دراسة في سفر ايوب كاملا
الطريق المدمر
و
السماح الالهي
للقس
عماد عبد المسيح
عطية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اسم المؤلف : القس / عماد عبد
المسيح عطية
رقم الإداع : 25601/2014
شكر وتقدير
أتقدم بالشكر لكل من
تعب معي في إعداد هذا الكتاب
زوجتي الغالية / الهام
وهيب
لسهرها معي لإخراج
هذا الكتاب
الاخت / لوسي القس جرجس
نظير
لمراجعتها الكتاب لغوياً
الاخت / لورا
لمراجعة اللغة
الانجليزية
أشكر كل من أبدي
اهتمامه وتشجيعي وبالأخص
شعب كنيستي بمنشية
الجبل الاصفر
يشرفني أن أقدم لكم دراسة تحليلية في سفر أيوب ، بعد أن
بذلت مجهود شاق في التفكير لإصدار هذا الكتاب ، لأنه يوجد أفاضل قدموا دراسات
رائعة في سفر أيوب ، وعندما سألت بعض الأشخاص حول رأيهم في كتابة كتاب عن أيوب
وسفره قالوا : " إنه سفر صعب جداً
وبه إمور غامضة ، ويثير أسئلة كثيرة ليست لها إيجابه " من أجل ذلك بعد
تفكير عميق قررت الخوض في دراسة تحليلية في هذا السفر الرائع ، الذي وجدت فيه بعض
الأفكار الغير صحيحة عن الله قدمها أصحاب أيوب " فَلَمَّا سَمِعَ
أَصْحَابُ أَيُّوبَ الثَّلاَثَةُ بِكُلِّ الشَّرِّ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ،
جَاءُوا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَكَانِهِ: أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ
الشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ، وَتَوَاعَدُوا أَنْ يَأْتُوا لِيَرْثُوا
لَهُ وَيُعَزُّوهُ. " فكانت كلماتهم للمرارة في حياة أيوب
، وبها من الأفكار السلبية نحو الله ، فكان لابد من أن أدرس هذا السفر دراسة
تحليلية لأستطيع أن إبراز كل ما هو ليس بحق كتابي أو الهي ، والإجابة عن السؤال
الهام ، هل ما حدث لأيوب سماح الهي ؟ أم ماذا ؟ ! .
انه
سفر يتمتع بمواضيع رائعة وشيقة ، وغني بالتعاليم الكثيرة ، لذلك رأيت أن أخوض هذه التجربة
، لفائدتي ، وفائدة القارئ العزيز ، سفر أيوب من ضمن الأسفار الشعرية ، به كلمات قيلت من
خلال شخصيات لها مفاهيم خاطئة سمح بها الوحي لنستطيع أن ندرك ونفهم ونتعظ كي لا
نخطئ كما أخطئوا ، لأنهم أخطئوا في أرائهم ، وصححها الرب ، فهذه الكلمات لا تعبر
إلا عن الرأي الشخصي لأصحابها ، فقد دونت لحكمة من الله ، وهذا طبعاً لفائدتنا .
في هذا الكتاب سنري كيف أنه يوجد حوارات تتم بين الله
وإبليس في عالم الروح ، وهل نستطيع نحن اليوم أن نشعر بها أو ندركها لننجوا من
مختطات إبليس الذي يريد أن يدمرنا ؟ ، وهل ما حدث بين إبليس وأيوب يمكن أن يتكرر
مرة أخري لأولاد الله في العهد الجديد ؟ .
أعلم جيداً أنها أسئلة شديدة الأهمية وشائكة وقد يختلف
في إجابتها الكثيرون ، ولكنني بنعمة الله سأجيب لا لأني صاحب فهم مختلف عن الآخرين
، بل لأنني مثقل من الله لأجيب عن هذه المواضيع ومواضيع أخري ، لذلك أطلب من
القارئ العزيز أن يصلي من أجل أن يكون هذا الكتاب سبب بركة له ولكل من يقرأه .
في هذا الكتاب لن نفسر السفر أية أية
ولكني أردت أن ندرس معا الإصحاحات الست الأولي ونستخرج ما بها من أفكار ومعاني
لنحلل ما حدث لأيوب ولماذا ، فهل التجربة التي حدثت لأيوب هي بسماح من الله أم
ماذا ـ ولماذا ؟ فإن نال الاعجاب فسوف نكمل كتابة باقي الاصحاحات تباعاً لذلك
راسلني علي
القس
عماد
عبد المسيح
تمهيد
تبدأ الحياة في
أسرة متواضعة جداً تتكون من أبٍ و أم و سبعة بنين وثلاث بنات ، يوجد بينهم ترابط
قوي جداً ، تعلموا الأولاد من أبيهم كيفية الترابط والوحدة والتماسك والتواصل
بعضهم ببعض فكانوا يجتمعون معا بصفة دورية عند كل واحد بحسب ترتيبهم من الكبير إلي
الصغير ، ولم يتجاهلوا بعضهم بعض ، حتى إخوتهم البنات كانوا يجتمعون معهم في بيت
الأخ الأكبر ، يأكلون الطعام معاً ويشربون " وَكَانَ بَنُوهُ يَذْهَبُونَ
وَيَعْمَلُونَ وَلِيمَةً فِي بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي يَوْمِهِ،
وَيُرْسِلُونَ وَيَسْتَدْعُونَ أَخَوَاتِهِمِ الثَّلاَثَ لِيَأْكُلْنَ
وَيَشْرَبْنَ مَعَهُمْ. " ( أي ١ : ٤ (
أما عن الأب كان
دائماً يقدم ذبائح عن أولاده حتى لا يحمي غضب الله عليهم عندما يخطئون ، خوفاً
عليهم من أن يقتحمهم الله فيموتون " وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ
الْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ
وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ:
" رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي
قُلُوبِهِمْ". هكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّامِ. " ( أي ١ :
٥ (
كان أيوب يقف بجانب
المساكين والمجربين يسندهم ويعزيهم لحين انتهاء وقت التجربة أو الألم ، فكانت
عطاياه كثيرة لكثيرين من المحتاجين " هَا أَنْتَ قَدْ أَرْشَدْتَ
كَثِيرِينَ، وَشَدَّدْتَ أَيَادِيَ مُرْتَخِيَةً " ( أي ٤ : ٣ (
كان لأيوب علاقة قوية باله السماء فكان يعلم أن بيده كل شيء وأن الله
مسيج حوله لسبب كماله وحيدانه عن الشر . و... وبدون علم
أيوب حاول إبليس أن يقتحم حياة أيوب فذهب لإله السماء ليشتكي عليه ، فرأة الله
فقال له " فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: "مِنَ أَيْنَ
جِئْتَ؟". فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: "مِنْ الْجَوَلاَنِ
فِي الأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا". ( أي ١ : ٧ ) ففي وسط جولانه
حاول اقتحام حياة أيوب ولم يستطع ، لأن سياج الله علي حياته كان عظيماً ، من اجل
هذا قال إبليس لله " فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: "هَلْ
مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟ أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ
بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ
يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ. وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ
وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ". (
أي ١ : ٩ - ١١ (
* رفع الحصانة:
موضوع رفع السياج
من حياة أيوب من المواضيع الشائكة التي حيرتني كثيراً، والسؤال الذي كان سبب حيرة
لي هو: لماذا رُفع السياج ؟ وقد شهد عنه الرب أنه " هَلْ جَعَلْتَ
قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ
كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ". "
( أي ١ : ٨ ) فشهادة الرب عن أيوب تعلن أن إبليس لا يستطيع أن يقترب لأيوب لسببين
، الأول الكمال والثاني السياج ، إذا فلماذا رفع السياج ؟
من خلال البحث في
كلمة الله وجدت أن السياج الإلهي يرتبط بنظام العهد " سننفرد بفصل كامل لهذا
الموضوع " ويرتبط أيضاً بمستوي السلوك وحفظ القوانين ، فكسر القوانين الروحية
والطبيعية يخرج الإنسان خارج نظام السياج الإلهي ، فخرج أيوب من نظام السياج لأنه
كسر قانون الثقة في الله وخاف خوفاً شديداً " لأَنِّي ارْتِعَابًا
ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي
فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ. " ( أي ٣ : ٢٥ ) فالرعب والفزع والخوف
دوائر شيطانية عندما يوجد داخلها الإنسان يعطي حق لإبليس للشكاية ورفع الحماية
ليحقق خوف الإنسان ، من أجل ذلك كانت كلمة الله لنا بعدم الخوف وقد قال الرب
لإرميا النبي "أَمَّا أَنْتَ فَنَطِّقْ حَقْوَيْكَ وَقُمْ وَكَلِّمْهُمْ
بِكُلِّ مَا آمُرُكَ بِهِ. لاَ تَرْتَعْ مِنْ وُجُوهِهِمْ لِئَلاَّ أُرِيعَكَ
أَمَامَهُمْ " ( ار ١ : ١٧ ) فالخوف يعطي فرصة لإبليس بالتحرك إن أستهدف
إبليس هذا الخائف ، فليس كل الخائفين مستهدفين من إبليس ، فهو يستهدف كل مؤمن يمثل
خطراً زريعاً علي مملكته
* إبليس رجل حرب وسياسة من الدرجة الأولي :
استطاع إبليس بكل
مهارة أن يشن حرب شديدة وماهرة علي حياة أيوب فابتدأ يدمر الثروة الداخلية لأيوب
من الأتن والبقر " أَنَّ رَسُولاً جَاءَ إِلَى أَيُّوبَ وَقَالَ:
"الْبَقَرُ كَانَتْ تَحْرُثُ، وَالأُتُنُ تَرْعَى بِجَانِبِهَا، فَسَقَطَ
عَلَيْهَا السَّبَئِيُّونَ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ
السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ". " ( أي ١ : ١٤ ،
١٥ ) ثم ثروة الكساء والغذاء الممثلة في الغنم " وَبَيْنَمَا هُوَ
يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: "نَارُ اللهِ سَقَطَتْ مِنَ
السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ، وَنَجَوْتُ
أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ". ( أي ١ : ١٦ ) ثم الثروة الخارجية الممثلة
في الجمال " وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: "الْكَلْدَانِيُّونَ
عَيَّنُوا ثَلاَثَ فِرَق، فَهَجَمُوا عَلَى الْجِمَالِ
وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا
وَحْدِي لأُخْبِرَكَ". ( أي ١ : ١٧ ) إبليس أغلق علي أيوب من كل الاتجاهات ، هذا
بالإضافة لفقدانه كل الأيدي العاملة الممثلة في الغلمان ، ثم تحول ليدمر الكيان
الأسري المترابط ، فقتل الأولاد ، السبع بنين والثلاث بنات " وَبَيْنَمَا هُوَ
يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: "بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا
يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ، وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ
الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَعَ، فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ
فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ". ( أي ١ : ١٨ - ١٩ )
لم يكتفي إبليس بهذا ، فقد ذهب في اتجاه الصحة ودمرها أيضاً ، فلم يتبقي لأيوب إلا
زوجته التي انتهرته وقدمت له دعوة للانتحار " فَقَالَتْ
لَهُ امْرَأَتُهُ: "أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ؟ بَارِكِ اللهِ
وَمُتْ!". ( أيوب ٢ : ٩ ) أي " العن الله ومت " لم يكتفي إبليس بهذا فقد أرسل له أصدقائه ليعزوه ،
فلم يعزوه بل زادوا التعب تعب والألم ألم ، فقال لهم " "قَدْ
سَمِعْتُ كَثِيرًا مِثْلَ هذَا. مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ! " (
أي ١٦ : ٢ ) من كل هذا أراد إبليس أن يدفع أيوب ليتفوه بكلمات ضد الله ، ويلعن
ألهه " كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ وَلَمْ يَنْسِبْ للهِ جِهَالَةً
" ( أي ١ : ٢٢ ( كل هذه الأحداث
المتعاقبة كانت شديدة وقاسية علي أيوب ، وظل متمسك بكماله ، فيدل هذا علي عمق
الفهم الروحي عن الله ، لذلك استطاع أن يحتمل ويصبر صبراً جميلاً .
في الفصول القادمة
سندرس معا بعض المفاهيم المغلوطة التي كانت في فكر أيوب وأصدقائه ، وتصحيحها في
ضوء العهد الجديد ، فالأفكار التي كانت لديهم بعضها من إبليس والبعض الأخر من
التقليد والعادات الموروثة ، من أجل ذلك رأيت توجيه الضوء علي البعض منها ، هذا
بجانب المفاهيم القوية التي تبناها أيوب في حياته ، أصلي أن يكون هذا الكتاب سبب
بركة لكل من يقرأه .
الفصل الأول
أيوب ومستوي الكمال
|
كَانَ
رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ كَامِلاً
وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. ٢ وَوُلِدَ
لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ. 3 وَكَانَتْ مَوَاشِيهِ
سَبْعَةَ آلاَفٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَثَلاَثَةَ آلاَفِ جَمَل، وَخَمْسَ مِئَةِ
فَدَّانِ بَقَرٍ ، وَخَمْسَ مِئَةِ أَتَانٍ، وَخَدَمُهُ كَثِيرِينَ جِدًّا.
فَكَانَ هذَا الرَّجُلُ أَعْظَمَ كُلِّ بَنِي الْمَشْرِقِ. أي 1 : 1 ـ 3 |
أيوب رجل
من رجال الله العظماء في المستوي الروحي والاجتماعي وله ثقل روحي في عالم الروح ،
وهذا ما جعل إبليس يقدم شكوى ليجربه كي لا يستطيع أن يكون في دائرة القصد الإلهي
والمشيئة الإلهية ، فمعظم حروب إبليس يكون الهدف منها إرباك المؤمن والانشغال
بأحداث بعيدة عن المقاصد الإلهية ليكسب وقت فيه يستطيع أن يضل كثيرين من شعب الله
، ويعيق الخدمات الروحية للبعض ، ولسبب
غياب الوعي الروحي والفهم الكتابي العميق لدي بعض النفوس ، تثار أفكار وتُخلق
أسئلة ليست لها إيجابه لدي سائلها ، وإن لم يبحث عن إيجابه يستمر في حيرته هذه .
معني اسم أيوب
" الراجع إلى الله أو التائب " وهو شخصية
حقيقية وليست خيالية ، والدليل أن حزقيال النبي
أورد اسمه مع نوح ودانيال " يَا ابْنَ آدَمَ، إِنْ أَخْطَأَتْ إِلَيَّ
أَرْضٌ وَخَانَتْ خِيَانَةً، فَمَدَدْتُ يَدِي عَلَيْهَا وَكَسَرْتُ لَهَا قِوَامَ
الْخُبْزِ، وَأَرْسَلْتُ عَلَيْهَا الْجُوعَ، وَقَطَعْتُ مِنْهَا الإِنْسَانَ
وَالْحَيَوَانَ، وَكَانَ فِيهَا هؤُلاَءِ
الرِّجَالُ الثَّلاَثَةُ: نُوحٌ وَدَانِيآلُ وَأَيُّوبُ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا
يُخَلِّصُونَ أَنْفُسَهُمْ بِبِرِّهِمْ، ...... " (حز ١٤: ١٣ ـ ١٤ ) فيبدو
أن أيوب عاش في زمن الآباء الأولين وبالأخص من زمن إبراهيم إلي يعقوب أبو الأسباط
كما يتضح مما يلي : استخدم نفس لقب الله " القدير " كما استخدمه
إبراهيم عندما أعلن له " وَلَمَّا كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ تِسْعٍ
وَتِسْعِينَ سَنَةً ظَهَرَ الرَّبُّ
لأَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: «أَنَا اللهُ
الْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً، " ( تك 17 : 1 ) قارن "«أَإِلَى
عُمْقِ اللهِ تَتَّصِلُ، أَمْ إِلَى نِهَايَةِ الْقَدِيرِ تَنْتَهِي؟
" (أي 11 : 7 )
أشار
إلي حادثة الطوفان فهذا دليل انه جاء بعد الجيل الذي غمرته المياه (أيوب
22: 15، 16) " هَلْ تَحْفَظُ طَرِيقَ الْقِدَمِ الَّذِي دَاسَهُ رِجَالُ
الإِثْمِ،١٦ الَّذِينَ قُبِضَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْوَقْتِ؟ الْغَمْرُ انْصَبَّ
عَلَى أَسَاسِهِمِ. " كما جاء في ( تك 7 : 11 ) " فِي سَنَةِ
سِتِّ مِئَةٍ مِنْ حَيَاةِ نُوحٍ، فِي الشَّهْرِ الثَّانِى، فِي الْيَوْمِ
السَّابعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ فِي ذلِكَ اليَوْمِ، انْفَجَرَتْ كُلُّ
يَنَابِيعِ الْغَمْرِ الْعَظِيمِ، وَانْفَتَحَتْ طَاقَاتُ السَّمَاءِ. "
قدم نفس أنواع الذبائح " المحرقات " التي كانت تقدم أيام الآباء الأولين
إبراهيم واسحق ويعقوب " وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ،
أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ وَأَصْعَدَ
مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: «رُبَّمَا
أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ». هكَذَا كَانَ
أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّامِ. " ( أي 1 : 5 ) وأيضاً "
وَالآنَ فَخُذُوا لأَنْفُسِكُمْ سَبْعَةَ ثِيرَانٍ وَسَبْعَةَ كِبَاشٍ وَاذْهَبُوا
إِلَى عَبْدِي أَيُّوبَ، وَأَصْعِدُوا مُحْرَقَةً لأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ، وَعَبْدِي
أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، لأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلاَّ أَصْنَعَ
مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ، لأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ
كَعَبْدِي أَيُّوبَ»." ( أي 42 : 8 ) قارن " وَبَنَى نُوحٌ
مَذْبَحًا لِلرَّبِّ. وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَمِنْ كُلِّ
الطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى الْمَذْبَحِ،" (
تك 8 : 20 ) " فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ
وَرَاءَهُ مُمْسَكًا فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ
الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضًا عَنِ ابْنِهِ " ( تك 22 : 13
)
لا توجد أي إشارة إلى ناموس
موسى. أو الكهنوت اللاوي الذي لم يكن قد أعطى بعد. بل ولا توجد أية إشارة إلى أمة
إسرائيل. لأنها لم تكن قد تكونت في عصر أيوب. بل بعده بحوالي أربعمائة سنة
تقريباً.
هدف
قصة أيوب :
"
كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ
كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ." ، كان رجلا ساميا
عالي المبادئ وشخصية رفيعة المستوي لم يتكلم أيوب عن خلقه الرفيع إلا حين رماه
أصحابه بعكس ما كان له من مبادئ. وما كان يعرفه هو عن نفسه ، غضب أيوب علي أصحابه
لأنهم إستذنبوه " وَعَلَى أَصْحَابِهِ الثَّلاَثَةِ حَمِيَ غَضَبُهُ،
لأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا جَوَابًا وَاسْتَذْنَبُوا أَيُّوبَ.( أي 32 : 3 )
" ولكن اليهو اتهم أيوب أنه حسب نفسه "أبر من الله" ( أي 35
: 2 ) تلك كانت العلة في قلب أيوب حسب رأي اليهو صديق أيوب ، والله أراد أن يبرئه
منها وكان علاجها في التجربة التي لم يأتي بها الله علي أيوب لآن الله لا يجرب احد
بالشرور " لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: «إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ
قِبَلِ اللهِ»، لأَنَّ اللهَ
غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا. " ( يع 1 : 13 ) ولكن وجد إبليس فرصة
ليدخل في حياة أيوب بتجربة مريرة كهذه ، لقد فتح أيوب ثغرة في حياته بسبب
خوفه وعدم أيمانه بأن الله لا يحميه فأدى ذلك بدخول إبليس ، فقد كان في داخله
خوف من أن يخسر كل شئ فخسر كل شئ ، لذلك قال : " لأَنِّي ارْتِعَابًا
ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ. " (
أي 3 : 25 ) لكن عندما تاب أيوب قال : " قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ
تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ." ( أي 42 : 2 ) فقد عاني أيوب من تجربة
مريرة تبدأ بشكاية إبليس علي أيوب ، التي من خلالها قتل أولاده ونهب ممتلكاته وسلب
صحته ولكن تمسك أيوب بكماله ولم ينسب لله جهالة ، وبعد مدة من الزمان بعدما تعلم
ما أراد الله أن يعلمه إياه، رد الله لأيوب أضعاف كل ما خسره.
الله
يحول كل شئ لخيرنا ، فقد حول شكاية وفخ وتجربة إبليس لأيوب لخير أيوب ، فقد تعلم
ما لم يتعلمه في حياته ، تعلم أن الله يستطيع أن يحميه ، وان رؤية الله في الظروف
والحياة أهم بكثير من السماع عن الله بالأذن ، حاول إبليس أن ينزع بالتجربة الكمال
الداخلي لأيوب ، ولكن من خلال التجربة زادت المبادئ مبادئ وزاد الكمال كمالاً .
لم
تكن التجربة من الله ، ولم تكن بسماح من الله لأنه عندما يسمح الله بمستوي شر
لأيوب ، فقد أشترك مع إبليس في التجربة " اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ
بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا " فالتجربة والسماح الإلهي
لهما المصادر الكتابية التي يجب أن ندرسهما معا ، وسنخصص لهما فصل كامل ، لذلك
استمر في قرأه هذا الكتاب لأننا سنفند هذا الموضوع وندرسه بكل دقة وعناية كاملة .
كان أيوب من أرض عوص " كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ " ( أي 1 : 1 ) عوص
: ابن أرام وحفيد سام بن نوح، وإليه تنتسب
قبيلة الآراميين " وَبَنُو أَرَامَ: عُوصُ وَحُولُ وَجَاثَرُ وَمَاشُ?. ( تك10 : 23 ) بَنُو سَامَ: عِيلاَمُ وَأَشُّورُ وَأَرْفَكْشَادُ وَلُودُ وَأَرَامُ وَعُوصُ
وَحُولُ وَجَاثَرُ ( 1أخ 1 : 17 ) فكان أيوب من ارض عوص ، من
المحتمل أنها كانت تقع في الجنوب الشرقي لفلسطين تجاه الصحراء العربية
شهد
له الله بكماله : " وَكَانَ
هذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ.
" ( أي 1 : 1 ) وكما في ( حز 14 : 14 و20 ) " وَكَانَ فِيهَا
هؤُلاَءِ الرِّجَالُ الثَّلاَثَةُ:
نُوحٌ وَدَانِيآلُ وَأَيُّوبُ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يُخَلِّصُونَ أَنْفُسَهُمْ
بِبِرِّهِمْ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ.
وَفِي وَسْطِهَا نُوحٌ وَدَانِيآلُ وَأَيُّوبُ، فَحَيٌّ
أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِنَّهُمْ لاَ يُخَلِّصُونَ ابْنًا وَلاَ
ابْنَةً. إِنَّمَا يُخَلِّصُونَ أَنْفُسَهُمْ بِبِرِّهِمْ. " وكما في ( يع 5 : 11 ) " هَا
نَحْنُ نُطَوِّبُ الصَّابِرِينَ. قَدْ
سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ
وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ. لأَنَّ الرَّبَّ
كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَرَؤُوفٌ. "
الكمال
الذي يريده الرب لأولاده المؤمنين يسير حسب الفكر الإلهي ، فنموذج وقالب الكمال
رسمه الله من خلال كلمته المقدسة ، فالكامل هو الله ، والنموذج كلمة الله ، فمن
يتمسك بكلمة الله فقد وضع نفسه في طريق الكمال ، فرغم انه في أيام أيوب لم يكن
كتاب مقدس أو توراة ، لكن كان يوجد معاملات إلهية مع أفراد وأشخاص مثل نوح وأيوب
وإبراهيم ويعقوب وإسحق ، فكان يتكلم إليهم الله من خلال الطبيعة والملائكة وبعض
الظهورات للابن المبارك ، لذلك يقول أيوب " بِخَطَوَاتِهِ اسْتَمْسَكَتْ
رِجْلِي. حَفِظْتُ طَرِيقَهُ
وَلَمْ أَحِدْ. مِنْ وَصِيَّةِ
شَفَتَيْهِ لَمْ أَبْرَحْ. أَكْثَرَ مِنْ
فَرِيضَتِي ذَخَرْتُ كَلاَمَ فِيهِ. " ( أي 23 : 11 ، 12 ) فحفظ كلام الله
يعطي للإنسان فرصة ليكون رجلاً كاملاً ، هذا ما شهد به الله عن أيوب وعن نوح
" هذِهِ مَوَالِيدُ نُوحٍ: كَانَ نُوحٌ رَجُلاً
بَارًّا كَامِلاً فِي أَجْيَالِهِ.
وَسَارَ نُوحٌ مَعَ اللهِ." ( تك 6 : 9 ) وهذا هو طلب الله من
إبراهيم أن يسير أمام الله ويكون كاملاً : " وَلَمَّا كَانَ أَبْرَامُ
ابْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ
سَنَةً ظَهَرَ الرَّبُّ لإبرام وَقَالَ لَهُ: «أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ.
سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً،" ( تك 17 : 1 )
لله مطلب من كل بني البشر أن يكونوا كاملين ، والكمال في المنظور البشري كمال ناقص
لا يرضي قلب الله ، أما الكمال الكتابي ( المعلن في كلمة الله ) يرضي قلب الله ،
فأعطي لنا وصياه لتكون مقياس الكمال وأعطي لنا مثال نتبع أثار خطواته في شخص ربنا
ومخلصنا يسوع المسيح ، فهو الكامل الذي عاش بيننا ، فهو الذي تحدي الجميع قائلاً :
" مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ ... " ( يو 8 : 46 ) والسير في كمال الحق الكتابي يمنح
المؤمن درجات من السياج الإلهي ، فلا يستطيع إبليس أن يقتحم حيات المؤمن ، فلم
يستطيع أن يقتحم المسيح في التجربة علي الجبل لأن إجابة المسيح كانت من المكتوب ،
وهكذا أيوب كن يتمتع بالحصانة والسياج بالقدر الذي يحبط كل محاولة من إبليس
لاقتحام أيوب .
الكمال
يتطلب السير بحسب كلمة الله : لا يوجد كمال
بدون قوانين ترسم ملامحه ، فقد وضع الله القوانين الإلهية لمن يبتغي الكمال "
طُوبَى لِلْكَامِلِينَ طَرِيقًا، السَّالِكِينَ فِي شَرِيعَةِ الرَّبِّ. " ( مز 119 : 1 ) فالسالك بالكمال
يستطيع أن يتمتع باستجابة صلواته كما حدث مع حزقيا الملك عندما أتي إليه ناثان
النبي معلنا له انه سيموت في ميعاد محدد ، وعليه أن يستدعي أهله وأقربائه لتوديعهم
، فصرخ أمام الرب فاستجاب له وأمد في عمره خمسة عشر سنة " آهِ يَا رَبُّ، اذْكُرْ كَيْفَ سِرْتُ أَمَامَكَ
بِالأَمَانَةِ وَبِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَفَعَلْتُ الْحَسَنَ فِي عَيْنَيْكَ».
وَبَكَى حَزَقِيَّا بُكَاءً عَظِيمًا." (2مل 20 : 3 )
فالمستقيمين والكاملين لهم بركة الامتلاك والاستقرار فهم "
يسكنون الأرض " ( أم 2 : 21 )
الكمال
غاية إلهية لأولاد الله : الطلبة الأساسية التي
طلبها الرب من تلاميذه أن يكونوا كاملين "
فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي
السَّمَاوَاتِ هُوَ
كَامِلٌ." ( مت 5 : 48 ) فالسعي نحو الكمال ليس
بالأمر الصعب والمستحيل ، لآن كلمة الله لنا وبين أيدينا ، وللإنسان عقل يستطيع أن
يقبل ويرفض كيفما يريد ، إما أن يجعل قوانين الله ومبادئه هي المتحكمة في قراراته
، وإما أن يعيش حسب أهوائه وملذاته ، فالكلمات التي يقولها البعض مثل: " لا
أستطيع .. أو .. لا أقدر .. أو .. لا اعرف " ما هي إلا عبارات معلقة في
أرفف داخل دولاب الأرواح الشيطانية لتعطيل النفس في السير نحو الكمال من خلال كلمة
الله الحية ، فهي تخزن داخل النفس البشرية أيضاً فيستطيع إبليس أن يستخدمها
ويحققها ، ويستدعي منها ما يشاء لأنها مخزنة ، لذلك أناشد كل مؤمن أن يبتعد عن
الكلمات السلبية التي تتبناها النفس البشرية وتكون أداة قوية في يد إبليس ، فيحقق
منها ما يشاء ويترك منها ما يشاء لوقت الاحتياج .
الكمال
في الفكر الواحد : الفكر الواحد يجمعنا
من خلال الإيمان بالمبادئ الكتابية وليس الصراع علي المناصب والكراسي سواء في
المجتمع أو الكنيسة ، فمن يختلف علي مبادئ كلمة الله عندما تقول : " لا
تزني " " لا تشتم " " لا تقتل "
" لا تحلف " " حب قريبك كنفسك " " أكرم
أباك وأمك .. " ...الخ. فمبادئ الله هي التي تجمع أولاد الله معاً
، والحيدان عنها تفرقهم ، فمن يحب نفسه فقط ولا يحب قريبه كنفسه فهو يفرق بينه
وبين أخيه أو قريبه ، فكلمة الله تجمعنا ومبادئه توحدنا ، وهذه طلبة الرسول بولس
من كنيسة كورنثوس " وَلكِنَّنِي أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ،
بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ،
أَنْ تَقُولُوا جَمِيعُكُمْ قَوْلاً وَاحِدًا، وَلاَ يَكُونَ بَيْنَكُمُ
انْشِقَاقَاتٌ، بَلْ كُونُوا كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ،
" ( 1كو 1 : 10 ) يعلم إبليس جيدا أن الكنيسة لا تنمو وسط جيل غير كامل كمال
بحسب قلب الله ، لذلك يحاول بكل جهد ونشاط نشر البذور النفسية و الذاتية ،
فيتعاملون بعضهم مع بعض بنفسية غير سوية ، والتمركز حول الذات ، فينجح في التفرقة
، فقد استطاع أن يبعد أنظار المؤمنين عن المبادئ الكتابية التي يجب أن يعيشون بها
ولأجلها ، فهدف الله من المؤمنين أن يكونوا كاملين ، فالله لا يريدنا أطفالاً في
أذهاننا بل أطفالا في الشر " أَيُّهَا الإِخْوَةُ، لاَ تَكُونُوا
أَوْلاَدًا فِي أَذْهَانِكُمْ، بَلْ كُونُوا
أَوْلاَدًا فِي الشَّرِّ، وَأَمَّا فِي
الأَذْهَانِ فَكُونُوا كَامِلِينَ. " ( 1كو 14 : 20 ) كي نكون أطفالا في
الشر علينا أن ننظر إلي تصرفات الأطفال بعضهم مع بعض ، فأي خلاف بينهم لا يستمر
أكثر من خمسة آو عشرة دقائق ، فتجدهم يمرحون معا ويلعبون بكل سعادة وبساطة قلب
وبكل الحب ، وهذا ما يريدنا الله أن نفعله " وَعَلَى جَمِيعِ هذِهِ
الْبَسُوا الْمَحَبَّةَ الَّتِي هِيَ رِبَاطُ الْكَمَالِ. " ( كو 3 : 14 )
الارتباط
العائلي درجة من درجات الكمال : " وَكَانَ
بَنُوهُ يَذْهَبُونَ وَيَعْمَلُونَ وَلِيمَةً فِي بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ
فِي يَوْمِهِ، وَيُرْسِلُونَ وَيَسْتَدْعُونَ أَخَوَاتِهِمِ الثَّلاَثَ
لِيَأْكُلْنَ وَيَشْرَبْنَ مَعَهُمْ. " ( أي 1 : 4 )
ارتباط
عائلي رائع جدا نادر الوجود في هذا الزمان السريع المتقلب ، فالبنون الفاهمون
إرادة أبيهم قليلون فقد قال عنهم الرب " هُوَذَا الْبَنُونَ مِيرَاثٌ مِنْ
عِنْدِ الرَّبِّ،
ثَمَرَةُ الْبَطْنِ أُجْرَةٌ. ٤كَسِهَامٍ
بِيَدِ جَبَّارٍ، هكَذَا أَبْنَاءُ الشَّبِيبَةِ. ٥طُوبَى لِلَّذِي مَلأَ جَعْبَتَهُ مِنْهُمْ.
لاَ يَخْزَوْنَ بَلْ يُكَلِّمُونَ الأَعْدَاءَ فِي الْبَابِ." ( مز 127 : 3 ـ 5 ) هكذا كانوا أولاد
أيوب بالنسبة له فهم له ميراث ، فهم عزوته ، ومثل غروس الزيتون حول مائدته ( مز
128 : 3 ) ما فعلوه أولاد أيوب يعطي فهم رائع
لـ :
الترابط والوحدة : هذا ما يريده الله من المؤمنين " هُوَذَا
مَا أَحْسَنَ وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَسْكُنَ الإِخْوَةُ مَعًا! " ( مز 133 : 1 ) هدف رائع أن يتحدوا المؤمنين معا ويكون لهم
شركة روحية واجتماعية فيها يكسرون خبزا ويأكلون معا ويترنمون ويسبحون الله وتظهر
المحبة بعضهم نحو بعض " لِتَثْبُتِ الْمَحَبَّةُ الأَخَوِيَّةُ. " ( عب 13 : 1
) إن حياة الانعزالية تضعف المحبة تجاه الآخرين ، أما حياة الشركة والعطاء تزيد
المحبة وتظهرها ، كانت السمة الأساسية التي تظهر أولاد أيوب عن غيرهم هو الارتباط
والترابط بعضهم نحو بعض ، وأيضا ما يظهر أولاد الله عن الآخرين هي المحبة بعضنا
تجاه بعض ، فقد كانت وصية الرب لتلاميذه " وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا
أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا
تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ
تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ. " ( يو 13 : 34 ، 35 ) هذا الحب وهذا الترابط يعطي فرصة
للروح القدس كي يعمل وسط أولاده ، فعندما كانوا التلاميذ بنفس واحدة حل الروح
القدس عليهم " وَلَمَّا حَضَرَ
يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ،
وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ،
وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ
أَنْ يَنْطِقُوا." ( أع 2 : 1 ، 4 )
فلم يقتصر الأمر علي يوم الخمسين فقط بل صار كل يوم " وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ
فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ
الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِابْتِهَاجٍ
وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ، " ( أع 1 : 46 )
فالكنيسة الناجحة هي التي تجمع أعضائها كإخوة معا يدرسون الكلمة ويواظبون علي أن
يكون كل شئ بينهم مشتركا " وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ
وَاحِدٌ
وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ
أَمْوَالِهِ
لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا. " ( أع 4 : 32 ) فروح الوحدة والترابط يعطي
نمو وبنيان للكنيسة .
سواء
كنت أخ في أسرة أو في كنيسة أو جماعة مؤمنين ، ما عليك إلا أن تسعي لروح الوحدانية
فتعيش كنيسة حقيقية لها روح المسيح ، هذه هي الوصية التي قالها الرسول بولس لأهل
أفسس " مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ
الرُّوحِ
بِرِبَاطِ السَّلاَمِ. " ( أف 4 : 3 ) ولكي نحفظ وحدانية الروح إثناء اجتماعنا
وارتباطنا بعضنا ببعض علينا أن نراعي هذه الرباعية : طهارة النفس وطاعة الحق
وعدم الرياء وان يكون لنا قلب طاهر " طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي
طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ
الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ. " ( 1بط 1 :
22 ) إن أهملنا رباعية المحبة الأخوية فسنخسر الكثير والكثير فطهارة النفس تجاه
الآخرين تلزمنا باحترام الأخر وعدم استغلاله ، وطاعة الحق تلزمنا أن نسير في كمال
الله بعضنا نحو بعض ، وعدم الرياء يجعلنا واضحين ولا خوف من التعامل بعضنا مع بعض
، والقلب الطاهر يزيد المحبة الأخوية التي بلا أغراض داخلية غير واضحة ، وأقول مع
الرسول بطرس : " وَالنِّهَايَةُ، كُونُوا جَمِيعًا مُتَّحِدِي
الرَّأْيِ
بِحِسٍّ وَاحِدٍ، ذَوِي مَحَبَّةٍ أَخَوِيَّةٍ، مُشْفِقِينَ، لُطَفَاءَ، " ( 1بط 3 : 8 )
فلنبدأ ولنكون متحدي الرأي ولطفاء.
الكمال
في حياة المؤمن يجعله مدعم روحيا من الله بالحماية الالهية ، نعم احبائي لنا
الكمال في المسيح ، وهذا الكمال يمنحنا الحق في سياج الله لكل مؤمن ، ولكن إن لم
نعيش في مخافة الله ( الكمال في جانب السلوك ) سنكون عرضة لرفع السياج إن اشتكي
ابليس علي حياتنا ، من اجل هذا اطلب من قارئي العزيز أن يكون دقيقا في معرفته
الكتابية التي تفتح له افاق روحية ومستويات من السلوك التي تجعله في حماية وسياج
ودعم روحي غير عادي .
الفصل الثاني
أيوب ومستوي الكهنوت
|
وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ
الْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ
وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ:
«رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ». هكَذَا
كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّامِ. أي 1 : 5 |
يقف أيوب في دائرة الكمال من خلال ما قدمناه في الفصل
السابق ، وهذا يقودنا إلي مستوي جديد من المستويات الروحية التي لأيوب الذي كان له
علاقة قوية بإله السماء ، كما كان إبراهيم واسحق ويعقوب ، فقد كان يريد أيوب أن
يرضي الله بكل الطرق الممكنة التي تعلمها أو عرفها فما كان يفعله أيوب من كهنوت
فقد كان كهنوت العائلات ، لذلك أريد أن أدعوا القارئ العزيز لدراسة الكهنوت
ومراحله الأربعة ، لمعرفة المرحلة التي كانت لأيوب ، وفي أي مرحلة نحن ؟ .
الكهنوت في مراحله الأربع
ابتداء
من آدم نري أنه كان قديماً قبل النظام الموسوي ( قبل موسى النبي ) كان كل الأفراد
يقدمون الذبائح عن أنفسهم " و قدم هابيل أيضا من أبكار غنمه و من سمانها
فنظر الرب إلى هابيل و قربانه " ( تك 4 : 4 ) ، وعندما جاء المسيح الذي
هو آدم الأخير أيضاً جعل كل من يؤمن به يستطيع أن يقدم ذبائح ترفع باسم المسيح
رئيس كهنتنا . " فاطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم
ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية " (رومية 12: 1) أما ما
كان يفعله أيوب يدرج في دائرة الكهنوت العائلي دون أن يدرك هذا ، فقد كان يفعل كل
الأيام ، هيا ندرس معا مراحل الكهنوت الأربعة في كلمة الله .
1 ـ من أدم إلي إبراهيم :
كان كل فرد مسئول عن أن يقدم ذبيحة لنفسه
وعن نفسه فقدم هابيل وقايين ذبائح
" و قدم هابيل أيضا من
أبكار غنمه و من سمانها فنظر الرب إلى هابيل و قربانه " ( تك 4 : 4 )
هكذا نري أنه منذ بداية الخليقة والله يريد أن تكون العلاقة شخصية بين الفرد وربه
، ولكن بسبب الخطية التي دخلت إلي العالم عن طريق ادم " لكن قد ملك الموت من ادم إلى موسى و ذلك على
الذين لم يخطئوا على شبه تعدي ادم الذي هو مثال الأتي " (رومية
5 : 14) وبعمل الله الكهنوت اللاوي صار الاقتراب إلي الله من خلال الذبيحة
بواسطة الكاهن
2 ـ ثم من إبراهيم إلي موسي :
أصبح كل رئيس عائلة يقدم ذبيحة : فكان نوح وإبراهيم وأيوب يكهنون
لبيوتهم " و بني نوح مذبحا للرب و اخذ من كل البهائم الطاهرة و من
كل الطيور الطاهرة و اصعد محرقات على المذبح فتنسم الرب رائحة الرضا " (
تك 8 : 20 ) " و ظهر الرب لإبرام و قال لنسلك أعطي هذه الأرض فبني
هناك مذبحا للرب الذي ظهر له ثم نقل من هناك إلى الجبل شرقي بيت إيل و نصب خيمته و
له بيت إيل من المغرب و عاي من المشرق فبني هناك مذبحا للرب و دعا باسم الرب "
( تك 12 : 8 ) واليك قارئي العزيز شاهد أخر يثبت أن أيوب كان يقدم ذبائح كما كان
يقدمها إبراهيم واسحق ويعقوب " و
كان لما دارت أيام الوليمة أن أيوب أرسل فقدسهم و بكر في الغد و أصعد
محرقات على عددهم كلهم لان أيوب قال ربما أخطا بني و جدفوا على الله في قلوبهم
هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام " ( أي 1 : 5 ) ، وهنا نري نظام كهنوت
العائلات أي أن يكون الكاهن رئيس العائلة ويقدم ذبائح عن أسرته أو عائلته ، هكذا
كان يفعل أيوب وإبراهيم وهذا ما فعله موسي مع شيوخ بني إسرائيل " فدعا موسى جميع شيوخ إسرائيل و قال لهم اسحبوا و
خذوا لكم غنما بحسب عشائركم و إذبحوا الفصح " ( خر 12 : 21 ) .
3 ـ ثم من موسي
إلي المسيح :
لا يستطيع احد أن يقدم ذبيحة إلا عن طريق
الكاهن المعين من الرب من سبط لآوي لأن
قديماً كان الشعب قاصر في أن يقترب إلي الله ، فعين لهم من ينوب عنهم
ويكونون بمثابة وسطاء وشفعاء لأجل الشعب ، لذلك أقام الرب من أسباط إسرائيل الإثنى
عشر ، سبطاً واحداً ليكهن أمام الرب وهو سبط لاوي
" و قرب إليك هرون أخاك و بنيه معه من بين بني إسرائيل ليكهن لي
هرون ناداب و ابيهو العازار و ايثامار بني هرون و اصنع ثيابا مقدسة لهرون أخيك
للمجد و البهاء و تكلم جميع حكماء القلوب الذين ملأتهم روح حكمة أن يصنعوا ثياب
هرون لتقديسه ليكهن لي ........ " ( خر 82 ) وحظر من ذلك الوقت ممارسة
الكهنوت في إسرائيل إلا في السلالة الرسمية " و قاوموا عزيا الملك و قالوا له ليس لك يا
عزيا أن توقد للرب بل للكهنة بني هرون المقدسين للإيقاد اخرج من المقدس
لأنك خنت و ليس لك من كرامة من عند الرب الإله " ( 2أخ 26 : 18 ) فبعد أن
جاء المسيح نحن لسنا في احتياج لتقديم مثل هذه الذبائح .
4 ـ ثم من
المسيح إلي مجيئه :
فقد وصف يسوع بأنه رئيس كهنة المؤمنين
العظيم الذي رش قدس الأقداس السماوي بدمه والذي جلس عن يمين الأب هناك حيث هو الآن
يشفع فيهم" فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السماوات يسوع ابن الله
فلنتمسك بالاقرار" ( عب 4 : 14 ) فإن كان الكاهن في العهد القديم يضع يده
علي الخاطئ واليد الأخرى علي الذبيحة ويطلب من الرب لغفران الخطايا ، لكن بمجئ
المسيح لخلاص نفوسنا بموته علي الصليب ، صار هو الذبيح الأعظم وأيضا هو رئيس
الكهنة ، فصار الوسيط والشفيع بيننا وبين الله لذلك نحن الآن لسنا في احتياج لشفيع
أو وسيط غير المسيح لذلك يقول الوحي المقدس
" فمن ثم يقدر أن يخلص أيضا إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله
إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم" ( عب 7 : 25 ) ، فالمسيح الآن يشفع من
اجلنا عند ألآب ، وعندما ينظر الأب إلي الذبيح الأعظم يري انه قد أوفى الدين
، والحساب قد سدد ، فيأمر بالبركة ، وهذا
ما يقوله الكتاب المقدس " و ليس بدم تيوس و عجول بل بدم نفسه دخل مرة
واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبديا" ( عب 9 : 12 )
فمن هذه الآيات السابقة نري أن المسيح له
كل المجد هو رئيس الكهنة الذي يشفع فينا ، لذلك نحن في هذه الأيام لا نحتاج إلي
رئيس كهنة كي يكون وسيط بيننا وبين الله لأن المسيح هو وسيط بين الله والناس "
لأنه يوجد اله واحد و وسيط واحد بين الله و الناس الإنسان يسوع المسيح " (تيموثاوس الأولى 2 : 5) فمن ينظر إلي أي إنسان كوسيط بينه وبين
الله فهو بالتالي يدخل في دائرة بعيدة عن كلمة الله لذلك يقول الكتاب عن المسيح " و لكنه الآن قد حصل على خدمة أفضل
بمقدار ما هو وسيط أيضا لعهد أعظم قد تثبت على مواعيد أفضل " (العبرانيين
8 : 6) فكل من يؤمن بهذا يكون له حياة أبدية وميراث ابدي " و لأجل
هذا هو وسيط عهد جديد لكي يكون المدعوون إذ صار موت لفداء التعديات التي في العهد
الأول ينالون وعد الميراث الأبدي " (العبرانيين 9 : 15) فإن كان المسيح قد أبطل كل الكهنوت
السابق بموته علي الصليب ، لأنه لم يري في الكهنوت اللاوي كمال " فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال إذ الشعب اخذ
الناموس عليه ماذا كانت الحاجة بعد إلى أن يقوم كاهن أخر على رتبة ملكي صادق و لا
يقال على رتبة هرون "
(العبرانيين 7 : 11)
لذلك أيها القارئ العزيز / أنظر إلي
المسيح وحده فهو الكاهن وهو رئيس الكهنة وهو الوسيط الوحيد وهو الشفيع " يا أولادي اكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا و إن
اخطأ احد فلنا شفيع عند الأب يسوع المسيح البار " (يوحنا الأولى
2 : 1) وهو الكل في الكل " و إلى وسيط العهد الجديد يسوع و إلى دم
رش يتكلم أفضل من هابيل (العبرانيين
12 : 24) فمن ينظر إلي كهنوت ارضي فهو ينظر إلي سراب ، لأن الرب أقام كهنوت
روحي وليس بالمعنى الحرفي كما في العهد القديم 0 ولأهمية الموضوع أضيف أمورا أخري
تثبت أننا لسنا اليوم في حاجة إلي كهنوت يماثل كهنوت سبط لاوي ، لآن المسيح جاء
وهو الأعظم من كهنوت لاوي ، فوظيفة الكاهن هي ألان للمسيح وقد تممها وما زال
يتممها . لذلك تابع ما يلي :
المسيح كونه
كاهن :
ومن اخص تعاليم الكتاب المقدس في الوظيفة
الكهنوتية
قد دعي المسيح كاهناً في الكتاب المقدس
: واليك بعض الآيات بدون تعليق :
" اقسم
الرب و لن يندم أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق " ( مز 110: 4 )
" كما
يقول أيضا في موضع أخر أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق " ( عب 5:
6 )
" حيث
دخل يسوع كسابق لأجلنا صائرا على رتبة ملكي صادق رئيس كهنة إلى الأبد " (
عب 6: 20 )
" فهو
يبني هيكل الرب و يحمل الجلال و يجلس و يتسلط على كرسيه و يكون كاهنا على كرسيه و
تكون مشورة السلام بينهما كليهما " ( زك 6: 13 )
وقد نسبت للمسيح الأعمال الكهنوتية : واليك بعض
الآيات بدون تعليق :
" أما
الرب فسر بان يسحقه بالحزن أن جعل نفسه ذبيحة إثم يرى نسلا تطول أيامه و مسرة الرب
بيده تنجح ، لذلك اقسم له بين الأعزاء و
مع العظماء يقسم غنيمة من اجل انه سكب للموت نفسه و أحصي مع آثمة و هو حمل خطية
كثيرين و شفع في المذنبين" ( أش 53 : 10 و 12 )
" سبعون
أسبوعا قضيت على شعبك و على مدينتك المقدسة لتكميل المعصية و تتميم الخطايا و
لكفارة الإثم و ليؤتى بالبر الأبدي و لختم الرؤيا و النبوة و لمسح قدوس القدوسين ،
فاعلم و افهم انه من خروج الأمر لتجديد أورشليم و بنائها إلى المسيح الرئيس سبعة
أسابيع و اثنان و ستون أسبوعا يعود و يبنى سوق و خليج في ضيق الأزمنة " (
دا 9 : 24 ، 25 )
فالمسيح
هو المرموز إليه في الكهنوت اللاوي ولا سيما في رئيس الكهنة العظيم وفي
الذبائح وقد بين ذلك الوحي في الرسالة إلي العبرانيين احلي بيان ، فقال عنه ما يلي
:
1 ـ كان المسيح إنسانا من بني جنسنا
:
" لأنه
حقا ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل إبراهيم " ( عب 2 : 16 )
" لان ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثي
لضعفاتنا بل مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية " ( عب 4 : 15 )
2
ـ مختارا من الله:
" كذلك المسيح أيضا لم يمجد نفسه ليصير رئيس
كهنة بل الذي قال له أنت ابني أنا اليوم ولدتك ، كما يقول أيضا في موضع أخر أنت
كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق " ( عب 5 : 5 ، 6 )
3 ـ قدوساً وطاهراً :
" لأنه
كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر و لا دنس قد انفصل عن الخطاة و صار
اعلي من السماوات " ( عب 7 : 26 )
" فأجاب
الملاك و قال لها الروح القدس يحل عليك و قوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس
المولود منك يدعى ابن الله " ( لو 1 : 35 )
4 ـ له حق الاقتراب إلي الله والقبول لديه
عنا كرئيس كهنة :
" خرجت
من عند الأب و قد أتيت إلى العالم و أيضا اترك العالم و اذهب إلى الأب "
( يو 16 : 28 ) و
" الذي
و هو بهاء مجده و رسم جوهره و حامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيرا
لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي " ( عب 1 : 3 )
" و
أما المسيح و هو قد جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة فبالمسكن الأعظم و الأكمل غير
المصنوع بيد أي الذي ليس من هذه الخليقة ، و ليس بدم تيوس و عجول بل بدم نفسه دخل
مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبديا ، لأنه إن كان دم ثيران و تيوس و رماد عجلة
مرشوش على المنجسين يقدس إلى طهارة الجسد ، فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح
أزلي قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي
" ( عب 9 : 11 ـ 14 )
فالقول أن المسيح كاهن لينوب عنا فيما
يختص بالله بالذبائح والشفاعة من أوضح تعاليم الكتاب المقدس
المسيح تمم
وظيفة الكاهن فعلاً :
تحدثنا من قبل أن وظيفة الكاهن هي الآن
للمسيح واليك الآن إثبات أن المسيح قد تممها وما زال يتممها :
1 ـ المسيح كوسط بين الله والناس ولا حاجة
لوسيط غيره :
" قال
له يسوع أنا هو الطريق و الحق و الحياة ليس احد يأتي إلى الأب إلا بي " (
يو 14 : 6 )
" انه
يوجد اله واحد و وسيط واحد بين الله و الناس الإنسان يسوع المسيح " ( 1تي
2 : 5 )
" و
لكنه الآن قد حصل على خدمة أفضل بمقدار ما هو وسيط أيضا لعهد أعظم قد تثبت على
مواعيد أفضل ، فانه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طلب موضع لثان " ( عب 8
: 6 ، 7 )
" و
إلى وسيط العهد الجديد يسوع و إلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل " ( عب 12 :
24 )
2 ـ قدم ذبيحة كقارية :
" و
اسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضا و اسلم نفسه لأجلنا قربانا و ذبيحة لله
رائحة طيبة " ( أف 5 : 2 )
" فإذ
ذاك كان يجب أن يتألم مرارا كثيرة منذ تأسيس العالم و لكنه الآن قد اظهر مرة عند
انقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه " ( عب 9 : 26 )
" و
أما هذا فبعدما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله "
( عب 10 : 12 )
" و هو
كفارة لخطايانا ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضا " ( 1يو 2 :2
)
3 ـ المسيح شفيع في الشعب ولازال يشفع
فيهم :
" من
هو الذي يدين المسيح هو الذي مات بل بالحري قام أيضا الذي هو أيضا عن يمين الله
الذي أيضا يشفع فينا " ( رو 8 : 34 )
" فمن
ثم يقدر أن يخلص أيضا إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله إذ هو حي في كل حين
ليشفع فيهم " ( عب 7 : 25 )
" يا أولادي اكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا و
إن أخطا احد فلنا شفيع عند الأب يسوع المسيح البار " ( 1يو 2 : 1 )
ولا ريب أن المسيح تتم هذه الأعمال
الكهنوتية حقيقة لا مجازاً لأنه كان المرموز إليه برموز العهد القديم والرمز إشارة
إلي ما هو حقيقي ولا يكون الرمز إشارة إلي رمز أخر " و أما المسيح و هو قد جاء رئيس كهنة للخيرات
العتيدة فبالمسكن الأعظم و الأكمل غير المصنوع بيد أي الذي ليس من هذه الخليقة ، و
ليس بدم تيوس و عجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبديا
" ( عب 9 : 10 ـ 12 )
" لان
الناموس إذ له ظل الخيرات العتيدة لا نفس صورة الأشياء لا يقدر أبدا بنفس الذبائح
كل سنة التي يقدمونها على الدوام أن يكمل الذين يتقدمون " ( عب 10 : 1 )
واليك شواهد أخري يمكنك قرأتها من الكتاب المقدس
( عب 5 : 7 ـ 9 ) ( عب 9 : 26 ـ 28 ) ( رو 5 : 19 )
هكذا نري أن المسيح تمم وظيفة الكهنوت ، وكل المؤمنين يستطيعوا أن يقوموا بنفس الدور
لأنهم كهنة فيستطيعوا أن يصلوا من اجل بعض ويطلبوا من اجل بعض ، لأنهم كهنة وهذا
ما سوف نراه في النقطة القادمة .
كهنوت جميع
المؤمنين :
بما أن المسيحي المؤمن متحد بالمسيح
إتحاداً روحياً فهو يشترك في فوائد موته وفي أمجاد نصرته وله حقوق خاصة من نعمة
الله مبنية علي تلك الشركة ومنها حق القدوم رأساً إلي الله بالمسيح حتى حق الدخول
إلي الأقداس بدم يسوع " فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم
يسوع ، طريقا كرسه لنا حديثا حيا بالحجاب أي جسده ، و كاهن عظيم على بيت الله ،
لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير و مغتسلة أجسادنا
بماء نقي ، لنتمسك بإقرار الرجاء راسخا لان الذي وعد هو أمين " ( عب 10 : 19 ـ 23 ) وإذا تقدم المؤمن علي هذه
الكيفية بقلب صادق وبنفس متجددة مقدسة فله أن يقدم ذبائح روحية لا كفارية كالتسبيح
والتضرع والتشكر باسم يسوع المسيح وأن يشفع في غيره من الأحياء " فلنقدم به في كل حين لله ذبيحة التسبيح أي ثمر
شفاه معترفة باسمه " ( عب 13 : 15 )
" فاطلب أول كل شيء أن تقام طلبات و صلوات و
ابتهالات و تشكرات لأجل جميع الناس ، لأجل الملوك و جميع الذين هم في منصب لكي
نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى و وقار " ( 1تي 2 : 1 ، 2 )
" كونوا انتم أيضا مبنيين كحجارة حية بيتا
روحيا كهنوتا مقدسا لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح ، و أما انتم
فجنس مختار و كهنوت ملوكي امة مقدسة شعب اقتناء لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من
الظلمة إلى نوره العجيب " ( 1بط 2 : 5 ، 9 )
فما رأي القارئ العزيز في حقيقة الأمر
، أليس الرب قد قال علي الصليب قد أكمل ، فقد أكمل كل شئ ، وما علينا إلا أن نقبل
عمل المسيح الكفاري الذي عمله علي الصليب ، فرفع مكانتنا ، وجعلنا ملوك وكهنة
" و جعلنا ملوكا و كهنة لله أبيه له المجد و السلطان إلى ابد الآبدين آمين
" (الرؤيا 1 : 6) " و جعلتنا
لإلهنا ملوكا و كهنة فسنملك على الأرض "
(الرؤيا 5 : 10)
لذلك نري أن العمل الكهنوتي لكل من يؤمن
بالمسيح ، يكون كاهن لله ، فيستطيع أن يتقدم دائماً إلي الله بقلب صادق في يقين
الإيمان ، فليبارك الرب قارئي العزيز ويعطه فهما وإيمانا .
بعد كل هذا نري أن أيوب كان كإبراهيم
يقدم ذبائح ويكهن كهنوت العائلات وهذا العمل بمثابة درجة من درجات الكمال ، فقد
كان يقوم بتقديس أولاده ليكونوا كاملين أمام الله ، ومع كل هذا جرب من إبليس ،
لماذا ؟ هذا ما سنتناوله في الفصول القادمة .
الفصل الثالث
مستوي السياج الإلهي
ما يحدث في عالم الروح : ليس بالضروري أن ندركه ،
ولكننا يجب أن نعرفه ، فقد أعلن لنا الله
من خلال كلمته بعض المواقف والشواهد التي تجعلنا في فهم دائم عن عالم الروح
وارتباطنا به ، سواء كان ايجابيا أو سلبيا ، فليس كل ما لا تراه غير موجود لأنه يوجد أمور كثيرة لا تري لكنها موجودة وتؤثر
فينا ونؤثر فيها ، فالأرواح النجسة والملائكة وأرواح البشر لا تري بالعين المجردة
، لكنها موجودة ، أيضا الله لا يُري بالعين المجردة وهو كلي الوجود ،
أما الملائكة كائنات مختلفة تماما عن البشر. البشر لا يتحولون إلي ملائكة
بعد الموت. الملائكة لم ولن يكونوا بشرا أبدا. فالله خلق الملائكة كما
خلق البشرية. ولا يذكر الكتاب المقدس في أي جزء أن الملائكة قد خلقوا علي
صورة الله كشبهه مثل البشر "وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى
صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ
وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ
الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».
" (تكوين 26:1). فالملائكة مخلوقات روحية ولكن يمكنها إلي حد
معين أن تأخذ شكلا ماديا. البشر مخلوقات مادية ولديهم صفات روحية.
والشيء المؤثر الذي يمكننا أن نتعلمه من الملائكة هو أطاعتهم لأوامر الله ووصاياه
من غير اعتراض أو تسأول.
ما حدث انه جاء " بنو الله "
( الملائكة ) ليمثلوا أمام الرب ،
وجاء الشيطان في وسطهم ، كل هذا حدث في السماء فقد تكرر هذا الأمر في سفر أيوب
مرتين ( 1 : 6 ، 2 : 1 ) وفي
كل مرة لإبليس شكاية علي أيوب .
لا
غرابة في أن إبليس يأتي إلي مكان الحضرة الإلهية ذهابا وإيابا من الأرض للسماء ،
فهو كان من قاطنيها ، ويعلم بكل ما فيها ، وله المقدرة للمثول أمام الله ، كائن
ملائكي ساقط من مركزه في السماء كنتيجة لخطيئته والآن هو معارض لله، ويحاول أن
يمارس كل قوته ليفسد غرض الله للبشرية، إبليس خلقه الله كملاك طاهر " كَيْفَ
سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ، بِنْتَ الصُّبْحِ؟ كَيْفَ قُطِعْتَ إِلَى
الأَرْضِ يَا قَاهِرَ الأُمَمِ؟ "
( أش 14 : 12 ) زهرة كوكب عظيم لامع جداً وهو تزييف «لكوكب الصبح المنير» الشيطان
يُقلد المسيح. أراد أن يكون مكان الله ، ويجلس علي جبل الاجتماع أي أن يكون الرأس
، ويصير مثل العلي " أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ
مِثْلَ الْعَلِيِّ." ( أش 14 : 14 ) فقد كان إبليس أعلي
الملائكة المخلوقة ولكنه تعالي وتكبر لذلك سقط .
بسبب خطيئته فقد القي الله
إبليس خارج السماء. وصار رئيس هذا العالم ورئيس سلطان الهواء " اَلآنَ
دَيْنُونَةُ هذَا الْعَالَمِ. اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا.
" ( يو 12 : 31 ) بالمسيح أنتزع من إبليس سلطانه علي المؤمنين المستنيرين
الفاهمين فقد طرح إبليس خارج دائرتهم وصار بلا سلطان عليهم " وَلكِنْ إِنْ
كَانَ إِنْجِيلُنَا مَكْتُومًا، فَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُومٌ فِي الْهَالِكِينَ،
الَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ
الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ،
الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ." ( 2تي 4 : 3 ، 4 ) فهو رئيس هذا العالم وله سلطان علي الأشرار
البعدين عن إيمان يسوع المسيح ، وهو أيضا رئيس سلطان الهواء المتحكم في كل خاطي
بعيد عن دائرة المسيح " وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ
وَالْخَطَايَا، الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً حَسَبَ دَهْرِ هذَا الْعَالَمِ،
حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي
أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ، " ( أف 2 : 1 ، 2 ) ليس هذا فقط لكنه أيضاً
المشتكي فقد اشتكي علي أيوب وما زال يشتكي علي أولاد الله إلي أن يأتي اليوم الذي
يطرح فيه في جهنم إلي ابد الآبدين " فَطُرِحَ التِّنِّينُ الْعَظِيمُ،
الْحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ الْمَدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ، الَّذِي يُضِلُّ
الْعَالَمَ كُلَّهُ، طُرِحَ إِلَى الأَرْضِ، وَطُرِحَتْ مَعَهُ مَلاَئِكَتُهُ.
وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا قَائِلاً فِي السَّمَاءِ:«الآنَ صَارَ خَلاَصُ
إِلهِنَا وَقُدْرَتُهُ وَمُلْكُهُ وَسُلْطَانُ مَسِيحِهِ، لأَنَّهُ قَدْ طُرِحَ
الْمُشْتَكِي عَلَى إِخْوَتِنَا، الَّذِي كَانَ يَشْتَكِي عَلَيْهِمْ أَمَامَ
إِلهِنَا نَهَارًا وَلَيْلاً. "
( رؤ 12 : 9 ، 10 ) فما زال إبليس يعمل مجاهدا ليفسد كل ما هو طاهر ونقي ، فيشتكي
ويجرب الإنسان محاولاً إسقاطه في دائرة الغضب الإلهي ، فقد جرب ادم وأيوب والمسيح
وما زال يجرب إلي الآن " فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ
لَهُ:«إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا». "
( مت 4 : 3 ) ولكن في نهايته العذاب
الأبدي في بحيرة النار والكبريت " وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ
طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ
الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ."
( رؤ 20 : 10 ) لذلك يجب أن تدرك أن إبليس لن يستمر إلي الأبد ، لكنه الفاشل الذي
دائما يخسر أمام الرب ، ففي الصليب سحق المسيح رأسه " وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ
الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ
تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ»." ( تك 3 : 15 )
وظفر به " إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ
أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا، ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ " ( كو 2 : 15 ) ثم طرح من السماء إلى
الأرض " اَلآنَ دَيْنُونَةُ هذَا الْعَالَمِ. اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ
هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا. " ( يو 12 : 31 ) ثم قيد وأغلق عليه في
الهاوية " وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ
النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ.
وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ." ( رؤ 20
: 10 ) فتمسك بالرب أخي الغالي وبمبادئ كلمة الله واعلم بان لك النصرة في المسيح
يسوع .
يتحرك
إبليس بين المؤمنين والخدام الأقوياء محاولاً اقتناصهم أو زعزعتهم ، ولكنه لسبب
السياج الإلهي لا يستطيع ، فيبحث عن مؤمن تحرك نحو دائرة من دوائر الظلمة كالخوف
أو الفزع أو .... فيجد فرصة ليشتكي عليهم ، فيدخل علي حياتهم العامة أو الخاصة
ليجربهم .
دائما يدرك الإنسان أن الله يحفظه، وكأن
الله ملتزم بحفظ الإنسان ومراعاته، فيعطي له رزقه في كل حين، وعندما تحدث للإنسان
مصيبة يقول " نحن أفضل من غيرنا بكثير.. و .. من ينظر بلية الغير تهون عليه بلوته " لكن
في الحقيقة أن الله خلق العالم بقوانين ذاتية المفعول ، فخلق الكرة الأرضية بقانون
داخلها ومجرات شمسية وأنظمة تتحرك بقوانين ، فأي تدخل من الإنسان ليغير في طبيعة
القوانين يصنع خلل في حفظها ، أيضا خلق جسد الإنسان به خلايا تتحرك ذاتيا وتعمل
بكفاءة ، فأي تدخل غير قانوني في أنظمتها يصنع خللاً ودمارا في خلاياها ، كذلك
نفسية الإنسان لها قوانينها ، وتكوين الإنسان كروح ونفس وجسد له قوانينه ليعمل معا
وينتج إنسانا حياً سوي كامل ومتكامل ، فالتدخلات البشرية الغير مدروسة جيدا لا
تساعد الإنسان في أن يُحفظ جيدا أو أن يكون بحالة جيدة .
الحفظ الإلهي للإنسان له
قوانينه وأنظمته الروحية التي تجعل الله يسيج حوله دائما ، أو يستمتع الإنسان بحفظ الهي دائم ، فعندما
يحدث إهمال لإحدى القوانين الإلهية ، تحدث ثغرات في درجات السياج الإلهي ، فلا
ينسب الإهمال لله ، كلا وألف كلا ، لكن يرجع السبب في أن الإنسان أهمل في
استمرارية حفظه لقوانين الله ، وبالتالي وجد إبليس ثغرة ليدخل في حياة الإنسان
ليدمرها إن استطاع .
السياج الإلهي
بركة في نظام العهد :
الحفظ والسياج الإلهي يعمل
داخل نظام العهد ، فالخروج عن قوانين وبنود العهد يصنع خللاً روحياً وبالتالي تقل
نسبة الحفظ والسياج الإلهي ، فكلما كانت الزجاجة ممتلئة بالماء إلي نهايتها كلما
لم يجد الهواء فرصة للدخول ، وكلما قلة نسبة الماء بالزجاجة كلما كانت الفرصة اكبر
ومتاحة لدخول الهواء ، هكذا في أمر السياج الإلهي ، كلما امتلأ الإنسان بمبادئ
الله وعهده كلما أغلق علي إبليس فرصة الدخول ليدمر ويُهلك .
ظهر الله لإبراهيم وقال له
" أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً، فَأَجْعَلَ
عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَأُكَثِّرَكَ كَثِيرًا جِدًّا»." ( تك 17 :
1 ، 2 ) فحِفظ الله لإبراهيم ليس كونه إبراهيم ولكن الحفظ الإلهي له كونه داخل
العهد ، الله يحفظ عهده فهو قائم لعهده ، فكل من يدخل داخل نطاق العهد فهو محفوظ ،
أما من يخرج خارج نظام العهد فقد خسر السياج الإلهي وصار عرضة لهجمات العدو لأنه
صار بلا حماية . الشرط الوحيد لنوال بركات العهد هو حفظ العهد والدخول فيه " وَقَالَ
اللهُ لإِبْرَاهِيم: «وَأَمَّا أَنْتَ فَتَحْفَظُ عَهْدِي، أَنْتَ وَنَسْلُكَ مِنْ
بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ. " ( تك 17 : 9 ) حِفظ الله لإبراهيم رغم
أخطاءه يرجع لتمسكه بالاستمرارية والسير في المسيرة الإلهية داخل العهد ، لذلك
تواصل الله مع اسحق من اجل إبراهيم وقال له : " وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ
كَنُجُومِ السَّمَاءِ، وَأُعْطِي نَسْلَكَ جَمِيعَ هذِهِ الْبِلاَدِ،
وَتَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ
إِبْرَاهِيمَ سَمِعَ لِقَوْلِي وَحَفِظَ مَا يُحْفَظُ لِي: أَوَامِرِي
وَفَرَائِضِي وَشَرَائِعِي». " ( تك 26 : 4 ، 5 ) أما عن الأخطاء فالرب
قادر علي تصحيحها ، فعندما اخطأ إبراهيم عندما قال أن سارة أخته وتركها في يد
فرعون وفي يد ابيمالك ، فكان تدخل الله لسبب أن إبراهيم داخل العهد الإلهي ولم
يخرج عنه ، وهكذا اسحق عندما فعل كما عمل إبراهيم مع ابيمالك ، كان تدخل الله مع
اسحق من اجل انه يحمل داخله العهد الإلهي ، وهكذا تدخل الله في حياة لوط عندما ذهب
إلي سدوم وعمورة ، يرجع إلي أنه حمل داخله العهد الذي كان لإبراهيم وارتضي أن يخرج
من أرضه ومن عشيرته ويسير داخل العهد مع إبراهيم ، فالأخطاء قد تأتي لحياتنا
بالمشاكل وبالخسائر الكثيرة ، ولكن لسبب حملنا للعهد الإلهي يكون لنا حق السياج
الإلهي والتعويض علي حياتنا .
قانون: الجديد في
الجديد يُحفظ :
يقول المسيح أن الخمر الجديدة يجب أن توضع في زقاق جديدة لئلا يحدث
إتلاف للخمر وللزجاجة " وَلاَ يَجْعَلُونَ خَمْرًا جَدِيدَةً فِي زِقَاق
عَتِيقَةٍ، لِئَلاَّ تَنْشَقَّ الزِّقَاقُ، فَالْخَمْرُ تَنْصَبُّ وَالزِّقَاقُ
تَتْلَفُ. بَلْ يَجْعَلُونَ خَمْرًا جَدِيدَةً فِي زِقَاق جَدِيدَةٍ فَتُحْفَظُ
جَمِيعًا». " ( مت 9 : 17 ) كثيرا ما نخسر حماية
الله لنا لتمسكنا بأنظمة قديمة أو تقاليد عتيقة أو عادات ميتة ليس فيها روح ، لذلك
يجب أن نخرج خارج هذه الأمور لنكون زجاجة جديدة بها خمرا جديدة ، لم يدخل إبراهيم
داخل العهد إلا عندما سمع لقول الرب وخرج من أرضه القديمة وبيت أبيه القديم
وعشيرته بتقاليدهم وعاداتهم " وَقَالَ الرَّبُّ لإبرام: «اذْهَبْ مِنْ
أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. " ( تك 12 : 1 ) فصار إبراهيم زجاجة جديدة وبداخله عهدا
جديدا يختلف عن كل ما هو عتيق .
