٍ تُحْرِقُ؟ فَاللِّسَانُ نَارٌ! .... وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ. (يع ٣ : ٥ ، ٦) جائت كلمة جَهَنَّمَ hell في الاصل اليوناني γέεννα وتنطق geenna جيهينا وتعني جهنم - وادي بن هنوم ، وهو مكان حرق القمامةش ، فاللسان في طبيعته نار من يوصف بنار حرق القمامة ، هذا مصدره ، ولكن نعمة الله المغيرة قادرة علي تغيير الطبيعة البشرية التي بدورها تدفع المؤمن نحو القداسة والسلوك النقي ، وهذا يتطلب حياة إستيقاظ من المؤمن ، لأن اللسان لا يستطيع أحد أن يضبطه إلا نعمة المسيح " وَأَمَّا اللِّسَانُ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُذَلِّلَهُ. هُوَ شَرٌّ لاَ يُضْبَطُ، مَمْلُوٌّ سُمًّا مُمِيتًا. (يع ٣ : ٨) فعندما يترك الإنسان نفسه للسانه فسيدمر ويجرح كثيرين لذلك الرسول يوحنا يعلمنا أن لا نحب باللسان بل بالعمل " يَا أَوْلاَدِي، لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ! (1يو ٣ : ١٨) فالمحبة العملية أعمق وأفضل من المحبة الكلامية .
الثغرة الرابعة - تبني احلام وأفكار خارج مشيئة الله : من الأبواب التي يحبها إبليس باب الأحلام والأفكار لأنها تدفع الإنسان للسلوك بحسب فكر قلبه ، فكلما كانت خارج مشيئة الله كلما فُتح لإبليس ثغرات للدخول ، فقد صرح الرب أن " فِكْرُ الْحَمَاقَةِ خَطِيَّةٌ، .... (أم ٢٤ : ٩) فمجرد فكر احمق .. يراه الرب خطية ، فالفكرة التي تمر علي ذهن الإنسان لا يجب أن تتبناها بل تستأسرها أي تمتحن ، هل هي حسب مشيئة الله أم خارج مشيئته ؟ لأنها عندما تنموا ستصير حصن ظن علو عصيان " إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بَلْ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ. هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ،وَمُسْتَعِدِّينَ لأَنْ نَنْتَقِمَ عَلَى كُلِّ عِصْيَانٍ، مَتَى كَمِلَتْ طَاعَتُكُمْ. (2كو١٠: ٤-٦) فالفكرة التي خارج مشيئة وحكمة الله ستصير في دائرة العصيان وتتحول في الحياة الي حصون يختبيئ فيها إبليس ليدير روح العصيان بقوة .
كان بعض من شعب العهد القديم يسيرون بأفكار قلوبهم وبأحلام خارج مشيئة الله فيتنبأون تنبؤات كاذبة لضلال البقية الباقية ، فيتساءل ارميا قائلا " حَتَّى مَتَى يُوجَدُ فِي قَلْبِ الأنْبِيَاءِ الْمُتَنَبِّئِينَ بِالْكَذِبِ؟ بَلْ هُمْ أَنْبِيَاءُ خِدَاعِ قَلْبِهِمِ!الَّذِينَ يُفَكِّرُونَ أَنْ يُنَسُّوا شَعْبِي اسْمِي بِأَحْلاَمِهِمِ الَّتِي يَقُصُّونَهَا الرَّجُلُ عَلَى صَاحِبِهِ، كَمَا نَسِيَ آبَاؤُهُمُ اسْمِي لأَجْلِ الْبَعْلِ. (إر٢٣: ٢٦-٢٧) فلسبب اهداف غير نقية يفكرون فيحلمون بما ليس حق فيضلوا كثيرين ، الهدف الشيطاني من الأفكار والأحلام هو خروج المؤمن من مستوي المشيئة الإلهية ليستطيع أن يقتحم حياته فيدمر ويدمر ويدمر ، لذلك لا يجب أن نضع عقولنا في دوائر ذهنية بعيدة عن مشيئة الله ، فأكثر الشعوب سبيا هي الشعوب المسيطر علي عقولها ومحاطة من كل جانب بتواصل ذهني وأفكار تلاحق أفكار من خلال الميديا والاعلانات المنبعثة من الانترنت ، فلا يجد الشخص وقتا للتفكير المتمعن ليأخذ قراره بهدوء ، فالعالم يسير بسرعة فائقة تفوق الأذهان ، فلا يستطيع الإنسان ملاحقة ما يتمناه ، فهذا يؤثر علي قراراته التي يأخذها في عجلة ، هذا التحرك العالمي يجد فيه ابليس فرصة لتدمير الاجواء الروحية فلا يجد الشخص فرصة ليفكر في قراره الأبدي .
اصلي مع كاتب المزمور فأقول " لِتَكُنْ أَقْوَالُ فَمِي وَفِكْرُ قَلْبِي مَرْضِيَّةً أَمَامَكَ يَا رَبُّ، صَخْرَتِي وَوَلِيِّي. (مز ١٩ : ١٤) فكلما كان للمؤمن فكر نقي مرضي لدي الله لن نجد ظلم ولن نجد تعدي علي حقوق الغير ، ففي وسط الحياة التي نعيشها ستحد حولك أشخاص كانوا ذي ثقل روحي ولهم في حياتك بصمة ، ولكن لسبب تغير فكر قلبهم تحولوا الي معثرين لخطواتك ، فليحفظنا الرب من هؤلاء " احْفَظْنِي يَا رَبُّ مِنْ يَدَيِ الشِّرِّيرِ. مِنْ رَجُلِ الظُّلْمِ أَنْقِذْنِي. الَّذِينَ تَفَكَّرُوا فِي تَعْثِيرِ خُطُوَاتِي. (مز ١٤٠ : ٤) فهل لنا اليوم في تنقية أذهاننا ليتم تنقية أحلامنا فنكون سبب بركة لمن حولنا ، اما بخصوص المتحولون من الحق للباطل اقول " لا تُعْطِ يَا رَبُّ شَهَوَاتِ الشِّرِّيرِ. لا تُنَجِّحْ مَقَاصِدَهُ. ... (مز ١٤٠ : ٨) امين
-----------------------------------------------------------
الفصل الرابع
نظرة للحياة من منظور الماضي
١ - لا تحكم بل إسند :
تكلم بلدد الشوحي ( أي ٨ : ١ - ٣ ) مع أيوب وقال له إن الله لا يُعَوِّجُ الْقَضَاءَ وتعاملات الله في الحق طريق مستقيم فلا يَعْكِسُ الْحَقّ ، الي هنا كلام بلدد الشوحي كلام جميل ورائع ،ولكن أن يستنتج حكم الواقع من منظور الماضي فيحكم فهذا لا يصح فحتما سيخطيئ ، هذا لأنه لن يري كل الأسرار الحياتية للاشخاص ، فقد ربط حادث موت أولاد أيوب بفكرة أنهم خطاة يستحقون " إِذْ أَخْطَأَ إِلَيْهِ بَنُوكَ، دَفَعَهُمْ إِلَى يَدِ مَعْصِيَتِهِمْ " ( أي ٨ : ٤ ) ما لا يعلمه بلدد أنه يوجد تحركات في عالم الروح علي حياة أيوب وأنه توجد ثغرات روحية في حياة أيوب وأولاده ، فلا يجب ان تكون الثغرات خطايا ولكنها قد تكون تبني أفكار خارج مشيئة الله تترجم الي سلوكيات لا تخدم أيوب وأسرته ولذلك عندما قدم إبليس شكايته نال من الله حكم قضائي فتحرك نحو أيوب بكامل قوته ، بلدد الشوحي أخذ الموضوع من شكله الخارجي دون أن ينظر الي داخل القالب ليري جيدا ، هذا إن كان له حق الدخول والنظر ليعرف ، ولكنه تدخل فنظر وأصدر حكمه او رأيه في الأمر وبالتالي صار سبب الام موجعه فوق الألام التي لأيوب .
تكلم عن اولاد ايوب فحكم بكلام موجع ، ولم يصمت بل زاد الأمر بتدخله بكلمات مع أيوب فقال له أن يتضرع الي القدير ربما يتزكا ويتنبه له الرب " فَإِنْ بَكَّرْتَ أَنْتَ إِلَى الله تَضَرَّعَْ إِلَى الْقَدِيرِ، ، إِنْ كُنْتَ أَنْتَ زَكِيًّا مُسْتَقِيمًا، فَإِنَّهُ الآنَ يَتَنَبَّهُ لَكَ وَيُسْلِمُ مَسْكَنَ بِرِّكَ. ( أي ٨ : ٥ ، ٦ ) يااااه أحبائي علي نفوس تضع نفسها في دائرة الحكمة البشرية التي تنظر الي واقعها دون أن تسأل الله لتفهم فتتكلم وتشجع وتسند ، ما فعله بلدد أنه أراد إدخال أيوب داخل طريق نفسي نحو نفسه والله ، بأنه يستحق ما حدث له وان ليس له مكانة روحية لدي الله ولذلك لم يتنبه له الله ، وما فعل من إمور صغيرة حصد الكثير ، كالبذرة التي تزرع فتثمر بذار أكثر ، هكذا كان ماضيك " وَإِنْ تَكُنْ أُولاكَ صَغِيرَةً فَآخِرَتُكَ تَكْثُرُ جِدًّا. ( أي ٨ : ٧ ) وإن كان الزرع والحصاد حقيقة ولكن هل ينطبق هذا علي أيوب ؟ أقول كلا .. لأن الأمر عبارة عن تربص شيطاني علي حياة شخص صِديق بحث حوله عن ثغرة فدخل من خلالها ليجربه ، واستطاع أيوب أن يعبر تجربته بنجاح فعوضه الرب وسنده ورجع إبليس بيدين فارغتين .
عندما يتدخل الأصدقاء في حياتنا بدافع ليس من الله سيكونون جارحين ومتعبين وخير لنا ولهم إن لم يأتوا ، في أوقات كثيره نلوم علي أحباء لنا لم يأتوا وقت وقت أزماتنا ، فالأن عليك أن تشكر الرب لأنهم لم يتواجدوا ، ودائما الأحباء اللذين أتوا وشاركونا فلا يجب وضع أذاننا لهم بثقة ، بل علينا أن نفلتر كلماتهم جيدا ولا نتكل علي كل كلمة ، فهم لم يشاركونا تفاصيل التفاصيل في حياتنا ولذلك سيكون حكمهم دائما ليس صائبا ، قال بلدد لأيوب عبارة في غاية الخطورة " اِسْأَلِ الْقُرُونَ الأولَى وَتَأَكَّدْ مَبَاحِثَ آبَائِهِمْ ( أي ٨ : ٨ ) إن كان الماضي يشهد عن شيئ فهو يشهد عن واقع مضي وأن الحاضر بثمار الماضي لا يستطيع تقيمه إلا صاحب الكرم والعامل الذي أفلح الأرض ، هكذا ماضينا لا يعلمه إلا إثنان الله صاحب الحياة بجملتها وأنا الذي أفلح في أرض حياتي ، ولذلك ليس من حق أحد أن يشاركني في سؤال الماضي فيقلب عليّ أوجاع أنا في غني عنها ، إن ربط الحاضر بالماضي يحتاج الي متخصص فاهم ليستطيع أن يجند كلماته بحساب ليصل الي تحليل واقع غامض كواقع أيوب ، وللأسف لم يجد أيوب متخصص يفك طلاثم الحاضر ، لذلك تدخل الله وفك لأيوب كل طلاثمه ولام أصدقاءه لأنهم لم يتكلموا بالصواب " وَكَانَ بَعْدَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ مَعَ أَيُّوبَ بِهذَا الْكَلامِ، أَنَّ الرَّبَّ قَالَ لأَلِيفَازَ التَّيْمَانِيِّ: "قَدِ احْتَمَى غَضَبِي عَلَيْكَ وَعَلَى كِلا صَاحِبَيْكَ، لأنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ. (أي ٤٢ : ٧) فعندما لا نجد من يصد سهام كلمات خارقة وحارقة ستجد يد الرب القديرة متداخله وكلماته الشافية المجبرة لكل كسر ، فإنتظر الرب ولا تفشل فهو يري كل الأحداث ويقيم الإمور جيدا ويعلن أنك غالي علي قلبه ، فلا تصدق ابليس ومعاونية المجندين من حولك .
٢ - الماضي وحقائق المستقبل :
يتأثر الحاضر والمستقبل من الماضي ، ولكن الحاضر يصنع حقائقه متأثراً بكل الأحداث الماضية والمستقبلية التي نخطط من أجلها ، فالماضي جزء من حياتنا يترك تأثيره ، البعض منه ممتد والبعض منه يصبح في الذكرى وجزء كبير منه يصير في ضي النسيان ، فقد تبني منزلا في الحاضر ويستمر موجودا وقائما يشهد عن عملا عظيما قمت به استمر تأثيره علي حاضر كل يوم ومستمر لمستقبل الغد ، هكذا في كل المجالات المادية والنفسية والروحية ، فما تزرعه اليوم ويدفن سينبت ويصير له تأثيرا فعالا في الغد ، فالماضي قد يعلن عن بعض الحقائق في المستقبل ، لأجل ذلك ما حدث لأيوب يقود الإنسان للبحث في ماضي أيوب ، ويتسائل هل ما حدث لأيوب له إرتباط بالماضي أم إنها مجرد تجربة اتت علي ايوب دون أن يكون له أي ذنب أو تدخل ؟
كلمات بلدد الشوحي تقود أيوب للتنقيب في الماضي " اِسْأَلِ الْقُرُونَ الأولَى وَتَأَكَّدْ مَبَاحِثَ آبَائِهِمْ، لأَنَّنَا نَحْنُ مِنْ أَمْسٍ وَلاَ نَعْلَمُ، لأَنَّ أَيَّامَنَا عَلَى الأَرْضِ ظِل ( ايوب ٨ : ٨ - ٩ ) فلا غرابه في ذلك ، ولأن أيوب يعلم أنه رجل مستقيم فالماضي يشهد له ، فعندما يسأل القرون الأولي لن يجد أقوي من كلمات الرب وشهادته عنه إذ قال: " ... لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ". (أي ١ : ٨) هذا هو أيوب ، فسلوك أيوب مع الله والناس مشهود عنه ، فالرجوع للماضي من أجل الاعتراف به ومعالجة ما يمكن معالجته يكون هذا جميلا ، أما إن لم نستطيع تغيير الماضي فلا داعي للتفكير فيه إطلاقاً كي لا يعوق مسيرتنا الروحية.
نسأل : هل الماضي يعلن حقائق المستقبل ؟ أقول نعم لأن الماضي ليس فقط سلوكيات ولكنه أيضاً معرفة وفهم وإدراك روحي لأبعاد الإمور الروحية والجسدية ، فقد يكون الإنسان في علاقاته بالإخرين ممتازة جداً ولكن ينقصه بعض الإمور في دائرة المعرفة الروحية والادراكات الروحية التي تعطية مستوي من الحماية وعدم وجود ثغرات يدخل من خلالها ابليس ، فإبليس لا يعمل إلا من خلال الاشياء والكائنات الحية ، والمواقف التي تترك بصمات داخلنا ، هذه البصمات تحتاح مؤمنون يخضعون لمشيئة الله وفهمه فلا يستطيع إبليس أن يستخدمها ضدهم ويتعبهم.
٣ - امور الماضي تحتاج لبكاء وصوم وصلاة :
كثير من امور الماضي تؤثر علي الحاضر و المستقبل فتعيق المسيرة الإلهية في حياة المؤمن وحياة شعب الرب ، فبعض احداث الماضي تعوق النمو الروحي ، قد يتصرف قائد روحي تصرف غير لائق مع من يخدمهم فيترك بصمة نفسية سلبية فيصنع نفوس غير أسوياء ، ايضا توجد أخطاء أو خطايا يفعلها الانسان نفسه في حق نفسه فيترك داخله بصمات داخل احاسيسه ومشاعره لا تزول إلا بالبكاء والصوم والتوبة الحقيقية أمام الرب ، عوم داود سريره بدموعه لسبب الخطايا التي في الماضي من زني وقتل والمضايقين المتواجدين في حياة داود ، لأن المشاعر السلبية والاحساس بالذنب يكونا إحساسا قاتلاً " تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي." (مز ٦ : ٦) ما علينا الا التخلص من كل ما هو سلبي سواء ناتج من ذاتي أو من خلال الأخرين.
يوجد بعض من أحداث الماضي تحتاج لبكاء وصوم وصلاة ، نحميا بسبب الماضي بكي وكان وجهه مكمداً وحزيناً " فَقَالُوا لِي: "إِنَّ الْبَاقِينَ الَّذِينَ بَقُوا مِنَ السَّبْيِ هُنَاكَ فِي الْبِلادِ، هُمْ فِي شَرّ عَظِيمٍ وَعَارٍ. وَسُورُ أُورُشَلِيمَ مُنْهَدِمٌ، وَأَبْوَابُهَا مَحْرُوقَةٌ بِالنَّارِ". فَلَمَّا سَمِعْتُ هذَا الْكَلامَ جَلَسْتُ وَبَكَيْتُ وَنُحْتُ أَيَّامًا، وَصُمْتُ وَصَلَّيْتُ أَمَامَ إِلهِ السَّمَاءِ، ( نح ١ : ٣ ، ٤ ) فعندما يري الله أن المؤمن أدرك ألأبعاد الروحية التي للماضي في تأثيرها علي الحاضر والمستقبل ، يتدخل للتغيير والمساندة والتدخل الالهي " ... إِنَّ إِلهَ السَّمَاءِ يُعْطِينَا النَّجَاحَ، وَنَحْنُ عَبِيدُهُ نَقُومُ وَنَبْنِي. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَيْسَ لَكُمْ نَصِيبٌ وَلاَ حَقٌّ وَلاَ ذِكْرٌ فِي أُورُشَلِيمَ". (نح ٢ : ٢٠) فالتغيير الذي أحدثه نحميا يرجع للإدراك الروحي لأبعاد الإمور ، لذلك لا تنظر للماضي بخبراته السلبية فتفشل لكن انظر اليه من خلال روح النجاح والتقدم لأنك تتعلم من ماضيك سواء في سلبياته أو ايجابياته ، فيحسب الفشل نجاحا لأنه يعطي خبرة .
- المساندة الإلهية بكاء الماضي :
المسانده السماوية لبني البشر في حياتهم والتدخلات الإلهية تعطي للإنسان الرجاء في الغد ، هذا ما كان يشعر به نحميا ، فالنجاح من الرب لذلك لا نتكاسل بل نقوم ونبني ، فإن كان الماضي يبكيك فاعلم أن المستقبل الذي في يد الرب يفرحك ، فتمسك بالرب وسير امامه وإعلم أنه لن يخزلك ، لا تبكي علي إمور الزمن بما هو مرتبط بالأشياء والممتلكات لأنها وقتية زائلة ، يمكنك السعي للإمتلاك ولكن لا تتمسك بها لأن تمسكك بها يعطي فرصة لإبليس بالتحرك نحوك ليتعب نفسيتك سواء امتلكت ما سعيت نحوة أو ما كنت تتمناه ولم تحصل عليه ، فقط ضع أهداف وإسعي نحوها دون التعلق بما انجزته ، فكل ما تم إنجازه من اعمال سيكون له صداه في عالم الجسد هنا وفي عالم الروح وستكافأ ابدياً .