بدأ المسيح بعهد جديد
وإرسالية جديدة يختلف عن العهد الأول فلم ينقضه ولكن أكمله بعهد جديد ، فقد بدأ
بفكرة الخمر الجديد وعندما اختار زجاجة اختارها جديدة ، فدعي تلاميذه وأخرجهم من
عالم البحار إلي العهد الجديد ، فهيئهم وغيرهم وجعلهم يصلحون لحمل العهد إلي
العالم اجمع ، فصاروا الزجاجة الجديدة للخمر الجديدة ، وهكذا نحن أيضا مدعوين
ومقدسين كزجاجة جديدة لنحمل بداخلنا الخمر الجديدة لذلك نحن محفوظين " يَهُوذَا،
عَبْدُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَخُو يَعْقُوبَ، إِلَى الْمَدْعُوِّينَ الْمُقَدَّسِينَ فِي اللهِ ألآب، وَالْمَحْفُوظِينَ
لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ: " ( يهـ 1 : 1 ) من اجل هذا ادعوك الآن
لتتمسك بالعهد الجديد وتطلب من الرب أن يغيرك فتكون جديدا صالحا لعمل الرب .
أيوب : سيج الله
حوله وهذا يرجع لأنه كان يحمل داخله فكرة العهد الذي كان لإبراهيم ( لأنه سلك كما
سلك الآباء الأولين ) ، فقد كان يتمسك بكماله واستقامة قلبه وتقديم ذبائح ومحرقات
كما كان يقدم إبراهيم واسحق ويعقوب ، لذلك شهد له الله بكماله وتقواه ، فلماذا حدث
له ما حدث ، هذا ما سنتنناوله في الفصول القادمة .
الطريق الوحيد
الذي لإبليس
: تفكير إبليس دائماً داخل نطاق المادة والأشياء الملموسة
التي من خلالها يضغط علي البشر ليكسروا مبادئهم الحميدة أو يكسروا مبادئ الله في
حياتهم ، هذا هو الطريق الوحيد الذي يستخدمه إبليس مع بني البشر ، فقد تختلف
الأساليب ولكن لن تبعد عن هذا الطريق الوحيد ، فقد قال الرسول بولس : "
...... لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ. " ( 2كو 2 : 11 ) فهدف
إبليس دائما هي أن نبتعد عن الله ، وأفكاره دائما تَستخدم طريقا واحداً وهو الطريق
الملموس والمحسوس ، فيأتي للقديس مجاهدا ليسقطه في النجاسة من خلال الجنس أو ...
الخ ، ويأتي للمستقيم محاولا وضعه في دوائر الانحراف وعدم الأمانة من خلال المال
أو الجنس أو السلطة أو ... الخ
استطاع
إبليس أن يخرج ادم وحواء من دائرة البراءة والنقاء في عصيان الله من خلال شجرة
محسوسة وملموسة فأفسد أذهانهم " وَلكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا
خَدَعَتِ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا، هكَذَا تُفْسَدُ
أَذْهَانُكُمْ عَنِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ. " ( 2كو 11 : 3 ) لن يستطيع إبليس أن يدخل
إلي الإنسان إلا من خلال أشياء محبوبة للقلب وتكون ملموسة ومحسوسة ومدركة بحسب
الحواس الخمسة ( النظر ـ الشم ـ اللمس ـ التذوق ـ السمع ) ليدمر النفس البشرية
لأنه لا يستطيع أن يصل إلي دائرة النفس والروح إلا من خلال الجسد بالحواس الخمسة
التي ترتبط بالعقل الذي يغذي النفس البشرية ويؤثر في الروح ، من أجل ذلك يقول الرب
" مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ. " ( مت
11 : 15 ) فالله أيضا يستخدم كل ما هو
ملموس ليصل إلينا ، كالكلمة المكتوبة أو المنطوقة لننظر ونسمع ونقترب إليه فنحيا .
حاول
إبليس أن يدخل علي حياة أيوب من خلال كل ما كان يمتلكه ، وما هو محبب لديه ، أراد
إبليس أن ينزع أمان أيوب في الممتلكات ويفقده كل ما هو عزيز كالبنين والبنات ،
لأنه لا يملك طريق أخر غير طريق المادة الملموسة والمحسوسة لنترك مبادئنا الكتابية
آو مبادئ الله الطبيعية التي في حياتنا " وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ
وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ». فَقَالَ
الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ
لاَ تَمُدَّ يَدَكَ». ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ."
( أي 1 : 11 ، 12 )
إن تعلق
الإنسان تجاه الأشياء الفانية الزائلة خاطئ جدا ، فكل ما هو ملموس ومحسوس فهو زائل
، حتى جسد الإنسان زائل " عَرِّفْنِي
يَا رَبُّ نِهَايَتِي وَمِقْدَارَ أَيَّامِي كَمْ هِيَ، فَأَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا زَائِلٌ. " ( مز 39 : 4 ) فكل ما هو أرضي ( من الأرض ) فهو
زائل " ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي
عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا
الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ
تَحْتَ الشَّمْسِ.
" ( جا 2 : 11 ) من اجل هذا قال المسيح لنا " اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ،
بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّذِي يُعْطِيكُمُ
ابْنُ الإِنْسَانِ، لأَنَّ هذَا اللهُ الآبُ قَدْ خَتَمَهُ. " (
يوحنا ٦:٢٧ ) فعندما ننظر إلي ما هو سماوي نغلق علي إبليس فرص كثيرة فلا
يستطيع أن يتدخل في حياتنا ، ليس هذا معناه ان نترك العالم ومقتنياته ، بل لتكن
قلوبنا غير متعلقة به ، وليكن هدف حياتنا هو للسمائيات وليس للأرضيات. فاستخدم
الملموس والمحسوس لتكنز لك كنزا في السماء " بَلِ اكنزوا لَكُمْ
كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ
يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ، " ( متى
٦:٢٠) إن إبليس يستخدم الملموس والمحسوس لتدميرك ، والله يستخدم الملموس والمحسوس
ليصل إليك ويبنيك ، وأنت استخدم المحسوس والملموس لتكنز لك كنز في السماء التي لا
تراها بعد ، فهذا هو الإيمان الذي كان للآباء مثل إبراهيم واسحق ويعقوب وأيوب
وغيرهم ، فهم لم يروا المدينة السماوية ولكنهم أمنوا بها ، فيكتب عنهم الوحي ويسجل
للتاريخ قائلاً : " فِي الإِيمَانِ مَاتَ هؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ
لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا
وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى
الأَرْضِ. " ( العبرانيين ١١:١٣) فهل أنت هكذا ؟ .
الفصل الرابع
البكر وأهميته في كلمة الله
البكر وأهميته في كلمة الله :
ليس بالغريب علي أولاد أيوب أن يجتمعا معا يأكلون
ويشربون كما شرحنا سابقاً[1] ، والشئ الرائع هنا أن الذي يجمعهم هو الأخ الأكبر (
البكر ) فالبكر عليه دائما مسئولية عائلته لأنه حامل المسيرة التي لوالده ، فعندما
وضع يعقوب يده اليمني علي ابن يوسف الصغير والأخرى علي الكبير تكلم يوسف مع أبيه
ليصحح الوضع " وَقَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ: «لَيْسَ هكَذَا يَا أَبِي،
لأَنَّ هذَا هُوَ الْبِكْرُ. ضَعْ يَمِينَكَ عَلَى رَأْسِهِ». " ( تك 48
: 18 ) لآن البكر يبارك دائماً علي اليمين فاليمين مصدر القوة ، فمعني أن الصغير
يبارك بركة الكبير يجعل الصغير متفوق وغالب وحامل المسيرة الإلهية التي علي عاتق
أبيهم ، فعندما بارك اسحق يعقوب بدل عيسوا دون أن يدري ، فصارت البركة ليعقوب وسار
يعقوب في طريق إبراهيم واسحق وحمل مسيرة العهد التي لإبراهيم ، فلو كان قد بارك
اسحق عيسوا لحمل عيسوا المسيرة الإلهية وطريق العهد واتي من نسله المسيح ، فالبكر
عليه مسئولية كبيرة .
نسب الله لشعبه إسرائيل لقب الابن البكر " فَتَقُولُ
لِفِرْعَوْنَ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ." ( خر
4 : 22 ) من اجل ذلك صار الحق لشعب إسرائيل أن يأتي من نسلهم المسيح الذي هو بكر
كل خليقة " الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ
خَلِيقَةٍ.
" ( كو 1 : 15 ) وبكر من
الأموات " وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ،
بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي
كُلِّ شَيْءٍ. " ( كو 1 : 18 ) ليس هذا فقط بل أيضا
نسبت للكنيسة أن تدعي بكرا " وَكَنِيسَةُ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي
السَّمَاوَاتِ، وَإِلَى اللهِ دَيَّانِ الْجَمِيعِ، وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ، " ( عب 12
: 23 ) فللابن البكر أهمية كبيرة في عالم الروح وعالم المادة أيضا ، يدرك إبليس
هذا ، ويدرك أيضا كيف يكون الوضع الروحي لأيوب وأولاده ، فأيوب رجل كامل ومستقيم ،
وأولاده يدركون جيدا أهمية الابن البكر وأهمية اجتماعهم معا ، لذلك أراد إبليس أن
يدمر ويحطم كل هذا ليكسر أيوب ويسقط من دائرة بره .
الخمر في كلمة الله :
أبناء أيوب كانوا يشربون الخمر ، فقد يسأل سائل كيف
يشربون الخمر الم يكن الله قد حرم الخمر ؟ وللإجابة أقول : أن الخمر في زمن نوح
وإبراهيم وإسحق ويعقوب وأيوب لم يكن محرما لآن الله لم يكن قد أعطي الشريعة أو
الوصايا ، فشرب نوح الخمر ( تك 9 : 21 ) حتى بعد أن أعطي الرب الشريعة فقد منع فقط
النذير " فَعَنِ الْخَمْرِ وَالْمُسْكِرِ يَفْتَرِزُ، وَلاَ يَشْرَبْ
خَلَّ الْخَمْرِ وَلاَ خَلَّ الْمُسْكِرِ، وَلاَ يَشْرَبْ مِنْ نَقِيعِ
الْعِنَبِ، وَلاَ يَأْكُلْ عِنَبًا رَطْبًا وَلاَ يَابِسًا. كُلَّ
أَيَّامِ نَذْرِهِ لاَ يَأْكُلْ مِنْ كُلِّ مَا يُعْمَلُ مِنْ جَفْنَةِ الْخَمْرِ مِنَ الْعَجَمِ حَتَّى الْقِشْرِ." (
العدد 6 : 3 ، 4 ) من هنا ابتدأ الوحي الإلهي يسجل لنا أن نبتعد عن كل ما هو مسكِر
( نبيذ ) فالكلمة تأتي بالعبرية : יין وتنطق yah'-yin يايين ،
وبالانجليزية : " wine " أي نبيذ ، فإن كان أبناء أيوب يشربون الخمر معا هذا هو الوضع
السائد في أيامهما ، كما أن مشروب الشاي هو المشروب العادي جدا الغير مجَرم في مصر
رغم وجود به مادة النوكاتين كما في السجائر ، فتجد الشيخ والقسيس ورجل الشارع
العادي والجميع يشربون الشاي دون أي تأنيب للضمير ، فهو المشروب العام الذي يقدم
للجميع ، كذلك أبناء أيوب كانوا يشربون الخمر كالمشروب العام في هذا الوقت ، أما
بعد أن أعلن الكتاب صراحة بعدم شرب الخمر ليستخدم في السُكر فيجب عدم تناوله لغرض
السكُر ، أما كعلاج فلا توجد أي موانع لذلك ، فالخمر يستخدم كثيرا في الأدوية
للشفاء من اجل الأسقام الكثيرة (1 تيموثاوس
٢٣:٥ ) .
كلمة خمر في اللغة اليونانية : οἶνος وتنطق oy'-nos اينوس
وبالإنجليزية : wine وتعني " نبيذ " فالكلمة باليوناني تعني أن الخمر من هذا النوع (
المسكِر ) لها في كلمة الله عدم استخدامها للسكر كما أعلن الكتاب في العهد القديم
مستخدما كلمة ( יין ) وهكذا في العهد الجديد مستخدما كلمة (οἶνος ) التي
تعني خمر مسكِر كما في بعض الآيات التالية :
آيات تمنع شرب الخمر في العهد الجديد مستخدما كلمة
" أينوس " او " بارينوس " اي مدمن خمر :
أفسس
٥:١٨ وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ (أينوس ) الَّذِي فِيهِ
الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ،
تيموثاوس الاولى ٣:٣ غَيْرَ مُدْمِنِ الْخَمْرِ ( πάροινος بارينوس
) ، وَلاَ ضَرَّابٍ، وَلاَ طَامِعٍ بِالرِّبْحِ الْقَبِيحِ، بَلْ
حَلِيمًا، غَيْرَ مُخَاصِمٍ، وَلاَ مُحِبٍّ لِلْمَالِ،
تيموثاوس
الاولى ٣:٨ كَذلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الشَّمَامِسَةُ ذَوِي وَقَارٍ، لاَ
ذَوِي لِسَانَيْنِ، غَيْرَ مُولَعِينَ بِالْخَمْرِ ( أينوس ) الْكَثِيرِ، وَلاَ طَامِعِينَ
بِالرِّبْحِ الْقَبِيحِ،
تيطس
١:٧ لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ كَوَكِيلِ اللهِ،
غَيْرَ مُعْجِبٍ بِنَفْسِهِ، وَلاَ غَضُوبٍ، وَلاَ مُدْمِنِ الْخَمْرِ
( بارينوس ) ، وَلاَ ضَرَّابٍ، وَلاَ
طَامِعٍ فِي الرِّبْحِ الْقَبِيحِ،
آيات تمنع شرب الخمر في العهد القديم مستخدما كلمة
" يايين " :
العدد
٦:٣ فَعَنِ الْخَمْرِ وَالْمُسْكِرِ يَفْتَرِزُ، وَلاَ يَشْرَبْ
خَلَّ الْخَمْرِ " يايين " وَلاَ خَلَّ الْمُسْكِرِ، وَلاَ يَشْرَبْ
مِنْ نَقِيعِ الْعِنَبِ، وَلاَ يَأْكُلْ عِنَبًا رَطْبًا وَلاَ يَابِسًا.
العدد
٦:٤ كُلَّ أَيَّامِ نَذْرِهِ لاَ يَأْكُلْ مِنْ كُلِّ مَا يُعْمَلُ مِنْ
جَفْنَةِ الْخَمْرِ " يايين " مِنَ الْعَجَمِ حَتَّى الْقِشْرِ.
القضاة ١٣ : 13 ، 14 فَقَالَ مَلاَكُ الرَّبِّ لِمَنُوحَ:
"مِنْ كُلِّ مَا قُلْتُ لِلْمَرْأَةِ فَلْتَحْتَفِظْ. مِنْ كُلِّ مَا
يَخْرُجُ مِنْ جَفْنَةِ الْخَمْرِ " يايين " لاَ
تَأْكُلْ، وَخَمْرًا " يايين " وَمُسْكِرًا لاَ
تَشْرَبْ، وَكُلَّ نَجِسٍ لاَ تَأْكُلْ. لِتَحْذَرْ مِنْ كُلِّ مَا أَوْصَيْتُهَا".
إن تتبعت كلمة خمر في الكتاب المقدس بعهديه القديم
والجديد تجد ففي البداية لم يكن ممنوعا أو محرماً ، ثم صار ممنوعا من النذير أو
المرأة الحامل بنذير ، ثم أعلن الكتاب في العهد الجديد أن لا نسكر بالخمر الذي فيه
الخلاعة ، فهذا التدرج نراه يسير بحسب النور الذي كان يعلن لشعب الله تدريجيا
أيضاً .
يصنع الخمر من عصير العنب :
عصير العنب يستعمل بعد عصره
بطرق مختلفة: كشراب فاكهة غير مختمر، أو كخمر بعد التخمير، أو كخل بعد زيادة تخميره[2]. وكانت في كل بيت يقدمونها للضيوف لا سيما في الأعياد
" وَمَلْكِي صَادِقُ، مَلِكُ شَالِيمَ، أَخْرَجَ خُبْزًا وَخَمْرًا.
وَكَانَ كَاهِنًا ِللهِ الْعَلِيِّ. " ( تك 14 : 18 ) فالخمر هنا ليس
لاستعماله كمسكر بل كرمز لجسد ودم المسيح ، لاحظ أنه أخرج خبزا وخمرا ، كما أن
الخمر يقدم كمشروب للضيوف " وَلَمَّا
فَرَغَتِ الْخَمْرُ، قَالَتْ أُمُّ يَسُوعَ لَهُ:«لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ»."
( يو 2 : 3 ) ، غير أن اليهود، وسائر الأمم، أساءوا استعمالها فوبخهم على ذلك
العهد القديم، كما وبخهم أيضا العهد الجديد، واليك هذه النصوص الكتابية :
أم
20 : 1 اَلْخَمْرُ مُسْتَهْزِئَةٌ. الْمُسْكِرُ عَجَّاجٌ،
وَمَنْ يَتَرَنَّحُ بِهِمَا فَلَيْسَ بِحَكِيمٍ.
أم
23 : 29 ـ 35 لِمَنِ الْوَيْلُ؟ لِمَنِ الشَّقَاوَةُ؟ لِمَنِ الْمُخَاصَمَاتُ؟
لِمَنِ الْكَرْبُ؟ لِمَنِ الْجُرُوحُ بِلاَ سَبَبٍ؟ لِمَنِ ازْمِهْرَارُ
الْعَيْنَيْنِ؟ لِلَّذِينَ يُدْمِنُونَ الْخَمْرَ، الَّذِينَ يَدْخُلُونَ فِي
طَلَبِ الشَّرَابِ الْمَمْزُوجِ. لاَ تَنْظُرْ إِلَى الْخَمْرِ إِذَا احْمَرَّتْ
حِينَ تُظْهِرُ حِبَابَهَا فِي الْكَأْسِ وَسَاغَتْ مُرَقْرِقَةً. فِي الآخِرِ
تَلْسَعُ كَالْحَيَّةِ وَتَلْدَغُ كَالأُفْعُوانِ. عَيْنَاكَ تَنْظُرَانِ
الأَجْنَبِيَّاتِ، وَقَلْبُكَ يَنْطِقُ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ. وَتَكُونُ كَمُضْطَجعٍ
فِي قَلْبِ الْبَحْرِ، أَوْ كَمُضْطَجعٍ عَلَى رَأْسِ سَارِيَةٍ. يَقُولُ:
«ضَرَبُونِي وَلَمْ أَتَوَجَّعْ! لَقَدْ لَكَأُونِي وَلَمْ أَعْرِفْ! مَتَى
أَسْتَيْقِظُ؟ أَعُودُ أَطْلُبُهَا بَعْدُ!».
أش
5 : 22 وَيْلٌ لِلأَبْطَالِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، وَلِذَوِي الْقُدْرَةِ
عَلَى مَزْجِ الْمُسْكِرِ.
أش
28 : 1 ـ 7 وَيْلٌ لإِكْلِيلِ فَخْرِ سُكَارَى أَفْرَايِمَ، وَلِلزَّهْرِ
الذَّابِلِ، جَمَالِ بَهَائِهِ الَّذِي عَلَى رَأْسِ وَادِي سَمَائِنِ،
الْمَضْرُوبِينَ بِالْخَمْرِ. ....... بِالأَرْجُلِ يُدَاسُ إِكْلِيلُ فَخْرِ
سُكَارَى أَفْرَايِمَ. ...... وَلكِنَّ هؤُلاَءِ أَيْضًا ضَلُّوا بِالْخَمْرِ
وَتَاهُوا بِالْمُسْكِرِ. الْكَاهِنُ وَالنَّبِيُّ تَرَنَّحَا بِالْمُسْكِرِ.
ابْتَلَعَتْهُمَا الْخَمْرُ. تَاهَا مِنَ الْمُسْكِرِ، ضَلاَّ فِي الرُّؤْيَا،
قَلِقَا فِي الْقَضَاءِ.
هو
4 : 11 «اَلزِّنَى وَالْخَمْرُ وَالسُّلاَفَةُ تَخْلِبُ الْقَلْبَ.
وقد
نهي الكتاب عن شرب الخمر والسكر به :
1صم
1 : 14 فَقَالَ لَهَا عَالِي: «حَتَّى مَتَى تَسْكَرِينَ؟ انْزِعِي خَمْرَكِ
عَنْكِ». فَأَجَابَتْ حَنَّةُ وَقَالت: «لاَ يَا سَيِّدِي. إِنِّي امْرَأَةٌ
حَزِينَةُ الرُّوحِ وَلَمْ أَشْرَبْ خَمْرًا وَلاَ مُسْكِرًا، بَلْ أَسْكُبُ
نَفْسِي أَمَامَ الرَّبِّ. لاَ تَحْسِبْ أَمَتَكَ ابْنَةَ بَلِيَّعَالَ، لأَنِّي
مِنْ كَثْرَةِ كُرْبَتِي وَغَيْظِي قَدْ تَكَلَّمْتُ إِلَى الآنَ».
1أش
5 : 11 ـ 17 وَيْلٌ لِلْمُبَكِّرِينَ
صَبَاحًا يَتْبَعُونَ الْمُسْكِرَ، لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْعَتَمَةِ
تُلْهِبُهُمُ الْخَمْرُ. وَصَارَ الْعُودُ وَالرَّبَابُ وَالدُّفُّ وَالنَّايُ
وَالْخَمْرُ وَلاَئِمَهُمْ، وَإِلَى فَعْلِ الرَّبِّ لاَ يَنْظُرُونَ، وَعَمَلَ
يَدَيْهِ لاَ يَرَوْنَ. لِذلِكَ سُبِيَ شَعْبِي لِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ، وَتَصِيرُ
شُرَفَاؤُهُ رِجَالَ جُوعٍ، وَعَامَّتُهُ يَابِسِينَ مِنَ الْعَطَشِ. لِذلِكَ
وَسَّعَتِ الْهَاوِيَةُ نَفْسَهَا، وَفَغَرَتْ فَاهَا بِلاَ حَدٍّ، فَيَنْزِلُ
بَهَاؤُهَا وَجُمْهُورُهَا وَضَجِيجُهَا وَالْمُبْتَهِجُ فِيهَا! وَيُذَلُّ
الإِنْسَانُ وَيُحَطُّ الرَّجُلُ، وَعُيُونُ الْمُسْتَعْلِينَ تُوضَعُ.
وَيَتَعَالَى رَبُّ الْجُنُودِ بِالْعَدْلِ، وَيَتَقَدَّسُ الإِلهُ الْقُدُّوسُ
بِالْبِرِّ.
1كو
5 : 11 وَأَمَّا الآنَ فَكَتَبْتُ إِلَيْكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ مَدْعُوٌّ
أَخًا زَانِيًا أَوْ طَمَّاعًا أَوْ عَابِدَ وَثَنٍ أَوْ شَتَّامًا أَوْ سِكِّيرًا
أَوْ خَاطِفًا، أَنْ لاَ تُخَالِطُوا وَلاَ تُؤَاكِلُوا مِثْلَ هذَا.
1كو
6 : 10 وَلاَ سَارِقُونَ وَلاَ طَمَّاعُونَ وَلاَ سِكِّيرُونَ وَلاَ
شَتَّامُونَ وَلاَ خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ.
غلا
5 : 21 حَسَدٌ قَتْلٌ سُكْرٌ بَطَرٌ،
وَأَمْثَالُ هذِهِ الَّتِي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا سَبَقْتُ
فَقُلْتُ أَيْضًا: إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ لاَ يَرِثُونَ
مَلَكُوتَ اللهِ.
أف
5 : 18 وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ
امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ،
مما سبق أحبائي نفهم أن الله لا يريد أن
يكون الإنسان في حالة غياب عن الواقع والحاضر ، لذلك لا يجب أن يسرع إلي شرب
الخمور أو المسكرات فقد منعها الله في العهدين القديم والجديد ، أما بخصوص أولاد
أيوب فلا غرابة في ذلك لأنهم في زمن ما قبل الشريعة والناموس ،
والذي يحكمهم هو ضميرهم ، فاجتماعهم معا دليل علي حسن التربية والتعليم من أيوب
لأولاده ، فقد تعلم الابن البكر أن يضم إخواته حوله فيختلفون عن جميع من حولهم
فصاروا مميزين.
الفصل الخامس
دمار رأس المال لكسر أيوب
أراد إبليس أن يدفع أيوب إلي إنكار قدرة الله في حمايته
، فابتدأ بشن هجمات شرسة جدا علي ممتلكاته ، فإبليس لا يستطيع أن يسيطر علي كيان
الإنسان الداخلي إلا من خلال المادة[3] من أجل ذلك ابتدأ في حرب علي وسائل العمل والرزق ( رأس
المال ) فقد فقَدَ وسائل العمل مصدر الثروة ، " كثرة الغلة بقوة الثور "(أمثال 14:
4) وكما جاء في المزامير " ليت
بقرنا تشتد للعمل. " (مزمور 144: 14) تخيل معي في هذه الأيام التي نعيش
فيها ، رجل يمتلك سيارة أو قارب صيد أو مصنع أو ... الخ. ويفقد مصدر رزقه، فماذا
يكون الوضع ؟! بالتأكيد صعب جدا، هذا ما كان فيه أيوب.
عندما أخذ إبليس تصريحا من الله ليتحرك نحو أيوب ،
فالفرصة كبيرة وهو ليس بغبي ليهدرها أو يتركها ، فتعامل بكل قسوة وبدون هدنة لآن
الوقت ليس في صالحه ، بدأ بضرب رأس المال لكسر أيوب وتدمير مستقبله .
ما حدث لأيوب ليس قسوة من الله ، ولكن الوضع في عالم
الروح الغير منظور يختلف عن الواقع المادي ، ففي الواقع المادي الكل يري أيوب رجل
صالح وذو مكانة مرموقة وسط مجتمعه ، وفي عالم الروح يري انه رجل صالح وبار ولكن
توجد ثغرات روحية تحتاج إلي علاج أو تدخل الهي كي تسد ، فإثناء دراستنا لسفر أيوب
سنتطرق لعدة مواضيع في الجانب الروحي والثغرات التي يجب أن تعالج كي لا يجد فرصة
لتدخل إبليس في الحياة .
كان أيوب يقدم الذبائح عن أولادة ولا يقدم عن نفسه ،
فعدم تقديم ذبائح عن نفسه تجعل فرصة لإبليس في اختراق الدائرة المادية التي له ،
فالمؤمن كي يؤمن الحياة المادية في حياته عليه أن ينشط في حياته الروحية وعبادته
لله فلا يجد إبليس ثغرة لاختراق عالمنا المادي .
نار الله خداع إبليس :
الحرب الروحية التي جاءت علي أيوب في الضربة الثانية
كانت علي الغنم الذي يمثل لأيوب مصدر للطعام والغذاء ، وفي هذه الضربة لم يستخدم
إبليس البشر كما في الضربة الماضية ، فقد استخدم إبليس نار من السماء ، " وَبَيْنَمَا
هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: «نَارُ اللهِ سَقَطَتْ مِنَ
السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ، وَنَجَوْتُ
أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ». " فقد قال العامل الناجي من الموت أنها
" نار الله " لأنها نزلت من السماء ، فهو عديم الخبرة والمعرفة فكان
تعبيره مستخدم من قِبّل إبليس ، لأنه أراد أن يعطي فهم غريب ومعاكس للحقيقة "
أن دمار رأس المال مخطط بشري ودمار الغذاء والكساء مخطط الهي من السماء "
وبالتالي فالله اشترك مع البشر في تدمير رجل صالح مجتمعيا وبار عند الله ،
لتكون النتيجة لدي أيوب أن الله ظالم ، هذا ما أراد إبليس أنه يشعر به أيوب
، فإن وصل لهذه النتيجة فقد انتهي به الحال كما يريد إبليس ، موت روحي ونفسي وبُعد
عن الله .
ليس بغريب أن يأتي إبليس بنار من السماء لأنه هذا في
مقدور إبليس ولأنه من ضمن الملائكة التي صنعها الله من الرياح والنار " وَعَنِ
الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ:«الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ»." ( عب 1 : 7 ) عندما صعد إيليا في مركبات نار وهذه المركبات
ما هي إلا ملائكة " وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَكَلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ
بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ. "
( 2مل 2 : 11 ) ونري المركبات من نار حول
اليشع للحماية " وَصَلَّى أَلِيشَعُ وَقَالَ: «يَا رَبُّ، افْتَحْ عَيْنَيْهِ فَيُبْصِرَ». فَفَتَحَ الرَّبُّ
عَيْنَيِ الْغُلاَمِ فَأَبْصَرَ، وَإِذَا الْجَبَلُ مَمْلُوءٌ خَيْلاً
وَمَرْكَبَاتِ نَارٍ حَوْلَ أَلِيشَعَ. " ( 2مل 6 : 17 ) والحيوانات الملائكية
التي رآها حزقيال كانت من نار " أَمَّا شِبْهُ الْحَيَوَانَاتِ
فَمَنْظَرُهَا كَجَمْرِ نَارٍ مُتَّقِدَةٍ، كَمَنْظَرِ مَصَابِيحَ هِيَ
سَالِكَةٌ بَيْنَ الْحَيَوَانَاتِ. وَلِلنَّارِ لَمَعَانٌ، وَمِنَ
النَّارِ كَانَ يَخْرُجُ بَرْقٌ. الْحَيَوَانَاتُ رَاكِضَةٌ وَرَاجِعَةٌ كَمَنْظَرِ الْبَرْقِ. " ( حز 1 : 13 ، 14 ) فالملائكة قادرة علي
إتيان نار لتحرق أي شئ كما في سدوم وعمورة "
كَمَا أَنَّ سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَالْمُدُنَ الَّتِي حَوْلَهُمَا، إِذْ زَنَتْ عَلَى طَرِيق مِثْلِهِمَا،
وَمَضَتْ وَرَاءَ جَسَدٍ آخَرَ، جُعِلَتْ عِبْرَةً مُكَابِدَةً عِقَابَ نَارٍ
أَبَدِيَّةٍ." ( يهـ 1 : 7 مع تك 19 : 24 ) فأهل
سدوم وعمور كانوا أشرار جدا ( تك 13 : 13 ، 20 ) لذلك رفعت الحماية من علي حياتهم
فماتوا جميعهم بكل ممتلكاتهم وأنقذ الرب لوط لأنه بار وعلي حياته ولكنه خسر
ممتلكاته ، أما أيوب فلأنه رجل بار خسر ممتلكاته ولكن لسبب الحماية التي علي
شخصيته فقد حفظ ، أما ع الخسارة الكبيرة التي خسرها فهذا يرجع إلي ثغرة في الدائرة
الروحية في انه يري أنه " أبر من الله " ( أي 32 : 2 ، 35 : 2 ) كما قال اليهو ولم ينفي أيوب هذا .
لم يكتفي إبليس بالضربة الأولي رأس المال ، ولا بالضربة
الثانية الغذاء والكساء ، لكنه شن هجوم ثالث علي أيوب ليضربه ضربة قاضية ثالثة
استهدفت الجمال مصدر الثروة التجارية ، " وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ
إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: «الْكَلْدَانِيُّونَ عَيَّنُوا ثَلاَثَ فِرَق،
فَهَجَمُوا عَلَى الْجِمَالِ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ
السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ». " ( حقيقي أمر لا يحتمل ) البقر والأتن ثم
الغنم ثم الجمال ، أراد إبليس أن يجعل أيوب بلا أمل داخلي في الثروة الداخلية
البقر والأتن ، وبلا غذاء وكساء ممثل في الغنم ، وبلا أمل خارجي في الثروة
التجارية ممثلة في الجمال ، إنها حرب بلا هوادة ، فقد دمر اقتصاديا ، كل هذا لكي
ينكر الله ويحيد عن كماله .
الضربة
القاضية بريح عاتية :
شن إبليس علي أيوب ضربة قاضية قاسية جداً ، فقد جاء
إبليس بكل ما عنده من قسوة ، فلا يوجد أغلي من الأبناء ، ماتوا جميعا ، " وَبَيْنَمَا
هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: «بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا يَأْكُلُونَ
وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ، وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ
جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَعَ،
فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ
" هنا أرسل إبليس رسالة قوية لأيوب " إن أملك ورجائك في الحياة قد
أنتهي فأين الله ؟! أين حمايته لك ؟! أين تأثير الذبائح التي كانت تُظهِر إيمانك
لدي الله ؟! " إن كان الله موجود لكان استطاع أن يحمي أيوب ، إنها رسالة
قوية من إبليس ، فهل استطاع إبليس أن يجعل أيوب ينكر أو يسب الله ، كلا فقد ظل
أيوب في كماله .
استخدم إبليس الريح الشديدة، وللريح قصة في كلمة الله
دعونا نتأملها لندرك لماذا استخدم إبليس الريح في ضرب البيت ويسقط علي الغلمان
ليموتوا.
استخدم الله الريح عندما كان يأتي لأدم " وَسَمِعَا
صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ
وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. " ( تك
3 : 8 ) واستخدمها مع شعب الله عندما أرسل لهم السلوى ( سلوى : طائر السمان
) " فَخَرَجَتْ رِيحٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ وَسَاقَتْ سَلْوَى مِنَ
الْبَحْرِ وَأَلْقَتْهَا عَلَى الْمَحَلَّةِ، نَحْوَ مَسِيرَةِ
يَوْمٍ مِنْ هُنَا وَمَسِيرَةِ يَوْمٍ مِنْ هُنَاكَ، حَوَالَيِ الْمَحَلَّةِ، وَنَحْوَ
ذِرَاعَيْنِ فَوْقَ وَجْهِ الأَرْضِ. " ( العدد 11 : 31 ) أيضا للرب ريح
قوية تخرج من انفه " فَظَهَرَتْ أَعْمَاقُ الْبَحْرِ، وَانْكَشَفَتْ
أُسُسُ الْمَسْكُونَةِ مِنْ زَجْرِ الرَّبِّ، مِنْ نَسْمَةِ رِيحِ أَنْفِهِ. " ( 2صم 22 : 16 مع مز 18 : 15 ) والريح يستخدمها
الله في توجيه الأمطار " رِيحُ الشِّمَالِ تَطْرُدُ الْمَطَرَ،
وَالْوَجْهُ الْمُعْبِسُ يَطْرُدُ لِسَانًا ثَالِبًا. " ( أم 25 : 23 مع نش 4 : 16 ) كما أن
الريح تستخدم في التشتيت والتفرقة " ثُلُثُكِ يَمُوتُ بِالْوَبَإِ،
وَبِالْجُوعِ يَفْنَوْنَ فِي وَسْطِكِ. وَثُلُثٌ يَسْقُطُ بِالسَّيْفِ مِنْ حَوْلِكِ، وَثُلُثٌ
أُذَرِّيهِ فِي كُلِّ رِيحٍ، وَأَسْتَلُّ سَيْفًا وَرَاءَهُمْ. " ( حز
5 : 12 ) ووجود الريح الشديدة في البحر خطر علي السفن " وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ نَامَ. فَنَزَلَ
نَوْءُ رِيحٍ فِي الْبُحَيْرَةِ، وَكَانُوا يَمْتَلِئُونَ مَاءً وَصَارُوا فِي خَطَرٍ." ( لو
8 : 23 ) وبالريح نستطيع أ نعرف الطقس " وَإِذَا رَأَيْتُمْ رِيحَ
الْجَنُوبِ تَهُبُّ تَقُولُونَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ حَرٌّ، فَيَكُونُ. " ( لو 12 : 55 ) والريح استخدمت عند حلول
الروح القدس علي التلاميذ يوم الخمسين "
وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ
عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ،" ( أع 2 : 2 ) فالريح يستخدمها الله ، وأيضا
لإبليس قدرة علي استخدامها ، فهي من ضمن الوسائل[4] التي يستخدمها إبليس ضد مشيئة الله .
تجرد أيوب من كل شئ فقد عدم الأولاد ، وخسر البقر والأتن
والجمال والغنم ، وخسر الأيدي العاملة فقد مات كل الغلمان ، وقد استخدم إبليس
البشر والنار والريح في سلب أيوب ، الخسارة كانت شديدة جدا ، فمن يقدر أن يحتمل كل
هذا ؟
انتصار مؤقت في شكل هزيمة :
هجوم
عنيف علي أيوب ، شلل في الحياة الاقتصادية بفقدان البقر والأتن والغنم والجمال ،
دمار للكيان الخارجي بفقدان كل الغلمان ، ودمار للكيان الداخلي بفقدان البنين ،
ماذا تبقي لأيوب ؟! زوجته عنفته بكلمات قاسية في الإصحاح الثاني من سفر أيوب !.
أما عن صحته فلن يتركه إبليس طويلاً !. المنظر العام يقول : " انتهي أيوب
" ! فقد مزق ثيابه وحلق شعر رأسه، أما الكيان الروحي لأيوب ثابت وراسخ لهذه
اللحظة.
كلمات
أيوب بها خيبة أمل لإبليس، تفوه أيوب بكلمات كالصاعقة علي إبليس، وكأنه يرسل رسالة
لإبليس قائلاً: (( دعني أعيش الواقع )) " فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ
جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ وَقَالَ:
«عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ.
الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا فِي
كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ وَلَمْ يَنْسِبْ للهِ جِهَالَةً. " (
أي 1 : 20 ـ 22 ) فقد أتيت عريان للعالم
وسأعود عريان ، وأعطاني الله أمانة وأخذها ، فلن أتزايد علي الله ليتبارك اسمه .
الواقع
الذي لأيوب :
1 ـ كان يمتلك. أما الآن فلا يمتلك شيئاً.
2 ـ وضع أمامه دائما أنه تراب وسيعود إلي التراب " بِعَرَقِ
وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا.
لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ " ( تك 3 : 19
)
3 ـ كان يعلم أنه لن يأخذ مجده معه " لأَنَّهُ
عِنْدَ مَوْتِهِ كُلَّهُ لاَ يَأْخُذُ. لاَ يَنْزِلُ وَرَاءَهُ مَجْدُهُ. " ( مز 49 : 17 ) فقد
كان أيوب حكيما كما كان سليما الحكيم إذ قال عن الإنسان : " كَمَا خَرَجَ
مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ عُرْيَانًا يَرْجعُ ذَاهِبًا كَمَا جَاءَ، وَلاَ يَأْخُذُ شَيْئًا
مِنْ تَعَبِهِ فَيَذْهَبُ بِهِ فِي يَدِهِ. " ( جا
5 : 15 ) وكما قال بولس الرسول : " لأَنَّنَا لَمْ نَدْخُلِ الْعَالَمَ
بِشَيْءٍ، وَوَاضِحٌ أَنَّنَا لاَ نَقْدِرُ أَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ
بِشَيْءٍ. " ( 1تي 6 : 7 ) هذا الواقع الغائب عن
كثيرين ، أما عند أيوب فهو الواقع الحاضر دائماً في ذهنه لذلك عندما حدث له أن فقد
كل شئ استطاع أن يعبر التعبيرات التي تعطي دفعه للأمام ، أو علي الأقل لا ينهار
كليةً .
4 ـ الواقع الذي
كان يدركه أيوب ، أن كل الأمور هي مرتبه من عند الله سواء كان شرا أو خيرا ، فهو
لا يعلم كيف يحدث هذا ، لكنه يعلم شيئاً واحدا ، أن الله فوق الكل والمتحكم في
مصائر البشر ، من أجل هذا نسب كل ما حدث لله إذ قال : " الرَّبُّ أَعْطَى
وَالرَّبُّ أَخَذَ، " ( أي 1 : 21 ) . إدراك أيوب لما يحدث في الأجواء
الروحية واقع روحي لا يدركه هو ، لكننا نحن نستطيع أن ندركه فنحن من انتهت إلينا
أواخر الدهور ، وصارت لنا الكلمة الحية ( الكتاب المقدس ) المعلنة فيها كل الحقائق
الروحية التي لم يدركوها الآباء الأولين ، ولكن ندركها نحن لآن " المعرفة
تزداد " هذا ما قاله الرب لدانيال " أَمَّا أَنْتَ يَا دانيال
فَأَخْفِ الْكَلاَمَ وَاخْتِمِ السِّفْرَ إِلَى وَقْتِ النِّهَايَةِ. كَثِيرُونَ يَتَصَفَّحُونَهُ وَالْمَعْرِفَةُ
تَزْدَادُ». " ( دا
12 : 4 ) لذلك ادعوك القارئ العزيز أن تُزيد من دراستك لكلمة الله لتُدرك أمورا
جديدة روحية ، كي لا تُفاجأ بواقع لا تدركهُ .
التحركات
الروحية التي يجب أن تدرك :
خلق
الله الخليقة في تناغم وانسجام تام ، وكل الطرق تؤدي لبعضها البعض ، فعندما تفعل
شئ في الواقع المادي ستجد له صدي في عالم الروح ، عندما تسلك بالروح وبحسب الحق
الكتابي فأنت تجند لك في الأجواء الروحية كائنات روحية للحماية والبركة ، وعندما
تسلك في الشر والخطية فأنت تجند لك في الأجواء الروحية كائنات روحية شريرة تدمرك
وتقضي عليك ، إن أغفلت حقيقة كتابية كانت لك الفرصة لتعرفها وأهملت البحث عنها ،
فضاعت الفرصة فأنت قد فتحت طريق لتدخل إبليس في وقتٍ يريده ، إن كنت لا تفهم
التحركات الروحية فستنسب جميعها لله ، وهنا الخطورة ، لآن الله لا يجرب أحد
بالشرور " لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: «إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ
قِبَلِ اللهِ»، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ
يُجَرِّبُ أَحَدًا. " ( يع 1 : 13 ) هذا واقع يجب أن يُدرك
جيدا ، فأيوب لم يجربه الله ، ولكنه جُرب من قِبَل إبليس ويرجع هذا إلي تقصير في
دائرة الواقع المادي أو المعرفي أعطت إشارة لتدخل الواقع الروحي في الحياة ، وكانت
النتيجة كل ما حدث لأيوب .واليك هذه المعادلة الأولي التي يجب أن تدركها
معرفة جيدة = (+) سلوك مقدس = حماية من عالم الروح لعالم
المادة
دعني اشرح لك هذه المعادلة لتصل لك الفكرة جيدا :
عندما
يكون لك معرفة كتابية جيدة وعميقة ، هذه المعرفة تقودك لسلوك يرضي الله ، وهذه
المعرفة بجانب السلوك تنتج في عالم الروح قوة ملائكية للحماية والبركة ، هذا ما
أعلنته كلمة الله " مَلاَكُ الرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ،
وَيُنَجِّيهِمْ." ( مز 34 : 7 ) فشرط الحماية والنجاة
هو مخافة الله ، وهذه المخافة لا توجَد إلا من خلال المعرفة الكتابية عن الله
ومبادئه ، فلكي تُحفظ في كل طرقك عليك بالسكني في ستر العلي " اَلسَّاكِنُ
فِي سِتْرِ الْعَلِيِّ، فِي ظِلِّ الْقَدِيرِ يَبِيتُ. ..... لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ
يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ."
( مز 91 : 1 ، 11 ) إن الحقائق الروحية واضحة في كلمة الله ، لذلك لا يجب
أن ندفن رؤوسنا في الرمال ونقول لأنفسنا ، أن لنا الحماية من الله والبركة من الله
، ونحن سالكون بعيد عن المعرفة الكتابية ، فالمعرفة الكتابية تمنحك أبواب التحرك
الروحي تجاهك ، فقد رأي إليشع النبي مال لم يراه جيحزي " وَصَلَّى أَلِيشَعُ وَقَالَ: «يَا رَبُّ، افْتَحْ عَيْنَيْهِ فَيُبْصِرَ». فَفَتَحَ الرَّبُّ
عَيْنَيِ الْغُلاَمِ فَأَبْصَرَ، وَإِذَا الْجَبَلُ مَمْلُوءٌ خَيْلاً
وَمَرْكَبَاتِ نَارٍ حَوْلَ أَلِيشَعَ. " ( 2مل
6 : 17 ) والسبب يرجع إلي دائرة المعرفة
العميقة والسلوك النقي ، فالحياة الروحية لإليشع تختلف عن جيحزي ، فتمتع اليشع
بالحماية من عالم الروح في عالم المادة . تمتع بها أيضا الثلاث فتيه بالنجاة من
أتون النار ، ودانيال من جب الأسود " إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ
أَفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَمْ تَضُرَّنِي، لأَنِّي وُجِدْتُ بَرِيئًا
قُدَّامَهُ، وَقُدَّامَكَ أَيْضًا أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَمْ أَفْعَلْ ذَنْبًا " ( دا 6 : 22 ) ليس هذا فقط لكن يجب أن ندرك أن
للأطفال حماية ملائكية مجانية دون أن يفعلوا شيئاً " اُنْظُرُوا، لاَ
تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ
مَلاَئِكَتَهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي الَّذِي فِي
السَّمَاوَاتِ. " ( مت 18 : 10 ) وقد تكون الحماية للأسرة
بجملتها لسبب وجود أطفال بينهم ، فيسكت الله العدو والمنتقم من اجلهم " مِنْ
أَفْوَاهِ الأَطْفَالِ وَالرُّضَّعِ أَسَّسْتَ حَمْدًا بِسَبَبِ أَضْدَادِكَ، لِتَسْكِيتِ عَدُوٍّ وَمُنْتَقِمٍ. " ( مز
8 : 2 ) فلعالم الروح تحركات بحسب المستويات الروحية . ولنعلم دائما أن الملائكة
ما هي إلا أرواح خادمة لنا " أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ
يَرِثُوا الْخَلاَصَ!. " ( عب 1 : 14 ) ويجب أن لا ننسي أنه عندما مات
المسكين فقد حملته الملائكة ( لو 16 : 22 ) .
واليك هذه المعادلة الثانية التي يجب أن تدركها :
نقص في المعرفة = (+) سلوك غير مرضي = (+) نقص في
الحماية = تدخل روحي من عالم الشر لعالم المادة
دعني اشرح لك هذه المعادلة لتصل لك الفكرة جيدا :
عندما
لا تسعي للمعرفة الكتابية هذا ينتج سلوك غير مرضي لأنك لا تعرف مبادئ الله ، وهذا
النقص في المعرفة والسلوك ينتج نقص في الحماية الروحية لك ، وهذا جميعه يعطي فرصة
كبيرة لتدخل إبليس في حياة مؤمنين كثيرين ، إما بالتجربة أو التعب وغيرها من
الأمور .
إثناء
الحرب بين بني إسرائيل والأعداء صعد داود لبيت سطح الملك يتمشي ورأي امرأة تستحم
" وَكَانَ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ أَنَّ دَاوُدَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ
وَتَمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ الْمَلِكِ، فَرَأَى مِنْ عَلَى
السَّطْحِ امْرَأَةً تَسْتَحِمُّ. وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيلَةَ
الْمَنْظَرِ جِدًّا. " ( 2صم 11 : 2 ) فأرسل داود وأخذها
واضطجع معها " وَحَبِلَتِ الْمَرْأَةُ، فَأَرْسَلَتْ وَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ
وَقَالَتْ: «إِنِّي حُبْلَى». " فاستدعي زوجها من الحرب لينام معها فرفض
، فأرسل معه مكتوبا إلي يوآب قائلاً : " اجْعَلُوا أُورِيَّا فِي وَجْهِ
الْحَرْبِ الشَّدِيدَةِ، وَارْجِعُوا مِنْ وَرَائِهِ فَيُضْرَبَ وَيَمُوتَ»."
( 2صم 11 : 15 ) فمات أوريا زوجها ، ثم تزوجها داود ، هنا نري سلوك داود غير مرضي
أمام الله ، فقد أهمل مبادئ الله سواء بعدم معرفتها أو بتجاهلها ، فزني وقتل ،
فكانت النتيجة نقص في الحماية من الله علي حياة داود وأسرته ، فاستطاع روح الزني
والقتل من عالم الروح التدخل ، فقام أولاده بفعل نفس الخطية ، فزني ابنه أمنون مع
أخته ثامار ، وقتل ابشالوم أخيه أمنون لأنه فعل الشر بثامار ( 2صم 13 ) هكذا نري
أن إهمال حياة المعرفة الروحية لمبادئ الله تجعل سلوك الفرد غير مرضي ، وهذا يجلب
علي حياة الإنسان فرص ثمينة لإبليس ليتدخل في الحياة .
الرائع
في حياة أيوب أن مبادئ الله كانت واقع يعيشه كل يوم وهذا ما سنراه في الفصول
القادمة، ولكن كانت لأيوب بعض الثغرات سنتكلم عنها تباعا ، كلٍ في وقته فتابعونا..
الفصل السادس
سجود إبليس لنوال حق التجربة
|
|
وَكَانَ ذَاتَ
يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَجَاءَ
الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسْطِهِمْ لِيَمْثُلَ أَمَامَ الرَّبِّ. ( أي 2 : 1 )
|
نفس هذه الآية وردت في الإصحاح الأول " وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ
جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَجَاءَ
الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسْطِهِمْ.
"( أي 1 : 6
) فليس من الغريب أن تجد إبليس في السماء مع الملائكة يسجد كما يسجدون ، فهو كان
من سكان السماء من قبل وما زال يسكن في السماوات ، فعندما يسجل الوحي أن إبليس جاء
وسط الملائكة ليفعل كما يفعلون ، هذا ليعطي لنا إدراكاً روحيا لما يدور حولنا في
عالم الروح الغير مرئي لنا " جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ
الرَّبِّ، وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي
وَسْطِهِمْ لِيَمْثُلَ أَمَامَ الرَّبِّ" ( أي 2
: 1 ) إبليس المتكبر لا يسجد أو يمَثل
أمام الله دون احتياج ، فلم يرد في الكتاب المقدس أن إبليس يوما سجد لله ، فقد جاء
أمام الله ليس حبا في الله ولكنه لسبب داخلي ، فقد عرفه الرب ، ويعلم دفائن قلبه ،
فأذن الله له بالتكلم في حضرته ، الله المهوب القدوس الذي عندما رآه أشعياء "
... رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَال وَمُرْتَفِعٍ،
وَأَذْيَالُهُ تَمْلأُ
الْهَيْكَلَ. ٢السَّرَافِيمُ
وَاقِفُونَ فَوْقَهُ،
لِكُلِّ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ، بِاثْنَيْنِ يُغَطِّي وَجْهَهُ، وَبِاثْنَيْنِ
يُغَطِّي رِجْلَيْهِ، وَبَاثْنَيْنِ يَطِيرُ " ( أش
6 : 1 ) كل هذا المجد الذي لله ، استطاع إبليس أن يأتي ويمثل أمام الله ، هذا
يجعلنا دائما في حالة الاستعداد الدائم والسهر المستمر ، لنستطيع أن نصد كل سهام
إبليس الملتهبة .
عمل إبليس هو التجول في الأرض لمعرفة أخبار الناس
ومحاربتهم " فَقَالَ الرَّبُّ
لِلشَّيْطَانِ: «مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟» فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «مِنَ
الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا»." ( أي 2 : 2
) فقد عرف أخبار أيوب وخطط من اجله تخطيط
عال الجودة ومُحكَم ، ليقع به فريسة للإحباط والشكوك في قدرة الله ، ليرسي به
المطاف أن الله ظالم ، ولكن أيوب استطاع أن يتمسك بكماله فلم يخطئ.
جولان إبليس والتمشي فيها يعني عدم
التسرع في قراراته ، فهو يجول ليعرف ما يدور حوله ، وكلمة يتمشي عكس كلمة يجري أو
يسرع ، فهو يدرس الإمور جيدا ليستطيع أن يسيطر علي العالم ، ويضل لو أمكن
المختارين ، فليعلم الجميع أن إبليس ملأن حكمة " يَا ابْنَ آدَمَ، ارْفَعْ
مَرْثَاةً عَلَى مَلِكِ صُورَ وَقُلْ لَهُ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: أَنْتَ
خَاتِمُ الْكَمَالِ، مَلآنٌ حِكْمَةً وَكَامِلُ الْجَمَالِ" ( حزقيال ١٢:٢٨ ) ولأنه كامل وحكيم فهو قادر علي إدارة الإمور ،
والاتجاه السليم نحو ما يريد ، فهو سياسي محنك ، ويسعي دائماً لكسب المعركة ،
ولولا التدخلات الالهية لإبتلع المؤمنين وهم أحياء " اُصْحُوا
وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ
يَبْتَلِعُهُ هُوَ. " ( 1بط 5 : 8 ) فهل أنت مستعد دائما
لمحاربة العدو .
حوافز
لاحتمال التجارب والألم :
شهد الرب مرتين لأيوب بكماله [6] واستقامة
قلبه ورغم ما حدث له من دمار لكل مقتنياته وفقدان حتى أولاده ، لكنه متمسك بكماله.
" فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي
أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ
يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. وَإِلَى الآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ
بِكَمَالِهِ، وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لأَبْتَلِعَهُ بِلاَ سَبَبٍ». "
( أي 2 : 3 )
تمسك أيوب بكماله أمام الله وهو لا يعلم ما ينتظره من
أجر لذلك سواء في الحياة الحاضرة أو الآتية بالنسبة له ، فنحن الذين انتهت إلينا
أواخر الدهور نعلم الحقائق الكتابية تجاه التمسك بالكمال وبحياة القداسة رغم الظروف
والأحوال " طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ،
لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ «إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» الَّذِي وَعَدَ بِهِ
الرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ. " ( يع
1 : 12 ) فعندما نتمسك بمبادئنا الكتابية فنحن نعلم ولنا الدوافع المحفزة لذلك ،
أما أيوب فهو رجل متمسك بكماله دون أي حوافز روحية تدفعه لذلك ، فالتمسك بالكمال
في المسيح يمنح مدح وكرامة ومجد في وقت مجيء المسيح " لِكَيْ تَكُونَ
تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ
مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ
وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، " ( 1بط 1 : 7 )
قد تأتي تجربة أو ألام لم نكن سببا فيها
، وهذا هو السؤال الذي سأله التلاميذ عن الأعمى ، لماذا ولد أعمي ؟ من المخطئ
أبواه أم هو ؟ " أَجَابَ يَسُوعُ:«لاَ هذَا أَخْطَأَ ولا أبواه،
لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ. " ( يو 9 : 3 ) فعندما تحدث لنا أمورا لا
نعرف سببا لها ، ننتظر الرب فيجيبنا ، سواء بتعليمنا كما في قصة أيوب ، أو في
الرجل الذي ولد أعمي .
يوجد فرق بين التجربة والإمتحان ويوجد
عامل مشترك هو الألم، فالتجربة مصدرها الإنسان " لَمْ تُصِبْكُمْ
تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ
يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ
أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا. " ( 1كو 10 : 13 ) أو إبليس " وَلَمَّا أَكْمَلَ
إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ.
" ( لو 4 : 13 ) لذلك علمنا الرب أن نصلي ضد تجارب إبليس " وَاغْفِرْ
لَنَا خَطَايَانَا لأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضًا نَغْفِرُ لِكُلِّ مَنْ يُذْنِبُ
إِلَيْنَا، وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ».
" ( لو 11 : 4 ) وقد حسنا الرب أن نصلي كل لا ندخل في تجارب " وَلَمَّا صَارَ إِلَى الْمَكَانِ قَالَ
لَهُمْ:«صَلُّوا لِكَيْ لاَ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ»."
( لو 22 : 40 ) . فالتجربة قد يكون مصدرها البشر أو إبليس كما في قصة أيوب .
الامتحان مصدره الله فقط كما حدث مع إبراهيم طلب الله منه أن يقدم ابنه
ذبيحة واستجاب إبراهيم " وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ
امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ:
«يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هاأنذا».
فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى
أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ
الَّذِي أَقُولُ لَكَ»..... ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ
لِيَذْبَحَ ابْنَهُ. ... فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ:
«إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا» ...... فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ
وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكًا فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ، فَذَهَبَ
إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضًا عَنِ ابْنِهِ. " ( تك 22 : 1 ، 11 ـ 13 ) وأنقذ الرب إسحق بكبش .
وكان الرب يمتحن شعب إسرائيل باجتيازهم في ضيق مع الشعوب
الذين تركهم يشوع من بعده " فَأَنَا أَيْضًا لاَ أَعُودُ أَطْرُدُ
إِنْسَانًا مِنْ أَمَامِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ تَرَكَهُمْ يَشُوعُ عِنْدَ
مَوْتِهِ ، لِكَيْ أَمْتَحِنَ بِهِمْ إِسْرَائِيلَ: أَيَحْفَظُونَ طَرِيقَ
الرَّبِّ لِيَسْلُكُوا بِهَا كَمَا حَفِظَهَا آبَاؤُهُمْ، أَمْ لاَ»." (
قض 2 : 21 ، 22 ) ففي هذه الجزئية نري أن الجزء الأساسي ـ أن يشوع لم يقضي علي مثل
هذه الشعوب كما أمره الرب ، وأبقي لهم بقية فصاروا شوكة في ظهورهم يستخدمهم الله
لامتحانهم وتأديبهم .
ويعلمنا الكتاب أن نتيجة الامتحان صبرا " عَالِمِينَ
أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا.
" ( يع 1 : 3 ، رو 5 : 3 ) ومجد أبدي " لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا
الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ
لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا. " ( 2كو 4 : 17 ) فالضيقات المتنوعة لشعب
الله تظهر إيمان وكمال أولاده المؤمنين ، لذلك أقبل الضيق بالشكر ( ضيق الامتحان )
أما ( ضيق التجارب ) فلك أن تصلي كي يرفع الرب عنك يد العدو ويخرجك بمستوي روحي
جديد .
صعب علي أي
إنسان أن يحسب التجارب فرح ، لأن للتجربة سيف علي النفس وللتجربة مرارة ، فلذلك لا
يستطيع الإنسان أن يكيف الفرح مع مرارة التجربة وجرح سيف التجربة ، وليست التجارب من الله " يع 1 : 13
لا يقل احد إذا جرّب إني أجرّب من قبل الله.لان الله غير مجرّب بالشرور وهو لا
يجرّب أحدا. " فالله لا يجرب أحدا
علي الإطلاق ، لكنه يمتحن الإنسان ، وشتان الفرق بين التجربة والامتحان ، فالتجربة
لها مصادر عدة ، أما الامتحان فهو من الله وهدفه الرفعة والبنيان ، كما امتحن الرب
إبراهيم ، ومع الامتحان يعطي إمكانية الفهم والإدراك ، وهو لا يمتحن إلا المؤمنين
.
التجربة
الناتجة عن الخطية :
المصدر الأول
للتجربة هي الخطية ، فإبليس يضع أمام الإنسان الخطية ويعطي معها المبررات ( الظنون
) لدعم السير وراء الشهوات والملذات ، لذلك الرسول بولس يحذر المؤمنين الروحيين
الذين يروا المجربين بالشرور والخطايا أن يلاحظوا أنفسهم ويتسلحوا بروح الوداعة "
أيها الإخوة إن أنسبق إنسان فاخذ في زلة ما فأصلحوا انتم الروحانيين مثل هذا بروح
الوداعة ناظرا إلى نفسك لئلا تجرب أنت أيضا ، احملوا بعضكم أثقال بعض و هكذا تمموا
ناموس المسيح ، لأنه إن ظن احد انه شيء و هو ليس شيئا فانه يغش نفسه ، و لكن
ليمتحن كل واحد عمله و حينئذ يكون له الفخر من جهة نفسه فقط لا من جهة غيره ، لان
كل واحد سيحمل حمل نفسه " ( غلاطية 6 : 1 ـ 5 ) " فالذي يريد أن يحفظ نفسه من التجربة
عليه دائما أن يمتحن نفسه ، يكون يقظ دائما ، وفي حياة السهر والثبات ، ويستمر
ناظرا لرئيس الإيمان شخص الرب يسوع المسيح ، لأن إبليس يستغل الخطية والضعف الروحي
ليدخل في حياة أولاد الله ليجربهم ، فحياة السهر والتوبة تنجينا من فخاخ إبليس
وتجاربه ، من أجل ذلك قال المسيح " فَقَالَ لَهُمْ:«لِمَاذَا أَنْتُمْ
نِيَامٌ؟ قُومُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ
" (لوقا ٤٦:٢٢ )
التجربة
من إبليس مستخدما الشهوة :
دائما إبليس
يستغل الظروف والإمكانيات البشرية والحالات النفسية ، فعندما يكون الإنسان جائعا
يحاول إبليس جاهدا أن يجربه في احتياجه ، كما جرب الرب يسوع من إبليس "
فبعدما صام أربعين نهارا وأربعين ليلة جاع أخيرا. فتقدم إليه المجرب وقال له إن
كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزا. فأجاب وقال مكتوب ليس بالخبز وحده
يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله. مت 4 : 2 ـ 4 " فالتجربة التي
من إبليس ما هي إلا بمثابة حرب روحية علي حيات المؤمن المكرس ، والنصرة فيها
انتصار عظيم .
لنعرف جيدا أن
إبليس خداع ومكار ، ولأنه يعرف أن الحرب خدعه ، فهو يحاول جاهداً أن يخدع الإنسان
، كما حاول أن يخدع رب المجد يسوع المسيح ، أراد أن يهيئ للمسيح أن الوعود
الكتابية تتم من خلال استخدامها دون أن يأخذ فيها " ريما " ( كلمة
منطوقة ) أو إعلان واضح ، فيجرب الله ، فبكل مكر أراد أن يدفع المسيح لفعل مثل هذا
مستغلا الوعد الإلهي ، إذ قال له " لأنه مكتوب انه يوصي ملائكته بك لكي
يحفظوك، وأنهم على أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك* فأجاب يسوع و قال له
انه قيل لا تجرب الرب إلهك، و لما أكمل إبليس كل تجربة فارقه إلى حين" ( لوقا 4 : 10 ـ 13 )
من هنا نعرف
أهمية الصلاة الربانية عندما نقول " مت 6 : 13 ولا تدخلنا في تجربة.لكن
نجنا من الشرير.لان لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد.آمين. " فالصلاة هي
للحفظ فهي من ضمن متطلبات الحماية من تجارب إبليس ، أو النصرة الدائمة علي كل
تجربه . ولنلاحظ أيضا أنه عندما فارق إبليس المسيح فارقه إلي حين " لو 4 : 13
ولما أكمل إبليس كل تجربة فارقه إلى حين " فعمل إبليس أنه المجرب
بالشرور .
عمل إبليس في
قلب حنانيا وسفيرة علي أن يختلسا من ثمن الحقل ، وأدي هذا إلي موتهم " ثم حدث بعد مدة نحو ثلاث ساعات أن امرأته
دخلت و ليس لها خبر ما جرى ، فأجابها بطرس قولي لي أبهذا المقدار بعتما الحقل
فقالت نعم بهذا المقدار، فقال لها بطرس ما بالكما اتفقتما على تجربة روح الرب هوذا
أرجل الذين دفنوا رجلك على الباب و سيحملونك خارجا، فوقعت في الحال عند رجليه و
ماتت فدخل الشباب و وجدوها ميتة فحملوها خارجا و دفنوها بجانب رجلها، فصار خوف
عظيم على جميع الكنيسة و على جميع الذين سمعوا بذلك. " ( اع 5 : 7 ـ 11 ) "
الموت حدث لهم ليس لأنهم جربوا من إبليس وأطاعوه ، بل لأنهم جربوا روح الله "
( اع 5 : 9 ) فقال لها بطرس ما بالكما
اتفقتما على تجربة روح الرب، هوذا أرجل الذين دفنوا رجلك على الباب وسيحملونك
خارجا. " تجربة روح الرب تجلب الموت الروحي ، وعندما يكون الأمر متعلق بمسيرة
إلهية وبداية عمل الهي ، فالعبث الروحي والإهمال في الفكر الإلهي وخدمة الله يجلب
الموت
التجربة
من الإنسان :
التجارب ليس من
إبليس فقط بل يشترك فيها الإنسان أيضا ، وأريد أن أنوه علي أن التجارب التي من
إبليس ليست للخطاة بل للمؤمنين أما الخطاة فعندما يجربون فهم يجربون من قبل أنفسهم
، لانسياقهم وراء الشهوات ، وكذلك المؤمن يجرب إن أخدع من شهوته " 1تي 6 : 9 وأما الذين يريدون أن يكونوا أغنياء فيسقطون في
تجربة وفخ وشهوات كثيرة غبية ومضرة تغرق الناس في العطب والهلاك. " فهذا
قانون يجب مراعاته ، شهوة الغني ليست خطية لكنها إن أصبحت الهدف الأساسي للإنسان ،
فيسرع إليه إبليس ليساعده لكي يقع في شباك غرور الغني ، لذلك يحذرنا الرسول بولس
" 1كو10 : 13 لم تصبكم تجربة الا بشرية.ولكن الله أمين الذي
لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون بل سيجعل مع التجربة أيضا المنفذ لتستطيعوا أن
تحتملوا." فمن أمانة الله أنه يجعل مع التجربة المنفذ ، والمنفذ عند
المؤمنين هو :
الصلاة
والسهر حماية من التجربة :
من أهم العوامل
الروحية التي تجلب الحماية من السقوط وفخ إبليس ، هي الصلاة ، فقد علمنا الرب له
كل المجد أن الصلاة هي من العوامل الهامة القادرة علي رفعة المؤمن فوق كل تيار
عالي ، سواء من إبليس ، أم من البشر ، أو حتى من أنفسنا ، لذلك قال الرب " مت
26 : 41 اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة.أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف. "
فضعف الجسد يستخدمه إبليس ، ليجرب الإنسان ، فعندما رأي المسيح جائعا بعد صيام
أربعين نهارا وليلا ، أتي المجرب ليجربه ، لذلك نري أن حياة الصلاة المستمرة التي
عاشها المسيح من بداية خدمته جعلته دائم الانتصار علي كل سهام إبليس الملتهبة ،
فعندما يجدنا الرب نيا م روحيا وكسالى يوبخنا قائلا : " لو 22 : 46 فقال لهم لماذا انتم نيام.قوموا وصلّوا لئلا
تدخلوا في تجربة " أصلي للرب أن يجعلنا في حياة السهر والصلاة الدائم
والمستمر في اسم المسيح .
الفصل السابع
الاكتئاب
النفسي الذي لأيوب
|
|
فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ
وَقَالَ: «جِلْدٌ بِجِلْدٍ، وَكُلُّ مَا لِلإِنْسَانِ يُعْطِيهِ لأَجْلِ
نَفْسِهِ ( أي 2 : 4 ) |
الإنسان يفدي نفسه ( صحته ـ حياته ) بكل ما يملك " فالإنسان يبذل كل ما يملك فداء نفسه [7]" لأنها
أغلي ما عنده ، فهي أغلي من كل الممتلكات ، بهذه الكلمات أعلن إبليس مستوي إدراكه
للقوانين والمبادئ ، ومقدار الشغف تجاه تحطيم وكسر كل قانون مع أيوب ، فهو أراد
تحطيم كل المعنويات والآمال التي تجعله متعلق بالتعويض الإلهي من خلال ما بقي من
صحة وعافية جسدية ، أراد إبليس أن يجعل أيوب في دائرة النكران والبعد عن الله ، بأن يكسِر ويحطم ما يملكه أيوب من قدرة للعمل م أجل التعويض .
حدث يوما أنه قام إسماعيل
بن نتنيا ومن معه وضربوا جدليا بالسيف فقتلوه ومن معه ثم جاء إليهم رجال من شكيم فخرج
اسماعيل بن نتنيا وقتلهم وألقاهم في وسط الجب " وَلكِنْ وُجِدَ فِيهِمْ
عَشَرَةُ رِجَال قَالُوا لإِسْمَاعِيلَ: «لاَ تَقْتُلْنَا لأَنَّهُ يُوجَدُ لَنَا
خَزَائِنُ فِي الْحَقْلِ: قَمْحٌ وَشَعِيرٌ وَزَيْتٌ وَعَسَلٌ». فَامْتَنَعَ
وَلَمْ يَقْتُلْهُمْ بَيْنَ إِخْوَتِهِمْ. " ( إرميا 41 : 8 ) العشرة
رجال فدوا أنفسهم بخزائن القمح والشعير والزيت والعسل ، فهذا فداء النفس من الموت
الجسدي ، فاهتمام الإنسان بحياته الأرضية شئ هام جدا لكل بني البشر ، فمَّن مِن
البشر يتمني الموت ويسعي إليه ؟ بالطبع لا أحد إلا مَن لهم بعض الأمراض النفسية
الشديدة ، أو مَّن يتعاطون أدوية تساعد علي الاكتئاب وتدفع متعاطيها للانتحار .