لا تفعل كما فعل شعب اسرائيل فقد بكوا أمام الرب من اجل اطعامهم لحماً " وَلِلشَّعْبِ تَقُولُ: تَقَدَّسُوا لِلْغَدِ فَتَأْكُلُوا لَحْمًا، لأَنَّكُمْ قَدْ بَكَيْتُمْ فِي أُذُنَيِ الرَّبِّ قَائِلِينَ: مَنْ يُطْعِمُنَا لَحْمًا؟ إِنَّهُ كَانَ لَنَا خَيْرٌ فِي مِصْرَ. فَيُعْطِيكُمُ الرَّبُّ لَحْمًا فَتَأْكُلُونَ." (عد ١١ : ١٨) فقد كان كل ما يفكرون فيه إشباع أنفسهم من الطعام ، ففي هذه لم يمنع الرب عنهم " بَلْ شَهْرًا مِنَ الزَّمَانِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنَاخِرِكُمْ، وَيَصِيرَ لَكُمْ كَرَاهَةً، لأَنَّكُمْ رَفَضْتُمُ الرَّبَّ الَّذِي فِي وَسَطِكُمْ وَبَكَيْتُمْ أَمَامَهُ قَائِلِينَ: لِمَاذَا خَرَجْنَا مِنْ مِصْرَ؟" (عد ١١ : ٢٠) إن الإستهانه بما هو أهم في الحياة الروحية يعطي للإنسان خسارة كبيرة أبدياً من أجره واكاليل ، وفي الحياة هنا من مجد روحي ومن استخدامات ، فكل الشعب الذي نظر ما هو وقتي لم ينال المواعيد ولم يدخلون أرض الموعد " حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ. اخْتَبَرُونِي وَأَبْصَرُوا أَعْمَالِي أَرْبَعِينَ سَنَةً. ١٠لِذلِكَ مَقَتُّ ذلِكَ الْجِيلَ، وَقُلْتُ: إِنَّهُمْ دَائِمًا يَضِلُّونَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا سُبُلِي. ١١ حَتَّى أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي: لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي" ... وَلِمَنْ أَقْسَمَ: "لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتَهُ"، إِلاَّ لِلَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا؟ " (عب ٣ : ٩ - ١٨) لذلك اناشدك أخي الغالي أن لا تنظر للامور الزمنية وتتعلق بها وتعطي لها الأولويه ، بل انظر لما هو سماوي وكل ما يربط بالسماويات لأنه الأبقي.
- الوقوف باكيا للإحتياج :
يحق لك أن تقف أمام الله باكياً من أجل شفاء نفوس يحتاجون للشفاء ، فقد بكي داود وصام وصلي من أجل شفاء إبنه " فَقَالَ لَهُ عَبِيدُهُ: "مَا هذَا الأَمْرُ الَّذِي فَعَلْتَ؟ لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا صُمْتَ وَبَكَيْتَ، وَلَمَّا مَاتَ الْوَلَدُ قُمْتَ وَأَكَلْتَ خُبْزًا". فَقَالَ: "لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا صُمْتُ وَبَكَيْتُ لأَنِّي قُلْتُ: مَنْ يَعْلَمُ؟ رُبَّمَا يَرْحَمُنِي الرَّبُّ وَيَحْيَا الْوَلَدُ. ( 2صم ١٢ : ٢١ ، ٢٢ ) فالتضرع أمام الرب من أجل أمر ما وينتهي بطريقة تختلف عن ما كنا نتوقعه ، ليس لنا إلا أن نسلم للرب التسليم الكامل دون التعلق بالاستجابة بالطريقة التي نريدها أو بالنتيجة التي رُسمت في داخلنا ، لأن هذا يعيق سلامنا الداخلي ، فبكاء داود وصومه لم يذهب في بساط الريح لأنه يعلم كل العلم بأن الله سمع صلاته ورأي دموعه وصيامه وتذلله علي المسوح وإن لم يستجيب بالطريقة التي كان يريدها.
اخي الغالي لا تتعلق بالنتيجة لكن تعلق برب النتائج سواء كانت كما اردت أو عكس ما كنت تريد ، فقط تمسك بالرب دون التعلق بالاشياء ونتائجها ، فمن ضمن حروب إبليس علي حياة المؤمن هو تعلقه بالأشاء ورسم نتيجة يريدها فإن لم تتحقق يصدم ويبعد عن مصدر البركات والشبع الحقيقي ، لا اعني عدم وضع هدف والصلاة من اجله لكني قصدت أنه مع وضع اهدافك وايمانياتك ترك الفرصة للرب ليفعل الصالح.
بكاء الملك يوشياء من اجل غضب الله علي شعب الرب جعل الله يهتم به ويضمه لأبائه دون أن يري ما سيحدث لشعب الرب ، قد لا نستطيع أن نغير القضاء الالهي علي امة لسبب شرها ، لكننا نستطيع أن ننال حماية أو معونة الهية كي لا نري قضاء الله علي امة نحبها ، ليس هذا معناه أن الله سينهي الحياة قبل أوانها ، بل سيؤجل القضاء لحين انتقال المؤمن الباكي من اجل شعب الرب " هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا جَالِبٌ شَرًّا عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ وَعَلَى سُكَّانِهِ، ... مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ تَرَكُونِي وَأَوْقَدُوا لآلِهَةٍ أُخْرَى لِكَيْ يُغِيظُونِي بِكُلِّ عَمَلِ أَيْدِيهِمْ، فَيَشْتَعِلُ غَضَبِي عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ وَلا يَنْطَفِئُ. " لكن إقرأ ماذا قال الرب لملك يهوذا " ... مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ رَقَّ قَلْبُكَ وَتَوَاضَعْتَ أَمَامَ الرَّبِّ حِينَ سَمِعْتَ مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ وَعَلَى سُكَّانِهِ أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ دَهَشًا وَلَعْنَةً، وَمَزَّقْتَ ثِيَابَكَ وَبَكَيْتَ أَمَامِي. قَدْ سَمِعْتُ أَنَا أَيْضًا، يَقُولُ الرَّبُّ. " سمع الرب الصلاة لكن بما ليس حسب انتظاره بل بحسب العدل الإلهي " لِذلِكَ هأَنَذَا أَضُمُّكَ إِلَى آبَائِكَ، فَتُضَمُّ إِلَى قَبْرِكَ بِسَلاَمٍ، وَلا تَرَى عَيْنَاكَ كُلَّ الشَّرِّ الَّذِي أَنَا جَالِبُهُ عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ ... ( 2مل ٢٢ : ١٦ ٢٠ ) فالشعب الذي يترك الرب ينال من القضاء الالهي نصيباً " لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً ........ زَمْجَرَتْ عَلَيْهِ الأَشْبَالُ. أَطْلَقَتْ صَوْتَهَا وَجَعَلَتْ أَرْضَهُ خَرِبَةً. أُحْرِقَتْ مُدُنُهُ فَلاَ سَاكِنَ. (إر ٢ : ١٣ - ١٥) هذا القضاء الالهي ليس انتقاماً لكنه نتيجة للشر والبعد عن الله ، الله ليس بظالم فللشر نهاية اليمة وكل من يسير فيه ينال من القضاء الألهي جانب ، فنزع الحماية والسياج كفيل لدخول كل أنواع الدمار والهلاك والموت ، اما السير في طريق الرب والتمسك بمبادئه يعطي للمؤمن الحق في الحماية والحفظ والرعاية الخاصة من اله السماء .
لا تيأس أو تفشل عندما تنظر الفساد ينتشر في ارضك بسرعة البرق ، ولا تحزن عندما تري نفوس محل ثقة سقطت من مستواها وتَقيِمها ، فكلٍ سيحصد نتائج زرعه " لا تَضِلُّوا! اَللهُ لا يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا. (غل ٦ : ٧) فمن يزرع بالدموع مقدراً المسئولية حتما سيحصد من الرب مفرحا إياه " الَّذِينَ يَزْرَعُونَ بِالدُّمُوعِ يَحْصُدُونَ بِالابْتِهَاجِ. (مز ١٢٦ : ٥) أما من يزرع شرا فماذا سيحصد ؟ حتما وبكل تأكيد سيحصد مصيبة " الزَّارِعُ إِثْمًا يَحْصُدُ بَلِيَّةً، وَعَصَا سَخَطِهِ تَفْنَى. (أم ٢٢ : ٨) فإن طالت مدة الشرير ( سواء كان مؤمنا أو غير مؤمنا ) فسيحصد مما زرع ومن ظُلم سيعوض الرب له ولنسله أضعاف أضعاف ما عاناه أو فقدهُ " وَأُعَوِّضُ لَكُمْ عَنِ السِّنِينَ الَّتِي أَكَلَهَا الْجَرَادُ، الْغَوْغَاءُ وَالطَّيَّارُ وَالْقَمَصُ، جَيْشِي الْعَظِيمُ الَّذِي أَرْسَلْتُهُ عَلَيْكُمْ.فَتَأْكُلُونَ أَكْلا وَتَشْبَعُونَ وَتُسَبِّحُونَ اسْمَ الرَّبِّ إِلهِكُمُ الَّذِي صَنَعَ مَعَكُمْ عَجَبًا، وَلا يَخْزَى شَعْبِي إِلَى الأبَدِ. (يؤ٢: ٢٥-٢٦) فالتعويض الإلهي متاح لكل مظلوم ولكل حاصد حصيداً لم يزرعهُ " .... إِنَّ وَاحِدًا يَزْرَعُ وَآخَرَ يَحْصُدُ. (يو ٤ : ٣٧) وإن كانت هذه الأية استخدمت للجانب الإيجابي منها ولكنه قانون يسري مفعوله علي كل الجوانب الروحية والجسدية في ايجبياتهما وسلبياتهما فإن كنت حصدت حصيدا شريرا من مقربين زرعوا في حياتك إثما ، ثق أنهم سيحصدون بلية وأنت ستعوض من القدير أضعاف أضعاف ما فقدته " لأنَ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَادًا، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً. (غل ٦ : ٨) فإهتم كيف تزرع لتحصد من ثمر تعبك بركات مضاعفة في اسم المسيح
٤ - حقائق دائمة لعالم الجسد :
الحقائق التي لعالم الجسد ولا يجب أن تغيب من أذهاننا أن الماضي جزء من حياتنا والموجود ليس دائم وضألة المعرفة ستستمر مع الإنسان مهما علا شأنه ومهما وصل من علم " لأنَّنَا نَحْنُ مِنْ أَمْسٍ وَلا نَعْلَمُ، لأنَّ أَيَّامَنَا عَلَى الأرْضِ ظِلٌّ. (أي ٨ : ٩) ولكن للأسف الإنسان يتحرك وكانه خالد للأبد علي هذه الأرض فهو علي الأرض ظل لن يدوم ويستمر بجسده علي الأرض ، بكل تأكيد العالم اليوم في تطوره وتقدمه إختلف من ذي قبل ، فقد توصل للكهرباء التي هي أم كل الإختراعات التي في العالم ، حتي الإختراعات اليدوية اليوم بفضل الكهرباء تطورت الي اليكترونية ، والعجلات التي كانت تسير بحيوانات جر تطورت الي حركة ميكانيكية يدخل فيها الكهرباء عنصر أساسي ، فالتقدم والتطور في عالمنا جعل من اكتشاف واحد ركيزة لمعظم بل لكل الإختراعات ولكل الأعمال ، وبدونها تتعطل الحياة ، ما أقصده من كل هذا أن مع هذا التقدم والتطور سيظل كل إنسان علي الأرض ظل .
الماضي جزء من حياتنا سيستمر مؤثرا لأجيال قادمة سواء كان ماضي في دوائر سلبية أو ماضي في دوائره الإيجابية ، فما نصنعه اليوم يتحول في الحياة الي ماضي مؤثر ثم الي تاريخ يحاكي به للأجيال القادمة اللذين هم أيضا سيصيرون ماضي ثم تاريخا يحاكي به ، ولكن ... هل أنت اليوم تعمل بجِد وبضمير حي لتترك للمستقبل ماضي مُشرِف ؟ أم أن ماضيك تريد أن تمسحه بأستيكة وتزيلة بالكريكتور محاولا تغيير معالمه كي لا يتم التعرف عليه ، إن ما تم كتمه بمحاولات إزالة وتغيير معالم سيأتي اليوم الذي ينكشف فيه كل ماضي وكل تاريخ تم تزييفه " لأنَّهُ لَيْسَ خَفِيٌّ لا يُظْهَرُ، وَلا مَكْتُومٌ لا يُعْلَمُ وَيُعْلَنُ. (لو ٨ : ١٧) أحبائي سينكسف كل مستور وسيعلن كل مكتوم فحذاري من أعمال اليوم التي تكون خارج مشيئة الله وتهدف للمصلحة الشخصية وبها ظلم للأخرين .
فالحقيقة أننا ظل وأننا من أمس ولا نعلم ما تخبئه الأيام ، علينا أن نسير في الحق وبالحق ولا نغالط أنفسنا بدفعها الي طرق ليست حميده لنوال مكاسب زمنية زائلة مع زوال الأيام ، فالرب في مبادئه واضع مع قانون الستر قانون أخر وهو كشف المستور ، ففي قانون الستر نراه يربط الستر لكل محب وقريب لقلب الله ولكل سائر بالأمانة " وَلِبَنْيَامِينَ قَالَ: "حَبِيبُ الرَّبِّ يَسْكُنُ لَدَيْهِ آمِنًا. يَسْتُرُهُ طُولَ النَّهَارِ، وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ يَسْكُنُ". (تث ٣٣ : ١٢) ايضا الذي يتمتع بالستر هو كل ساكني بيت الرب عن ترابك روحي بالرب وبخدمته ، والستر هنا هو الحماية من المخاطر الخارجية ومن أخطاء الأخرين لذلك يطلب كاتب المزمور قائلا " وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ الرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ: أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ، وَأَتَفَرَّسَ فِي هَيْكَلِهِ.لأنَّهُ يُخَبِّئُنِي فِي مَظَلَّتِهِ فِي يَوْمِ الشَّرِّ. يَسْتُرُنِي بِسِتْرِ خَيْمَتِهِ. عَلَى صَخْرَةٍ يَرْفَعُنِي. (مز٢٧: ٤-٥) أما في قانون كشف المستور يعمل مع كل ظالم لم يقدم توبة ولم يرد المسلوب " يَكْشِفُ الْعَمَائِقَ مِنَ الظَّلامِ، وَيُخْرِجُ ظِلَّ الْمَوْتِ إِلَى النُّورِ. (أي ١٢ : ٢٢) فكل شخص يسير اليوم في حاضر مستور سيأتي اليوم الذي فيه يكشف كاشف العمائق كل الأسرار ، فما كان اليوم مكتوما " هُوَ يَكْشِفُ الْعَمَائِقَ وَالأسْرَارَ. يَعْلَمُ مَا هُوَ فِي الظُّلْمَةِ، وَعِنْدَهُ يَسْكُنُ النُّورُ. (دان ٢ : ٢٢) عنده يسكن النور لذلك من الطبيعي يتم كشف كل ظلام وكل تعدي ، لذلك لا تعتمد علي ستر الأيام فالأيام لا تستر شيئا ، بل اعتمد علي الهك الذي يغفر لكل تائب ويصحح كل مفاسد الحياة لكل جيل التجأ اليه ، فثق أن الهك أمين وحافظ العهد والأمانة لكل محبيه السالكين في النور .
٥ - للمساندة وليس للنقد والتحليل :
في قصة ايوب أصدقاء صاروا سبب تعب نفسي علي حياته منهم " بِلْدَدُ الشُّوحِي (أي ٨ : ١) هذا الشخص نحن في هذا الفصل نتكلم حول كلماته ، فهي ليست بحسب مشيئة الله ، فنسب لأيوب بأن كلماته مزعجة جدا " أَقْوَالُ فِيكَ رِيحًا شَدِيدَة " ونسب لأيوب ولأولاده مسئولية ما حدث ، وأن قضاء الله علي حياته عادل " هَلِ الله يُعَوِّجُ الْقَضَاءَ، أَوِ الْقَدِيرُ يَعْكِسُ الْحَقَّ؟إِذْ أَخْطَأَ إِلَيْهِ بَنُوكَ، دَفَعَهُمْ إِلَى يَدِ مَعْصِيَتِهِم " فالظن او التحليل الغير مبني علي دلائل شر يجب التوبة عنه ، فحقيقة أن الله لا يعوج القضاء فهذا حق ولكن أن يأخذ هذا الحق ليثبت لأيوب أن ما حدث هو حكم الهي لسبب شر في أيوب ، هذا عكس الحقيقة فالقضاء الإلهي لا يعمل فقط في وقت خطية الإنسان ، ولكنه يحكم ايضا عندما يصير في الإنسان ثغرات روحية ( وليست خطايا ) فالثغرات أبواب لإبليس يستطيع أن ينال بسببها حُكم قضائي ، ثم ربط بلدد ماضي أيوب بمصائب الحاضر منعتا إياه بالرياء " فَإِنْ بَكَّرْتَ أَنْتَ إِلَى الله وَتَضَرَّعْتَ إِلَى الْقَدِيرِ،إِنْ كُنْتَ أَنْتَ زَكِيًّا مُسْتَقِيمًا، فَإِنَّهُ الآنَ يَتَنَبَّهُ لَكَ وَيُسْلِمُ مَسْكَنَ بِرِّك " أي أنك يا أيوب لا تتزاكا علي الله فلو كنت مستقيما ولا يوجد فيك شر لإنتبه الله لك وسلم مسكن برك ، فقد حاول بلدد إثبات بأن ما حدث لأيوب نتيجة خطية ومعصية في حياته هو وأولاده .
حقيقي شيئ متعب ومؤلم أن يتواجد في حياتك أصدقاء أفكارهم بعيدة عن مشيئة الله ويتكلمون بما يرونه صواب دون أن يتمعنوا جيدا فيما يتفوهون به ، إن مثل هؤلاء عدم وجودهم في حياتنا أفضل بكثير من وجودهم بكلمات قاسية وغير حكيمة ، أو عدم مشاركتهم لنا في احوالنا أفضل من مشاركتهم للمجاملة ، هذا يعلمنا أنه عندما نشارك احبائنا في مصائبهم علينا الإلتزام بالصمت والصلاة من أجلهم ليسندهم الرب ولا يحق لنا تحليل الاحداث لأننا لا نملك هذا الحق ، فالذي يفحص القلوب هو الرب وهو وحده القادر أن يسند ويعلم ويرفع ويبارك ، وما علينا نحن إلا المشاركة للمساندة والتعضيد فقط وليس للنقد والتحليل ، فبكلامنا قد ندفع الأخر لطريق التنقيب في الماضي ليفتش عن خطايا تسببت في بلية اليوم ، فقد دفع بلدد أيوب ليفتش في تاريخ حياته " اِسْأَلِ الْقُرُونَ الأولَى وَتَأَكَّدْ مَبَاحِثَ آبَائِهِمْ،لأننَا نَحْنُ مِنْ أَمْسٍ وَلا نَعْلَمُ، لأنَّ أَيَّامَنَا عَلَى الأرْضِ ظِلٌّ. (أي٨: ١-٩) هذا الإتجاه من التفكير يُحدِث في عقل أيوب حيرة وتعب لأن الأمر أكبر من إدراكاته الحالية ، ولذلك كان وجب علي الجميع الصمت والسكون والإنتظار لحين التدخل الإلهي ، فلا توجد مشكلة تبقى للأبد ، فحتما سيتدخل الله لأنه يراقب الأحداث ويعلم جيدا ماذا يفعل ، فقد تدخل في حياة أيوب وأنهي كل حيرة قلب وصحح المفاهيم المغلوطة ، وعوض أيوب أضعاف ما خسره ، فهو الله القدير الصديق الوفي الذي في مساندته علاج وشفاء .
-----------------------------------------------------------
الفصل الخامس
الكمال مستوي للقبول الإلهي
١ - للمرة الأولي يابلدد :
تكلم بلدد بكلمات حقيقية عن الله ولكن للأسف في هذه المرة أراد أن يستخدمها لأيوب ليظهر نقصه ، وكأنه يريد أن يقول : لو أنك كامل فلن يرفضك الله ، فما أنت فيه يرجع لعدم كمالك " هُوَذَا الله لا يَرْفُضُ الْكَامِلَ، وَلا يَأْخُذُ بِيَدِ فَاعِلِي الشَّرِّ. (أي ٨ : ٢٠) نعم إنها حقيقة عن الله وقانون الهي ، ولكن يجب أن يستخدم القانون في واقعه وليس لهدف إظهار نقص في الأخرين ، فقد قال الرب كلمته عن أيوب في بداية الأمر عندما جاء الشسيطان ليجرب أيوب " فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ". (أي ١ : ٨) فالحقيقة الراسخة أن الله فعلا لم يتخلي عن أيوب في كل مشوار حياته ، فهو السنيد الغير مرئي وإله التعوبض في الوقت المناسب .