وعلي الرغم من محاولات الإنسان علي فداء نفسه فيقول الكتاب "
أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟ " ( مر 8 : 38 )
هل يقدر الإنسان أن يفدي نفسه من الموت فيبقي حي إلي الأبد ؟ إن محاولات الإنسان
لفداء نفسه محاولات فاشلة ، فقد يستطيع اليوم أن ينقذ نفسه من خطر الموت ، وماذا
عن اليوم التالي ؟ وماذا عن الأبدية ؟ "
لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ
وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا
يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟ " ( مت 16 : 26 )
فداء النفس في العهد القديم لها شريعتها الخاصة ، فالقتل العمد له
قانونه ، والقتل الخطأ له قانونه ، فعلي سبيل المثال : " إِذَا نَطَحَ
ثَوْرٌ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً فَمَاتَ، يُرْجَمُ الثَّوْرُ وَلاَ يُؤْكَلُ
لَحْمُهُ. وَأَمَّا صَاحِبُ الثَّوْرِ فَيَكُونُ بَرِيئًا. وَلكِنْ إِنْ كَانَ
ثَوْرًا نَطَّاحًا مِنْ قَبْلُ، وَقَدْ أُشْهِدَ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَمْ
يَضْبِطْهُ، فَقَتَلَ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً، فَالثَّوْرُ يُرْجَمُ وَصَاحِبُهُ
أَيْضًا يُقْتَلُ. إِنْ وُضِعَتْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ، يَدْفَعُ فِدَاءَ نَفْسِهِ
كُلُّ مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ " ( خر 21 : 28 ـ 30 ) فهذه شريعة الله في
العهد القديم ، فحياة الإنسان غالية جدا .
فداء النفس في العهد الجديد لها منظورها الخاص ، فالله يهتم بالإنسان
في دائرة الروح الخالدة الباقية ، فإما أن تخلد في النار الأبدية أو في المجد الأبدي ، لذلك أتي المسيح ليفدي
الإنسان من الموت الأبدي ، وهذا النوع من الفداء لا يلغي الاهتمام بالنوع الأخر ،
فالله يهتم بالإنسان كله روحا ونفسا وجسدا ، لذلك وضع أولويات ، فقبل أن نهتم
بالجسد علينا أن نسعي لمتطلبات الروح ، فكثيرون يفدون أجسادهم من خلال المأكولات
والمشروبات ليبقوا علي قيد الحياة ، وفي وقت المرض يدفعون أموالا طائلة لينالوا
الشفاء ، فالحياة لها قيمتها ولا يستهان بها ، لكن كل هذا أمام أبدية الإنسان ليس
لها قيمة ، فقد ينشغل الإنسان لفداء نفسه في مستوي الزمنيات ، ويهمل المستوي
الأبدي ، فمن الرائع أن تنال فداء نفسك روحيا ثم تهتم بالأرضيات وليكن في توازن
تام .
جاء المسيح ليموت بالنيابة عنا، فقد دفع أجرة خطايانا " لأَنَّ
أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. " ( رو 6
: 23 ) فبالمسيح يسوع لنا الحياة الأبدية ، فلا يوجد طريق أخر إلا الإيمان بالمسيح
" وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ
هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ
يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ
الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ
كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ
الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ
بِهِ الْعَالَمُ. .. الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ
لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ
" ( يو 3 : 14 ـ 17 ، 36 ) ففداء أرواحنا تم في المسيح بموته
علي الصليب ، فهل أمنت به وقبلته وتأكدت أن لك حياة أبدية
إبليس كان يعلم قانون الفداء الزمني في إمور الزمنيات ، ويعلم الفداء
الأبدي بتقديم الذبائح الدموية في العهد القديم ، واليوم يعلم الفداء الكامل في
الإيمان بدم المسيح والإيمان به ، ففي العهد القديم كان يسعي بكل جهده لمحاربة كل
مؤمن تقي أمثال أيوب ، وفي االعهد الجديد اليوم يحارب المؤمنين ، لذلك يقول الرسول
بولس : " فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ
الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ
وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ
الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. " ( أف 6 : 12 )
فإن كانت مصارعة في دائرة عالم الروح فقد حسم المسيح الأمر لكل من يتحد به ويسير
في مخافة اسمه ، فالمسيح " فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي
هذَا الدَّهْرِ فَقَطْ بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا، " ( اف 1 : 21 )
فالمسيح رأس الكنيسة هو فوق كل الرياسات والسلاطين الروحية وقد أعطي الكنيسة حق
إظهار قوة الله فيها " لِكَيْ يُعَرَّفَ الآنَ عِنْدَ الرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ، بِوَاسِطَةِ
الْكَنِيسَةِ، بِحِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ،
" ( أف 3 : 10 ) وفي
ترجمة أخري " والغاية أن يتجلى الآن أمام الرئاسات والسلطات في الأماكن
السماوية ما يظهر في الكنيسة من حكمة الله المتعددة الوجوه [8]" فالمسيح
في الصليب جرد كل الرياسات والسلاطين ، فصارت بلا رتبة أو مقام ، فهي صغيرة جدا
أمام المؤمنين " إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا، ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ. " ( كو 2 : 15 ) فهل
عرفت حجمك أيها المؤمن ؟ تعال الآن وتمسك بحقك في المسيح ولا تخف .
الاكتئاب النفسي الذي
لأيوب :
للمرة الثانية يتكلم إبليس ويطلب من الله أن
يمس أيوب " وَلكِنْ ابْسِطِ الآنَ يَدَكَ وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ،
فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ». فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ:
«هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلكِنِ أحفظ نَفْسَهُ». فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ
حَضْرَةِ الرَّبِّ، وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ
إِلَى هَامَتِهِ. " ( أي 2 : 5 ـ 7 ) " ففي المرة الأولي قال له مس
كل ماله[9] ، أما في المرة الثانية فقد طلب إبليس من الله أن يمس جسد أيوب ، وفي هذا
قال أيوب " عَظْمِي قَدْ لَصِقَ بِجِلْدِي وَلَحْمِي، وَنَجَوْتُ
بِجِلْدِ أَسْنَانِي. تَرَاءَفُوا، تَرَاءَفُوا أَنْتُمْ عَلَيَّ يَا أَصْحَابِي، لأَنَّ يَدَ اللهِ قَدْ
مَسَّتْنِي. " ( أي 19 : 20 ، 21 ) هذا يدل علي عدم
الشهية المفتوحة لتناول الطعام ، فعندما يقول " وَنَجَوْتُ بِجِلْدِ
أَسْنَانِي " فكلمة " نجوت
ـ تأتي في اللغة الانجليزية escaped أي هارب ) وفي اللغة العبرية ( מלט ـ مولات maw-lat ـ وتأتي بمعني أسمنت) وهذا معناه أنه رغم حالة
أسنانه الجيدة ولكن شهيته للطعام كانت ضعيفة ، وهذا ما يؤكده لنا ( أيوب 30 : 30 )
" حَرِشَ جِلْدِي عَلَيَّ وَعِظَامِي احْتَرَّتْ مِنَ الْحَرَارَةِ فِيَّ.
" وفي ترجمة أخري " اسود جلدي علي وتقشر، واحترقت عظامي من الحمى[10] " ألام شديدة في الجلد والعظام ، وبالتالي كانت الحالة النفسية لأيوب
غير جيدة علي الإطلاق فهذه هي حالته كما قال أصدقائه " أَيْضًا يُؤَدَّبُ
بِالْوَجَعِ عَلَى مَضْجَعِهِ، وَمُخَاصَمَةُ عِظَامِهِ دَائِمَةٌ، فَتَكْرَهُ
حَيَاتُهُ خُبْزًا، وَنَفْسُهُ الطَّعَامَ الشَّهِيَّ. " ( ايوب 33 : 19
، 20 ) هذه كانت حالة أيوب ، من شدة الآلام النفسية التي مر بها ، لأنه فقد كل ما
يملك بقر وأتن وغنم وجمال وغلمان حتى أولاده ، ألام نفسية مبرحة ، لدرجة إنه كره
الطعام الشهي .
ضرب
إبليس أيوب " بقرح رديء " وفي ترجمة أخري " بالجرب[11] " وفي الانجليزية " boils ـ وتعني دمامل
" وفي اللغة العبرية " שׁחין وتنطق شكين shekh-een " ضُرب أيوب بالدمامل
، كل هذا يجعل أيوب في حالة من حالات الاكتئاب النفسي .
يقول
الدكتور لطفي الشربيني : " من أهم مظاهر الاكتئاب النفسي حالة الحزن
والآسي والمشاعر الوجدانية البغيضة التي تسيطر علي الإنسان[12] " ولكن درجة الاكتئاب التي لأيوب ليس الاكتئاب الحاد لأنه لم يميل
للعزلة أو للصمت ، فمن يعاني من الاكتئاب يميل إلي الصمت ويرد بصعوبة ، وأيوب لم يكن صامتا ولم يخفض صوته بل كان
مسموعا لكل أصدقائه ، ويرجع هذا لأن إبليس لم يستطع أن يمس نفسه ( عقله ) " هَا
هُوَ فِي يَدِكَ، وَلكِنِ أحفظ نَفْسَهُ " فقد كان واعي بكل شئ وله ذهن
مستيقظ دائماً ، قادر علي المناقشة والجدال والتعبير عن ما يدور داخله .
ما
كان يعاني منه أيوب هو الحزن علي ما فقد من ممتلكات وأولاد وهذا جعله غير مقبل علي
الطعام ويفقد الشهية للأكل ، وهذه الحالة ما هي إلا أولي درجة حالات الاكتئاب ، إن
استمر عليها فيمكن أن تزيد ، ولكن أيوب وقف إلي هذه الحالة حتى نهاية ألامه .
عندما
جاء أصدقاء أيوب ليعزوه " رَأَوْا أَنَّ كَآبَتَهُ كَانَتْ عَظِيمَةً
جِدًّا. " ( أي 2 : 13 ) بكل
تأكيد هذه الكآبة تحصيل حاصل لكل الأحداث السابقة ، وبعد سبعة أيام فتح أيوب فاه
وسب يومه ، فكل كلمات الإصحاح الثالث تعلن عن مستوي الكآبة المرتفع ، كآبة مرتفعة
وليس حادة لأنها نتيجة أحداث ، فبزوالها تزول الكئابة ، فالشخص المكتئب ينظر
للأمور والأشياء بمنظور اسود ، وهذا ما كان فيه أيوب : " بَعْدَ
هذَا فَتَحَ أَيُّوبُ فَاهُ وَسَبَّ يَوْمَهُ، وَأَخَذَ أَيُّوبُ يَتَكَلَّمُ
فَقَالَ: لَيْتَهُ هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَاللَّيْلُ الَّذِي
قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُل. لِيَكُنْ ذلِكَ الْيَوْمُ ظَلاَمًا. لاَ يَعْتَنِ
بِهِ اللهُ مِنْ فَوْقُ، وَلاَ يُشْرِقْ عَلَيْهِ نَهَارٌ. لِيَمْلِكْهُ
الظَّلاَمُ وَظِلُّ الْمَوْتِ. لِيَحُلَّ عَلَيْهِ سَحَابٌ. لِتَرْعَبْهُ
كَاسِفَاتُ ظُلُمَاتُ النَّهَارِ. " ( أي 3 : 1 ـ 5 ) هذا المنظور الأسود
جعله يسب يوم ولادته ، فكان يتمني ان لا يوجد من البداية كي لا يري هذا اليوم ،
ليس هذا فقد بل أيضا من يعاني من الاكتئاب يقل نومه ، وهذا ما كان
فيه أيوب " إِذَا اضْطَجَعْتُ
أَقُولُ: مَتَى أَقُومُ؟ اللَّيْلُ يَطُولُ، وَأَشْبَعُ قَلَقًا حَتَّى الصُّبْحِ."
(ايوب 7 : 4 ٤ ) ما هذا كله ، إنها حالة من حالات الاكتئاب النفسي التي صاحبت أيوب
خلال فترة التجربة ، فهو اكتئاب عارض وليس مرضي ، وعن الاكتئاب المرضي يقول
الدكتور عبد الستار إبراهيم : " عندما نذكر الاكتئاب نذكر معه الكثير من
خصائص الاضطراب النفسي بما فيها المزاج العكر والتشاؤم والشعور بالهبوط والعجز
وبطء عمليات التفكير وبطء التذكر وانتقاء الذكريات الحزينة والمهينة ... هذا هو
الاكتئاب المرضي[13] "
الله
لم يترك أيوب ـ فجاء له في العاصفة[14] وكلمه وصحح كل أفكاره وأفكار أصدقائه التي سمعها ، وفتح الرب حوار مع أيوب
إلي أن نال الشفاء والتعويض الإلهي[15] .
دعوة للانتحار :
كانت الآلام الجسدية شديدة ، والحالة
النفسية سيئة جدا ، فلم تعد الكرامة التي كانت يوما عندما كان في كامل قوته
الاقتصادية والصحية ، الجميع تركوه ، فلم يعد من يسنده بكلمات تشجيع ، ولم يجد من
يفسر له ما حدث ، الجميع تباعدوا عنه " أَقَارِبِي قَدْ خَذَلُونِي،
وَالَّذِينَ عَرَفُونِي
نَسُونِي " ( أي 19 : 14 ) ليس هذا فقط بل العبيد الذين
لأيوب لم يبالوا به " نُزَلاَءُ بَيْتِي وَإِمَائِي يَحْسِبُونَنِي أَجْنَبِيًّا.
صِرْتُ فِي أَعْيُنِهِمْ غَرِيبًا. عَبْدِي
دَعَوْتُ فَلَمْ يُجِبْ. بِفَمِي تَضَرَّعْتُ إِلَيْهِ.
" ( أي 19 : 15 ، 16 ) إبليس استخدم
البشر ليزرع جرح عميق في نفسية أيوب فالأقارب خذلوه ونزلاء بيته تباعدوا عنه ، حتى
زوجته لم تحتمل رائحته وصار مكروها لدي إخوته " نَكْهَتِي مَكْرُوهَةٌ
عِنْدَ امْرَأَتِي، وَخَمَمْتُ
عِنْدَ أَبْنَاءِ أَحْشَائِي. " ( أي 19 : 17 ) وفي ترجمة أخري
" عافت زوجتي رائحة أنفاسي الخبيثة، وكرهني إخوتي فابتعدوا عني[16]
" هذا هو الواقع الذي رسم في حياة أيوب لذلك عندما قالت له زوجته " بَارِكِ
اللهِ وَمُتْ " لم تأتي من فراغ
كلمة " بَارِكِ اللهِ وَمُتْ
" ( أي 2 : 9 ) في ترجمة أخري " جدف على الله ومت[17]
" وفي اللغة الانجليزية تأتي " curse God,
and die " أي " العن الله ومت
" وهذا ما يريد إبليس أن يحققه في حياة أيوب أن يلعن الله ويجدف عليه وينسب
لله جهالة ، ولكن أيوب لم يجدف أو يلعن الله بل وبخ امرأته " فَقَالَ لَهَا: «تَتَكَلَّمِينَ كَلاَمًا
كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ " ( أي 2 : 10 ) فهذا يرجع إلي تمسك أيوب بكماله
نحو الله ، فقد قدمت زوجته له دعوة للانتحار ، ولكنه رفضها بكل قوة وبكل حزم وصرامة
.
هذا يرجع إلي إبليس الذي لم يستطع أن
يمس عقل أيوب ، من اجل ذلك نري أيوب في كامل قوته العقلية ، فهو يجيد التفكير
الحسن والمنطقي ولا ينساق وراء أفكار تبدوا منطقية ، فقد كان يطابق ما يسمعه علي
ما يؤمن به ثم ينطق بما هو مرضي لدي الرب ، ففي كل الأحوال لم ينسب لله جهالة .
الفصل الثامن
السماح الإلهي حقيقة أم خيال
|
|
فَقَالَ لَهَا: «تَتَكَلَّمِينَ
كَلاَمًا كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ! أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ،
وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟». فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ
بِشَفَتَيْهِ. ( أي 2 : 10 ) |
هل
يأتي الشر من عند الله ؟ إنه سؤال جوهري ، لأن معظم الناس يؤمنون أن الخير والشر
من عند الله ، وهذا كان إيمان أيوب أيضا ، أن الله هو المتحكم في مجري الأمور ،
فهو الذي يسمح بكل شئ حسب إرادته .
يجب
أن نعلم أن الله وضع في العالم قوانين روحية وكونية واجتماعية يجب أن تحترم وتقدر
ولا نحيد عنها ، لآن العبث بها هو الذي يحدد وجود الخير والشر ، فقوانين الله هي
للخير ، من يحترمها سينال من خيراتها ، ومن يكسرها سينال وحده من شرها وقد يضر
مجتمعه أيضا .
ينسب
البعض لله فعل الشر باستخدام كلمة " سماح " وهذه الكلمة لا توجد في كلمة
الله الا في أية واحدة " ( مت 3 : 15 ) " فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ
لَهُ:«اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا
أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ». حِينَئِذٍ
سَمَحَ لَهُ. " عند معمودية المسيح من
يوحنا ، طلب المسيح من يوحنا أن يسمح له بالعماد فسمح له ، لأنه لا يليق أن الأعلى
يبارك من الأقل ، فكان يجب أن يوحنا يخضع تحت يدي المسيح وليس العكس ، ولكن لسبب
أن المسيح خاضع لتدابير الله من اجل شعبه ، فقد طلب من يوحنا أن يسمح له فسمح له ،
كلمة سمح في الانجليزي " suffered " وتعني " دفع الثمن ـ سمح
" وباليونانية " ἀφίημι " فالسماح هنا يعني
الخضوع للتدابير ( القوانين ) الخاصة بالمسيرة الإلهية المرتبطة بشعب الله ، هذا
حسب السياق الخاص بالمقطع .
السماح
الإلهي لا يكون خارج قوانين ومبادئ الله ، ولأن قوانين الله ذاتية المفعول فلا
حاجة لنا لاستخدام مصطلح استخدم لعصور كثيرة ، لآن عندما تحدث مصيبة أو كارثة ولا
نستطيع تفسيرها ، ننسب ما حدث لسماح الله ، وهو برئ من هذا ، فما حدث لأيوب ليس
سماح الله ( لأنه لا يرتبط بالمشيئة ولا الإرادة الإلهية ) بل هو عبارة عن ( إذن
بشكاية من إبليس ) فاستجاب الله لشكايته لسبب ثغرات روحية في حياة أيوب ، هذه
الثغرات رفعت الحماية أو الحصانة عن أيوب بناءً علي شكاية من إبليس ، وللتوضيح
أعطي مثال : " عندما يخطئ عضو مجلس شعب أو وزير أو رئيس وزراء ، وترفع ضده
شكاية للنائب العام ، لا يستطيع ضبطه وإحضاره إلا عندما يطلب رفع الحصانة ، وحينها
يستطيع أن يطلبه للمحاكمة أو لتنفيذ عقوبة أو .. الخ " هذا ما حدث مع أيوب
فقد أشتكي عليه إبليس ورفعت من عليه الحصانة ( الحماية ـ السياج ) ، فاستطاع أن
يدخل علي حياته ويفعل بحسب نوع الشكاية المقدمة .
السماح
الإلهي لا يستخدم إلا في الأمور المرتبطة بالمشيئة الإلهية ( كالخدمات الروحية ،
والمسيرات الإلهية ) أما ما يرتبط بالمواضيع العامة والحياتية لبني البشر فلا
يستخدم فيها سماح الله ، لأن أمور الحياة يتحكم فيها قوانين ومبادئ واضعها الله ،
فمن يخضع لها ينال بركاتها ، ومن يكسر قانون عليه احتمال العواقب .
أيوب
لم يكسر قانون ، لكنه تجاهل قانون الثقة بالله في استمرارية الحماية علي حياته
" لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ
جَاءَ عَلَيَّ. " ( أي 3 : 25 ) وابتدأ يتعامل مع الله من مبدأ الخوف
والرعب والفزع ، وهذا أعطي فرصة لإبليس ليحقق ما كان يخاف منه ، لذلك قدم لله
شكاية مفادها أنه من حقه أن يدخل علي حياة أيوب لأنه في منطقة الخوف ، وهذه
المنطقة ملكا لإبليس ، فاستجاب له .
هذا
لا يعتبر سماح الهي ولكنه استجابة كما يستجيب المسئول عن رفع الحصانة من الوزير أو
من عضو مجلس الشعب ، فكلمة سماح تعني أن الله إشترك مع إبليس في مسيرة لا يحق
لإبليس أن يسير فيها ، وحاشا لله أن يفعل هذا .
كان
أيوب لا يدرك كواليس القضية التي فُتحت له أمام الله ، فقد فوجئ بالأحداث واحدة
تلو الأخرى ، فابتدأ يخرج عبارات تكمن داخله ، قد تكون جيدة ولكنها بحسب مفهومنا
لكلمة الله في ضوء العهد الجديد قد نختلف معها ، فعبارة " أَالْخَيْرَ
نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟ " ليست عبارة جيدة
بحسب المفهوم لكلمة الله اليوم ، ففي زمن أيوب الإدراك لإمور الله محدود لذلك لم
يخطئ أيوب ، بحسب مفهومه ، أما نحن اليوم فإدراكنا لقوانين الله الروحية التي يجب
أن لا تكسر ، تجعلنا نقف عند هذه الكلمات التي تفوه بها أيوب ولا نستخدمها لآن
الله لا يجلب لنا الشر ، ولكننا نحن من نجلب الشر بكسر قوانين الله ذاتية المفعول
.
للخير
ملائكة تعمل وللشر أجناد شر تعمل " فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ
دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ
السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ
عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ
أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي
السَّمَاوِيَّاتِ.
" ( أف 6 : 12 ) فعند كسر قانون روحي
فأنت تجند أجناد شر روحية تتبني نتيجة كسرك للقانون ، حينها لا ننسب الشر لسماح
الله ، فالله برئ كل البراءة من الشر الذي حدث لك ، ولكن من حنان الله ومحبته يقف
بجانبك لحين عبور كل المحن التي عانيت منها ، ويبارك ويعوض لك ، لآن " إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ
يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ
يُنْكِرَ نَفْسَهُ." ( 2تي 2 : 13 ) كان يري أيوب أن كماله يعطي له رصيد من الحق
في حماية الله ، ولكن الحقيقة هي أن للمؤمن رصيد حماية كامل غير مرتبط بأمانتنا أو
كمالنا ، ولكن هذه الحماية قد تخترق من العدو لسبب ثغرات في الجدار ، وهذه الثغرات
هي بسبب بعض المعتقدات الخاطئة أو بسبب بعض الأخطاء التي أعطت فرصة للمشتكي أن
يطلب برفع الحصانة عن المخطئ أو عن صاحب المعتقدات الخاطئة التي لم تفحص جيدا من
خلال كلمة الله ، أو من خلال المشورة الجيدة من رجل فاهم للحق .
استطاع
إبليس أن يدخل في حياة أيوب من خلال أصدقاءه ، وهذا يرجع الي اعتقاد أيوب في أنه
يجب علي الصديق مساندة صديقه مهما كانت أخطائه ، سواء كانت في الحق أو خارج دائرة
الحق الإلهي ، فكان يعتقد أنه يجب علي أصدقائه ... ما يلي :
المشاركة
الأخوية وقت الأزمات :
للصداقة حقوق يجب أن تراعيَّ ، هذا هو الفكر
الذي كان لأيوب عن الصداقة او عن الأصحاب " حَقُّ الْمَحْزُونِ مَعْرُوفٌ
مِنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ تَرَكَ خَشْيَةَ الْقَدِيرِ. " ( أي 6 : 14 ) وفي ترجمة أخري " الإنسان
المكروب يحتاج إلى وفاء أصدقائه، حتى لو تخلى عن خشية القدير[18] " فمجئ أصدقاء أيوب لأيوب خطوة رائعة في رصيد صداقتهم ، فالصديق يجب
أن يوجّد دائما بجوار صديقه " اَلصَّدِيقُ يُحِبُّ فِي كُلِّ وَقْتٍ،
أَمَّا الأَخُ فَلِلشِّدَّةِ يُولَدُ.
" ( أم 17 : 17 ) رغم أنهم لم يضيفوا لأيوب كلمة تعزية أو مساندة
لنفسيته المجروحة فقد كانوا من المستهزئون
به " الْمُسْتَهْزِئُونَ بِي هُمْ
أَصْحَابِي. ِللهِ تَقْطُرُ عَيْنِي " ( أي 16 : 20 )
فبدل أن يجففوا دمعته أضافوا علي الدموع دموع ، فزاد الحزن حزناً ، وصاروا حملاً
زائدا علي النفسية المحطمة ، فشعوره بأن يد الله قد مسته شعور مؤلم ، وما زاد
الأمر تعقيداً هم أصحاب أيوب ، فقال لهم " كَرِهَنِي كُلُّ رِجَالِي،
وَالَّذِينَ أَحْبَبْتُهُمُ انْقَلَبُوا عَلَيَّ.
..
تَرَاءَفُوا، تَرَاءَفُوا أَنْتُمْ عَلَيَّ يَا
أَصْحَابِي، لأَنَّ يَدَ اللهِ قَدْ
مَسَّتْنِي. " ( أي 19 : 19 ، 21 ) وكأنه يتفق مع سليمان
الحكيم عندما قال " اَلْمُكْثِرُ الأَصْحَابِ يُخْرِبُ نَفْسَهُ، وَلكِنْ
يُوجَدْ مُحِبٌّ أَلْزَقُ مِنَ الأَخِ. " ( ام 18 : 24 ) استطاع إبليس أن يجند
الغلمان الذين نجوا بكلمات تشير الي أن الله من السماء هو فاعل الأمر ، وجند زوجة
أيوب أيضا ، وها هو يجند أصدقاءه ، فقد كان هدف إبليس هو تدمير أيوب جسديا وماديا
ونفسيا ليستطيع أن يصل لروحه ويدمرها ، فيفقده كل رجاء وأمل في الله .
في نهاية الأزمة وبخ الله أصحاب أيوب لسبب
كلماتهم عن الله ، فقد قالوا كلمات عن الله في مسامع أيوب لا يجب أن تقال ، فقال
الله لهم " وَكَانَ بَعْدَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ مَعَ أَيُّوبَ
بِهذَا الْكَلاَمِ، أَنَّ الرَّبَّ قَالَ لأَلِيفَازَ التَّيْمَانِيِّ: «قَدِ احْتَمَى غَضَبِي
عَلَيْكَ وَعَلَى كِلاَ صَاحِبَيْكَ، لأَنَّكُمْ لَمْ
تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي
أَيُّوبَ. " ( أي 42 : 7
)
يجب أن ندرك أحبائي أن
اختيار أصدقائنا يجب أن يكون في مستوي أفكارنا الروحية ولهم معرفة جيدة بالله ،
فعندما يأتوا لمساندتنا يكونوا في مشيئة الله ، ويجب أن لا ننساق وراء كلمات من
حولنا من أخوه وأخوات وأصدقاء دون أن نمحص الكلام ، فقد كان أيوب صاحب الذهن
الواعي فلم ينساق وراء كلماتهم ، علي الرغم من أن فكرة أن الله هو الفاعل كانت
مسيطرة علي كيانه ، فقد كانت الآلام شديدة لأنه لم يجد إنسانا واحدا يسنده ، حتى
أن يد الله مسته ، فهذا غير الحقيقة لأن يد الله لم تمسه بل يد إبليس هي الصانعة
بعد أن طلب رفع الحماية ( الحصانة ) عن أيوب .
أصدقاء
يرفعون رصيد الهم ويزيدوا الكآبة :
الخطأ الأول الذي صدر من
أصدقاء أيوب أنهم لم يرفعوه بكلمات تعزية لإله السماء ، لكنهم شاركوه الأحزان
بأحزان ، كي يظهروا أمامه في نفس مستوي حزنه فبكوا بصوت مرتفع ومزقوا ثيابهم
ووضعوا ترابا فوق رؤوسهم وجلسوا علي الأرض ، يالها من تصرفات ليست في مستوي
الروحانية التي يجب أن يكونوا عليها ، هذا شبيه في بعض القرى وقت الإحزان يأتي
الأهل والأقارب والأصدقاء ويندبون ويلطمون ويتفوهون بكلمات تزيد الجو حرارة ولهيبا
، فقد فعلوا كما فعل هو أيضا عندما سمع بخبر موت أبناءه " فَقَامَ
أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ
شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ
وَسَجَدَ، " ( أي 1 : 20 ) فإن كان قد فعل أيوب هذا فلا ينبغي هم أيضا أن يفعلوا
مثله ، بل يتماسكوا ويسندوه ويقفوا جانبه حتى تمر هذه الأزمة بسلام .
ما فعله أيوب وأصدقائه
تقريبا يتدرج في عادة منتشرة في العهد القديم عندما يحزنون ، ففي أيام نحميا "
وَفِي الْيَوْمِ الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ
هذَا الشَّهْرِ اجْتَمَعَ بَنُو
إِسْرَائِيلَ بِالصَّوْمِ، وَعَلَيْهِمْ مُسُوحٌ
وَتُرَابٌ.
" ( نح 9 : 1 ) وارميا " شُيُوخُ
بِنْتِ صِهْيَوْنَ يَجْلِسُونَ عَلَى
الأَرْضِ سَاكِتِينَ. يَرْفَعُونَ
التُّرَابَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ. يَتَنَطَّقُونَ
بِالْمُسُوحِ. تَحْنِي عَذَارَى
أُورُشَلِيمَ رُؤُوسَهُنَّ إِلَى الأَرْضِ.
" ( مراثي 2 : 10 ) وأيام حزقيا " وَيُسْمِعُونَ
صَوْتَهُمْ عَلَيْكِ، وَيَصْرُخُونَ بِمَرَارَةٍ، وَيُذَرُّونَ تُرَابًا فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، وَيَتَمَرَّغُونَ
فِي الرَّمَادِ. " ( حز 27 : 30 )
فليس بغريب أن يحدث هذا من أيوب وأصدقائه .
العادات المنتشرة في كل
زمن يستطيع إبليس أن يستخدمها ويجند لها نفوس ، من آجل ذلك يجب علينا فحص كل
الأمور ورفض كل عادة ليست بحسب مشيئة الله ، كي لا يستطيع إبليس أن يستخدمها ،
فأيوب كان لديه استعداد كامل ليقبل مثل هذا النوع من المشاركة ، لذلك أتي له
بأصدقائه ليشاركوه مناحته وليس ليعزوه .
الفصل التاسع
ردود الفعل النفسي لأيوب
|
|
بَعْدَ هذَا فَتَحَ أَيُّوبُ فَاهُ وَسَبَّ
يَوْمَهُ ( أي 3 : 1 )
|
الشتيمة كرد فعل نفسي :
الشتيمة مبدأ بكل
المقاييس مرفوض مجتمعيا ، في أيام أيوب وفي كل جيل وفي كل مجتمع ، فلم تكن الوصية
والشريعة قد أعطيت ، لكن من البديهي أن الكلمات السلبية تجاه أفراد أو أيام أو
سنين ليس بالأمر الحميد ، فالأمر بمثابة تفريغ كمية كبت وحزن شديد لموضوع ليس له
تفسير أو تحليل أو إيجابه داخل أيوب ، ولذلك لم يستطع عمل شئ إلا أن يترك العنان
لنفسه بدل الانفجار الداخلي ، بكلمات قد يندم عليها لاحقاً.
جيد علي الإنسان أن يضبط لسانه ويتحكم في نفسه وقت
الأزمات ، ولكن دون كبت لآن الأزمات تولد غضب والغضب إن لم يُعبر عنه بطريقة صحيحة
يؤدي إلي الكبت والكبت يؤدي إلي مشاكل
جسدية وخيمة ، فكلما زادت كمية الكبت النفسي كلما كانت كمية الخطر كبيرة ، لآن
التعبير عن الغضب بطريقة انفعالية شديدة يقود إلي مشاكل جسدية خطيرة ، أما التعبير
الهادي عن ما يغضب الإنسان يعطي للعقل الباطن فرصة للتفريغ النفسي فلا يدخل
الإنسان في دائرة الكبت النفسي ، فالغضب قد يكون انفجار لكمية الكبت الشديدة
الداخلية فهو كبت معبر عنه ، فإن تم بطريقة هادئة وسليمة فهو صحي ، وإن تم بطريقة
انفعالية وشديدة فهو خطير للغاية ، وفي موضوع الكبت يقول سيجموند فرويد أستاذ علم
النفس في ألمانيا : " الكبت أشبه بإناء مملوء ماء محكم الغلق وموضوع علي
النار ـ فالغليان إذا لم يجد له مخرجا يؤدي إلي الانفجار الشديد ... [19]"
فما حدث لأيوب أنه لمدة سبعة أيام لم يستطع أن يتكلم، رغم كمية الأسئلة داخل
أعماقه، فهي أسئلة بالنسبة له ليست لها إجابة ، مثل : " لماذا أنا ؟ و
لماذا كل هذا ؟ أبقار ، وأتن ، وغنم ، وجمال ، وموت الغلمان ، وموت الأبناء ،
وفقدان الصحة ، وعدم المقدرة علي الطعام ، كل هذا عليّ ..! " إنها أفكار
تدور داخل عقله ، وليس من مجيب ، حتى أصدقاءه صرخوا وبكوا ووضعوا التراب علي
رؤوسهم ، ولم يستطيعوا أن يتكلموا مع أيوب لمدة سبعة أيام ، الأمر صعب للغاية ،
انفجر أيوب وسب يومه لسبب كمية الكبت الداخلي .
كمية الأسئلة المحيرة التي تتعلق بحياة الإنسان من خسائر
في الممتلكات والأرواح ، وكمية المصائب
ولا يستطيع المرء أن يجيب عليها مع الاستمرار في التفكير بها ، يؤدي إلي
اكتئاب وكبت داخلي إن لم يتكلم الإنسان تكون العواقب وخيمة ، فيرتفع ضغط الدم
وتزيد نسبة ألام الرأس ، وقد تزيد نسبة السكر في الدم ، ويميل الإنسان إلي النوم
الكثير للهروب من مشاكله أو قد يزيد نسبة القلق فيصاب الإنسان بعدم مقدرته علي
النوم ، وهذا يزيد من درجة الاكتئاب ، فإن لم يعالج قد يؤدي هذا للموت أو الانتحار
.
الانفجار والعقل الباطن : انفجر
أيوب بكلمات بعد سكوت دام سبعة أيام " وَأَخَذَ أَيُّوبُ يَتَكَلَّمُ
فَقَالَ:"لَيْتَهُ هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَاللَّيْلُ
الَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُل. لِيَكُنْ ذلِكَ الْيَوْمُ ظَلاَمًا. لاَ
يَعْتَنِ بِهِ اللهُ مِنْ فَوْقُ، وَلاَ يُشْرِقْ عَلَيْهِ نَهَارٌ. لِيَمْلِكْهُ
الظَّلاَمُ وَظِلُّ الْمَوْتِ. لِيَحُلَّ عَلَيْهِ سَحَابٌ. لِتَرْعَبْهُ
كَاسِفَاتُ ظُلُمَاتُ النَّهَارِ. " ( أي 3 : 2 ـ 5 ) ولكن في هذه المرة
تفوه بكلمات مرة دليل علي مرارة نفسه الداخلية ، فلم يجد شئ أمامه لينفجر فيه ، لا
غنمه واحدة ولا بقرة ولا حمار واحد أمامه حتى أولاده صاروا ليس بموجودين ، حتى
زوجته تخلت عنه في شدته ، وأخواته وأقرباءه لم يسندوه ، فلم يجد من يتحدث إليهم
شاكيا أو سائلاً ، من اجل ذلك ابتدأ يتجه إلي ماضيه بادئاً بيوم مولده .
ابتدأ العقل
الباطن يُخرج من داخل أيوب يوم البداية و يوم ولادته ، وتمني إن لم يولد ، " لَيْتَهُ
هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ وَاللَّيْلُ الَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ
بِرَجُل " هذا يرجع إلي أمنيته في عدم رؤية يوم كيوم التجربة هذه ، يوم
فيه عُدم البنين والبنات وخسر كل شئ ، وقد عبر في الإصحاح العاشر عن رغبته في ذلك
" فَلِمَاذَا أَخْرَجْتَنِي مِنَ الرَّحِمِ؟ كُنْتُ قَدْ أَسْلَمْتُ
الرُّوحَ وَلَمْ تَرَنِي
عَيْنٌ! ، فَكُنْتُ
كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ،
فَأُقَادَ مِنَ الرَّحِمِ إِلَى الْقَبْرِ."
( أي 10 : 18 ، 19 ) فالإنسان يريد دائما أن يكون في كامل الرخاء والصحة ومسدد
العوز وقادر علي العيش دون هم او خوف ، فأيوب كان يتمني أن يكون في العَدم ولا يري
مثل هذا اليوم العصيب .
ذات يوم كان يوجد حوار بين الرب وارميا النبي حول شعب
الله الذي ضل وبعد عنه، فاخبر الرب ارميا أنه مهلك هذا الشعب بالسيف والنار
والأعداء بسبب " مِنْ أَجْلِ مَا صَنَعَ فِي أُورُشَلِيمَ...... أَنْتِ
تَرَكْتِنِي، يَقُولُ الرَّبُّ. إِلَى الْوَرَاءِ سِرْتِ. فَأَمُدُّ يَدِي
عَلَيْكِ وَأُهْلِكُكِ. مَلِلْتُ مِنَ النَّدَامَةِ. " ( ار15 : 4 )
فماذا كان رد فعل ارميا ؟ ! كان رد عنيفا جداً علي أمه " وَيْلٌ لِي يَا
أُمِّي لأَنَّكِ وَلَدْتِنِي إِنْسَانَ خِصَامٍ وَإِنْسَانَ نِزَاعٍ لِكُلِّ
الأَرْضِ " (ارميا ١٥:١٠
) وفي ارميا لعن اليوم الذي ولد فيه قائلاً : " مَلْعُونٌ
الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ! الْيَوْمُ
الَّذِي وَلَدَتْنِي فِيهِ أُمِّي لاَ يَكُنْ مُبَارَكًا! مَلْعُونٌ الإِنْسَانُ الَّذِي
بَشَّرَ أَبِي قَائِلاً:
«قَدْ وُلِدَ لَكَ ابْنٌ» مُفَرِّحًا إِيَّاهُ فَرَحًا. وَلْيَكُنْ ذلِكَ الإِنْسَانُ كَالْمُدُنِ
الَّتِي قَلَبَهَا
الرَّبُّ وَلَمْ يَنْدَمْ، فَيَسْمَعَ صِيَاحًا فِي الصَّبَاحِ وَجَلَبَةً
فِي وَقْتِ الظَّهِيرَةِ. لأَنَّهُ لَمْ
يَقْتُلْنِي مِنَ الرَّحِمِ، فَكَانَتْ لِي أُمِّي قَبْرِي وَرَحِمُهَا حُبْلَى إِلَى
الأَبَدِ. لِمَاذَا خَرَجْتُ مِنَ
الرَّحِم، لأَرَى تَعَبًا وَحُزْنًا فَتَفْنَى بِالْخِزْيِ أَيَّامِي؟
" السبب انه تنبأ بكلام الرب أمام فشحور بن إميرالكاهن وهو ناظر أول بيت الرب
فضربه وجعله في المقطرة ، فقد عاني ارميا كثيراً لسبب إعلان الحق والتنبؤ بكل ما
يقوله الرب بكل أمانة
لعن يوما الولادة ! ما هي إلا ثقافة متبعة فيها تعبير عن
شدة الألم والحزن والضيق ، وما هي إلا تفريغ نفسي لعدم الكبت وللهروب من دائرة
الاكتئاب ، فرجال العهد الجديد يختلفون في فهمهم عن رجال العهد القديم ، فنحن لنا
من النور الإلهي ما يمنعنا من لعن أيام السنة لأن الله قد وضع داخلنا روحه القدوس
الذي يرشدنا للحق ويرفع أرواحنا وأنفسنا فوق التجارب والآلام ، أما رجال العهد القديم كثيرا ما ينقادون وراء
نفسيتهم نتيجة للظروف التي يمرون بها ولا يجدون لها تحليل أو إجابة شافية إلا
عندما يتكلم إليهم الرب ليخرجهم من المحن النفسية التي يمرون بها ، هكذا نحن إن لم
نلجأ للرب ولروحه القدوس ليرفعنا فوق الألم فسنفعل كما فعل أيوب وارميا. هذا لم
ينقص من مكانتهم الروحية لدي الله ، ولكنه يزيد مدة الألم والتجربة والضيق ، أما
الشكر والصلاة والصبر يسرع بالمعونة الإلهية للإنقاذ ، لذلك لا تسرع بالتعبيرات
السلبية في مسامع من حولك من بشر وملائكة وأجناد شر روحية كي لا يتبنوا بعض
الكلمات التي يأخذونها كأوامر ويسعون لتنفيذها ، فتدخل في مشاكل روحية أنت في غني
عنها .
الإنسان في كيانه الداخلي يمتلك عقلين ، عقل باطن (
اللاواعي ) مساحته 80% وعقل واعي مساحته 20% [20] كل ما
يحدث في الحياة من صور وأحاسيس وأصوات يمر علي العقل الواعي وعندما لا يجد له
استخدام في الوقت الحالي يتم تخزينه في العقل الباطن ، ويظل فيه ليوم مشابه فيه
صور وأحاسيس مشابهه ، فيخرج الصور القديمة إلي العقل الواعي ، فبحسب نوع التخزين
تكون الصور والأحاسيس .
كان داخل أيوب صور في عقله الباطن ، هذه الصور مأخوذة من
الطبيعة والحياة ، فلليل والنهار والشروق صورة ، ولولادة البنين وللموت وللسحاب
صورة ولكسوف الشمس [21] صور ،
كل هذه الصور أخرجها العقل الباطن الي العقل الواعي وابتدأ في استخدامها ، استخدمت
بحسب الحالة النفسية التي عليها ، فكان يعاني من اكتئاب شديد ولأن الاكتئاب مقره
المشاعر والأحاسيس التي مقرها العقل الباطن ، ولشدة الأحزان والاكتئاب الشديد لم
يستطع العقل الواعي إلا أن يستجيب للعقل اللاواعي في التعبير عن أحاسيسه الحزينة
مستخدما الصور الموجودة في العقل اللاواعي .
عندما الإنسان يمتلئ بكلمات الله ويكون داخله صور
إيجابية عن معية الله وعنايته مهما كانت الظروف ، فعندما يمر بمحن لن يخرج من
الباطن إلي الواعي إلا الصور والأحاسيس التي تبني وتعالج ، فيستطيع المؤمن أن يقول
: " أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ
لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي.
" ( مز 23 : 4 ) فقد كانت الصور المخزنة
لكاتب المزمور هي جزئيين ظل موت ومشاعر خوف والجزء الثاني عصا وعكاز لدي الرب ، من
أجل هذا يكون وقت ومدة الحالة النفسية السلبية قليلة ، وتنتهي سريعا.
صوت المشاعر وصوت الله : تمني أيوب أن يكون قد مات قبل أن يولد ، ولأنه لم ينال
هذا ، فقد تمني أن يكون يوم مولده يوم شديد الظلام " فَلْيُمْسِكْهُ الدُّجَى " ( أي 3 : 6 ) ولا يكون فيه فرح بين أيام السنة
، ويكون هذا اليوم عاقراً لا يولد فيه مولود واحد. ما هذا ؟! إنها أمنيات سلبية
لشخص مكتئب اكتئاب شديد ويمتلك من المشاعر أحزان عميقة جداً ، فهل يستجيب الرب
لمثل هذه الأمنيات ؟ بالطبع لا ، لآن المشاعر السلبية لا يهتم بها الله ليحققها ،
ولكنه يسعي لشفائها وهذا يتطلب صمت وهدوء ليستطيع أن يستمع لصوت الله داخله ،
فعندما يكون صوت المشاعر السلبية عالياً لا يُسمع صوت الله ، فالهدوء النفسي وقت
المحن يعطي فرصة لله بأن يسرع بالمعونة الإلهية ، فبحسب ما تشعر به تكون حالتك ،
فلكي يجدد الله مشاعرك عليك بالصمت وليس الكبت ، فالكبت يولد انفجارا أما الصمت الإرادي
لسماع صوت الله يعطي لك هدوءاً نفسياً ويساعدك لسماع صوت الله .
كلمات أيوب السلبية أعطت للرب فترة
طويلة من الصمت والسكوت وعدم التدخل السريع للشفاء والعلاج والتعويض ، فالتدخل
الإلهي يلزم من المحتاج لله أن يصمت ، تعلم داود أن يصمت في وقت المحن والشدائد " صَمَتُّ. لاَ أَفْتَحُ فَمِي، لأَنَّكَ
أَنْتَ فَعَلْتَ " ( مز 39 : 9 ) يتدخل الله لحياتنا عندما نسلم له
التسليم الكامل ، لآن التحركات الروحية التي لا نراها وأحيانا لا ندركها ، لا
تحتاج إلا أن نحرك تجاهها مستوي من الروحانيات العالية فنعطي فرصة للرب ليحرك
الملائكة والأجناد السماوية لصد كل الهجمات الشيطانية تجاه ممتلكاتنا ونفسيتنا ،
فنتماثل للشفاء ويتم من الله التعويض ورد المسلوب .
السحرة ولعنة التنين : في
أيام أيوب كان للسحرة قوة وتأثير في المجتمع وكانت لهم مكانتهم داخل البلاط الملكي
في بعض الدول كمصر القديمة مثلاً ، فكانوا يؤمنون أن السحرة لهم قدرة وسلطان لتحريك
الأرواح والقوات لجعل اليوم نحس أو لجعله مباركاً ، ولهم سلطان علي كسوف الشمس
ولأن القدماء لم يعرفوا علة الكسوف ظنوا أن حيواناً خفياً كان يبتلع الشمس أو
القمر أو كان يغطيه بالبصق عليه كحية عظيمة وأن للسحرة سلطة علي التنين فيوقظونه
أو يسكتونه حينما يشاءون. هذا ما قاله " لِيَلْعَنْهُ لاَعِنُو الْيَوْمِ
الْمُسْتَعِدُّونَ لإِيقَاظِ التِّنِّينِ. لِتُظْلِمْ نُجُومُ عِشَائِهِ.
لِيَنْتَظِرِ النُّورَ وَلاَ يَكُنْ، وَلاَ يَرَ هُدُبَ الصُّبْحِ، لأَنَّهُ لَمْ
يُغْلِقْ أَبْوَابَ بَطْنِ أُمِّي، وَلَمْ يَسْتُرِ الشَّقَاوَةَ عَنْ عَيْنَيَّ.
" ( أي 3 : 8 ـ 10 )
في فكر أيوب " المستعدون لإيقاظ التنين
" هم السحرة الذين كانوا يهددون بأن يوقظوا هذا التنين الذي يبتلع الشمس
ليتحول النهار إلي ظلام ، فهو يطلب من السحرة أن يلعنوا يوم ميلاده ليصير مظلما
" لِتُظْلِمْ نُجُومُ عِشَائِهِ. لِيَنْتَظِرِ النُّورَ وَلاَ يَكُنْ،
وَلاَ يَرَ هُدُبَ الصُّبْحِ، " ( أي 3 : 9 ) فهدب الصبح الشعاع الذي
يخرج من أشعة الشمس في الصباح الباكر ، كل هذا لأن أيوب انتظر الخير فلم يجده
والنور فحدث العكس " حِينَمَا تَرَجَّيْتُ الْخَيْرَ جَاءَ الشَّرُّ،
وَانْتَظَرْتُ النُّورَ فَجَاءَ الدُّجَى. " ( أي 30 : 26 ) فهذا
النوع من الانتظار قد يجلب القلق والتعب ، فعلي الإنسان أن يعيش كل يوم بيومه
" حبزنا كفافنا أعطنا اليوم " ( مت 6 : 11 ) فعندما نعيش خلال
اليوم مستمتعين بالخير والنور ونشكر الرب عليه ، ننام في سلام وهدوء نفسي ، غير
مهتمين بالغد ، وفي الغد ننتظر نسير علي نفس المنهاج ، لا يجد إبليس باباً للدخول
منه لنفسيتنا
السحرة
والسحر في كلمة الله : كان في زمن أبينا إبراهيم والآباء الأولين عدد
من الدول تتعامل مع السحر والسحرة ، فعندما انزعج فرعون مصر بسبب أحلامه ، دعي جميع
سحرة مصر " وَكَانَ فِي الصَّبَاحِ أَنَّ نَفْسَهُ انْزَعَجَتْ، فَأَرْسَلَ
وَدَعَا جَمِيعَ سَحَرَةِ مِصْرَ وَجَمِيعَ حُكَمَائِهَا. وَقَصَّ عَلَيْهِمْ
فِرْعَوْنُ حُلْمَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مَنْ يُعَبِّرُهُ لِفِرْعَوْنَ"
( تك 41 : 8 ) ليس هذا فقط بل مملكة بابل أيضاَ ، عندما طلب الملك من السحرة تبيين
الحلم وتفسيره " أَجَابَ الْكَلْدَانِيُّونَ قُدَّامَ الْمَلِكِ
وَقَالُوا: «لَيْسَ عَلَى الأَرْضِ إِنْسَانٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَيِّنَ أَمْرَ
الْمَلِكِ. لِذلِكَ لَيْسَ مَلِكٌ عَظِيمٌ ذُو سُلْطَانٍ سَأَلَ أَمْرًا مِثْلَ
هذَا مِنْ مَجُوسِيٍّ أَوْ سَاحِرٍ أَوْ كَلْدَانِيٍّ. " ( دا 2 : 10
) الله لا يريد شعبه أن يتعاملون مع السحر
والسحرة ، لذلك أوصي الله شعبه قديما عندما يدخلون أرض الموعد بعدم السماح فيها
بالسحر والسحرة " مَتَى دَخَلْتَ الأَرْضَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ
إِلهُكَ، لاَ تَتَعَلَّمْ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ رِجْسِ أُولئِكَ الأُمَمِ. لاَ
يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ، وَلاَ مَنْ
يَعْرُفُ عِرَافَةً، وَلاَ عَائِفٌ وَلاَ مُتَفَائِلٌ وَلاَ سَاحِرٌ، " (
تث 18 : 9 ، 10 ) عدم التعامل بالسحر والسحرة ولا بأي نوع من أنواع التعامل مع
الأرواح النجسة " وَلاَ مَنْ يَرْقِي رُقْيَةً، وَلاَ مَنْ يَسْأَلُ
جَانًّا أَوْ تَابِعَةً، وَلاَ مَنْ يَسْتَشِيرُ الْمَوْتَى. " ( تث 18 :
11 ) علي الرغم من هذا نجد الشعب لم يتبع الوصية كما ينبغي ، فعندما يأتي ملك يتقي
الله كان يبيد السحرة والعرافون والترافيم والأصنام التي في أورشليم ويهوذا "
وَكَذلِكَ السَّحَرَةُ وَالْعَرَّافُونَ وَالتَّرَافِيمُ وَالأَصْنَامُ
وَجَمِيعُ الرَّجَاسَاتِ الَّتِي رُئِيَتْ فِي أَرْضِ يَهُوذَا وَفِي أُورُشَلِيمَ،
أَبَادَهَا يُوشِيَّا لِيُقِيمَ كَلاَمَ الشَّرِيعَةِ الْمَكْتُوبَ فِي السِّفْرِ
الَّذِي وَجَدَهُ حِلْقِيَّا الْكَاهِنُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ."
( 2مل 23 : 24 )
في العهد الجديد أيضا يعلمنا الرسول
بولس أن السحر من أعمال الجسد التي ينبغي أن تطرد من حياتا ولا يكون لها مكان
" وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ، الَّتِي هِيَ: زِنىً عَهَارَةٌ
نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌ ، عِبَادَةُ الأَوْثَانِ سِحْرٌ عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ
سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ بِدْعَةٌ " ( غل 5 : 19 ، 20 ) فكل من يفعل مثل
هذه الأشياء سيكونون من ضمن من يطرحون خارجاً " لأَنَّ خَارِجًا
الْكِلاَبَ وَالسَّحَرَةَ وَالزُّنَاةَ وَالْقَتَلَةَ
وَعَبَدَةَ الأَوْثَانِ، وَكُلَّ مَنْ يُحِبُّ وَيَصْنَعُ
" ( رؤ 22 : 15 ) من هنا نري أن اله العهدين القديم والجديد قد منع التعامل
بالسحر ومع السحرة لأنها تدخل في عبادة الأوثان والبعد عن الله .
مرارة النفس وتمني العدم : بسبب ضيق النفس يسير الإنسان في طريق التمني ، سواء كان
بالسلبيات أو الايجابيات ، فلأن الضيق الحادث لأيوب شديد المرارة ، فالأمنيات
دائما تكون سلبية المعالم ، ويبدأ من الرحم " لِمَ لَمْ أَمُتْ مِنَ الرَّحِمِ؟
" ( أي 3 : 11 ـ 10 : 18 ) الجنين في الرحم هو الوقت الذي يكون فيه
الإنسان بلا إدراك ووعي نفسي وبدون ذاكرة وليس له ذكر " تَنْسَاهُ الرَّحِمُ، يَسْتَحْلِيهِ الدُّودُ. لاَ
يُذْكَرُ بَعْدُ، ... " ( أي 24 : 20 ) فالصورة
الكامنة في نفس أيوب صورة داكنة ، سوداء ، لا يري فيها معالم ، وكأن الماضي الجميل
قد تلاشي وانتهي .
بسبب
مرارة النفس يتحرك العقل الباطن إلي عملية قص ولصق تجاه الصور الداخلية المرتبطة
بالماضي فيقص المرحلة التي بين الولادة والضيق وكأنه ولد من الرحم مر النفس ، فلا
يذكر المرحلة التي كان يتمتع فيها بالصحة الجيدة والممتلكات الكثيرة وله من البنين
والبنات ما يفرح القلب ، فقد صار كل هذا ليس له أي طعم أو لون أو رائحة ، فهو لا
يري إلا الصورة السوداء .
دائما
الرب يتعامل مع الإنسان بكلمات الأمل ويبدأ من الرحم أيضا ، فقد قال الرب لبني
يعقوب " هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ صَانِعُكَ وَجَابِلُكَ مِنَ الرَّحِمِ،
مُعِينُكَ: لاَ تَخَفْ يَا عَبْدِي يَعْقُوبُ، وَيَا يَشُورُونُ الَّذِي
اخْتَرْتُهُ. " ( أش 44 : 2 ) فهنا الرب يبدأ بصورة رائعة لبني يعقوب
لترتكز داخلهم ، فهو من الرحم جابل الإنسان وصانعه ، لذلك يجب أن نمتلئ بالأمل
وعدم الخوف من المستقبل لأن الله وعد قائلاً " لا تخف " ، الرب
ليس هو الصانع والجابل فقط بل أيضا حاملنا من الرحم " اِسْمَعُوا لِي يَا
بَيْتَ يَعْقُوبَ وَكُلَّ بَقِيَّةِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ، الْمُحَمَّلِينَ عَلَيَّ مِنَ الْبَطْنِ، الْمَحْمُولِينَ
مِنَ الرَّحِمِ. " ( أش 46 : 3 ) وأيضا هو الذي صورنا من الرحم
" قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ
مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلشُّعُوبِ. " ( أر
1 : 5 ) فالرب إلهنا هو مسئول عنا من ونحن جنين في الرحم إلي الشيخوخة " وَإِلَى
الشَّيْخُوخَةِ أَنَا هُوَ، وَإِلَى الشَّيْبَةِ أَنَا أَحْمِلُ. قَدْ فَعَلْتُ، وَأَنَا أَرْفَعُ، وَأَنَا أَحْمِلُ
وَأُنَجِّي. " (
أش 46 : 4 )
هذه الصورة الرائعة يرسمها الله
للمؤمنين لترتكز داخلهم كي لا يصابوا بالاكتئاب أو المرارة الداخلية التي بسببها
يستدعي الصور السوداء والكاتمة ويتفوه الإنسان بكلمات سلبية المعالم ، فالرب قد
قال لنا أنه من البطن صورنا وجابلنا وصانعنا والي الشيخوخة ، فهو القادر أن يعوض
عن السنين التي أكلها الجراد " وَأُعَوِّضُ لَكُمْ عَنِ السِّنِينَ
الَّتِي أَكَلَهَا الْجَرَادُ، الْغَوْغَاءُ وَالطَّيَّارُ
وَالْقَمَصُ، جَيْشِي الْعَظِيمُ الَّذِي أَرْسَلْتُهُ عَلَيْكُمْ. " ( يؤ 2 : 25 ) فهل تؤمن أخي العزيز ، أن حياتك
ليست في مهب الريح ، ولكنها في يدي الله القدير ، فلا تخف إطلاقا ، أسرع الآن لحضن
الرب وتمسك به ، فهو القادر أن يزيل كربك ، وينجيك من الهلاك .
أدعوك لترنم مع داود النبي
قائلاً : " لأَنَّكَ أَنْتَ جَذَبْتَنِي مِنَ الْبَطْنِ. جَعَلْتَنِي مُطْمَئِنًّا عَلَى ثَدْيَيْ أُمِّي. عَلَيْكَ
أُلْقِيتُ مِنَ الرَّحِمِ. مِنْ بَطْنِ أُمِّي أَنْتَ
إِلهِي. " ( مز 22 : 9 ، 10 ) فإن
كان أيوب يسأل " لِمَاذَا أَعَانَتْنِي الرُّكَبُ، وَلِمَ الثُّدِيُّ
حَتَّى أَرْضَعَ؟ " ( أي 3 : 12 ) يجيب داود أن الثديين للطفل هما مصدر
الاطمئنان ، ولكن بسبب مرارة نفس أيوب ، لم يستدعي صور الاطمئنان ، ولكنه أستدعي
الصور الكاتمة ، فيسأل : " لماذا أعانتني الركب؟ " يجيب أشعياء
النبي أنها للتدليل " لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «هأَنَذَا أُدِيرُ عَلَيْهَا سَلاَمًا كَنَهْرٍ، وَمَجْدَ الأُمَمِ
كَسَيْل جَارِفٍ، فَتَرْضَعُونَ، وَعَلَى الأَيْدِي تُحْمَلُونَ وَعَلَى
الرُّكْبَتَيْنِ تُدَلَّلُونَ. " ( أش 66 : 12 ) فكما قلت أن
أيوب لم يستدعي الصور التي تبعث الأمل ، ولكنه استدعي صور سوداء نتيجة الاكتئاب
الشديدة التي جعلته لا يشم إلا رائحة الموت.
الراحة التي بعد الموت :
تمني
أيوب الموت " لأَنِّي قَدْ كُنْتُ الآنَ
مُضْطَجِعًا سَاكِنًا. حِينَئِذٍ كُنْتُ نِمْتُ مُسْتَرِيحًا ، مَعَ مُلُوكٍ
وَمُشِيرِي الأَرْضِ، الَّذِينَ بَنَوْا أَهْرَامًا لأَنْفُسِهِمْ ، أَوْ مَعَ
رُؤَسَاءَ لَهُمْ ذَهَبٌ ، الْمَالِئِينَ بُيُوتَهُمْ فِضَّةً، " ( أي 3 : 13
ـ 15 ) تمني الموت من اجل الراحة أمر
ليس مضمون للجميع ، لأن المؤمن الذي يموت في الرب وحده له الراحة الأبدية سواء كان
في مكان الانتظار ( الفردوس ) أو في بيت الأب بعد مجئ ابن الإنسان وانقضاء الدهر ،
فالذين يموتون في الرب يستريحون من أتعابهم وأعمالهم تتبعهم " وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ
قَائِلاً لِي: «اكْتُبْ: طُوبَى لِلأَمْوَاتِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فِي
الرَّبِّ مُنْذُ الآنَ». «نَعَمْ» يَقُولُ الرُّوحُ: «لِكَيْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ
أَتْعَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ»." (رؤيا ١٣:١٤ ) فالذين لهم الراحة الأبدية هم المؤمنون الذين يموتون في الرب سواء كانوا
من رجال العهد القديم أو الجديد ، فقد كان إيمان اشعياء النبي أن الصديق وحده هو
الذي يستريح بعد الموت " بَادَ الصِّدِّيقُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ ذلِكَ
فِي قَلْبِهِ. وَرِجَالُ الإِحْسَانِ يُضَمُّونَ، وَلَيْسَ مَنْ يَفْطَنُ
بِأَنَّهُ مِنْ وَجْهِ الشَّرِّ يُضَمُّ الصِّدِّيقُ. " ( أش 57 : 1 )
فالصديق يضم من وجه الشر ، فموت المؤمن قبل أيام الشر أو الضيق إحسان من الله لهم
، فقد كان أيوب يتمني أن يضم بالموت ، فالأمر لا يقف عند الموت ولكن الله يعطي
ثياب بيض ليستريحوا حتى مجيء باقي إخوتهم الذين يموتون في الرب " فَأُعْطُوا
كُلُّ وَاحِدٍ ثِيَابًا بِيضًا، وَقِيلَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَرِيحُوا زَمَانًا يَسِيرًا
أَيْضًا حَتَّى يَكْمَلَ الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُمْ، وَإِخْوَتُهُمْ أَيْضًا،
الْعَتِيدُونَ أَنْ يُقْتَلُوا مِثْلَهُمْ. " ( رؤ
6 : 11 ) وهذا أيضا ما تمناه الرسول بولس عندما قال : " فَنَثِقُ
وَنُسَرُّ بِالأَوْلَى أَنْ نَتَغَرَّبَ عَنِ الْجَسَدِ وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ
الرَّبِّ. "
( 2كو 5 : 8 ) فمؤمني العهد الجديد اقوي في معرفتهم بمصيرهم الأبدي عن مؤمني العهد
القديم ، لأن النور الإلهي المعلن في كلمة الله تجعلنا نعلم إلي أين نحن ذاهبون
بعد الموت ، فالرسول بولس علي سبيل المثال كان يعلم إلي أين يمضي " لأَنَّ
لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ. وَلكِنْ إِنْ
كَانَتِ الْحَيَاةُ فِي الْجَسَدِ هِيَ لِي ثَمَرُ عَمَلِي،
فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ
أَفْضَلُ جِدًّا. " ( في 1 : 21 ـ 23 ) فالمؤمن يعيش في هذا
العالم وهو يدرك لمن يعيش ولمن يموت " لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ
نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا
وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ. " ( رو 14 : 8 ) ليس هذا فقط بل إن إيماننا
ومعرفتنا للحقيقة الكتابية الراسخة أن المؤمن الذي يموت في الرب سيحضره الله
بقيامة الأموات " لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ،
سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ. لأَنَّ الرَّبّ نََفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ
يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. " ( 1تس 4 : 14 ـ 16
) أما الأشرار فليس لهم الراحة التي بعد الموت ، سواء كانوا في الهاوية مكان
انتظار الأشرار أو الجحيم مكان العذاب الأبدي للأشرار ونري هذا واضح في قصة الغني
والعازر فقد كان الأول في الجحيم والثاني في النعيم " فَقَالَ
إِبْرَاهِيمُ: يَا ابْنِي، اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ،
وَكَذلِكَ لِعَازَرُ الْبَلاَيَا. وَالآنَ هُوَ يَتَعَزَّى وَأَنْتَ تَتَعَذَّبُ. " ( لوقا 16 : 25 )
فالذين يموتون وهم ليسوا مؤمنين فالعذاب الأبدي يبدأ بعد موتهم مباشرة ويسميها
النبي داود " الهاوية السفلي " فهو يشكر الله من أجل نجاته " لأَنَّ
رَحْمَتَكَ عَظِيمَةٌ نَحْوِي، وَقَدْ نَجَّيْتَ
نَفْسِي مِنَ الْهَاوِيَةِ السُّفْلَى. " ( مز 86 : 13 ) فقد تمني الغني من أجل
إخوته كي لا يأتوا مكان العذاب هذا ولكن طلبه رفض " لأَنَّ لِي خَمْسَةَ
إِخْوَةٍ، حَتَّى يَشْهَدَ لَهُمْ لِكَيْلاَ يَأْتُوا هُمْ أَيْضًا إِلَى مَوْضِعِ
الْعَذَابِ هذَا. " ( لو 16 : 28 ) فالعذاب الأبدي سيكون به
" هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ،
مَتَى رَأَيْتُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ، وَأَنْتُمْ
مَطْرُوحُونَ خَارِجًا. " ( لو 13 : 28 )
أيوب
بكل تأكيد لم يدرك الفرق بين الشرير والصديق في الآخرة ، لأنه تمني الموت ليستريح
مع ملوك الأرض ، وهم كانوا أشرار ، كالملوك الذين بنوا الأهرامات ، فقال أيوب
" لأَنِّي قَدْ كُنْتُ الآنَ مُضْطَجِعًا سَاكِنًا. حِينَئِذٍ كُنْتُ
نِمْتُ مُسْتَرِيحًا . مَعَ مُلُوكٍ وَمُشِيرِي الأَرْضِ، الَّذِينَ بَنَوْا
أَهْرَامًا لأَنْفُسِهِمْ،" ( أيوب 3 : 13 ، 14 ) فلو كان يعلم أنهم غير
مستريحين لكان قد غير أقواله .
الفصل العاشر
أقسام الهاوية
|
|
" أَوْ كَسِقْطٍ مَطْمُورٍ فَلَمْ أَكُنْ، كَأَجِنَّةٍ لَمْ
يَرَوْا نُورًا. هُنَاكَ يَكُفُّ الْمُنَافِقُونَ عَنِ الشَّغْبِ، وَهُنَاكَ
يَسْتَرِيحُ الْمُتْعَبُون. الأَسْرَى يَطْمَئِنُّونَ جَمِيعًا، لاَ
يَسْمَعُونَ صَوْتَ الْمُسَخِّرِ. الصَّغِيرُ كَمَا الْكَبِيرُ هُنَاكَ،
وَالْعَبْدُ حُرٌّ مِنْ سَيِّدِهِ. " ( أي 3 : 16 ـ 19 )
|
ما كان يدور في ذهن أيوب أنه كان يجب أن يكون في نطاق العدم ـ أو الغير
موجود ـ فيصير بلا اسمٍ كالسقط فالسقط
والأموات استراحوا من هم الحياة ، فهم نائمون مستريحون في قبورهم أو في الآخرة ،
هذا بحسب النور الذي وصل إليه ، فالكل متساوون في نهايتهم ، فقد كان يتمني أيوب أن
لا يري يوما مثل يوم الضيق هذا ، أو أن يصنع معه الله معروفاً ، أن يميته حتى يعبر
الغضب[22] ثم يحيه مرة ثانية " لَيْتَكَ
تُوارِينِي فِي الْهَاوِيَةِ، وَتُخْفِينِي إِلَى
أَنْ يَنْصَرِفَ غَضَبُكَ، وَتُعَيِّنُ لِي أَجَلاً فَتَذْكُرَنِي. " ( أي 14 : 13 ) هذا لأن لأيوب فهم أن الأموات في راحة ،
فالهاوية تضم الجميع الصغير والكبير و العبد والسيد فالكل هناك متساوون ، وما لم
يعلمه أن الهاوية لها عدة أقسام دعونا ندرسها معاً.
للهاوية أقسام يجب أن تدرس ويعرفها كل مؤمن وأقسامها هي
: أبوسوس وتارتارو وهادس وشاؤل وجهنم ، جميعها
تختلف عن بعضها ، لأنه يدخل في كل قسم المخلوقات الشريرة الخاصة به .
1
ـ ابوسوس : وتعني الحفرة التي بلا قرار لها " the bottomless pit
" في اليوناني " ἄβυσσος
" وتنطق
" abussos "
وتعني " حفرة بلا قعر " كما في ( رؤيا 9 : 1 ) " ثُمَّ
بَوَّقَ الْمَلاَكُ الْخَامِسُ، فَرَأَيْتُ كَوْكَبًا قَدْ سَقَطَ مِنَ السَّمَاءِ
إِلَى الأَرْضِ، وَأُعْطِيَ مِفْتَاحَ بِئْرِ الْهَاوِيَةِ.
" هنا الملاك أعطي مفتاح بئر أبوسوس ، وهذا البئر
سيخرج منها جراد سفر الرؤيا ، وهذا البئر ليس للأشرار الخطاة الذين يموتون في
خطاياهم وبه أرواح نجسة محفوظة كجراد سفر الرؤيا مثلاً ، واليك الشواهد التي أتت
بمعني أبوسوس :
"
وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ لاَ يَأْمُرَهُمْ بِالذَّهَابِ إِلَى الْهَاوِيَةِ. " ( لو 8 : 31 ) لأن
الشياطين تعلم أقسام الجحيم فكانت تعرف إلي أين ستذهب والي أي قسم ، والمسيح أيضا
ذهب إليها عندما مات علي الصليب " أَوْ: مَنْ يَهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ؟»
أَيْ لِيُصْعِدَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ
" ( رو 10 : 7 ) ،
هذا ليجرد الرياسات والسلاطين ويشهرهم بالصليب " إِذْ جَرَّدَ
الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا، ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ.
" ( كو 2 : 15 ) فمكان أبوسوس يحتوي علي أرواح نجسة بمواصفات خاصة كالأرواح
التي علي هيئة جراد " ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ الْخَامِسُ، فَرَأَيْتُ
كَوْكَبًا قَدْ سَقَطَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَأُعْطِيَ مِفْتَاحَ
بِئْرِ الْهَاوِيَةِ .... فَفَتَحَ بِئْرَ الْهَاوِيَةِ، فَصَعِدَ
دُخَانٌ مِنَ الْبِئْرِ كَدُخَانِ أَتُونٍ عَظِيمٍ، فَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ وَالْجَوُّ
مِنْ دُخَانِ الْبِئْرِ. ... وَمِنَ الدُّخَانِ خَرَجَ جَرَادٌ عَلَى الأَرْضِ،
فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا كَمَا لِعَقَارِبِ الأَرْضِ سُلْطَانٌ. وَلَهَا مَلاَكُ
الْهَاوِيَةِ مَلِكًا عَلَيْهَا، اسْمُهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ
"أَبَدُّونَ"، وَلَهُ بِالْيُونَانِيَّةِ اسْمُ "أَبُولِّيُّونَ"
( رؤ 9 : 1 ، 3 ، 11 ) وكالوحش السياسي إثناء الضيقة " وَمَتَى تَمَّمَا شَهَادَتَهُمَا،
فَالْوَحْشُ الصَّاعِدُ مِنَ الْهَاوِيَةِ سَيَصْنَعُ مَعَهُمَا حَرْبًا
وَيَغْلِبُهُمَا وَيَقْتُلُهُمَا " ( رؤ 11 : 7 ) أيضاً " الْوَحْشُ
الَّذِي رَأَيْتَ، كَانَ وَلَيْسَ الآنَ، وَهُوَ عَتِيدٌ أَنْ يَصْعَدَ مِنَ الْهَاوِيَةِ
وَيَمْضِيَ إِلَى الْهَلاَكِ. وَسَيَتَعَجَّبُ السَّاكِنُونَ عَلَى الأَرْضِ،
الَّذِينَ لَيْسَتْ أَسْمَاؤُهُمْ مَكْتُوبَةً فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ مُنْذُ
تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، حِينَمَا يَرَوْنَ الْوَحْشَ أَنَّهُ كَانَ وَلَيْسَ الآنَ،
مَعَ أَنَّهُ كَائِنٌ. " ( رؤ 17 : 8
) وعند حلول الألفية ( الألف سنة ) سيقيد إبليس والوحش والنبي الكذاب
ويطرحوا في أبوسوس " وَرَأَيْتُ مَلاَكًا نَازِلاً مِنَ السَّمَاءِ مَعَهُ
مِفْتَاحُ الْهَاوِيَةِ، وَسِلْسِلَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى يَدِهِ. ....
وَطَرَحَهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ لِكَيْ لاَ
يُضِلَّ الأُمَمَ فِي مَا بَعْدُ، حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. وَبَعْدَ
ذلِكَ لاَبُدَّ أَنْ يُحَلَّ زَمَانًا يَسِيرًا. " (
رؤ 20 : 1 ، 3 ) فهذا القسم لا
يوجد فيه أي من بني البشر .
2
ـ تارتاروس : ذكرت مرة واحدة في العهد الجديد
وهي منطقة مظلمة لحفظ أرواح لم تفك حتى
الآن فهي محفوظة ليوم دينونتها ، في اليوناني " Τάρταρος " وقد ذكر في ( 2بط 2 : 4 ) " لأَنَّهُ
إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى مَلاَئِكَةٍ قَدْ أَخْطَأُوا، بَلْ فِي
سَلاَسِلِ الظَّلاَمِ طَرَحَهُمْ فِي جَهَنَّمَ، وَسَلَّمَهُمْ
مَحْرُوسِينَ لِلْقَضَاءِ، " وقد تكلم عنه يهوذا دون أن يذكر اسمه قائلاً
: " وَالْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ لَمْ يَحْفَظُوا رِيَاسَتَهُمْ، بَلْ
تَرَكُوا مَسْكَنَهُمْ حَفِظَهُمْ إِلَى دَيْنُونَةِ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ
بِقُيُودٍ أَبَدِيَّةٍ تَحْتَ الظَّلاَمِ. " ( يهـ : 6 ) هذا المكان به وسلاسل حراسة شديدة ، فهو مخصص
أيضا لنوعية من الأرواح النجسة لم تفك حتى الآن ، ولا يوجد أي من أرواح البشر .
3
ـ هادس : أتت في اليوناني " ᾅδης " وتنطق " hadēs " وفي
الانجليزي " hell " وتأتي في اللغة العربية " الهاوية ـ الجحيم " وهو ينقسم إلي
قسمين وبين القسمين هوة عظيمة قد أثبتت ، قسم خاص بأرواح المؤمنين الأبرار والقسم
الأخر يخص أرواح الأشرار
إليك
الشواهد الكتابية التي أتت بمعني هادس :
مت
11 : 33 " وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ!
سَتُهْبَطِينَ إِلَى
الْهَاوِيَةِ. لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ
فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى الْيَوْمِ. "
مت
16 : 18 " وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ
الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي،
وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا.
"
لو
16 : 23 " فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فِي الجَحِيمِ وَهُوَ فِي
الْعَذَابِ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ مِنْ
بَعِيدٍ وَلِعَازَرَ فِي حِضْنِهِ، "
أع
2 : 27 لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ
قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا.
31 سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ
وَلاَ رَأَى جَسَدُهُ فَسَادًا. "
رؤ
1 : 18 " وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ
الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي
مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ.
"
رؤ
6 : 8 " فَنَظَرْتُ وَإِذَا فَرَسٌ أَخْضَرُ، وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ
اسْمُهُ الْمَوْتُ، وَالْهَاوِيَةُ
تَتْبَعُهُ، وَأُعْطِيَا سُلْطَانًا عَلَى رُبْعِ الأَرْضِ أَنْ يَقْتُلاَ
بِالسَّيْفِ وَالْجُوعِ وَالْمَوْتِ وَبِوُحُوشِ الأَرْضِ.
"
رؤ
20 : 13 " وَسَلَّمَ الْبَحْرُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِ، وَسَلَّمَ
الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ
الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِمَا. وَدِينُوا كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ.
14 وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ. هذَا هُوَ
الْمَوْتُ الثَّانِي.
"
4
ـ شأول : في
العبرية " שׁאול
" وتنطق " she'ôl " وتعني القبر فهو مكان أرضي زمني وليس مكان أبدي واليك
الشواهد علي سبيل المثال وليس الحصر :
تث 32 : 22 " إِنَّهُ قَدِ
اشْتَعَلَتْ نَارٌ بِغَضَبِي فَتَتَّقِدُ إِلَى الْهَاوِيَةِ السُّفْلَى،
وَتَأْكُلُ الأَرْضَ وَغَلَّتَهَا، وَتُحْرِقُ أُسُسَ الْجِبَالِ. "
2صم 22 : 6 " حِبَالُ
الْهَاوِيَةِ أَحَاطَتْ بِي. شُرُكُ الْمَوْتِ أَصَابَتْنِي. "
مز 9 : 17 " اَلأَشْرَارُ يَرْجِعُونَ إِلَى الْهَاوِيَةِ، كُلُّ
الأُمَمِ النَّاسِينَ اللهَ."
مز 55 : 15 " لِيَبْغَتْهُمُ الْمَوْتُ لِيَنْحَدِرُوا إِلَى
الْهَاوِيَةِ أَحْيَاءً، لأَنَّ فِي مَسَاكِنِهِمْ، فِي وَسْطِهِمْ شُرُورًا.
"
أش 5 : 14 " لِذلِكَ وَسَّعَتِ الْهَاوِيَةُ نَفْسَهَا، وَفَغَرَتْ
فَاهَا بِلاَ حَدٍّ، فَيَنْزِلُ بَهَاؤُهَا وَجُمْهُورُهَا وَضَجِيجُهَا
وَالْمُبْتَهِجُ فِيهَا! "
عا 9 : 2 " إِنْ نَقَبُوا إِلَى الْهَاوِيَةِ فَمِنْ هُنَاكَ
تَأْخُذُهُمْ يَدِي، وَإِنْ صَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ فَمِنْ هُنَاكَ
أُنْزِلُهُمْ. "
5 ـ جهنم ( وادي ابن هنوم
) : مكان معروف جغرافياً فهو في الجنوب الشرقي
لأورشليم ، سمي وادي ابن هنوم " the valley of
the son of Hinnom
" في العبرية " הנּם " وتنطق " hinnôm
" وفي اليونانية تأتي " γέεννα
" وتنطق " geenna "
كما في مت 5 : 22 " وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ
مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ " كان أول منطقة حدود الإله مولك الذي كان
مرسوما علي شكل عجل من نحاس مفرغ من الداخل وبعد أن يوقدوا النار داخله حتى يحمر
يضعون علي يديه الأطفال من الذكور والإناث كذبائح لهذا الإله " وَهُوَ
أَوْقَدَ فِي وَادِي ابْنِ هِنُّومَ وَأَحْرَقَ بَنِيهِ بِالنَّارِ حَسَبَ
رَجَاسَاتِ الأُمَمِ الَّذِينَ طَرَدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِ بَنِي
إِسْرَائِيلَ. " ( 2أخ 28 : 3 ) ثم جاء يوشيا الملك ونجسه لكي لا يعبر
احد ابنه او ابنته في النار لمولك " وَنَجَّسَ تُوفَةَ الَّتِي فِي وَادِي
بَنِي هِنُّومَ لِكَيْ لاَ يُعَبِّرَ أَحَدٌ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ
لِمُولَكَ. " ( 2مل 23 : 10 ) والطريقة هي انه ملأه بالزبالة والنفايات
والحيوانات الميتة والمجرمين الذين لم يدفنهم أحد وأوقد فيهم النار ، علي أن تستمر
النار ليلاً ونهاراً ، فتطور الاسم من " هنوم " إلي " جهنم " من أجل ذلك قال الرب لمن قال لأخيه يا أحمق
يستحق نار وادي بن هنوم " .... وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ
مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ. .... فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى
تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ
أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. " (
مت 5 : 22 ، 29 ) فجهنم التي هي وادي ابن هنوم لا يوجد في الأبدية لأنه مكان لعقاب
زمني أرضي ، وتكلم الرسول يعقوب عن اللسان
أنه يستطيع أن يجعل الحياة جهنم ( نار ) كوادي بن هنوم " فَاللِّسَانُ
نَارٌ! عَالَمُ الإِثْمِ. هكَذَا جُعِلَ فِي أَعْضَائِنَا اللِّسَانُ، الَّذِي
يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ، وَيُضْرِمُ دَائِرَةَ الْكَوْنِ، وَيُضْرَمُ مِنْ
جَهَنَّمَ. " ( يع 3 : 6 ) .
مما سبق نفهم أن كل شئ لدي الله منظم ، ليس في الكون فقط
بل أيضا في عالم الجحيم والهاوية ، فالكتاب المقدس عميق جدا وبه الكثير من
التعاليم والإدراك الروحي الذي إذا تتبعناه بالروح القدس سنصل إلي مستويات من
المعرفة الروحية ، كل هذا كان لا يعلمه أيوب ، ولكنه أعلن لنا يا مَّن انتهت إلينا
أواخر الدهور ، ليس لأننا أفضل أو أعظم ، ولكن لأن هذا هو زمن النهاية وفيه
المعرفة تزداد .
ذهب الغني إلي هادس وذهب العازر إلي نفس المكان ، ولكن
بينهم هوة عظيمة قد أثبتت ، الغني في اللهيب والعازر في النعيم ، هادس هي مكان
انتظار الأبرار والأشرار إلي اليوم الذي فيه ينتقلوا إلي العذاب الأبدي .
الفصل الحادي عشر
يطلبون الموت ولا يجدونه
|
|
" لِمَ يُعْطَى لِشَقِيٍّ نُورٌ، وَحَيَاةٌ لِمُرِّي النَّفْسِ؟ الَّذِينَ
يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَ وَلَيْسَ هُوَ، وَيَحْفُرُونَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنَ
الْكُنُوزِ،٢٢الْمَسْرُورِينَ إِلَى أَنْ يَبْتَهِجُوا، الْفَرِحِينَ عِنْدَمَا
يَجِدُونَ قَبْرًا!
" ( أي 3 : 20 ـ 22 )
|
يوجد فئة من البشر في ألام شديد ويتمنون الموت ولا
يجدونه ويطلبون الرحمة ولا يجدوها ليس لأنهم أشر من غيرهم بل لأنهم وُجدوا في
دوائر ظلمة واستسلموا لها ، بل وخضعوا للسكني فيها ، فذاقوا من كأسها ، ويرجع هذا
للجهل الروحي وعدم المعرفة بأمور الحياة سواء كانت منظورة أو غير منظورة ، فعندما
يدرك الإنسان كل محيطه المنظور فهو يسير بحسب ما يراه ، كي لا تعثر قدماه ، كذلك
يجب أن يبحث ويفتش الإنسان عن الأمور التي لا تري كي لا يتعثر فيها ، فالكهرباء
علي سبيل المثال تسري في الأسلاك ونحن لا نراها ، فما لا نراه لا يلغي وجوده ،
كذلك الأرواح الشريرة ومحاربتها كيان موجود وقد أعلن الكتاب المقدس لنا كل هذا بكل
دقة ، كي نعي ونفهم وندرك كي لا نتعثر ، فمن مختطات إبليس أنه يقود الإنسان إلي
أماكن ودوائر مظلمة ، والاستسلام لها من اخطر ما يكون ، كما إنه يوجد فئة أخري وُجدوا في دائرة ظلمة
لأنهم أبرار ، فجربوا ولكنهم لم يستسلموا لها ، فرفعهم الله وباركهم وكان لهم نصيب
مضاعف من التعويضات الإلهية علي المستوي المادي والنفسي والروحي ، وصارت أخرتهم
أفضل من بداياتهم ، كما يوجد أناس كانت
لهم خدمة رائعة جدا ، وفي وقت الخوف طلبوا الموت فاستجاب لهم الرب ، وآخرين كان
طريق الظلم حياتهم فشربوا من كأس الموت في منتصف أعمارهم .
وسط كل مستوي ظلمة يضعها إبليس أمام الإنسان ، يقف الله
أمامه ببصيص من النور والأمل ، مذكرا إياه بمواقف ورسائل روحية كانت قد أرسلت له
يوما ، من خلال معرفة روحية كانت في أيام الطفولة ، كالنور الذي أخذه من خلال
قنوات روحية وضعها الله أمامه ، كمدارس الأحد ، وكاهتمام احد الوالدين بكلمة الله
والصلاة ، أو من خلال نبذة أو اجتماع ، في الحقيقة يوجد قنوات كثيرة يستخدمها الله
، فإن استجاب لها الإنسان يسرع الله إليه بالمعونة والإرشاد فلا تطول أيام الظلمة
.
كان لدي أيوب نور يمتلكه منذ زمن، فعندما جاء وقت الظلام
والتجربة الشيطانية، وقف كالأسد يعلن خضوعه لإرادة الله ( حسب فكره ) وهذا حسب له
برا، رغم أنه لعن يوم مولده وتمني الموت " أَنْ يَرْضَى اللهُ بِأَنْ
يَسْحَقَنِي، وَيُطْلِقَ
يَدَهُ فَيَقْطَعَنِي. " ( أي
6 : 9 ) فلم ينظر الله لمثل هذه الأمنية ليهرب من الألم والمرض والتعب ، ولكن الله
جاء بنفسه ليشفيه ويرد كرامته ، ويعطي له تعويضات عن كل ما سلب منه " وَرَدَّ
الرَّبُّ سَبْيَ أَيُّوبَ لَمَّا صَلَّى لأَجْلِ أَصْحَابِهِ، وَزَادَ الرَّبُّ
عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لأَيُّوبَ ضِعْفًا." ( أي 42 : 10 ) هنا نري
التدخل الإلهي ، صار أيوب ضمن النفوس التي تمنت الموت لم تناله ولكنها عوضت وعاشت
أيامها الباقية في سلام وأمان تام إلي أن جاء ميعادها لترحل من عالمنا.
فقد كان أيوب مختلف عن إيليا ، فقد امتلأ قلبه بالخوف ،
وطلب الموت لنفسه " ثُمَّ سَارَ فِي الْبَرِّيَّةِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ،
حَتَّى أَتَى وَجَلَسَ تَحْتَ رَتَمَةٍ وَطَلَبَ الْمَوْتَ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ:
«قَدْ كَفَى الآنَ يَا رَبُّ. خُذْ نَفْسِي لأَنِّي لَسْتُ خَيْرًا مِنْ آبَائِي»..
" ( 1مل 19 : 4 ) ، فسمع له الله فلم يميته ولكنه أخذه إلي السماء[23]
" وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَكَلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ
نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي
الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ. " ( 2مل 2 : 11 ) أنهي الرب خدمة إيليا
وسلمها لإليشع ، لأنه خاف من امرأة
" فَقَالَ: «قَدْ غِرْتُ
غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ، لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا
عَهْدَكَ، وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ،
فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَا»."
( 1مل 19 : 10 ) عندما يمتلئ قلب المؤمن بالخوف ويطلب الموت ، هنا يستجيب له الرب
، فهذا يرجع إلي عمق الطلب داخل حالته النفسية ، فإن كان أمر الموت متأصل داخل
النفس ، والخوف قد سيطر علي الإنسان ، يستجيب له الله ولكن بعد أن يعالج الموقف من
الجانب الروحي ، فقد تم علاج إيليا ليخرج من داخل المغارة ليستمر في خدمته ويمسح
اليشع مكانه ، ثم يؤخذ في مركبة نارية ، فمن الخطر أحبائي أن نري مؤمن قد اهتز من
الداخل نتيجة الظروف المحيطة ، فيتملكه الخوف والقلق والاكتئاب ويطلب الموت وإنهاء
حياته .
وقف ابشالوم في دائرة ظلمة ، أراد أن يأخذ المُلك عنوة
من أبيه داود ، فداود ممسوح من الرب ليصير ملكاً ، فكان يجب عليه أن ينتظر الرب
ليحين وقت استلام كرسي المملكة عن ابيه ، ولكنه سلك في طريق الظلمة وأراد أن يقتل
داود أبيه الممسوح ملكاً ، كانت نتيجته انه قتل فشرب من نفس كأس الظلام الموضوع
أمامه " فَقَالَ يُوآبُ: «إِنِّي لاَ أَصْبِرُ هكَذَا أَمَامَكَ». فَأَخَذَ
ثَلاَثَةَ سِهَامٍ بِيَدِهِ وَنَشَّبَهَا فِي قَلْبِ أَبْشَالُومَ، وَهُوَ بَعْدُ
حَيٌّ فِي قَلْبِ الْبُطْمَةِ. وَأَحَاطَ بِهَا عَشَرَةُ غِلْمَانٍ حَامِلُو
سِلاَحِ يُوآبَ، وَضَرَبُوا أَبْشَالُومَ وَأَمَاتُوهُ. " ( 2صم 18 : 14
، 15 ) استجاب ابشالوم لفكر إبليس ليَقتِل فقُتِل .
كي نعبر الظلمة دون أن نُمَسْ ما علينا إلا أن نرفض كل
دوائر شيطانية يريد بها تكبيلنا وتقيدنا كي لا نسير في عمل الله ونتمم المسيرة
الإلهية الموضوعة أمامنا ، فكان أيوب في حالة كل معالمها ألام وأحزان ومرارة فعمق
الألم وشدة الأوجاع جعله لا يحتمل ، فتفوه بكلمات قاسية علي حياته وآلامه ، ليس
لأنه مخطئ وفاعل شرور ، بل لأنه مخلص وصاحب مبادئ وأخلاق ، ولكنه كان يخاف الخسارة
وفقدان كل شئ فخسر كل شئ " لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي،
وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ " ( أي 3 : 25 ) ولكن تعويضات
الله كانت مباشرة ورائعة ، لأنها تعويضات نابعة من قلب محب ومن اله يعرف الإنسان
جيدا ، فمهما كانت الأفكار والمخاوف التي تعطي لإبليس مكاناً حول حياتنا فأمانة
الله ومحبته أعظم وأقوي ، فهو لا يتركنا فريسة للعدو ، فيتدخل دائماً لإنقاذنا
ومعونتنا ولتعويضنا أيضاً .
طريق خفي رغم السياج الإلهي
لِرَجُل قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ طَرِيقُهُ، وَقَدْ
سَيَّجَ اللهُ حَوْلَهُ.٢٤لأَنَّهُ مِثْلَ خُبْزِي يَأْتِي أَنِينِي، وَمِثْلَ
الْمِيَاهِ تَنْسَكِبُ زَفْرَتِي،٢٥لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي،
وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ.٢٦لَمْ أَطْمَئِنَّ وَلَمْ أَسْكُنْ
وَلَمْ أَسْتَرِحْ، وَقَدْ جَاءَ الرجز". ( أي 3 : 23 ـ 25 )
كان يعلم أيوب أن الله قد سيج حوله[24] برغم
المخاوف التي كانت لدية في فقدان كل شئ ، ويتعجب كيف أن الله أخفي عنه طريق الألم
، فقد كان يتمني أن الله يحذره او ينذره أو يخبره عن كل ما سيأتي عليه
كلمة " سيج " تأتي في اللغة الانجليزية "
hedged وتعني سيج "
وفي اللغة العبرية " שׂכך סכך ـ وتنطق
saw-kak', saw-kak' ـ ساوكاك
ساوكاك " وتعني تحمي وتعني يغطي أو يدافع "
السؤال الذي في داخل أيوب: كيف أن الله لم يدافع عني
ولماذا لم يخبرني ؟ بالنسبة لأيوب السؤال محير لأنه لا يعلم أن السياج الالهي
يمكن أن يُرفَع ، فالخوف من المستقبل الذي يعتمد علي ممتلكات الحاضر يعطي فرصة
ليتدخل إبليس ، فعندما يكون أماننا ينبع من ما نمتلكه اليوم ، يقودنا هذا إلي عدم
الإتكال علي الله اتكالا كاملاً ، فقد كان أيوب يخشي أن يفقد اليوم فيضيع المستقبل
، وقد حدث ما كان يخاف منه " لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي،
وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ " ( أي 3 : 25 ) من اجل ذلك يجب ان نعلم أن الخوف يحجب صوت الله
ورؤية المستقبل ، فالله لا يريد لأيوب أن يجتاز في أي محنة من المحن ، ولكن لسبب
الخوف لم يستطع أيوب أن يعرف أو يسمع صوت الله تجاه مخاوفه .
كلمة ارتعاباً
ارتعبت تأتي في اللغة الإنجليزية " afraid ـ
وتعني: الخوف "
وتأتي في اللغة العبرية " פּחד ـ
وتنطق : pakh'-ad باخيت ـ وتعني : فزع أو
خوف عظيم " فالخوف أحبائي يجعل الإنسان لا يري الأمور جيداً ، فعندما
كانوا التلاميذ في السفينة ولم يكن المسيح معهم ، وهاج البحر جاء المسيح لهم
ماشياً علي المياه خافوا " فَلَمَّا أَبْصَرَهُ التَّلاَمِيذُ مَاشِيًا
عَلَى الْبَحْرِ اضْطَرَبُوا قَائِلِينَ:«إِنَّهُ
خَيَالٌ». وَمِنَ الْخَوْفِ صَرَخُوا!
" ( مت 14 : 26 )
كلمة الخوف في اللغة اليونانية تأتي : " φόβος
ـ وتنطق : فوبوس ـ وتعني : خوف
عظيم " أما كلمة اضطربوا
تأتي في الإنجليزية : " troubled ـ وتعني : قلق
ـ وفي اليونانية : ταράσσω ـ وتعني : تهيج
أو تحريك أو تعكير ماء " فعندما راو المسيح ولم يتحققوا جيدا من هو
تعكرت نفسيتهم ( ولد داخلهم قلق ) فتولد داخلهم الخوف العظيم وبالتالي لم يستطيعوا
أن يميزوا بين الخيال ( كروح نجس يسير فوق المياه ) وبين سيدهم الذي جاء لمعونتهم
، فالخوف والقلق يجعلان المؤمن لا يستطيع أن يري معونة الله ولا يستطيع أن يسمع
صوته إلا عندما يهدأ " فَلِلْوَقْتِ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ قِائِلاً:
«تَشَجَّعُوا! أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا»." ( مت 14 : 27 ) فعندما تشجع
بطرس وطلب ان يمشي علي الماء كالمسيح ، استطاع أن يسمع صوت الله له " فقَالَ:«تَعَالَ».
فَنَزَلَ بُطْرُسُ مِنَ السَّفِينَةِ وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ لِيَأْتِيَ إِلَى
يَسُوعَ. " ( مت 14 : 29 ) ففي أوقات كثيرة لا نري سياج الله ونري هياج
البحر ومخاوف الموت ، من اجل ذلك لا يجب أن نخاف علي يومنا ولا علي مستقبلنا لآن
الله هو قائد حياتنا وسيصلنا إلي بر الأمان .
العلاج الكتابي للخوف :
الكلمة الأولي لعلاج الخوف
توجد في كلمة " تشجعوا " ( مت 14 : 27 ) في الانجليزية : good
cheer وتعني : هتاف جيد او هتاف مريح ـ
ونفس المعني في اللغة اليونانية : θαρσέω ـ
وتنطق : thar-seh'-o ثارسو "
وهذا يعطي لنا فهم أن المسيح يقول لهم غيروا طريقة صراخكم ، من صراخ الخوف السيئ
الي صراخ الفرح بمجيئي إليكم ، فالشجاعة تبدد المخاوف وتغير نبرة الصراخ من صراخ
الخوف الي صراخ الفرح ، هذا بالطبع يتطلب إيمان ، فإن لم يكن بطرس مؤمنا أن المسيح
يقدر أن يسير علي الماء ويفعل نفس الشئ له ، ما كان استطاع أن يتمتع بمجد هذا
العمل الإلهي العظيم ، فتشجع قارئي العزيز وغير بإيمان كل نبرة محزنة وصراخ اليم
إلي صرخة الشجاعة وصرخة الفرح ، لأن يد الله لمعونتنا قريبة .
الكلمة
الثانية التي تعالج الخوف هي : " سلام لكم ـ وتأتي في الإنجليزية : Peace be
unto you ـ وفي اللغة اليونانية : ـ εἰρήνη
ـ وتنطق : i-rah'-nay
ايريناي
ـ وتعني : سلام أو هدوء أو استراحة " وهذا ما قاله الرب
لتلاميذه عندما كانوا خائفين من بطش اليهود لهم وقتلهم ، فقد قتلوا المسيح ، وقد
جاء الدور عليهم ، فأغلقوا الأبواب وجاء المسيح إليهم والأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً وقال
لهم سلام لكم " وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ
أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ
الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ
الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ
لَهُمْ:«سَلاَمٌ لَكُمْ!» " ( يو
20 : 19 ) هذا لآن سلام المسيح يمنح الهدوء والراحة ، جاء إليهم قائلاً لهم اهدأو
كما قال لهم قبلاً في وسط البحر الهائج " تشجعوا " أي غيروا صوتكم
داخلكم ولا تقلقوا ولا تخافوا ، هذا هو صوت الله لك " لا تخف " مهما
كانت الزوابع والصعاب والآلام ، فالرب أقوي وهو موجود لرفعتك .
الكلمة
الثالثة التي تبدد المخاوف هي : " المحبة
" وهذا ما قاله الرسول يوحنا " لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ
الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى
خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ
فِي الْمَحَبَّةِ. " ( 1يو 4 : 18 ) تأتي كلمة "
محبة في اللغة الإنجليزية : love ـ وتعني
الحب المثالي ـ وفي اليونانية : ἀγάπη
ـ وتنطق : agapē ايجابي ـ وتعني وليمة
محبة او صدقة بكفاءة " فالمحبة التي بنوع "
ايجابي " لا تجعل للخوف مكاناً ، " لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا
رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ
رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ. " ( 2تي 1 : 7 ) فنوع المحبة التي يريدها
الله هي محبة من نوع العطاء دون مقابل لأنها " صدقة بكفاءة "
لأنها نفس نوع المحبة التي أحبنا بها الله في المسيح يسوع " لأَنَّهُ
هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ
يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. " ( يو 3 : 16 )
المحبة التي
تبدد المخاوف هي محبة " ايجابي " وليست فيلو ـ φιλέω
ـ phileō ـ وتعني محبة الصديق لصديقه او المحبة التي
تنتظر مقابلها " كما في ( مت 10 : 37 ) " مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ
أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ
ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي،
" الرب يريدنا أن نحب محبة بلا انتظار مقابل ، فهل لك هذا ؟ ! .
الكلمة
الرابعة التي تبدد الخوف هي : " التبني " فكوننا أبناء
لله فهذا وحده كفيل أن يهبنا التشجيع والسلام والمحبة " إِذْ لَمْ
تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي
الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ:«يَا أَبَا الآبُ " ( رو 8 : 15 ) كلمة
التبني في اللغة الانجليزية : adoption وتنطق : ادبشن ـ وتعني تبني وفي اليونانية : υἱοθεσία
ـ وتنطق : hwee-oth-es-ee'-ah وي أوثاسيا ـ وتعني : تبني من الأطفال أو
الأبناء " فنحن لنا " روح التبني " أي لنا حق الاقتراب إلي الأب
ونصرخ إليه بالروح القدس الذي هو روح بنويتنا لله ، هذا يعطي لنا كل راحة فيبدد كل
خوف لآن في داخلنا روح الله القدوس .
أيوب لم يستطع
أن يدرك الأربع كلمات في حياته رغم كماله وبره وتقواه ، لذلك خاف وعندما خاف أتاه
الرعد والإزعاج " لَمْ أَطْمَئِنَّ وَلَمْ أَسْكُنْ وَلَمْ أَسْتَرِحْ،
وَقَدْ جَاءَ الزُّجْرُ»." ( أي 3 : 26 ) جائت كلمة الزجر في اليونانية
" רגז
ـ وتنطق rôgez روجزـ وتعني
: " تحطم من الرعد ، ازعاج ، غضب ، ضوضاء مشكلة " فقد كان
أيوب يتخيل يوماً أن ما يخاف منه سيحدث له لذلك جاء له الرجوز وبالعربية الزجر .
امتلئ قارئي
العزيز بكل الشجاعة والسلام والمحبة واعرف بأنك ابن لله فلا مكان للمخاوف سواء
كانت أرضية أو أبدية ، فلك هنا علي الأرض سياج وراحة وسلام ويقين الحياة الأبدية لآن لك روح التبني الذي يجعل الله الأب أبوك ،
ياله من امتياز لا نستحقه ، فقد دفع المسيح الثمن غالي من اجله ، دفع دمه الثمين
كي تتمتع بالراحة لا الخوف .
الفصل الثاني عشر
شهادة مشددة وليست للتشديد
|
|
الأية 1 فَأجَابَ أَلِيفَازُ
التَّيمَانِيُّ وَقَالَ:إنتهت كلمات أيوب في الإصحاح الثالث وابتدأ الرد من خلال
الأصدقاء ، وفي ردودهم توجد بعض الأفكار الخاطئة التي يجب أن نعي لها ، ونصححها
في ضوء العهد الجديد ، فمن الغريب أن تجد مثل هذه الأفكار حتي اليوم ، هيا بنا
ندرس معا أفكار أول صديق من أصدقاء أيوب ، لنعرف كيف كانوا يفكرون وقتها . ( أي
4 : 1 ) |
أَلِيفَازُ التَّيمَانِيُّ
أليفاز
اسم عبري : אליפז وينطق : 'ĕlı̂yphaz معناه [الله ذهب نقي] ، أحد أصحاب أيوب الثلاثة،
وكان من تيمان في أدوم وربما كان من نسل أليفاز المذكور في (أي٢: ١١) " فَلَمَّا
سَمِعَ أَصْحَابُ أَيُّوبَ الثَّلاَثَةُ بِكُلِّ الشَّرِّ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ،
جَاءُوا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَكَانِهِ: أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ
الشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ، وَتَوَاعَدُوا أَنْ يَأْتُوا لِيَرْثُوا
لَهُ وَيُعَزُّوهُ." وكان أليفاز أول من تكلم بين أصحاب أيوب الثلاثة.
وقد وردت أقواله في ( أي٤ - ٨ و ١٥ و ٢٢ - ٢٤ ) وقد ذكر في هذه الأقوال : " أن
كل ألم هو نتيجة الخطية، وأن خطايا أيوب لا بد وأن تكون جسيمة لأنه قاسى آلاما
مبرحة " ولكن في النهاية وبخ الله أليفاز ورفيقيه الآخرين لأنهم اتهموا أيوب
بما لم يصدر عنه " فَذَهَبَ أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ
الشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ، وَفَعَلُوا كَمَا قَالَ الرَّبُّ لَهُمْ.
وَرَفَعَ الرَّبُّ وَجْهَ أَيُّوبَ. " ( أي ٤٢ : ٧ – ٩ ).
شهادة مشددة وليست للتشديد
:
شهادة
يقدمها أليفاز التيماني عن أيوب تحتوي علي واقع كان يعيشه أيوب فهو كان مرشد
لكثيرين لقد قدم ارشادات لنفوس كانت تعاني من مشاكل أو ظروف صعبة أو أمراض فكان
يشدد أيادي مرتخية ، فقد كان بكل تأكيد يفعل كما تعلم إبراهيم من الرب "
لأَنِّي عَرَفْتُهُ لِكَيْ يُوصِيَ بَنِيهِ وَبَيْتَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ
يَحْفَظُوا طَرِيقَ الرَّبِّ، لِيَعْمَلُوا بِرًّا وَعَدْلاً، لِكَيْ يَأْتِيَ
الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ». " ( تك 18 : 19 ) فقد كان
لأيوب فهم وحكمة ومعرفة " شَفَتَا الصِّدِّيقِ تَهْدِيَانِ كَثِيرِينَ،
أَمَّا الأَغْبِيَاءُ فَيَمُوتُونَ مِنْ نَقْصِ الْفَهْمِ. " ( ام 10 :
21 ) فلا يستطيع عديم المعرفة هداية اخرين " شِفَاهُ الْحُكَمَاءِ تَذُرُّ
مَعْرِفَةً، أَمَّا قَلْبُ الْجُهَّالِ فَلَيْسَ كَذلِكَ. " ( ام 15 : 7
) فقد كان أيوب صِّدِّيقِ وحكيم وحلو الشفتين " حَكِيمُ الْقَلْبِ يُدْعَى
فَهِيمًا، وَحَلاَوَةُ الشَّفَتَيْنِ تَزِيدُ عِلْمًا. " ( ام 16 : 21 )
وبالتالي له المعرفة والفهم والعلم ، وبالرغم من كل هذا في وقت الشدة والالم لم
يستطع أن يعزي نفسه بكلمات تشدده وتقوي يدية التي ارتخت بسبب شدة التجربة ،
فالإنسان دائما وقت الشدة يحتاج إلي الحكماء الفاهمين كي يسندوه ويشددوه ولا
يكونوا كأصدقاء أيوب الذين زادوا الهم هما ، فنكون كالمسيح الذي تنبأ عنه أشعياء
" أَعْطَانِي السَّيِّدُ الرَّبُّ لِسَانَ الْمُتَعَلِّمِينَ لأَعْرِفَ
أَنْ أُغِيثَ الْمُعْيِيَ بِكَلِمَةٍ. يُوقِظُ كُلَّ صَبَاحٍ لِي أُذُنًا،
لأَسْمَعَ كَالْمُتَعَلِّمِينَ. " ( أش 50 : 4 ) فالمسيح كان له كل العلم
لأنه كان حكيم القلب وحلو الشفتين ، فهل نكون مثل سيدنا في هذا المستوي الرائع
فنشدد الآخرين ، ونكون أصحاب نعمة نبني الآخرين فنكون للبنيان لا للهدم " لاَ
تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا
لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ.
" ( أف 4 : 29 ) فيكون كلامنا مملح فيعطي صلاحا لمن يسمعنا " لِيَكُنْ
كَلاَمُكُمْ كُلَّ حِينٍ بِنِعْمَةٍ، مُصْلَحًا بِمِلْحٍ، لِتَعْلَمُوا كَيْفَ
يَجِبُ أَنْ تُجَاوِبُوا كُلَّ وَاحِدٍ. " ( كو 4 : 6 )
هكذا
كان كل رجال الكتاب المقدس الأفاضل ، فقد كان يشددون بعضهم بعضا ويقدمون بعضهم في
الكرامة ، فشدد أيوب كثيرين " بَلْ كُنْتُ أُشَدِّدُكُمْ بِفَمِي،
وَتَعْزِيَةُ شَفَتَيَّ تُمْسِكُكُمْ. " ( أي 16 : 5 ) وموسي شدد يشوع
" وَأَمَّا يَشُوعُ فَأَوْصِهِ وَشَدِّدْهُ وَشَجِّعْهُ، لأَنَّهُ هُوَ
يَعْبُرُ أَمَامَ هذَا الشَّعْبِ، وَهُوَ يَقْسِمُ لَهُمُ الأَرْضَ الَّتِي
تَرَاهَا. " ( تث 3 : 28 ) واشعياء بالروح القدس بروح النبوة يدعونا
كمؤمنين لنشدد بعضنا بعض " شَدِّدُوا الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ،
وَالرُّكَبَ الْمُرْتَعِشَةَ ثَبِّتُوهَا. " ( أش 35 : 3 ) وأوصي الرب
بطرس أن يشدد إخوته المؤمنين " وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ
لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ. وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ. "
( لو 22 : 32 )
إن
شهادة اليفاز التيماني ليست للمدح في أيوب بل لانتقاده ، والسبب يرجع لما قاله
أيوب في الإصحاح الثالث ، فقد لعن يوم مولده وتمني الموت ، لأجل هذا بدأ اليفاز
بكلمة يقول فيها ما معناه ـ لا استطيع السكوت عن ما قلته في كلماتك لذلك لا تتضايق
عندما نختبر ونحلل كلامك ـ " إِنِ امْتَحَنَ أَحَدٌ كَلِمَةً مَعَكَ،
فَهَلْ تَسْتَاءُ؟ وَلكِنْ مَنْ يَسْتَطِيعُ الامْتِنَاعَ عَنِ الْكَلاَمِ؟
" ( أي 4 : 2 ) إن شهادة الآخرين لنا قد تدعمنا للأمام وقد تأخرنا للخلف أو
تُتِعبنا وتكون زيادة حمل علي كاهلنا ، إن اليفاز التيماني يذكر أيوب كيف كان يعمل
مع الآخرين ما لم يقدر أن يفعله مع نفسه " وَالآنَ إِذْ جَاءَ عَلَيْكَ
ضَجِرْتَ، إِذْ مَسَّكَ ارْتَعْتَ. " ( أي 4 : 5 ) من الطبيعي عندما تكون
الصعاب والمشاكل بعيده يستطيع الإنسان أن يسند ويشجع ، أما عندما تكون لديه
المشاكل فهو يحتاج لمن يقف بجانبه ، فمن الصعب أن يكونوا الأصدقاء سبب حمل ثقيل
بكلمات متعبة ولهجة شديدة .
قد
كان لأيوب خدمة رائعة وسط جيله، يشدد ويشجع ويسند ويُقّوِم " قَدْ أَقَامَ
كَلاَمُكَ الْعَاثِرَ، وَثَبَّتَّ الرُّكَبَ الْمُرْتَعِشَةَ! " ( أي 4 :
4 ) إنها الخدمة التي يريدها الرب أن نهتم بالنفوس لأنها من صميم العمل الإلهي
" اَلرَّبُّ عَاضِدٌ كُلَّ السَّاقِطِينَ، وَمُقَوِّمٌ كُلَّ الْمُنْحَنِينَ.
" ( مز 145 : 14 ) فهل لك أن تكون من ضمن الفاهمين الحكماء وتعمل عمل الله ،
لأنه يوجد نفوس كلماتها كالسيف تذبح فتقتل مَّن أمامها " يُوجَدُ مَنْ
يَهْذُرُ مِثْلَ طَعْنِ السَّيْفِ، أَمَّا لِسَانُ الْحُكَمَاءِ فَشِفَاءٌ. "
( أم 12 : 18 ) فالكلام الحسن يشبهُه الكتاب كالشهد والعسل وبه شفاء "
قَلْبُ الْحَكِيمِ يُرْشِدُ فَمَهُ وَيَزِيدُ شَفَتَيْهِ عِلْمًا. اَلْكَلاَمُ
الْحَسَنُ شَهْدُ عَسَل، حُلْوٌ لِلنَّفْسِ وَشِفَاءٌ لِلْعِظَامِ. " (
أم 16 : 23 ، 24 ) فلا تتعجب أخي العزيز عندما يعلمنا الرب من خلال كلمته عن أن
نسامح ونبارك ونشدد ونؤازر ونسند ونتأني " وَنَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا
الإِخْوَةُ: أَنْذِرُوا الَّذِينَ بِلاَ تَرْتِيبٍ. شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ.
أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ. " ( 1تس 5 : 14 )
وتعيش بحسب هذه الوصية مع جميع من حولنا " لِذلِكَ قَوِّمُوا الأَيَادِيَ
الْمُسْتَرْخِيَةَ وَالرُّكَبَ الْمُخَلَّعَةَ، " ( عب 12 : 12 ) أصلي أن
يباركك الرب القارئ العزيز لتسير في الخط الإلهي وتشدد كثيرين ، ولتعلم أن الرب لن
يتركك ويتخلي عنك لآن الله لا ينسي تعب المحبة .
المؤمنون ورعاية القدير :
يظن البعض أن من واجب الله نحو المؤمنين هي
رعايتهم وحراسة ممتلكاتهم ، فعندما يصاب مؤمن أو يحدث له مكروه ، نسأل الله قائلين
: لماذا يارب ...؟ أو أذكر أني سرت أمامك بالأمانة .. ؟ ويبدأ الانسان في
عتاب مع الله ، ولكن ليعلم كل إنسان أن الله لا يجرب بالشرور ولا يأتي بالمصائب
لأحد ، ولكن المصائب تأتي نتيجة وجود الإنسان في دائرة ظلمة أو منطقة مظلمة
كما شرحنا سابقاً ، فوجود بار في طريق أو مكان خارج مشيئة الله قد يستهدف من إبليس
ولا يجد من يسنده ، فالبار لم يفعل شيئاً إلا إنه وُجد داخل مكان خارج دائرة
المشيئة الإلية ، وأيضا في أوقات كثيرة تأتي بعض المصائب لصديقين ومؤمنين مستقيمين
دون أن يكون لديهم فعل خاطئ يستحقون فيه ما أصابهم ، فليس من العدل أن نتفق مع
اليفاز في أن كل مصيبة يسبقها فعل شر وأن جميع المصائب نتيجة للخطية ، يسأل اليفاز
" اُذْكُرْ: مَنْ هَلَكَ وَهُوَ بَرِيءٌ، وَأَيْنَ أُبِيدَ
الْمُسْتَقِيمُونَ؟ " ( أي 4 : 7 ) وكأن لا يوجد مستقيم هلك ، فالهلاك
هنا لا يقصد به الحالة الأبدية ، ولكن يقصد به الحالة الأرضية الزمنية ، كلمة هلك
في اللغة العبرية لها عدة كلمات ( أوباد ، شوتشات ، ساوفاو ، تشارام ، ماوكاتس
) وجميعها تعطي نفس المعني وهو الهلاك المرتبط بالمادة سواء كان كائن حي أو
جماد ، إلا كلمتي : شوتشات وتشارام : وهما مرتبطتان بهلاك الجسد والروح ، واليك
جميع الكلمات بالشواهد كما يلي :
1 ـ اوباد : كلمة هلك في اللغة العبرية : אבד ـ وتنطق : aw-bad' ـ اوباد ـ وتعني : يفقد
نفسة ، يموت يفشل. ( أي 4 : 7 ، لا 26 : 38 ، العدد 17 : 12 ، العدد 21 : 29 ،
العدد 24 : 17 ، العدد 24 : 19 ) ويستخدم في المصائب التي للموت أو للدمار في
الحياة الدنيا .
2 ـ شوتشاث : في العبرية : שׁחת وتنطق shâchath
شوتشاث وتعني : يفقد يفسد
يموت . وتستخدم لهلاك كامل جسدا وروحا فمن مات سوتشات ليس له حياة ابدية ،
ويشمل الهلاك الأراضي والحيوانات ، هلاك كامل بدون بقية ، والسبب يرجع إلي أن
كأسهم قد امتلأ وشرهم أشدت أمام الرب وصار مزعج للغاية . كما في الآيات التالية :
( تك 6 : 13 ، تك 6 : 17 ، تك 9 : 15 ، تك 18 : 28 ـ 32 ، تك 19 : 13 ، خر 12 : 23
)
3 ـ ساوفاو : في العبرية : ספה وتنطق : saw-faw' ساوفاو ـ وتعني : يزيل ، يخرب
للموت يحطم . ( تك 18 : 24 ، تك 19 : 15 ، 17 ، العدد 16 : 26 ) عندما قال
الرب عن هلاك سدوم وعمورة استخدم كلمة شوتشات وعندما تكلم مع لوط استخدم كلمة
ساوفاو ، فمدينة سدوم هلاكها جسدي وروحي أما لوط إن كان لم يسمع للملاكان لكان
هلاكه من نوع "ساوفاو " هلاك الجسد فقط أما هو فله حياة أبدية لأنه بار.
4 ـ تشارام : في العبرية : חרם وتنطق châram تشارام ـ وتعني : يلعن ، يحطم . ( خر
22 : 20 ) لأنها مرتبطة بتقديم ذبائح لغير الله في العهد القديم
5 ـ ماوكاتس : في العبرية : מחץ وتنطق : maw-khats' ماوكاتس وتعني : يضرب بقسوة يجرح. (
العدد 24 : 17 )
فكرة أن المصائب تحدث فقط بسبب الخطية فكره
ليست كاملة ، فتوجد مصائب نتيجة الخطية وتوجد مصائب نتيجة الشكوة الشيطانية ،
فالمصائب التي هي نتيجة الخطية نراها مثلاً في سدوم وعمورة لسبب الشذوذ الجنسي
وعدم التوبة فكان نوع الهلاك " שׁחת شوتشاث shâchath
" أو
" تشارام חרם châram
" فهما
يعطيان معني الموت الجسدي والروحي ، فمن تطبق عليه التشوتشاث أو تشارام ليس له الا
العذاب الأبدي ، أما الأبرار المخطئين او الذي وجدوا في اماكن خارج المشيئة
الإلهية وصادفهم الهلاك أو المصائب سيكون هلاكهم من النوع : " أوباد אבד aw-bad' " أو من النوع " ساوفاو ספה saw-faw' " أو " ماوكاتس מחץ maw-khats' " فهما يعبران عن هلاك الجسد ونجاة الروح
، إن اليفاز التيماني أراد أن يعطي انطباع داخل أيوب ، أن المصائب التي حدثت له هي
نتيجة الخطايا التي فعلها ، فهي من النوع " أوباد " وان الله قد
فعل به هذا لآنه ليس أفضل من الآخرين " كَمَا قَدْ رَأَيْتَ: أَنَّ
الْحَارِثِينَ إِثْمًا، وَالزَّارِعِينَ شَقَاوَةً يَحْصُدُونَهَا. بِنَسَمَةِ
اللهِ يَبِيدُونَ، وَبِرِيحِ أَنْفِهِ يَفْنَوْنَ." وهنا نسأل : هل
الله هو الذي يبيد البار المخطئ أو الشرير الهالك ؟ بكل تأكيد لا ..
لأن الله وضع قوانين تسلك فيها جميع خلائقه بما فيهم الملائكة والشياطين ، وهذه
القوانين تطبق ذاتياً ، فالله لا يحتاج لمن يطبقها ، فرفع السياج يتطلب شكوة
والشكوة يجب أن تكون حقيقية ، إما خطية واضحة أو دائرة ظلمة سواء كانت بالفكر أو
بالفعل ، وأيضا السياج الإلهي يعمل بقانون البر والتقوى والسلوك المقدس وحفظ كلمة
الله والعمل بها ، وكسرهما يجعل السياج الإلهي يضعف أو يتلاشي من حياة المؤمن ،
فالقوانين الالهية تعمل ذاتيا ، ما عليَّ إلا أن ابحث وأفتش عن قوانينه التي في
كلمة الله ، وأعيش فيها كي أتمتع ببركاتها وحمايتها ورعايتها .
الفصل
الثالث عشر
هواجس
الليل كوابيس مرعبة
|
|
زَمْجَرَةُ الأَسَدِ وَصَوْتُ الزَّئِيرِ وَأَنْيَابُ الأَشْبَالِ
تَكَسَّرَتْ. اَللَّيْثُ هَالِكٌ ( أوباد 'âbad ) لِعَدَمِ الْفَرِيسَةِ، وَأَشْبَالُ اللَّبْوَةِ تَبَدَّدَتْ.
ثُمَّ إِلَيَّ تَسَلَّلَتْ كَلِمَةٌ، فَقَبِلَتْ أُذُنِي مِنْهَا رِكْزًا. فِي
الْهَوَاجِسِ مِنْ رُؤَى اللَّيْلِ، عِنْدَ وُقُوعِ سَبَاتٍ عَلَى النَّاسِ،
أَصَابَنِي رُعْبٌ وَرَعْدَةٌ، فَرَجَفَتْ كُلَّ عِظَامِي. ( أي 4 : 10 ـ 14 ) |
كلمات
الفاز التيماني من البداية سلبية وتحمل في داخلها كل معاني الاكتئاب وتدفع أيوب
للاستسلام لواقع فرض عليه ، فصور له مقدار إرشاداته وتشديد الأيادي المرتخية
والركب المرتعشة لكثيرين ، فقد جاء الدور عليه فلماذا الضجر والرعب ، فما علي أيوب
إلا الاستسلام للواقع الآن ، فيوجد أبرياء هلكوا ( اوباد وليس تشوتشاث )
وإنه يحصد الآن من شقاوة ما زرعه ، ثم استرسل اليفاز في حديثه نحو تشبيه أيوب
كالأسد الجائع ، وكيف هلك من الجوع ، فهل أيوب أقوي من الأسد ملك الغابة ؟! .
كل
هذه الصور التي تفوه بها اليفاز أراد بها إبليس أن يعطي انطباع أن الله لا يستطيع
أن يهتم كل الاهتمام بالبار ، فالبر الذي كان لأيوب لم يعطي له حق الحماية ، أراد
إبليس من خلال اليفاز أن يكبل نفسية أيوب ويدفعها في منطقة مظلمة كي لا يستطيع أن
يغني ويقول " الأَشْبَالُ احْتَاجَتْ وَجَاعَتْ، وَأَمَّا طَالِبُو الرَّبِّ
فَلاَ يُعْوِزُهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ. " ( مز 34 : 10 ) فقد صور له
أن الأسود تجوع ولا تجد فريسة فلا عجب عندما لا يجد البار طعام أو حماية أو شفاء ،
فعندما يصاب بالمصائب فما عليه إلا الاستسلام .
بعد
كل هذا يسترسل اليفاز كلماته وتصوراته ليقود أيوب إلي منطقة الأحلام " فِي
الْهَوَاجِسِ مِنْ رُؤَى اللَّيْلِ، عِنْدَ وُقُوعِ سَبَاتٍ عَلَى
النَّاسِ،أَصَابَنِي رُعْبٌ وَرَعْدَةٌ، فَرَجَفَتْ كُلَّ عِظَامِي. " (
أي 4 : 13 ، 14 ) إن اليفاز لم يصاب كما حدث لأيوب علي الرغم من هذا يتكلم اليفاز
عن هواجس رؤي الليل والرعب والرعدة والرجفة ، فهو يريد أن يرسل صورة للعقل الباطن
الذي لأيوب كي لا يستطيع أن ينام مستريح ولو لدقيقة واحدة ولا سيما أن الحالة التي
لأيوب مليئة بالألام والأتعاب الجسدية كالدمامل وسخونة العظام وسواد جلد جسده
والتصاق عظمه بجلده وعدم شهيته للطعام ، كل هذا لا يجعله يستطيع النوم ، وأراد
إبليس أن يزيد الأتعاب عليه في وقت النوم من خلال كلمات اليفاز ، هذا إن استطاع
النوم .
الأحلام
جزء مهم جدا في حياة الإنسان فهي التي تخبرنا ما نحتاج إليه وما يدور داخل العقل
الباطن ، فمن خلال أحلامك تستطيع أن تدرك ملكاتك الكامنة داخل نفسيتك ، أحلامك
تعطي فرصة للعقل الباطن ليقوم بالتنفيس كي لا يصاب الإنسان بالاكتئاب أو الكبت لأن
الحلم لغة تصويرية للتعبير وقد تكون هذه اللغة غير دقيقة ولكنها حيوية وعميقة
المعني .
الأحلام
المفزعة أو الهواجس كما أطلق عليها اليفاز لها ثلاث مصادر ، المصدر الأول هو أعماق
النفس البشرية ، فقد تخرج فزاعات ومخاوف كامنة في أعماق النفس التي تخرج في صورة
كوابيس وهذا نوع من الأحلام تحذيرية ، فالعقل الباطن ينبه الإنسان بوجود مشكلة
نفسية داخلية قال عالم النفس روبرت " إن الرجل حين يحرم من القدرة علي رؤية
الأحلام لابد من أن ينتهي أمره في النهاية الي الخبل ، وذلك لأن قدراً هائلاً
كبيرا من الأفكار التي لم تكتمل والتي لم يتم التصرف بشأنها ... " فالعقل
الباطن يجيب علي الأسئلة التي لم يجد لها العقل الواعي إجابة ، لذلك يقوم العقل
الباطن بالإجابة بالنيابة عن العقل الواعي ليستريح ، وتخرج الإجابة في صورة أحلام
أو كوابيس أو فزاعات وهواجس .
المصدر
الثاني للكوابيس أو الفزاعات والمخاوف تأتي من إبليس ، فهو يستخدم بعض الصور
الذهنية الكامنة في العقل الباطن ويخرجها في صورة أحلام مفزعة ، والفرق بينهما هو
أن الكوابيس النابعة من أعماق النفس أحيانا كثيرة تكون معبره ولها هدف ، أما
الأحلام الإبليسية ليس لها موضوع وغير معبرة ، وعندما تتأمل فيها لا تخرج بموضوع
أو فكرة .
المصدر
الثالث هي بعض الأدوية التي تؤدي لمتعاطيها أحلام أو هواجس ليس لها معني ، وهي
تعطي من خلال كشف طبي لوجود بعض الأمراض النفسية الشديدة التي لا تستجيب للجلسات
الإرشادية ، فيأخذ مهدئات وغيرها من أدوية الاكتئاب أو التوتر ، فقد يصاب بهلاوس
إثناء النوم ، تنتهي بتوقف الأدوية .
مما
سبق نري أن الحرب التي علي أيوب كانت بلا هدنة ، فملاحقة إبليس لأيوب كانت متتالية
كي لا يستطيع أن يفكر فكرا إيجابيا ، فينهض ليرتمي في حض الله القادر أن يرفعه ،
فما أصاب |إبليس من إحباط أن أيوب لم يستجب لكلمات أصدقاءه ، من أجل ذلك كانت
استجابة الله له سريعة .
روح غريبة لبث أفكار غريبة
:
كلمات اليفاز من بدايتها
ليست منقادة بروح الله ، ولكنها أتت بروح غريبة ، فالتعاليم التي القاها أمام أيوب
لا تقوده إلي الراحة والهدوء والسكينة ولكنها تدفعه نحو التعب وشد للأعصاب وتزيد
الحمل حملاً ، فقال : " فَمَرَّتْ رُوحٌ عَلَى وَجْهِي، اقْشَعَرَّ شَعْرُ
جَسَدِي. وَقَفَتْ وَلكِنِّي لَمْ أَعْرِفْ مَنْظَرَهَا، شِبْهٌ قُدَّامَ
عَيْنَيَّ. سَمِعْتُ صَوْتًا مُنْخَفِضًا: أَالإِنْسَانُ أَبَرُّ مِنَ اللهِ؟ أَمِ
الرَّجُلُ أَطْهَرُ مِنْ خَالِقِهِ؟ " ( أي 4 : 15 ، 16 )
الروح
التي مرت علي وجهه تُعرف من الأحاسيس التي تبثها داخل الإنسان ، فقد أقشعر جسده
وكانت غير واضحة لأنه قال : " وَلكِنِّي لَمْ أَعْرِفْ مَنْظَرَهَا
" ولكنه سمع صوتها وأعلن كلماتها ، فقد بدأ بالقول : " أَالإِنْسَانُ
أَبَرُّ مِنَ اللهِ؟ أَمِ الرَّجُلُ أَطْهَرُ مِنْ خَالِقِهِ؟ " هذه
العبارة ليست سيئة ، ولكنها حقيقة أن الإنسان ليس أبر من الله ، فالله أعظم ، ولكن
يجب أن نكون حذرين لأنه عندما يستخدم إبليس كلمات منمقة وجيدة فلنعلم أنه ورائها
يخفي حقيقة كاذبة يريد أن يسقطنا فيها .
كلمة روح في اللغة العبرية
روأخ : معناها : الريح أو الروح ، وتأتي في اللغة العبرية : רוּח ـ وتنطق : روأخ roo'-akh وتستخدم في جميع
الكائنات الروحية والبشرية والحيوانية والإلهية ، كما في : ( تك 6 : 17 ) " فَهَا
أَنَا آتٍ بِطُوفَانِ الْمَاءِ عَلَى الأَرْضِ لأُهْلِكَ كُلَّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ
حَيَاةٍ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ. كُلُّ مَا فِي الأَرْضِ يَمُوتُ. "
المقصود بـ " كُلَّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ " الكائنات
البشرية والحيوانية التي ستدخل الفلك كما هو واضح في : ( تك 7 : 15 ) " وَدَخَلَتْ
إِلَى نُوحٍ إِلَى الْفُلْكِ، اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ
حَيَاةٍ. " كما استخدمت الكلمة عند التعبير عن روح الله كما في : ( تك 41
: 38 ) " فَقَالَ فِرْعَوْنُ لِعَبِيدِهِ: «هَلْ نَجِدُ مِثْلَ هذَا
رَجُلاً فِيهِ رُوحُ اللهِ؟ " وأيضا كما في : ( خر 28 : 3 ) " وَتُكَلِّمُ
جَمِيعَ حُكَمَاءِ الْقُلُوبِ الَّذِينَ مَلأْتُهُمْ رُوحَ حِكْمَةٍ، أَنْ
يَصْنَعُوا ثِيَابَ هَارُونَ لِتَقْدِيسِهِ لِيَكْهَنَ لِي. " و ( خر 31
: 3 ) " وَمَلأْتُهُ مِنْ رُوحِ اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ
وَالْمَعْرِفَةِ وَكُلِّ صَنْعَةٍ، "وعند التعبير عن الروح البشرية كما
في : ( نك 45 : 27 ) " ثُمَّ كَلَّمُوهُ بِكُلِّ كَلاَمِ يُوسُفَ الَّذِي
كَلَّمَهُمْ بِهِ، وَأَبْصَرَ الْعَجَلاَتِ الَّتِي أَرْسَلَهَا يُوسُفُ
لِتَحْمِلَهُ. فَعَاشَتْ رُوحُ يَعْقُوبَ أَبِيهِمْ. " واستخدمت للتعريف
بروح الغيرة كما في : ( العدد 5 : 14 ) " فَاعْتَرَاهُ رُوحُ الْغَيْرَةِ
وَغَارَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهِيَ نَجِسَةٌ، أَوِ اعْتَرَاهُ رُوحُ الْغَيْرَةِ
وَغَارَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهِيَ لَيْسَتْ نَجِسَةً، " و ( العدد 5 : 30
) " أَوْ إِذَا اعْتَرَى رَجُلاً رُوحُ غَيْرَةٍ فَغَارَ عَلَى
امْرَأَتِهِ، يُوقِفُ الْمَرْأَةَ أَمَامَ الرَّبِّ، وَيَعْمَلُ لَهَا الْكَاهِنُ
كُلَّ هذِهِ الشَّرِيعَةِ. "
بعد
هذا السرد من الآيات الكتابية نري أن كلمة " الروح ـ روح ـ רוּח ـ روأخ roo'-akh " تفهم في سياق الجملة كـ " روح الله أو روح الغيرة
أو روح الحكمة ... الخ " لأجل ذلك نفهم أن الروح التي مرت علي اليفاز لم
تكن روح إلهية بل إنها روح غريبة ، هذا يعرف من كلام أليفاز من البداية ، فقد وضع
نفسه المحلل والممتحن لكلمات أيوب ، ثم تكلم عن أن المصائب تأتي للجميع كلٍ بدورة
، فقد أتي لكثيرين وشددهم أيوب ، وقد جاء الدور عليه ، وكأنه يريد أن يعطي مفهوم
غريب عن طريقة معاملة الله مع البشر ، وهو منطق " المكتوب " وهذا
ما قاله اليفاز " اُذْكُرْ: مَنْ هَلَكَ وَهُوَ بَرِيءٌ، وَأَيْنَ
أُبِيدَ الْمُسْتَقِيمُونَ؟ كَمَا قَدْ رَأَيْتَ: أَنَّ الْحَارِثِينَ إِثْمًا،
وَالزَّارِعِينَ شَقَاوَةً يَحْصُدُونَهَا. بِنَسَمَةِ اللهِ يَبِيدُونَ،
وَبِرِيحِ أَنْفِهِ يَفْنَوْنَ " ( أي 4 : 7 ـ 9 ) فالله لا يتعامل بمنطق
" المكتوب " .
هذا
المنطق ظالم بكل المقاييس " وحاشا لله أن يكون ظالماً " لآن
اصحاب هذا الفكر يؤمنون أن ما كتبه الله لك فهو حادث لا محالة ، فإن كتب لك الهلاك
فأنت هالك ، وإن كتب لك السماء أو الجنة فأنت من المحظوظين ، ويؤمنون أن كل ما
كتبه الله لابد أن يحدث لآن الإنسان مسير وليس مخير .
الإنسان
مخير في كل ما هو إرادي ومسير في كل ما هو جيني وفي كل ما هو أعلي من مستواه ، أي
أن الإنسان لم يختار مكان ولادته ولا لون بشرته ولا لون عينه ، ولم يختار الوالدين
، لكنه يستطيع بعد بلوغه سن الإدراك وحمل المسئولية أن يختار مكان سكنه ووظيفته
وإيمانه بالله .
اختيارات
الإنسان سيحاسب عليها سواء كان في الدنيا أو الآخرة ، فقد اختار لوط لنفسه ( تك 13
: 11 ) وكان اختيار غير حكيم فخسر كل شئ ، اختيارات الله للإنسان ليست إجبارية
ولكنها عروض مقدمة إما أن تقبل أو ترفض ، فبقولنا لها يكون لنا خيرا في الدنيا
والآخرة ، وإن رفضت سنخسرها دنيا وآخرة ، فعلي سبيل المثال : الإيمان وقبول الحق
الذي هو المسيح عرض مقدم من الله للخلاص من جهنم والعذاب الأبدي ، والله لا يجبر
أحد ولكنه " الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى
مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" ( 1تي 2 : 4 ) والسؤال هنا : هل جميع
الناس يتوبون ؟ بكل تأكيد لا ، وبالتالي لا يخلصون ، ولكن الأهم هنا أن الله يريد
لجميع الناس ان يخلصون ويقبلون المسيح .
عندما نري روح ( الرب ـ ملاك ـ شيطان ) علينا أن نكون
مستيقظين روحيا لنستطيع أن نميز هل هي إلهية أم شيطانية ، فهي تعرف من محتوي
الرسالة التي تأتي بها ، ومن خلال الروح القدس الساكن فينا ، وإن لم تستطيع معرفة
مصدرها عليك رفض كل ما تمليه عليك سواء من خلال أحاسيس أو كلمات مباشرة .
الظهورات الشيطانية دائماٍ تترك ورائها تعاليم غريبة لا
تتوافق مع كلمة الله ، وتترك أيضا أحاسيس ليست مستقرة وهادئة ، فهي روح للضوضاء
والتشويش والبلبلة .
الفصل الرابع
عشر
هل حقا
الله دائم الشكوك وعنيف ؟
|
|
هُوَذَا عَبِيدُهُ لاَ يَأْتَمِنُهُمْ، وَإِلَى مَلاَئِكَتِهِ
يَنْسِبُ حَمَاقَةً ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ سُكَّانُ بُيُوتٍ مِنْ طِينٍ،
الَّذِينَ أَسَاسُهُمْ فِي التُّرَابِ، وَيُسْحَقُونَ مِثْلَ الْعُثِّ؟ ( أي 4 :
18 ، 19 ) |
من
الأفكار المغلوطة أن الله لا يأتمن عبيده أو أولاده المؤمنين فقد أعاد اليفاز
التيماني مرتين هذه العبارة كما في ( أي 4 : 18 ، 15 : 15 ) " هُوَذَا
قِدِّيسُوهُ لاَ يَأْتَمِنُهُمْ، وَالسَّمَاوَاتُ غَيْرُ طَاهِرَةٍ بِعَيْنَيْهِ،
فَبِالْحَرِيِّ مَكْرُوهٌ وَفَاسِدٌ الإِنْسَانُ الشَّارِبُ الإِثْمَ كَالْمَاءِ
!" كما انه اتفق بلدد الشوحي مع اليفاز إذ قال : " هُوَذَا نَفْسُ
الْقَمَرِ لاَ يُضِيءُ، وَالْكَوَاكِبُ غَيْرُ نَقِيَّةٍ فِي عَيْنَيْهِ. فَكَمْ
بِالْحَرِيِّ الإِنْسَانُ الرِّمَّةُ، وَابْنُ آدَمَ الدُّودُ؟». " ( أي
25 : 5 ، 6 )
عن الإنسان :
لم
يرد في كلمة الله أن الله لا يثق في الإنسان ولا ينسب للملائكة حماقة ، فالإنسان
منذ بداية الخليقة يتعامل معه الله بكل حب ويسعي دائما ليرفعه ويسنده ليكون دائما
في الارتفاع ، فقد تعامل مع آدم " وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ
تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ
نَفْسًا حَيَّةً. " ( تك 2 : 7 ) إلي نوح ومهما كان الشر الصادر من
الأشرار فكان يوجد وسط كل الجيل رجل بار كنوح " هذِهِ مَوَالِيدُ نُوحٍ:
كَانَ نُوحٌ رَجُلاً بَارًّا كَامِلاً فِي أَجْيَالِهِ. وَسَارَ نُوحٌ مَعَ اللهِ.
" ( تك 6 : 9 ) وفي وسط جيل أخر نجد إبراهيم أبو المؤمنين " فِي
ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلاً: «لِنَسْلِكَ
أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ
الْفُرَاتِ. " ( تك 15 : 18 ) واسحق ويعقوب " فَقَالَ: «لاَ
يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ
مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ». " ( تك 32 : 28 ) وغيرهم من الأمناء
، لكل هؤلاء خدمات ومسيرة روحية ساروا فيها مع الله بأمانة ، فلا نستطيع أن ننسي
أخنوخ البار الذي سار مع الله " وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ
يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ." ( تك 5 : 24 ) فالله لا ينسب عدم
الأمانة لمن اختار أن يتبعه بل يقبل الجميع ويعطي فرصة للكل ، ويستخدم الضعيف كي
يباركه " وَلكِنْ لَنَا هذَا الْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ،
لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ ِللهِ لاَ مِنَّا. " ( 2كو 4 : 7 ) من
يُستخدَم من الله لا ينسب الفضل لذاته بل لله .
عن الملائكة :
أما
عن الملائكة فلها علاقة معه كاملة ، فهم يطيعون أوامره ودائما تبارك الله " بَارِكُوا
الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً، الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ
عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ. بَارِكُوا الرَّبَّ يَا جَمِيعَ جُنُودِهِ،
خُدَّامَهُ الْعَامِلِينَ مَرْضَاتَهُ. " ( مز 103 : 20 ) فهم مخلوقين من
الرياح والنار وذو مقدرة خارقة " الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا، وَخُدَّامَهُ
نَارًا مُلْتَهِبَةً. " ( مز 104 : 4 ) ولهم طقوس في علاقتهم مع الله ،
فعندما يقفون أمامه يغطون وجوههم وأرجلهم بأجنحتهم ويسبحونه ويسبحون عظمته " السَّرَافِيمُ
وَاقِفُونَ فَوْقَهُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ، بِاثْنَيْنِ يُغَطِّي
وَجْهَهُ، وَبِاثْنَيْنِ يُغَطِّي رِجْلَيْهِ، وَبَاثْنَيْنِ يَطِيرُ. ٣وَهذَا
نادي ذَاكَ وَقَالَ: «قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ
مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ». " ( اش 6 : 2 ) فالله لا ينسب حماقة للملائكة
ولكنهم امام نقاؤه وطهارة وجهه يصيرون أصغر من أن يقفوا أمامه فيغطون وجوههم ،
ولكن لم يرد في كلمة الله أن الله لا يأتمن عبيدة او أنه ينسب للملائكة حماقة إلا
من أصدقاء أيوب .
حتى
الملائكة الذين أخطأوا فلم ينسب لهم الحماقة بل طردهم من محضره وقيد بعضهم في
سلاسل وحفظهم " لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى
مَلاَئِكَةٍ قَدْ أَخْطَأُوا، بَلْ فِي سَلاَسِلِ الظَّلاَمِ طَرَحَهُمْ فِي
جَهَنَّمَ، وَسَلَّمَهُمْ مَحْرُوسِينَ لِلْقَضَاءِ، " ( 2بط 2 : 4 ) و
" وَالْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ لَمْ يَحْفَظُوا رِيَاسَتَهُمْ، بَلْ
تَرَكُوا مَسْكَنَهُمْ حَفِظَهُمْ إِلَى دَيْنُونَةِ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ
بِقُيُودٍ أَبَدِيَّةٍ تَحْتَ الظَّلاَمِ. " ( يهـ 1 : 6 ) فياللعجب
عندما نسمع ما قالوه أصدقاء أيوب ، إنهم يبثون أفكار خاطئة في أن الله ينسب حماقة
ولا يأتمن عبيده .
الله
في طبعه ليس شكاك ولا عنيف لأنه عليم بكل شئ وفيه توزن الأمور " لاَ
تُكَثِّرُوا الْكَلاَمَ الْعَالِيَ الْمُسْتَعْلِيَ، وَلْتَبْرَحْ وَقَاحَةٌ مِنْ
أَفْوَاهِكُمْ. لأَنَّ الرَّبَّ إِلهٌ عَلِيمٌ، وَبِهِ تُوزَنُ الأَعْمَالُ.
" ( 1صم 2 : 3 ) فهو طويل الروح وكثير الرحمة ويعلم جيدا من هو الإنسان ويعلم
كيف يتعامل معه ، ويعلم أيضا ملائكته وقدرتهم ويعلم كيف يستخدمهم لمجده ، ومن
محبته يستخدم المؤمن مهما كانت إمكانياته ومهما كان مستواه ، فهو القادر أن يستخدم
المؤمن الأمين في القليل ويقيمه علي الكثير .
الصور المغلوطة عن معاملات
الله مع البشر :
يريد
إبليس دائما أن يشوه صورة الله في معاملاته مع بني البشر ، فالحرب مستمرة ضد الله
، أراد إبليس أن يعطي صورة لأيوب من خلال اليفاز أن الله قاسي جداً ولديه استعداد
أن يغدر بأي شخص مهما كان إيمانه ومهما كانت تقواه " لذلك قال له " بَيْنَ
الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ يُحَطَّمُونَ. بِدُونِ مُنْتَبِهٍ إِلَيْهِمْ إِلَى
الأَبَدِ يَبِيدُونَ ، أَمَا انْتُزِعَتْ مِنْهُمْ طُنُبُهُمْ؟ (( حبال تشد الخيمة
إلى أوتادها )) يَمُوتُونَ بِلاَ حِكْمَةٍ. " ( أي 4 : 20 ، 21 ) فهل الله يحطم بين صباحا ومساءً دون أن ينذر أو
يحذر ، بالطبع لا ، فلم يرد في كلمة الله أن الله يعاقب أو يصدر قضاءه دون تحذير ،
إن اليفاز أراد يصور الله أنه فوق في العالي والبشر أسفل جدا (( ربنا فوق وإحنا
تحت )) ، فبكل تأكيد الله لا يعاملنا بهذه الصورة ، فهو فعلا فوق الكل ولكنه محب
للكل ولا يتعامل معنا بكبرياء ، فهو يحب بني البشر ويريد أن يتعامل معهم ويرفعهم
ويضمهم إليه ، ولكنه يكره الخطية ولا يكره الخاطئ ، ولكن إن تمسك الخاطئ بخطاياه
فسيسقط في فخ إبليس الذي يريد أن يهلك البشر في خطاياهم ، فعلي سبيل المثال نجد أن
الله أعطي لسدوم وعمورة فرصة كبيرة جدا ، فقد كان لوط رسالة الله لهم ولكنهم لم
يفهموا ، فقد كان يعيش بينهم ولم يفعل أفعالهم ، فكان مختلف عنهم ، ولكنهم لم
يتمثلوا به أو يقتادوا به ، وفي ذات الوقت لم يخرج لوط من وسطهم ويعتزل ، فكان يجب
عليه أن يتركهم إلي مكان أخر عندما شاهد أنهم مأبونون ، فهم شواذ جنسياً من الحدث
إلي الشيخ ، فمن أجل ذلك خسر جانب كبير من حياته ، فهم خسروا حياتهم وهو خسر جميع
ممتلكاته وخسر مبادئ الله التي يجب أن تكون لبناته ، فقد زنوا مع أبيهم لإحياء نسل
له .
سبب
البلاء الذي يبتلي به البشر هي الرجاسات والخطايا الموجودة في حياتهم فقد تكلم
الله إلي عزريا بن عوديد أن يخبر أسا الملك وجميع سكان يهوذا وبنيامين أن " الرب
معكم ما كنتم معه، وإن طلبتموه يوجد لكم، وإن تركتموه يترككم .... عندما تضايقوا
إلى الرب إله إسرائيل وطلبوه وجد لهم " ( 2أخ 15 : 2 ) فمعني كلمة إنه إن
تركه يتركهم ، أي لا توجد حماية أو سياج أو حصانة روحية علي شعب الله ، وبالتالي
تكون الفرصة لإبليس والأعداء بالهجوم علي شعب الله ودخولهم في ضيق وسبي وغيرها من
التدخلات الشيطانية علي شعب الله ، فلماذا الضيق نراه بسبب الرجاسات الموجودة ،
فالله من حولهم أفني أمه بأمه أي صلت أمه علي أمه وأزعج الأمم لسبب رجساتهم "
أمة بأمة ومدينة بمدينة، لأن الله أزعجهم بكل ضيق " ( 2أخ 15 : 6 ) وها
هو ( الرب ) مستعد أن يفعل هذا مع شعب الله إن لم يرجعوا ، فعندما سمع أسا
وجميع الشعب كلام عزريا رجعوا للرب " سمع آسا هذا الكلام ونبوة عوديد
النبي، تشدد ونزع الرجاسات من كل أرض يهوذا وبنيامين ومن المدن التي أخذها من جبل
أفرايم، وجدد مذبح الرب الذي أمام رواق الرب .... ودخلوا في عهد أن يطلبوا الرب
إله آبائهم بكل قلوبهم وكل أنفسهم" ( 2أخ 15 : 8 ، 12 ) فكانت النتيجة
أنه " ولم تكن حرب إلى السنة الخامسة والثلاثين لملك آسا. " (
2أخ 15 : 19 )
الأشرار
يقتحمون ويموتون فجأة لا لأن الله لم ينذرهم بل لأنهم لا يسمعون إنذارات الله ولا
يفهمون مبادئ الله ، ولذلك يفاجئهم الهلاك بغتةً " لأنه حينما
يقولون:"سلام وأمان"، حينئذ يفاجئهم هلاك بغتة، كالمخاض للحبلى، فلا
ينجون." ( 1تس 5 : 3 ) لذلك يقول للمؤمنين أنهم أصحاب نور ولا يفاجئهم
الهلاك بغتةً " أنتم أيها الإخوة فلستم في ظلمة حتى يدرككم ذلك اليوم
كلص. جميعكم أبناء نور وأبناء نهار. لسنا من ليل ولا ظلمة.٦فلا ننم إذا
كالباقين، بل لنسهر ونصح " ( 1تس 5 : 3 ) فالفرق هنا بين من هم في النور
ومن هم في الظلمة ، فمن في الظلمة لا يفهمون ولا يسمعون صوت الله ، ومن هم في
النور فقد تدربت أذانهم لسماع صوت الله ، ومن اختار العيش في الظلمة فقد أغلقت
أذانهم عن سماع صوت الله " لأن قلب هذا الشعب قد غلظ، وبآذانهم سمعوا
ثقيلا، وأعينهم أغمضوها. لئلا يبصروا بأعينهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم
ويرجعوا، فأشفيهم. " ( أع 28 : 27 ) .
مما
سبق نري أن تعليم اليفاز التيماني في هذا الإصحاح غير حقيقي وغير صالح ، والصورة
التي أعطيت لأليفاز صورة ليست صحيحة علي الإطلاق ، كل هذه الكلمات المغلوطة التي
حاول إبليس أن يسجلها داخل أيوب ليصور له صورة غير حقيقية ومشوشرة عن الله ، لذلك
نحن أيضاً يجب علينا أن ننتبه لكل هذه الأفكار لأنها يمكنها أن تدفعنا إلي طريق
ليس حقيقي في الله ، وتصور لنا أن الله دائم الشكوك بالبشر لذلك لا يأتمن عبيده و
أن الله قاسي جداً ولديه استعداد أن يغدر بأي شخص مهما كان إيمانه ومهما كانت
تقواه ، وهذا ليس صحيح ، لأن عادل وأمين ومحب وبطيء الغضب وطويل الروح .
الفصل
الخامس عشر
مفهوم القديسين في كلمة الله
|
|
ادع الآن. فهل لك من مجيب؟ وإلى أي القديسين تلتفت؟٢لأن الغيظ يقتل
الغبي، والغيرة تميت الأحمق.٣إني رأيت الغبي يتأصل وبغتة لعنت مربضه.٤بنوه
بعيدون عن الأمن، وقد تحطموا في الباب ولا منقذ. ( أي 5 : 1 ـ 4 ) |
رأينا
في الإصحاح الرابع كيف أن اليفاز إنقاد بروح غريبة بعثت برسالة أغرب ، فيها تشويه
لمعاملات الله مع بني البشر ، فمن لم يفهم سينقاد وراء أباطيل ، أراد أن يصور
لأيوب أن الله ليس عنده مانع أن يهلك البرئ والمستقيم " اذكر: من هلك وهو
بريء، وأين أبيد المستقيمون؟ " ( أي 4 : 7 ) وأن الله في بره لا ينظر
للإنسان فلا يأتمنهم لدرجة أن الله ينسب لساكنين السماء بالحماقة " هوذا
عبيده لا يأتمنهم، وإلى ملائكته ينسب حماقة " ( أي 4 : 18 ) هذا عكس ما
يعلمنا به الرب فهو يسر جدا بالمؤمنين " الْقِدِّيسُونَ الَّذِينَ فِي
الأَرْضِ وَالأَفَاضِلُ كُلُّ مَسَرَّتِي بِهِمْ. " ( مز 16 : 3 ) لذلك
بحسب فكر اليفاز يري أن الله لا يجد مانع
في أن يسحق الإنسان مثل العث " فكم بالحري سكان بيوت من طين، الذين أساسهم
في التراب، ويسحقون مثل العث؟ " ( أي 4 : 19 ) يسحق الإنسان في سرعة
متناهية لدرجة أنه لا يشعر بموته أحد .
وها هو في الإصحاح الخامس يكمل أفكاره الغير بناءه ، أراد أن
يعطي انطباع لأيوب أن الله لا يشعر به وأنه من ضمن الأغبياء الذين لعنوا ومات
أولاده من عدم الأمن " إني رأيت الغبي يتأصل وبغتة لعنت مربضه. بنوه
بعيدون عن الأمن، وقد تحطموا في الباب ولا منقذ " ( أي 5 : 3 ، 4 ) يالها
من أفكار سلبية ( في الحقيقة حمقاء ) نعم إنها أفكار سلبية وحمقاء لأنها موجهه
لأيوب ، الرجل البار الكامل المستقيم .
بعض كلمات اليفاز حقيقة كالقمح ولكنه مع الأسف يضع في وسطها
زوان كعبارة " ... وَإِلَى أَيِّ الْقِدِّيسِينَ تَلْتَفِتُ؟ " (
أي 5 : 1 ) ولكنه قال " اُدْعُ الآنَ. فَهَلْ لَكَ مِنْ مُجِيبٍ؟
" ( أي 5 : 1 ) فهو أراد يقول لأيوب أن الله لا يهتم بك حتي إن وصلت للقديسين
فلن يجيبوك.
مفهوم القديسين في كلمة
الله :
يتكلم
اليفاز مع أيوب عن انه لا يوجد من يستطيع أن يجيب علي اسئلتك الخاصة بحالتك التي
وصلت إلي مستوي من التعب والألم الغير منتهي فلن يجيبك أحد من البشر ومن القديسين
سواء كانوا أحياء أو راقدين ، لذلك دعنا ندرس مفهوم القديسين في كلمة الله .
القديس
هو كل مؤمن سلم حياته للرب وخاضع إرادته لإرادة الله ، فالقديس الحقيقي لا يلتفت
الا لله وحده ، ولا يلجأ في علاقته الي وسيط بينه وبين الله ، فالرب يوجد وسط
القديسين " وَالسَّمَاوَاتُ
تَحْمَدُ عَجَائِبَكَ يَا رَبُّ، وَحَقَّكَ أَيْضًا فِي جَمَاعَةِ الْقِدِّيسِينَ."
( مز ٨٩ : ٥ ) لأن الله إله مهوب جدا وسط القديسين، فالكل يهابه ويعرف من هو ولا
يحتاج القديس لوسيط لأن الله موجود وقريب منه ، " إِلهٌ مَهُوبٌ جِدًّا
فِي مُؤَامَرَةِ الْقِدِّيسِينَ، وَمَخُوفٌ عِنْدَ جَمِيعِ الَّذِينَ حَوْلَهُ.
" (مز ٨٩ : ٧ ) مؤامرة القديسين أي عندما يجتمعون المؤمنين للصلاة والشركة
يكون الله حاضر بقوة وسطهم فتستطيع أن تري الله وسطهم ووسط من حولهم .
مما
سبق ندرك أن القديسين في مفهوم العهد القديم هم جماعة المؤمنين المجتمعين حول الرب
للصلاة والشركة معا ، فيكون الرب حاضر في وسطهم ، فهم أنبياء العهد القديم " الَّذِي
يَنْبَغِي أَنَّ السَّمَاءَ تَقْبَلُهُ، إِلَى أَزْمِنَةِ رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ،
الَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا اللهُ بِفَمِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ
مُنْذُ الدَّهْرِ. " ( أعمال الرسل ٣ : ٢١ ) فأنبياء العهد القديم يدعون
قديسين ، وهذا المفهوم لا يبعد كثيرا عن مفهوم العهد الجديد للقديسين " وَحَدَثَ
أَنَّ بُطْرُسَ وَهُوَ يَجْتَازُ بِالْجَمِيعِ، نَزَلَ أَيْضًا إِلَى الْقِدِّيسِينَ
السَّاكِنِينَ فِي لُدَّةَ، " ( أع ٩ : ٣٢ ، رو 16 : 15 ، 1كو 6 : 1 )
فالمؤمنين الموجودين في " لده " يدعوهم الرسول قديسين ، وهكذا
عندما أقام الرسول بطرس طابيثا من الموت أحضرها للمؤمنين الموجودين وقتها ودعاهم
قديسين .
القديسين
يشفع الروح القدس فيهم " وَلكِنَّ الَّذِي يَفْحَصُ الْقُلُوبَ يَعْلَمُ
مَا هُوَ اهْتِمَامُ الرُّوحِ، لأَنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يَشْفَعُ فِي
الْقِدِّيسِينَ. " ( رومية ٨ : ٢٧ ) وهنا يقصد جميع المؤمنين وليس فئة
معينة من البشر دون غيرهم ، لآن جميع المؤمنين قديسين " مُشْتَرِكِينَ فِي
احْتِيَاجَاتِ الْقِدِّيسِينَ، عَاكِفِينَ عَلَى إِضَافَةِ الْغُرَبَاءِ.
" ( رومية ١٢ : ١٣ ، 15 : 26 )
فالقديسن هم بشر موجودين في عالمنا المادي ولهم احتياج كباقي البشر ولهم احتياج
للخدمة " وَلكِنِ الآنَ أَنَا ذَاهِبٌ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَخْدِمَ الْقِدِّيسِينَ،
" ( رو ١٥ : ٢٥ ، رو 15 : 31 )
القديسين
في الأبدية ونهاية الزمان سيدينون العالم " أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْقِدِّيسِينَ
سَيَدِينُونَ الْعَالَمَ؟ فَإِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُدَانُ بِكُمْ، أَفَأَنْتُمْ
غَيْرُ مُسْتَأْهِلِينَ لِلْمَحَاكِمِ الصُّغْرَى؟ " ( 1كو 6 : 2 )
فالمؤمنين لهم مستوي ابدي غير عادي لذلك مطلوب منهم أن يكونوا مستنيرين لأنهم
سيرثوا " مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ
رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ،
" ( أف 1 : 18 ، كو 1 : 12 ) هذا يرجع لصفة رائعة وصفوا بها ، فهم أهل بيت
الله ولهم حق الميراث " فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً،
بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ، " ( أف 2 :
19 ) وهذا يعطي للمؤمنين أن يكونوا متأصلين في إمور الله كالمحبة التي تدفعهم
ليدركوا كل ملء الله " وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة، حتى تستطيعوا أن
تدركوا مع جميع القديسين، ما هو العرض والطول والعمق والعلو،وتعرفوا محبة المسيح
الفائقة المعرفة، لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله." (أفسس ٣ : ١٨ ، 19 )
فليبارك الرب شعبه ليدركوا أين هم ، وأن لهم مستوي غير عادي ، وأن القديس ليس هو
من انتقل إلي المجد ، القديسين هم جماعة المؤمنين الذين علي قيد الحياة والذين
فارقوها ، فالقديسين هم كل المؤمنين الأموات والأحياء . فمن أمن بالمسيح أخذ لقب
قديس هنا وفي الأبدية أيضا .
كي
لا نبعد كثيرا عن اليفاز فقد أراد أن يجنب أيوب الاقتراب من مؤمنين زمانه الذين قد
يساعدوه ويسندوه ليمر بسلام من هذه المحنة الشديدة والتجربة القاسية ، فقد استخدمه
إبليس كأداة ضد أيوب ليبعده عن الله وبلغة العهد الجديد (( البساطة التي في المسيح
)) لأن إبليس دائما يريد أ يفسد الأذهان ، هذا هو أسلوبه من قديم الأيام .
ما زال اليفاز يتكلم بكلمات
ليست للبنيان لحياة أيوب فقد أضاف كلمات جديدة مغلوطة إذ قال " الذين يأكل
الجوعان حصيدهم، ويأخذه حتى من الشوك، ويشتف الظمآن ثروتهم. إن البلية لا تخرج من
التراب، والشقاوة لا تنبت من الأرض، " ( أي 5 : 5 ـ 6 ) ففي هذه الأيات
يصور لأيوب صورة الشخص المخطئ الذي يحصد ثمار أخطاءه ، فقد تكلم لأيوب عن لا مجيب
له وانه انضم للأغبياء الذين يخسرون كثيرا لعدم الأمان ، وبالتالي يأتي الجوعان ( الهجامين
الذين يسرقون الممتلكات ) فيأكل الحصيد ويجعل الإنسان ظمئانا ( عطشان )
وهذا كله لسبب سوء أفعال أيوب ( هذا حسب تصور اليفاز ) وكأنه يضم صوته
لكلمات التثنية " يرسل الرب عليك اللعن والاضطراب والزجر في كل ما تمتد
إليه يدك لتعمله، حتى تهلك وتفنى سريعا من أجل سوء أفعالك إذ تركتني " (
تث 28 : 20 ) كما في ( تث 28 : 33 ) " ثمر أرضك وكل تعبك يأكله شعب لا
تعرفه، فلا تكون إلا مظلوما ومسحوقا كل الأيام. " وكما في ( تث 28 : 35 )
" يضربك الرب بقرح خبيث على الركبتين وعلى الساقين، حتى لا تستطيع الشفاء
من أسفل قدمك إلى قمة رأسك. " فمن ينظر لكلمات التثنية وما حدث لأيوب
يخرج بنتيجة واحدة وهي .. أن أيوب كانت حياته ليست بحسب مشيئة الله وانه ترك الرب
إلهه ، فبسبب خطاياه الكثيرة حدث له ما حدث ، وهذا هو تصور قلب اليفاز ، ولكن
الحقيقة ليست هكذا ، لآن أيوب في محنة التجربة القاسية الناتجة من شكاية المشتكي
عليه ، وهذا المشتكي استطاع أن يجند اليفاز ليشوشر علي مستوي ذهن أيوب ، فلا
يستطيع أن يفهم مغذي الإمور الحادثة .
الفصل
السادس عشر
هل
الإنسان مولود للمشقة حقا
ولكن الإنسان
مولود للمشقة كما أن الجوارح لارتفاع الجناح. ( أي 5 : 7 )
بالتأكيد
لم يولد الإنسان للمشقة ، فقد ولد للحياة ، الله خلق الإنسان ليحيا في الجنة ولكن
الإنسان اختار أن يعيش في العصيان فكانت النتيجة أنه طرد إلي أرض المشقة وسمع صوت
الرب كالقاضي العادل ، فحكم علي ادم بالطرد من أرض الحياة إلي أرض الموت من أرض
الراحة إلي أرض المشقة " وَقَالَ لآدَمَ: " لأَنَّكَ سَمِعْتَ
لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً:
لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ
مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ.
وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى
تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى
تُرَابٍ تَعُود " ( تك ٣ : ١٧ )
الإنسان
لم يكن مولودا للمشقة ولكن الإنسان اختار المشقة بنفسه إلي هذا اليوم فالراحة
موجودة وبالإمكان اختيار الراحة فهي في المسيح وفي الحياة الأبدية فمن يقبل إليه
ينال الراحة الأبدية ولكن الإنسان دائما يختار المشقة ، إن الله يريدنا أن نكون في
الراحة هنا في العالم وفي الآخرة أيضا .
عندما
جلس موسي مع حميه قص عليه كيف كانت المشقة التي عاني منها شعب الله وكيف أن الله خلصهم عندما صرخ شعب الله للرب
" فَقَصَّ مُوسَى عَلَى حَمِيهِ كُلَّ مَا صَنَعَ الرَّبُّ بِفِرْعَوْنَ
وَالْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَجْلِ إِسْرَائِيلَ، وَكُلَّ الْمَشَقَّةِ الَّتِي
أَصَابَتْهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَخَلَّصَهُمُ الرَّبُّ. " ( خر ١٨ :
٨ ) إن إلهنا يريدنا دائما في أكمل وجوه
الراحة الزمنية والأبدية ، فمن يقول عكس هذا فهو مُضِل وبعيد عن الحق .
زمن المشقة :
زمن
المشقة لا يصنعه الرب بل يصنعه الإنسان مشترك معه إبليس ، ويعمل الله جاهدا كي
يرفع من كاهل المؤمنين كل تعب ومشقة ، ولكنه لا يفعل هذا إن لم يطلب الإنسان من
الله التدخل ، فقد ظل شعب الله في العبودية
٤٠٠ سنة ولم يتدخل الا عندما صرخ شعب الله وسمع الرب صوت صراخهم ، فتدخل
الله وأنقذهم لذلك قال لهم أن يأكلوا فطير في ذكري خروجهم من مصر ارض العبودية
والمشقة " لاَ تَأْكُلْ عَلَيْهِ خَمِيرًا. سَبْعَةَ
أَيَّامٍ تَأْكُلُ عَلَيْهِ فَطِيرًا، خُبْزَ الْمَشَقَّةِ، لأَنَّكَ بِعَجَلَةٍ
خَرَجْتَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لِكَيْ تَذْكُرَ يَوْمَ خُرُوجِكَ مِنْ أَرْضِ
مِصْرَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. " ( التثنية ١٦ : ٣ )
يقول
صوفر النعماني أن الله عظيم كبير جدا لدرجة أنه أكبر من البحر وأنه ينقذ من المشقة
إن طلبناه " " إِنْ أَعْدَدْتَ أَنْتَ قَلْبَكَ، وَبَسَطْتَ إِلَيْهِ
يَدَيْكَ. إِنْ أَبْعَدْتَ الإِثْمَ الَّذِي فِي يَدِكَ، وَلاَ يَسْكُنُ الظُّلْمُ
فِي خَيْمَتِكَ، حِينَئِذٍ تَرْفَعُ وَجْهَكَ بِلاَ عَيْبٍ، وَتَكُونُ ثَابِتًا
وَلاَ تَخَافُ. لأَنَّكَ تَنْسَى الْمَشَقَّةَ. كَمِيَاهٍ عَبَرَتْ تَذْكُرُهَا.
وَفَوْقَ الظَّهِيرَةِ يَقُومُ حَظُّكَ. الظَّلاَمُ يَتَحَوَّلُ صَبَاحًا.
" ( أي ١١ : ١٣ ) حقيقي كلمات رائعة ولكنها لا تنطبق علي أيوب ، لأن الله شهد
عن أيوب بأنه " بار وكامل ومستقيم ويتقي الله ويحيد عن الشر "
فعندما يقول صوفر النعماني لأيوب ما قاله ، فهو يريد أن يشير إلي أن ما أصاب أيوب
يرجع لسبب الأثم والخطية ، ولكن الحقيقة هي أن ما أصاب أيوب يرجع الي شكاية من
إبليس لرفع الحماية ولتجربة أيوب.
إن
طبقنا كلمات صوفر علي النفوس التي جربت بسبب خطاياهم نجدها مناسبة جدا ، لأن الرب
لا يريد أولاده في ألام وأتعاب إنه لا يريدهم في المشقة فهو لم يخلقهم للمشقة كما
قال اليفاز التيماني ، فالقول أن الإنسان مولود للمشقة قول به افتراء علي الله فهو
أبر من هذا .
الأمان في طلب الرب :
يجب علينا قبل أن نأخذ
كلمات اليفاز التيماني مأخذ الجد ، علينا
تحليل كل كلماته ولا نأخذها علي أنفسنا أولاً بل علينا مراعاة أنه يتكلم لأيوب
الرجل المشهود عنه بأنه كامل ، وأن اليفار واصحابة يسيطر عليهم فكر أن المرض لسبب
اثم وخطية لدي المريض أو لدي المجرب ، فعندما يتكلم عن أن الله عظيم وانه الخالق
وفوق البحار وانه منزل المطر من السماء " لكن كنت أطلب إلى الله، وعلى
الله أجعل أمري. الفاعل عظائم لا تفحص وعجائب لا تعد. المنزل مطرا على وجه الأرض،
والمرسل المياه على البراري. الجاعل المتواضعين في العلى، فيرتفع المحزونون إلى
أمن " ( أي 5 : 8 ـ 11 ) فهو يتكلم عن حقيقة ثابتة ليجمل كلمات ليست بحسب
المشيئة الإلهية ، فما قاله في هذه الأعداد حقيقة رائعة فالله هو " الفاعل
عظائم لا تفحص وعجائب لا تعد. المنزل مطرا على وجه الأرض، والمرسل المياه على
البراري. " فهي حقائق ثابتة يعرفها الجميع , هذا ليثبت كلماته السابقة
التي قال فيها أن الإنسان مولود للمشقة كما أن الله أنزل المطر علي الأرض من
السماء فهو فاعل عظائم وخلق الإنسان للمشقة ، فبكل تأكيد الأمر ليس هكذا .
إن أخذنا هذه الأبيات دون النظر لما سبقها
وما سيلاحقها تكون الفكرة جيدة ، لأن الله يسمع لكل من يطلبه ، هذا ما حدث مع منسي
" وَلَمَّا تَضَايَقَ طَلَبَ وَجْهَ الرَّبِّ إِلهِهِ، وَتَوَاضَعَ جِدًّا
أَمَامَ إِلهِ آبَائِهِ، وَصَلَّى إِلَيْهِ فَاسْتَجَابَ لَهُ وَسَمِعَ
تَضَرُّعَهُ، وَرَدَّهُ إِلَى أُورُشَلِيمَ إِلَى مَمْلَكَتِهِ. فَعَلِمَ مَنَسَّى
أَنَّ الرَّبَّ هُوَ اللهُ." ( ٢أخ ٣٣ : ١٢ ) فالرب لن يترك كل من يلجأ
إليه ، فإنه يسرع لنجدته " وَادْعُنِي فِي يَوْمِ الضِّيقِ أُنْقِذْكَ
فَتُمَجِّدَنِي».( مز ٥٠ : ١٥ ) هذا لأن الله لم يخلقنا للمشقة بل خلقنا لنعيش
في مجده وسلامه ، فهو سريع الاستجابة لكل طالبيه ولكل متعلق به " لأَنَّهُ
تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. " ( مز
٩١ : ١٤ ) فهل تؤمن الآن أن الله يحبك
ويريد أن يباركك ويضمن لك الأمن والأمان
في أوقاتٍ كثيرة يفقد الإنسان مستوي من
التفكير الإيجابي ولا يفهم. ما يريده الله منه فيدخل في دائرة من المعاملات
الإلهية لتعليمه ، ولكن الإنسان يشعر بأنه دخل في دائرة ضيق ، ولكنها فترة زمنية
قصيرة للتعلم وللدخول في دائرة المسيرة الإلهية ، فهذا ليس ظلماً أو تجربة لأنها
لا تخرج من دائرة العناية الإلهية ، هذا ما حدث مع يونان " فَصَلَّى
يُونَانُ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِ مِنْ جَوْفِ الْحُوتِ، وَقَالَ: «دَعَوْتُ مِنْ
ضِيقِي الرَّبَّ، فَاسْتَجَابَنِي. صَرَخْتُ مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ، فَسَمِعْتَ
صَوْتِي. لأَنَّكَ طَرَحْتَنِي فِي
الْعُمْقِ فِي قَلْبِ الْبِحَارِ، فَأَحَاطَ بِي نَهْرٌ. جَازَتْ فَوْقِي جَمِيعُ
تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ. فَقُلْتُ: قَدْ
طُرِدْتُ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيْكَ. وَلكِنَّنِي أَعُودُ أَنْظُرُ إِلَى هَيْكَلِ
قُدْسِكَ. قَدِ اكْتَنَفَتْنِي مِيَاهٌ
إِلَى النَّفْسِ. أَحَاطَ بِي غَمْرٌ. الْتَفَّ عُشْبُ الْبَحْرِ بِرَأْسِي. نَزَلْتُ إِلَى أَسَافِلِ الْجِبَالِ.
مَغَالِيقُ الأَرْضِ عَلَيَّ إِلَى الأَبَدِ. ثُمَّ أَصْعَدْتَ مِنَ الْوَهْدَةِ
حَيَاتِي أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي. حِينَ
أَعْيَتْ فِيَّ نَفْسِي ذَكَرْتُ الرَّبَّ، فَجَاءَتْ إِلَيْكَ صَلاَتِي إِلَى
هَيْكَلِ قُدْسِكَ. " ( يونان ٢ : ١ ) إن دخول يونان في ضيق ليس كون الله
يريده فيها ، لكنه كان يريد أن يعلمه درساً وهي الطاعة التي تفتح أبواب الاستخدام
.
يريدنا
لله أن نعش في حياة التسليم الكامل له ، ليس عن عدم فهم ، بل بكل فهم وإدراك
" سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ وَاتَّكِلْ عَلَيْهِ وَهُوَ يُجْرِي
" ( مز ٣٧ : ٥ ) فحياة التسليم الكامل للرب لا تعني السلبيية بل تعني الثقة ،
فهذا ما اختبره بولس الرسول " لِهذَا السَّبَبِ أَحْتَمِلُ هذِهِ
الأُمُورَ أَيْضًا. لكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ، لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ،
وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ.
" ( ٢تي ١ : ١٢ )
مما
سبق أحبائي نري أن الله لا يريدنا أن نكون خائفين من الغد ، بل دعونا نري الله
القادر أن يرفعنا دائماً فوق كل مشاكل الحياة وآلامها " وَإِلهُ كُلِّ
نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ،
بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ،
وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ. " ( ١بط ٥ : ١٠ )
الله المتحكم في زمام
الأمور :
في الآيات التالية : "
المبطل أفكار المحتالين، فلا تجري أيديهم قصدا. الآخذ الحكماء بحيلتهم، فتتهور
مشورة الماكرين. في النهار يصدمون ظلاما، ويتلمسون في الظهيرة كما في الليل
" ( أي 5 : 12 ـ 14 ) يريد إبليس من
خلال اليفاز أن يضع داخل الأفكار الكتابية أفكار لا ترتبط بالمشيئة الإلهية إطلاقاً ، فالله قادر علي
إبطال أفكار المحتالين فلا يستطيعوا أن يصلوا إلي مقصدهم الشرير ويحتالون علي
الصديقين وعلي المستقيمين ، فقد احتال إخوة يوسف علي يوسف وأخذوا القميص الملون ،
والقوا بيوسف في البئر ، وباعوه عبداً ، لم يتدخل الله في البداية ولكنه حوَّل كل
أفعالهم ضد يوسف لخيره ولخير إخوته فلم يهلكوا في المجاعة ، وهذا ما شهد به يوسف
أمامهم " أنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ
خَيْرًا، لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ، لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا.
" ( تك ٥٠ : ٢٠ ) . هذا ليس معناه أن الله يقف سلبي ، ولكنه يتحرك معنا بحسب
الحكمة الإلهية ، فهو يعطي مساحة لكل إنسان ليتحرك بحرية لسبب قانون الحرية ، ثم
يتحرك لتحويل الأفعال التي فعلها الآخرين لخير أبناءه المستقيمون ، فهو المتحكم في
كل مجريات الأمور ولكنه لا يلغي كيان أي شخص ، فالمساحة التي يتركها الله للبشر ليفعل
أفعاله سواء كانت خيراً أم شراً فهو سيحاسب كل واحد عن ما فعل .
مع
أن كلمات اليفاز هنا تظهر بأنها كلمات إيجابية ولكنها في مجملها مع باقي الآيات
التي قبلها وبعدها تعطي معني أن الله هو معطي المطر والمياه وهو خالق للجوارح
أجنحة لترتفع فوق ولكن الإنسان جعله للمشقة وما عليه إلا أن يستسلم بهذا لأن الله
إن أراد أن يبطل فكر الشرير لأبطله ، فالله قادر ولكنه لم يفعل هذا مع أيوب ،
اليفاز يضع أفكارا سلبية وسط كلمات ايجابية عن الله ، كي لا يشعر المستمع أو
القارئ بخطورة التعليم ، فقد استخدمه إبليس ليرسل من خلاله كلمات سلبية ليبقي أيوب
علي حالة دون أن يفكر في التغيير .
لله
مقاصد علي الأرض يجب أن تتم مهما كانت مقاومة المعاندين، فالرب يترك الإنسان
لأفكاره وعندما تحيد عن المقاصد الإلهية يتدخل الله ليغير مجري الأمور لصالح
المقاصد الإلهية " فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ أَفْكَارٌ كَثِيرَةٌ،
لكِنْ
مَشُورَةُ الرَّبِّ هِيَ تَثْبُتُ." ( أم 19 : ٢١ ) ولثبات المقاصد الإلهية يحتاج الله لنفوس
لديها الرغبة الأكيدة للسير خلف السيد مهما كلفه الأمر ، كما كان موسي أمام فرعون
وكما كان إبراهيم وسط جيل لا يعرف الرب ، جيل له مقاصد ضد المقاصد الإلهية ،
فيتحرك الله ليغير مهما كانت قوة المعاندين " قَدْ حَلَفَ رَبُّ
الْجُنُودِ قَائِلاً: "إِنَّهُ كَمَا قَصَدْتُ يَصِيرُ، وَكَمَا نَوَيْتُ
يَثْبُت " ( اش ١٤ : ٢٤ ) وهذا
ما يفعله معنا في العهد الجديد ، فهو يبحث عن نفوس لها الاتجاه المساير لاتجاه
الله ليعلن لهم مشيئته " إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ
مَسَرَّتِهِ
الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ، " ( أف 1 : 9 ) لذلك
تجده يحول كل الأشياء للخير لكل من يحب الرب " وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ
كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ،
الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ. " ( رومية ٨ : ٢٨ ).
المقاصد
الإلهية دائما تكون لصالح المؤمنين واختيارات الله دائماً لصالح مقاصده ، فخلاص
الإنسان مقصد إلهي ، وفداء الإنسان مقصد إلهي ، لذلك تجده يختار مؤمنين ويضعهم في
داخل القصد لتتميمه " الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً،
لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي
أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ،
" ( 2 تي ١ : ٩ ) وعندما يجد أباء مؤمنين ولهم غيره مقدسة يخرج من صلبهم نسل
حسب القصد الإلهي ، كالرجل الذي من بيت لاوي الذي أخذ امرأة من بيت لاوي وأنجبا
موسي " وَذَهَبَ رَجُلٌ مِنْ
بَيْتِ لاَوِي وَأَخَذَ بِنْتَ لاَوِي، " ( خر 2 : 1 ) وكإبراهيم وابنه
إسحق واسحق وابنه يعقوب ويعقوب أبو الأسباط وغيرهم الكثير ، فيتم التعيين المسبق
الذي يكون بحسب القصد الإلهي " الَّذِي فِيهِ أَيْضًا نِلْنَا نَصِيبًا،
مُعَيَّنِينَ سَابِقًا حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ
مَشِيئَتِهِ، " ( أف 1 : 11 ) .
الفصل
السابع عشر
هل حقا
الله يجرح ويسحق يعصب ويداه تشفيان
|
|
الْمُنَجِّيَ الْبَائِسَ مِنَ السَّيْفِ، مِنْ فَمِهِمْ وَمِنْ يَدِ
الْقَوِيِّ. فَيَكُونُ لِلذَّلِيلِ رَجَاءٌ وَتَسُدُّ الْخَطِيَّةُ فَاهَا. «
هُوَذَا طُوبَى لِرَجُل يُؤَدِّبُهُ اللهُ. فَلاَ تَرْفُضْ تَأْدِيبَ
الْقَدِيرِ. لأَنَّهُ هُوَ يَجْرَحُ وَيَعْصِبُ. يَسْحَقُ وَيَدَاهُ
تَشْفِيَانِ." ( أي 5 : 15 ـ 18 ) |
كما
نوهنا من قبل أن إبليس يستخدم اليفاز ليبث أفكاراً وسموم داخل كيان أيوب ليرتضي
بحاله ويسلَّم علي أن الله هو الذي جرحه وقتل أولاده وسلب منه مقتنياته ليخرج منه
بنتيجه واحدة أن الله ظالم ويستخدم الإنسان لتحقيق أهدافه الشخصية .
بكل تأكيد لم يفعل الله بأيوب هذا الأمر ، لأن الله "
قَدْ رَأَيْتَ. لأَنَّكَ تُبْصِرُ الْمَشَقَّةَ وَالْغَمَّ لِتُجَازِيَ
بِيَدِكَ. إِلَيْكَ يُسَلِّمُ الْمِسْكِينُ أَمْرَهُ. أَنْتَ صِرْتَ مُعِينَ الْيَتِيمِ. تَأَوُّهَ
الْوُدَعَاءِ
قَدْ سَمِعْتَ يَا رَبُّ. تُثَبِّتُ قُلُوبَهُمْ. تُمِيلُ أُذُنَكَ " ( مز 10 : 14 ، 17 ) هذا هو الله "
يبصر المشقة " لأنه لم يخلق الإنسان للمشقة
فالمشقة دخيلة لكيان الإنسان ، لذلك يبصرها الله ويرفعها فتغني العظام
وتقول " جَمِيعُ عِظَامِي تَقُولُ: «يَا رَبُّ، مَنْ
مِثْلُكَ
الْمُنْقِذُ الْمِسْكِينَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَالْفَقِيرَ
وَالْبَائِسَ
مِنْ سَالِبِهِ " ( مز 35 : 10 ) فمن
يقول أن الله يجرح فهو يريد أن يُضِل من يوجه لهم الرسالة أو الفكرة فهو " يُقِيمُ
الْمِسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ. يَرْفَعُ الْفَقِيرَ مِنَ
الْمَزْبَلَةِ لِلْجُلُوسِ مَعَ الشُّرَفَاءِ وَيُمَلِّكُهُمْ
كُرْسِيَّ
الْمَجْدِ. لأَنَّ لِلرَّبِّ أَعْمِدَةَ الأَرْضِ، وَقَدْ وَضَعَ
عَلَيْهَا
الْمَسْكُونَةَ. أَرْجُلَ أَتْقِيَائِهِ يَحْرُسُ، وَالأَشْرَارُ فِي الظَّلاَمِ
يَصْمُتُونَ. لأَنَّهُ لَيْسَ بِالْقُوَّةِ يَغْلِبُ إِنْسَانٌ. " ( 1صم 2 : 8 ، 9 )
يوجد فرق بين الجرح والتأديب ، فالجروح ليست من مبادئ الله ،
أما التأديب فيحمل في داخله التعليم والتقويم وممتلئ حب ورحمة " طُوبَى
لِلرَّجُلِ الَّذِي تُؤَدِّبُهُ يَا رَبُّ، وَتُعَلِّمُهُ
مِنْ شَرِيعَتِكَ " ( مز 94 : 12 ) فمن
يقول أن الله يجرح ويعصب فهو يقدم إهانة لله سواء كان بعلم أو بجهل ، فالله لا
يتحرك للإنسان لتأديبه إن لم يكن ابن حقيقي له " يَا ابْنِي، لاَ
تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ وَلاَ تَكْرَهْ تَوْبِيخَهُ، لأَنَّ الَّذِي
يُحِبُّهُ
الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَكَأَبٍ بِابْنٍ يُسَرُّ بِهِ. " ( أم 3 : 11 ، 12 ) الجروح ممتلئة مرارة
وألم . أما التأديب ممتلئ حب وتعليم حتى وإن وجدت المرارة فلن تصل بالإنسان لدرجة
الجرح ، فقد أدب الرب إفرايم فقال " سَمْعًا سَمِعْتُ أَفْرَايِمَ
يَنْتَحِبُ: أَدَّبْتَنِي فَتَأَدَّبْتُ كَعِجْل غَيْرِ مَرُوضٍ. تَوِّبْنِي
فَأَتُوبَ، لأَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ إِلهِي. لأَنِّي بَعْدَ رُجُوعِي نَدِمْتُ، وَبَعْدَ
تَعَلُّمِي صَفَقْتُ عَلَى فَخْذِي. خَزِيتُ وَخَجِلْتُ لأَنِّي قَدْ حَمَلْتُ
عَارَ صِبَايَ. هَلْ أَفْرَايِمُ ابْنٌ عَزِيزٌ لَدَيَّ، أَوْ وَلَدٌ مُسِرٌّ؟
لأَنِّي كُلَّمَا تَكَلَّمْتُ بِهِ أَذْكُرُهُ بَعْدُ ذِكْرًا. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ حَنَّتْ
أَحْشَائِي إِلَيْهِ. رَحْمَةً أَرْحَمُهُ، يَقُولُ الرَّبُّ." ( إر 31 : 18 ـ 20 )
فعندما شرع الله في تأديب إفرايم وضع أمامه أن يصل بإفرايم الي التوبة فمنح له وسط
التأديب التعليم والشعور بأنه ‘بن عزيز ومسر والرحمة تحيط به ، هذا هو طريق الله
في التأديب ( رحمة ومشاعر طيبة وتعليم وتوبة ) فأين مكان الجروح ؟ بكل تأكيد لا
يوجد .
كاتب رسالة العبرانيين يتكلم في موضوع التأديب واصفاً مستوي
الأبوة الإلهية التي لله تجاه أبناءه ، لأن الأب هو المؤدب أما الغريب فدائماً
يجرح ، ففي وقت التأديب يري الإنسان الحزن ولكن في نهايته ثمر بر وسلام ، فيقول :
" وَقَدْ نَسِيتُمُ الْوَعْظَ الَّذِي يُخَاطِبُكُمْ كَبَنِينَ:«يَا
ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ، وَلاَ تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ. لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ
يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ». إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ
التَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ اللهُ كَالْبَنِينَ. فَأَيُّ ابْنٍ لاَ
يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟ وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ
بِلاَ تَأْدِيبٍ، قَدْ صَارَ الْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لاَ بَنُونَ. ثُمَّ قَدْ كَانَ لَنَا آبَاءُ أَجْسَادِنَا
مُؤَدِّبِينَ،
وَكُنَّا نَهَابُهُمْ. أَفَلاَ نَخْضَعُ بِالأَوْلَى جِدًّا لأَبِي
الأَرْوَاحِ،
فَنَحْيَا؟ لأَنَّ أُولئِكَ أَدَّبُونَا أَيَّامًا قَلِيلَةً حَسَبَ اسْتِحْسَانِهِمْ،
وَأَمَّا هذَا فَلأَجْلِ الْمَنْفَعَةِ، لِكَيْ نَشْتَرِكَ فِي قَدَاسَتِهِ. وَلكِنَّ كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي الْحَاضِرِ لاَ
يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ. وَأَمَّا أَخِيرًا
فَيُعْطِي الَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرّ لِلسَّلاَمِ. " ( عب 12 : 5 ـ 11 )
التأديب ليس تجربة ، فالله يوأدب ولا يُجرب ، ففي وقت التأديب
تجد يد الله الحنونة ، وفي وقت التجربة التي قد يكون مصدرها إبليس أو الإنسان تجد
يد الله المعوضة المانحة والمكافئة " طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي
يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ «إِكْلِيلَ
الْحَيَاةِ» الَّذِي وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ. ....... هَا نَحْنُ نُطَوِّبُ الصَّابِرِينَ.
قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ.
لأَنَّ الرَّبَّ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَرَؤُوفٌ. " ( يع 1 : 12 و 5 : 11 ) فالرب في سفر
الرؤيا لا يقول من أحبه أجربه ولكنه يقول : " إِنِّي كُلُّ مَنْ أُحِبُّهُ
أُوَبِّخُهُ وَأُؤَدِّبُهُ. فَكُنْ غَيُورًا وَتُبْ. " ( رؤ 3 : 19 )
في سفر التثنية 32 : 39 يقول " اُنْظُرُوا الآنَ!
أَنَا أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلهٌ مَعِي. أَنَا أُمِيتُ وَأُحْيِي. سَحَقْتُ، وَإِنِّي
أَشْفِي، وَلَيْسَ مِنْ يَدِي مُخَلِّصٌ. " وهذا من فم الرب نفسه فهو يسحق ويشفي ، وهنا
السؤال متى يفعل ذلك ؟ وللرد نقول : الله
وقت القضاء يسحق ولكنه قادر أيضا علي الشفاء وهذا ما أكده الرب عندما نكمل باقي
الآيات إذ قال : " اُنْظُرُوا
الآنَ! أَنَا أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلهٌ مَعِي. أَنَا أُمِيتُ وَأُحْيِي.
سَحَقْتُ، وَإِنِّي أَشْفِي، وَلَيْسَ مِنْ يَدِي مُخَلِّصٌ . ..... إِذَا
سَنَنْتُ سَيْفِي الْبَارِقَ، وَأَمْسَكَتْ بِالْقَضَاءِ يَدِي، أَرُدُّ
نَقْمَةً عَلَى أَضْدَادِي، وَأُجَازِي مُبْغِضِيَّ." فالله فقط
وقت القضاء يسحق ويشفي ، فالقضاء ليس تجربة ولا تأديب بل دينونة ولا يفعل هذا مع
أولاده بل مع مبغضيه ، لذلك يجب علينا أن لا نخلط الأوراق ، فالتجربة من إبليس أو
من الإنسان ، والتأديب يفعله الله مع الأبناء ، والقضاء يفعله الله مع الأشرار
المضادين لله " لِذلِكَ يَقُولُ السَّيِّدُ رَبُّ الْجُنُودِ
عَزِيزُ
إِسْرَائِيلَ: «آهِ! إِنِّي أَسْتَرِيحُ مِنْ خُصَمَائِي وَأَنْتَقِمُ مِنْ
أَعْدَائِي،
" ( أش 1 : 24 ) والإنتقام أو القضاء يأتي بسبب
الأفعال " حَسَبَ الأَعْمَالِ هكَذَا يُجَازِي مُبْغِضِيهِ سَخَطًا،
وَأَعْدَاءَهُ عِقَابًا. جَزَاءً يُجَازِي الْجَزَائِرَ. " ( أش 59 : 18 ) فشكرا لله لآنه اله رحيم
ومحب ولم يخلق الإنسان للمشقة .
يختم اليفاز كلماته بأقوال في غاية الروعة مع أن ما مضي منها
ليس في مستوي المشيئة الإلهية ، فيتكلم بأحجية : فِي سِتِّ شَدَائِدَ
يُنَجِّيكَ، وَفِي سَبْعٍ لاَ يَمَسُّكَ سُوءٌ. فِي الْجُوعِ يَفْدِيكَ مِنَ
الْمَوْتِ، وَفِي الْحَرْبِ مِنْ حَدِّ السَّيْفِ. مِنْ سَوْطِ اللِّسَانِ
تُخْتَبَأُ، فَلاَ تَخَافُ مِنَ الْخَرَابِ إِذَا جَاءَ. تَضْحَكُ عَلَى
الْخَرَابِ وَالْمَحْلِ، وَلاَ تَخْشَى وُحُوشَ الأَرْضِ. لأَنَّهُ مَعَ حِجَارَةِ
الْحَقْلِ عَهْدُكَ، وَوُحُوشُ الْبَرِّيَّةِ تُسَالِمُكَ. فَتَعْلَمُ أَنَّ
خَيْمَتَكَ آمِنَةٌ، وَتَتَعَهَّدُ مَرْبِضَكَ وَلاَ تَفْقِدُ شَيْئًا. وَتَعْلَمُ
أَنَّ زَرْعَكَ كَثِيرٌ وَذُرِّيَّتَكَ كَعُشْبِ الأَرْضِ. تَدْخُلُ الْمَدْفَنَ
فِي شَيْخُوخَةٍ، كَرَفْعِ الْكُدْسِ فِي أَوَانِهِ. هَا إِنَّ
ذَا قَدْ بَحَثْنَا عَنْهُ. كَذَا هُوَ. فَاسْمَعْهُ وَاعْلَمْ أَنْتَ لِنَفْسِكَ».
( أي 5 : 19 ـ 27 )
" فِي سِتِّ
شَدَائِدَ يُنَجِّيكَ، وَفِي سَبْعٍ لاَ يَمَسُّكَ سُوءٌ " الست شدائد
ينجي الرب منها هما كما يلي :
1 ـ " فِي الْجُوعِ
يَفْدِيكَ مِنَ الْمَوْتِ "
الشدة هنا " الجوع ـ الموت " والنجاة هنا
" بالفداء من الموت "
2 ـ " وَفِي الْحَرْبِ
مِنْ حَدِّ السَّيْفِ "
الشدة هي " الحرب
ـ السيف "
3 ـ " مِنْ سَوْطِ
اللِّسَانِ تُخْتَبَأُ، فَلاَ تَخَافُ مِنَ الْخَرَابِ إِذَا جَاءَ "
الشدة هنا " الخراب
" والنجاة في " الإختباء "
4 ـ " تَضْحَكُ عَلَى
الْخَرَابِ وَالْمَحْلِ، وَلاَ تَخْشَى وُحُوشَ الأَرْضِ. "
الشدة هنا " المحل
" والنجاة من " وحوش الأرض "
5 ـ " لأَنَّهُ مَعَ
حِجَارَةِ الْحَقْلِ عَهْدُكَ، وَوُحُوشُ الْبَرِّيَّةِ تُسَالِمُكَ. "
النجاة في " العهد
ـ والسلام "
6 ـ " فَتَعْلَمُ
أَنَّ خَيْمَتَكَ آمِنَةٌ، وَتَتَعَهَّدُ مَرْبِضَكَ وَلاَ تَفْقِدُ شَيْئًا.
"
النجاة في " الأمان
ـ والأمن "
باختصار الشدائد الستة: الجوع ـ الموت ـ الحرب ـ
السيف ـ الخراب ـ المحل
اختصار النجاة السبعة: الفداء ـ الاختباء ـ لا
نخش الوحوش ـ العهد ـ السلام ـ الأمان ـ والأمن
كلمات مشجعة تصدر من شخص أكثر كلماته سلبية فالشدائد الستة
يهرب منها كل البشرية وكل المجتمعات والدول، الله يستطيع أن ينجي الصديق مهما كانت
البلايا " كَثِيرَةٌ هِيَ بَلاَيَا الصِّدِّيقِ، وَمِنْ
جَمِيعِهَا
يُنَجِّيهِ الرَّبُّ. " ( مز 34 : 19 ) فالبلايا ليست فقط علي المؤمنين ، فهي طبيعة
العالم الموضوع في الشرير ، ولكن بصفة خاصة للصديق نجاة لأنه داخل المشيئة الإلهية
" لأَنَّهُ يُنَجِّيكَ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِ وَمِنَ الْوَبَإِ الْخَطِرِ. بِخَوَافِيهِ يُظَلِّلُكَ، وَتَحْتَ
أَجْنِحَتِهِ تَحْتَمِي. تُرْسٌ وَمِجَنٌّ حَقُّهُ. لاَ تَخْشَى مِنْ خَوْفِ اللَّيْلِ،
وَلاَ مِنْ سَهْمٍ يَطِيرُ فِي النَّهَارِ، وَلاَ مِنْ وَبَإٍ
يَسْلُكُ
فِي الدُّجَى، وَلاَ مِنْ هَلاَكٍ يُفْسِدُ فِي الظَّهِيرَةِ. يَسْقُطُ عَنْ جَانِبِكَ أَلْفٌ، وَرِبْوَاتٌ
عَنْ يَمِينِكَ. إِلَيْكَ لاَ يَقْرُبُ. " ( مز 19 : 3 ـ 7 ) هذا يرجع لأن الصديق له مبادئ الله داخل
قلبه ولا يريد أن يستمر في السقوط وليس في داخله رضي بالضعف " لأَنَّ
الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ، أَمَّا
الأَشْرَارُ فَيَعْثُرُونَ بِالشَّرِّ. " ( أم 24 : 16 ) فالإنقاذ من التجربة
والشدائد هي مسئولية الرب تجاه المؤمنين " يَعْلَمُ الرَّبُّ أَنْ
يُنْقِذَ الأَتْقِيَاءَ مِنَ التَّجْرِبَةِ، وَيَحْفَظَ الآثمة إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
مُعَاقَبِينَ، " ( 2بط 2 : 9 ) فقد أتت شدائد علي يوسف عندما استخدم الشيطان إخوته
ولكن الرب علم كيف ينقذ يوسف " فَقَدْ أَرْسَلَنِي اللهُ قُدَّامَكُمْ
لِيَجْعَلَ
لَكُمْ بَقِيَّةً فِي الأَرْضِ وَلِيَسْتَبْقِيَ لَكُمْ نَجَاةً
عَظِيمَةً. " ( تك 45 : 7
) وفي وقت المجاعة استطاع الله أن يجعل الغربان تعول ايليا " وَكَانَتِ
الْغِرْبَانُ تَأْتِي إِلَيْهِ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ صَبَاحًا، وَبِخُبْزٍ وَلَحْمٍ مَسَاءً،
وَكَانَ يَشْرَبُ مِنَ النَّهْرِ. " ( 1مل 17 : 6 ) ويستطيع المؤمن أن يقول مع حبقوق : " فَمَعَ
أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي
الْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ، وَالْحُقُولُ لاَ
تَصْنَعُ
طَعَامًا. يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ، وَلاَ بَقَرَ فِي
الْمَذَاوِدِ، " ( حب 3 : 17 ) مع
كل هذا اليقين الممنوح للمؤمن يستطيع " فَتَعْلَمُ أَنَّ خَيْمَتَكَ
آمِنَةٌ، وَتَتَعَهَّدُ مَرْبِضَكَ وَلاَ تَفْقِدُ شَيْئًا " ( أي 5 : 24
) وتغني مع داود " إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لاَ يَخَافُ
قَلْبِي.
إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ. " ( مز 27 : 3
)
اللسان وقوة تأثيره :
كان يؤمن اليفاز بالحسد وأن اللسان يستطيع أن يأتي بالخراب
" مِنْ سَوْطِ اللِّسَانِ تُخْتَبَأُ، فَلاَ تَخَافُ مِنَ الْخَرَابِ
إِذَا جَاءَ. " ( أي 5 : 21 ) فالحسد بكلمات اللسان خط واضح في كلمة الله
فالمؤمن المتكل علي الرب لا يخاف من سوط اللسان لأن الرب يسترهم بستر وجهه " تَسْتُرُهُمْ بِسِتْرِ وَجْهِكَ مِنْ
مَكَايِدِ النَّاسِ. تُخْفِيهِمْ فِي مَظَلَّةٍ مِنْ مُخَاصَمَةِ
الأَلْسُنِ. " ( مز 31 : 20 )
فالأشرار لسانهم مثل السيف له فاعلية " .......... أَسْنَانُهُمْ
أَسِنَّةٌ وَسِهَامٌ، وَلِسَانُهُمْ سَيْفٌ مَاضٍ. " ( مز 57 : 4 ) فاللسان يستخدمه إبليس
كأوامر يتبناها لتنفيذ كل ما هو سلبي فالأشرار يضربون الأبرار بألسنتهم " فَقَالُوا:
«هَلُمَّ فَنُفَكِّرُ عَلَى ارميا أَفْكَارًا، لأَنَّ الشَّرِيعَةَ لاَ تَبِيدُ عَنِ
الْكَاهِنِ، وَلاَ الْمَشُورَةَ عَنِ الْحَكِيمِ، وَلاَ الْكَلِمَةَ عَنِ
النَّبِيِّ. هَلُمَّ فَنَضْرِبُهُ بِاللِّسَانِ وَلِكُلِّ كَلاَمِهِ لاَ نُصْغِي». "
( ار 18 : 18 ) فكثيرين من النفوس تتكلم بكلمات سلبية تجاه بعضهم البعض ولا
يدرون أن كلماتهم ما هي إلا سياط في يد إبليس يضرب به كل من توجه إليه كلمات سلبية
، لذلك ما علينا إلا أن نختبئ تحت مظلة القدير للحماية من الكلمات التي كالسهام
ولتعلم الكنيسة أن " كُلُّ آلَةٍ صُوِّرَتْ ضِدَّكِ لاَ تَنْجَحُ،
وَكُلُّ
لِسَانٍ يَقُومُ عَلَيْكِ فِي الْقَضَاءِ تَحْكُمِينَ عَلَيْهِ. هذَا هُوَ
مِيرَاثُ
عَبِيدِ الرَّبِّ وَبِرُّهُمْ مِنْ عِنْدِي، يَقُولُ الرَّبُّ. " ( أش 54 : 17 ) وهذا ما أدركه الرسول
يعقوب وحذر منه المؤمنين لضبط اللسان " هكَذَا اللِّسَانُ أَيْضًا، هُوَ
عُضْوٌ صَغِيرٌ وَيَفْتَخِرُ مُتَعَظِّمًا. هُوَذَا نَارٌ قَلِيلَةٌ، أَيَّ
وُقُودٍ تُحْرِقُ؟ فَاللِّسَانُ نَارٌ! عَالَمُ الإِثْمِ. هكَذَا
جُعِلَ
فِي أَعْضَائِنَا اللِّسَانُ، الَّذِي يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ،
وَيُضْرِمُ
دَائِرَةَ الْكَوْنِ، وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ. لأَنَّ كُلَّ طَبْعٍ لِلْوُحُوشِ
وَالطُّيُورِ وَالزَّحَّافَاتِ وَالْبَحْرِيَّاتِ يُذَلَّلُ، وَقَدْ
تَذَلَّلَ لِلطَّبْعِ الْبَشَرِيِّ. وَأَمَّا اللِّسَانُ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ
النَّاسِ أَنْ يُذَلِّلَهُ. هُوَ شَرٌّ لاَ يُضْبَطُ، مَمْلُوٌّ سُمًّا مُمِيتًا. " ( يع 3 : 5 ) فإن كان اللسان قوة ونار
ويستخدمه إبليس ليأخذ أوامر لتنفيذها فالرب أعطي للمؤمنين مصدر الحماية وهو اسم
المسيح " اِسْمُ الرَّبِّ بُرْجٌ حَصِينٌ، يَرْكُضُ إِلَيْهِ الصِّدِّيقُ
وَيَتَمَنَّعُ. " ( أم 18 : 10 ) فقوة اللسان السلبي يحارب بقوة اللسان
الإيجابي والاحتماء في اسم المسيح ، فلا تخشي أي سهام تطير في الدجى لأن عيني الرب
هي للحماية والرعاية ويد الرب قادرة علي أن ترفعك فوق كل الأعداء. هللويا
الفصل
الثامن عشر
ميزان
المصائب
|
|
فأجاب أيوب وقال: " ليت كربي ((
كربي : الكرب :الغم الذي يستولى علي النفس )) وزن،
ومصيبتي رفعت في الموازين جميعها، لأنها الآن أثقل من رمل البحر. من أجل ذلك
لغا (( لغا : خاب، بطل، صار ملغى )) كلامي.٤لأن سهام القدير في وحمتها ((
وحمتها : السن المدبب للسهام )) شاربة روحي.
أهوال الله مصطفة ضدي. ( أي 6 : 1 ـ 4 ) |
فكرة
أن المصائب هي من الله ( سهام القدير ) فكرة ليست جيدة لأن الله لا يأتي بالمصائب
بل الإنسان وخطيته وتدخلات إبليس ، فالإنسان إما أن يدخل في بركات
الله أو تأديب الله أو قضاء الله ، فبركات
الله تمنح من خلال كلمته ومعرفة مشيئته ، والتأديب يحدث نتيجة عدم الفهم
والاستمرارية في الخطية أو التعدي علي الوصية الكتابية ، أما القضاء فهو
نتيجة العناد والإثم والفجور الذي بدون توبة ، وفي كل الأحوال الله لا يبدأ
بالأهوال أو الكرب أو المصائب .
توجد
أهوال طبيعية في العالم فالارتفاع لمكان مرتفع دون حماية كافية تعرض الإنسان للخطر
وللأهوال ، والسير بسرعة فائقة الحدود بسيارة في طريق مزدحم يولد الأهوال ، أيضا
وقت الشيخوخة يري الإنسان في الطريق أهوال "وَأَيْضًا يَخَافُونَ مِنَ
الْعَالِي، وَفِي الطَّرِيقِ أَهْوَالٌ، وَاللَّوْزُ يُزْهِرُ، وَالْجُنْدُبُ
يُسْتَثْقَلُ، وَالشَّهْوَةُ تَبْطُلُ. لأَنَّ الإِنْسَانَ ذَاهِبٌ إِلَى بَيْتِهِ
الأَبَدِيِّ، وَالنَّادِبُونَ يَطُوفُونَ فِي السُّوقِ. " ( جا 12 : 5 )
.فهذه الأهوال طبيعية ناتجة من خطية أدم فهي أهوال الشيخوخة الموروثة من ادم
توجد
أيضا أهوال نتيجة البعد عن قوانين الله وعدم احترامها فيدخل الإنسان في دوامات
المشاكل والأتعاب ، ويحاول سماع صوت الله دون جدوى ، فهذا لسبب عدم الفهم الروحي
وإدراك أمور الله " سَتَأْتِي مُصِيبَةٌ عَلَى مُصِيبَةٍ، وَيَكُونُ
خَبَرٌ عَلَى خَبَرٍ، فَيَطْلُبُونَ رُؤْيَا مِنَ النَّبِيِّ، وَالشَّرِيعَةُ
تُبَادُ عَنِ الْكَاهِنِ، وَالْمَشُورَةُ عَنِ الشُّيُوخِ. " ( حز 7 : 62
) فبكثرة الشر والخطية التي تكون وسط شعب الله ، يأتي وقت تكثر فيه المصائب ولا
يجدون مخرجا
كما
توجد أهوال نتيجة شكاية إبليس ، وعندما يجد فرصة للدخول علي حياة إنسان يسبب له
المتاعب ويشعره بالمصائب والأهوال ، فأيوب كانت المصائب والأهوال نتيجة شكاية
إبليس علي حياته ، فلم تكن مصدرها الله كما اعتقد هو وأصدقائه ، فالشعور بالمصائب
دون تحديد مصدرها يصيب الإنسان الإحساس بثقل مصائبه " اَلْحَجَرُ ثَقِيلٌ
وَالرَّمْلُ ثَقِيلٌ، وَغَضَبُ الْجَاهِلِ أَثْقَلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا.
" ( أم 27 : 3 ) لذلك الله لا يريدنا في دائرة الجهال الذين يبحثون عن الحق
والحقيقة فيصابون بالحيرة والتعب النفسي لعدم الحصول علي معرفة الحق ، فيدعونا
الرب إليه لنستريح " تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ
وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. " ( مت 11 : 28 )
فيستطيع الرب أن يريح كل متحير لمعرفة الحق .
ميزان الله :
الله
وازن كل الأمور فكل الأشياء لها ميزان عنده فالجبال لها ميزان " مَنْ
كَالَ بِكَفِّهِ الْمِيَاهَ، وَقَاسَ السَّمَاوَاتِ بِالشِّبْرِ، بِالْكَيْلِ تُرَابَ الأَرْضِ، وَوَزَنَ
الْجِبَالَ بِالْقَبَّانِ، وَالآكَامَ بِالْمِيزَانِ؟" ( أش 40 : 12 )
لا يستطيع الجبل أن الجبل يزيد حجمه عن ما هو عليه الا بأمره ، فهو المتحكم في كل
الأشياء ، أما عند الإنسان فالأمر يختلف ، فلكل روح وقلب ميزان " كُلُّ
طُرُقِ الإِنْسَانِ نَقِيَّةٌ فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ، وَالرَّبُّ وَازِنُ
الأَرْوَاحِ." ( أم 16 : 2 ) فللإنسان حرية الاختيار والتحرك
والأفعال ، ولكن كل هذا يوضع في ميزان وعندما يمتلئ ميزانه للنهاية يأتي وقت التأديب
أو المكافئة أو القضاء " إِنْ قُلْتَ: «هُوَذَا لَمْ نَعْرِفْ هذَا»،
أَفَلاَ يَفْهَمُ وَازِنُ الْقُلُوبِ؟ وَحَافِظُ نَفْسِكَ أَلاَ يَعْلَمُ؟
فَيَرُدُّ عَلَى الإِنْسَانِ مِثْلَ عَمَلِهِ " ( أم ١٢:٢٤ ) لأن " كُلُّ
طُرُقِ الإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةٌ فِي عَيْنَيْهِ، وَالرَّبُّ وَازِنُ الْقُلُوبِ.
" ( أم 21 : 2 ) من ميزان الله يظهر كمال الإنسان أو نقصانه ، فقد وزن الملك
بَيْلْشَاصَّرُ وجد ناقصا في عيني الله " .... وُزِنْتَ بِالْمَوَازِينِ
فَوُجِدْتَ نَاقِصًا. " ( دا 5 : 27 ) لذلك جاء قضاء الله عليه بالموت
" أَنَا الرَّبُّ فَاحِصُ الْقَلْبِ مُخْتَبِرُ الْكُلَى لأُعْطِيَ كُلَّ
وَاحِدٍ حَسَبَ طُرُقِهِ، حَسَبَ ثَمَرِ أَعْمَالِهِ. " ( أر 17 : 10 )
لا يوجد عند الله ميزان مصائب ، بل ميزان أعمال ، ميزان أرواح ،
ميزان قلوب ، فبحسب ما تصنع من أعمال يتم وضع هذا في ميزان العدل الإلهي
إما أن توجد كاملا أم ناقصاً ، فليبارك الرب شعبه ليوجدوا أمام الله دائما في كمال
كلمته الكاملة التي تصير الجاهل حكيما .
يحتاج المؤمن عند قرأته
لسفر أيوب درجة من التركيز العالي جدا ، لأن به أفكار كثيرة لا تظهر معانيها
الحقيقية إلا لمن وضع الحق أمامه وفتش في معني كل كلمة ، فهل لله سهام يوجهها نحو
أولاده ، حاشا لله أن يفعل بأولاده سهام التجارب ، فتعبيرات أيوب ابعة من ثقافة
جيله ومستوي الألم والمحنة التي أصابته ، فكا لابد أن يعبر عن ألامه بصرخات معبره
" هَلْ يَنْهَقُ الْفَرَا (
الحمار الوحشي ) عَلَى الْعُشْبِ، أَوْ يَخُورُ الثَّوْرُ عَلَى عَلَفِهِ؟
هَلْ يُؤْكَلُ الْمَسِيخُ ( من لا طعم له ولا ملوحة ) بِلاَ مِلْحٍ،
أَوْ يُوجَدُ طَعْمٌ فِي مَرَقِ الْبَقْلَةِ؟ (بياض البيضة أو الزلال
الأبيض للبيضة ) مَاعَافَتْ نَفْسِي أَنْ تَمَسَّهَا، هذِه صَارَتْ مِثْلَ
خُبْزِيَ الْكَرِيهِ! " يَا لَيْتَ طِلْبَتِي تَأْتِي وَيُعْطِينِيَ اللهُ
رَجَائِي! أَنْ يَرْضَى اللهُ بِأَنْ يَسْحَقَنِي، وَيُطْلِقَ يَدَهُ
فَيَقْطَعَنِي. " ( أي 6 : 5 ـ 9 ) وكأنه يقول :
لا صراخ بدون سبب :
ينظر
أيوب لحقيقة راسخة يعزي بها نفسه لسبب صراخه الدائم من شدة الألم والأوجاع فيتمثل
بالحمار الوحشي الذي لا يسمع صوته عند وجود العلف ، فكأنه يقول لمستمعيه لا
تستغربوا تأوهاتي وأنيني لأنه لن أصرخ في وقت تكون فيه احتياجاتي مسددة فصراخي
دليل علي معاناتي من الألم واحتياجاتي للشهية المفتوحة ، فلا تستغربوا عدم شهيتي
للطعام لأنه بلا طعم في جوفي كبياض البيض الذي يؤكل بدون ملح فيصير بلا طعم .
ومن
شدة الألم والمعاناة التي يعاني منها أيوب ، كان يطلب من الله أن يضع حدا لها حتي
ولو بالموت ، فهو لم يخشي الموت ولكنه كان يتمني الموت ليضع نهاية لكل صرخة .
الصراخ المسموع لدي الرب
ثلاث أنواع :
1 ـ صراخ المظلوم والأبرار
:
كصراخ
شعب الله في العبودية " وَالآنَ هُوَذَا صُرَاخُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ
أَتَى إِلَيَّ، وَرَأَيْتُ أَيْضًا الضِّيقَةَ الَّتِي يُضَايِقُهُمْ بِهَا
الْمِصْرِيُّونَ، " ( خر 3 : 9 ) وهذا النوع من الصراخ يستدعي خلاص الله
لشعبه ، فالمساكين والمظلومين لهم أذن صاغية لدي الرب " وَيَتَّكِلُ
عَلَيْكَ الْعَارِفُونَ اسْمَكَ، لأَنَّكَ لَمْ تَتْرُكْ طَالِبِيكَ يَا
رَبُّ..... لأَنَّهُ مُطَالِبٌ بِالدِّمَاءِ. ذَكَرَهُمْ. لَمْ يَنْسَ صُرَاخَ
الْمَسَاكِينِ. " ( مز 9 : 10 ، 12 )
2 ـ صراخ الظالم والأشرار :
كسدوم
وعمورة " وَقَالَ الرَّبُّ: «إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ
كَثُرَ، وَخَطِيَّتُهُمْ قَدْ عَظُمَتْ جِدًّا. " ( تك 18 : 20 ) فهذا
النوع من الصراخ ما هو إلا ضوضاء فهي تستدعي قضاء الله علي مثل هؤلاء ، وكصراخ شعب
مصر بسبب قضاء الله عليهم لعنادهم في عدم إطلاق شعب الله ليعبدوا الرب " وَيَكُونُ
صُرَاخٌ عَظِيمٌ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ وَلاَ يَكُونُ
مِثْلُهُ أَيْضًا. " ( خر 11 : 6 ) وكما في ( خر 12 : 30 ) " فَقَامَ
فِرْعَوْنُ لَيْلاً هُوَ وَكُلُّ عَبِيدِهِ وَجَمِيعُ الْمِصْرِيِّينَ. وَكَانَ
صُرَاخٌ عَظِيمٌ فِي مِصْرَ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْتٌ لَيْسَ فِيهِ مَيْتٌ.
" فالظلم له صوت يسمعه الله والتعدي علي حقوق الغير له صوت يسمعه الله، كصراخ
شعب فلسطين لسرقتهم تابوت الله " وَالنَّاسُ الَّذِينَ لَمْ يَمُوتُوا
ضُرِبُوا بِالْبَوَاسِيرِ، فَصَعِدَ صُرَاخُ الْمَدِينَةِ إِلَى السَّمَاءِ.