لا يستطيع الإنسان أن يعيش بلا قانون أو مبادئ فحيث لا قانون لا نظام ولا حقوق وتعم الفوضي ، هذا حق وإن كان بلدد الشوحي يتكلم مع أيوب محاولاً إثبات أن ما حدث لأيوب ليس بلا سبب ، فكما أن النبات لا ينبت بلا ماء هكذا المصائب لها مسبباتها " هَلْ يَنْمُي الْبَرْدِيُّ فِي غَيْرِ الْغَمِقَةِ، أَوْ تَنْبُتُ الْحَلْفَاءُ بِلاَ مَاء " ( ايوب ٨ : ١١ ) فما حدث من خراب في حياة أيوب يرجع للبعد عن الله " هُوَذَا الله لا يرْفُضُ الْكَامِلَ، وَلا يَأْخُذُ بِيَدِ فَاعِلِي الشَّرِّ " ( ايوب ٨ : ٢٠ ) فقد صار بيت أيوب كالعنكبوت " هكَذَا سُبُلُ كُلِّ النَّاسِينَ اللهَ، وَرَجَاءُ الْفَاجِرِ يَخِيبُ،فَيَنْقَطِعُ اعْتِمَادُهُ، وَمُتَّكَلُهُ بَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ! " ( ايوب ٨ : ١٣ ، ١٤ ) فهل كان ايوب هكذا.كلا ، كان أيوب قريب من قلب الرب ، رجل مستقيم وكامل فما حدث له لا يدخل تحت طائلة البعدين عن الله ، لكنه يدخل تحت بند المشتكي عليهم لله ، فالشكاية إن أخذت حق التنفيذ تصير فاعليتها بحسب قوتها ، فالشكاية التي كانت علي حياة أيوب تحمل في داخلها اكبر درجة من درجات الدمار والالم.
كلمات بلدد تحمل داخلها المرارة وخيبة الأمل والرجاء ، فهو يريد أن يقول لأيوب أن حياة البركة والخير تبدل بالجفاف والسقوط " يَسْتَنِدُ إِلَى بَيْتِهِ فَلاَ يَثْبُتُ. يَتَمَسَّكُ بِهِ فَلا يَقُومُ. هُوَ رَطْبٌ تُجَاهَ الشَّمْسِ وَعَلَى جَنَّتِهِ تَنْبُتُ خَرَاعِيبُبهُ " ( ايوب ٨ : ١٥ ، ١٦ ) فإن كان الواقع يقول قد سقط الجبار وليس مخلص لكن ليعلم كل من اشتكي عليه ابليس ، تمسك بكمالك لأنك بهذا تنال من الرب المعونة والتعويض " هُوَذَا اللهُ لا يَرْفُضُ الْكَامِلَ ( ايوب ٨ : ٢٠ ) الكمال الروحي إذا تبناه المؤمن في حياته يفتح المجال للرب بالتدخل في حياة الإنسان ليبدل الواقع المرسوم من إبليس إلي واقع مرسوم بالروح القدس لحياة شخص يعيش في دائرة الكمال .
٢ - مناطق تمركز لا يملكها إبليس :
عندما تقرأ قصة أيوب ستجد أن التحركات الشيطانية واضحة في السماء للشكاية. (أي١: ٦-١٢) وعلي الأرض للتنفيذ ، فكانت الكثافة الشيطانية عالية جدا والعدد مهول ، فيوجد مجموعة شيطانية ذهبت نحو البقر . (أي١: ١٤-١٥) وأخري نحو الغنمَ . (أي ١ : ١٦) ومجموعة شيطانية أخري تحركت نحو الجمال . (أي ١ : ١٦) وليس أخيرا فقد تحركت مجموعة كبيرة نحو الأبناء . (أي١: ١٨-١٩) يالها من سحابة شيطانية كانت متمركزة فوق أيوب وممتلكاتة وتنتظر إشارة للتحرك، فتحركة قوة أخري نحو جسد أيوب فضربته بقرح رديء . (أي٢: ٧-٨) حتي زوجته كان لإبليس دور في استخدامها لزيادة الحِمل علي ايوب . (أي٢: ٩-١٠) تحرك ابليس بكل قوة وبلا رحمة ، وفوق كل هذا تحركت مجموعة أخري الي أصدقاء أيوب ليدمروا بكلامهم المتبقي في نفسية ايوب . (أي٢: ١١-١٣)
يصنع إبليس لنفسه مناطق خاصة فوق بعض الأماكن أو الأسر ، يصنع سحابة من اللعنات تحمل داخلها روح موت وقتل أو عقم أو ربط جنسي أو مشاكل أسرية ، فكل من لا يعيش في دوائر الكمال والسلوك بالروح والحياة داخل المشيئة الإلهية ويتواجد في هذه الأماكن تصاب حياته ببعض هذه الإمور ( ومع ملاحظة أنه ليس كل عقم وراءه ارواح شريرة ، اقول هذا ليرتاح ضميري لمن يفهم ما كتبته بالخطأ ) .
يوما ما صنع ابليس في اورشليم سحابة من الضيق والقيود من أجل بولس الرسول فرأي الروح القدس هذا فأعلن علي فم أغابوس " وَبَيْنَمَا نَحْنُ مُقِيمُونَ أَيَّامًا كَثِيرَةً، انْحَدَرَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ نَبِيٌّ اسْمُهُ أَغَابُوسُ. فَجَاءَ إِلَيْنَا، وَأَخَذَ مِنْطَقَةَ بُولُسَ، وَرَبَطَ يَدَيْ نَفْسِهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَالَ:"هذَا يَقُولُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ: الرَّجُلُ الَّذِي لَهُ هذِهِ الْمِنْطَقَةُ، هكَذَا سَيَرْبُطُهُ الْيَهُودُ فِي أُورُشَلِيمَ وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى أَيْدِي الأمم"." ( أعمال الرسل ٢١:١٠ ـ 11 ) ولكن بولس لم يستجب " فَأَجَابَ بُولُسُ:"مَاذَا تَفْعَلُونَ؟ تَبْكُونَ وَتَكْسِرُونَ قَلْبِي، لأنِّي مُسْتَعِدٌّ لَيْسَ أَنْ أُرْبَطَ فَقَطْ، بَلْ أَنْ أَمُوتَ أَيْضًا فِي أُورُشَلِيمَ لأَجْلِ اسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ . " (أعمال الرسل ٢١ : ١٣ ) وذهب لأورشليم وقيد هناك ورُحِل الي روما حيث سحابة القتل ، فوضع تحت الحراسة " وَلَمَّا أَتَيْنَا إِلَى رُومِيَةَ سَلَّمَ قَائِدُ الْمِئَةِ الأَسْرَى إِلَى رَئِيسِ الْمعَسْكَرِ، وَأَمَّا بُولُسُ فَأُذِنَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ وَحْدَهُ مَعَ الْعَسْكَرِيِّ الَّذِي كَانَ يَحْرُسُهُ. ( أعمال الرسل ٢٨:١٦ ) قد كان في مقدور الرسول بولس تفادي مثل هذه النتيجة إن سمع لصوت الروح ولم يذهب حيث الأماكن النشطة لإبليس ، ولكن بولس كان رجل فدائي وأظهر استعداده الكامل للإستشهاد من أجل الرب وكلمته .
دائما ابليس يصنع بحكمة وسائل وطرق ضد المشيئة الإلهية ، فعندما يري تحركات ملائكية في منطقة ما يستشعر بأهمية المنطقة أو الاجتماع أو الشخص فيتحرك بقوة شيطاتية ضد كل التحركات الروحية ، فعندما رأي دانيال يصلي استشعر بأهمية الأمر فتواجد بقوة رئاسية وجيش من الجنود الشيطانية ليعيق أو ليمنع وصول الإعلانات الإلهية لدانيال ، ولكن لسبب اصرار دانيال علي تواجده في مكان واحد للصلاة واستمراريته في الصلاة اعطي لجبرائيل الملاك الاستعانة بالملاك ميخائيل ضد التواجد الشيطاني لينتصر ويرسل الرسالة لدانيال وتتم المشيية الالهية لإجابة دانيال لما يحتاجه من اجابات وتنبؤات لشعب مهم جدا لقلبه ( إقرأ دانيال 10 )
الرجاء عدم إعطاء ابليس مكان أو فرصة لأنه صياد ماهر ، يمتلك شبكات صيد من كل الأنواع واتباعه يعملون معه نهاراً وليلا فهو لا يكل ولا يمل ، وله استراتيجيات قديمة متطوره بحسب المكان والزمان ، فقد كان يستخدم قديما الأشياء المحببه للاخرين أو مستغلا الاحتياجات التي للإنسان ، وها هو اليوم يفعل نفس الإستراتيجية مع اختلاف تطوراتها
٣ - دوائر الكمال لرفع الشكاية :
وسط التحركات الشيطانية يفقد إبليس مستوى شكايته أمام دوائر الكمال ، فلكل نوع من الكمال مستوي قوة لإبطال كل شكاية ، ولكل كمال مستوي إستخدام الهي في حياة المؤمن ، وهنا نأتي لسؤال : " يَا رَبُّ، مَنْ يَنْزِلُ فِي مَسْكَنِكَ؟ مَنْ يَسْكُنُ فِي جَبَلِ قُدْسِكَ؟ (مز ١٥ : ١) فمناطق الإستخدام الإلهي تحتاج لمستوي كمال روحي متمركز في :
١ - الكمال في ثلاثة مفاتيح :
" السَّالِكُ بِالْكَمَالِ، وَالْعَامِلُ الْحَقَّ، وَالْمُتَكَلِّمُ بِالصِّدْق فِي قَلْبِهِ. (مز ١٥ : ٢) إدراك الثلاثية سالك - عامل - متكلم تمنح المؤمن حق إبطال كل شكاية قائمة ، فلن يسير المؤمن في هذه الثلاثية بلا إدراك ومعرفة التي تقوده الي الكمال السلوكي.
٢- الكمال في مستواه الناموسي :
لتطبيق الحق وتفعيل الصدق ونوال الكمال يجب تفعيل هذه الأعمال " الَّذِي لا يَشِي بِلِسَانِهِ، وَلا يَصْنَعُ شَرًّا بِصَاحِبِهِ، وَلا يَحْمِلُ تَعْيِيرًا عَلَى قَرِيبِهِ.وَالرَّذِيلُ مُحْتَقَرٌ فِي عَيْنَيْهِ، وَيُكْرِمُ خَائِفِي الرَّبِّ. يَحْلِفُ لِلضَّرَرِ وَلا يُغَيِّرُ. فِضَّتُهُ لا يُعْطِيهَا بِالرِّبَا، وَلا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ عَلَى الْبَرِيءِ... (مز١٥: ٣-٥) تطبيق هذه الثمانية أعمال ساوكية في حياة المؤمن تضعه في مستوي من الكمال العملي ، التي هي متمركزة في الوصية القائلة " لأنَّ كُلَّ النَّامُوسِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يُكْمَلُ:"تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ". (غل ٥ : ١٤) (لا ١٩ : ١٨) (مت ١٩ : ١٩) (مت ٢٢ : ٣٩) (رو ١٣ : ٩)
الكمال السلوكي العملي المبني علي الحق والصدق يمنح المؤمن ثباتا مهما كانت الحروب الشيطانية المتمركزة في الدوائر المحيطة من حوله " .... الَّذِي يَصْنَعُ هذَا لا يَتَزَعْزَعُ إِلَى الدَّهْرِ. (مز ١٥ : ٥) بمعني أخر سيثبت الرب أقدامه مهما كانت قوة الشكاية ومهما كانت الكثافة العددية للتمركز الشيطاني ، فدانيال نال كل الدعم الملائكي لأنه كان في داخل الثلاثة مفاتيح للكمال ( إقرأ دانيال 10 ) يبقي نوع من الكمال يجب السير فيه وهو :
٣ - الكمال في التخلص من الثغرات الروحية :
تم نوال هذا الموضوع في دراسة سابقة بعنوان " لا تكن مخدوعا " واليك عناوين بعض الثغرات التي إن تم التخلص منها سيتم إبطال كل شكاية شيطانية : فالخوف ثغرة روحية تحتاج للإيمان ، والظلم ثغرة روحية تفتح أبواب لإبليس ، وتبني افكار خارج مشيئة الله تجعل لإبليس حق الشكاية والتمركز لتعطيل عمل الله في الحياة .. الخ. فالثغرات كثيرة علينا إكتشافها والعمل علي كسرها بالمعرفة والفهم والسلوك العملي " سِرُّ الرَّبِّ لِخَائِفِيهِ، وَعَهْدُهُ لِتَعْلِيمِهِمْ.يَحْفَظُنِي الْكَمَالُ وَالاسْتِقَامَةُ، لأنِّي انْتَظَرْتُكَ. (مز٢٥: ١٤، ٢١) فليمنح الرب شعبه فهما في كل شيئ.
٤ - التبرير والكمال الإلهي :
رد أيوب علي بلدد بسؤال ما هي الطريقة التي يتبرر بها الإنسان أمام الله ؟ إنه سؤال كل إنسان سواء كان مُعبر عنه شفاهيا أو عن طريق أعمال الحياة " ... فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإنْسَانُ عِنْدَ الله؟ (أي ٩ : ٢) فمهما كانت قداسة الإنسان وكماله أمام قداسة الله فهي كلا شيئ ، فجميع اعمالنا بالمقارنة بالله لا تساوي شيء .. فلا وجه للمقارنة من الأساس .. لأن الله لا ينظر بهذا المنظور ، فأعمالنا وحياتنا بجملتها يقدرها الله ، فالبسيط الذي أفعله يراه الله عملا عظيما ، إن اسلوب المقارنات والإسلوب التراكمي والفكرة العددية اتجاه بشري ، أما الله فطريقة معاملاته تسير بحسب مقياس الفهم والمعرفة التي للإنسان وبحسب إتجاه القلب وليس بحسب عدد الأفعال والأعمال ، فالفكرة العددية للحياة والسلوك ليس الطريق الإلهي للتبرير .
قد يعمل الإنسان عملا بسيطا من المنظور البشري ويقدره الله في المنظور الإلهي تقديرا عظيما ينال بسببه الإنسان بركات لا تحصي ولا تعد وينال مدح سماوي ، فقد رأي الرب الفلسين من الأرملة أفضل من الفضة الكثيرة والذهب المقدم من الأغنياء داخل بيت الرب " فَجَاءَتْ أَرْمَلَةٌ فَقِيرَةٌ وَأَلْقَتْ فَلْسَيْنِ، قِيمَتُهُمَا رُبْعٌ.فَدَعَا تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ لَهُمُ:"الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ قَدْ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ أَلْقَوْا فِي الْخِزَانَةِ،لأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا. وَأَمَّا هذِهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا أَلْقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا، كُلَّ مَعِيشَتِهَا". (مر١٢: ٤٢-٤٤) فالفكرة العددية ليست منظورا سماويا ، فالبشر يسألون عن الكم أما الرب فيسأل عن الكيف ، فقد كان للفلسين واقع روحي أفضل من اموال الجميع في نظر الرب ، هكذا في موضوع الخمسة أرغفة والسمكتين (لو٩: ١٣-١٧) فقد كان لهما واقع روحي مختلف من المنظور السماوي ، فالرب لا ينظر الي الكم بل الي الكيف.
إن الرب ينظر الي إتجاه القلب أكثر من قيمة الأعمال والأفعال ، فقد كان حناني صاحب إتحاه قلب يسير بحسب الأمانة فقدره الله ووضعه في مسئولية ليفعل مشيئة الله لشعب الرب " أَقَمْتُ حَنَانِيَ أَخِي وَحَنَنْيَا رَئِيسَ الْقَصْرِ عَلَى أُورُشَلِيمَ، لأَنَّهُ كَانَ رَجُلا أَمِينًا يَخَافُ اللهَ أَكْثَرَ مِنْ كَثِيرِينَ. (نح ٧ : ٢) فالتقديرات الالهية لن نبنى علي الأعمال الكثيرة ولا علي الأفعال ولكنها تُبنى علي إتجاه القلب السليم داخل دوائر المعرفة والفهم الروحي ، فطلب الرب ليس علي الذبيحة بل علي الرحمة القلبية المفعلة في حياة المؤمن وعلي معرفة الله " إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ الله أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ. (هو ٦ : ٦) فعندما يري الله شعبا لا يفهم ولا يعرف يرسل لهم من يعلمهم ويعرفهم كيونان مع نينوي ، فإشفاق الرب علي نينوي بُنىّ علي مقياس عدم فهمهم وعدم معرفتهم ، وليس حسب تراكمات حياتهم سواء كانت سلبية أو إيجابية " أَفَلاَ أَشْفَقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رِبْوَةً مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ يَمِينَهُمْ مِنْ شِمَالِهِمْ، وَبَهَائِمُ كَثِيرَةٌ؟". (يون ٤ : ١١) فالمقاييس الإلهية مستوي خاص يقدره الله ولا يجب تدخل احد إلا إذا كُلف حقا من الله برسالة خاصة لتغيير مستر شعوب وأمم .
مما سبق علينا إدراك أن المقاييس الإلهية لدي الله أمرا يخصه هو فقد بناها علي مقاييس المحبة الإلهية وليس علي مستويات اعمال البر واسلوب المقارنات والإسلوب التركمي وليس بحسب الفكرة العددية ، ولكن مقاييس الله تُبني علي الفهم والمعرفة وإتجاهات القلب وفوق كل هذه المحبة الإلهية " لَيْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ، الْتَصَقَ الرَّبُّ بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ، لأَنَّكُمْ أَقَلُّ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ.بَلْ مِنْ مَحَبَّةِ الرَّبِّ إِيَّاكُمْ، وَحِفْظِهِ الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمَ لآبَائِكُمْ، أَخْرَجَكُمُ الرَّبُّ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ. (تث٧: ٧-٨) فالكمال الذي يريده الله هو كمال اتجاهات القلب الصحيحة فيري الله انسانا مبررا في دائرة السلوك ، فمفهوم اننا مبررون بدم المسيح هذا صحيح ولكنه أمر يخص نظرة الله لأرواحنا الذي صنعها الله بنفسه ليمنحنا المصالحة ونصير مبررين في نظر الأب ، أما السلوك العملي فهو يخص الله ليمنح المؤمن تكليفات وخدمات روحية ولتفعيل مستوي السياج الإلهي في الحياة .
٥ - يجتاز ولا تشعر به :
معرفة أيوب عن الله لا تخرج خارج المنظومة البشرية العادية وهي : أن كل شيئ من الله ، فهو الذي يُعطي وهو الذي يأخذ (أي ١ : ٢١) وهو الذي يمتحن ويُجرب " لأنَّهُ يَعْرِفُ طَرِيقِي. إِذَا جَرَّبَنِي أَخْرُجُ كَالذَّهَبِ. (أي ٢٣ : ١٠) كلمة جَرَّبَنِي في التفسير التطبيقي جاءت امْتَحَنَنِي وفي الانجليزي جاءت tested أي اختبرني وفي العبري בּחן bachan وتعني اختبار أو محاولة إغراء ، ومن هنا يتضح أن الفهم في هذا النطاق عند أيوب أن الله يمتحن ليعرف نوعية الإنسان هل سيكون كالذهب أم ... ؟ بكل تأكيد رائع هذا الفكر الذي بحسب اللغة العبرية ، لأن الله لا يُجرب أحدا ، لكنه يمتحن ويوجد فرق بين التجربة والإمتحان ، فالتحارب مصدرها إبليس والناس وأنا ، أما الله فيمتحن ليمنح المؤمن إرتقاء في دائرته الروحية ، وكل إمتحانات الله لا يوجد فيها إذاء ، هذا بالإضافة أنه أعلن فهمه عن الله بقوله " إِنْ شَاءَ أَنْ يُحَاجَّهُ، لا يُجِيبُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ أَلْفٍ. (أي ٩ : ٣) فالإيمان الذي لأيوب عن الله يسير في دائرة أنه في العلاء فوق كل البشر ومن يستطيع أن يجادله وعندما يستطيع الله أن يُظهر جهل الإنسان فيكل بساطة ال ب يسأل الف سؤال ولن يستطيع الإنسان إجابة أي من الأسئلة ، هذه حقيقة أن إجابات الله لا تسير بحسب أهواء البشر ، ولا يستطيع أحد أن يتصلب عليه " .... مَنْ تَصَلَّبَ عَلَيْهِ فَسَلِمَ؟ (أي ٩ : ٤) فالعناد الإنساني امام الله لا يضر إلا الإنسان ذاته وهذا حق " .... الْعِنَادُ كَالْوَثَنِ وَالتَّرَافِيمِ. .. (1صم ١٥ : ٢٣) جاءت كلمة تَصَلَّبَ hardened وتعني صعب وفي العبري קשׁה qashah وتعني - شديد - عنيد - قاسي - صعب ، فمن الصعب أن يصير الإنسان في تصلب مع الله ، بعد التحذير ومعاملات النعمة فلن يُرحم إن لم يتُب ، فالرب في قضاءه له سلطان علي كل شيئ " الْمُزَحْزِحُ الْجِبَالَ وَلا تَعْلَمُ، الَّذِي يَقْلِبُهَا فِي غَضَبِهِ. (أي ٩ : ٥) لأن الغضب الإلهي يحرك دائرة القضاء ليصدر أحكام عادلة من أجل تطبيق الحق.
الايمان المعرفي عن الله يمنح المؤمن قوة احتمال في وسط الألام وفي وسط كل الظروف القاسية ، لأن للرب السلطان علي كل شيئ الشمس والنجوم ، السموات والبحار (أي ٩ : ٧ - ٨) والذي يزيدنا اعجابا بأيوب أنه كان مثقف ومطلع علي الإكتشافات الكونية في زمنه فقد عرف النَّعْشِ وَالْجَبَّارِ وَالثُّرَيَّا وهما مجموعات من النجوم " صَانِعُ النَّعْشِ وَالْجَبَّارِ وَالثُّرَيَّا وَمَخَادِعِ الْجَنُوبِ. (أي ٩ : ٩) أما مخادع الجنوب فهي مجموعة النجوم في نصف الكرة الجنوبي ، فقد كان مُدركا في علم الفلك الذي قاده للقول " فَاعِلُ عَظَائِمَ لا تُفْحَصُ، وَعَجَائِبَ لا تُعَد . (أي ٩ : ١٠) فالمفهوم الرائع عن الله في ايوب ٩ يجعله يعيش علي رجاء التدخلات الإلهية ، فبرغم سواد الظروف يؤمن بأن الله موجود ولا يراه " هُوَذَا يَمُرُّ عَلَيَّ وَلا أَرَاهُ، وَيَجْتَازُ فَلا أَشْعُرُ بِه. (أي ٩ : ١١) وكأنه يضم صوته مع كلمات المزمور انه ينتظر الرب وأن الكمال السلوكي يذكيه " يَحْفَظُنِي الْكَمَالُ وَالاسْتِقَامَةُ، لأنِّي انْتَظَرْتُكَ. (مز ٢٥ : ٢١) وأن الرب الإله يستطيع أن يسند لأنه اله العجائب" لأنَّهُ يُخَبِّئُنِي فِي مَظَلَّتِهِ فِي يَوْمِ الشَّرِّ. يَسْتُرُنِي بِسِتْرِ خَيْمَتِهِ. عَلَى صَخْرَةٍ يَرْفَعُنِي. (مز ٢٧ : ٥) فكلما عرفت الهك وتعمقت في كلمته كلما استطعت أن تعبر كل اوجاعك والامك لانه في اوقات كثيرة يمر ويجتاز ولا تشعر به .
٦ - الثقة بالله والإحساس النفسي:
داخل أيوب أحساس نفسي بالمرارة برغم معرفته عن الله ، فهذه المعرفة لم تزيل أحاسيسه ولم تعالجها ، فالمعرفة تزيد الإنسان قوة للإحتمال ، ولكنها لا تعالج النفس المريرة داخليا ، فقد كان يعرف أن الله في غضبه ( قضاءه ) لا يستطيع أحد أن يرده وأكبر قوة في الوجود ستنحني أمامه " اللهُ لا يَرُدُّ غَضَبَهُ. يَنْحَنِي تَحْتَهُ أَعْوَانُ رَهَبَ. (أي ٩ : ١٣) فالقوة في ذلك الوقت متمثلة في رَهَبَ التي هي مصر " حسب قاموس الكتاب المقدس بحث في كلمة رَهَبَ " تكلم عنها اشعياء النبي فقال " فَإِنَّ مِصْرَ تُعِينُ بَاطِلا وَعَبَثًا، لِذلِكَ دَعَوْتُهَا "رَهَبَ الْجُلُوسِ". (إش ٣٠ : ٧) ومعني رهب عاصفة ، تابع هذه الأيات (إش ٥١ : ٩) (أي ٩ : ١٣) (أي ٢٦ : ١٢) وقال قاموس الكتاب أن بعض المفسرين أنها تشير إلى تنين يمثل مصر ، فإن كانت مصر في مجدها في ذاك الزمن تمثل القوة والمجد تنحني أمام الله فمن يكون أيوب الإنسان الضعيف لذلك كان يتعامل مع الله بمخافة " كَمْ بِالأقَلِّ أَنَا أُجَاوِبُهُ وَأَخْتَارُ كَلامِي مَعَهُ؟ (أي ٩ : ١٤) فقد كان يحاسب في كلامه مع الله ، فهو يري أن الله في غضبه شديد والكلام معه قد يوقعه في خطأ فيغضب عليه لذلك كان يقلل الكلام معه .
إن التحرك مع الله بهذا الشكل أمر يحتاج لتعديل في الفهم ، فالصورة المأخوذة في ذاك الزمن جعلت أيوب يتعامل مع الله بحذر ليحاول إرضاءه ، فقد كان يري أن الله أصدر حكمه بسحق ايوب بالعاصفة وبالجروح " ذَاكَ الَّذِي يَسْحَقُنِي بِالْعَاصِفَةِ، وَيُكْثِرُ جُرُوحِي بِلاَ سَبَبٍ. (أي ٩ : ١٧) فمن هو أيوب ليظهر بره امام الله فما عليه إلا استرحام الرب الذي أدانه رغم بره " لأَنِّي وَإِنْ تَبَرَّرْتُ لاَ أُجَاوِبُ، بَلْ أَسْتَرْحِمُ دَيَّانِي. (أي ٩ : ١٥) فقد كان أيوب يعلم أن الله يسمع صوته وانينه وتأوهاته " لَوْ دَعَوْتُ فَاسْتَجَابَ لِي، لَمَا آمَنْتُ بِأَنَّهُ سَمِعَ صَوْتِي. (أي ٩ : ١٦) العجب العجاب أنه يوجد داخل أيوب الشيئ ونقيضه ، فهو يعلم أن الله يسمعه ولكن في ذات الوقت ينسب لله سحقه وجروحه ومرارة نفسه " لاَ يَدَعُنِي آخُذُ نَفَسِي، وَلكِنْ يُشْبِعُنِي مَرَائِرَ. (أي ٩ : ١٨) عدم فهم الحقائق الإجابية الثابتة في الله تجعل الإنسان ينسب لله إمورا لم يفعلها ، بكل تأكيد ما في قلب الله نحو أيوب كل سلام وخير ، ولكن لقلة المفاهيم الروحية عن الله ( الفهم المحدود عن المعاملات الإلهية ) جعل نسب الأحداث حلوها بمرها لله دون تفريق .
يعلم أيوب أنه مبرر أمام نفسه وبرغم كماله يشعر بأن الله يحاكمه " يَسْتَذْنِبُه " (أي ٩ : ٢٠) أحبائي إن المفاهيم المغلوطة والغير واضحة تزيد الإنسان مرارة داخلية ، فالشفاء النفسي يحتاج ليس فقط للمفاهيم وتوضيح الإمور لكنها تحتاج لخطوات عملية لتصحيح الأوضاع الذي يعمل بدوره علي تصحيح المفاهيم ، فبدون الفهم الصحيح سيدخل الإنسان الي مستوي كره النفس الذي في الاستسلام له يدفع الإنسان لفعل إمورا خطرة علي الحياة " كَامِلٌ أَنَا. لاَ أُبَالِي بِنَفْسِي. رَذَلْتُ حَيَاتِي. (أي ٩ : ٢١) لأجل ذلك لا تتسرع أخي الغالي بحكمك علي الإمور وعلي الأشخاص وعلي الله ، لأن في الحكم المتسرع يجعل عيونك مغلقة فلا تري الحق الواضح وضوح الشمس ، فلا تجد شفاء لك ، فلتهدأ لتري الحقائق واضحة وجلية فتشفي ، اقول لك لا تضيف علي نفسك ظلم فوق ظلم إبليس وأعوانه بأن تستمر في مفاهيم مغلوطة فتمرمر حياتك ، اصلي الي الرب أن يمنح شعبه نورا جديدا ليستطيع أن يسير في الحق بلا زيف.
-----------------------------------------------------------
الفصل السادس
معارضة أم تذمر
١ - عداوة الأيام :
يصف أيوب نفسه بعدة تشبيهات تعلن عن أي مدي وصل الي نفسيه محطمة من الداخل ، فالتجارب قاسية مهما كان مستواها ، فقد يجتاز الإنسان في تجربة بسيطة ونتائجها ضعيفة ، ولكن في عمقها تأثير نفسي مرير ، ولكن في أيوب لم تكون تجربته بيسطة فقد كانت معقدة وليس لها اي حلول من المنظور البشري ، لذلك وصف نفسه بعدة صفات تحتاج لنظرة " أَيَّامِي أَسْرَعُ مِنْ عَدَّاءٍ، تَفِرُّ وَلا تَرَى خَيْرًا. (أي ٩ : ٢٥) فقد رأي أيوب أن أيام أوجاعه أتت علي حياته بسرعة أسرع من الاعداء ، وكأن الأيام صارت عدوا له فلا يستطيع التعامل معها ونوال من خيراتها ، فقد كانت الأيام التي تمر تمنح له من خيراتها الكثير ، فقد كان الخير في جماله وغنمه وممتلكاته كل يوم في إزدياد ، ولكن قد صارت الأيام عدوا تفر من أمامه فلا تعطية كما في السابق ، فكم كان وجعه ؟ فالإتكال علي نمط حياة مستمر ، من أصعب الأشياء التي تسبب جروح ، فالأيام متقلبة وليس لها أمان ، فلا يجب أن نتكل عليها ولا علي محتوياتها ، فنحن لا نستطيع أن نمتلك ما نمتلكه ، لأن المالك الحقيقي هي الأيام ، التي يمكنها أن تأخذ منا كل شيئ في أي وقت ولكن بقوانين .
يوجد داخل الأيام التي في حياتنا أشخاص وأرواح ملائكية وشيطانية ، كما أن الله من العُلا يلاحظ ويأتي بالسندة والمعونة ، التدخلات الالهية في حياتنا تستخدم الأزمنة ( الأوقات والأيام والشهور والسنين ) كذلك إبليس يعمل من خلال الأزمنة الشيطانية التي يصنعها في حياتنا محاولا تطبيقها علي الأيام مستخدما إيانا والأخرين في ذلك ، فلا تتعجب عندما تجد شخصاً في يومٍ صنع معك شرا ، فهو ما إلا سحابة شيطانية دخلت علي حياتنا في زمن اختاره إبليس ووجد فرصة لذلك ، وهكذا نري أيضا أزمنة بركة علي حياتنا لسبب صناعتنا كمالا في أيامنا التي تمر علينا ، فحتي الأزمنة الشيطانية يحولها الله للخير ، فكما حول أزمنة يوسف الي ازمنة بركة وخير ورخاء وإستخدام إلهي سيصنع هذا مع كل إبنا صالحا مطيعا ، فالايام التي يصنعها البشر في جيلهم تسير نتائجها بحسب معطياتها - كأيام الطغاة " كَانَ فِي الأَرْضِ طُغَاةٌ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَبَعْدَ ذلِكَ أَيْضًا إِذْ دَخَلَ بَنُو اللهِ عَلَى بَنَاتِ النَّاسِ وَوَلَدْنَ لَهُمْ أَوْلاَدًا، هؤُلاَءِ هُمُ الْجَبَابِرَةُ الَّذِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ ذَوُو اسْمٍ. (تك ٦ : ٤) وهذه الايام تصنع في الأجواء الروحية أيام قضاء الهي لسبب شر الإنسان " وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ.فَقَالَ الرَّبُّ: "أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ، الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ". (تك٦: ٥، ٧) فقد تكون أنت رائع وجيد ولكن في جيلك يوجد من هو سيئ وشرير ، فتتألم وتُجرب بسببه ، ولكن تعويضات الله وتدخلاته قادرة علي رفعتك .
كان لأيوب في دائرة حياته أرواح تعمل جاهدة لإفساد حياته ، وأصدقاء ليسوا لهم الفهم الذي بحسب المشيئة ، فعندما تدخلوا في حياته مرروها وأتعبوها ، فقد شعر أيوب أن أيامه تمر كما يمر " سُفُنِ الْبَرْدِي " (أي ٩ : ٢٦) فهذا النوع من السفن خفيف لدرجة لا تشعر به عندما يمر فهو يمر وكأنه ينقض علي فريسة " كَنَسْرٍ يَنْقَضُّ إِلَى قَنَصِه " (أي ٩ : ٢٦) ما هذا الشعور إلا شعور بالغدر " غدر الأيام " فالأيام التي كانت مصدر راحته صارت مصدر الامه ، والتي كانت مصدر أمانه صارت مصدر دماره " يَا لَيْتَنِي كَمَا فِي الشُّهُورِ السَّالِفَةِ وَكَالأيَّامِ الَّتِي حَفِظَنِي الله فِيهَا، (أي ٢٩ : ٢) وبالرغم من غدر الأيام ينظر أيوب بعد طول مدة الامه فيقول " اَلإنْسَانُ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ، قَلِيلُ الأَيَّامِ وَشَبْعَانُ تَعَبًا. (أي ١٤ : ١) والسؤال هل يبقي الإنسان في مهب الريح مُستغلا من الظروف والأحداث ؟ أقول لا .. ففي وسط الايام يتعلم الإنسان حكمة وفهم " عِنْدَ الشَّيْبِ حِكْمَةٌ، وَطُولُ الأَيَّامِ فَهْمٌ. (أي ١٢ : ١٢) ليس هذا فقط ولكن بالتعلق بالرب يتمتع المؤمن بالنجاة والرعاية والتعويض " لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. ... منْ طُولِ الأَيَّامِ أُشْبِعُهُ، وَأُرِيهِ خَلاَصِي". (مز ٩١ : ١٤ - ١٦) فالقول لكل متعلق بالرب لا تخف لأن الرب سيحول الأيام لخيرك (مز ٢٣ : ٦) (مز ٣٤ : ١٢)
٢ - خطوات للعلاج :
يقف أيوب وسط تجربته معترضا علي وجودها بلا سبب مقنع وبلا سبب يعرفه ، فهو كباقي البشر حاول يتعامل مع نفسيته واحاسيسه الداخلية بنسيان ضيقته ، أي أن يتجاهلها رغم وجودها ، ولكنه كباقي البشر فأوجاعه تذكره دائما بكربه ، وعندما ينظر لحجم مشكلته لن يري لها شفاء " إِنْ قُلْتُ: أَنْسَى كُرْبَتِي، أُطْلِقُ وَجْهِي وَأَتَبَلَّجُ، أَخَافُ مِنْ كُلِّ أَوْجَاعِي عَالِمًا أَنَّكَ لا تُبَرِّئُنِي. (أي ٩ : ٢٧ ، ٢٨) فهنا لم يتذمر أيوب لكنه يعلن أن الامه الجسدية والنفسية تخيفه لأنها قاسية ، فالخوف هنا خوف طبيعي يحتاج له علاج وربما لم يكون في زمنه من يعالج النفسيات المجروحة ولم يتقدم الطب ليقدم مسكنات كما ينبغي للألام الجسدية ، والمقصود بقوله " عَالِمًا أَنَّكَ لا تُبَرِّئُنِي. " هنا يعلن أن حياته لن تكون خالية من الخطيئة في عيني الرب ، فهو يعلم جيدا أنه مهما كان كاملا فكماله كمال نسبي أمام قداسة الله وكماله .
أما عبارة " أُطْلِقُ وَجْهِي وَأَتَبَلَّجُ، " فبها يعلن أنه بسبب الامه كشف عن اسراره الداخلية الدفينه ، ويتبلج أي يضحك ويبتسم ليعلن تفائله أو ليمنح نفسه أمل في أنه لابد من فرج ، إنها مشاعر داخلية تتحرك في داخله تسبب له الام نفسية يحاول الخروج منها بإرادة ، فهو قد رأي أنه في نظر الله مذنب برغم كماله ، وأنه لن يتبرأ " أَنَا مُسْتَذْنَبٌ، فَلِمَاذَا أَتْعَبُ عَبَثًا؟ (أي ٩ : ٢٩) أي أنه وصل لمستوي الإستسلام للواقع ، فبسبب كلمات أصدقائه والنظر لألامه الجسدية والنفسية والخسائر التي خسرها ، ولا يوجد من يجاوبه ، فالصمت الإلهي في كل دقيقة يراه أيوب سنين كثيرة ، ولأنه لم يري سبب مقنع فمشاعره السلبية تتحرك بقوة الصارخ لا يستطيع إيقافها ، تحليلات ذهنية بضغوط نفسية تمنح مشاعر سلبية متجددة كل صباح .
الإحتياج الأساسي لدي أيوب يكمُن في سؤال يحتاج لإجابة لماذا كل هذا .. وماذا فعلت ليحدث لي ما حدث ؟ وحول هذا السؤال يدور حوار اصدقائه وتحاليلهم البعيدة عن فكر الله ، لذلك لا يجب الإنسياق وراء غير المتخصصين ، فعندما نواجه مشاكل وضيقات علينا فعل خطوات بسيطة جدا ليتوقف نزيف الفكر الساري كالشلالات في أعماقنا
١ - إعمل مسافة وقت بين الحدث والتفكير فيه من دقائق لساعات أو أيام حسب نوع الحدث ، لتستطيع التفكير الجيد بعيدا عن الضغوط النفسية
٢ - إغلق الطرق أمام بعض الأشخاص الغير متخصصين لئلا يدفعوك في طرق بعيدة عن الهدف الحقيقي والحل السليم ويطوقوك بالأحمال النفسية .
٣ - ابتعد عن هذه المصطلحات أن الله ينتقم - يجرب - يستذنب - لا يري - لن يُشفي - لأن مثل هذه الأقوال تغلق ابواب الأمل والرجاء .
٤ - ثق بأنه لا يوجد ضيق مدي الحياة سواء كنت أنت المتسبب فيه أو المحيطين بك أو إبليس ، فالمشاكل والضيقات لهما نهاية مهما طالت مدتهما .
٥ - جدول مشكلتك وضعها في أوراق وقسمها من الأهم الي المهم ومن السهل الي الصعب ، وإبدأ في علاج كل مشكلة مجدولة بحسب أهميتها ، ولا تيأس إن فشلت في حل شيئ ، فمجهودك المبذول يمنحك خبرة وفهما وحكمة ، فلكل بداية نهاية.
٦ - ثق في نفسك ثقة كاملة بأنك قادر علي عبور المحن والأزمات مهما كانت .
إن سرت علي هذا الخط فسيخف الحمل من علي كاهلك وستشبع بنتائج عملك وسيكلل مجهوداتك بالنجاح وستفرح " حَوَّلْتَ نَوْحِي إِلَى رَقْصٍ لِي. حَلَلْتَ مِسْحِي وَمَنْطَقْتَنِي فَرَحًا،لِكَيْ تَتَرَنَّمَ لَكَ رُوحِي وَلاَ تَسْكُتَ. يَا رَبُّ إِلهِي، إِلَى الأَبَدِ أَحْمَدُكَ. (مز٣٠: ١١-١٢) ثق في الهك .. لا تتزعزع .