" ( 1صم 5 : 12 )
3 ـ صراخ المجيء بعد انتظار
:
سيأتي
يوم يسمع فيه صراخ فهو صراخ النهاية ، نهاية ظلم الأشرار ، وهو صراخ لبداية بداية
حياة للأبرار ، سيأتي يوما فيه الرب ويُسمع فيه صوت صراخ " فَفِي نِصْفِ
اللَّيْلِ صَارَ صُرَاخٌ: هُوَذَا الْعَرِيسُ مُقْبِلٌ، فَاخْرُجْنَ لِلِقَائِهِ! "
( مت 25 : 6 ) يأخذ المؤمنين الي بيت الأب وينهي كل صراخ يسمعه المؤمنين " وَسَيَمْسَحُ
اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ،
وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ
الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ». " ( رؤ 21 : 4 ) ياله من وقت رائع
وعظيم فيه نستريح من أصوات ضوضاء كثيرة ومتاعب الحياة .
الفصل
التاسع عشر
التعزيات
المعذبة والمساعدة المطرودة
|
|
فَلاَ تَزَالُ تَعْزِيَتِي وَابْتِهَاجِي فِي عَذَابٍ، لاَ يُشْفِقُ:
أَنِّي لَمْ أَجْحَدْ كَلاَمَ الْقُدُّوسِ. مَا هِيَ قُوَّتِي حَتَّى
أَنْتَظِرَ؟ وَمَا هِيَ نِهَايَتِي حَتَّى أُصَبِّرَ نَفْسِي؟ هَلْ قُوَّتِي
قُوَّةُ الْحِجَارَةِ؟ هَلْ لَحْمِي نُحَاسٌ؟ أَلاَ إِنَّهُ لَيْسَتْ فِيَّ
مَعُونَتِي، وَالْمُسَاعَدَةُ مَطْرُودَةٌ عَنِّي! ( أي 6 : 10 ـ 13 ) |
الإنسان
دائما يريد أن يكون في أتم الصحة والعافية ، وفي تمام الهدوء النفسي ، فهو يسعي كي
ينال كل ما هو لخيره سواء كان في المال أو في الذات ، عندما تطرأ علي الإنسان
أمورا غير عادية تسلبه الفرحة والبهجة تجده يتحرك بصورة نفسية غير إرادية ليعلن
رفضه لها ، فتبدأ تتغير ملامح وجهه ، ويتفوه ببعض الكلمات التي تعطي له نوع من
التعويض الداخلي ليستطيع أن يستمر في الحياة لحين الخروج من الأزمة أو الضيقة ،
وقف أيوب متحير أمام ضيقته ، فهو لا يعلم من أين أتت له ولماذا ؟! فقد قال :
" لَمْ أَجْحَدْ كَلاَمَ الْقُدُّوسِ.
" لم ينكر كلام الله " فهو مؤمن بها ، ويبقي السؤال لماذا
كل هذا ؟! .
التعزية المعذبة :
قالوا
عن التعزية " التعزية هي التسلية والحث على الصبر بوعد الأجر ، والدعاء
للميت والمصاب " هذا ما يستطيع الإنسان أن يقدمه ، فيطلب للمتألم الصبر .
أو يدعوا الله له كي يخفف ألامه ، بكل تأكيد للمتألم فقط ، لأننا لا نؤمن بالدعاء
للأموات ، فبعد الموت لا عمل ينفع ولا دعاء .
أما
التعزية المعذبة كما في أيوب " فَلاَ تَزَالُ تَعْزِيَتِي وَابْتِهَاجِي
فِي عَذَابٍ، " تأتي نتيجة الحيرة الموجود تجاه أمرين متناقضين ، الأولى
هي الثقة في الله المحب ، والثانية في الألم والتجربة المريرة التي لا يعلم مصدرها
، فهل هي من الله المحب ؟ وان كانت منه وهو المحب فلماذا ؟ فعندما ينظر أيوب إلي
حياته الماضية يجدها في كمال القصد الإلهي ، وعندما ينظر الي أولاده يجد دفئ
المحبة التي كانت لهم ، وأنهم يختلفون عن أبناء الأمم الوثنيين ، فهم مقدسون
بتقديم الذبائح لله القدير ، فلماذا ؟ وأين التعزية حيث أنني لست من حجارة " هَلْ
قُوَّتِي قُوَّةُ الْحِجَارَةِ؟ هَلْ لَحْمِي نُحَاسٌ؟ "
الله
لا يريدنا في حيرة من أمرنا أو من ما يصيبنا لأن العناية الإلهية ما زالت تعمل في
كل نواحي حياتنا ، فنحن يجب أن لا نرتبط بمن حولنا ارتباط أبدي بل إن ارتباطنا ما
هو إلا وقتي جداً ، فيجب أن نعيش الساعة التي نعيشها مع من حولنا لأنه في وقتٍ
سينتهي أو سنفقده ، فممتلكاتنا ليست لنا بل ما هي إلا وسائل نعيش بها في هذه
الحياة المؤقتة ، وأولادنا أيضا ليسوا ملكنا بل هم ملك أنفسهم وملك خالقهم ،
وسيأتي اليوم الذي يفقد فيه أولاده أو زوجته أو زوجه أو أصدقائه ، فالتعلق بهم
يدمر الحياة ويكونون وسائل في يد إبليس ليستخدمهم ضدنا ويستغل ظروف انتقالهم أو
بعدهم عنا ، فيصيبنا بالتعزية المعذبة التي تثق في الله وفي نفس الوقت لا نمتلك
الإجابة لماذا أخذ منا أولادنا أو زوجاتنا أو أصدقائنا ، فهم ليسوا لنا أو ملكنا ،
لذلك يجب أن يكون ارتباطنا بالله وبأنفسنا فقط ، وعلاقاتنا بالآخرين ما هي إلا
للتواصل ومساعدة بعضنا بعض .
عندما يدرك الإنسان هذا سيعيش في هذا العالم
يخدم نفسه والآخرين ولا يسيطر ويتحكم في غيره لأنه لا يمتلكهم ، فأولاده ليسوا
ملكاً للآباء والزوجات ليسوا ملكاً للأزواج وهكذا فالإنسان لا يمتلك في هذه الدنيا
إلا نفسه وعليه أن يؤمن لها الأبدية ويسعي في العالم ليعيش حياة ميسرة لوقت
النهاية .
كان ينظر أيوب لمن حوله بأن عليهم حقوق نحوه ، وهذه الحقوق
نابعة من بعض المبادئ التي توجد في الإخوة والصداقة حتى وإن كان الصديق لم يخاف
الله " حَقُّ الْمَحْزُونِ مَعْرُوفٌ مِنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ تَرَكَ
خَشْيَةَ الْقَدِيرِ " ( أي 6 : 14 ) ففي كل الأحوال يعتبر منطق غير
مقبول ، وهذا ما حدث فلم يقفوا معه لا الصديق ولا الأخ " أَمَّا
إِخْوَانِي فَقَدْ غَدَرُوا مِثْلَ الْغَدِيرِ " ( أي 6 : 15 ) ليس لأن
أيوب لم يخشي القدير ولكن لأنهم لم يكونوا في دائرة المشيئة الإلهية ، فهم مرسلون
من إبليس ليستخدمهم لزعزعة إيمان أيوب ، فكان أيوب يدرك جيدا أنه لم يفعل شيئا
يستحق عليه كل ما حدث ، فلماذا حدث كل هذا له ، لذلك يقول : " عَلِّمُونِي
فَأَنَا أَسْكُتُ، وَفَهِّمُونِي فِي أَيِّ شَيْءٍ ضَلَلْتُ " ( أي 6 :
24 ) كانت التعزية التي يقدمونها أصدقائه بمثابة دائرة عذاب تزيده حيرة وتساءل
طالبا منهم برهان عن كل ما يقولونه " مَا أَشَدَّ الْكَلاَمَ
الْمُسْتَقِيمَ، وَأَمَّا التَّوْبِيخُ مِنْكُمْ فَعَلَى مَاذَا يُبَرْهِنُ؟
" ( أي 6 : 25 ) فمن الأمور الصعبة أن يجد الإنسان نفسه في ضيق مفاجئي ولا
يجد من يسنده ، بل يجد كل من حوله لا يفهمون شيئاً ، ويملئون الجو ضجيجا وكلاماً
يائساً " هَلْ تَحْسِبُونَ أَنْ تُوَبِّخُوا كَلِمَاتٍ، وَكَلاَمُ
الْيَائِسِ لِلرِّيحِ؟ بَلْ تُلْقُونَ عَلَى الْيَتِيمِ، وَتَحْفُرُونَ حُفْرَةً
لِصَاحِبِكُمْ " ( أي 6 : 27 ، 27 ) من ردود أيوب نري يد الله القديرة
التي حفظت عقله ، فأستطاع أن يوبخ أصدقائه ، ويتمسك بكماله ، فقد كان يميز الأقوال
التي قيلت له علي لسان أصدقائه ، وطلب منهم أن يرجعوا عن كل ما قالوه " وَالآنَ
تَفَرَّسُوا فِيَّ، فَإِنِّي عَلَى وُجُوهِكُمْ لاَ أَكْذِبُ.٢٩اِرْجِعُوا. لاَ
يَكُونَنَّ ظُلْمٌ. اِرْجِعُوا أَيْضًا. فِيهِ حَقِّي.٣٠هَلْ فِي لِسَانِي
ظُلْمٌ، أَمْ حَنَكِي لاَ يُمَيِّزُ فَسَادًا؟ " ( أي 6 : 28 ـ 30 ) من
اجل ذلك أناشد قارئي العزيز أن يستمر متمسك بكامله وقت التجربة ، فالكمال يقودك
إلي بر الأمان ، فبعد كل كلمات أيوب وأصدقاءه تدخل الرب في الإصحاح الثامن والثلاثون
ليصحح المفاهيم الخاطئة التي قيلت من الجميع ، ويمد يده ليمنع إبليس عن أيوب ،
ويعوض لأيوب أضعاف ما سلب منه ، فيتفوه أيوب بكلماته الشهيرة التي تقول " قَدْ
عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ
" ( أي 42 : 2 ) والكلمة الثانية " بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ
عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي " ( أي 42 : 5 ) فالمجد للرب لأنه لا
يترك أولاده ويعود لينجيهم من يد العدو ، فتمسك بالرب وثق أنه قادر علي الرفعة
والتعويض .
النصيب والتعبيرات النفسية
دراسة في سفر أيوبا
الجزء الثاني
بقلم القس عماد عبد المسيح
-----------------------------------------------------------
تنويه مهم
الكتاب الأول - الجزء الأول كان بعنوان : الطريق المدمر والسماح الإلهي - تحتوي الدراسة في الجزء الأول من الإصحاح الأول حتي الاصحاح السادس
-----------------------------------------------------------
الكتاب الثاني
وها نحن الأن بصدد الجزء الثاني لسفر أيوب بعنوان : النصيب والتعبيرات النفسية - تحتوي الدراسة في الجزء الثاني من الاصحاح السابع حتي الاصحاح الثاني عشر-
-----------------------------------------------------------
ملحوظة
في هذه الدراسات ندرس المواضيع الروحية الموجودة في سفر أيوب ولسنا بصدد تفسير السفر أية أية ، فإثناء دراستك ستدخل معنا من موضوع الي موضوع بحسب تسلسل الأيات والإصحاحات
-----------------------------------------------------------
الفصل الأول
القسمة والنصيب وحياة القلق
التعب ليس من القدرية
يتكلم أيوب عن الإنسان في عموم حياته أن الجميع غني وفقير لهم حياة السعي وفي النهاية أجرة جهاده وتعبه " أَلَيْسَ جِهَادٌ لِلإِنْسَانِ عَلَى الأَرْضِ، وَكَأَيَّامِ الأَجِيرِ أَيَّامُهُ؟ " أي ٧ : ١ فالجميع في تعب مستمر ، وهذا يعود بنا الي الحُكم الذي حُكم به علي البشرية عندما تكلم الرب مع أدم قائلاً : " وَقَالَ لآدَمَ: "لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. " ( تك ٣ : ١٧ ( فهنا التعب في نظر الإنسان قسمة قسمها الله له ، ولكن في الحقيقة ليست هكذا ، لأن الله لا يريد التعب للإنسان فقد خلقه في الجنة ، فالتعب هنا بمثابة حكم قضائي نتيجة العصيان وكسر الوصية وليس قسمة ونصيب ، وهو أيضاً اختيار الإنسان ذاته ، فقد كانت الوصية تقع في نطاق الاختيار بين الحياة والموت " وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ ". ( تك ٢ : ١٧ ( فقد وضع أدم في مكان الحياة ووضع أمامه اختيارين ، إما أن يبقي في الجنة ويحيا أو يأكل من الشجرة ويموت ، فاختار أن يأكل من الشجرة ، لذلك كان طريق الموت هو الحُكم البديل والطبيعي الذي اختاره أدم ، فالتعب والجهاد في الحياة يظهر أمامنا الصراع بين الحياة والموت ، فلأجل الحياة يتعب الإنسان في الحياة والتعب يوماً بعد يومٍ هو طريق الموت ، هذا ليتم القضاء الإلهي في خليقته علي الأرض . هذا تطلب من الله أن يوجِد حل ، لذلك تجسد الابن المبارك في صورة إنسان ليحمل الموت ويهب لنا الحياة " وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ " ( في ٢ : ٨ ( و أيضاً " لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ) " يو ٣ : ١٦ (بالتجسد جاء الحل الإلهي للبشرية ، ففي المسيح ابن الله الأزلي أعطي الحياة لكل مؤمنين العهدين القديم والجديد ، من بداية الخليقة إلي نهايتها فهو أزلي أبدي ولسلطانة لا نهاية " آيَاتُهُ مَا أَعْظَمَهَا، وَعَجَائِبُهُ مَا أَقْوَاهَا! مَلَكُوتُهُ مَلَكُوتٌ أَبَدِيٌّ وَسُلْطَانُهُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ " ( دا ٣ : ١٠٠) فالفداء والخلاص من الموت الأبدي يكمن في دائرة السلطان الإلهي ، لذلك لا فائدة لكل جهاد الإنسان لإعطاء الحياة لنفسه ، فالحياة الأبدية هي في دائرة السلطان الإلهي ، أما الحياة الدنيا فهي ممنوحة من الله للإنسان ، فما علي الإنسان إلا أن يحافظ عليها ، ومن هنا يأتي التعب ، وقد يقول احدهم كما قال أيوب " أَيَّامِي أَسْرَعُ مِنَ الْوَشِيعَةِ، " - الوشيعة : مَكُّوكِ النَّسَّاجِينَ - فمكوك النساجين يعمل ذهاباً وإياباً إلي وقت النهاية ذهاباً بلا إياباً ، هذا هو الإنسان في نظر أيوب .
القلق قسمة ونصيب :
إنه من الأفكار الخاطئة الاعتقاد بأن كل الخليقة لها من القلق نصيب ، هذا ما يدور في مخيلة أيوب ومخيلة كل البشرية " كَمَا يَتَشَوَّقُ الْعَبْدُ إِلَى الظِّلِّ، وَكَمَا يَتَرَجَّى الأَجِيرُ أُجْرَتَهُ، هكَذَا تَعَيَّنَ لِي أَشْهُرُ سُوءٍ، وَلَيَالِي شَقَاءٍ قُسِمَتْ لِي. إِذَا اضْطَجَعْتُ أَقُولُ: مَتَى أَقُومُ؟ اللَّيْلُ يَطُولُ، وَأَشْبَعُ قَلَقًا حَتَّى الصُّبْحِ) " أي ٧ : ٢ - ٤ ) وكأنها ضريبة وضعت علي البشرية ، فيمر الإنسان بأيام وأشهر خير ورخاء ويمر أيضاً بأشهر سوء وليالي شقاء ، وتكون النتيجة ومن نصيب الإنسان أن يُكتب له القلق والاكتئاب .
نحن لا نؤمن بـ " القضاء والقدر أو القدرية والمكتوب والقسمة والنصيب " لأنها عقيدة تهين الخالق ، لأنها تفقد الإنسان مسئوليته تجاه الأحداث ، وتضع كامل المسئولية علي الله ، في حين أن جميع الأحداث في مرها وحلوها هي مسئولية الإنسان أولاً وأخيراً لأن " اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي يَدِ اللِّسَانِ، وَأَحِبَّاؤُهُ يَأْكُلُونَ ثَمَرَهُ) " أم ١٨ : ٢١ ( فمن خلال أفكارك وتصرفاتك وكلامك ترسم لنفسك ولمن حولك الحياة أو الموت البركة أو اللعنة " لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَان "( مت ١٢ : ٣٧ ( فكما تفكر في داخلك تكون ما أنت عليه ، فكن ايجابياً ولا تكن سلبياً ، كي تحصد من ثمر تفكيرك وكلماتك .
القضاء الالهي ليس قسمة ونصيب :
القضاء الإلهي عندما يتحرك في عالمنا فهو يتحرك بقوانين روحية ومبادئ كتابية " اَلرَّبُّ مُجْرِي الْعَدْلِ وَالْقَضَاءِ لِجَمِيعِ الْمَظْلُومِينَ " ( مز ١٠٣ : ٦ ( فهو لا يتحرك عشوائياً ، فإنه يتحرك بالعدل ، والعدل لا يتحرك إلا دستورياً من خلال مبادئ وقوانين ، فالمبادئ والقوانين لا توجد إلا من خلال الكلمة الحية المعلنة في الكتاب المقدس ، فهو ليس كتاب ألف ليلة وليه ، ولكنه كتاب يدب بالحياة ، ومبادئ الكلمة المقدسة ما زالت تعمل ، فهي حية وفعالة " لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ " ( عب ٤ : ١٢ (ولأنها حية وفعالة فهي قادرة علي تمييز القلب بأفكاره ونياته وقادرة علي اختراق أعماق النفس والروح ، فمن هنا يعمل القضاء الإلهي " وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا " ( عب ٤ : ١٣ ( فهو من خلال كلمته المقدسة حَكم علي شعب الله قديما بعدم الدخول الي راحته " فَلْنَخَفْ، أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ وَعْدٍ بِالدُّخُولِ إِلَى رَاحَتِهِ، يُرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنَّهُ قَدْ خَابَ مِنْهُ " ( عب ٤ : ١ ( لا أقصد هنا فقدان الحياة الأبدية من عدمه ، لكني قصدت أن قضاء الله وحكمه لم يكن جزافياً بل بحسب القوانين الإلهية التي لشعب الله لهم في ذلك الوقت فقد كان موسي وقتها يسمي كليم الله ، فعصيانه هو بمثابة عصيان الرب " لأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضًا قَدْ بُشِّرْنَا كَمَا أُولئِكَ، لكِنْ لَمْ تَنْفَعْ كَلِمَةُ الْخَبَرِ أُولئِكَ. إِذْ لَمْ تَكُنْ مُمْتَزِجَةً بِالإِيمَانِ فِي الَّذِينَ سَمِعُوا " ( عب ٤ : ٢ ( لذلك عندما الله يُقًسِم غاضبا..ً فهذا حقه لأن الإنسان لم يستمع للحق ولصوت الرب " فَإِذْ بَقِيَ أَنَّ قَوْمًا يَدْخُلُونَهَا، وَالَّذِينَ بُشِّرُوا أَوَّلاً لَمْ يَدْخُلُوا لِسَبَبِ الْعِصْيَانِ، " ( عب ٤ : ٦ ( فالعصيان والتمرد وعدم سماع الكلمة المقدسة وعدم السلوك بقداسة يقود الإنسان لدائرة القضاء الإلهي ، ولنلاحظ أن التأديب يدخل في دائرة القضاء الإلهي الممتزجة بالأبوة فيقف مع ابنه في وقت حكمه عليه ، فقد حُكم علينا بالموت والهلاك ولكن لأننا أبناء أتي بنفسه ليفدينا من حكم الموت ، ففي وسط قوة القضاء الإلهي كانت المحبة الأبوية تعمل لجذب شعبه وأولاده لأنهم أبناء .
المستوي الأبوي الذي للأب نحونا نحن الأبناء في قوانينه الإلهية يبني علي العطاء الإلهي الذي تم في الصليب بتجسد الابن المبارك ، من أجل ذلك نري أن القضاء الإلهي والدينونة لا يعملان إلا علي الأشرار والبعيدين والرافدين ، أما علي الأبناء الذين تطهروا بدم المسيح فلا دينونة عليهم وبالتالي القضاء الإلهي يعمل في صورة التأديب " إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ) " رو ٨ : ١ ( وهذا ما تمتع به داود إذ قال : " تَأْدِيبًا أَدَّبَنِي الرَّبُّ، وَإِلَى الْمَوْتِ لَمْ يُسْلِمْنِي. " ( مز ١١٨ : ١٨ ( ففي التأديب معرفة وفهم " اِسْمَعُوا أَيُّهَا الْبَنُونَ تَأْدِيبَ الأَبِ، وَاصْغُوا لأَجْلِ مَعْرِفَةِ الْفَهْمِ، " ( أم ٤ : ١ ( من أجل هذا نحن لا نؤمن بالقدرية ولا بالقسمة والنصيب .
اللعنات ليست قدرية :
عندما تحدث مصيبة أو كارثة لفرد أو عائلة ابحث أولاً عن مستوي الفرد روحياً وعن قامته فإن كان علي قدر كافي من المستوي و القامة الروحية فلتعلم أن ما يحدث تجربة تحتاج لجهاد روحي في الصلاة والاقتراب نحو دوائر الحماية الإلهية التي تكمن في حياة المعرفة الكتابية والسلوك المقدس والثقة في أن حماية الله قائمة ويستطيع المؤمن أن يتمتع بها ، ففقدان الثقة يضعف من مستوي السياج الإلهي لأنها تعمل بقوانين ومبادئ إلهية .
أما ثانياً فتبحث حيث الخطية واللعنات المتوارثة من جيل لجيل ، فاللعنات لها دور فعال في المصائب والكوارث التي تحدث للفرد أو العائلة ، فكارثة القتل والزني التي لاحقت عائلة داود النبي سببها أن داود زرع خطية الزني والقتل فتوارثتها العائلة ، وكارثة الكذب في حياة أبونا إبراهيم لدرجة دفع زوجته في أحضان غريب من أجل النجاة من الموت ، تكررت مرتين في حياته وتكررت في حياة إسحق ابنه ، فتوارث اللعنات حقيقة أكيدة يحتاج المؤمن في أن يدركها ليتحرر من قبضتها ، ولكي تكسر اللعنات يحتاج المؤمن الذي أكتشف وجودها أن يتوب عن أبائه ليرفع الرب الدوائر الإبليسية النشطة في حياة الفرد أو العائلة ، فاللعنات الروحية ما هي إلا تكثيف لقوي الشر في منطقة ما سواء حول فرد أو عائلة ، فاللعنة اللاحقة بشخص ما ليس معناها أن الشخص ملعون ، كلا ، بل اللعنة لاحقة ببعض الأشياء والممتلكات فلا يجد فيها بركة ، وقد يجد خسائر متكررة وبنفس الصورة فقد تجد عائلة يتكرر فيها الطلاق الزني القتل أو الموت في سن معينة ، أو متكرر في العائلة الانفصال والمشاكل بين الزوجين وهكذا ...... الخ ، هنا يجب علي المؤمن أن يدرك هذا ويسير نحو كسر هذه اللعنات التي أكتشفها .
لكسر أي لعنة يحتاج من الإنسان المؤمن أن يهتم بكل ما هو روحي ، كالصلاة ، والصوم ، وتكريس الوقت أمام الرب ، وطلب الحماية في دم المسيح ، والعمل علي انتهار كل أرواح شر متواجدة لتحقيق اللعنة ، ومشاركة مؤمنين لهم مستوي إدراك روحي لهذا الأمر ليشاكوا الصلاة من اجل كسر أي لعنة ، وليدرك المؤمن أن له حق الحماية والبركات في المسيح ، وأن ليس لإبليس أي حق في التواجد في دائرة حياة هذا المؤمن ، وأن للمؤمن حق الدوس علي إبليس وجنوده وعلي كل قوة العدو ، فعندما يتواجدوا بكثافة لإحداث لعنة ، للمؤمن الحق علي أن يدوس عليهم بسلطان ابن الله الممنوح له بالإيمان باسمه .
-----------------------------------------------------------
الفصل الثاني
مرارة النفس التي لأيوب
الدراسة خاصة جداً ومهمة جداً لإنهاء تعالج كل مر النفس ، وسنتجول في سفر أيوب لدراسة مرارة النفس مستغلين الأحداث التي مر بها أيوب ، لذلك من المهم جداً أن تتابع معنا هذا الدراسة وتقرأها بتمعن وبروح الصلاة .
الأحداث الكثيرة المحيطة بنا ولا تمس حياتنا لا تصيبنا بمرارة النفس ، لكنها تصيبنا بالإكتئاب المؤقت التي تكون مدته دقائق أو ساعات بسيطة عند قراة الخبر أو سماعه ، وعند خروجنا من دائرة الخبر وننشغل في أشياء أخري يزول تاثير الخبر ويزول الاكتئاب المرتبط به ، فالإبتعاد عن تفاصيل الأخبار التي لا تخصنا يساعد علي عدم الإصابة بالإكتئاب مدة أطول ، فكن دائماً عميق في تعاملاتك بسيط في تفاعلاتك ، العمق في التعامل يحتاج تقدير لما هو مهم فنتعامل معه بجدية ، أما بساطة التفاعلات تحتاج عدم التركيز علي المشاعر والأحاسيس عند سماع اي حدث ، وهنا نتفادى حياة الاكتئاب حتي ولو كانت ستكون لدقائق .
الأحداث التي تخصنا ونكون طرف فيها تصيبنا بالإكتئاب والقلق طول مدة الأحداث ، وعندما نكون ينتابنا شعور بالظلم ولا نري مخرج يصير الأمر لمستوي مرارة النفس ، فيكون حال لساننا كما قال أيوب " أَنَا أَيْضًا لاَ أَمْنَعُ فَمِي. أَتَكَلَّمُ بِضِيقِ رُوحِي. أَشْكُو بِمَرَارَةِ نَفْسِي. أَبَحْرٌ أَنَا أَمْ تِنِّينٌ، حَتَّى جَعَلْتَ عَلَيَّ حَارِسًا؟ إِنْ قُلْتُ: فِرَاشِي يُعَزِّينِي، مَضْجَعِي يَنْزِعُ كُرْبَتِي، تُرِيعُنِي بِالأَحْلاَمِ، وَتُرْهِبُنِي بِرُؤًى، فَاخْتَارَتْ نَفْسِي الْخَنِقَ، الْمَوْتَ عَلَى عِظَامِي هذِهِ " ( أي ٧ : ١١ – ١٥ ) المعاناة التي عناها أيوب جعلت في داخله أسئلة ليست لها إجابة ، وهذه الأسئلة دفعت العقل الباطن ليجيب عليها في صورة أحلام وهواجس الليل ، فكانت أحلام مرعبة " تُرِيعُنِي بِالأَحْلاَمِ، وَتُرْهِبُنِي بِرُؤًى، " ولأنه لا يعلم مصدر الأحلام فقد نسبها لله ، فكانت تزيده حيرة وتعب نفسي " أَتَكَلَّمُ بِضِيقِ رُوحِي. أَشْكُو بِمَرَارَةِ نَفْسِي " فمرارة النفس توجد عندما لا يكون ردوداً لما يحير.
فمن يجيب هذه الأسئلة :
لماذا فقد كل شئ ؟
خسر أولاده مرة واحدة .. لماذا ؟
خسر عبيده وغلمانه .. لماذا ؟
فقد صحته .. لماذا ؟
خسر المواشي والجمال والأتن ... لماذا ؟
كل هذا في وقت واحد ، يزيد علي هذا الأحلام التي ترهقه ليلاً ، هذا غير كلمات أصدقائه التي كانت تزيده ألاماً " قَدْ سَمِعْتُ كَثِيرًا مِثْلَ هذَا. مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ " ( أي ١٦ : ٢ ) جميع هذه الأسئلة تجعل داخل النفس مشاكل وأحاسيس وأصوات ، فلن ينسي أيوب صوت الغلام وهو يقول له " وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَعَ، فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَك " ( أي ١ : ١٩ ) هذا مع إحساس الألم والحزن والأسى الذي رافق هذا الصوت .
كل هذه الأحداث تقود المرء للاكتئاب وللمرارة ، ولا سيما عندما لا يجد من يواسيه أو يأخذ بيده ، فالإنسان بطبعه اجتماعي ويحتاج دائما لمن يكون بجواره ويسنده ، أما عندما لا يجد أحداً يزيد هذا من كآبته ، فقد وجد أيوب أصدقاء ولكنهم كانوا أصحاب أفكار تزيد الهم والغم فلم يتعزي بهم .
كي لا يصاب الإنسان بمرارة النفس يجب أن يتحكم في مستوي التفكير في وقت الأزمات ، فلا يسمح لعقله الواعي أن يسأل أسئلة محيرة ليست لها إجابة ، بل ليصمت ويهدأ وبعد مرور وقت من الأزمة يبدأ في التفكير والتحليل ليصل للحلول ، مع ملاحظة عدم التحميل علي النفس ، لأن التفكير المستمر دون أخذ هدنة يصيب الإنسان بالقلق والتوتر مع حدوث بعض المشاكل في الجهاز العصبي الذي بدورة يصيب بعض أجهزة الجسم بالتعب أو الأمراض ، من أجل ذلك رأيت أن أكتب لكم سبعة وصايا للخروج من الاكتئاب ولعدم الدخول فيه .
الوصايا السبعة للخروج من الاكتئاب :
أسباب يجب أن تأخذ حذرك منها كي لا تصاب بالاكتئاب :
لم يخلقنا الله لنعيش مُكتئبين ، لكنه خلقنا لنعيش في فرح دائم وسلام داخلي مستمر ، فالإكتئاب ومرارة النفس إمور دخيلة علي حياة الإنسان فيجب رفضه وعدم الإستسلام لهما ، الإكتئاب والقلق أول طريق مرارة النفس ، لذلك إن أردت الوقاية عليك الإبتعاد عن كل مسببات القلق والاكتئاب ، أو بمعني أخر لا تجعل قلقك يطول لأنه يدفعك للإكتئاب والإكتئاب عندما يطول يدفعك لمرارة النفس ، لا يوجد مرارة نفس بلا اكتئاب لذلك إن أردت علاج مرارة النفس عليك معالجة الإكتئاب .
ما يسبب الاكتئاب :
الوصية الأولي :
عدم المقدرة في الحصول علي بعض الأشياء الأساسية في الحياة يسبب الاكتئاب وعندما يكون المعطل أمامك من هو مُوّكل لمساعدتك في تحقيق اهدافك فحينها تشعر بالمرارة والتعب النفسي ، فكثرة الطموح والأهداف الغير محققة تُدخل الإنسان في مستوي من الإكتئاب ، أيضاً المكاسب القليلة والمشاريع الفاشلة ، فمجرد التفكير فيها يقود للاكتئاب لأنها أصبحت ماضي قريب ، يجب أن يبتعد الإنسان عن التسليم للعقل في التفكير فيه.
إن كل المفشلات والأهداف الغير محققة يوماً ستصير ماضي بعيد ، وما لم تحصل عليه اليوم سيأتي اليوم الذي تحصل علي كل ما تريد ، من خلال وقت من الصبر والمثابرة مع الصلاة ليرتفع المؤمن فوق كل ارواح الإكتئاب .
كثيرون يتعلقون بالأشياء سواء كانت بين أيديهم أو يسعون للحصول عليها ، وعندما يفقدوها يدخلون في نوبات من التوتر والاكتئاب ولا سيما عندما تكون الخسارة كبيرة فيصاب الشخص بمرارة وتعب نفسي عميق ، لكن عندما لا يتعلق الإنسان بالأشياء والأشخاص تقل فرص الإصابة بأي من المشاكل النفسية الناتجة من الأحداث المحيطة بنا بسهولة .
إن عدم التعلق بالأشياء والأشخاص والتمسك بالرب وبكلمته يجعل داخل النفس " حائط صد " أي قوة مضادة للتوتر والقلق والاكتئاب فلا يصل المؤمن لمرارة النفس فيستطيع الإنسان التمتع بالسلام الإلهي وإستقبال التعزية والتعويضات الإلهية ، فقد فَقَدَ أيوب كل شئ فقد كان قلبه متعلق بكل ما حوله ، خسر الكل لذلك اكتئب " فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ، (أي ١ : ٢٠) هذه التصرفات تعلن روح الحزن الذي اقتحم حياة أيوب ، وبحسب ارتباطه بما فقده يكون مستوي الحزن شديد والتعرض للإكتئاب مرتفع ، والذي حفظ أيوب هو إيمانه بالله والتمسك بمبادئ الإيمان .
بعد مرحلة فرم جسدي ونفسي ابتدأ أيوب يسمع صوت الرب المطمئن فقال أيوب لله "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ.......بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي. (أي٤٢: ٢، ٥) تم التعويض الإلهي علي أيوب بعد أن تعلم كيف يري الرب بطريقة مختلفة ، ويري العالم بالمنظور الإلهي ، أن التعلق بغير والأشخاص لا ياتي من ورائهم غير التعب ، لذلك إرتبط بكل ما ومن حولك ارتباط روحي لخدمة اشخاصهم وإستخدام الأشياء لمجد الله
الارتباط بالأشياء والتعلق بهما يقودان الإنسان لمستوي من القلق والتوتر ، عندما تعلق يوسف بقميصه الملون كانت فرصة حدوث الإصابة بالاكتئاب قريبة جداً ، وعندما تعلق بإخوته وفقدهم وبيع عبد زادت نسبة الإصابة بالخوف والقلق والتوتر والاكتئاب " دخل الحديد إلي نفسه " لذلك تعلم أن لا يتعلق بقميص أهدي إليه في بيت فوتيفار ، واستطاع أن يتركه في يدها عندما أرادت أن تمسك به لفعل الخطية ، فأدعوك أيها القارئ العزيز أن لا ترتبط بالأشياء أو الأشخاص كي لا تصاب بمشاكل نفسية .
الوصية الثانية :
الأخطاء والخطايا الشخصية المكتشفة للغير ، التي تعتبر في لستة الفضائح ، سواء كانت بسيطة أو معقدة ، تقود للاكتئاب إن تبنيتها ولم تعمل لتصحيح الصورة أو الموقف ، كما يمكنك ترك كل ما هو فوق استطاعتك فالرب كفيل بتصحيحه .
عندما يسقط إنسان في خطية أو زلة ، ينتابه شعور بالذنب ، وهذا يقوده لموقفين ، إما التوبة ومسامحة النفس ، أو الشعور بالتدني وعدم الغفران لنفسه عن ما فعل ، فإن تمسك بالشعور بالذنب يكون مستعداً للإصابة بالاكتئاب ومرارة النفس ، يوجد فئة من البشر عندما تفعل شر أو تسقط في خطية معينة ولا يراها أحد ، تستهين بما فعلت ولا تفكر في الأمر ، ولكن عندما تكتشف أن أمرها فضح تبدأ في التوتر والاكتئاب ، من أجل ذلك يجب علي الإنسان أن يأتي للرب تائبا عن كل ذلة قبل أن تكتشف وبعد اكتشافها للغير ، فقد ندم إنسان عن الزني والقتل بعد أن يكتشف أن ما فعله أكتشف لغيره " يَا رَبُّ، لاَ تُوَبِّخْنِي بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ.تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي. (مز٦: ١، ٦) فيفعل كما فعل داود عندما إكتشف ناثان بالروح خطية داود ، فندم وقدم توبة ، فقال يوناثان له " فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: "أَنْتَ هُوَ الرَّجُلُ! هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: أَنَا مَسَحْتُكَ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ وَأَنْقَذْتُكَ مِنْ يَدِ شَاوُلَ،لِمَاذَا احْتَقَرْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ لِتَعْمَلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيْهِ؟ قَدْ قَتَلْتَ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ بِالسَّيْفِ، وَأَخَذْتَ امْرَأَتَهُ لَكَ امْرَأَةً، وَإِيَّاهُ قَتَلْتَ بِسَيْفِ بَنِي عَمُّونَ.فَقَالَ دَاوُدُ لِنَاثَانَ: "قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ". فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ. (2صم١٢: ٧، ٩، ١٣) لماذا نستمر في الشر بلا توبة إلا عندما تُفضح ، إنها تفتح علي حياتنا أبواب من الدمار والتدخلات الشيطانية ، وتفتح أبواب نفسية علي حياتنا ، فدعونا نقدم للرب توبة حقيقية عن كل ماضينا ، فالتوبة باب مريح وشفاء روحي للنفس البشرية .
لم يكن لأيوب خطية تذكر إلا الخوف من أن تفقد منه الممتلكات ، لذلك لم يكن الإكتئاب الذي اكتأبه نتيجة ذلة أو خطية ، فالإكتاب فقد كان لسبب الخسائر التي حدثت وكانت فوق مستوي احتماله ، ولولا معونة الرب له لكان تدمر عقله
الوصية الثالثة :
المعاملات السيئة التي من الغير تسبب اكتئاب ولا سيما عند عدم المقدرة علي الثأر أو عدم المقدرة والحصول علي الحقوق ، ومع مرور الوقت وطول المدة مع تكرار التعدي من الغير والتفكير العميق والشديد في الأحداث تصيب المرء بالمرارة الداخلية ، فلا تسعي لتثأر كي لا تدمر نفسك فإلهك إله التعويضات.
أكثر الأشياء التي تجعل الإنسان في دوائر الاكتئاب هي المعاملات السيئة من الغير ولا سيما من الأقارب ، فالأب أو الزوج عندما لا يعطي حنان وحب ويتعامل بالقسوة يقود الأخريين للاكتئاب ، هذا لأن التركيبة النفسية للإنسان تعمل علي الحرية وعدم القيود ، فالقسوي قيد من القيود التي تكبل النفس البشرية ، فالشعوب الحرة لا تجد فيها مظاهرات وعنف جماعي يلاحظ ، أما الشعوب التي تنال من قادتها القسوة والصرامة بلا حساب أو قانون تصاب بالاكتئاب ومرارة النفس ، وعند الوصول لدرجة الغليان يحدث انفجار نفسي فيحدث فوضي ينال من خلالها كل مكتئب ومضغوط الحرية التي بلا رابط ، فيتدمر المجتمع ويحتاج لمن يتفهم حالته ويعالجه نفسياً ويسدد فاتورة الإصلاح .
يوجد فرق بين القسوة كمنهج مستمر وبين التأديب للتعلم والفهم ، فالقسوة عندما تكون كمنهج مستمر تدفع الإنسان للإحساس بالظلم ويكون عرضة للإحساس بالشعور بالمرارة ، أما التأديب يجب أن يرافقه تهذيب واحتضان وتعلم " تَأْدِيبًا أَدَّبَنِي الرَّبُّ، وَإِلَى الْمَوْتِ لَمْ يُسْلِمْنِي. (مز ١١٨ : ١٨) فالتأديب يجب أن يكون بحكمة وليس بتهور يصل للموت ويكون هدفه المعرفة والإستقامة " لِقُبُولِ تَأْدِيبِ الْمَعْرِفَةِ وَالْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالاسْتِقَامَةِ. (أم ١ : ٣) فرافدي التأديب يصيروا في طريق الغباء " مَنْ يُحِبُّ التَّأْدِيبَ يُحِبُّ الْمَعْرِفَةَ، وَمَنْ يُبْغِضُ التَّوْبِيخَ فَهُوَ بَلِيدٌ. (أم ١٢ : ١)
كان لدي أيوب إثناء التجربة إحساس بالقسوة والمعاملة السيئة من أهل بيته ومن أصحابه فقال لهمْ ، فهو يعلم جيداً أنه لم يفعل شراً يستحق ما حدث له " سَمِعْتُ كَثِيرًا مِثْلَ هذَا. مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ ( أي ١٦ : ٢ ) فلم يتفهمون طبيعة أيوب وطبيعة التجربة ، فقد حكموا علي أيوب بأن ما جري له مرتبط بشر وبخطية ، فقد كانوا سبب الأم نفسية شديدة لأيوب " إِنْ تَكَلَّمْتُ لَمْ تَمْتَنِعْ كَآبَتِي، وَإِنْ سَكَتُّ فَمَاذَا يَذْهَبُ عَنِّي؟ (أي ١٦ : ٦) وصل أيوب لمستوي من الإكتئاب بل أقول وصل لمستويات من مرارة النفس ، ففقدان كل نسله أمراً ليس بسيطاً ، ولكن لولا معية الرب لكان قد فقد عقله .
تعاملت زوجة أيوب مع أيوب بطريقة معينة للغاية بقولها له عندما " فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ شَقْفَةً لِيَحْتَكَّ بِهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ الرَّمَادِ.فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: "أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ؟ بَارِكِ اللهِ وَمُتْ!". (أي٢: ٨-٩) كلمة بَارِكِ - curse تعني العن ، وفي العبري בּרך وتنطق bârak - باراك وتعني يبارك نفسه للموت ، وكأننا تقول له خلاص راحت ليك انت في النفس الاخير ، فلم تقل له الف سلامة عليك ، ربنا يشفيك يا حبيبي ، إهانة لم تتكلم معه لتواسيه وتعزيه بل وكانها تتمني له الموت ، اليس هذا أمراً مؤلماً ، كل شيئ حول أيوب ينهار ، فالذي حفظ أيوب من الإنهيار هو إيمانه بالله إيمان حقيقي .
عندما يدخل الإنسان في مرحلة من الديون التي فوق مستوي الطاقة ولا يجد لنفسه مخرج ، تُصيبه بالضيق ومرارة النفس " وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ كُلُّ رَجُل مُتَضَايِق، وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَكُلُّ رَجُل مُرِّ النَّفْسِ، فَكَانَ عَلَيْهِمْ رَئِيسًا. وَكَانَ مَعَهُ نَحْوُ أَرْبَعِ مِئَةِ رَجُل. (1صم ٢٢ : ٢) فالمديون للغير ولا يقوي علي تسديد ديونه تجد المُداين يتعامل مع المديون بطريقة المطالبة الملحة والتهديدات بالمقاضاة ، فينتابه شعور بالضيق ومرارة النفس " وَلَمَّا خَرَجَ ذلِكَ الْعَبْدُ وَجَدَ وَاحِدًا مِنَ الْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ، كَانَ مَدْيُونًا لَهُ بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ بِعُنُقِهِ قَائِلاً: أَوْفِني مَا لِي عَلَيْكَ. (مت ١٨ : ٢٨) هذه صورة صاحب الدين الملح والعنيف ، ولأنه صاحب حق فيستطيع أن يفعل في المديون إموراً قانونية ولا يُلام ، لذلك اقدم نصيحة لكل مُقدم علي مشروع او عمل ، لا تكون مفرط في الإستدانه التي تكون فوق الطاقة ، والتي ليس لك ما تفكه لتسديد ديونك ، فعلي سبيل المثال تجد سياسة البنوك لا تقرض أحداً إلا من له ضمان عقاري او شيئاً تضمن بها حقها في حالة تعسر المديون ، وتحمي المديون من السجن ، فلنسير في طريق حكيم وبلياقة فلا نصاب بأي من أنواع القلق والاكتئاب ومرارة النفس .
الوصية الرابعة :
لا تسعي وراء تفاصيل الإمور إلا إذا كنت طرف مهم لحل الأزمه ، لأن هذه التفاضل تُخزن كصور وأحاسيس داخل العقل الباطن وتخرج في وقت ما مسببة اكتئابا أو قد تساعد علي الاكتئاب ، يقف الإنسان دائماً بجوار الأحداث طالباً معرفة الجديد فيها ، مع إنها قد تتدرج في نطاق الثقافة لكنها تترك أثارها داخل النفس البشرية ، فقد تنتهي الأحداث تاركةً ورائها صور وأصوات و أحاسيس تستمر طول العمر ، ففي أحداث ٢٠١١ م لا ننسي إطلاقاً أحداث التحرير وجمعة الغضب و.... الخ ، هذه الأحداث تركت داخل كثيرين أثار نفسية سيئة جداً ، ولكي يتخلصوا منها أغلقوا التلفزيونات وتركوا الأحداث تمر دون متابعتها لأنها سببت لهم توتر وقلق والبعض عاني من الاكتئاب .
أما بخصوص الأحداث القريبة من النفس البشرية التي تخص الذات أو الأسرة أو العائلة فرجاء عدم الاهتمام بجميع تفاصل الأمور إلا للتي تساعد في قرارات مصيرية ، أما التي علي هوامش المواضيع فإتركها دون معرفة تفاصيلها ، يكون أفضل من البحث في تفاصيلها ، لأن التخلص من الصور والأحاسيس والأصوات المخزنة في العقل الباطن ليس بالسهل ، يحتاج الإنسان إلي تغيرها من الداخل واستدعائها للذهن الواعي وتغير معالمها ، ولشرح هذا دعني أضع أمامك هذا الحوار .
أتت لي شابة تبلغ من العمر خمسة عشر سنة ومعها الأم ، تشكي الأم من أن ابنتها تحب شاب يكبر عنها بخمسة سنوات ، ونصحتها الأم كثيراً ولكن دون جدوى ، فسألت الابنة هل تريدين التخلص من التواصل و التفكير في هذا الشاب ، قالت نعم لكني حاولت كثيراً ولم أستطيع ، قلت لها هل تستطيعين أن تستدعيه الأن في ذهنك ، قالت نعم هو الآن أمامي ، قلت لها رائع يمكنك الآن استدعاء أخر مقابلة بأحداثها وأصواتها وأحاسيسها ، قالت استدعيت ، قلت لها غيري في شكله ( في الوجه) ، وغيري في صوته سيتم تغير الإحساس نحوه تلقائياً ، ففوجئت بعد دقيقة بضحكات هستيرية ، قلت لها ماذا ؟ قالت هاهاها لن أستطيع أن أقابله بعد الآن لأني كلما رأيته لن أتمالك نفسي وسأفتكر أخر موقف وسأضحك في وجهه .. لا لا انه إحساس جديد ، لم أكن أتصور أنني أستطيع فعل هذا داخلي تجاهه ، فعلاً إن الإحساس الأول تبدد ، خرجت الأم وأبنتها وهم في أحاسيس مختلفة ، إن إمكانية تغيير الصور والمواقف داخل النفس البشرية من أهم الأمور التي تُعجِل بشفاء النفس من الاكتئاب والقلق .
مثل هذا القصة الحقيقية يوجد مثيلتها في كلمة الله ، فتبديل الصور يفعله الله كثيرا. في معاملاته مع شعبه ، ليس لأنه في تعب نفسي ويحتاج لتبديل الصور ، بل لأن هذا منهج إلهي يعلنه ليتحقق في شعبه ، يقول الرب " لأَنِّي عَرَفْتُ الأَفْكَارَ الَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَفْكَارَ سَلاَمٍ لاَ شَرّ، لأُعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً. (إر ٢٩ : ١١) دائماً الأفكار تسبق الأحداث ، فقبل أن أتمم ما افكر فيه يكون الفكر قد تصور صور كاملة ليعطي للجسد او للكيان اتجاه حركي او قرار لتنفيذ التصور الفكري ، فماذا يتصور الرب لشعبه واولاده ؟ إنها أَفْكَارَ سَلاَمٍ لاَ شَرّ، آخِرَةً وَرَجَاءً. وماذا ستكون النتيجة أن من يقتربون إليه سينالون ما فكر فيه الرب من أجلهم ، دائماً يرتبط بالصور والتصورات القلبية احاسيس ، فالسلام له إحساس وواقع صوتي داخلي يسمع داخل الكيان الداخلي ، لذلك كان الفكر الذي في قلب الله كامل في صورته وأحاسيسه وأصواته ، لذلك يستطيع أن يحققه ويمنحه للقريبين منه .
حتي الشرير يستطيع أن يتصور في المساء تصورات قلبية وفي الصباح يفعلونه " وَيْلٌ لِلْمُفْتَكِرِينَ بِالْبُطْلِ، وَالصَّانِعِينَ الشَّرَّ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ! فِي نُورِ الصَّبَاحِ يَفْعَلُونَهُ لأَنَّهُ فِي قُدْرَةِ يَدِهِمْ. (مي ٢ : ١) فالشرير يجلس في أمان داخل بيته وفجأة يبدأ في التفكير والتخطيط في الشر ، فعندما تكتمل الصورة داخله يتملكه إحساس محفذ للتنفيذ ، وينال صوتاً داخلياً للتحرك ، كل هذا يكون داخل الفكر ، وعلي العكس في كل إمورنا نستطيع أن نتخلص من كل مشاكلنا التي تسبب الإكتئاب بتغير الصور الداخلية فيتم تحريرنا .
إن الرب قبل أن يخلقنا تصور داخل قلبه كيف نكون فخلقنا بحسب فكر قلبه " وَقَالَ اللهُ: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ". فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. (تك ١ : ٢٦ ، ٢٧) ولأن الله خلقنا علي صورته أعطانا نفس الإمكانية أن نتصور داخلنا فنحقق ما تصورناه وشعرنا به
** اليك بعض الشاهد الكتابية التي يمكنك دراستها لأنها تحمل نفس الفكر (تك ٦ : ٥) ،(مز ٤٨ : ١٣) ، (إش ٤٥ : ٧) ، (إش ٤٥ : ١٨) ،(إش ٥٤ : ١٧) ،(إر ١ : ٥) ، (إر ٣٣ : ٢) ، (مرا ٤ : ٨)
إن تصورات قلب الله دائما بالخير لأولاده ، فهو يتصور في شعبه انهم " زَيْتُونَةً خَضْرَاءَ ذَاتَ ثَمَرٍ جَمِيلِ الصُّورَةِ دَعَا الرَّبُّ اسْمَكِ. ... (إر ١١ : ١٦) فالرب يبدل الصورة داخله فتكون عكس الواقع الذي يكون فيه الشعب ليحققه فيهم إن خضعوا ، ادعوك لتفعل انت هكذا في كل أمرٍ تريد تغييره .
مع ملاحظة أن ما تفكر فيه وتخاف منه والتعب يستطيع إبليس يحقيقه ، وهذا ما فعله إبليس مع أيوب " لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ. (أي ٣ : ٢٥) فكل تصورات قلبه التي تصورها وبكل احاسيسها نفذها له إبليس ، لذلك ليكن تصورات قلبك تخدمك فتتحقق لمجد الرب فيك ، وأرفض كل تصور قلبي شرير قد يدمرك إن تبناه إبليس ليحققه لك .
الوصية الخامسة :
الوحدة والانطواء يقودان للاكتئاب ، فلا تجلس كثيراً بعيداً عن العلاقات مهما كانت المشاكل والصدمات ، معظم من إبتعد عن الناس لهدف الإختلاء للهدوء والراحة واتخاذ القرارات ، البعض منهم افادته خلوته والبعض الأخر خرج مكتئباً ، ففي الخلوة التي مدتها قصيرة كانت ايجابيتها علي النفس اعمق ، وكلما كانت طوية تجعل النفس لا تطيق الواقع وتصتضم به ، والسبب طول مدة الوحدة والإنطواء ، فعندما يعود للتعامل مع الأخرين يشعر بالضوضاء والصخب المرتفع فيناتبه شعور بالتوتر وعدم الراحة ، فلكي تنجح الخلوة فلتجعلها ساعات كل يوم ، إما مساءاً أو صباحاً أو الإثنين معاً أو يوم كل شهر .
لكل مشكلة حل ولكل صدمة وقت للزوال ، فلا تختلي بنفسك هروباً من مشاكلك ، بل إختلي لتغير إتجاه ولإتخاذ قرارات مصيرية ، اما الإختلاء لهدف الراحة فليكن قصيراً للغاية ، إن المسيح كان يختلي يومياً ، يقضي النهار كله في علاقات وتواصل وخدمة الأخرين ، وعندما يحل المساء كان ينفرداً في موضع خلاء ليستريح ويصلي ثم يواصل حياته الطبيعية مع الأخرين في اليوم التالي ثم ينفرداً وهكذا " وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ للهِ. (لو ٦ : ١٢) إنها أعظم خلوة أن يختلي الإبن بالأب في علاقة حب متبادل ، هكذا يجب أن تكون خلوتنا ، لا للهروب من واقع الحياة بل للإختلاء بالأب السماوي للراحة والسكينة وهدوء النفس ، هذا ما نحتاج فعله كل يوم ، قد يفعل هذا صباحاً " وَفِي الصُّبْحِ بَاكِرًا جِدًّا قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ، وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ، (مر ١ : ٣٥) وقد يفعله في نصف اليوم " فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ انْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ فِي سَفِينَةٍ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ مُنْفَرِدًا. فَسَمِعَ الْجُمُوعُ وَتَبِعُوهُ مُشَاةً مِنَ الْمُدُنِ. (مت ١٤ : ١٣) وقديفعله مساءاً " وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ للهِ. (لو ٦ : ١٢) حتي المسيح كان يدعوا تلاميذه للراحة والإختلاء بعد معاناة يوم شاق " فَقَالَ لَهُمْ:"تَعَالَوْا أَنْتُمْ مُنْفَرِدِينَ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَاسْتَرِيحُوا قَلِيلاً". لأَنَّ الْقَادِمِينَ وَالذَّاهِبِينَ كَانُوا كَثِيرِينَ، وَلَمْ تَتَيَسَّرْ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلأَكْلِ. (مر ٦ : ٣١) فالخلوة الروحية للراحة والرفعة يجب ان تكون مدة قصيرة في اليوم ، قد تصل لساعة علي الأقل " ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّلاَمِيذِ فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا، فَقَالَ لِبُطْرُسَ: "أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟ (مت ٢٦ : ٤٠) فالخلوة يحتاجها الإنسان ليس للراحو النفسية فقط بل أيضاً للراحة البدنية والرفعة الروحية ، فلا تبخل علي نفسك في ان تختلي بها من حين لأخر في اليوم .
عندما تختلي بالنفس للتفكير أو للصلاة لا تسعي لتقييم مستوي التوصل المتبادل بينك وبين الأخرين لأن هذا يشعرك بالإكتئاب في كل الأحول ، فإن كت أنت مقصر فستكتئب ، وإن كانوا هم فستكتئب لكن قل" اننا سعينا معاً لنرضي بعضنا بعض علي قدر المستطاع والمرحلة القادمة سأكون أكثر عطاءً وأكثر تضحية " ولا تسعي لتقيم تواصل قد فشل أو انتهي وقته لأنه صار ماضي .
الذي أفاد أيوب أنه لم ينعزل عن أسرته في وسط محنته بل استمر مع اسرته وبين اصدقائه رغم أنهم تعبوه وتمنى صمتهم " لَيْتَكُمْ تَصْمُتُونَ صَمْتًا. يَكُونُ ذلِكَ لَكُمْ حِكْمَةً. (أي ١٣ : ٥) فالإنعزال والإنطواء كهروب من واقع أصعب من تعب المتعبين ، أما الإختلاء من أجل الصلاة وهدوء النفس فهذا جيد ولا يجب أن تكون مدة أيام بل ساعات وتعود لممارسة حياتك الطبيعية مهما كان واقع الحياة ، فمن أكثر المشاكل النفسية هي الشعور بالوحدة التي تدفع الإنسان نحو الانطواء ، فالذي يقود الإنسان لهذا الشعور هو فقدان بعض العلاقات بصدمات متكررة ومتشابهه ، فينتابه إحساس بالمرارة والخوف من ازدياد الخسائر في العلاقات ، فيقرر إنهاء علاقاته بمن حوله كرد فعل نفسي ، فيترك الجميع فيتركه الكل ، أما بخصوص تواصل قد فشل فلا تسعي لتقييم ما مضي واتركه يمضي ، وأسرع لتبديل الأحاسيس المتراكمة والصور التي تدفعك لتحليل الموقف لتجيب عن سبب الفشل ، واسعي لتقيم علاقات جديدة بشكل جديد وبمبادئ مختلفة ، واستمر فالحياة لن تتوقف حتي إن توقفت انت .
الوصية السادسة :
كثرة السعي لتحليل كل التعاملات والأفكار والعلاقات يرهق الذهن ويزيد الصور الذهنية داخل العقل الباطن ويقود للاكتئاب ، فكن بسيطاً علي قدر المستطاع ، لأن كثرة التحليل يزيدك تعقيداً وهماْ ، وقد يطرد نومك ، ودائماً لا تصل إلي نتيجة صحيحة مقدارها كامل .
يجب أن يعلم القارئ العزيز أنه لا يقدر أن يجمع كل المعلومات التي تساعده ليحلل التحليل المثالي ليصل لنتائج كاملة ، لا أعني أن يكون الإنسان سلبي ، ولكني أعني أن يرتب أولوياته واهتماماته ، فيهتم بما يري أنه مهم ، ويتعمد بترك كل ما هو ليس بهام اليوم ، كثرة العلاقات والتعاملات اليومية تضع صور وأصوات كثيرة داخل العقل الباطن التي تزيد النفس البشرية تعقيداً ، فيجب أن يعطي الإنسان لنفسه وقت ليفرغ من داخله كل ما ليس بهام ، ولكي يفرغ عليه أن يحدد الهام فقط ، يكتبه علي ورق ويقرأه مرة أو اثنين ليثبت داخله ، ويهمش ولا يكتب ما ليس بهام، فما تعيد كتابته وقرأته مرة أو اثنتين يثبت ، وما تهمشه يقوم العقل الباطن بتهميشه ، فلا يقوم بعملية إزعاج أو إعادة تركيبه داخلياً ، افعل هذا في كل أمورك ، فعندما تشاهد فيلماً مزعجا تسجل أحداث داخلك ، من اجل ذلك ما عليك إلا أن تبتعد عن التحدث عنه كي لا يثبت داخلك ، فما أقوله عن الفيلم أقوله عن باقي إمور الحياة .
عقل الإنسان لا يتوقف عن التفكير ، لذلك تعلم أن تقول لعقلك توقف عن التفكير في هذا الأمر وهذا الموضوع ، كما يمكنك إيقاف كل من يتكلم في أمرٍ لا تريد سماعه ، وإن لم يستجيب يمكنك الإنسحاب من الجلسة بإسلوب حضاري معلناً رغبتك في عدم سماع مثل هذه المواضيع ومثل هذه المناقشات ، لأنها تخزن بعمق داخلياً وتسبب ضيق وكأبة قلب .
جاء للمسيح شخص يقول له " وَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ:"يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ".فَقَالَ لَهُ: "يَاإِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟" (لو١٢: ١٣-١٤) فقد كان المسيح له اتجاه قلب ورسالة وهدف في مجيئه الأول ، سار فيه ولم يسمح لاحد أن يجعله في حيدان أو خروج عن مسيرته ، حتي وإن كان إحتياج الأخر ملح وهام ، ولكن بحسب المعرفة بان الطمع في حق الغير ظلم يتبناه البعض وليس لهم حياة الخضوع ، لذلك وجد المسيح ان التدخل في مثل هذا النوع من القضايا إرهاق للنفس وتعب للذهن ولن يجدي نفعاً ، لذلك : " وَقَالَ لَهُمُ:"انْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ". (لو ١٢ : ١٥) فالطمع يسجله الوحي ويحسبه من ضمن دائرة العبادة الوثنية " .... الطَّمَعَ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ، (كو ٣ : ٥) والطماعين يصيرون أولاد لعنة " لَهُمْ عُيُونٌ مَمْلُوَّةٌ فِسْقًا، لاَ تَكُفُّ عَنِ الْخَطِيَّةِ، خَادِعُونَ النُّفُوسَ غَيْرَ الثَّابِتَةِ. لَهُمْ قَلْبٌ مُتَدَرِّبٌ فِي الطَّمَعِ. أَوْلاَدُ اللَّعْنَةِ. (2بط ٢ : ١٤) فاعتذارك عن حل بعض المشاكل يجعلك مستريح وتستغل مجهود في رؤيتك وخدمتك .
عن خبرة ... إبتعد عن حل مشاكل تكون حالة أصحابها في الطمع والكبرياء ، فإن تدخلت بين أشخاص ووجدت أن احدهم متكبر أو طماع ، فإنسحب معلناً سبب إنسحابك بإسلوب لا يسبب لك مشاكل ، لان مثل هؤلاء لن تجدهم خاضعين لوصية الرب وكلمته ، ولن يخضعون لك ، ومهما صنعت ستكون في نظرهم مقصر .
وقف أيوب أمام مشكلته التي ليس لها حل في نظرة وبسبب تفكيره المستمر وتحليله للأحداث التي افرمته وهو لا يعلم السبب ، هذا بالإضافة لكلمات اصدقائه وزجته الذين صوروا له أن ما حدث له سببه الخطية ، لذلك شعر بأن الله يخاصمه ويحتاج أيوب لمن يصالحه مع الله فيرفع عنه مرارة نفسه " لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ، فَنَأْتِي جَمِيعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ.لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا.لِيَرْفَعْ عَنِّي عَصَاهُ وَلاَ يَبْغَتْنِي رُعْبُهُ. (أي٩: ٣٢-٣٤) عندما تصل في تفكيرك وتحايلك لطريق مسدود وتشعر بأن الأمر أصعب من مستوي تفكيرك ، توقف وابدأ في الصلاة وترك الامر ، لأن الرب يهتم بك وسيرفعك ويجيب علي كل تساؤلاتك ، لذلك لا تفكر ولا تحلل كثيراً ليكون عقلك وذهنك مستريحان .
الوصية السابعة :
الذي يصيب النفس بالإكتئاب ومرارة النفس هو الضمير ، فالإكثار من تأنيب الضمير علي كل شئ أو علي الأخطاء يقود الإنسان للإكتئاب ، لذلك لا تترك العنان لضميرك فيُتعِبك ، لكن عندما تخطيء أسرع للتوبة والاعتراف بالخطأ مع عدم إعطاء فرصة للضمير لأنه وهَّام ولا يقود للحق الكامل ، لان الضمير هو الوجدان الداخلي وهو قدرة الإنسان علي التمييز ما بين الخطا والصواب وما بين الحق والباطل بحسب ما تم تخزين داخله من معلومات وقيم ، وبالتالي يدفع الإنسان للشعور بالندم ، فليس كل شعو بالندم بحسب الضمير البشري يكون صالح ، لان الضمير قد يخطئ وقد ينحرف ، لأنه يكتسب احاسيسه ودوافعه من المجتمع والأجواء المحيطة به سواء كانت أجواء صحية أو غير ذلك ، فالضمير ليس هو صوت الله للإنسان وليس صوت الحق ، فكلما تعلمت كثيرا كلما عمل الضمير بمقدار ما تعلمته ، لذلك يجب أن تتحكم فيه كي لا يتحكم فيك .
لا اطلب إلغاء الضمير بل أطلب تهزيب الضمير وتعليمه المبادئ الكتابية ، فعندما يُعرض علي المرء تصرف ما لا يوافق مبادئ الله ، تجده سريع الإستيقاظ والتمييز فيرفض بضمير مستريح ، أما عندما يكون الإنسان بعيد عن مبادئ الله ستجده يفعل الشر ويمدحه ضميره ، في هذا يقول الرسول بولس " لِذلِكَ أَنَا أَيْضًا أُدَرِّبُ نَفْسِي لِيَكُونَ لِي دَائِمًا ضَمِيرٌ بِلاَ عَثْرَةٍ مِنْ نَحْوِ اللهِ وَالنَّاسِ. (أع ٢٤ : ١٦) فالضمير يحتاج دائماً لتدريب وتهذيب ليكون ضميراً صالحاً يعيش لله ويخدم الناس " فَتَفَرَّسَ بُولُسُ فِي الْمَجْمَعِ وَقَالَ:"أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، إِنِّي بِكُلِّ ضَمِيرٍ صَالِحٍ قَدْ عِشْتُ للهِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ". (أع ٢٣ : ١) كلما اقترب المؤمن لحياة كلمة الله والصلاة كلما كان في حياة الإستقامة الروحية وبضمير يشهد للنفس ويساندها " أَقُولُ الصِّدْقَ فِي الْمَسِيحِ، لاَ أَكْذِبُ، وَضَمِيرِي شَاهِدٌ لِي بِالرُّوحِ الْقُدُسِ: (رو ٩ : ١)
يتكلم الرسول بولس مخاطباً كنيسة كورنثوس أن يراعوا ضمائر الأخرين البسطاء الذين لا يفهمون التعاليم الصحيحة أن يسلكوا امامهم بلياقة ويبتعدون عن ما يعثرهم ولا يفعلونه " وَهكَذَا إِذْ تُخْطِئُونَ إِلَى الإِخْوَةِ وَتَجْرَحُونَ ضَمِيرَهُمُ الضَّعِيفَ، تُخْطِئُونَ إِلَى الْمَسِيحِ. (1كو ٨ : ١٢) فمن يجرح ضمائر البسطاء في الإيمان فقد فعل هذا في المسيح ، ولتفادي الاكتئاب لا تعتمد علي الضمير في التمييز والتحكيم بل اعتمد علي العقل والفهم " فَالْعَقْلُ يَحْفَظُكَ، وَالْفَهْمُ يَنْصُرُكَ، (أم ٢ : ١١) فبدونهما سيعتمد الإنسان علي الضمير المستقي من الاجواء المحيطة والمجتمع الذي قد يكون غير سوي وبالتالي يدخل الإنسان في مشاكل نفسية بسبب الضمير .
إن الوصايا السبعة هدفها ان لا يصل الإسان الي مستويات من الإكتئاب كي لا يصل يوماً لمرارة النفس ، فإتبع هذه الكلمات ولتدرك أن نفسية الإنسان نفسية تراكمية ، فالنفس تعمل دائماً علي تخزين كل شيئ نعم كل شيئ ، وعلي المرء مسئولية تفريغ عقله الباطن والتخلص من معظم محتوياتها وفلترة كل شيئ داخلها ، فكيفية فعل هذا سهل ، فبالرجوع للوصية الرابعة تستطيع التخلص من كل مخزون نفسي سلبي متعب للنفس
-----------------------------------------------------------
الفصل الثالث
لا تكن مخدوعا
نظرة تشاؤمية
" ... مَاذَا أَفْعَلُ لَكَ يَا رَقِيبَ النَّاسِ؟ لِمَاذَا جَعَلْتَنِي عَاثُورًا لِنَفْسِكَ حَتَّى أَكُونَ عَلَى نَفْسِي حِمْلاً؟وَلِمَاذَا لاَ تَغْفِرُ ذَنْبِي، وَلاَ تُزِيلُ إِثْمِي؟ .. (أي٧: ١٦-٢١)
وسط العالم الذي نعيش فيه يمر الإنسان بعدة ظروف تحتاج أن لا ننظر اليها وكأنها هي الحياة ، فالحياة تنقسم الي قسمين ، زمني وأبدي ، فالزمني هو الجزء الممتليئ مشاكل وضيق وألم ، أما الجزء الأبدي فهو للمؤمن الجمال والسعادة والهناء ، فعندما ينصب المؤمن في نطاق الزمنيات تغتم نفسه ويصاب بالإكتئاب ومرارة النفس ، اما عندما تستقيم عيناه نحو كل ما هو أبدي فسيعيش متفائلا مهما كان واقع الظروف الزمنية ، فعندما نظر أيوب الي واقعه قال " قَدْ ذُبْتُ ... " (أي ٧ : ١٦) أي كرهت نفسي ، ياااااااه علي الزمن .. لن يكون عادلا مع الجميع ، فمن معه ويمتلك ستجده في إحتياج زمني من جانب أخر ، أيوب غني ذهب غناه ، يمتلك صحة ذهبت صحته ، يمتلك زوجة وأصدقاء فسمع منهم أحلي كلام يُمر النفس ، ولديه عبيد تخلوا عنه .
نظر أيوب نظرة تشاؤمية للحياة نتيجة الأحداث التي مر بها ، فابتدأ ينظر للحياة ويري أنها بلا قيمة ، وأنها زائلة ، فالحياة بجملتها زائلة بما فيها الإنسان " .... لأنَّ أَيَّامِي نَفْخَةٌ. (أي ٧ : ١٦) وقال أيضا " مَا هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَعْتَبِرَهُ، وَحَتَّى تَضَعَ عَلَيْهِ قَلْبَكَ؟ (أي ٧ : ١٧) لا استطيع أن أقول أن أيوب أكتشف هذه الحقيقة ، فبكل تأكيد كان يعلمها ، فهو رجل حكيم في كل جيله ، فبمقدار عدد سنين حياته رأي كثيراً من الأحداث والمواقف التي تعطي له هذا المفهوم ، ولكن كي يتفوه به يحتاج أن يختبر ما يختبره الناس .
لم يكن ما حدث لأيوب مستوي بلاء من الله ، أو سماح الهي ، فكما اعلنت في الكتاب الأول لسفر أيوب - الطريق المدمر والسماح الإلهي - أن ما حدث له ليس من الله بل هي شكاية نتيجة الخوف الذي تبناه أيوب " لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ. " (أي ٣ : ٢٥) فالخوف ما هو إلا باب من الأبواب التي يستخدمها إبليس ، قد يدخل إبليس لحياة الإنسان بشرط تقديم شكاية لله ، فإبليس يتعامل مع الله كقاضي ، فعندما يريد أن يتدخل في حياة إنسان لا يستطيع إلا عندما يكون لديه سبب مقنع فيرفعه أمام الله كالقاضي ، ولأن الله عادل فلن يرفض إعطاء حق لمستحقيه حتى وإن كان إبليس .