٣ - مستذنب حتي وإن تطهرت بالأشنان :
اصعب شيئ في الوجود السير في الحياة حاملا الشعور بالذنب ، وإشارة الأخرين بإصبعهم أو بإيماءاتهم وكلماتهم الي انك السبب في جميع البلايا التي حدثت ، فقد كانت كلمات أصدقاء أيوب تشير أن ما حدث لسبب خطايا أيوب ، فدُفع ليقول " أَنَا مُسْتَذْنَبٌ، فَلِمَاذَا أَتْعَبُ عَبَثًا؟ (أي ٩ : ٢٩) فقد شعر أن الله يخطأه ويحمله نتيجة خطاياه فالله يراه مستذنب والأكثر من ذلك أنه مهما عمل فلن يراه الله نظيفا " وَلَوِ اغْتَسَلْتُ فِي الثَّلْجِ، وَنَظَّفْتُ يَدَيَّ بِالإِشْنَانِ، (أي ٩ : ٣٠) ولفهم الاية أضع الترجمة التفسيرية من كتاب الحياة " وَحَتَّى لَوِ اغْتَسَلْتُ بِالثَّلْجِ وَنَظَّفْتُ يَدَيَّ بِالْمُنَظِّفَاتِ، " هذا المستوي من التفكير مرفوض نهائيا فالله ليس هكذا ، فمن يأتي اليه مستذنبا ينظفه ويطهرهه وينقيه ويبرئه ، فهل الله يستذنب ويذيد علي كاهل المستذنب ذنبا ؟! هذا ما فكر به أيوب إذ قال " فَإِنَّكَ فِي النَّقْعِ تَغْمِسُنِي حَتَّى تَكْرَهَنِي ثِيَابِي. (أي ٩ : ٣١) ولفهم الاية بوضوح أكثر اليك الترجمة التفسيرية من كتاب الحياة " فَإِنَّكَ تَطْرَحُنِي فِي مُسْتَنْقَعٍ نَتِنٍ حَتَّى تَكْرَهَنِي ثِيَابِي " يالها من كلمات صعبه في فهمه عن الله ، فربما كان هذا الفهم هو الفهم المنتشر في ذلك الوقت .
تكلم الرب لبني آسرائيل علي فم ارميا بنفس فكرة أيوب " فَإِنَّكِ وَإِنِ اغْتَسَلْتِ بِنَطْرُونٍ، وَأَكْثَرْتِ لِنَفْسِكِ الأشْنَانَ، فَقَدْ نُقِشَ إِثْمُكِ أَمَامِي، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. (إر ٢ : ٢٢) فهنا ندرك أن خطايا الإنسان وإثمه موجودة أمام الرب كمستنقع ، فمحاولات الإنسان لتطهير نفسه بالمنظفات " الأشْنَانَ " لا تجدي نفعا لأن الرب يعود فيظهر خطاياه لأنه لم يأخذ الطريق الشرعي للتوبة والرجوع ، فالله في تعاملاته مع الإنسان يقوده الي الشفاء والبركة والتعويض ، فحتي وإن أخذ الظلم وقته ومجراه في الحياة فله نهاية وفي نهايته رؤية يد الرب واضحة وبقوة .
رأي أيوب أن الامه شديدة وتجربته قاسية وكلمات اصدقائه أعلنت أن تحربته ناتجة من ذنبه ، لذلك أدرك أن ذنبه قائم أمام الرب حتي وإن حاول أيوب الإغتسال والتطهير فسيعود الرب ويره مستنقعه ولطخات إثمه فيشعر بأن محاولاته للتطهير ذهبت سُدا وأنه تعب باطلا " فَلِمَاذَا أَتْعَبُ عَبَثًا؟ " إن المعاملات الإلهية لا تعمل بطرق الماء والصابون ولكنها تعمل من خلال طرق الله الخاصة المعلنة غي كلمة الله لمن يدركها ، أما من لا يعلمها فعليه اللجوء الي الرب للتدخل " فَأُقَدِّسُ اسْمِي الْعَظِيمَ الْمُنَجَّسَ فِي الأُمَمِ، الَّذِي نَجَّسْتُمُوهُ فِي وَسْطِهِمْ، فَتَعْلَمُ الأُمَمُ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، حِينَ أَتَقَدَّسُ فِيكُمْ قُدَّامَ أَعْيُنِهِمْ.وَأَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِرًا فَتُطَهَّرُونَ. مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَصْنَامِكُمْ أُطَهِّرُكُمْ. (حز٣٦: ٢٣، ٢٥) فهو ليس ماء من صنع الإنسان ذاته بل أنها كلمات تعبيرية للتدخل الإلهي ، فهو الوحيد الذي يعرف أن يطهرك وينقيك لأنه لا يريد أن يستذنب أحدا إلا من أصر علي التمسك بشره ، أما في حالة أيوب فهو لم يكن مذنبا وسيدرك هذا فيما بعد ، فمهما كانت المشاكل أخي الغالي إعلم أن الرب سيرفع عنك لأن محبته بلا حدود ولا تأخذ تتدني للشكل البشري والإنساني ، فهي محبة في المستوي الإلهي الغير متغيرة وثابته الي الأبد.
٤ - الفارق الكبير فجوة أم ...؟ :
فارق لا يجوز فيه المقارنات ، فالفارق كبير بين الخالق وخليقته ، فهو الله الخالق ونحن مخلوقاته ، فلا يصح أن نضع مقارنات " لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي ... " (أي ٩ : ٣٢) فحريته مطلقة تسير بمبادئ تليق بمجده ، وسلطانه مطلق يسير بقوانين الهية هو واضعها ويحترمها ، فهو إله منظم ومرتب ولا يسير إلا بمبادئه التي إن إحترمها أحد علا شأنه وإرتفع مقامه .
ما بين الخالق وخليقته فروق التصنيع ، فهو لم يُخلق أما نحن فمخلوقون ، وهو لن يُحكم عليه أما نحن فيوجد ما ومن يتحكم فينا فنحن بشر ، هذا الفارق يُحدث فجوة لمن لا يفهم ولكل بعيد عن الله ومبادئه ، فكلما إقتربنا من معرفته كلما إمتلئنا به وكلما زاد مفهومنا وتوسعت مداركنا ، وكلما ذابت هذه الفجوة ولن نشعر بها ، فمن المعاملات الإلهية أعطي الرب إمكانية إتحادنا به ووجوده فينا ، هذه لغو العهد الجديد " أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي. (يو ١٧ : ٢٣) ففكرة " لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، " تمنح زوال الفجوة بين الرب والمؤمنين وبين المؤمنين وبعضهم البعض ، فإقنوم الإبن بتجسده جاء ليزيل هذا الإحساس وهذا الشعور ويعطي حرية الإقتراب الي الله من خلال مبادئ الحق الإلهي " وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ". (يو ١٧ : ٢٦) هذا في العهد الجديد .
أما في العهد القديم فقد كان الله بنفسه يقترب من شعبه ويسكن في وسطهم " وَأَنْتَ الْقُدُّوسُ الْجَالِسُ بَيْنَ تَسْبِيحَاتِ إِسْرَائِيلَ. (مز ٢٢ : ٣) ووصل الأمر ليهتف المؤمن مخصص الله لنفسه فيقول " الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ.... أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي. (مز٢٣: ١، ٤) فالمبدأ الالهي في العهدين هو الإقتراب للنفس البشىية لإزالة أي إحساس يصنع فجوة ومسافة بين الخالق ومخلوقاته ، فهو يعتني ويهتم ويبارك ويرعي ويسند و..... الخ. وفي ذات الوقت هو القاضي العادل الذي لا يظلم أحدا .
شعر أيوب بهذه الفجوة فقال " لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ، فَنَأْتِي جَمِيعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ. (أي ٩ : ٣٢) يرجع هذا لإحساسه بالظلم بفقدانه كل شيئ، وإيمانه بأن الله هو الفاعل جعل للفجوة وجود لدرجة أنه تمني أن يكون الله إنسانا فيعاتبه ويحاكمه ويأتي بوسيط يصالحهم " لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا. (أي ٩ : ٣٣) فمن يساوي الله ليضع يده بينهما ، الشعور بالفجوة يجعل الأذن لا تسمع الله والعقل لا يُدرك وجوده ، فحتي إن تكلم فلن يُسمع ، هنا يحتاج الإنسان الي الهدوء والسكينة برغم شدة الالم وقساوة التجربة .
عندما يدخل المؤمن في ضيق وألم وتجارب يحتاج للجوء الي مبادئ الله ليحتمي بها فيتمتع بدفئها فيقول " اَللهُ لَنَا مَلْجَأٌ وَقُوَّةٌ. عَوْنًا فِي الضِّيْقَاتِ وُجِدَ شَدِيدًا " وبالتالي إن تزحزحت الارض وانقلبت الحبال في قلب البحار لا يخاف المؤمن فسيظل عند الربرجاء و " نَهْرٌ سَوَاقِيهِ تُفَرِّحُ مَدِينَةَ الله " وسيظل الله في وسط شعبه " الله فِي وَسَطِهَا فَلَنْ تَتَزَعْزَعَ. يُعِينُهَا الله عِنْدَ إِقْبَالِ الصُّبْحِ " سيظل المؤمن الذي لا يشعر بالفجوة يغني فيقول " رَبُّ الْجُنُودِ مَعَنَا. مَلْجَأُنَا إِلهُ يَعْقُوبَ. (مز٤٦: ١-٧) الفجوة موجودة لكنها غير مفعلة في الذات الالهية ( لا يهتم الله بتفعيلها ) بل يقترب تجاه الإنسان بكل قوته الالهية ليفعل الاتحاد والوحدة والترابط ، ولكن في مصلحة إبليس تفعيل هذه الفجوة في داخل البشر ، فيأتي بمبدأ أن الله أكبر والإنسان في اسفل ال..... فيدخل الإنسان في دائرة البعد عن الله والشعور بأن الله تركه " وَقَالَتْ صِهْيَوْنُ: "قَدْ تَرَكَنِي الرَّبُّ، وَسَيِّدِي نَسِيَنِي". (إش ٤٩ : ١٤) ولكن هل هكذا ؟ بكل تأكيد لا ، فالربيجيب فيقول " "هَلْ تَنْسَى الْمَرْأَةُ رَضِيعَهَا فَلاَ تَرْحَمَ ابْنَ بَطْنِهَا؟ حَتَّى هؤُلاَءِ يَنْسَيْنَ، وَأَنَا لاَ أَنْسَاكِ.هُوَذَا عَلَى كَفَّيَّ نَقَشْتُكِ. أَسْوَارُكِ أَمَامِي دَائِمًا. (إش٤٩: ١٥-١٦) والسؤال ..اين الفجوة ... ؟ اترك الإجابة للقارئ العزيز .
٥ - الصورة غير مكتملة :
يصير من الصعب جدا أن يبدأ الإنسان بالحديث معبرا عن احاسيسه والصورة غير مكتملة ، ففي وسط الاحتياج والألم وجهل معرفة مصدر الوجع ، لن يتبقي أمام الإنسان إلا الله فينسب اليه كل تجاربه ومشاكله ، في حين أن الله بريئ من كل ما حدث لأيوب ، فالله لم يظلمه ولم يعطي حق لإبليس ليس له ، فالمشتكي إبليس يشتكي لله القاضي ومعه دليل إدانة ، هذا الدليل قد يكون فعل حقيقي وقد يكون تصرف روحي غير سوي ، بمعني أن أيوب لم يخطيئ ولم يذكر له الكتاب خطية فعليه أعطت لإبليس الفرصة " هذا ليس معناه ان أيوب كالمسيح بلا خطية فهو إنسان " ولذلك نري الفرصة الوحيدة لإبليس وجدها في أحلام وتعبيرات أيوب نحو رعبه ومخاوفه من فقدان ممتلكاته وضياع أولاده ، هذه الفرصة أعطت دليل مرفق بالشكاية الي الله تجاه أيوب فنال إبليس حق التجربة ، فما حدث لأيوب من تجارب صورة لم تكتمل عن من هو المتسبب ، فلم يذهب عقله بعيدا عن الله كما لم يذهب عقل اصدقاءه بأن خطيته أعطت لله فرصة ليجرب أيوب لذلك قال " لِيَرْفَعْ عَنِّي عَصَاهُ وَلا يَبْغَتْنِي رُعْبُهُ.إِذًا أَتَكَلَّمُ وَلا أَخَافُهُ، لأَنِّي لَسْتُ هكَذَا عِنْدَ نَفْسِي. (أي٩: ٣٤-٣٥) ولكي تكون الأية واضحة اقرأ معي ما كتب في الترجمة التفسيرية كتاب الحياة " لِيَكُفَّ عَنِّي عَصَاهُ فَلا يُرَوِّعَنِي رُعْبُهُ، عِنْدَئِذٍ أَتَكَلَّمُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَخْشَاهُ، لأنَّ نَفْسِي بَرِيئَةٌ مِمَّا أُتَّهَمُ بِهِ. " فعل أيوب كما تملم اصدقاءه فقد نسبوا التجربة لله ونسبوا لأيوب خطيه لذلك جربه الله ، واختلف معهم ايوب مدافعا أنه لم يفعل شيئ يستحق كل هذا .
حقيقي لم يفعل شيئ يستحق كل هذا ولكن لعدم وضوح الصورة ومعرفة القوانين الروحية لم يُدرك الأبعاد التي تحركت في عالم الروح دون دراية منه ، فسجود الملائكة أمام الله ودخول إبليس وسطهم أمر في عالم الروح ، شكاية إبليس ونوال حق التجربة أمر في عالم الروح ، خوف أيوب ورعبه دون العدول عنهما أمر في عالم الروح يمس عالم الجسد ، ولذلك وجد ابليس فرصته ليتحرك بقوته ليدمر علي قدر المستطاع ، فعدم وضوح الصورة كاملة تجعل الإنسان يتفوه بكلمات في شكلها تعدي علي الخالق ولكن في واقعها وصف للحالة النفسية المريرة ووصف لمستوي التفكير الذهني عن الله في ذلك الوقت .
الطبيعة البشرية تتحرك دائما في مناصفة الحوار ونصف الحقيقة وتصدر أحكاما قبل ان تتضح الرؤيا كاملة ، فعندما تستمع لمتكلم ثم تقاطعه فلن تتضح لك الصورة كاملة ولأنك موجوع ستتصرف بحسب المفهوم الذي سمعت نصف حقيقته ، وبالتالي ستدخل لمنطقة مختلفة بعيدا عن منطقة الاخرين ، ويبدأ الإتهامات بأنهم تركوك ، ولم يعطوا لك الحقوق ، وأنهم استغلاليين ويهدفون لمصلحتهم ، في حين أنك إن استمعت جيدا ستفهم فهما صحيحا وستتضح الصورة أمامك كاملة وستقف مع المختلف معك في نفس الأرضية ، هذا إذا كان لك هدف الصالح العام وليس المصلحة الشخصية فقط ، هكذا يكون الحال في مستويات تفكيرنا ، فيجب علينا الفهم قبل أن نتفوه بكلمات ونأخذ قرارات قد نندم عليها فيما بعد ، لذلك كن مستمع جيد ولا تتسرع في قراراتك وأحكامك ، وإعلم أن الرب يحبك ويعمل لخيرك مهما كانت الظروف ومهما تحرك إبليس نحو حياتك فإله التعويض والسندات موجود وهو برفقتك حتي وإن لم تشعر به .
٦ - المجد قائم الي الأبد :
توجد أسئله يسألها الإنسان كما سأل أيوب أسئلة لم يجد لها إيجابة إلا بعد زوال التحربة ، هذا لأن الفجوة الفكرية بين الله والإنسان ليس لها حدود ، فان سأل الله سؤالا من الف لا يستطيع الإنسان أن يحيبه ، فعقل الإنسان محدود ، الله شديد القوه والقدره ومن يعانده لا يسلم ، فهو المزحزح الجبال والمتحكم في الشمس والنجوم والسماوات والبحار فهو الفاعل عظائم وعجائب ، إن قدره الله الغير محدود قادره أن تتعامل مع الإنسان وتعالج نفسيته وتصنع إمورنا من حوله ، وفي ذات الوقت قد لا يشعر الإنسان بوجود والله ، لانه في أوقات كثيره يمر الله بجانب الانسان ويتعامل معه ولا يشعر به ، فمهما كانت مشاكلك وأوجاعك وأتعابك ثق أن يد الله موجوده لرفعتك ويستطيع كل شيء ، فأعظم دول العالم كرهب " مصر " في ذات الوقت أيام أيوب لا تستطيع ان تقف أمام الله .
ليعلم القارئ العزيز أن مجد الله علي حياته موجود في الطبيعه التي يتعامل معها كل يوم دون بذل مجهود ويستمتع بخيراتها ، فعلي سبيل المثال انه من الطبيعي أن تري مجد الرب إثناء العبادة " وَدَخَلَ مُوسَى وَهَارُونُ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، ثُمَّ خَرَجَا وَبَارَكَا الشَّعْبَ، فَتَرَاءَى مَجْدُ الرَّبِّ لِكُلِّ الشَّعْب (لا ٩ : ٢٣) الطبيعي هو مجد الله والغير طبيعي هو الالم والتعب والمرار والضيق ، ولذلك عندما يتدخل العدو إبليس أو أحد اعوانه من البشر لأذيتك فتصرخ الى الرب مستنجدا ، يبدا الله بالتدخل ويشعرك بمجد افضل من المجد الطبيعي الموجود في الطبيعة وفي حياتك ، فليس هذا معناه أن الله ينتظر الامك وأتعابك ليتمجد ، فهو لا ياتي لك بالألم ليتمجد ، فالله ممجد في كل الأحول ولا ينتظر أن تتالم ليتدخل بمجد مضاعف ليشعرك بمجده ، الحقيقه أنك في وقت الالم والضيق تحتاج الى جرعه مضاعفة من الرعايه والسندة والمعونه والتدخلات الإلهية فتشعر بمجد الله في حياتك بطريقة مختلفة " قُومِي اسْتَنِيرِي لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ نُورُكِ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ عَلَيْكِ. (إش ٦٠ : ١) فعدم الشعور بالمجد هو الوجود في دوائر نفسية أو اجتماعية مظلمة فمع الإستنارة الشعور بالمجد ، فمجد الله لم يبتعد بل أنت الذي تلامست بطريقة مختلفة مع هذا المجد من خلال استجاباتك لنور الحق ولتدخلات الله لرفعتك .
الله لم يسحق أيوب بالعاصفه كما كان يشعر ، ولم يكثِر له جروحه ولم يشبعه مرائر كما يدعي ، فقد كان مجد الرب على حياه ايوب ظاهر في الخيرات والسياج الإلهي ، فقد حاول إبليس الدخول مرارا وتكرارا ليزيل هذا المجد من حياة أيوب ولكنه فشل ، وعندما تملك فرصه ليدخل على حياه ايوب ذاق أيوب مراره التجربه ومراره الحياه ، وياتي السؤال هل تركه الله ؟ كلا .. لم يتركه الله ، فهو موجود حتى لو لم يشعر ايوب به ، فالتحركات الشيطانيه موجوده والتحركات الالهيه موجوده ، يبقى شيئا واحدا وهو استجابه الانسان ، فإن إتجه نحو التجربه وصب نفسيته فيها فسيشعر بالألام مضاعفة ، وإن إستحاب للتدخلات الالهية والثقه في الله سيتمتع بالرعاية الكاملة والشفاء وسيشعر بالمجد الالهي كما في السابق ، فالطبيعي هو المجد الالهي هنا في هذا العالم وفي الأبدية أيضا " وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ. (2كو ٣ : ١٨) فإن لم تشعر بمجد الرب يوما فيمكنك الإسراع بالرجوع لحضنه لأن مجده من أجلك قائم وثابت إلي الأبد.
-----------------------------------------------------------
الفصل السابع
التعبير النفسي والموقف الإلهي
١ ـ حق أم تعدي
من حق كل إنسان التعبير عن مكنونات قلبه وهواجس نفسه لاي من كان ، ولكن بدون التعدي والأهانة يمكنك مواجهة الظالم بظلمه والمعتدي بتعديه بحسب منظورك مع إعطاء حق الرد والدفاع وتكون مستمع جيد لمن وجهت له إتهامات ، ويجب عدم التمسك بفكرك وبالأخص عند عدم إمتلاك دلائل واضحة مع التأكد من عدم لبس المواضيع وقراءة الأحداث بالخطأ ، فعليك العمل علي الحق في كل الأحوال ، لأن في عدم أستماعك الجيد وتشبسك برأيك دون وضع إحتمالية الحق للاخر فقد تسير في الظلم وأنت لا تدري .
يجب مراعاة وتقدير الطرف الأخر المعتدي بأنه إنسان ويحتاج لفرص للدفاع او الإعتزار والتأسف ، وبحسب واقع الحدث أو الموقف عليك تقييم ابعاد التعامل من جديد أو إتخاذ قرار الإبتعاد ولكن بكل وضوح وشفافية وبكرامة ، فيوجد أشخاص شعروا بالظلم ولم يستطيعوا تبرئة الأخر داخليا وقرروا الإنفصال ، فلا يجب الإنفصال بتقديم كلمات مسيئة للأخر تعبر عن مرارة النفس ، بل وجه للأخر وبكل الإحترام أنك لن تستطيع التواصل والتعامل معه بعد الأن موضحا له أن لا مجال للخصام بينكما ، فتفعلان كما فعل أبونا إبراهيم ولوط " فَقَالَ أَبْرَامُ لِلُوطٍ: "لاَ تَكُنْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ رُعَاتِي وَرُعَاتِكَ، لأَنَّنَا نَحْنُ أَخَوَانِ.أَلَيْسَتْ كُلُّ الأَرْضِ أَمَامَكَ؟ اعْتَزِلْ عَنِّي. إِنْ ذَهَبْتَ شِمَالا فَأَنَا يَمِينًا، وَإِنْ يَمِينًا فَأَنَا شِمَالا".(تك١٣: ٨-٩) هذا هو الواقع الذي يجب أن يكون ، فبعد إنفصالهما دخل لوط في أزمة وسبي ، فتدخل أبونا إبراهيم لتحرير لوط من الأسر " فَلَمَّا سَمِعَ أَبْرَامُ، أَنَّ أَخَاهُ سُبِيَ جَرَّ غِلْمَانَهُ الْمُتَمَرِّنِينَ، وِلْدَانَ بَيْتِهِ، ثَلاَثَ مِئَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَتَبِعَهُمْ إِلَى دَانَ.وَاسْتَرْجَعَ كُلَّ الأَمْلاَكِ، وَاسْتَرْجَعَ لُوطاً أَخَاهُ أَيْضًا وَأَمْلاَكَهُ، وَالنِّسَاءَ أَيْضًا وَالشَّعْبَ. (تك١٤: ١٤، ١٦) فهل تستطيع أن تجند كل إمكانياتك من أجل إسترجاع أخيك من سبيه الفكري والنفسي بالرغم من الإمور الحادثة من قبل ؟.
يحتاج الإنسان دائما للتعبير عن مكنونات نفسه ، فهل من حقه أن يعبر عنها حتي وإن كانت مكنونات بأفكار تمس الله ؟ يراها البعض تعدي علي الخالق فلا يصح التفكير فيها أو النطق بها ، ويري البعض أنه من حق الإنسان التعبير بكل مكنوناته الكامنة داخله سواء كانت عن الله او عن أي من كان .
عبر أيوب لله عن مكنونات نفسه الداخلية وعن مقدار المرارة التي يعاني منها لدرجة أن نفسه كرهت الحياة ، فالأحداث الحادثة له بهذه الطريقة الغير مفهومة له دفعته ليعبر تعبيرات في شكلها قاسية وغير مقبولة وفي مضمونها عميق جدا وفي واقعها الروحي خارج نطاق الخدمة ، فقد قال " قَدْ كَرِهَتْ نَفْسِي حَيَاتِي. أُسَيِّبُ شَكْوَايَ. أَتَكَلَّمُ فِي مَرَارَةِ نَفْسِي (أي ١٠ : ١) ومن هنا مفتاح كل كلمة سلبية تكمن عندما الإنسان يكره الحياة ، فما بين محبة الحياة وكرهها أحاسيس ومشاعر ، فمحبة الحياة عندما ترتبط بالممتلكات والتواجد الإجتماعي فستكون حياة في مهب الريح ، فبزوال ما تمتلكه تتبدل المشاعر من محبة الحياة الي كرهها ، فكل من هو متكل علي ما بين يديه من وظيفة او عقارات أو مال ، فسيكون عرضة للإنهيارات النفسية ، فالتعلق بالأشياء من أخطر الفرص الروحية التي تمنح إبليس فرصة علي طبق من ذهب ليجرب عندما تسنح له ولو فرصة واحدة .
٢ - دوافع كره الحياة
دوافع كره الحياة ينبع من ثلاثة مصادر
- خسارة العشم الزائد في الدنيا
- سقوط الثقة الزائدة في النفس
- أحاسيس الذل والمهانة
فجميعها إذا تجمعت في شخص افقدته طعم الحياة ، وهذه تُصير الإنسان في حالة من الإكتئاب الحاد ، الذي عند التعبير به يحتد في مراحل العلاج النفسي والفكري عندما يجد من يسمعه ويكون داخل مشيئة الله يتفزة بكلمات موجعة ، الي أن يجد إجابة لكل سؤال ولكل حيرة قلب ، ولكن للأسف وجد أيوب أصدقاء كاسرين دوائر المشيئة الإلهية في حياتهم من خلال الأفكار المغلوطة عن الله ، لذلك في النهاية وبخهم الله علي فكرهم واقوالهم " وَكَانَ بَعْدَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ مَعَ أَيُّوبَ بِهذَا الْكَلاَمِ، أَنَّ الرَّبَّ قَالَ لأَلِيفَازَ التَّيْمَانِيِّ: "قَدِ احْتَمَى غَضَبِي عَلَيْكَ وَعَلَى كِلاَ صَاحِبَيْكَ، لأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ. (أي ٤٢ : ٧) (أي ٤٢ : ٨) لم يجد أيوب من يفرمل لسان أصدقائه ، فتحرك الرب بنفسه ليوقف كل استنزاف فكري ونفسي من خلال الأخرين ، هنا نستطيع أن ندرك ونتلامس الرعاية الإلهية لكل مؤمن تقي ، فبرغم التدخلات الشيطانية نجد يد الرب القديرة تتحرك لإنقاذ ما تبقي من ايوب والعمل علي تعويضه .
العشم هو :
الرغبة أو الأمل في حدوث شيء
a desire or hope for something to happen.
فالعشم له دور فعال في دائرة النفس ، فالأمل والرجاء في الغير في وقت سقوطه يدمر كلما كانت درجة العشم عالية ، فقد كان المنتظر من أصدقاء أيوب والمتوقع غير الذي صدر منهم ، فهنا الصدمة أن تنتظر شيئ ويحدث عكسه ، لذلك اعطي للعشم درجة الصفر zero كي لا تصدم .
الثقة الزائدة : overconfidence
وتترجم أيضا ثقة عمياء ، فلا يجب تسليم النفس للمحيطين بنا ، فالثقة الزائدة تُحدث صدمات عندما تختل عجلة التوازن النفسي لطرف من الأطراف ، لذلك لا يجب أن نضع الثقة الزائدة في نطاق حياتنا ، فالثقة لابد أن تكون مشروطة ومراقبة بالإلتزام ، فعندما يدخل الإهمال وعدم الإكتراث بنا لابد من إعادة النظر في دوائر هذه الثقة .
الأحاسيس : Sensations
دائما الأحاسيس يجب مراجعتها وعدم الإتكال عليها ويجب التحكم فيها ،فالذي يستجيب لأحاسيسه سيدمر نفسه وبالاخص الأحاسيس السلبية ، فقد يتكلم أو يفعل معك شخص أمرا بطريقة مهينة دون أن تفعل له شيئا ، فهذا يُحدث داخلك احاسيس بالاهانة أو الذل وتتحرك مشاعر الغضب ، ففي وقتها لن تتحكم في تصرفاتك وردة فعلك ، فمشاعرك هي مشاعرك أنت ، وتصرفك وردة فعلك هي تصرفاتك أنت ، وأنت وحدك المسئول عنهما ، ولذلك كلما تحكمت في ذاتك كلما صرت حكيما ولن ينتابك الشعور بالندم عن تصرف في وقت مشاعر غضب وهياج فكري .
فمن حقك التعبير عن نفسك والتكلم بما يدور داخلك ولكن بعيدا عن نطاق البشر المحيطين بك ، ففي صلاتك عبر وفي مجالس المشورة مع من لا تعرفهم عبر ، كالدكتور او المشير المتخصص ، اما في غير ذلك أنصحك ان لا تعبر بكلمات سلبية عن نفسك وعن مشاعرك ، فإن لم يكون متخصص ومشهود له فلا تتحدث ، تكلم أيوب لله عن مكنونات قلبه " قَائِلا للهِ: لا تَسْتَذْنِبْنِي. فَهِّمْنِي لِمَاذَا تُخَاصِمُنِي! (أي ١٠ : ٢) ولذلك وجد من يسنده ويستجيب لأقوال فمه ، وجد القدير الذي خلقه وجبله مسمدا إياه ورافعا ، فهو الوحيد القادر علي الإنصاف.
٣ - ما بين التعبيرات والظلم
يري البعض أن التعبيرات النفسية تدخل في نطاقة التعدي علي الأخر ولا سيما عندما يكون هذا الأخر مديرا أو مسئولا أو خالقا ، فعندما يشعر المُعبر بالظلم أو إهدار حقوقه فبكل تأكيد سيتفوه بكلمات تضع الأخر في موقف محرج ، فهل هذا يُمكن أن يحدث مع الله ؟ هل تعبيراتنا النفسية الموجهه لله تفتح علينا أبواب جهنم أم يقدرها الله فيصحح مفاهيمنا ؟ فعلي سبيل المثال تكلم أيوب مع الله عن مكنونات نفسه بكلمات قاسية " أَحَسَنٌ عِنْدَكَ أَنْ تَظْلِمَ، أَنْ تُرْذِلَ عَمَلَ يَدَيْكَ، وَتُشْرِقَ عَلَى مَشُورَةِ الأَشْرَارِ؟ (أي ١٠ : ٣) فهل حقا يوجد في الله ظُلم ؟ حاشا والف حاشا ، فالله عادل الي الأبد ، الله يتعامل مع الأتقياء ولن يقسي عليهم فيظلمهم ، ولن يتعامل مع الأشرار بنوره مكافئا ويفتح أبوابه فيباركهم ، إن الله في عدله يُحب الجميع وفي أحكامه يحكم علي الشر وليس علي الشرير ، ولأن الشرير ملتصق بالشر فينال الحكم ويشعر به ، هذا كالمريض الذي التصقت به الميكروبات او البكتريا ، فيكتب الدكتور أدوية وحقن يتناولها المريض ، فالمقصود من الأدوية قتل المرض وليس المريض ولكن في أوقات كثيرة لسبب إهمال المريض لنصائح الدكتور يصل للموت برغم وجود الأدوية ، هكذا في التعاملات الإلهية يحدث أن الله يستخدم الظروف والأحداث ( بعد حدوثها ) ليمنح الشرير فرص التوبة والرجوع ولسبب عدم نزاهة الشرير يموت بشره تحت حُكم القضاء الإلهي ،
أيوب شعر أن الله حكم عليه بالذنب ( أنه مذنب - مخطيئ ) ولذلك حكم عليه بالمرار والمرض والخسارة من كل جانب ، ولأن أيوب في قرارة نفسه يري أنه بار ولا يستحق هذا ، إذا فقد ظلمه الله " أَحَسَنٌ عِنْدَكَ أَنْ تَظْلِمَ، أَنْ تُرْذِلَ عَمَلَ يَدَيْكَ، " في حين أن سبب حدوث أحداث أيوب هما إثنان إبليس وأيوب ! فإبليس متربص وأيوب متخوف ومرتعب ( أي ١ : ١ - ٥ ، اي 3 : 25 ) وبالتالي كان الله بالنسبة لهما القاضي الذي يمنح الحقوق لمن له حق ، فإبليس المشتكي وضع شكاية صحيحة الأركان ، والله كالقاضي حكم حُكما عادلا فجُرب أيوب ، ويأتي السؤال : هل تركه الله ؟ كلا .. هل جربه الله ؟ كلا ... هل ظلمه الله ؟ حاشا ... فلماذا الكلمات القاسية التي تكلم بها أيوب مع الله ؟ إنها تعبيرات نفسية كأسئلة داخل أيوب وليس تذمرا وهنا الفرق .
عندما تكون التعبيرات النفسية أسئلة داخل النفس فمن حق المعبر التعبير بالطريقة التي تريح نفسه مع مراعاة الإلتزام بالموضوعية ، بمعني أنه لا يجب التحدث بطريقة غير لائقة ولا ينبغي التمسك بإقتناعاتك ، فقد تكون قناعاتك مخطئة وغير صائبة ، فقد تحمل أيوب علي الله بأفكار وقناعات خاطئة تحتاج لتصحيح ، ولذلك تعامل الله معه واضعا في الإعتبار ان في داخله أسئلة تحتاج لإيجابة " أَلَكَ عَيْنَا بَشَرٍ، أَمْ كَنَظَرِ الإِنْسَانِ تَنْظُرُ؟ (أي ١٠ : ٤) إنها اسئلة في شكلها تعدي وفي عمقها مكنونات نفسية وتعبيرات ناتجة من عدم فهم طبيعة الله في حياة أيوب " أَأَيَّامُكَ كَأَيَّامِ الإنْسَانِ، أَمْ سِنُوكَ كَأَيَّامِ الرَّجُلِ حَتَّى تَبْحَثَ عَنْ إِثْمِي وَتُفَتِّشَ عَلَى خَطِيَّتِي؟ (أي ١٠ : ٥ ، ٦) فالفهم عن الله محدود ولذلك مضمون تسائله ، أنك يا الله أكبر من أن تعاملني هكذا بحسب إثمي أو ذنبي إذا وُجد ، فأنت تعرف أن ليس لي ذنبا وأنا لست في قوتك ولست حٍمل يدك " فِي عِلْمِكَ أَنِّي لَسْتُ مُذْنِبًا، وَلا مُنْقِذَ مِنْ يَدِكَ. (أي ١٠ : ٧) فالحيرة التي بداخل أيوب تُكشف من كلماته واسئلته ، فكيف يكون الله الذي صنعني امس ويريد أن يبتلعني اليوم ؟! " يدَاكَ كَوَّنَتَانِي وَصَنَعَتَانِي كُلِّي جَمِيعًا، أَفَتَبْتَلِعُنِي؟ (أي ١٠ : ٨) بكل تأكيد حاشا لله .. وبكل تأكيد لم يقصد أيوب أن الله هكذا ، ولكنه كان يُعبر عن مقدار المرارة الداخلية .
كان يعلم أيوب أن الله هو الخالق وقادر علي اعادة أيوب كالسابق وأفضل " كَسَوْتَنِي جِلْدًا وَلَحْمًا، فَنَسَجْتَنِي بِعِظَامٍ وَعَصَبٍ. مَنَحْتَنِي حَيَاةً وَرَحْمَةً، وَحَفِظَتْ عِنَايَتُكَ رُوحِي. (أي١٠: ١١-١٢) فكل أسئلة أيوب ما هي إلا مكنونات نفسية لابد من إخراجها والتعبير عنها فقد يجد يوما ردا وإجابة ، هذا ليس تصريحا لشعب الرب ليفعلوا كما فعل أيوب ولكننا نسرده الأن لنعلم بأن ألله في تعاملاته ينظر جيدا للواقع الروحي والمادي والنفسي ويعرف جيدا التقييم الواحب وجوبه لكل نفس في ضيقة أو في الام ، حتي في أصعب الظروف يعرف الرب كيف يتعامل فحساباته تختلف عن حسباتنا ، فقد كان الشعب في ضيقة فارسل لهم موسي ليحررهم وفي ذات الوقت يلقن المصريين درسا ليعرفوا البه البي يجهلونه " فَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ حِينَ أَتَمَجَّدُ بِفِرْعَوْنَ وَمَرْكَبَاتِهِ وَفُرْسَانِهِ". (خر ١٤ : ١٨) هنا لم يتعامل الله بقسوة مع فرعون ولكنه تعامل بقسوة مع العناد فنال فرعون نصيبا منها ، هكذا يجب علينا قرأة الأبعاد الروحية لكل موقف لنستطيع أن نشفى داخليا من مكنونات نفسية دفينة تحتاج للتصحيح وإيحابة لكل سؤال فيها .
٤ - ما بين الإمتحان والتجربة
معرفة أيوب بأن الله هو الخالق وانه معطي الحياة والرحمة والعناية " أَلَمْ تَصُبَّنِي كَاللَّبَنِ، وَخَثَّرْتَنِي كَالْجُبْنِ؟كَسَوْتَنِي جِلْدًا وَلَحْمًا، فَنَسَجْتَنِي بِعِظَامٍ وَعَصَبٍ.مَنَحْتَنِي حَيَاةً وَرَحْمَةً، وَحَفِظَتْ عِنَايَتُكَ رُوحِي. (أي١٠: ١٠-١٢) هذا الفكر يمنحه أمل بل ويزيده رجاء ، ولكنه تفوه بهذه الكلمات لأنها نابعة من الامه وضيقته ، إنها إعلان حق ولكن يحتاج الي من يُكمل الفكر بصلاح الله ، فجميع التجارب والمصائب لم يفعلها الله ولم ولن يكون يوما سبب الام لأحد ، فالالام مصدرها ابليس والبشر وأنا " وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِهِ. (يع ١ : ١٤) فالرب لا يُجرب أحدا علي الإطلاق ، ولكنه يمتحن ويحول التجربة لمستوي إمتحان لينال المؤمن تذكية " لا يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: "إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ الله"، لأنَّ الله غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لا يُجَرِّبُ أَحَدًا. (يع ١ : ١٣) فالتجربة تكون بدايتها خطأ روحي في حياة الإنسان يتخلله شكاية من إبليس ثم يتبعه حُكم قضائي من الله ، فمن هنا يبدأ الإنسان الشعور بأن الله هو المجرب لسبب حُكم القضاء الإلهي ، ولكن الحقيقة بدأت من الخطأ الروحي .
في العهد القديم توجد تصريحات وأيات واضحة بأن الله هو المُجرب ، فعلي سبيل المثال " وَتَتَذَكَّرُ كُلَّ الطَّرِيقِ الَّتِي فِيهَا سَارَ بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هذِهِ الأرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْقَفْرِ، لِكَيْ يُذِلَّكَ وَيُجَرِّبَكَ لِيَعْرِفَ مَا فِي قَلْبِكَ: أَتَحْفَظُ وَصَايَاهُ أَمْ لا ؟ (تث ٨ : ٢) ااا (تث ٨ : ١٦) (2أخ ٣٢ : ٣١) يا إلهي .. ! يتعمد الرب بسير الشعب في طريق طويل ويُغمض عينيهم عن الطريق السهل المختصر فيسير بهم أربعون سنة بمشاهر ذل وحياة التجربة ليمتحن قلبهم ، كيف هذا ومنذ قليل عرفنا أن الله صالح يصنع للخير وهو لا يُجرب أحدا ؟ وللإيجابة علينا معرفة أن الشعب خارج من مصر بثقافة غريبة ، فيوجد فيهم ميول روحي لعبادة الأصنام وقد فعلوا " زَاغُوا سَرِيعًا عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أَوْصَيْتُهُمْ بِهِ. صَنَعُوا لَهُمْ عِجْلا مَسْبُوكًا، وَسَجَدُوا لَهُ وَذَبَحُوا لَهُ وَقَالُوا: هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ". (خر ٣٢ : ٨) (خر ٣٢ : ١٩) (خر ٣٢ : ٢٠) هنا يبدأ الحكم القصائي الذي يحتوي علي الذل والتجربة " فَضَرَبَ الرَّبُّ الشَّعْبَ، لأَنَّهُمْ صَنَعُوا الْعِجْلَ الَّذِي صَنَعَهُ هَارُونُ. (خر ٣٢ : ٣٥) فكان لابد من السير بالشعب في الطريق الطويل ليتعامل معهم في إخراج كل ثقافة غريبة ليدخلوا أرض الموعد بالثقافة الإلهية الجديدة .