قد يسأل سائل : هل لإبليس حق علي أولاد الله ؟ ألم يهزمه الرب علي الصليب ؟ أقول نعم قد هزم إبليس بدم المسيح ، فصار مهزوماً لكل محتمي في الدم ، ولكن يصير لإبليس حق الشكاية علي كل مستبيح ومستهتر بالحياة الروحية ، ويعرج بين الفرقتين، أو متبني أفكار ليست من الله سواء عن علمٍ أو عن جهلٍ ، فمكتوب في سفر الرؤيا عن إبليس أنه المشتكي " وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا قَائِلا فِي السَّمَاءِ:"الآنَ صَارَ خَلاَصُ إِلهِنَا وَقُدْرَتُهُ وَمُلْكُهُ وَسُلْطَانُ مَسِيحِهِ، لأَنَّهُ قَدْ طُرِحَ الْمُشْتَكِي عَلَى إِخْوَتِنَا، الَّذِي كَانَ يَشْتَكِي عَلَيْهِمْ أَمَامَ إِلهِنَا نَهَارًا وَلَيْلاً. (رؤ ١٢ : ١٠) وسيظل مشتكي لنهاية الزمان ، فعلي كل مؤمن شيئان مهمان :
أولا : يعيش في الحق الكتابي " فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيلِ، ( في ١ : ٢٧) فالمؤمن السائر بحسب الحق ، يحسب من ضمن الغالبين ، فالجهاد في الحياة الروحية والاستمرارية في السهر الروحي يحسب أمام الله جهاد ، بل أقول أيضاً أن السعي نحو البركات الروحية والعمل الروحي سواء أدركناه أو لم ندركه يحسب جهاداً ، فقد حُسب ما فعله يعقوب مع عيسوا واسحق ولابان جهاداً ، فقد قال الله له عندما صارعه إنساناً حتى طلوع الفجر " فَقَالَ: " لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ". (تك ٣٢ : ٢٨) ليس هذا معناه أن أدوس علي الآخرين أو استغل الآخرين لنوال إموراً روحية ، ولكن قد يكون في تصرفي اتجاه قلب نقي ، فلم أكن متعمداً ظلم أحد أو استغلال أحد ، فقد كان يعقوب انتهازي الفرص لنوال ما لا يدركه الآخرين ، ولا سيما فيما يخص الأمور الروحية ، فهو لم يظلم عيسوا لكنه كان مدركاً ما لا يدركه أخيه فسعي نحوه وأدركه هو ، فحسب هذا جهاداً .
الله يريد أن يري أبناءه غالبين دائماً " لاَيَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ. " ( رومية ١٢:٢١ ) فقد أعطي الرب للمؤمنين مقدرة للانتصار من خلال الإيمان والولادة الجديدة " لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا. " ( يوحنا الأولى ٥:٤ ) ومفتاح غلبة العالم هو الإيمان بالمسيح كونه ابن الله ، لأن العالم يرفض بنوية المسيح لله " مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلا الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ؟ " ( يوحنا الأولى ٥:٥ ) وللغالبين في الأبدية لهم مكانة تختلف عن غيرهم من المؤمنين ، فكن حريصاً في سلوكك .
مبدأ الله في علاقته مع بني البشر مبني علي القبول والرفض ، فقد قدم الله الدعوة لإبراهيم ليسير مسيرة روحية تبدأ به ولا تنتهي إلا بمجيء المسيح الثاني علي سحاب المجد ، مسيرة روحية ، قبلها وسار يها اسحق ولم يدركها إسماعيل ، وسار فيها يعقوب ولم يدركها عيسوا ، وسار فيها يهوذا ولم يدركها إخوته ، وسار فيها كل من ذكر اسمه في إنجيل متى الإصحاح الأول ، وتسير فيها الكنيسة التي هي أفراد وجماعة المؤمنين الذين قبلوا عمل المسيح ، ولن يدركها كل رافض لقبول المسيح وعمله الفدائي
ثانياً : يحتمي دائما في دم المسيح :
من خلال التوبة المستمرة والاعتراف للرب عن كل زلة " اَلسَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا؟ مِنَ الْخَطَايَا الْمُسْتَتِرَةِ أَبْرِئْنِي. (مز ١٩ : ١٢) فالتبرير عمل الهي مستمر يوهب لكل طالب أو سائل ، من يظن أن حماية الله حق مكتسب من خلال موت المسيح فيفعل ما يحلوا له دون حساب ودون رقيب ، فقد خَّدع نفسه أو خُدع من الآخرين ، لأن الله يريدنا في مستوي عالٍ جداً من الغلبة وحياة الحماية ، فكل غالب له مستوي من الحماية الروحية هنا في هذا العالم ، وفي الأبدية مكانة خاصة .
إليك مكانة الغالبين في الأبدية :
1 ـ من يغلب سيأكل من شجرة الحياة : " مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ". " ( رؤيا يوحنا ٢:٧ )
2 ـ من يغلب فلا يؤذيه الموت الثاني : " مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ فَلاَ يُؤْذِيهِ الْمَوْتُ الثَّانِي". ( رؤيا يوحنا ٢:١١ )
3 ـ من يغلب فسيأكل من المن المخفي : " مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَنِّ الْمُخْفَى، وَأُعْطِيهِ حَصَاةً بَيْضَاءَ، وَعَلَى الْحَصَاةِ اسْمٌ جَدِيدٌ مَكْتُوبٌ لاَ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ غَيْرُ الَّذِي يأخذ". " ( رؤيا يوحنا ٢:١٧ )
4 ـ من يغلب يأخذ سلطاناً : " وَمَنْ يَغْلِبُ وَيَحْفَظُ أَعْمَالِي إِلَى النِّهَايَةِ فَسَأُعْطِيهِ سُلْطَانًا عَلَى الأُمَمِ، " ( رؤيا يوحنا ٢:٢٦ )
5 ـ من يغلب يلبس ثياباً بيضا : " مَنْ يَغْلِبُ فَذلِكَ سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا، وَلَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَسَأَعْتَرِفُ بِاسْمِهِ أَمَامَ أَبِي وَأَمَامَ مَلاَئِكَتِهِ. " ( رؤيا يوحنا ٣:٥ )
6 ـ من يغلب سيكون عمودا في هيكل الله : " مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي، وَلاَ يَعُودُ يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ، وَأَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ إِلهِي، وَاسْمَ مَدِينَةِ إِلهِي، أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةِ النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ إِلهِي، وَاسْمِي الْجَدِيدَ. " ( رؤيا يوحنا ٣:١٢ )
7 ـ من يغلب يجلس مع المسيح في العرش : " مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ." (رؤيا يوحنا ٣:٢١ )
8 ـ من يغلب يرث كل شئ : " مَنْيَغْلِبْ يَرِثْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَكُونُ لَهُ إِلهًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا. " ( رؤيا يوحنا ٢١:٧ )
الغالبين دائما فرحين بالرب ولهم الحماية الإلهية " يَفْرَحُ الصِّدِّيقُ بِالرَّبِّ وَيَحْتَمِي بِهِ، وَيَبْتَهِجُ كُلُّ الْمُسْتَقِيمِي الْقُلُوبِ. " ( المزامير ٦٤:١٠ ) فمن هو الذي سيج حول أيوب فلم يستطع إبليس الدخول علي حياة أيوب في بادئ الأمر ، أليس الرب " أَلَيْسَ أَنَّكَ سيجت حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ. " ( أيوب ١:١٠ ) الخدعة الكبيرة التي يقوم بها ابليس أنه يصور للإنسان أن التقوي نابعة من سياح ورعاية الله ، فعند زوال السياج تزول التقوي ، ولكن في الحقيقة التي يجب أن تكون ، أن محبتنا لله وتمسكنا بحياة التقوي والسلوك المقدس ، لا يجب أن تكون نتاج حماية وسياج الله علي الحياة ، فالله في سياجه وحمايته يسير بحسب القوانين الإلهية أما الرعاية الألهية فهي قائمة ولن تزول ، ففي وسط الظروف الصعبة ورفع السياج من علي أيوب كانت الرعاية الإلهية ترافقه ، فقد لا يراها الإنسان للصوت العالي للظروف ولكنها موجودة .
السياج الإلهي مبني علي شقين
الأول: أعطاه الله لبني البشر من خلال الكينونة الإلهية في الخلق ، فكل إنسان له حق الحماية كون الله خالقه ، فيتمتع بكل ما هو معطي للحماية من خلال الطبيعة ، والمعطيات الجسدية الكامنة في جسد كل إنسان ، كذلك كل حيوان وكل طائر له حق الحماية والاهتمام من الله .
والثاني: مبني علي قبول البنوية المعطاة من خلال المسيح وعمله الفدائي ، فكل مؤمن له حماية تفوق من لم يقبل المسيح مخلص في حياته ، وتزيد هذه الحماية كلما اهتم المؤمن بعمل الله وخدمته مع السلوك المقدس والمرضي لدي الله ، فمن يسلك بكل أمانة نحو نفسه ومجتمعه ونحو الله كلما تمتع ببركات الحماية الإلهية ، والتدخلات الخاصة للنجاة لكثير من المخاطر المحيطة والتي قد يصنعها العدو لهدم وتعطيل المسيرة الروحية التي يتبناها المؤمن .
معظم كلمات أيوب مبنية علي أحداث مر بها لم يكن يريدها ، علي رغم توقعه بأنها قد تحدث يوماً ، فقد كان يرتعب ارتعابا لسبب تصورات قلبه تجاه ما يمتلك من ممتلكات ، وارتباطه بأولاده وخوفه الشديد عليهم فابتدأ يتفوه بكلمات يعلن من خلالها كم هو متألم ويطلب الله لرفع هذا العذاب ، العذاب اليومي لحالته النفسية يفوق الام جسده ، فقد كان يثق أن بسبب كماله لا يأتي عليه كل هذا الألام ، فهو الرجل المستقيم والكامل في سلوكياته ، فعندما حدث له كل هذه الأحداث صدم وشعر أنه يوجد ذنب أو إثم قد اقترفه ، وأن الله يعاقبه " أَأَخْطَأْتُ؟ مَاذَا أَفْعَلُ لَكَ يَا رَقِيبَ النَّاسِ؟ لِمَاذَا جَعَلْتَنِي عَاثُورًا - هَدَفاً لَكَ؟ - لِنَفْسِكَ حَتَّى أَكُونَ عَلَى نَفْسِي حِمْلا ؟ (أي ٧ : ٢٠) تفكير أيوب بأنه في مستوي الكمال الذي يمنع حدوث تجربة قادته إلي التشكيك في حالته الروحية ، وكأنه يقول لسبب كمالي لن يكون لي أي نوع من الأتعاب أو العقاب ، وهنا نأتي إلي معادلة مهمة جدا
الإتكال علي الكمال الذاتي للحفظ من التجارب + التجربة التي من إبليس = تشكيك في الحالة الروحية
لذلك ادعوك أخي المؤمن أن تدرك أن كمالك وسلوكك المقدس لا يمنع التجربة ، لكنه يمنح لك فرصة للتدخل الإلهي للإنقاذ، لأن الثغرات التي فيك كثيرة ، يجد ابلبس له فرصة ليدخل مجربا علي حياتك ، لذلك عليك بسد الثغرات علي ابليس فلا يجد فرصة ليجربك ، اليك الثغرات وطرق التخلص منها فلا يجد ابليس مكانا.
الثغرات وطرق التخلص منها :
يريد إبليس دائما أن يدخل علي حياة الإنسان ولذلك ينتهز الفرص المتاحة أمامه ، فهو لا يستطيع أن يقتحم حياة أي من كان إلا من خلال الثغرات التي يجدها في حياة الإنسان ويحولها لثغرات قانونية يدخل من خلالها ليجرب - ليدمر - ليهلك ، الثغرات يقننها من خلال تقديم شكاية عنها ، ونوال حكم بخصوصها ثم يدخل من خلالها علي الحياة لينفذ مخطاطه .
الثغرة الأولي - الخوف : سقط أيوب في براثن هذه الثغرة ، فقد ارتعب وفزع قبل أن يأتي عليه شيئ من مخاوفه هذه ، فقد صرح قائلا " لأنِي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ troubled مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ. (أي ٣ : ٢٥) فالإرتعاب هو feared פּחד pachad باتشيد الخوف الشديد والفزع هو troubled יגר yagor ياجور الخوف الإضطراب والقلق ، فهذا المستوي من الخوف باب مفتوح لإبليس يستطيع الدخول منه ولكن لن يستطيع إلا بعد تقديم شكاية ونوال حكم بذلك ، وهذا معناه أن الخوف والقلق متمكن من أيوب وقد تبناه في حياته ، صار ملازما في حياته بإستمرار .
يوجد فرق بين الخوف الناتج من موقف أو حادث مفاجيئ ، والخوف الوهمي الغير مرتبط بواقع في الوقت الحالي ، فتصورات القلب وتبني الخوف يجعل لإبليس فرصة ذهبية لتحقيق هذا الأمر ، فالخوف المرتبط بالواقع يحتاج لتشخيصه والإلتجاء للرب ليبدده " لأنِي سَمِعْتُ مَذَمَّةً مِنْ كَثِيرِينَ. الْخَوْفُ مُسْتَدِيرٌ بِي بِمُؤَامَرَتِهِمْ مَعًا عَلَيَّ. تَفَكَّرُوا فِي أَخْذِ نَفْسِي.أَمَّا أَنَا فَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ يَا رَبُّ. قُلْتُ: "إِلهِي أَنْتَ". (مز٣١: ١٣-١٤) فالخوف المستدير بي أي المحيط بي الموجود حولي من كل جانب ، عند الإلتجاء للرب يتدخل ويصنع المعجزات ويبدد كل مخاوف ، أما الخوف الوهمي يحتاج لتشخيصه ورفضه رفض نهائي والإلتجاء للرب لرِفعة الروح والنفس ، فيرتفع الإنسان فوق كل اضطراب وقلق ، فالوعود الإلهية دائما هي فوق جميع المخاوف الوهمية والمستديرة بي " وَالرَّبُّ سَائِرٌ أَمَامَكَ. هُوَ يَكُونُ مَعَكَ. لا يُهْمِلُكَ وَلا يَتْرُكُكَ. لا تَخَفْ وَلا تَرْتَعِبْ". (تث ٣١ : ٨) فالثقة أن الرب موجود معي في كل الأحوال والظروف تجعل المؤمن في سلام كامل ، كانت الوعود لأبونا ابراهيم ضد جميع أنواع المخاوف " لا تَخَفْ يَا أَبْرَامُ. أَنَا تُرْسٌ لَكَ. أَجْرُكَ كَثِيرٌ جِدًّا". (تك ١٥ : ١) (تك ٢٦ : ٢٤) ولأبونا يعقوب " أَنَا الله، إِلهُ أَبِيكَ. لا تَخَفْ مِنَ النُّزُولِ إِلَى مِصْرَ، لأنِّي أَجْعَلُكَ أُمَّةً عَظِيمَةً هُنَاكَ. (تك ٤٦ : ٣) فنزول يعقوب لمصر له ولأبائه فرصة عظيمة للرعاية والحماية ، ولكنها ليست للنسل ، فكان من المفترض الارتحال بعد موت يوسف ، ولكن الشعب لم يفعل هذا واستمر بأرض مصر فدخل في عبودية ، اخرج الرب الشعب بيد موسي النبي بعد صراخهم أمام الرب " وَحَدَثَ فِي تِلْكَ الأيَّامِ الْكَثِيرَةِ أَنَّ مَلِكَ مِصْرَ مَاتَ. وَتَنَهَّدَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ وَصَرَخُوا، فَصَعِدَ صُرَاخُهُمْ إِلَى الله مِنْ أَجْلِ الْعُبُودِيَّةِ. (خر ٢ : ٢٣) وسار معهم موسي بوعد الرب له بعدم الخوف (عد ٢١ : ٣٤) ويستمر وعد الرب لنا بأن لا نخاف " إِذَا اضْطَجَعْتَ فَلاَ تَخَافُ، بَلْ تَضْطَجعُ وَيَلُذُّ نَوْمُكَ.لاَ تَخْشَى مِنْ خَوْفٍ بَاغِتٍ، وَلاَ مِنْ خَرَابِ الأَشْرَارِ إِذَا جَاءَ.لأَنَّ الرَّبَّ يَكُونُ مُعْتَمَدَكَ، وَيَصُونُ رِجْلَكَ مِنْ أَنْ تُؤْخَذَ. (أم٣: ٢٤-٢٦) (إش ٣٥ : ٤) (إش ٤٠ : ٩) (إش ٥١ : ١٢) (إش ٥٤ : ٤) (مت ١٠ : ٢٦) (مت ١٠ : ٢٨) (مت ١٠ : ٣١) (مت ١٤ : ٢٧) (مت ١٧ : ٧) اطرد الخوف من حياتك لأن الإيمان هو الثقة في الله والخوف هو الثقة في إبليس ، فبإيمانك أطرد مخاوفك لتفتح الأجواء الروحية فتنال من الله بركات مذخرة لك ، فوعود الرب لك أمينة الي المنتهي.
والثاني: مبني علي قبول البنوية : من ضمن الثغرات التي يدخل من خلالها ابليس الظلم .. أن تظلم أحدا .. أن تكون ظالم ، وايضا شعورك بأنك مظلوم ، فالظلم والاحساس بالظلم يفتحان المجال لإبليس ، فالمشاعر السلبية طريق مفتوح لعدو كل خير ، يجب علي المؤمن رفض كل أحاسيس سلبية مهما كانت الظروف والأحداث ، لا أدعوا لقتل مشاعرنا ، فالمشاعر لا تقتل ولكنها تستبدل ، بمعني أنه عندما تشعر بمشاعر خوف يمكنك مخاطبة نفسك بما هو إيجابي لطرد مشاعر الخوف واستبدالها بمشاعر أمان وإطمئنان ، وهكذا في مشاعر الحزن والفشل واليأس وأيضا الظلم ، فأكبر مشاعر يضعها إبليس في حياة الإنسان هو الشعور بأن الذي ظلمك هو الله ، فمنح من لا يستحق وتركك أنت كالمثل القائل " يعطي الحلق للي بلا ودان " بكل تأكيد مثل مهين لله ، فالله في عطاءه يعرف جيدا ماذا يفعل ، وكثيرا من العطاءات لا دخل لله فيها لأنها إختيارات الإنسان ذاته لوجوده في دوائر مفتوحة مجتمعيا بلا رقيب ، أو وجد من يساعد في ذلك .
فهم ايوب أن البلايا تحدث نتيجة الظلم ، فسأل نفسه ومن حوله " وَالآنَ تَفَرَّسُوا فِيَّ، فَإِنِّي عَلَى وُجُوهِكُمْ لا أَكْذِبُ.اِرْجِعُوا. لا يَكُونَنَّ ظُلْمٌ. اِرْجِعُوا أَيْضًا. فِيهِ حَقِّي.هَلْ فِي لِسَانِي ظُلْمٌ، أَمْ حَنَكِي لا يُمَيِّزُ فَسَادًا؟ (أي٦: ٢٨-٣٠) إنه سؤال إستنكاري ، فهو يعلم أنه لم يظلم أحدا ، ولم يسلك في طريق الظلم فلماذا أصابه كل هذا ؟ بالنسبة لأيوب ما حدث له شيئ مُحير جدا ، فإن كان قد ظلم أحدا فما حدث له يعطيه مبرر أنه يستحق " يستاهل " ولكنه يقول تفرسوا في أي انظروا فلم أظلم أحدا ، وعندما لم يجد في داخله ظلم ، ابتدأ يشعر بظلم الله له فقال " أَحَسَنٌ عِنْدَكَ أَنْ تَظْلِمَ، أَنْ تُرْذِلَ عَمَلَ يَدَيْكَ، وَتُشْرِقَ عَلَى مَشُورَةِ الأَشْرَارِ؟ (أي ١٠ : ٣) الإحساس بأن الله ظالم إحساس مؤلم برغم أنه إحساس كاذب فالله لا يظلم أحدا علي الإطلاق بل يرفع الظلم دائما عن المظلوم ، أيوب بشر مثل كل إنسان فقد قاده تفكيره في ذاته ماذا فعل ؟ وقاده تفكيره في الله هل ظلم ؟ فقال " أَحَسَنٌ عِنْدَكَ أَنْ تَظْلِمَ " حاشا لله .. فالله عادل واله حق هو ، فهو الذي علم الشعب هذا التعليم " "لا تَقْبَلْ خَبَرًا كَاذِبًا، وَلاَ تَضَعْ يَدَكَ مَعَ الْمُنَافِقِ لِتَكُونَ شَاهِدَ ظُلْمٍ.وَلاَ تَأْخُذْ رَشْوَةً، لأَنَّ الرَّشْوَةَ تُعْمِي الْمُبْصِرِينَ، وَتُعَوِّجُ كَلاَمَ الأَبْرَارِ. (خر٢٣: ١، ٨) فالله لا يُحب الظلم ويقاضي الظالم بقضاءه العادل.
متذ التاريخ يتعامل الله مع الظلم بقضاءه الذي يجد فيه إبليس فرصته ليتحرك بالحكم القصائي للإهلاك والتدمير والموت ، فعندما فسدت الأرض وإمتلأت ظلما كان القضاء الإلهي مُعلن لنوح بنهاية كل شرير ظالم " وَفَسَدَتِ الأَرْضُ أَمَامَ اللهِ، وَامْتَلأَتِ الأَرْضُ ظُلْمًا.فَقَالَ الله لِنُوحٍ: "نِهَايَةُ كُلِّ بَشَرٍ قَدْ أَتَتْ أَمَامِي، لأَنَّ الأَرْضَ امْتَلأَتْ ظُلْمًا مِنْهُمْ. فَهَا أَنَا مُهْلِكُهُمْ مَعَ الأَرْضِ.فَهَا أَنَا آتٍ بِطُوفَانِ الْمَاءِ عَلَى الأَرْضِ لأهْلِكَ كُلَّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ. كُلُّ مَا فِي الأَرْضِ يَمُوتُ. (تك٦: ١١، ١٣، ١٧) فوجد إبليس فرصته بالحكم القضائي الذي علي ظلم الإنسان وعمل للإهلاك ، فدوائر الظلم تحرك القضاء الإلهي فيتحرك إبليس للإصطياد ، فعندما تحرك شمعون ولاوي بالظلم لم ينالوا رضي يعقوب ابيهم وكان القضاء الإلهي علي نسلهم بالتفرقة ، وهنا صار الباب مفتوح لروح التفرقة علي نسل شمعون ولاوي " شِمْعُونُ وَلاَوِي أَخَوَانِ، آلاَتُ ظُلْمٍ سُيُوفُهُمَا.فِي مَجْلِسِهِمَا لاَ تَدْخُلُ نَفْسِي. بِمَجْمَعِهِمَا لاَ تَتَّحِدُ كَرَامَتِي. لأَنَّهُمَا فِي غَضَبِهِمَا قَتَلاَ إِنْسَانًا، وَفِي رِضَاهُمَا عَرْقَبَا ثَوْرًا.مَلْعُونٌ غَضَبُهُمَا فَإِنَّهُ شَدِيدٌ، وَسَخَطُهُمَا فَإِنَّهُ قَاسٍ. أُقَسِّمُهُمَا فِي يَعْقُوبَ، وَأُفَرِّقُهُمَا فِي إِسْرَائِيلَ. (تك٤٩: ٥-٧) هكذا أحبائي نحتاج لفهم الحقائق الروحية أن سياج الله موجود ولكنه يخترق بسبب بعض الثغرات الروحية او النفسية او الجسدية ولن يتحرك ابليس إلا بعد الشكاية وموال حكم قضائي ليري نفسه ويتحرك بقوته ، فما علينا إلا أن نُسد كل ثغرة بالتوبة والرجوع والعمل علي حياة الإيمان والسير بالأمانة .
الثغرة الثالثة - اللسان : من أخطر الثغرات التي تفتح ابواب كثيرة لإبليس ، الباب الذي يأخذ من خلاله الأوامر للتحرك ، فطبيعته طبيعة ملائكية وتخدم صاحب الأمر والنهي ، فالملائكة تخدم الله وتعمل عند سماع صوت كلامه " بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً، الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ. (مز ١٠٣ : ٢٠) نفس الطبيعة موجودة في إبليس ولكن مع الفارق ، فالملائكة تسمع صوت كلام الرب وتفعل أمره أما الشياطين فقد جندت نفسها لسماع كل ما يصدر من الإنسان وتطالب بتنفيذ كلامه .
للسان سوط يصل لك حيث تكون ، ولذلك قال اليفاز عبارة في غاية الأهمية " مِنْ سَوْطِ اللِّسَانِ تُخْتَبَأُ، " لماذا لا نقاومه؟ فبكل بساطة إنه لا يُقاوّم ، فلكل كلمة أرواح تخدمها ، ففي الموت والحرب تجد فداء ، أما في سوط اللسان خراب قادم " فِي الْجُوعِ يَفْدِيكَ مِنَ الْمَوْتِ، وَفِي الْحَرْبِ مِنْ حَدِّ السَّيْفِ.مِنْ سَوْطِ اللِّسَانِ تُخْتَبَأُ، فَلاَ تَخَافُ مِنَ الْخَرَابِ إِذَا جَاءَ. (أي٥: ٢٠-٢١) وإن كان اليفاز يتكلم عن معية الرب ولكنه يظهر حقيقة اللسان وقوة تأثيرة ، فلا يجب الإستهانة به " اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي يَدِ اللِّسَانِ، وَأَحِبَّاؤُهُ يَأْكُلُونَ ثَمَرَهُ. (أم ١٨ : ٢١) فلكل كلمة ثمر في جوانبه ايجابي وسلبي ، فعندما يتكلم اللسان يحدث ثمار يحصدها المستمع ويحصدها المقصود بالكلام .
كلما كان اللسان هادئ كلما كان سبب حياة لذات الإنسان ولمن حوله " هُدُوءُ اللِّسَانِ شَجَرَةُ حَيَاةٍ، وَاعْوِجَاجُهُ سَحْقٌ فِي الرُّوحِ. (أم ١٥ : ٤) (مز ١٢ : ٣) (أم ١٧ : ٢٠) (أم ٢٦ : ٢٨) في شجرة حياة ملائكة تخدم " لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ. (مز ٩١ : ١١) وفي سحق الروح أروأح شريرة تخدم ، هكذا عرف الشعب قديما فإتفقوا علي ضرب ارميا باللسان " فَقَالُوا: "هَلُمَّ فَنُفَكِّرُ عَلَى إِرْمِيَا أَفْكَارًا، لأَنَّ الشَّرِيعَةَ لاَ تَبِيدُ عَنِ الْكَاهِنِ، وَلاَ الْمَشُورَةَ عَنِ الْحَكِيمِ، وَلاَ الْكَلِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ. هَلُمَّ فَنَضْرِبُهُ بِاللِّسَانِ وَلِكُلِّ كَلاَمِهِ لاَ نُصْغِي". (إر ١٨ : ١٨) فالكاهن في فمه الشريعة التي لها خدمة ملائكية ، والنبي يتكلم بكلمات الله التي لها خدمة ملائكية ، والاشرار يتفوهون بكلمات اللسان بهدف الأذية التي يخدمها إبليس
تكلم الرسول يعقوب عن اللسان ووصفه بأنه نار " هكَذَا اللِّسَانُ ... هُوَذَا نَارٌ قَلِيلَةٌ، أَيَّ وُقُودٍ تُحْرِقُ؟ فَاللِّسَانُ نَارٌ! .... وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ. (يع ٣ : ٥ ، ٦) جائت كلمة جَهَنَّمَ hell في الاصل اليوناني γέεννα وتنطق geenna جيهينا وتعني جهنم - وادي بن هنوم ، وهو مكان حرق القمامةش ، فاللسان في طبيعته نار من يوصف بنار حرق القمامة ، هذا مصدره ، ولكن نعمة الله المغيرة قادرة علي تغيير الطبيعة البشرية التي بدورها تدفع المؤمن نحو القداسة والسلوك النقي ، وهذا يتطلب حياة إستيقاظ من المؤمن ، لأن اللسان لا يستطيع أحد أن يضبطه إلا نعمة المسيح " وَأَمَّا اللِّسَانُ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُذَلِّلَهُ. هُوَ شَرٌّ لاَ يُضْبَطُ، مَمْلُوٌّ سُمًّا مُمِيتًا. (يع ٣ : ٨) فعندما يترك الإنسان نفسه للسانه فسيدمر ويجرح كثيرين لذلك الرسول يوحنا يعلمنا أن لا نحب باللسان بل بالعمل " يَا أَوْلاَدِي، لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ! (1يو ٣ : ١٨) فالمحبة العملية أعمق وأفضل من المحبة الكلامية .
الثغرة الرابعة - تبني احلام وأفكار خارج مشيئة الله : من الأبواب التي يحبها إبليس باب الأحلام والأفكار لأنها تدفع الإنسان للسلوك بحسب فكر قلبه ، فكلما كانت خارج مشيئة الله كلما فُتح لإبليس ثغرات للدخول ، فقد صرح الرب أن " فِكْرُ الْحَمَاقَةِ خَطِيَّةٌ، .... (أم ٢٤ : ٩) فمجرد فكر احمق .. يراه الرب خطية ، فالفكرة التي تمر علي ذهن الإنسان لا يجب أن تتبناها بل تستأسرها أي تمتحن ، هل هي حسب مشيئة الله أم خارج مشيئته ؟ لأنها عندما تنموا ستصير حصن ظن علو عصيان " إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بَلْ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ. هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ،وَمُسْتَعِدِّينَ لأَنْ نَنْتَقِمَ عَلَى كُلِّ عِصْيَانٍ، مَتَى كَمِلَتْ طَاعَتُكُمْ. (2كو١٠: ٤-٦) فالفكرة التي خارج مشيئة وحكمة الله ستصير في دائرة العصيان وتتحول في الحياة الي حصون يختبيئ فيها إبليس ليدير روح العصيان بقوة .
كان بعض من شعب العهد القديم يسيرون بأفكار قلوبهم وبأحلام خارج مشيئة الله فيتنبأون تنبؤات كاذبة لضلال البقية الباقية ، فيتساءل ارميا قائلا " حَتَّى مَتَى يُوجَدُ فِي قَلْبِ الأنْبِيَاءِ الْمُتَنَبِّئِينَ بِالْكَذِبِ؟ بَلْ هُمْ أَنْبِيَاءُ خِدَاعِ قَلْبِهِمِ!الَّذِينَ يُفَكِّرُونَ أَنْ يُنَسُّوا شَعْبِي اسْمِي بِأَحْلاَمِهِمِ الَّتِي يَقُصُّونَهَا الرَّجُلُ عَلَى صَاحِبِهِ، كَمَا نَسِيَ آبَاؤُهُمُ اسْمِي لأَجْلِ الْبَعْلِ. (إر٢٣: ٢٦-٢٧) فلسبب اهداف غير نقية يفكرون فيحلمون بما ليس حق فيضلوا كثيرين ، الهدف الشيطاني من الأفكار والأحلام هو خروج المؤمن من مستوي المشيئة الإلهية ليستطيع أن يقتحم حياته فيدمر ويدمر ويدمر ، لذلك لا يجب أن نضع عقولنا في دوائر ذهنية بعيدة عن مشيئة الله ، فأكثر الشعوب سبيا هي الشعوب المسيطر علي عقولها ومحاطة من كل جانب بتواصل ذهني وأفكار تلاحق أفكار من خلال الميديا والاعلانات المنبعثة من الانترنت ، فلا يجد الشخص وقتا للتفكير المتمعن ليأخذ قراره بهدوء ، فالعالم يسير بسرعة فائقة تفوق الأذهان ، فلا يستطيع الإنسان ملاحقة ما يتمناه ، فهذا يؤثر علي قراراته التي يأخذها في عجلة ، هذا التحرك العالمي يجد فيه ابليس فرصة لتدمير الاجواء الروحية فلا يجد الشخص فرصة ليفكر في قراره الأبدي .
اصلي مع كاتب المزمور فأقول " لِتَكُنْ أَقْوَالُ فَمِي وَفِكْرُ قَلْبِي مَرْضِيَّةً أَمَامَكَ يَا رَبُّ، صَخْرَتِي وَوَلِيِّي. (مز ١٩ : ١٤) فكلما كان للمؤمن فكر نقي مرضي لدي الله لن نجد ظلم ولن نجد تعدي علي حقوق الغير ، ففي وسط الحياة التي نعيشها ستحد حولك أشخاص كانوا ذي ثقل روحي ولهم في حياتك بصمة ، ولكن لسبب تغير فكر قلبهم تحولوا الي معثرين لخطواتك ، فليحفظنا الرب من هؤلاء " احْفَظْنِي يَا رَبُّ مِنْ يَدَيِ الشِّرِّيرِ. مِنْ رَجُلِ الظُّلْمِ أَنْقِذْنِي. الَّذِينَ تَفَكَّرُوا فِي تَعْثِيرِ خُطُوَاتِي. (مز ١٤٠ : ٤) فهل لنا اليوم في تنقية أذهاننا ليتم تنقية أحلامنا فنكون سبب بركة لمن حولنا ، اما بخصوص المتحولون من الحق للباطل اقول " لا تُعْطِ يَا رَبُّ شَهَوَاتِ الشِّرِّيرِ. لا تُنَجِّحْ مَقَاصِدَهُ. ... (مز ١٤٠ : ٨) امين
-----------------------------------------------------------
الفصل الرابع
نظرة للحياة من منظور الماضي
١ - لا تحكم بل إسند :
تكلم بلدد الشوحي ( أي ٨ : ١ - ٣ ) مع أيوب وقال له إن الله لا يُعَوِّجُ الْقَضَاءَ وتعاملات الله في الحق طريق مستقيم فلا يَعْكِسُ الْحَقّ ، الي هنا كلام بلدد الشوحي كلام جميل ورائع ،ولكن أن يستنتج حكم الواقع من منظور الماضي فيحكم فهذا لا يصح فحتما سيخطيئ ، هذا لأنه لن يري كل الأسرار الحياتية للاشخاص ، فقد ربط حادث موت أولاد أيوب بفكرة أنهم خطاة يستحقون " إِذْ أَخْطَأَ إِلَيْهِ بَنُوكَ، دَفَعَهُمْ إِلَى يَدِ مَعْصِيَتِهِمْ " ( أي ٨ : ٤ ) ما لا يعلمه بلدد أنه يوجد تحركات في عالم الروح علي حياة أيوب وأنه توجد ثغرات روحية في حياة أيوب وأولاده ، فلا يجب ان تكون الثغرات خطايا ولكنها قد تكون تبني أفكار خارج مشيئة الله تترجم الي سلوكيات لا تخدم أيوب وأسرته ولذلك عندما قدم إبليس شكايته نال من الله حكم قضائي فتحرك نحو أيوب بكامل قوته ، بلدد الشوحي أخذ الموضوع من شكله الخارجي دون أن ينظر الي داخل القالب ليري جيدا ، هذا إن كان له حق الدخول والنظر ليعرف ، ولكنه تدخل فنظر وأصدر حكمه او رأيه في الأمر وبالتالي صار سبب الام موجعه فوق الألام التي لأيوب .
تكلم عن اولاد ايوب فحكم بكلام موجع ، ولم يصمت بل زاد الأمر بتدخله بكلمات مع أيوب فقال له أن يتضرع الي القدير ربما يتزكا ويتنبه له الرب " فَإِنْ بَكَّرْتَ أَنْتَ إِلَى الله تَضَرَّعَْ إِلَى الْقَدِيرِ، ، إِنْ كُنْتَ أَنْتَ زَكِيًّا مُسْتَقِيمًا، فَإِنَّهُ الآنَ يَتَنَبَّهُ لَكَ وَيُسْلِمُ مَسْكَنَ بِرِّكَ. ( أي ٨ : ٥ ، ٦ ) يااااه أحبائي علي نفوس تضع نفسها في دائرة الحكمة البشرية التي تنظر الي واقعها دون أن تسأل الله لتفهم فتتكلم وتشجع وتسند ، ما فعله بلدد أنه أراد إدخال أيوب داخل طريق نفسي نحو نفسه والله ، بأنه يستحق ما حدث له وان ليس له مكانة روحية لدي الله ولذلك لم يتنبه له الله ، وما فعل من إمور صغيرة حصد الكثير ، كالبذرة التي تزرع فتثمر بذار أكثر ، هكذا كان ماضيك " وَإِنْ تَكُنْ أُولاكَ صَغِيرَةً فَآخِرَتُكَ تَكْثُرُ جِدًّا. ( أي ٨ : ٧ ) وإن كان الزرع والحصاد حقيقة ولكن هل ينطبق هذا علي أيوب ؟ أقول كلا .. لأن الأمر عبارة عن تربص شيطاني علي حياة شخص صِديق بحث حوله عن ثغرة فدخل من خلالها ليجربه ، واستطاع أيوب أن يعبر تجربته بنجاح فعوضه الرب وسنده ورجع إبليس بيدين فارغتين .
عندما يتدخل الأصدقاء في حياتنا بدافع ليس من الله سيكونون جارحين ومتعبين وخير لنا ولهم إن لم يأتوا ، في أوقات كثيره نلوم علي أحباء لنا لم يأتوا وقت وقت أزماتنا ، فالأن عليك أن تشكر الرب لأنهم لم يتواجدوا ، ودائما الأحباء اللذين أتوا وشاركونا فلا يجب وضع أذاننا لهم بثقة ، بل علينا أن نفلتر كلماتهم جيدا ولا نتكل علي كل كلمة ، فهم لم يشاركونا تفاصيل التفاصيل في حياتنا ولذلك سيكون حكمهم دائما ليس صائبا ، قال بلدد لأيوب عبارة في غاية الخطورة " اِسْأَلِ الْقُرُونَ الأولَى وَتَأَكَّدْ مَبَاحِثَ آبَائِهِمْ ( أي ٨ : ٨ ) إن كان الماضي يشهد عن شيئ فهو يشهد عن واقع مضي وأن الحاضر بثمار الماضي لا يستطيع تقيمه إلا صاحب الكرم والعامل الذي أفلح الأرض ، هكذا ماضينا لا يعلمه إلا إثنان الله صاحب الحياة بجملتها وأنا الذي أفلح في أرض حياتي ، ولذلك ليس من حق أحد أن يشاركني في سؤال الماضي فيقلب عليّ أوجاع أنا في غني عنها ، إن ربط الحاضر بالماضي يحتاج الي متخصص فاهم ليستطيع أن يجند كلماته بحساب ليصل الي تحليل واقع غامض كواقع أيوب ، وللأسف لم يجد أيوب متخصص يفك طلاثم الحاضر ، لذلك تدخل الله وفك لأيوب كل طلاثمه ولام أصدقاءه لأنهم لم يتكلموا بالصواب " وَكَانَ بَعْدَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ مَعَ أَيُّوبَ بِهذَا الْكَلامِ، أَنَّ الرَّبَّ قَالَ لأَلِيفَازَ التَّيْمَانِيِّ: "قَدِ احْتَمَى غَضَبِي عَلَيْكَ وَعَلَى كِلا صَاحِبَيْكَ، لأنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ. (أي ٤٢ : ٧) فعندما لا نجد من يصد سهام كلمات خارقة وحارقة ستجد يد الرب القديرة متداخله وكلماته الشافية المجبرة لكل كسر ، فإنتظر الرب ولا تفشل فهو يري كل الأحداث ويقيم الإمور جيدا ويعلن أنك غالي علي قلبه ، فلا تصدق ابليس ومعاونية المجندين من حولك .
٢ - الماضي وحقائق المستقبل :
يتأثر الحاضر والمستقبل من الماضي ، ولكن الحاضر يصنع حقائقه متأثراً بكل الأحداث الماضية والمستقبلية التي نخطط من أجلها ، فالماضي جزء من حياتنا يترك تأثيره ، البعض منه ممتد والبعض منه يصبح في الذكرى وجزء كبير منه يصير في ضي النسيان ، فقد تبني منزلا في الحاضر ويستمر موجودا وقائما يشهد عن عملا عظيما قمت به استمر تأثيره علي حاضر كل يوم ومستمر لمستقبل الغد ، هكذا في كل المجالات المادية والنفسية والروحية ، فما تزرعه اليوم ويدفن سينبت ويصير له تأثيرا فعالا في الغد ، فالماضي قد يعلن عن بعض الحقائق في المستقبل ، لأجل ذلك ما حدث لأيوب يقود الإنسان للبحث في ماضي أيوب ، ويتسائل هل ما حدث لأيوب له إرتباط بالماضي أم إنها مجرد تجربة اتت علي ايوب دون أن يكون له أي ذنب أو تدخل ؟
كلمات بلدد الشوحي تقود أيوب للتنقيب في الماضي " اِسْأَلِ الْقُرُونَ الأولَى وَتَأَكَّدْ مَبَاحِثَ آبَائِهِمْ، لأَنَّنَا نَحْنُ مِنْ أَمْسٍ وَلاَ نَعْلَمُ، لأَنَّ أَيَّامَنَا عَلَى الأَرْضِ ظِل ( ايوب ٨ : ٨ - ٩ ) فلا غرابه في ذلك ، ولأن أيوب يعلم أنه رجل مستقيم فالماضي يشهد له ، فعندما يسأل القرون الأولي لن يجد أقوي من كلمات الرب وشهادته عنه إذ قال: " ... لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ". (أي ١ : ٨) هذا هو أيوب ، فسلوك أيوب مع الله والناس مشهود عنه ، فالرجوع للماضي من أجل الاعتراف به ومعالجة ما يمكن معالجته يكون هذا جميلا ، أما إن لم نستطيع تغيير الماضي فلا داعي للتفكير فيه إطلاقاً كي لا يعوق مسيرتنا الروحية.
نسأل : هل الماضي يعلن حقائق المستقبل ؟ أقول نعم لأن الماضي ليس فقط سلوكيات ولكنه أيضاً معرفة وفهم وإدراك روحي لأبعاد الإمور الروحية والجسدية ، فقد يكون الإنسان في علاقاته بالإخرين ممتازة جداً ولكن ينقصه بعض الإمور في دائرة المعرفة الروحية والادراكات الروحية التي تعطية مستوي من الحماية وعدم وجود ثغرات يدخل من خلالها ابليس ، فإبليس لا يعمل إلا من خلال الاشياء والكائنات الحية ، والمواقف التي تترك بصمات داخلنا ، هذه البصمات تحتاح مؤمنون يخضعون لمشيئة الله وفهمه فلا يستطيع إبليس أن يستخدمها ضدهم ويتعبهم.
٣ - امور الماضي تحتاج لبكاء وصوم وصلاة :
كثير من امور الماضي تؤثر علي الحاضر و المستقبل فتعيق المسيرة الإلهية في حياة المؤمن وحياة شعب الرب ، فبعض احداث الماضي تعوق النمو الروحي ، قد يتصرف قائد روحي تصرف غير لائق مع من يخدمهم فيترك بصمة نفسية سلبية فيصنع نفوس غير أسوياء ، ايضا توجد أخطاء أو خطايا يفعلها الانسان نفسه في حق نفسه فيترك داخله بصمات داخل احاسيسه ومشاعره لا تزول إلا بالبكاء والصوم والتوبة الحقيقية أمام الرب ، عوم داود سريره بدموعه لسبب الخطايا التي في الماضي من زني وقتل والمضايقين المتواجدين في حياة داود ، لأن المشاعر السلبية والاحساس بالذنب يكونا إحساسا قاتلاً " تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي." (مز ٦ : ٦) ما علينا الا التخلص من كل ما هو سلبي سواء ناتج من ذاتي أو من خلال الأخرين.
يوجد بعض من أحداث الماضي تحتاج لبكاء وصوم وصلاة ، نحميا بسبب الماضي بكي وكان وجهه مكمداً وحزيناً " فَقَالُوا لِي: "إِنَّ الْبَاقِينَ الَّذِينَ بَقُوا مِنَ السَّبْيِ هُنَاكَ فِي الْبِلادِ، هُمْ فِي شَرّ عَظِيمٍ وَعَارٍ. وَسُورُ أُورُشَلِيمَ مُنْهَدِمٌ، وَأَبْوَابُهَا مَحْرُوقَةٌ بِالنَّارِ". فَلَمَّا سَمِعْتُ هذَا الْكَلامَ جَلَسْتُ وَبَكَيْتُ وَنُحْتُ أَيَّامًا، وَصُمْتُ وَصَلَّيْتُ أَمَامَ إِلهِ السَّمَاءِ، ( نح ١ : ٣ ، ٤ ) فعندما يري الله أن المؤمن أدرك ألأبعاد الروحية التي للماضي في تأثيرها علي الحاضر والمستقبل ، يتدخل للتغيير والمساندة والتدخل الالهي " ... إِنَّ إِلهَ السَّمَاءِ يُعْطِينَا النَّجَاحَ، وَنَحْنُ عَبِيدُهُ نَقُومُ وَنَبْنِي. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَيْسَ لَكُمْ نَصِيبٌ وَلاَ حَقٌّ وَلاَ ذِكْرٌ فِي أُورُشَلِيمَ". (نح ٢ : ٢٠) فالتغيير الذي أحدثه نحميا يرجع للإدراك الروحي لأبعاد الإمور ، لذلك لا تنظر للماضي بخبراته السلبية فتفشل لكن انظر اليه من خلال روح النجاح والتقدم لأنك تتعلم من ماضيك سواء في سلبياته أو ايجابياته ، فيحسب الفشل نجاحا لأنه يعطي خبرة .
- المساندة الإلهية بكاء الماضي :
المسانده السماوية لبني البشر في حياتهم والتدخلات الإلهية تعطي للإنسان الرجاء في الغد ، هذا ما كان يشعر به نحميا ، فالنجاح من الرب لذلك لا نتكاسل بل نقوم ونبني ، فإن كان الماضي يبكيك فاعلم أن المستقبل الذي في يد الرب يفرحك ، فتمسك بالرب وسير امامه وإعلم أنه لن يخزلك ، لا تبكي علي إمور الزمن بما هو مرتبط بالأشياء والممتلكات لأنها وقتية زائلة ، يمكنك السعي للإمتلاك ولكن لا تتمسك بها لأن تمسكك بها يعطي فرصة لإبليس بالتحرك نحوك ليتعب نفسيتك سواء امتلكت ما سعيت نحوة أو ما كنت تتمناه ولم تحصل عليه ، فقط ضع أهداف وإسعي نحوها دون التعلق بما انجزته ، فكل ما تم إنجازه من اعمال سيكون له صداه في عالم الجسد هنا وفي عالم الروح وستكافأ ابدياً .
لا تفعل كما فعل شعب اسرائيل فقد بكوا أمام الرب من اجل اطعامهم لحماً " وَلِلشَّعْبِ تَقُولُ: تَقَدَّسُوا لِلْغَدِ فَتَأْكُلُوا لَحْمًا، لأَنَّكُمْ قَدْ بَكَيْتُمْ فِي أُذُنَيِ الرَّبِّ قَائِلِينَ: مَنْ يُطْعِمُنَا لَحْمًا؟ إِنَّهُ كَانَ لَنَا خَيْرٌ فِي مِصْرَ. فَيُعْطِيكُمُ الرَّبُّ لَحْمًا فَتَأْكُلُونَ." (عد ١١ : ١٨) فقد كان كل ما يفكرون فيه إشباع أنفسهم من الطعام ، ففي هذه لم يمنع الرب عنهم " بَلْ شَهْرًا مِنَ الزَّمَانِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنَاخِرِكُمْ، وَيَصِيرَ لَكُمْ كَرَاهَةً، لأَنَّكُمْ رَفَضْتُمُ الرَّبَّ الَّذِي فِي وَسَطِكُمْ وَبَكَيْتُمْ أَمَامَهُ قَائِلِينَ: لِمَاذَا خَرَجْنَا مِنْ مِصْرَ؟" (عد ١١ : ٢٠) إن الإستهانه بما هو أهم في الحياة الروحية يعطي للإنسان خسارة كبيرة أبدياً من أجره واكاليل ، وفي الحياة هنا من مجد روحي ومن استخدامات ، فكل الشعب الذي نظر ما هو وقتي لم ينال المواعيد ولم يدخلون أرض الموعد " حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ. اخْتَبَرُونِي وَأَبْصَرُوا أَعْمَالِي أَرْبَعِينَ سَنَةً. ١٠لِذلِكَ مَقَتُّ ذلِكَ الْجِيلَ، وَقُلْتُ: إِنَّهُمْ دَائِمًا يَضِلُّونَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا سُبُلِي. ١١ حَتَّى أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي: لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي" ... وَلِمَنْ أَقْسَمَ: "لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتَهُ"، إِلاَّ لِلَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا؟ " (عب ٣ : ٩ - ١٨) لذلك اناشدك أخي الغالي أن لا تنظر للامور الزمنية وتتعلق بها وتعطي لها الأولويه ، بل انظر لما هو سماوي وكل ما يربط بالسماويات لأنه الأبقي.
- الوقوف باكيا للإحتياج :
يحق لك أن تقف أمام الله باكياً من أجل شفاء نفوس يحتاجون للشفاء ، فقد بكي داود وصام وصلي من أجل شفاء إبنه " فَقَالَ لَهُ عَبِيدُهُ: "مَا هذَا الأَمْرُ الَّذِي فَعَلْتَ؟ لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا صُمْتَ وَبَكَيْتَ، وَلَمَّا مَاتَ الْوَلَدُ قُمْتَ وَأَكَلْتَ خُبْزًا". فَقَالَ: "لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا صُمْتُ وَبَكَيْتُ لأَنِّي قُلْتُ: مَنْ يَعْلَمُ؟ رُبَّمَا يَرْحَمُنِي الرَّبُّ وَيَحْيَا الْوَلَدُ. ( 2صم ١٢ : ٢١ ، ٢٢ ) فالتضرع أمام الرب من أجل أمر ما وينتهي بطريقة تختلف عن ما كنا نتوقعه ، ليس لنا إلا أن نسلم للرب التسليم الكامل دون التعلق بالاستجابة بالطريقة التي نريدها أو بالنتيجة التي رُسمت في داخلنا ، لأن هذا يعيق سلامنا الداخلي ، فبكاء داود وصومه لم يذهب في بساط الريح لأنه يعلم كل العلم بأن الله سمع صلاته ورأي دموعه وصيامه وتذلله علي المسوح وإن لم يستجيب بالطريقة التي كان يريدها.
اخي الغالي لا تتعلق بالنتيجة لكن تعلق برب النتائج سواء كانت كما اردت أو عكس ما كنت تريد ، فقط تمسك بالرب دون التعلق بالاشياء ونتائجها ، فمن ضمن حروب إبليس علي حياة المؤمن هو تعلقه بالأشاء ورسم نتيجة يريدها فإن لم تتحقق يصدم ويبعد عن مصدر البركات والشبع الحقيقي ، لا اعني عدم وضع هدف والصلاة من اجله لكني قصدت أنه مع وضع اهدافك وايمانياتك ترك الفرصة للرب ليفعل الصالح.
بكاء الملك يوشياء من اجل غضب الله علي شعب الرب جعل الله يهتم به ويضمه لأبائه دون أن يري ما سيحدث لشعب الرب ، قد لا نستطيع أن نغير القضاء الالهي علي امة لسبب شرها ، لكننا نستطيع أن ننال حماية أو معونة الهية كي لا نري قضاء الله علي امة نحبها ، ليس هذا معناه أن الله سينهي الحياة قبل أوانها ، بل سيؤجل القضاء لحين انتقال المؤمن الباكي من اجل شعب الرب " هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا جَالِبٌ شَرًّا عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ وَعَلَى سُكَّانِهِ، ... مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ تَرَكُونِي وَأَوْقَدُوا لآلِهَةٍ أُخْرَى لِكَيْ يُغِيظُونِي بِكُلِّ عَمَلِ أَيْدِيهِمْ، فَيَشْتَعِلُ غَضَبِي عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ وَلا يَنْطَفِئُ. " لكن إقرأ ماذا قال الرب لملك يهوذا " ... مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ رَقَّ قَلْبُكَ وَتَوَاضَعْتَ أَمَامَ الرَّبِّ حِينَ سَمِعْتَ مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ وَعَلَى سُكَّانِهِ أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ دَهَشًا وَلَعْنَةً، وَمَزَّقْتَ ثِيَابَكَ وَبَكَيْتَ أَمَامِي. قَدْ سَمِعْتُ أَنَا أَيْضًا، يَقُولُ الرَّبُّ. " سمع الرب الصلاة لكن بما ليس حسب انتظاره بل بحسب العدل الإلهي " لِذلِكَ هأَنَذَا أَضُمُّكَ إِلَى آبَائِكَ، فَتُضَمُّ إِلَى قَبْرِكَ بِسَلاَمٍ، وَلا تَرَى عَيْنَاكَ كُلَّ الشَّرِّ الَّذِي أَنَا جَالِبُهُ عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ ... ( 2مل ٢٢ : ١٦ ٢٠ ) فالشعب الذي يترك الرب ينال من القضاء الالهي نصيباً " لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً ........ زَمْجَرَتْ عَلَيْهِ الأَشْبَالُ. أَطْلَقَتْ صَوْتَهَا وَجَعَلَتْ أَرْضَهُ خَرِبَةً. أُحْرِقَتْ مُدُنُهُ فَلاَ سَاكِنَ. (إر ٢ : ١٣ - ١٥) هذا القضاء الالهي ليس انتقاماً لكنه نتيجة للشر والبعد عن الله ، الله ليس بظالم فللشر نهاية اليمة وكل من يسير فيه ينال من القضاء الألهي جانب ، فنزع الحماية والسياج كفيل لدخول كل أنواع الدمار والهلاك والموت ، اما السير في طريق الرب والتمسك بمبادئه يعطي للمؤمن الحق في الحماية والحفظ والرعاية الخاصة من اله السماء .
لا تيأس أو تفشل عندما تنظر الفساد ينتشر في ارضك بسرعة البرق ، ولا تحزن عندما تري نفوس محل ثقة سقطت من مستواها وتَقيِمها ، فكلٍ سيحصد نتائج زرعه " لا تَضِلُّوا! اَللهُ لا يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا. (غل ٦ : ٧) فمن يزرع بالدموع مقدراً المسئولية حتما سيحصد من الرب مفرحا إياه " الَّذِينَ يَزْرَعُونَ بِالدُّمُوعِ يَحْصُدُونَ بِالابْتِهَاجِ. (مز ١٢٦ : ٥) أما من يزرع شرا فماذا سيحصد ؟ حتما وبكل تأكيد سيحصد مصيبة " الزَّارِعُ إِثْمًا يَحْصُدُ بَلِيَّةً، وَعَصَا سَخَطِهِ تَفْنَى. (أم ٢٢ : ٨) فإن طالت مدة الشرير ( سواء كان مؤمنا أو غير مؤمنا ) فسيحصد مما زرع ومن ظُلم سيعوض الرب له ولنسله أضعاف أضعاف ما عاناه أو فقدهُ " وَأُعَوِّضُ لَكُمْ عَنِ السِّنِينَ الَّتِي أَكَلَهَا الْجَرَادُ، الْغَوْغَاءُ وَالطَّيَّارُ وَالْقَمَصُ، جَيْشِي الْعَظِيمُ الَّذِي أَرْسَلْتُهُ عَلَيْكُمْ.فَتَأْكُلُونَ أَكْلا وَتَشْبَعُونَ وَتُسَبِّحُونَ اسْمَ الرَّبِّ إِلهِكُمُ الَّذِي صَنَعَ مَعَكُمْ عَجَبًا، وَلا يَخْزَى شَعْبِي إِلَى الأبَدِ. (يؤ٢: ٢٥-٢٦) فالتعويض الإلهي متاح لكل مظلوم ولكل حاصد حصيداً لم يزرعهُ " .... إِنَّ وَاحِدًا يَزْرَعُ وَآخَرَ يَحْصُدُ. (يو ٤ : ٣٧) وإن كانت هذه الأية استخدمت للجانب الإيجابي منها ولكنه قانون يسري مفعوله علي كل الجوانب الروحية والجسدية في ايجبياتهما وسلبياتهما فإن كنت حصدت حصيدا شريرا من مقربين زرعوا في حياتك إثما ، ثق أنهم سيحصدون بلية وأنت ستعوض من القدير أضعاف أضعاف ما فقدته " لأنَ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَادًا، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً. (غل ٦ : ٨) فإهتم كيف تزرع لتحصد من ثمر تعبك بركات مضاعفة في اسم المسيح
٤ - حقائق دائمة لعالم الجسد :
الحقائق التي لعالم الجسد ولا يجب أن تغيب من أذهاننا أن الماضي جزء من حياتنا والموجود ليس دائم وضألة المعرفة ستستمر مع الإنسان مهما علا شأنه ومهما وصل من علم " لأنَّنَا نَحْنُ مِنْ أَمْسٍ وَلا نَعْلَمُ، لأنَّ أَيَّامَنَا عَلَى الأرْضِ ظِلٌّ. (أي ٨ : ٩) ولكن للأسف الإنسان يتحرك وكانه خالد للأبد علي هذه الأرض فهو علي الأرض ظل لن يدوم ويستمر بجسده علي الأرض ، بكل تأكيد العالم اليوم في تطوره وتقدمه إختلف من ذي قبل ، فقد توصل للكهرباء التي هي أم كل الإختراعات التي في العالم ، حتي الإختراعات اليدوية اليوم بفضل الكهرباء تطورت الي اليكترونية ، والعجلات التي كانت تسير بحيوانات جر تطورت الي حركة ميكانيكية يدخل فيها الكهرباء عنصر أساسي ، فالتقدم والتطور في عالمنا جعل من اكتشاف واحد ركيزة لمعظم بل لكل الإختراعات ولكل الأعمال ، وبدونها تتعطل الحياة ، ما أقصده من كل هذا أن مع هذا التقدم والتطور سيظل كل إنسان علي الأرض ظل .
الماضي جزء من حياتنا سيستمر مؤثرا لأجيال قادمة سواء كان ماضي في دوائر سلبية أو ماضي في دوائره الإيجابية ، فما نصنعه اليوم يتحول في الحياة الي ماضي مؤثر ثم الي تاريخ يحاكي به للأجيال القادمة اللذين هم أيضا سيصيرون ماضي ثم تاريخا يحاكي به ، ولكن ... هل أنت اليوم تعمل بجِد وبضمير حي لتترك للمستقبل ماضي مُشرِف ؟ أم أن ماضيك تريد أن تمسحه بأستيكة وتزيلة بالكريكتور محاولا تغيير معالمه كي لا يتم التعرف عليه ، إن ما تم كتمه بمحاولات إزالة وتغيير معالم سيأتي اليوم الذي ينكشف فيه كل ماضي وكل تاريخ تم تزييفه " لأنَّهُ لَيْسَ خَفِيٌّ لا يُظْهَرُ، وَلا مَكْتُومٌ لا يُعْلَمُ وَيُعْلَنُ. (لو ٨ : ١٧) أحبائي سينكسف كل مستور وسيعلن كل مكتوم فحذاري من أعمال اليوم التي تكون خارج مشيئة الله وتهدف للمصلحة الشخصية وبها ظلم للأخرين .
فالحقيقة أننا ظل وأننا من أمس ولا نعلم ما تخبئه الأيام ، علينا أن نسير في الحق وبالحق ولا نغالط أنفسنا بدفعها الي طرق ليست حميده لنوال مكاسب زمنية زائلة مع زوال الأيام ، فالرب في مبادئه واضع مع قانون الستر قانون أخر وهو كشف المستور ، ففي قانون الستر نراه يربط الستر لكل محب وقريب لقلب الله ولكل سائر بالأمانة " وَلِبَنْيَامِينَ قَالَ: "حَبِيبُ الرَّبِّ يَسْكُنُ لَدَيْهِ آمِنًا. يَسْتُرُهُ طُولَ النَّهَارِ، وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ يَسْكُنُ". (تث ٣٣ : ١٢) ايضا الذي يتمتع بالستر هو كل ساكني بيت الرب عن ترابك روحي بالرب وبخدمته ، والستر هنا هو الحماية من المخاطر الخارجية ومن أخطاء الأخرين لذلك يطلب كاتب المزمور قائلا " وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ الرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ: أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ، وَأَتَفَرَّسَ فِي هَيْكَلِهِ.لأنَّهُ يُخَبِّئُنِي فِي مَظَلَّتِهِ فِي يَوْمِ الشَّرِّ. يَسْتُرُنِي بِسِتْرِ خَيْمَتِهِ. عَلَى صَخْرَةٍ يَرْفَعُنِي. (مز٢٧: ٤-٥) أما في قانون كشف المستور يعمل مع كل ظالم لم يقدم توبة ولم يرد المسلوب " يَكْشِفُ الْعَمَائِقَ مِنَ الظَّلامِ، وَيُخْرِجُ ظِلَّ الْمَوْتِ إِلَى النُّورِ. (أي ١٢ : ٢٢) فكل شخص يسير اليوم في حاضر مستور سيأتي اليوم الذي فيه يكشف كاشف العمائق كل الأسرار ، فما كان اليوم مكتوما " هُوَ يَكْشِفُ الْعَمَائِقَ وَالأسْرَارَ. يَعْلَمُ مَا هُوَ فِي الظُّلْمَةِ، وَعِنْدَهُ يَسْكُنُ النُّورُ. (دان ٢ : ٢٢) عنده يسكن النور لذلك من الطبيعي يتم كشف كل ظلام وكل تعدي ، لذلك لا تعتمد علي ستر الأيام فالأيام لا تستر شيئا ، بل اعتمد علي الهك الذي يغفر لكل تائب ويصحح كل مفاسد الحياة لكل جيل التجأ اليه ، فثق أن الهك أمين وحافظ العهد والأمانة لكل محبيه السالكين في النور .
٥ - للمساندة وليس للنقد والتحليل :
في قصة ايوب أصدقاء صاروا سبب تعب نفسي علي حياته منهم " بِلْدَدُ الشُّوحِي (أي ٨ : ١) هذا الشخص نحن في هذا الفصل نتكلم حول كلماته ، فهي ليست بحسب مشيئة الله ، فنسب لأيوب بأن كلماته مزعجة جدا " أَقْوَالُ فِيكَ رِيحًا شَدِيدَة " ونسب لأيوب ولأولاده مسئولية ما حدث ، وأن قضاء الله علي حياته عادل " هَلِ الله يُعَوِّجُ الْقَضَاءَ، أَوِ الْقَدِيرُ يَعْكِسُ الْحَقَّ؟إِذْ أَخْطَأَ إِلَيْهِ بَنُوكَ، دَفَعَهُمْ إِلَى يَدِ مَعْصِيَتِهِم " فالظن او التحليل الغير مبني علي دلائل شر يجب التوبة عنه ، فحقيقة أن الله لا يعوج القضاء فهذا حق ولكن أن يأخذ هذا الحق ليثبت لأيوب أن ما حدث هو حكم الهي لسبب شر في أيوب ، هذا عكس الحقيقة فالقضاء الإلهي لا يعمل فقط في وقت خطية الإنسان ، ولكنه يحكم ايضا عندما يصير في الإنسان ثغرات روحية ( وليست خطايا ) فالثغرات أبواب لإبليس يستطيع أن ينال بسببها حُكم قضائي ، ثم ربط بلدد ماضي أيوب بمصائب الحاضر منعتا إياه بالرياء " فَإِنْ بَكَّرْتَ أَنْتَ إِلَى الله وَتَضَرَّعْتَ إِلَى الْقَدِيرِ،إِنْ كُنْتَ أَنْتَ زَكِيًّا مُسْتَقِيمًا، فَإِنَّهُ الآنَ يَتَنَبَّهُ لَكَ وَيُسْلِمُ مَسْكَنَ بِرِّك " أي أنك يا أيوب لا تتزاكا علي الله فلو كنت مستقيما ولا يوجد فيك شر لإنتبه الله لك وسلم مسكن برك ، فقد حاول بلدد إثبات بأن ما حدث لأيوب نتيجة خطية ومعصية في حياته هو وأولاده .
حقيقي شيئ متعب ومؤلم أن يتواجد في حياتك أصدقاء أفكارهم بعيدة عن مشيئة الله ويتكلمون بما يرونه صواب دون أن يتمعنوا جيدا فيما يتفوهون به ، إن مثل هؤلاء عدم وجودهم في حياتنا أفضل بكثير من وجودهم بكلمات قاسية وغير حكيمة ، أو عدم مشاركتهم لنا في احوالنا أفضل من مشاركتهم للمجاملة ، هذا يعلمنا أنه عندما نشارك احبائنا في مصائبهم علينا الإلتزام بالصمت والصلاة من أجلهم ليسندهم الرب ولا يحق لنا تحليل الاحداث لأننا لا نملك هذا الحق ، فالذي يفحص القلوب هو الرب وهو وحده القادر أن يسند ويعلم ويرفع ويبارك ، وما علينا نحن إلا المشاركة للمساندة والتعضيد فقط وليس للنقد والتحليل ، فبكلامنا قد ندفع الأخر لطريق التنقيب في الماضي ليفتش عن خطايا تسببت في بلية اليوم ، فقد دفع بلدد أيوب ليفتش في تاريخ حياته " اِسْأَلِ الْقُرُونَ الأولَى وَتَأَكَّدْ مَبَاحِثَ آبَائِهِمْ،لأننَا نَحْنُ مِنْ أَمْسٍ وَلا نَعْلَمُ، لأنَّ أَيَّامَنَا عَلَى الأرْضِ ظِلٌّ. (أي٨: ١-٩) هذا الإتجاه من التفكير يُحدِث في عقل أيوب حيرة وتعب لأن الأمر أكبر من إدراكاته الحالية ، ولذلك كان وجب علي الجميع الصمت والسكون والإنتظار لحين التدخل الإلهي ، فلا توجد مشكلة تبقى للأبد ، فحتما سيتدخل الله لأنه يراقب الأحداث ويعلم جيدا ماذا يفعل ، فقد تدخل في حياة أيوب وأنهي كل حيرة قلب وصحح المفاهيم المغلوطة ، وعوض أيوب أضعاف ما خسره ، فهو الله القدير الصديق الوفي الذي في مساندته علاج وشفاء .
-----------------------------------------------------------
الفصل الخامس
الكمال مستوي للقبول الإلهي
١ - للمرة الأولي يابلدد :
تكلم بلدد بكلمات حقيقية عن الله ولكن للأسف في هذه المرة أراد أن يستخدمها لأيوب ليظهر نقصه ، وكأنه يريد أن يقول : لو أنك كامل فلن يرفضك الله ، فما أنت فيه يرجع لعدم كمالك " هُوَذَا الله لا يَرْفُضُ الْكَامِلَ، وَلا يَأْخُذُ بِيَدِ فَاعِلِي الشَّرِّ. (أي ٨ : ٢٠) نعم إنها حقيقة عن الله وقانون الهي ، ولكن يجب أن يستخدم القانون في واقعه وليس لهدف إظهار نقص في الأخرين ، فقد قال الرب كلمته عن أيوب في بداية الأمر عندما جاء الشسيطان ليجرب أيوب " فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ". (أي ١ : ٨) فالحقيقة الراسخة أن الله فعلا لم يتخلي عن أيوب في كل مشوار حياته ، فهو السنيد الغير مرئي وإله التعوبض في الوقت المناسب .
لا يستطيع الإنسان أن يعيش بلا قانون أو مبادئ فحيث لا قانون لا نظام ولا حقوق وتعم الفوضي ، هذا حق وإن كان بلدد الشوحي يتكلم مع أيوب محاولاً إثبات أن ما حدث لأيوب ليس بلا سبب ، فكما أن النبات لا ينبت بلا ماء هكذا المصائب لها مسبباتها " هَلْ يَنْمُي الْبَرْدِيُّ فِي غَيْرِ الْغَمِقَةِ، أَوْ تَنْبُتُ الْحَلْفَاءُ بِلاَ مَاء " ( ايوب ٨ : ١١ ) فما حدث من خراب في حياة أيوب يرجع للبعد عن الله " هُوَذَا الله لا يرْفُضُ الْكَامِلَ، وَلا يَأْخُذُ بِيَدِ فَاعِلِي الشَّرِّ " ( ايوب ٨ : ٢٠ ) فقد صار بيت أيوب كالعنكبوت " هكَذَا سُبُلُ كُلِّ النَّاسِينَ اللهَ، وَرَجَاءُ الْفَاجِرِ يَخِيبُ،فَيَنْقَطِعُ اعْتِمَادُهُ، وَمُتَّكَلُهُ بَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ! " ( ايوب ٨ : ١٣ ، ١٤ ) فهل كان ايوب هكذا.كلا ، كان أيوب قريب من قلب الرب ، رجل مستقيم وكامل فما حدث له لا يدخل تحت طائلة البعدين عن الله ، لكنه يدخل تحت بند المشتكي عليهم لله ، فالشكاية إن أخذت حق التنفيذ تصير فاعليتها بحسب قوتها ، فالشكاية التي كانت علي حياة أيوب تحمل في داخلها اكبر درجة من درجات الدمار والالم.
كلمات بلدد تحمل داخلها المرارة وخيبة الأمل والرجاء ، فهو يريد أن يقول لأيوب أن حياة البركة والخير تبدل بالجفاف والسقوط " يَسْتَنِدُ إِلَى بَيْتِهِ فَلاَ يَثْبُتُ. يَتَمَسَّكُ بِهِ فَلا يَقُومُ. هُوَ رَطْبٌ تُجَاهَ الشَّمْسِ وَعَلَى جَنَّتِهِ تَنْبُتُ خَرَاعِيبُبهُ " ( ايوب ٨ : ١٥ ، ١٦ ) فإن كان الواقع يقول قد سقط الجبار وليس مخلص لكن ليعلم كل من اشتكي عليه ابليس ، تمسك بكمالك لأنك بهذا تنال من الرب المعونة والتعويض " هُوَذَا اللهُ لا يَرْفُضُ الْكَامِلَ ( ايوب ٨ : ٢٠ ) الكمال الروحي إذا تبناه المؤمن في حياته يفتح المجال للرب بالتدخل في حياة الإنسان ليبدل الواقع المرسوم من إبليس إلي واقع مرسوم بالروح القدس لحياة شخص يعيش في دائرة الكمال .