فالذل والإزلال كان شعور سلبي وُجد لسبب حياة التذمر والتمرد وهذا حدث (خر ١٥ : ٢٤) (خر ١٦ : ٢) (خر ١٦ : ٧) (خر ١٦ : ٨) (خر ١٦ : ٩) (خر ١٦ : ١٢) (خر ١٧ : ٣) (عد ١٤ : ٢) "حَتَّى مَتَى أَغْفِرُ لِهذِهِ الْجَمَاعَةِ الشِّرِّيرَةِ الْمُتَذَمِّرَةِ عَلَيَّ؟ قَدْ سَمِعْتُ تَذَمُّرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي يَتَذَمَّرُونَهُ عَلَيَّ. (عد ١٤ : ٢٧) " فِي هذَا الْقَفْرِ تَسْقُطُ جُثَثُكُمْ، جَمِيعُ الْمَعْدُودِينَ مِنْكُمْ حَسَبَ عَدَدِكُمْ مِنِ ابْنِ عِشْرِينَ سَنَةً فَصَاعِدًا الَّذِينَ تَذَمَّرُوا عَلَيَّ. (عد ١٤ : ٢٩) (عد ١٦ : ١١) (عد ١٦ : ٤١) فالرب لم يجرب شعب اسرائيل بل هم جربوا لسبب الثقافة الغريبة وحياة التذمر وتصلب الرقبة ( الدماغ النشفة ) " وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: "رَأَيْتُ هذَا الشَّعْبَ وَإِذَا هُوَ شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةِ.(خر ٣٢ : ٩)(خر ٣٣ : ٥) إذا يجب علينا إدراك أنه ليس الهدف إزلال الشعب أو تجربتهم بل كسر كل ثقافة غريبة في حياة شعب الرب ، لذلك علينا الإقتراب الي الرب وكلمته لأنها البلسان الشافي لكل حياتنا
٥ - الإستذناب والكسر
الإحساس بالمذنوبية علي الرغم من عدم الشعور بالخطأ يجعل المرء في حالة من المرار والتعب ، فقد كان أيوب له كامل الإقتناع بأنه كامل ومتقي الرب ، ولكنه في ذات الوقت كان يخاطب الله عن ان ما حدث له يجعله مع المحطيين به يفتكرون أنه مذنب ولذلك حدث له ما حدث ، فعاتب أيوب الله قائلا " إِنْ أَخْطَأْتُ تُلاحِظُنِي وَلا تُبْرِئُنِي مِنْ إِثْمِي. (أي ١٠ : ١٤) ماذا كان يدور في ذهن أيوب إلا الربط بين الإقتناع ببره والتعب الجسدي والنفسي جراء ما حدث ، فيخرج بمتيجه أن الله مستذنبه وهذا يؤلمه كثيرا " إِنْ أَذْنَبْتُ فَوَيْلٌ لِي، وَإِنْ تَبَرَّرْتُ لا أَرْفَعُ رَأْسِي. إِنِّي شَبْعَانُ هَوَانًا وَنَاظِرٌ مَذَلَّتِي. (أي ١٠ : ١٥) وكأنه يقول للرب " كنت متعشم فيك تدافع عن بري وتبرئني ، فحتي إن أبرئتني فيكفي مرارة نفسي التي تكسرني " إن الإحاسيس النفسية المتملكة علي النفس يجب التخلص منها فهي عبارة عن أفكار تستحوز علي مساحة كبيرة من العقل ، فالتفكير السوي لا يربط الضيق والألم بالله ، فهو الشافي وليس الجارح ، وهو الجابر وليس الكاسر ، فلا يجب أن نصب بلايانا وننسبها لله ، فصانع البلايا هو إبليس أما الرب فهو صانع المجد ، ولا يوجد ما يُسمى بالسماح الإلهي ، لأن الله لا يسمح بما هو خارج إرادته ، فإرادته ومشيئته ثابتتين وقراراتهما للخير ، أما الجكمة الإلهية فهي مرنة وتحتوي داخلها علي القضاء الإلهي ، الذي يعمل علي شكاوي مقدمة من عدو كل بر ، ولأن الله عادل فيمنح المشتكي حكما بحسب الواقع الحقيقي المقدم فيها ، فإن كذب إبليس علي الجميع فلن يستطيع أن يكذب علي الله .
الشعور بالذنب عن إقتناع قد يدقع للتوبة ، أما عندما يكون شعور بالذنب يصاحبه شعور بالظلم فهذا يقود الي المرار والتعب التفسي ، لذلك تجرأ أيوب بالتفوه بكلمات في شكلها قاسي ولا يجب التفوه بها لله ، فهذا يجعلنا ندرك مقدار المرار النفسي الذي كان فيه ، لدرجة أنه يقول أنه إذا تم إعلان برائتي سيعود الله ويصطادني ويستذنبني من جديد " وَإِنِ ارْتَفَعَ تَصْطَادُنِي كَأَسَدٍ، ثُمَّ تَعُودُ وَتَتَجَبَّرُ عَلَيَّ. (أي ١٠ : ١٦) وكأن الله يتربص لأيوب ليستذنبه ويجربه ، أقول حاشا لله أن يكون هكذا ، ولكن لسبب قلة المعرفة عن الله كما اليوم فلم يدرك مقدار عمق كلماته التي يتفوه بها وكم هي غير صحيحة ، حتي يومنا هذا نجد أشخاص يتكلمون كأيوب معلنين أن الله هو سبب مصائبهم وبلويهم ، وأنه يقف لهم بالمرصاد ، وفي الحقيفة أن الله في معاملاته يسير محاولا اصلاح ما افسدوه هم بتصرفاتهم
الله في محبته يستر ويغفر لكل تائب معترفا بخطاياه ، أما أنه يجدد شهوده ليستذنب فهذا غير وارد في جول أعنال الله تحاه بني البشر ، فذنوب بني البشر واضحة لدية ولا تحتاح لشهود ، فهو الشاهد الأمين الذي في شاهدته حق وفي حكمه عدل ، أما أيوب فقد وضع صورة داخله عن الله بأنه لن يبرئه ولن يشفيه لأن ذنب أيوب أمام الله متجدد دائما والغضب الالهي مستمر وقد وُضع أمام الله لأيوب جيش من المصائب ضده تتناوب عليه " تُجَدِّدُ شُهُودَكَ تُجَاهِي، وَتَزِيدُ غَضَبَكَ عَلَيَّ. نُوبٌ وَجَيْشٌ ضِدِّي. (أي ١٠ : ١٧) " نوب : مفردها نوبة اى مصيبة، نائبة، شر " فمن شدة الألم ومرارة النفس تصور أيوب هذه التصورات ضد الله ، ولو كان الله شديد الغضب وسريع الإنتقام لكان قد فرم أيوب بسبب كلماته القاسية ، ولكن لأن الله طيب وحكيم ويري دواخل القلوب فقد رأي ما في قلب أيوب من نقاء وأن ما يتفوه به لا يصير إلا تعبيرات نفسية كنوع من التفريغ النفسي الصادر من العقل الباطن وإلا كان قد إنفجر أيوب وزيد عليه المرض والألم .
٦ - المشاعر المخزنة والتعبير النفسي
كثيرين عندما يمرون بتجارب ومواقف مؤلمة يبدأون في التمني والتخيلات السلبية التي تعلن عن الموت او العدم كرغبة دفينة داخل النفس ، فالنفس المتألمة تتحرك فيها عوامل الموت " فَلِمَاذَا أَخْرَجْتَنِي مِنَ الرَّحِمِ؟ كُنْتُ قَدْ أَسْلَمْتُ الرُّوحَ وَلَمْ تَرَنِي عَيْنٌ! (أي ١٠ : ١٨) هذه المشاعر التي لأيوب مشاعر مُخزنة داخل النفس ولم تخرج إلا في وقت الشدة ، هذه المشاعر مخزنة بحسب الطبيعة البشرية الساقطة فليست مشاعر مكتسبة من المجتمع ولكنها متواجدة في العقل الباطن بالطبيعة تخرج فقط وقت فقدان الأمل ووقت الإكتئاب الشديد .
هذه المشاعر مر بها يهوذا وقادته للإنتحار " فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. (مت ٢٧ : ٥) هكذا الحال كان مع اخيتوفل عندما لم تُعمل بمشورته فخنق نفسه ومات (2صم ١٧ : ٢٣) فالجميع لديهم هذه المشاعر ولكنها لا تعمل الا تحت الأمراض النفسية الشديدة وحالات الإكتئاب الحادة ، مر بها المسيح لدرجة أنه قال " فَقَالَ لَهُمْ:"نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي". (مت ٢٦ : ٣٨) فقد إجتاز المسيح بهذه ا لمشاعر لدرجة أنه مر بالفعل نحو الموت عندما كان ينزل عرقه كقطرات دم " قَائِلاً:"يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لا إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ".وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ. (لو٢٢: ٤٢، ٤٤) هذه حالة موت ، لذلك طلب أن يعبر عنه هذه الكأس ، هنا لا يقصد كأس الصليب بل حالة الحزن التي مر بها فهي حالة إكتئاب شديد أحدثت لوجه المسيح ما يسمي بالتعرق الدموي وهو عبارة عن تمزق الشعيرات الدموية في الجسم ، وتنتج في حالات الخوف الشديد أو الإجهاد الشديد ويمكن أن تنفجر هذه الأوعية الدموية الدقيقة وتسبب خروج الدم من الجسم من خلال الغدد العرقية ، لذلك علينا عدم الإستجابة لمشاعرنا الدفينة والتمركز حولها ، بل علينا الخروج منها سريعا والتعبير عنها لنستطع علاجها سريعا .
التعبير النفسي الذي لأيوب خدمه كثيرا ، فقد قال " فَاخْتَارَتْ نَفْسِي الْخَنِقَ، الْمَوْتَ عَلَى عِظَامِي هذِهِ. (أي ٧ : ١٥) هذا الخنق مشاعر تحركها الشوك التي هي الضيقات ومشاغل الحياة الغميقة " وَالْمَزْرُوعُ بَيْنَ الشَّوْكِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ، وَهَمُّ هذَا الْعَالَمِ وَغُرُورُ الْغِنَى يَخْنُقَانِ الْكَلِمَةَ فَيَصِيرُ بِلا ثَمَرٍ. (مت ١٣ : ٢٢) فهل تستجيب لأشواك حياتك وتمنحها فرصة التدمير أم تعمل علي كسرها لتثمر انت في حياتك وتعيش في كمال المشيئة الإلهية ، فالهم والغرور أحبال نفسية تخنق الحق داخلك لذلك لا يجب أن تسير فيهما ويجب العمل علي كسرهما لتستقيم حياتك ولا تكون فرصة ثمينة لتُبتلع.
تمني أيوب أن يكون كالعدم " فَكُنْتُ كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ، فَأُقَادَ مِنَ الرَّحِمِ إِلَى الْقَبْرِ. (أي ١٠ : ١٩) فهذه ما هي إلا خِدع نفسية من العقل الباطن للهروب من الواقع المؤلم ، فإنشغال العقل الواعي بمحاولة التمني ان يكون كالعدم يمنح النفس سكينة ولو لبضع دقائق ، ولذلك يقول للرب ان أيامه قليلة ويحتاج للتبلج " الأشراق وبلوغ النور في حياته " فقال " أَلَيْسَتْ أَيَّامِي قَلِيلَةً؟ اتْرُكْ! كُفَّ عَنِّي فَأَتَبَلَّجَ قَلِيلا، (أي ١٠ : ٢٠) وفي ترجمة الحياة " أَلَيْسَتْ أَيَّامِي قَلِيلَةً؟ كُفَّ عَنِّي لَعَلِّي أَتَمَتَّعُ بِبَعْضِ الْبَهْجَةِ، " فقد شعر أيوب أن هذه التجربة ستنهي حياته الي القبر " قَبْلَ أَنْ أَذْهَبَ وَلاَ أَعُودَ. إِلَى أَرْضِ ظُلْمَةٍ وَظِلِّ الْمَوْتِ، (أي ١٠ : ٢١) ولا يعلم أن عين الله تلاحظه ويده القديرة سترفعه وتعوضه أضعاف
-----------------------------------------------------------
الفصل الثامن
الإفتراء بهتاناً وفرياً
١ - الإفتراء :
يدخل حياتنا بعض من الأشخاص يسيرون بمبدأ الأنا ، الأنا وبس ! .... يهدفون لنوال ما يريدون نواله بأي طريقة وبأي إسلوب ، ما يهمهم هو مكاسبهم فقط حتي ولو علي حساب الغير ، هؤلاء متعبون جدا ولا سيما إذا كانوا أقرباء أو أصدقاء أو زملاء في العمل ، ويكونوا متعبين جدا إذا كانوا رؤساء في العمل او اصحاب سلطة ونفوز ، فمثل هؤلاء الخروج من دوائر حياتهم أو الخروج من دوائر حياتنا مكسب كبير حتي وإن ظهر في البداية بعض من الخسائر ، فخسارة اليوم أفضل بكثير من وجودهم في حياتنا وهم يستنزفوننا كل الوقت ويكسبون الكثير بوجودنا ، فهم يستخدمون طريق الإفتراء والبهتان فريا ، ولمعرفة معاني الكلمات الثلاثة علينا البحث في قاموس المعاني .
- الإفتراء : الكذب في حق الغير بما لا يرتضيه
- البهتان : الكذب المفتري
- فريا : الفرى: جمع فرية وهي الكذبة
نري أن الثلاث كلمات قريبين من بعضهم البعض ولكن يوجد فرق وهو أن من يفتري فهو يكذب لنوال حق علي حساب الغير ، أما من يفتري بهتانا فهو يكذب كذبا مؤلفا له قصة غير حقيقية يقصد بها الأذية والتشهير لينال هو وقتا لمكاسب شخصية ، أما الفرية فهي القصة ذاتها أو الكذبة ذاتها .
في حياتنا أشخاص يتعاملون معنا بمبدأ الإفتراء سواء بقصد أو بدون قصد ، فمن يتحقق من مصادر أفكاره ومعلوماته فلن يكون في كلماته اي نوع من الإفتراءات ، أما اللذين يفترون بقصد فهم اشرار حتي وإن كانوا مؤمنين .
التف حول أيوب اصدقاء تكلموا بالإفتراء والبهتان لأنهم نسبوا لله كلمات ليست له ولأيوب كلمات ليست فيهِ ، فقالوا عن أيوب انه ثرثار ومهزار " أَكَثْرَةُ الْكَلامِ لا يُجَاوَبُ، أَمْ رَجُلٌ مِهْذَارٌ يَتَبَرَّرُ؟ (أي ١١ : ٢) وقالوا عن الله بأنه يجرح ويسحق ويجرب " لأَنَّهُ هُوَ يَجْرَحُ وَيَعْصِبُ. يَسْحَقُ وَيَدَاهُ تَشْفِيَانِ. (أي ٥ : ١٨) في حين أن الله لا يفعل ذلك إلا من خلال القضاء الالهي وقت الدينونة ولا يفعل هذا في التأديب ، فالتاديب للمؤمنين وفيها لا يجرح ولا يسحق ، ثم إنه لا يجرب أحد " لا يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: "إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ"، لأنَّ الله غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا. (يع ١ : ١٣) فالإفتراء كثيرا يصير بسبب عدم فهم الحق كما ينبغي أن يُفهم .
تواصل أصدقاء أيوب مع أيوب ولم يهدأو بل أستمروا في كل كلماتهم القاسية والغير محسوبة ، فوصفزا أيوب بأنه متكبر ويتكلم كلاما ملبوسا لا يفهمه الناس " أَصَلَفُكَ يُفْحِمُ النَّاسَ، أَمْ تَلْغُو وَلَيْسَ مَنْ يُخْزِيكَ؟ (أي ١١ : ٣) لم يكتفوا بالتجربة القاسية التي يمر بها بل زادوا عليه الحمل والتعب والمرار ، إن السائرون بنهج الإفتراء بقصد أو بدون قصد لا يعرفون الزوق الرفيع والإحساس بالأخرين ، فلا تستغرب عندما تري مثل هؤلاء مناشرون حولك ، وتمسك بمن يسيرون بمبادئ ثابتة في حياتهم ، فقد كان أيوب من الأشخاص اللذين لهم مبادئ وقيم ثابتة ولذلك لم يتفقوا معه أصدقائه " إِذْ تَقُولُ: تَعْلِيمِي زكِيٌّ، وَأَنَا بَارٌّ فِي عَيْنَيْكَ. (أي ١١ : ٤) وفي ترجمة كتاب الحياة " إِذْ تَدَّعِي قَائِلا : مَذْهَبِي صَالِحٌ، وَأَنَا بَارٌّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ. " لم يعجبهم كلمات أيوب ، برغم أنه في الإصحاح العاشر كان الإتجاه الفكري لأيوب يجمل معني أنه مذنب أمام الله ولن يبرئه وأن الله يتربص له ليصطاد أخطاءه ، فقد كان أيوب كثيرا في بعض الأوقات متأثرا بكلمات أصدقاءه ، ولكن كان في قرارة نفسه أنه بار ،.
إن تصريحات صوفر النعماتي تريد أن تدفع أيوب تجاه أنه يستحق أكثر بكثير من ما حدث له " وَلكِنْ يَا لَيْتَ الله يَتَكَلَّمُ وَيَفْتَحُ شَفَتَيْهِ مَعَكَ، وَيُعْلِنُ لَكَ خَفِيَّاتِ الْحِكْمَةِ! إِنَّهَا مُضَاعَفَةُ الْفَهْمِ، فَتَعْلَمَ أَنَّ الله يُغْرِمُكَ بِأَقَلَّ مِنْ إِثْمِكَ. (أي ١١ : ٥ ، ٦) يالها من كلمات إفتراء .. ماذ تعرفون أنتم عن أيوب ؟ وهل وضعتم أنفسكم مكان الله لتحكموا علي أيوب بأنه حكم الله أقل من خطايا أيوب ؟ لا يجب أن يتفوه الإنسان بكلمات دون دراية ودون تحقيق جيد للإمور لئلا يلام لوم الأغبياء ولا يحسب من الحكماء " اَلأغْبِيَاءُ يَرِثُونَ الْحَمَاقَةَ، وَالأَذْكِيَاءُ يُتَوَّجُونَ بِالْمَعْرِفَةِ. (أم ١٤ : ١٨) فالبحث في الإمور وتقيِمها ومعرفة الأحداث وقرأتها جيدا تنير العقل وتصير الإنسان حكيما ، أما من إمتلكه روح الغباء فسيكون مفتريا فلنحظر من هذا .
٢ - كلام الحكماء وغباء المقصد :
عندما تجلس مع انتهازي أو مع شخص يُظهر نفسه فيلسوف عصره ، تجده يتكلم كلام الحكماء فيضع الحق الواضح أمام عينيك فتنبهر به فلا تنتبه لباقي الكلمات ، فعندما تتأمل في كلماته سيصلك المقصد المختلف عن الحق ، فقد كان أصدقاء أيوب في كل كلماتهم يتكلمون بالحق ويخلطون معه الباطل ، فهنا صوفر النعماتي يعلن أن الله عميق وقدير وهذا حق " أَإِلَى عُمْقِ اللهِ تَتَّصِلُ، أَمْ إِلَى نِهَايَةِ الْقَدِيرِ تَنْتَهِي؟ (أي ١١ : ٧) ثم يقود أيوب من عمق الله ونهايته التي بلا حدود الي علوه فوق السموات وفوق الهاوية ( المقابر - شاؤول - שׁאול - she'ol ) " هُوَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ، فَمَاذَا عَسَاكَ أَنْ تَفْعَلَ؟ أَعْمَقُ مِنَ الْهَاوِيَةِ، فَمَاذَا تَدْرِي؟ (أي ١١ : ٨) هذه الكلمات حق فصوفر يري الله أكبر من أي شيئ وأطول من كل شيئ " أَطْوَلُ مِنَ الأَرْضِ طُولُهُ، وَأَعْرَضُ مِنَ الْبَحْرِ. (أي ١١ : ٩) كل الكلمات التي قيلت تظهر حكمة الحكيم ولكنها مقدمة لإظهار ما يُبطن في الداخل ، فإبتدأ يصور الله في قدرته وطوله وعمقه بأنه كالفتوة الذي إن أراد أن يبطش فهو أكبر من أن تثنيه عن فعله " إِنْ بَطَشَ أَوْ أَغْلَقَ أَوْ جَمَّعَ، فَمَنْ يَرُدُّهُ؟ (أي ١١ : ١٠) ثم في منتهي القوة يتكلم صوفر النعماتي أن بطش الله سيكون علي الاشرار أناس السوء قاصدا هنا أيوب ومترجما له أن الله بطش بك لأنك من أصحاب السوء في تحركاتك " لأنَّهُ هُوَ يَعْلَمُ أُنَاسَ السُّوءِ، وَيُبْصِرُ الإِثْمَ، فَهَلْ لاَ يَنْتَبِهُ؟ (أي ١١ : ١١) ما هذا إلا مقصد غبي مؤذي كالسُم مغلف بكلمات معسولة وحكيمة تصل الي أعماق نفس المستمع فتجرحه وتؤلمه .
من أخطر الأشخاص اللذين يفترون بهتانا وكذبا هم اللذين يبطنون غير ما يقصدون ، واللذين يستخدمون الحقائق المنزهه عن الباطل لتكون اثباتا لكلماتهم ومقاصدهم السلبية الجارحة ، وجه صوفر النعماتي مقاصده بكل وضوح أكثر وأعلن لأيوب أن بطش الله يرجع للإثم الذي في قلبه " "إِنْ أَعْدَدْتَ أَنْتَ قَلْبَكَ، وَبَسَطْتَ إِلَيْهِ يَدَيْكَ.إِنْ أَبْعَدْتَ الإِثْمَ الَّذِي فِي يَدِكَ، وَلاَ يَسْكُنُ الظُّلْمُ فِي خَيْمَتِكَ،حِينَئِذٍ تَرْفَعُ وَجْهَكَ بِلاَ عَيْبٍ، وَتَكُونُ ثَابِتًا وَلاَ تَخَافُ. (أي١١: ١٣-١٥) إن هذه الكلمات للعامة وفي العموم لا تؤذي المشاعر ، ولكن عندما تستخدم لمجروح أو لمتألم فهنا صارت من حق رائع الي سهم نافذ وجارح ، لذلك أحبائي لا يجب أن نستمع لمثل هؤلاء وعلينا مواجهتهم والرد السريع إن كان في المقدرة فعل ذلك ، أو خروجنا من دوائر حياتهم بلا ندم كي لا يتواجدوا في دوائر حياتنا ولتقليص تواجدهم بحرية في حياتنا فمثل هؤلاء مؤذيون جدا
إن الله في طبيعته يهتم بالمجروحين والمتألمين اللذين بُطش بهم من إبليس ، فهو الذي يعود ليجدد وجه الأرض التي بطش بها بعد أن خلقت " فِي الْبَدْءِ خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ الله يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ.وَقَالَ الله: "لِيَكُنْ نُورٌ"، فَكَانَ نُور. (تك١: ١-٣) فالله الهنا في طبيعته يدعوا كل متألم ومهموم ليلقي كل همه عليه " مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ هُوَ يَعْتَنِي بِكُمْ. .. (1بط٥: ٧-٨) هذا هو الهنا الذي يجب أن نعرفه ، أما الإله الذي يصوره صوفر النعماني فليس الإله الذي يجب أن نعرفه ، فإله الإنتهازيين اله منطقم جبار يبطش ولا يُسأل ، ولكن الهنا يقبل السؤال ويعالج التذمر ، ويصحح الأوضاع ويعمل للخير ، فهل عرفته ؟ لذلك لا تسمح لمن هو عديم الخبرة والتخصص يحرك مشاعرك ضد الله ويزيدك شعورا بالذنب لأن الرب الهك معينك ويستطيع أن يسندك للنهاية ويرفعك فوق كل الم وجرح وتعب .
٣ - حق يجب الثناء عليه :
تكلم صوفر التعماتي عن حق في العموم مهم جدا ، أما عندما يوجه لشخص طول الوقت يعمل علي تأنيبه في خطايا وذنوب هو براء متها ، وأن التجربة والمصيبة التي حلت عليه من نتائجها ، فتصير كلماته جارحة برغم أنها حق ، تكلم صوفر عن عدة خطواط مهمة يجب مراعاتها في حياتنا لنوال نتائج مبهرة روحيا واجتماعيا .
١ - إعداد القلب : " إِنْ أَعْدَدْتَ أَنْتَ قَلْبَكَ، .. (أي ١١ : ١٣) هنا التهيئ النفسي والذهني للإقتراب الصخيح نحو الله
٢ - الصلاة والدعاء : " ...، وَبَسَطْتَ إِلَيْهِ يَدَيْكَ. (أي ١١ : ١٣) طلب العفو والغفران
٣ - الرجوع والتوبة : " إِنْ أَبْعَدْتَ الإثْمَ الَّذِي فِي يَدِكَ، وَلا يَسْكُنُ الظُّلْمُ فِي خَيْمَتِكَ، (أي ١١ : ١٤) التوبة العملية ورفض الشر
بعد التحرك في الخطوات السابقة ننال الأتي :
١ - نوال الكرامة : " حِينَئِذٍ تَرْفَعُ بِلا عَيْب ....(أي ١١ : ١٥)
٢ - نوال الثبات : " ... وَتَكُونُ ثَابِتًا .... (أي ١١ : ١٥)
٣ - نوال الأمان : " ... وَلا تَخَافُ. (أي ١١ : ١٥) المخاوف السابقة تتبدد والمستقبل يكون مشرق " وَتَطْمَئِنُّ لأنَّهُ يُوجَدُ رَجَاءٌ. تَتَجَسَّسُ حَوْلَكَ وَتَضْطَجِعُ آمِنًا. (أي ١١ : ١٨)
٤ - الشفاء النفسي : " لأنَّكَ تَنْسَى الْمَشَقَّةَ. كَمِيَاهٍ عَبَرَتْ تَذْكُرُهَا. (أي ١١ : ١٦)
٥ - التعويص الالهي : " وَفَوْقَ الظَّهِيرَةِ يَقُومُ حَظُّكَ. الظَّلامُ يَتَحَوَّلُ صَبَاحًا. (أي ١١ : ١٧)
٦ - زوال المزعجين : " وَتَرْبِضُ وَلَيْسَ مَنْ يُزْعِجُ، وَيَتَضَرَّعُ إِلَى وَجْهِكَ كَثِيرُونَ. (أي ١١ : ١٩)
٧ - تصير مختلف عن الأشرار : " أَمَّا عُيُونُ الأشْرَارِ فَتَتْلَفُ، وَمَنَاصُهُمْ يَبِيدُ، وَرَجَاؤُهُمْ تَسْلِيمُ النَّفْسِ". (أي ١١ : ٢٠)
هذا يدل علي أن صوفر النعماتي لديه فكر حقيقي وجيد ولكن إستخدمه في وقت غير مناسب فبكل تأكيد سيأتي بنتيجة عكسية في حياة أيوب ، هذا بالإضافة الي أنه يريد أن يقول لأيوب انت مخطيئ ومهزار وتحتاج لتوبة لينظر لك الرب فيرفع غضبه عنك وان قدمت التوبة فسيمنحك الرب الخطوات السبعة السابقة ، لا يجب ان نقدم حقائق في وقت غير ملائم ، فأيوب كان يحتاج كلمات تعزية تطيب خاطره ، ويحتاج لمن يسانده بالصلاة ليُمنح سلاما وهدوءً ، فالحقائق الروحية عندما تُقدم في وقت غير مناسب تستقبل كنوع من الإفتراء ، وكأن صوفر يريد أن يقول لأيوب أن حرمانك من المنح السبعة السابقة يرجع سببه الي كبرياء قلبك وعدم إقرارك بذنبك وعدم توبتك ، ففي كل الأحوال كان كلام صوفر النعماتي جارح برغم جمال الفكر .
٤ - الكلمات المعسولة والدفاع :
الطريق نحو الكلمات المعسولة أمر متاح للجميع ولكنه بعيد عن الحق وعند حدوثه يصير افتراءً وبهتاناً ، فالكلمات المعسولة تظهر غير ما تبطن ، فقد تكلم أصدقاء أيوب بأنصاف الحقائق ليخدموا فكرهم أو معتقدهم ، ففي إصحاح الاول تكلم الشيطان بشكاية ضد أيوب وبعد فترة صمت أيوب وأصدقاءه ، ثم بدأ أيوب بفتح فمه ليتكلم ومن هنا بدأ الأصدقاء بالتكلم ولكنهم للاسف لم يساندوا أيوب بل زادوا الجرح جرح ، تكلم اصدقاؤدء أيوب بكلمات معسولة نصفها حق والنصف الأخر يُجرح ليثبتوا جروحهم بحسب أنصاف الحقائق
كان أول صديق يتكلم ضد أيوب هو الفياز التيماني في إصحاح ٤ و ٥ وسلك في كلماته بإتجاه محاولة إثبات أن ما إجتاز فيه أيوب سببه خطاياه والله هو الذي يجرح ويسحق ليشفي ويجبر ، وهذا ليس منهاج الله اطلاقاً ، ثم تقدم أيوب بردود علي كلمات اليفاز ليثبت بأنه بار ولم يفعل شيئ ، فصارت المساحة بين أيوب وأصدقائه هي مساحة اتهامات ودفاع إدانة ومحاولة تبرئة لدرجة أنه وصف أصدقائه بعدم الوفاء " حَقُّ الْمَحْزُونِ مَعْرُوفٌ مِنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ تَرَكَ خَشْيَةَ الْقَدِيرِ.أَمَّا إِخْوَانِي فَقَدْ غَدَرُوا مِثْلَ الْغَدِيرِ. مِثْلَ سَاقِيَةِ الْوُدْيَانِ يَعْبُرُونَ، (أي٦: ١٤-١٥)
ثم تكلم بلدد الشوحي بكلمات قاسية في إصحاح ٨ محاولا إثبات إذا كان أيوب بار لكان الله سمع له ونصفه ، وهذا جعل أيوب يرد في إصحاح ٩ ولم ينتهي الصراع بين ايوب وأصدقاءه ، فدخل الصديق الثالث صوفر النعماتي في إصحاح ١١ واتهم ايوب بانه مهزار وهذا جارح جدا لمسامع أيوب ، فإبتدأ ايوب من جديد يدافع ويتكلم باللوم علي اصدقائه " صَحِيحٌ إِنَّكُمْ أَنْتُمْ شَعْبٌ وَمَعَكُمْ تَمُوتُ الْحِكْمَةُ! (أي ١٢ : ٢) وانتهرهم قائلا " غَيْرَ أَنَّهُ لِي فَهْمٌ مِثْلَكُمْ. لَسْتُ أَنَا دُونَكُمْ. وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِثْلُ هذِهِ؟ (أي ١٢ : ٣) فقد شعر أيوب بأنه سخرية لأصحابه ويحتاج الي الدفاع عن نفسه لإيقافهم " رَجُلا سُخْرَةً لِصَاحِبِهِ صِرْتُ. دَعَا اللهَ فَاسْتَجَابَهُ. سُخْرَةٌ هُوَ الصِّدِّيقُ الْكَامِلُ. (أي ١٢ : ٤) مِن حق من يحيطه اشخاص يسيرون في دائرة الإفتراء لا لوم عليه عندما يدافع بكلمات وردود أفعال ليشفي داخله ولا لوم علي من يظهر الحق ويدافع عن نفسه .
في المعاملات البشرية يمر بالإنسان بعدة إمور وتستجد أحداث ، فيوجد من هو مطمئن اليوم .. وغدا قد يكون في هوان ، فقد كان أيوب مطمئن أمس وفي ليلة وضحاها تغيرت الأوضاع وصار في هوان وبعد فترة من الزمن تغيرت الأحداث وصار في تعويضات الله وبركاته ، المشكلة ليست في الأحداث المتغيرة ولكن في المعتقدات التي تملأ الأذهان والعقول ، التي من خلالها يتم جرح بعضنا البعض فيقول ايوب " لِلْمُبْتَلِي هَوَانٌ فِي أَفْكَارِ الْمُطْمَئِنِّ، مُهَيَّأٌ لِمَنْ زَلَّتْ قَدَمُهُ. (أي ١٢ : ٥) فالمطمئن لا يشعر بالمبتلي ويحكم علي بلائه بحسب الأفكار والمعتقدات الممتليئ بها ، فأصدقاء أيوب ممتلئيين بأفكار ومعتقدات لا تخدم الله ولا تريح الأخرين ، فقد كانوا مطمئنين اما أيوب فقد كان في هوان لذلك لم تتحد أفكارهم مع أفكاره ولم تتناسب كلماتهم مع احواله ، فصاروا متعبين للغاية ، أيضا أيوب كان لديه افكار ومعتقدات ككل جيله ولذلك كلما اشتد الألام كلما أخرج من جعبته كلمات معبرة عن نفسيته المتألمة قد تكون حق مربحة وقد تكون تعبيرات نفسية مُتعبة ، فكان يري الأشرار مستريحين برغم شرهم" خِيَامُ الْمُخَرِّبِينَ مُسْتَرِيحَةٌ، وَالَّذِينَ يُغِيظُونَ الله مُطْمَئِنُّونَ، الَّذِينَ يَأْتُونَ بِإِلهِهِمْ فِي يَدِهِمْ! (أي ١٢ : ٦) هذا المر اختبره أساف فقد رأي أن الأشرار مستريحين أكثر من الأبرار ، ولكن العبرة في الن يثثليذسهاية " لأَنِّي غِرْتُ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ، إِذْ رَأَيْتُ سَلاَمَةَ الأَشْرَارِ.لأَنَّهُ لَيْسَتْ في مَوْتِهِمْ شَدَائِدُ، وَجِسْمُهُمْ سَمِينٌ.حَتَّى دَخَلْتُ مَقَادِسَ اللهِ، وَانْتَبَهْتُ إِلَى آخِرَتِهِمْ.حَقًّا فِي مَزَالِقَ جَعَلْتَهُمْ. أَسْقَطْتَهُمْ إِلَى الْبَوَارِ.أَمَّا أَنَا فَالاقْتِرَابُ إِلَى اللهِ حَسَنٌ لِي. جَعَلْتُ بِالسَّيِّدِ الرَّبِّ مَلْجَإِي، لأُخْبِرَ بِكُلِّ صَنَائِعِكَ. (مز٧٣: ٣-٤، ١٧-١٨، ٢٨) هذا هو حال المفكرين البعيدين عن الفكر الناتج من الإقتراب الي الله ، فعلي المؤمن عدم التسرع بالحكم علي الاحداث وعليه يجب الإقتراب الي حي يدرك حينةذ فليتكلم .
نظر أيوب الي نفسه فوجدها مركز اهتمام الله برغم الألم والضيق ، نظر أيوب الي نفسه من خلال الأفكار الإيجابية فالطيور التي ليس لها مقدرة علي الزرع وةلحصاد الله خالقها ويهتم بها هكذا الله يهتم به واستشهد بالأرض وسمط البحر " فَاسْأَلِ الْبَهَائِمَ فَتُعَلِّمَكَ، وَطُيُورَ السَّمَاءِ فَتُخْبِرَكَ. أَوْ كَلِّمِ الأَرْضَ فَتُعَلِّمَكَ، وَيُحَدِّثَكَ سَمَكُ الْبَحْرِ. (أي ١٢ : ٧ ، ٨) هنا الفكر الذي يجب أن يسبر فيه أيوب ويعلمه لأولاده وللجميع " مَنْ لاَ يَعْلَمُ مِنْ كُلِّ هؤُلاَءِ أَنَّ يَدَ الرَّبِّ صَنَعَتْ هذَا؟ (أي ١٢ : ٩) فبدون هذا المسلك من طريقة التفكير سيأتي كل فكر شرير " أَفَلَيْسَتِ الأُذُنُ تَمْتَحِنُ الأَقْوَالَ، كَمَا أَنَّ الْحَنَكَ يَسْتَطْعِمُ طَعَامَهُ؟ (أي ١٢ : ١١) إدراك أن الله يهتم ما هو إلا باب للراحة والآطمئنان .
٥ - استطعام الكلمات :
جميل ورائع معرفة أيوب عن الله حتي وإن كانت بها بعض المعتقدات التي لا توافق معرفتنا اليوم بالحق الكتابي ، فإيمانه بان الله بيده زمام البشر يدفعه للتسليم لحكمة الله في حياته " الَّذِي بِيَدِهِ نَفَسُ كُلِّ حَيٍّ وَرُوحُ كُلِّ الْبَشَرِ. (أي ١٢ : ١٠) هذا الإيمان يدفع أيوب نحو التسليم للحكمة الإلهية الي أن يعبر الغضب ، إن الام أيوب ليست فقدان الممتلكات فقط بل أيضا فقدانه لمستوي إدراك أصدقائه لإمور الله ومسندته في أزمته ، أما هم فكانت كلماتهم كطعن السيف في حياته ، لذلك ارسل لهم قوله بازه يميز الكلمات المرسلة اليه منهم " أفَلَيْسَتِ الأُذُنُ تَمْتَحِنُ الأقْوَالَ، كَمَا أَنَّ الْحَنَكَ يَسْتَطْعِمُ طَعَامَهُ؟ (أي ١٢ : ١١)
يجب أن نعلم أنه لا يوجد إنسان علي وجه البسيطة لا يستطعم الكلمات ، حتي اللذين قد فقدوا عقولهم يستطعمون الكلمات بطريقتهم ، فقال أيوب أن طول الأيام تزيد الإنسان فهما ومعرفة " عِنْدَ الشَّيْبِ حِكْمَةٌ، وَطُولُ الأيَّامِ فَهْمٌ. (أي ١٢ : ١٢) فلا غرابة في أن تري أشخاص أمس كانوا بعيدينعن المعرفة بمسافات ، والسوم هم حكماء في حدود مناطقهم ، فقد تقابلت مع أشخاص كانوا بسطاء للغاية وعندما كنت أتعامل معهم كنت اتلامس مع مسافات واضحة كفارق بين ترجمة الاحداث والمفاهيم المتبناة في حياتهم ، ولكن بعد فترة من الزمان وجدتهم حكماء جيلهم ، هذا يرجع الي أنهم تبنوا أفكار ، ومع التغيير الحادث في الحياة صاروا مهمين جدا في جيلهم .
بدأ أيوب يُعلن لأصدقائه ما يعرفه عن الله وانه ليس بسيطا بل عميقا في إيمانه ، فإمانه بالله يجعله ينتظر تدخله لانه قدير " عِنْدَهُ الْحِكْمَةُ وَالْقُدْرَةُ. لَهُ الْمَشُورَةُ وَالْفِطْنَةُ. (أي ١٢ : ١٣) ولذلك فالله قادر أن يفعل كل شيئ يهدم ويغلق بقضاءه ويبي بحكمته "هُوَذَا يَهْدِمُ فَلا يُبْنَى. يُغْلِقُ عَلَى إِنْسَانٍ فَلا يُفْتَح (أي ١٢ : ١٤) وكما في قضاءه علي شعب اسرائيل منع المياه عن شعب تلله لمدة ثلاث سنين وستة أشهر هكذا " يَمْنَعُ الْمِيَاهَ فَتَيْبَسُ. يُطْلِقُهَا فَتَقْلِبُ الأَرْضَ. (أي ١٢ : ١٥) ففي خلاصة تلقول عن إيمان أيوب أن لله السلطان المطلق يفعل كما يشاء (أي ١٢ : ١٦ - ٢٢ ) هذا الواقع الإيماني الذي لأيوب عن الله يمنحه إستطاعة لصد كل سهام من الملمات والإهانات فلا يشعر بالإفتراءات وتعبر من حياته بسلاسة غير تاركة في نفسيته رواسب نفسية يحصدها فيما بعد .
-----------------------------------------------------------
الخاتمة
شكرا للرب من أجل إتمام الجزء الثاني من الدراسة في سفر أيوب ، فقد تناولنا في الكتاب الاول دراسة من الإصحاح الأول الي الإصحاح السادس ، وفي هذا الكتاب الثاني تناولنا من الإصحاح السابع الي الثاني عشر ، وايساعدنا الرب لنُكمل باقي الدراسات في سفر أيوب .
في الكتاب الاول تناولنا الفرق بين التجربة والإمتحان ، وهل يوجد ما يسمي بالسماح الالهي ، وغيرها من المواضيع التي يثيرها السفر ، أصلي للرب ان يكون هذا الكتاب سبب بركه وبه تغطية لمعظم المواضيع التي يثيرها السفر بحسب الاصحاحات التي تناولنا مواضيعها
اصلي أيضا من اجل الكتاب الثالث إن تأني الرب ولم يأتي
وليبارككم الرب
-----------------------------------
سفر ايوب
------------------------------------
مع كا مل تحياتي - الي ان نتقابل في الجزء الرابع بمشيىة الرب

تعليقات
إرسال تعليق