٢ - مناطق تمركز لا يملكها إبليس :
عندما تقرأ قصة أيوب ستجد أن التحركات الشيطانية واضحة في السماء للشكاية. (أي١: ٦-١٢) وعلي الأرض للتنفيذ ، فكانت الكثافة الشيطانية عالية جدا والعدد مهول ، فيوجد مجموعة شيطانية ذهبت نحو البقر . (أي١: ١٤-١٥) وأخري نحو الغنمَ . (أي ١ : ١٦) ومجموعة شيطانية أخري تحركت نحو الجمال . (أي ١ : ١٦) وليس أخيرا فقد تحركت مجموعة كبيرة نحو الأبناء . (أي١: ١٨-١٩) يالها من سحابة شيطانية كانت متمركزة فوق أيوب وممتلكاتة وتنتظر إشارة للتحرك، فتحركة قوة أخري نحو جسد أيوب فضربته بقرح رديء . (أي٢: ٧-٨) حتي زوجته كان لإبليس دور في استخدامها لزيادة الحِمل علي ايوب . (أي٢: ٩-١٠) تحرك ابليس بكل قوة وبلا رحمة ، وفوق كل هذا تحركت مجموعة أخري الي أصدقاء أيوب ليدمروا بكلامهم المتبقي في نفسية ايوب . (أي٢: ١١-١٣)
يصنع إبليس لنفسه مناطق خاصة فوق بعض الأماكن أو الأسر ، يصنع سحابة من اللعنات تحمل داخلها روح موت وقتل أو عقم أو ربط جنسي أو مشاكل أسرية ، فكل من لا يعيش في دوائر الكمال والسلوك بالروح والحياة داخل المشيئة الإلهية ويتواجد في هذه الأماكن تصاب حياته ببعض هذه الإمور ( ومع ملاحظة أنه ليس كل عقم وراءه ارواح شريرة ، اقول هذا ليرتاح ضميري لمن يفهم ما كتبته بالخطأ ) .
يوما ما صنع ابليس في اورشليم سحابة من الضيق والقيود من أجل بولس الرسول فرأي الروح القدس هذا فأعلن علي فم أغابوس " وَبَيْنَمَا نَحْنُ مُقِيمُونَ أَيَّامًا كَثِيرَةً، انْحَدَرَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ نَبِيٌّ اسْمُهُ أَغَابُوسُ. فَجَاءَ إِلَيْنَا، وَأَخَذَ مِنْطَقَةَ بُولُسَ، وَرَبَطَ يَدَيْ نَفْسِهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَالَ:"هذَا يَقُولُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ: الرَّجُلُ الَّذِي لَهُ هذِهِ الْمِنْطَقَةُ، هكَذَا سَيَرْبُطُهُ الْيَهُودُ فِي أُورُشَلِيمَ وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى أَيْدِي الأمم"." ( أعمال الرسل ٢١:١٠ ـ 11 ) ولكن بولس لم يستجب " فَأَجَابَ بُولُسُ:"مَاذَا تَفْعَلُونَ؟ تَبْكُونَ وَتَكْسِرُونَ قَلْبِي، لأنِّي مُسْتَعِدٌّ لَيْسَ أَنْ أُرْبَطَ فَقَطْ، بَلْ أَنْ أَمُوتَ أَيْضًا فِي أُورُشَلِيمَ لأَجْلِ اسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ . " (أعمال الرسل ٢١ : ١٣ ) وذهب لأورشليم وقيد هناك ورُحِل الي روما حيث سحابة القتل ، فوضع تحت الحراسة " وَلَمَّا أَتَيْنَا إِلَى رُومِيَةَ سَلَّمَ قَائِدُ الْمِئَةِ الأَسْرَى إِلَى رَئِيسِ الْمعَسْكَرِ، وَأَمَّا بُولُسُ فَأُذِنَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ وَحْدَهُ مَعَ الْعَسْكَرِيِّ الَّذِي كَانَ يَحْرُسُهُ. ( أعمال الرسل ٢٨:١٦ ) قد كان في مقدور الرسول بولس تفادي مثل هذه النتيجة إن سمع لصوت الروح ولم يذهب حيث الأماكن النشطة لإبليس ، ولكن بولس كان رجل فدائي وأظهر استعداده الكامل للإستشهاد من أجل الرب وكلمته .
دائما ابليس يصنع بحكمة وسائل وطرق ضد المشيئة الإلهية ، فعندما يري تحركات ملائكية في منطقة ما يستشعر بأهمية المنطقة أو الاجتماع أو الشخص فيتحرك بقوة شيطاتية ضد كل التحركات الروحية ، فعندما رأي دانيال يصلي استشعر بأهمية الأمر فتواجد بقوة رئاسية وجيش من الجنود الشيطانية ليعيق أو ليمنع وصول الإعلانات الإلهية لدانيال ، ولكن لسبب اصرار دانيال علي تواجده في مكان واحد للصلاة واستمراريته في الصلاة اعطي لجبرائيل الملاك الاستعانة بالملاك ميخائيل ضد التواجد الشيطاني لينتصر ويرسل الرسالة لدانيال وتتم المشيية الالهية لإجابة دانيال لما يحتاجه من اجابات وتنبؤات لشعب مهم جدا لقلبه ( إقرأ دانيال 10 )
الرجاء عدم إعطاء ابليس مكان أو فرصة لأنه صياد ماهر ، يمتلك شبكات صيد من كل الأنواع واتباعه يعملون معه نهاراً وليلا فهو لا يكل ولا يمل ، وله استراتيجيات قديمة متطوره بحسب المكان والزمان ، فقد كان يستخدم قديما الأشياء المحببه للاخرين أو مستغلا الاحتياجات التي للإنسان ، وها هو اليوم يفعل نفس الإستراتيجية مع اختلاف تطوراتها
٣ - دوائر الكمال لرفع الشكاية :
وسط التحركات الشيطانية يفقد إبليس مستوى شكايته أمام دوائر الكمال ، فلكل نوع من الكمال مستوي قوة لإبطال كل شكاية ، ولكل كمال مستوي إستخدام الهي في حياة المؤمن ، وهنا نأتي لسؤال : " يَا رَبُّ، مَنْ يَنْزِلُ فِي مَسْكَنِكَ؟ مَنْ يَسْكُنُ فِي جَبَلِ قُدْسِكَ؟ (مز ١٥ : ١) فمناطق الإستخدام الإلهي تحتاج لمستوي كمال روحي متمركز في :
١ - الكمال في ثلاثة مفاتيح :
" السَّالِكُ بِالْكَمَالِ، وَالْعَامِلُ الْحَقَّ، وَالْمُتَكَلِّمُ بِالصِّدْق فِي قَلْبِهِ. (مز ١٥ : ٢) إدراك الثلاثية سالك - عامل - متكلم تمنح المؤمن حق إبطال كل شكاية قائمة ، فلن يسير المؤمن في هذه الثلاثية بلا إدراك ومعرفة التي تقوده الي الكمال السلوكي.
٢- الكمال في مستواه الناموسي :
لتطبيق الحق وتفعيل الصدق ونوال الكمال يجب تفعيل هذه الأعمال " الَّذِي لا يَشِي بِلِسَانِهِ، وَلا يَصْنَعُ شَرًّا بِصَاحِبِهِ، وَلا يَحْمِلُ تَعْيِيرًا عَلَى قَرِيبِهِ.وَالرَّذِيلُ مُحْتَقَرٌ فِي عَيْنَيْهِ، وَيُكْرِمُ خَائِفِي الرَّبِّ. يَحْلِفُ لِلضَّرَرِ وَلا يُغَيِّرُ. فِضَّتُهُ لا يُعْطِيهَا بِالرِّبَا، وَلا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ عَلَى الْبَرِيءِ... (مز١٥: ٣-٥) تطبيق هذه الثمانية أعمال ساوكية في حياة المؤمن تضعه في مستوي من الكمال العملي ، التي هي متمركزة في الوصية القائلة " لأنَّ كُلَّ النَّامُوسِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يُكْمَلُ:"تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ". (غل ٥ : ١٤) (لا ١٩ : ١٨) (مت ١٩ : ١٩) (مت ٢٢ : ٣٩) (رو ١٣ : ٩)
الكمال السلوكي العملي المبني علي الحق والصدق يمنح المؤمن ثباتا مهما كانت الحروب الشيطانية المتمركزة في الدوائر المحيطة من حوله " .... الَّذِي يَصْنَعُ هذَا لا يَتَزَعْزَعُ إِلَى الدَّهْرِ. (مز ١٥ : ٥) بمعني أخر سيثبت الرب أقدامه مهما كانت قوة الشكاية ومهما كانت الكثافة العددية للتمركز الشيطاني ، فدانيال نال كل الدعم الملائكي لأنه كان في داخل الثلاثة مفاتيح للكمال ( إقرأ دانيال 10 ) يبقي نوع من الكمال يجب السير فيه وهو :
٣ - الكمال في التخلص من الثغرات الروحية :
تم نوال هذا الموضوع في دراسة سابقة بعنوان " لا تكن مخدوعا " واليك عناوين بعض الثغرات التي إن تم التخلص منها سيتم إبطال كل شكاية شيطانية : فالخوف ثغرة روحية تحتاج للإيمان ، والظلم ثغرة روحية تفتح أبواب لإبليس ، وتبني افكار خارج مشيئة الله تجعل لإبليس حق الشكاية والتمركز لتعطيل عمل الله في الحياة .. الخ. فالثغرات كثيرة علينا إكتشافها والعمل علي كسرها بالمعرفة والفهم والسلوك العملي " سِرُّ الرَّبِّ لِخَائِفِيهِ، وَعَهْدُهُ لِتَعْلِيمِهِمْ.يَحْفَظُنِي الْكَمَالُ وَالاسْتِقَامَةُ، لأنِّي انْتَظَرْتُكَ. (مز٢٥: ١٤، ٢١) فليمنح الرب شعبه فهما في كل شيئ.
٤ - التبرير والكمال الإلهي :
رد أيوب علي بلدد بسؤال ما هي الطريقة التي يتبرر بها الإنسان أمام الله ؟ إنه سؤال كل إنسان سواء كان مُعبر عنه شفاهيا أو عن طريق أعمال الحياة " ... فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإنْسَانُ عِنْدَ الله؟ (أي ٩ : ٢) فمهما كانت قداسة الإنسان وكماله أمام قداسة الله فهي كلا شيئ ، فجميع اعمالنا بالمقارنة بالله لا تساوي شيء .. فلا وجه للمقارنة من الأساس .. لأن الله لا ينظر بهذا المنظور ، فأعمالنا وحياتنا بجملتها يقدرها الله ، فالبسيط الذي أفعله يراه الله عملا عظيما ، إن اسلوب المقارنات والإسلوب التراكمي والفكرة العددية اتجاه بشري ، أما الله فطريقة معاملاته تسير بحسب مقياس الفهم والمعرفة التي للإنسان وبحسب إتجاه القلب وليس بحسب عدد الأفعال والأعمال ، فالفكرة العددية للحياة والسلوك ليس الطريق الإلهي للتبرير .
قد يعمل الإنسان عملا بسيطا من المنظور البشري ويقدره الله في المنظور الإلهي تقديرا عظيما ينال بسببه الإنسان بركات لا تحصي ولا تعد وينال مدح سماوي ، فقد رأي الرب الفلسين من الأرملة أفضل من الفضة الكثيرة والذهب المقدم من الأغنياء داخل بيت الرب " فَجَاءَتْ أَرْمَلَةٌ فَقِيرَةٌ وَأَلْقَتْ فَلْسَيْنِ، قِيمَتُهُمَا رُبْعٌ.فَدَعَا تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ لَهُمُ:"الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ قَدْ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ أَلْقَوْا فِي الْخِزَانَةِ،لأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا. وَأَمَّا هذِهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا أَلْقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا، كُلَّ مَعِيشَتِهَا". (مر١٢: ٤٢-٤٤) فالفكرة العددية ليست منظورا سماويا ، فالبشر يسألون عن الكم أما الرب فيسأل عن الكيف ، فقد كان للفلسين واقع روحي أفضل من اموال الجميع في نظر الرب ، هكذا في موضوع الخمسة أرغفة والسمكتين (لو٩: ١٣-١٧) فقد كان لهما واقع روحي مختلف من المنظور السماوي ، فالرب لا ينظر الي الكم بل الي الكيف.
إن الرب ينظر الي إتجاه القلب أكثر من قيمة الأعمال والأفعال ، فقد كان حناني صاحب إتحاه قلب يسير بحسب الأمانة فقدره الله ووضعه في مسئولية ليفعل مشيئة الله لشعب الرب " أَقَمْتُ حَنَانِيَ أَخِي وَحَنَنْيَا رَئِيسَ الْقَصْرِ عَلَى أُورُشَلِيمَ، لأَنَّهُ كَانَ رَجُلا أَمِينًا يَخَافُ اللهَ أَكْثَرَ مِنْ كَثِيرِينَ. (نح ٧ : ٢) فالتقديرات الالهية لن نبنى علي الأعمال الكثيرة ولا علي الأفعال ولكنها تُبنى علي إتجاه القلب السليم داخل دوائر المعرفة والفهم الروحي ، فطلب الرب ليس علي الذبيحة بل علي الرحمة القلبية المفعلة في حياة المؤمن وعلي معرفة الله " إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ الله أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ. (هو ٦ : ٦) فعندما يري الله شعبا لا يفهم ولا يعرف يرسل لهم من يعلمهم ويعرفهم كيونان مع نينوي ، فإشفاق الرب علي نينوي بُنىّ علي مقياس عدم فهمهم وعدم معرفتهم ، وليس حسب تراكمات حياتهم سواء كانت سلبية أو إيجابية " أَفَلاَ أَشْفَقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رِبْوَةً مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ يَمِينَهُمْ مِنْ شِمَالِهِمْ، وَبَهَائِمُ كَثِيرَةٌ؟". (يون ٤ : ١١) فالمقاييس الإلهية مستوي خاص يقدره الله ولا يجب تدخل احد إلا إذا كُلف حقا من الله برسالة خاصة لتغيير مستر شعوب وأمم .
مما سبق علينا إدراك أن المقاييس الإلهية لدي الله أمرا يخصه هو فقد بناها علي مقاييس المحبة الإلهية وليس علي مستويات اعمال البر واسلوب المقارنات والإسلوب التركمي وليس بحسب الفكرة العددية ، ولكن مقاييس الله تُبني علي الفهم والمعرفة وإتجاهات القلب وفوق كل هذه المحبة الإلهية " لَيْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ، الْتَصَقَ الرَّبُّ بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ، لأَنَّكُمْ أَقَلُّ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ.بَلْ مِنْ مَحَبَّةِ الرَّبِّ إِيَّاكُمْ، وَحِفْظِهِ الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمَ لآبَائِكُمْ، أَخْرَجَكُمُ الرَّبُّ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ. (تث٧: ٧-٨) فالكمال الذي يريده الله هو كمال اتجاهات القلب الصحيحة فيري الله انسانا مبررا في دائرة السلوك ، فمفهوم اننا مبررون بدم المسيح هذا صحيح ولكنه أمر يخص نظرة الله لأرواحنا الذي صنعها الله بنفسه ليمنحنا المصالحة ونصير مبررين في نظر الأب ، أما السلوك العملي فهو يخص الله ليمنح المؤمن تكليفات وخدمات روحية ولتفعيل مستوي السياج الإلهي في الحياة .
٥ - يجتاز ولا تشعر به :
معرفة أيوب عن الله لا تخرج خارج المنظومة البشرية العادية وهي : أن كل شيئ من الله ، فهو الذي يُعطي وهو الذي يأخذ (أي ١ : ٢١) وهو الذي يمتحن ويُجرب " لأنَّهُ يَعْرِفُ طَرِيقِي. إِذَا جَرَّبَنِي أَخْرُجُ كَالذَّهَبِ. (أي ٢٣ : ١٠) كلمة جَرَّبَنِي في التفسير التطبيقي جاءت امْتَحَنَنِي وفي الانجليزي جاءت tested أي اختبرني وفي العبري בּחן bachan وتعني اختبار أو محاولة إغراء ، ومن هنا يتضح أن الفهم في هذا النطاق عند أيوب أن الله يمتحن ليعرف نوعية الإنسان هل سيكون كالذهب أم ... ؟ بكل تأكيد رائع هذا الفكر الذي بحسب اللغة العبرية ، لأن الله لا يُجرب أحدا ، لكنه يمتحن ويوجد فرق بين التجربة والإمتحان ، فالتحارب مصدرها إبليس والناس وأنا ، أما الله فيمتحن ليمنح المؤمن إرتقاء في دائرته الروحية ، وكل إمتحانات الله لا يوجد فيها إذاء ، هذا بالإضافة أنه أعلن فهمه عن الله بقوله " إِنْ شَاءَ أَنْ يُحَاجَّهُ، لا يُجِيبُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ أَلْفٍ. (أي ٩ : ٣) فالإيمان الذي لأيوب عن الله يسير في دائرة أنه في العلاء فوق كل البشر ومن يستطيع أن يجادله وعندما يستطيع الله أن يُظهر جهل الإنسان فيكل بساطة ال ب يسأل الف سؤال ولن يستطيع الإنسان إجابة أي من الأسئلة ، هذه حقيقة أن إجابات الله لا تسير بحسب أهواء البشر ، ولا يستطيع أحد أن يتصلب عليه " .... مَنْ تَصَلَّبَ عَلَيْهِ فَسَلِمَ؟ (أي ٩ : ٤) فالعناد الإنساني امام الله لا يضر إلا الإنسان ذاته وهذا حق " .... الْعِنَادُ كَالْوَثَنِ وَالتَّرَافِيمِ. .. (1صم ١٥ : ٢٣) جاءت كلمة تَصَلَّبَ hardened وتعني صعب وفي العبري קשׁה qashah وتعني - شديد - عنيد - قاسي - صعب ، فمن الصعب أن يصير الإنسان في تصلب مع الله ، بعد التحذير ومعاملات النعمة فلن يُرحم إن لم يتُب ، فالرب في قضاءه له سلطان علي كل شيئ " الْمُزَحْزِحُ الْجِبَالَ وَلا تَعْلَمُ، الَّذِي يَقْلِبُهَا فِي غَضَبِهِ. (أي ٩ : ٥) لأن الغضب الإلهي يحرك دائرة القضاء ليصدر أحكام عادلة من أجل تطبيق الحق.
الايمان المعرفي عن الله يمنح المؤمن قوة احتمال في وسط الألام وفي وسط كل الظروف القاسية ، لأن للرب السلطان علي كل شيئ الشمس والنجوم ، السموات والبحار (أي ٩ : ٧ - ٨) والذي يزيدنا اعجابا بأيوب أنه كان مثقف ومطلع علي الإكتشافات الكونية في زمنه فقد عرف النَّعْشِ وَالْجَبَّارِ وَالثُّرَيَّا وهما مجموعات من النجوم " صَانِعُ النَّعْشِ وَالْجَبَّارِ وَالثُّرَيَّا وَمَخَادِعِ الْجَنُوبِ. (أي ٩ : ٩) أما مخادع الجنوب فهي مجموعة النجوم في نصف الكرة الجنوبي ، فقد كان مُدركا في علم الفلك الذي قاده للقول " فَاعِلُ عَظَائِمَ لا تُفْحَصُ، وَعَجَائِبَ لا تُعَد . (أي ٩ : ١٠) فالمفهوم الرائع عن الله في ايوب ٩ يجعله يعيش علي رجاء التدخلات الإلهية ، فبرغم سواد الظروف يؤمن بأن الله موجود ولا يراه " هُوَذَا يَمُرُّ عَلَيَّ وَلا أَرَاهُ، وَيَجْتَازُ فَلا أَشْعُرُ بِه. (أي ٩ : ١١) وكأنه يضم صوته مع كلمات المزمور انه ينتظر الرب وأن الكمال السلوكي يذكيه " يَحْفَظُنِي الْكَمَالُ وَالاسْتِقَامَةُ، لأنِّي انْتَظَرْتُكَ. (مز ٢٥ : ٢١) وأن الرب الإله يستطيع أن يسند لأنه اله العجائب" لأنَّهُ يُخَبِّئُنِي فِي مَظَلَّتِهِ فِي يَوْمِ الشَّرِّ. يَسْتُرُنِي بِسِتْرِ خَيْمَتِهِ. عَلَى صَخْرَةٍ يَرْفَعُنِي. (مز ٢٧ : ٥) فكلما عرفت الهك وتعمقت في كلمته كلما استطعت أن تعبر كل اوجاعك والامك لانه في اوقات كثيرة يمر ويجتاز ولا تشعر به .
٦ - الثقة بالله والإحساس النفسي:
داخل أيوب أحساس نفسي بالمرارة برغم معرفته عن الله ، فهذه المعرفة لم تزيل أحاسيسه ولم تعالجها ، فالمعرفة تزيد الإنسان قوة للإحتمال ، ولكنها لا تعالج النفس المريرة داخليا ، فقد كان يعرف أن الله في غضبه ( قضاءه ) لا يستطيع أحد أن يرده وأكبر قوة في الوجود ستنحني أمامه " اللهُ لا يَرُدُّ غَضَبَهُ. يَنْحَنِي تَحْتَهُ أَعْوَانُ رَهَبَ. (أي ٩ : ١٣) فالقوة في ذلك الوقت متمثلة في رَهَبَ التي هي مصر " حسب قاموس الكتاب المقدس بحث في كلمة رَهَبَ " تكلم عنها اشعياء النبي فقال " فَإِنَّ مِصْرَ تُعِينُ بَاطِلا وَعَبَثًا، لِذلِكَ دَعَوْتُهَا "رَهَبَ الْجُلُوسِ". (إش ٣٠ : ٧) ومعني رهب عاصفة ، تابع هذه الأيات (إش ٥١ : ٩) (أي ٩ : ١٣) (أي ٢٦ : ١٢) وقال قاموس الكتاب أن بعض المفسرين أنها تشير إلى تنين يمثل مصر ، فإن كانت مصر في مجدها في ذاك الزمن تمثل القوة والمجد تنحني أمام الله فمن يكون أيوب الإنسان الضعيف لذلك كان يتعامل مع الله بمخافة " كَمْ بِالأقَلِّ أَنَا أُجَاوِبُهُ وَأَخْتَارُ كَلامِي مَعَهُ؟ (أي ٩ : ١٤) فقد كان يحاسب في كلامه مع الله ، فهو يري أن الله في غضبه شديد والكلام معه قد يوقعه في خطأ فيغضب عليه لذلك كان يقلل الكلام معه .
إن التحرك مع الله بهذا الشكل أمر يحتاج لتعديل في الفهم ، فالصورة المأخوذة في ذاك الزمن جعلت أيوب يتعامل مع الله بحذر ليحاول إرضاءه ، فقد كان يري أن الله أصدر حكمه بسحق ايوب بالعاصفة وبالجروح " ذَاكَ الَّذِي يَسْحَقُنِي بِالْعَاصِفَةِ، وَيُكْثِرُ جُرُوحِي بِلاَ سَبَبٍ. (أي ٩ : ١٧) فمن هو أيوب ليظهر بره امام الله فما عليه إلا استرحام الرب الذي أدانه رغم بره " لأَنِّي وَإِنْ تَبَرَّرْتُ لاَ أُجَاوِبُ، بَلْ أَسْتَرْحِمُ دَيَّانِي. (أي ٩ : ١٥) فقد كان أيوب يعلم أن الله يسمع صوته وانينه وتأوهاته " لَوْ دَعَوْتُ فَاسْتَجَابَ لِي، لَمَا آمَنْتُ بِأَنَّهُ سَمِعَ صَوْتِي. (أي ٩ : ١٦) العجب العجاب أنه يوجد داخل أيوب الشيئ ونقيضه ، فهو يعلم أن الله يسمعه ولكن في ذات الوقت ينسب لله سحقه وجروحه ومرارة نفسه " لاَ يَدَعُنِي آخُذُ نَفَسِي، وَلكِنْ يُشْبِعُنِي مَرَائِرَ. (أي ٩ : ١٨) عدم فهم الحقائق الإجابية الثابتة في الله تجعل الإنسان ينسب لله إمورا لم يفعلها ، بكل تأكيد ما في قلب الله نحو أيوب كل سلام وخير ، ولكن لقلة المفاهيم الروحية عن الله ( الفهم المحدود عن المعاملات الإلهية ) جعل نسب الأحداث حلوها بمرها لله دون تفريق .
يعلم أيوب أنه مبرر أمام نفسه وبرغم كماله يشعر بأن الله يحاكمه " يَسْتَذْنِبُه " (أي ٩ : ٢٠) أحبائي إن المفاهيم المغلوطة والغير واضحة تزيد الإنسان مرارة داخلية ، فالشفاء النفسي يحتاج ليس فقط للمفاهيم وتوضيح الإمور لكنها تحتاج لخطوات عملية لتصحيح الأوضاع الذي يعمل بدوره علي تصحيح المفاهيم ، فبدون الفهم الصحيح سيدخل الإنسان الي مستوي كره النفس الذي في الاستسلام له يدفع الإنسان لفعل إمورا خطرة علي الحياة " كَامِلٌ أَنَا. لاَ أُبَالِي بِنَفْسِي. رَذَلْتُ حَيَاتِي. (أي ٩ : ٢١) لأجل ذلك لا تتسرع أخي الغالي بحكمك علي الإمور وعلي الأشخاص وعلي الله ، لأن في الحكم المتسرع يجعل عيونك مغلقة فلا تري الحق الواضح وضوح الشمس ، فلا تجد شفاء لك ، فلتهدأ لتري الحقائق واضحة وجلية فتشفي ، اقول لك لا تضيف علي نفسك ظلم فوق ظلم إبليس وأعوانه بأن تستمر في مفاهيم مغلوطة فتمرمر حياتك ، اصلي الي الرب أن يمنح شعبه نورا جديدا ليستطيع أن يسير في الحق بلا زيف.
-----------------------------------------------------------
الفصل السادس
معارضة أم تذمر
١ - عداوة الأيام :
يصف أيوب نفسه بعدة تشبيهات تعلن عن أي مدي وصل الي نفسيه محطمة من الداخل ، فالتجارب قاسية مهما كان مستواها ، فقد يجتاز الإنسان في تجربة بسيطة ونتائجها ضعيفة ، ولكن في عمقها تأثير نفسي مرير ، ولكن في أيوب لم تكون تجربته بيسطة فقد كانت معقدة وليس لها اي حلول من المنظور البشري ، لذلك وصف نفسه بعدة صفات تحتاج لنظرة " أَيَّامِي أَسْرَعُ مِنْ عَدَّاءٍ، تَفِرُّ وَلا تَرَى خَيْرًا. (أي ٩ : ٢٥) فقد رأي أيوب أن أيام أوجاعه أتت علي حياته بسرعة أسرع من الاعداء ، وكأن الأيام صارت عدوا له فلا يستطيع التعامل معها ونوال من خيراتها ، فقد كانت الأيام التي تمر تمنح له من خيراتها الكثير ، فقد كان الخير في جماله وغنمه وممتلكاته كل يوم في إزدياد ، ولكن قد صارت الأيام عدوا تفر من أمامه فلا تعطية كما في السابق ، فكم كان وجعه ؟ فالإتكال علي نمط حياة مستمر ، من أصعب الأشياء التي تسبب جروح ، فالأيام متقلبة وليس لها أمان ، فلا يجب أن نتكل عليها ولا علي محتوياتها ، فنحن لا نستطيع أن نمتلك ما نمتلكه ، لأن المالك الحقيقي هي الأيام ، التي يمكنها أن تأخذ منا كل شيئ في أي وقت ولكن بقوانين .
يوجد داخل الأيام التي في حياتنا أشخاص وأرواح ملائكية وشيطانية ، كما أن الله من العُلا يلاحظ ويأتي بالسندة والمعونة ، التدخلات الالهية في حياتنا تستخدم الأزمنة ( الأوقات والأيام والشهور والسنين ) كذلك إبليس يعمل من خلال الأزمنة الشيطانية التي يصنعها في حياتنا محاولا تطبيقها علي الأيام مستخدما إيانا والأخرين في ذلك ، فلا تتعجب عندما تجد شخصاً في يومٍ صنع معك شرا ، فهو ما إلا سحابة شيطانية دخلت علي حياتنا في زمن اختاره إبليس ووجد فرصة لذلك ، وهكذا نري أيضا أزمنة بركة علي حياتنا لسبب صناعتنا كمالا في أيامنا التي تمر علينا ، فحتي الأزمنة الشيطانية يحولها الله للخير ، فكما حول أزمنة يوسف الي ازمنة بركة وخير ورخاء وإستخدام إلهي سيصنع هذا مع كل إبنا صالحا مطيعا ، فالايام التي يصنعها البشر في جيلهم تسير نتائجها بحسب معطياتها - كأيام الطغاة " كَانَ فِي الأَرْضِ طُغَاةٌ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَبَعْدَ ذلِكَ أَيْضًا إِذْ دَخَلَ بَنُو اللهِ عَلَى بَنَاتِ النَّاسِ وَوَلَدْنَ لَهُمْ أَوْلاَدًا، هؤُلاَءِ هُمُ الْجَبَابِرَةُ الَّذِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ ذَوُو اسْمٍ. (تك ٦ : ٤) وهذه الايام تصنع في الأجواء الروحية أيام قضاء الهي لسبب شر الإنسان " وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ.فَقَالَ الرَّبُّ: "أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ، الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ". (تك٦: ٥، ٧) فقد تكون أنت رائع وجيد ولكن في جيلك يوجد من هو سيئ وشرير ، فتتألم وتُجرب بسببه ، ولكن تعويضات الله وتدخلاته قادرة علي رفعتك .
كان لأيوب في دائرة حياته أرواح تعمل جاهدة لإفساد حياته ، وأصدقاء ليسوا لهم الفهم الذي بحسب المشيئة ، فعندما تدخلوا في حياته مرروها وأتعبوها ، فقد شعر أيوب أن أيامه تمر كما يمر " سُفُنِ الْبَرْدِي " (أي ٩ : ٢٦) فهذا النوع من السفن خفيف لدرجة لا تشعر به عندما يمر فهو يمر وكأنه ينقض علي فريسة " كَنَسْرٍ يَنْقَضُّ إِلَى قَنَصِه " (أي ٩ : ٢٦) ما هذا الشعور إلا شعور بالغدر " غدر الأيام " فالأيام التي كانت مصدر راحته صارت مصدر الامه ، والتي كانت مصدر أمانه صارت مصدر دماره " يَا لَيْتَنِي كَمَا فِي الشُّهُورِ السَّالِفَةِ وَكَالأيَّامِ الَّتِي حَفِظَنِي الله فِيهَا، (أي ٢٩ : ٢) وبالرغم من غدر الأيام ينظر أيوب بعد طول مدة الامه فيقول " اَلإنْسَانُ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ، قَلِيلُ الأَيَّامِ وَشَبْعَانُ تَعَبًا. (أي ١٤ : ١) والسؤال هل يبقي الإنسان في مهب الريح مُستغلا من الظروف والأحداث ؟ أقول لا .. ففي وسط الايام يتعلم الإنسان حكمة وفهم " عِنْدَ الشَّيْبِ حِكْمَةٌ، وَطُولُ الأَيَّامِ فَهْمٌ. (أي ١٢ : ١٢) ليس هذا فقط ولكن بالتعلق بالرب يتمتع المؤمن بالنجاة والرعاية والتعويض " لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. ... منْ طُولِ الأَيَّامِ أُشْبِعُهُ، وَأُرِيهِ خَلاَصِي". (مز ٩١ : ١٤ - ١٦) فالقول لكل متعلق بالرب لا تخف لأن الرب سيحول الأيام لخيرك (مز ٢٣ : ٦) (مز ٣٤ : ١٢)
٢ - خطوات للعلاج :
يقف أيوب وسط تجربته معترضا علي وجودها بلا سبب مقنع وبلا سبب يعرفه ، فهو كباقي البشر حاول يتعامل مع نفسيته واحاسيسه الداخلية بنسيان ضيقته ، أي أن يتجاهلها رغم وجودها ، ولكنه كباقي البشر فأوجاعه تذكره دائما بكربه ، وعندما ينظر لحجم مشكلته لن يري لها شفاء " إِنْ قُلْتُ: أَنْسَى كُرْبَتِي، أُطْلِقُ وَجْهِي وَأَتَبَلَّجُ، أَخَافُ مِنْ كُلِّ أَوْجَاعِي عَالِمًا أَنَّكَ لا تُبَرِّئُنِي. (أي ٩ : ٢٧ ، ٢٨) فهنا لم يتذمر أيوب لكنه يعلن أن الامه الجسدية والنفسية تخيفه لأنها قاسية ، فالخوف هنا خوف طبيعي يحتاج له علاج وربما لم يكون في زمنه من يعالج النفسيات المجروحة ولم يتقدم الطب ليقدم مسكنات كما ينبغي للألام الجسدية ، والمقصود بقوله " عَالِمًا أَنَّكَ لا تُبَرِّئُنِي. " هنا يعلن أن حياته لن تكون خالية من الخطيئة في عيني الرب ، فهو يعلم جيدا أنه مهما كان كاملا فكماله كمال نسبي أمام قداسة الله وكماله .
أما عبارة " أُطْلِقُ وَجْهِي وَأَتَبَلَّجُ، " فبها يعلن أنه بسبب الامه كشف عن اسراره الداخلية الدفينه ، ويتبلج أي يضحك ويبتسم ليعلن تفائله أو ليمنح نفسه أمل في أنه لابد من فرج ، إنها مشاعر داخلية تتحرك في داخله تسبب له الام نفسية يحاول الخروج منها بإرادة ، فهو قد رأي أنه في نظر الله مذنب برغم كماله ، وأنه لن يتبرأ " أَنَا مُسْتَذْنَبٌ، فَلِمَاذَا أَتْعَبُ عَبَثًا؟ (أي ٩ : ٢٩) أي أنه وصل لمستوي الإستسلام للواقع ، فبسبب كلمات أصدقائه والنظر لألامه الجسدية والنفسية والخسائر التي خسرها ، ولا يوجد من يجاوبه ، فالصمت الإلهي في كل دقيقة يراه أيوب سنين كثيرة ، ولأنه لم يري سبب مقنع فمشاعره السلبية تتحرك بقوة الصارخ لا يستطيع إيقافها ، تحليلات ذهنية بضغوط نفسية تمنح مشاعر سلبية متجددة كل صباح .
الإحتياج الأساسي لدي أيوب يكمُن في سؤال يحتاج لإجابة لماذا كل هذا .. وماذا فعلت ليحدث لي ما حدث ؟ وحول هذا السؤال يدور حوار اصدقائه وتحاليلهم البعيدة عن فكر الله ، لذلك لا يجب الإنسياق وراء غير المتخصصين ، فعندما نواجه مشاكل وضيقات علينا فعل خطوات بسيطة جدا ليتوقف نزيف الفكر الساري كالشلالات في أعماقنا
١ - إعمل مسافة وقت بين الحدث والتفكير فيه من دقائق لساعات أو أيام حسب نوع الحدث ، لتستطيع التفكير الجيد بعيدا عن الضغوط النفسية
٢ - إغلق الطرق أمام بعض الأشخاص الغير متخصصين لئلا يدفعوك في طرق بعيدة عن الهدف الحقيقي والحل السليم ويطوقوك بالأحمال النفسية .
٣ - ابتعد عن هذه المصطلحات أن الله ينتقم - يجرب - يستذنب - لا يري - لن يُشفي - لأن مثل هذه الأقوال تغلق ابواب الأمل والرجاء .
٤ - ثق بأنه لا يوجد ضيق مدي الحياة سواء كنت أنت المتسبب فيه أو المحيطين بك أو إبليس ، فالمشاكل والضيقات لهما نهاية مهما طالت مدتهما .
٥ - جدول مشكلتك وضعها في أوراق وقسمها من الأهم الي المهم ومن السهل الي الصعب ، وإبدأ في علاج كل مشكلة مجدولة بحسب أهميتها ، ولا تيأس إن فشلت في حل شيئ ، فمجهودك المبذول يمنحك خبرة وفهما وحكمة ، فلكل بداية نهاية.
٦ - ثق في نفسك ثقة كاملة بأنك قادر علي عبور المحن والأزمات مهما كانت .
إن سرت علي هذا الخط فسيخف الحمل من علي كاهلك وستشبع بنتائج عملك وسيكلل مجهوداتك بالنجاح وستفرح " حَوَّلْتَ نَوْحِي إِلَى رَقْصٍ لِي. حَلَلْتَ مِسْحِي وَمَنْطَقْتَنِي فَرَحًا،لِكَيْ تَتَرَنَّمَ لَكَ رُوحِي وَلاَ تَسْكُتَ. يَا رَبُّ إِلهِي، إِلَى الأَبَدِ أَحْمَدُكَ. (مز٣٠: ١١-١٢) ثق في الهك .. لا تتزعزع .
٣ - مستذنب حتي وإن تطهرت بالأشنان :
اصعب شيئ في الوجود السير في الحياة حاملا الشعور بالذنب ، وإشارة الأخرين بإصبعهم أو بإيماءاتهم وكلماتهم الي انك السبب في جميع البلايا التي حدثت ، فقد كانت كلمات أصدقاء أيوب تشير أن ما حدث لسبب خطايا أيوب ، فدُفع ليقول " أَنَا مُسْتَذْنَبٌ، فَلِمَاذَا أَتْعَبُ عَبَثًا؟ (أي ٩ : ٢٩) فقد شعر أن الله يخطأه ويحمله نتيجة خطاياه فالله يراه مستذنب والأكثر من ذلك أنه مهما عمل فلن يراه الله نظيفا " وَلَوِ اغْتَسَلْتُ فِي الثَّلْجِ، وَنَظَّفْتُ يَدَيَّ بِالإِشْنَانِ، (أي ٩ : ٣٠) ولفهم الاية أضع الترجمة التفسيرية من كتاب الحياة " وَحَتَّى لَوِ اغْتَسَلْتُ بِالثَّلْجِ وَنَظَّفْتُ يَدَيَّ بِالْمُنَظِّفَاتِ، " هذا المستوي من التفكير مرفوض نهائيا فالله ليس هكذا ، فمن يأتي اليه مستذنبا ينظفه ويطهرهه وينقيه ويبرئه ، فهل الله يستذنب ويذيد علي كاهل المستذنب ذنبا ؟! هذا ما فكر به أيوب إذ قال " فَإِنَّكَ فِي النَّقْعِ تَغْمِسُنِي حَتَّى تَكْرَهَنِي ثِيَابِي. (أي ٩ : ٣١) ولفهم الاية بوضوح أكثر اليك الترجمة التفسيرية من كتاب الحياة " فَإِنَّكَ تَطْرَحُنِي فِي مُسْتَنْقَعٍ نَتِنٍ حَتَّى تَكْرَهَنِي ثِيَابِي " يالها من كلمات صعبه في فهمه عن الله ، فربما كان هذا الفهم هو الفهم المنتشر في ذلك الوقت .
تكلم الرب لبني آسرائيل علي فم ارميا بنفس فكرة أيوب " فَإِنَّكِ وَإِنِ اغْتَسَلْتِ بِنَطْرُونٍ، وَأَكْثَرْتِ لِنَفْسِكِ الأشْنَانَ، فَقَدْ نُقِشَ إِثْمُكِ أَمَامِي، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. (إر ٢ : ٢٢) فهنا ندرك أن خطايا الإنسان وإثمه موجودة أمام الرب كمستنقع ، فمحاولات الإنسان لتطهير نفسه بالمنظفات " الأشْنَانَ " لا تجدي نفعا لأن الرب يعود فيظهر خطاياه لأنه لم يأخذ الطريق الشرعي للتوبة والرجوع ، فالله في تعاملاته مع الإنسان يقوده الي الشفاء والبركة والتعويض ، فحتي وإن أخذ الظلم وقته ومجراه في الحياة فله نهاية وفي نهايته رؤية يد الرب واضحة وبقوة .
رأي أيوب أن الامه شديدة وتجربته قاسية وكلمات اصدقائه أعلنت أن تحربته ناتجة من ذنبه ، لذلك أدرك أن ذنبه قائم أمام الرب حتي وإن حاول أيوب الإغتسال والتطهير فسيعود الرب ويره مستنقعه ولطخات إثمه فيشعر بأن محاولاته للتطهير ذهبت سُدا وأنه تعب باطلا " فَلِمَاذَا أَتْعَبُ عَبَثًا؟ " إن المعاملات الإلهية لا تعمل بطرق الماء والصابون ولكنها تعمل من خلال طرق الله الخاصة المعلنة غي كلمة الله لمن يدركها ، أما من لا يعلمها فعليه اللجوء الي الرب للتدخل " فَأُقَدِّسُ اسْمِي الْعَظِيمَ الْمُنَجَّسَ فِي الأُمَمِ، الَّذِي نَجَّسْتُمُوهُ فِي وَسْطِهِمْ، فَتَعْلَمُ الأُمَمُ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، حِينَ أَتَقَدَّسُ فِيكُمْ قُدَّامَ أَعْيُنِهِمْ.وَأَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِرًا فَتُطَهَّرُونَ. مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَصْنَامِكُمْ أُطَهِّرُكُمْ. (حز٣٦: ٢٣، ٢٥) فهو ليس ماء من صنع الإنسان ذاته بل أنها كلمات تعبيرية للتدخل الإلهي ، فهو الوحيد الذي يعرف أن يطهرك وينقيك لأنه لا يريد أن يستذنب أحدا إلا من أصر علي التمسك بشره ، أما في حالة أيوب فهو لم يكن مذنبا وسيدرك هذا فيما بعد ، فمهما كانت المشاكل أخي الغالي إعلم أن الرب سيرفع عنك لأن محبته بلا حدود ولا تأخذ تتدني للشكل البشري والإنساني ، فهي محبة في المستوي الإلهي الغير متغيرة وثابته الي الأبد.
٤ - الفارق الكبير فجوة أم ...؟ :
فارق لا يجوز فيه المقارنات ، فالفارق كبير بين الخالق وخليقته ، فهو الله الخالق ونحن مخلوقاته ، فلا يصح أن نضع مقارنات " لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي ... " (أي ٩ : ٣٢) فحريته مطلقة تسير بمبادئ تليق بمجده ، وسلطانه مطلق يسير بقوانين الهية هو واضعها ويحترمها ، فهو إله منظم ومرتب ولا يسير إلا بمبادئه التي إن إحترمها أحد علا شأنه وإرتفع مقامه .
ما بين الخالق وخليقته فروق التصنيع ، فهو لم يُخلق أما نحن فمخلوقون ، وهو لن يُحكم عليه أما نحن فيوجد ما ومن يتحكم فينا فنحن بشر ، هذا الفارق يُحدث فجوة لمن لا يفهم ولكل بعيد عن الله ومبادئه ، فكلما إقتربنا من معرفته كلما إمتلئنا به وكلما زاد مفهومنا وتوسعت مداركنا ، وكلما ذابت هذه الفجوة ولن نشعر بها ، فمن المعاملات الإلهية أعطي الرب إمكانية إتحادنا به ووجوده فينا ، هذه لغو العهد الجديد " أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي. (يو ١٧ : ٢٣) ففكرة " لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، " تمنح زوال الفجوة بين الرب والمؤمنين وبين المؤمنين وبعضهم البعض ، فإقنوم الإبن بتجسده جاء ليزيل هذا الإحساس وهذا الشعور ويعطي حرية الإقتراب الي الله من خلال مبادئ الحق الإلهي " وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ". (يو ١٧ : ٢٦) هذا في العهد الجديد .
أما في العهد القديم فقد كان الله بنفسه يقترب من شعبه ويسكن في وسطهم " وَأَنْتَ الْقُدُّوسُ الْجَالِسُ بَيْنَ تَسْبِيحَاتِ إِسْرَائِيلَ. (مز ٢٢ : ٣) ووصل الأمر ليهتف المؤمن مخصص الله لنفسه فيقول " الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ.... أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي. (مز٢٣: ١، ٤) فالمبدأ الالهي في العهدين هو الإقتراب للنفس البشىية لإزالة أي إحساس يصنع فجوة ومسافة بين الخالق ومخلوقاته ، فهو يعتني ويهتم ويبارك ويرعي ويسند و..... الخ. وفي ذات الوقت هو القاضي العادل الذي لا يظلم أحدا .
شعر أيوب بهذه الفجوة فقال " لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ، فَنَأْتِي جَمِيعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ. (أي ٩ : ٣٢) يرجع هذا لإحساسه بالظلم بفقدانه كل شيئ، وإيمانه بأن الله هو الفاعل جعل للفجوة وجود لدرجة أنه تمني أن يكون الله إنسانا فيعاتبه ويحاكمه ويأتي بوسيط يصالحهم " لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا. (أي ٩ : ٣٣) فمن يساوي الله ليضع يده بينهما ، الشعور بالفجوة يجعل الأذن لا تسمع الله والعقل لا يُدرك وجوده ، فحتي إن تكلم فلن يُسمع ، هنا يحتاج الإنسان الي الهدوء والسكينة برغم شدة الالم وقساوة التجربة .
عندما يدخل المؤمن في ضيق وألم وتجارب يحتاج للجوء الي مبادئ الله ليحتمي بها فيتمتع بدفئها فيقول " اَللهُ لَنَا مَلْجَأٌ وَقُوَّةٌ. عَوْنًا فِي الضِّيْقَاتِ وُجِدَ شَدِيدًا " وبالتالي إن تزحزحت الارض وانقلبت الحبال في قلب البحار لا يخاف المؤمن فسيظل عند الربرجاء و " نَهْرٌ سَوَاقِيهِ تُفَرِّحُ مَدِينَةَ الله " وسيظل الله في وسط شعبه " الله فِي وَسَطِهَا فَلَنْ تَتَزَعْزَعَ. يُعِينُهَا الله عِنْدَ إِقْبَالِ الصُّبْحِ " سيظل المؤمن الذي لا يشعر بالفجوة يغني فيقول " رَبُّ الْجُنُودِ مَعَنَا. مَلْجَأُنَا إِلهُ يَعْقُوبَ. (مز٤٦: ١-٧) الفجوة موجودة لكنها غير مفعلة في الذات الالهية ( لا يهتم الله بتفعيلها ) بل يقترب تجاه الإنسان بكل قوته الالهية ليفعل الاتحاد والوحدة والترابط ، ولكن في مصلحة إبليس تفعيل هذه الفجوة في داخل البشر ، فيأتي بمبدأ أن الله أكبر والإنسان في اسفل ال..... فيدخل الإنسان في دائرة البعد عن الله والشعور بأن الله تركه " وَقَالَتْ صِهْيَوْنُ: "قَدْ تَرَكَنِي الرَّبُّ، وَسَيِّدِي نَسِيَنِي". (إش ٤٩ : ١٤) ولكن هل هكذا ؟ بكل تأكيد لا ، فالربيجيب فيقول " "هَلْ تَنْسَى الْمَرْأَةُ رَضِيعَهَا فَلاَ تَرْحَمَ ابْنَ بَطْنِهَا؟ حَتَّى هؤُلاَءِ يَنْسَيْنَ، وَأَنَا لاَ أَنْسَاكِ.هُوَذَا عَلَى كَفَّيَّ نَقَشْتُكِ. أَسْوَارُكِ أَمَامِي دَائِمًا. (إش٤٩: ١٥-١٦) والسؤال ..اين الفجوة ... ؟ اترك الإجابة للقارئ العزيز .
٥ - الصورة غير مكتملة :
يصير من الصعب جدا أن يبدأ الإنسان بالحديث معبرا عن احاسيسه والصورة غير مكتملة ، ففي وسط الاحتياج والألم وجهل معرفة مصدر الوجع ، لن يتبقي أمام الإنسان إلا الله فينسب اليه كل تجاربه ومشاكله ، في حين أن الله بريئ من كل ما حدث لأيوب ، فالله لم يظلمه ولم يعطي حق لإبليس ليس له ، فالمشتكي إبليس يشتكي لله القاضي ومعه دليل إدانة ، هذا الدليل قد يكون فعل حقيقي وقد يكون تصرف روحي غير سوي ، بمعني أن أيوب لم يخطيئ ولم يذكر له الكتاب خطية فعليه أعطت لإبليس الفرصة " هذا ليس معناه ان أيوب كالمسيح بلا خطية فهو إنسان " ولذلك نري الفرصة الوحيدة لإبليس وجدها في أحلام وتعبيرات أيوب نحو رعبه ومخاوفه من فقدان ممتلكاته وضياع أولاده ، هذه الفرصة أعطت دليل مرفق بالشكاية الي الله تجاه أيوب فنال إبليس حق التجربة ، فما حدث لأيوب من تجارب صورة لم تكتمل عن من هو المتسبب ، فلم يذهب عقله بعيدا عن الله كما لم يذهب عقل اصدقاءه بأن خطيته أعطت لله فرصة ليجرب أيوب لذلك قال " لِيَرْفَعْ عَنِّي عَصَاهُ وَلا يَبْغَتْنِي رُعْبُهُ.إِذًا أَتَكَلَّمُ وَلا أَخَافُهُ، لأَنِّي لَسْتُ هكَذَا عِنْدَ نَفْسِي. (أي٩: ٣٤-٣٥) ولكي تكون الأية واضحة اقرأ معي ما كتب في الترجمة التفسيرية كتاب الحياة " لِيَكُفَّ عَنِّي عَصَاهُ فَلا يُرَوِّعَنِي رُعْبُهُ، عِنْدَئِذٍ أَتَكَلَّمُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَخْشَاهُ، لأنَّ نَفْسِي بَرِيئَةٌ مِمَّا أُتَّهَمُ بِهِ. " فعل أيوب كما تملم اصدقاءه فقد نسبوا التجربة لله ونسبوا لأيوب خطيه لذلك جربه الله ، واختلف معهم ايوب مدافعا أنه لم يفعل شيئ يستحق كل هذا .
حقيقي لم يفعل شيئ يستحق كل هذا ولكن لعدم وضوح الصورة ومعرفة القوانين الروحية لم يُدرك الأبعاد التي تحركت في عالم الروح دون دراية منه ، فسجود الملائكة أمام الله ودخول إبليس وسطهم أمر في عالم الروح ، شكاية إبليس ونوال حق التجربة أمر في عالم الروح ، خوف أيوب ورعبه دون العدول عنهما أمر في عالم الروح يمس عالم الجسد ، ولذلك وجد ابليس فرصته ليتحرك بقوته ليدمر علي قدر المستطاع ، فعدم وضوح الصورة كاملة تجعل الإنسان يتفوه بكلمات في شكلها تعدي علي الخالق ولكن في واقعها وصف للحالة النفسية المريرة ووصف لمستوي التفكير الذهني عن الله في ذلك الوقت .
الطبيعة البشرية تتحرك دائما في مناصفة الحوار ونصف الحقيقة وتصدر أحكاما قبل ان تتضح الرؤيا كاملة ، فعندما تستمع لمتكلم ثم تقاطعه فلن تتضح لك الصورة كاملة ولأنك موجوع ستتصرف بحسب المفهوم الذي سمعت نصف حقيقته ، وبالتالي ستدخل لمنطقة مختلفة بعيدا عن منطقة الاخرين ، ويبدأ الإتهامات بأنهم تركوك ، ولم يعطوا لك الحقوق ، وأنهم استغلاليين ويهدفون لمصلحتهم ، في حين أنك إن استمعت جيدا ستفهم فهما صحيحا وستتضح الصورة أمامك كاملة وستقف مع المختلف معك في نفس الأرضية ، هذا إذا كان لك هدف الصالح العام وليس المصلحة الشخصية فقط ، هكذا يكون الحال في مستويات تفكيرنا ، فيجب علينا الفهم قبل أن نتفوه بكلمات ونأخذ قرارات قد نندم عليها فيما بعد ، لذلك كن مستمع جيد ولا تتسرع في قراراتك وأحكامك ، وإعلم أن الرب يحبك ويعمل لخيرك مهما كانت الظروف ومهما تحرك إبليس نحو حياتك فإله التعويض والسندات موجود وهو برفقتك حتي وإن لم تشعر به .
٦ - المجد قائم الي الأبد :
توجد أسئله يسألها الإنسان كما سأل أيوب أسئلة لم يجد لها إيجابة إلا بعد زوال التحربة ، هذا لأن الفجوة الفكرية بين الله والإنسان ليس لها حدود ، فان سأل الله سؤالا من الف لا يستطيع الإنسان أن يحيبه ، فعقل الإنسان محدود ، الله شديد القوه والقدره ومن يعانده لا يسلم ، فهو المزحزح الجبال والمتحكم في الشمس والنجوم والسماوات والبحار فهو الفاعل عظائم وعجائب ، إن قدره الله الغير محدود قادره أن تتعامل مع الإنسان وتعالج نفسيته وتصنع إمورنا من حوله ، وفي ذات الوقت قد لا يشعر الإنسان بوجود والله ، لانه في أوقات كثيره يمر الله بجانب الانسان ويتعامل معه ولا يشعر به ، فمهما كانت مشاكلك وأوجاعك وأتعابك ثق أن يد الله موجوده لرفعتك ويستطيع كل شيء ، فأعظم دول العالم كرهب " مصر " في ذات الوقت أيام أيوب لا تستطيع ان تقف أمام الله .
ليعلم القارئ العزيز أن مجد الله علي حياته موجود في الطبيعه التي يتعامل معها كل يوم دون بذل مجهود ويستمتع بخيراتها ، فعلي سبيل المثال انه من الطبيعي أن تري مجد الرب إثناء العبادة " وَدَخَلَ مُوسَى وَهَارُونُ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، ثُمَّ خَرَجَا وَبَارَكَا الشَّعْبَ، فَتَرَاءَى مَجْدُ الرَّبِّ لِكُلِّ الشَّعْب (لا ٩ : ٢٣) الطبيعي هو مجد الله والغير طبيعي هو الالم والتعب والمرار والضيق ، ولذلك عندما يتدخل العدو إبليس أو أحد اعوانه من البشر لأذيتك فتصرخ الى الرب مستنجدا ، يبدا الله بالتدخل ويشعرك بمجد افضل من المجد الطبيعي الموجود في الطبيعة وفي حياتك ، فليس هذا معناه أن الله ينتظر الامك وأتعابك ليتمجد ، فهو لا ياتي لك بالألم ليتمجد ، فالله ممجد في كل الأحول ولا ينتظر أن تتالم ليتدخل بمجد مضاعف ليشعرك بمجده ، الحقيقه أنك في وقت الالم والضيق تحتاج الى جرعه مضاعفة من الرعايه والسندة والمعونه والتدخلات الإلهية فتشعر بمجد الله في حياتك بطريقة مختلفة " قُومِي اسْتَنِيرِي لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ نُورُكِ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ عَلَيْكِ. (إش ٦٠ : ١) فعدم الشعور بالمجد هو الوجود في دوائر نفسية أو اجتماعية مظلمة فمع الإستنارة الشعور بالمجد ، فمجد الله لم يبتعد بل أنت الذي تلامست بطريقة مختلفة مع هذا المجد من خلال استجاباتك لنور الحق ولتدخلات الله لرفعتك .
الله لم يسحق أيوب بالعاصفه كما كان يشعر ، ولم يكثِر له جروحه ولم يشبعه مرائر كما يدعي ، فقد كان مجد الرب على حياه ايوب ظاهر في الخيرات والسياج الإلهي ، فقد حاول إبليس الدخول مرارا وتكرارا ليزيل هذا المجد من حياة أيوب ولكنه فشل ، وعندما تملك فرصه ليدخل على حياه ايوب ذاق أيوب مراره التجربه ومراره الحياه ، وياتي السؤال هل تركه الله ؟ كلا .. لم يتركه الله ، فهو موجود حتى لو لم يشعر ايوب به ، فالتحركات الشيطانيه موجوده والتحركات الالهيه موجوده ، يبقى شيئا واحدا وهو استجابه الانسان ، فإن إتجه نحو التجربه وصب نفسيته فيها فسيشعر بالألام مضاعفة ، وإن إستحاب للتدخلات الالهية والثقه في الله سيتمتع بالرعاية الكاملة والشفاء وسيشعر بالمجد الالهي كما في السابق ، فالطبيعي هو المجد الالهي هنا في هذا العالم وفي الأبدية أيضا " وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ. (2كو ٣ : ١٨) فإن لم تشعر بمجد الرب يوما فيمكنك الإسراع بالرجوع لحضنه لأن مجده من أجلك قائم وثابت إلي الأبد.
-----------------------------------------------------------
الفصل السابع
التعبير النفسي والموقف الإلهي
١ ـ حق أم تعدي
من حق كل إنسان التعبير عن مكنونات قلبه وهواجس نفسه لاي من كان ، ولكن بدون التعدي والأهانة يمكنك مواجهة الظالم بظلمه والمعتدي بتعديه بحسب منظورك مع إعطاء حق الرد والدفاع وتكون مستمع جيد لمن وجهت له إتهامات ، ويجب عدم التمسك بفكرك وبالأخص عند عدم إمتلاك دلائل واضحة مع التأكد من عدم لبس المواضيع وقراءة الأحداث بالخطأ ، فعليك العمل علي الحق في كل الأحوال ، لأن في عدم أستماعك الجيد وتشبسك برأيك دون وضع إحتمالية الحق للاخر فقد تسير في الظلم وأنت لا تدري .
يجب مراعاة وتقدير الطرف الأخر المعتدي بأنه إنسان ويحتاج لفرص للدفاع او الإعتزار والتأسف ، وبحسب واقع الحدث أو الموقف عليك تقييم ابعاد التعامل من جديد أو إتخاذ قرار الإبتعاد ولكن بكل وضوح وشفافية وبكرامة ، فيوجد أشخاص شعروا بالظلم ولم يستطيعوا تبرئة الأخر داخليا وقرروا الإنفصال ، فلا يجب الإنفصال بتقديم كلمات مسيئة للأخر تعبر عن مرارة النفس ، بل وجه للأخر وبكل الإحترام أنك لن تستطيع التواصل والتعامل معه بعد الأن موضحا له أن لا مجال للخصام بينكما ، فتفعلان كما فعل أبونا إبراهيم ولوط " فَقَالَ أَبْرَامُ لِلُوطٍ: "لاَ تَكُنْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ رُعَاتِي وَرُعَاتِكَ، لأَنَّنَا نَحْنُ أَخَوَانِ.أَلَيْسَتْ كُلُّ الأَرْضِ أَمَامَكَ؟ اعْتَزِلْ عَنِّي. إِنْ ذَهَبْتَ شِمَالا فَأَنَا يَمِينًا، وَإِنْ يَمِينًا فَأَنَا شِمَالا".(تك١٣: ٨-٩) هذا هو الواقع الذي يجب أن يكون ، فبعد إنفصالهما دخل لوط في أزمة وسبي ، فتدخل أبونا إبراهيم لتحرير لوط من الأسر " فَلَمَّا سَمِعَ أَبْرَامُ، أَنَّ أَخَاهُ سُبِيَ جَرَّ غِلْمَانَهُ الْمُتَمَرِّنِينَ، وِلْدَانَ بَيْتِهِ، ثَلاَثَ مِئَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَتَبِعَهُمْ إِلَى دَانَ.وَاسْتَرْجَعَ كُلَّ الأَمْلاَكِ، وَاسْتَرْجَعَ لُوطاً أَخَاهُ أَيْضًا وَأَمْلاَكَهُ، وَالنِّسَاءَ أَيْضًا وَالشَّعْبَ. (تك١٤: ١٤، ١٦) فهل تستطيع أن تجند كل إمكانياتك من أجل إسترجاع أخيك من سبيه الفكري والنفسي بالرغم من الإمور الحادثة من قبل ؟.
يحتاج الإنسان دائما للتعبير عن مكنونات نفسه ، فهل من حقه أن يعبر عنها حتي وإن كانت مكنونات بأفكار تمس الله ؟ يراها البعض تعدي علي الخالق فلا يصح التفكير فيها أو النطق بها ، ويري البعض أنه من حق الإنسان التعبير بكل مكنوناته الكامنة داخله سواء كانت عن الله او عن أي من كان .
عبر أيوب لله عن مكنونات نفسه الداخلية وعن مقدار المرارة التي يعاني منها لدرجة أن نفسه كرهت الحياة ، فالأحداث الحادثة له بهذه الطريقة الغير مفهومة له دفعته ليعبر تعبيرات في شكلها قاسية وغير مقبولة وفي مضمونها عميق جدا وفي واقعها الروحي خارج نطاق الخدمة ، فقد قال " قَدْ كَرِهَتْ نَفْسِي حَيَاتِي. أُسَيِّبُ شَكْوَايَ. أَتَكَلَّمُ فِي مَرَارَةِ نَفْسِي (أي ١٠ : ١) ومن هنا مفتاح كل كلمة سلبية تكمن عندما الإنسان يكره الحياة ، فما بين محبة الحياة وكرهها أحاسيس ومشاعر ، فمحبة الحياة عندما ترتبط بالممتلكات والتواجد الإجتماعي فستكون حياة في مهب الريح ، فبزوال ما تمتلكه تتبدل المشاعر من محبة الحياة الي كرهها ، فكل من هو متكل علي ما بين يديه من وظيفة او عقارات أو مال ، فسيكون عرضة للإنهيارات النفسية ، فالتعلق بالأشياء من أخطر الفرص الروحية التي تمنح إبليس فرصة علي طبق من ذهب ليجرب عندما تسنح له ولو فرصة واحدة .
٢ - دوافع كره الحياة
دوافع كره الحياة ينبع من ثلاثة مصادر
- خسارة العشم الزائد في الدنيا
- سقوط الثقة الزائدة في النفس
- أحاسيس الذل والمهانة
فجميعها إذا تجمعت في شخص افقدته طعم الحياة ، وهذه تُصير الإنسان في حالة من الإكتئاب الحاد ، الذي عند التعبير به يحتد في مراحل العلاج النفسي والفكري عندما يجد من يسمعه ويكون داخل مشيئة الله يتفزة بكلمات موجعة ، الي أن يجد إجابة لكل سؤال ولكل حيرة قلب ، ولكن للأسف وجد أيوب أصدقاء كاسرين دوائر المشيئة الإلهية في حياتهم من خلال الأفكار المغلوطة عن الله ، لذلك في النهاية وبخهم الله علي فكرهم واقوالهم " وَكَانَ بَعْدَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ مَعَ أَيُّوبَ بِهذَا الْكَلاَمِ، أَنَّ الرَّبَّ قَالَ لأَلِيفَازَ التَّيْمَانِيِّ: "قَدِ احْتَمَى غَضَبِي عَلَيْكَ وَعَلَى كِلاَ صَاحِبَيْكَ، لأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ. (أي ٤٢ : ٧) (أي ٤٢ : ٨) لم يجد أيوب من يفرمل لسان أصدقائه ، فتحرك الرب بنفسه ليوقف كل استنزاف فكري ونفسي من خلال الأخرين ، هنا نستطيع أن ندرك ونتلامس الرعاية الإلهية لكل مؤمن تقي ، فبرغم التدخلات الشيطانية نجد يد الرب القديرة تتحرك لإنقاذ ما تبقي من ايوب والعمل علي تعويضه .
العشم هو :
الرغبة أو الأمل في حدوث شيء
a desire or hope for something to happen.
فالعشم له دور فعال في دائرة النفس ، فالأمل والرجاء في الغير في وقت سقوطه يدمر كلما كانت درجة العشم عالية ، فقد كان المنتظر من أصدقاء أيوب والمتوقع غير الذي صدر منهم ، فهنا الصدمة أن تنتظر شيئ ويحدث عكسه ، لذلك اعطي للعشم درجة الصفر zero كي لا تصدم .
الثقة الزائدة : overconfidence
وتترجم أيضا ثقة عمياء ، فلا يجب تسليم النفس للمحيطين بنا ، فالثقة الزائدة تُحدث صدمات عندما تختل عجلة التوازن النفسي لطرف من الأطراف ، لذلك لا يجب أن نضع الثقة الزائدة في نطاق حياتنا ، فالثقة لابد أن تكون مشروطة ومراقبة بالإلتزام ، فعندما يدخل الإهمال وعدم الإكتراث بنا لابد من إعادة النظر في دوائر هذه الثقة .
الأحاسيس : Sensations
دائما الأحاسيس يجب مراجعتها وعدم الإتكال عليها ويجب التحكم فيها ،فالذي يستجيب لأحاسيسه سيدمر نفسه وبالاخص الأحاسيس السلبية ، فقد يتكلم أو يفعل معك شخص أمرا بطريقة مهينة دون أن تفعل له شيئا ، فهذا يُحدث داخلك احاسيس بالاهانة أو الذل وتتحرك مشاعر الغضب ، ففي وقتها لن تتحكم في تصرفاتك وردة فعلك ، فمشاعرك هي مشاعرك أنت ، وتصرفك وردة فعلك هي تصرفاتك أنت ، وأنت وحدك المسئول عنهما ، ولذلك كلما تحكمت في ذاتك كلما صرت حكيما ولن ينتابك الشعور بالندم عن تصرف في وقت مشاعر غضب وهياج فكري .
فمن حقك التعبير عن نفسك والتكلم بما يدور داخلك ولكن بعيدا عن نطاق البشر المحيطين بك ، ففي صلاتك عبر وفي مجالس المشورة مع من لا تعرفهم عبر ، كالدكتور او المشير المتخصص ، اما في غير ذلك أنصحك ان لا تعبر بكلمات سلبية عن نفسك وعن مشاعرك ، فإن لم يكون متخصص ومشهود له فلا تتحدث ، تكلم أيوب لله عن مكنونات قلبه " قَائِلا للهِ: لا تَسْتَذْنِبْنِي. فَهِّمْنِي لِمَاذَا تُخَاصِمُنِي! (أي ١٠ : ٢) ولذلك وجد من يسنده ويستجيب لأقوال فمه ، وجد القدير الذي خلقه وجبله مسمدا إياه ورافعا ، فهو الوحيد القادر علي الإنصاف.
٣ - ما بين التعبيرات والظلم
يري البعض أن التعبيرات النفسية تدخل في نطاقة التعدي علي الأخر ولا سيما عندما يكون هذا الأخر مديرا أو مسئولا أو خالقا ، فعندما يشعر المُعبر بالظلم أو إهدار حقوقه فبكل تأكيد سيتفوه بكلمات تضع الأخر في موقف محرج ، فهل هذا يُمكن أن يحدث مع الله ؟ هل تعبيراتنا النفسية الموجهه لله تفتح علينا أبواب جهنم أم يقدرها الله فيصحح مفاهيمنا ؟ فعلي سبيل المثال تكلم أيوب مع الله عن مكنونات نفسه بكلمات قاسية " أَحَسَنٌ عِنْدَكَ أَنْ تَظْلِمَ، أَنْ تُرْذِلَ عَمَلَ يَدَيْكَ، وَتُشْرِقَ عَلَى مَشُورَةِ الأَشْرَارِ؟ (أي ١٠ : ٣) فهل حقا يوجد في الله ظُلم ؟ حاشا والف حاشا ، فالله عادل الي الأبد ، الله يتعامل مع الأتقياء ولن يقسي عليهم فيظلمهم ، ولن يتعامل مع الأشرار بنوره مكافئا ويفتح أبوابه فيباركهم ، إن الله في عدله يُحب الجميع وفي أحكامه يحكم علي الشر وليس علي الشرير ، ولأن الشرير ملتصق بالشر فينال الحكم ويشعر به ، هذا كالمريض الذي التصقت به الميكروبات او البكتريا ، فيكتب الدكتور أدوية وحقن يتناولها المريض ، فالمقصود من الأدوية قتل المرض وليس المريض ولكن في أوقات كثيرة لسبب إهمال المريض لنصائح الدكتور يصل للموت برغم وجود الأدوية ، هكذا في التعاملات الإلهية يحدث أن الله يستخدم الظروف والأحداث ( بعد حدوثها ) ليمنح الشرير فرص التوبة والرجوع ولسبب عدم نزاهة الشرير يموت بشره تحت حُكم القضاء الإلهي ،
أيوب شعر أن الله حكم عليه بالذنب ( أنه مذنب - مخطيئ ) ولذلك حكم عليه بالمرار والمرض والخسارة من كل جانب ، ولأن أيوب في قرارة نفسه يري أنه بار ولا يستحق هذا ، إذا فقد ظلمه الله " أَحَسَنٌ عِنْدَكَ أَنْ تَظْلِمَ، أَنْ تُرْذِلَ عَمَلَ يَدَيْكَ، " في حين أن سبب حدوث أحداث أيوب هما إثنان إبليس وأيوب ! فإبليس متربص وأيوب متخوف ومرتعب ( أي ١ : ١ - ٥ ، اي 3 : 25 ) وبالتالي كان الله بالنسبة لهما القاضي الذي يمنح الحقوق لمن له حق ، فإبليس المشتكي وضع شكاية صحيحة الأركان ، والله كالقاضي حكم حُكما عادلا فجُرب أيوب ، ويأتي السؤال : هل تركه الله ؟ كلا .. هل جربه الله ؟ كلا ... هل ظلمه الله ؟ حاشا ... فلماذا الكلمات القاسية التي تكلم بها أيوب مع الله ؟ إنها تعبيرات نفسية كأسئلة داخل أيوب وليس تذمرا وهنا الفرق .
عندما تكون التعبيرات النفسية أسئلة داخل النفس فمن حق المعبر التعبير بالطريقة التي تريح نفسه مع مراعاة الإلتزام بالموضوعية ، بمعني أنه لا يجب التحدث بطريقة غير لائقة ولا ينبغي التمسك بإقتناعاتك ، فقد تكون قناعاتك مخطئة وغير صائبة ، فقد تحمل أيوب علي الله بأفكار وقناعات خاطئة تحتاج لتصحيح ، ولذلك تعامل الله معه واضعا في الإعتبار ان في داخله أسئلة تحتاج لإيجابة " أَلَكَ عَيْنَا بَشَرٍ، أَمْ كَنَظَرِ الإِنْسَانِ تَنْظُرُ؟ (أي ١٠ : ٤) إنها اسئلة في شكلها تعدي وفي عمقها مكنونات نفسية وتعبيرات ناتجة من عدم فهم طبيعة الله في حياة أيوب " أَأَيَّامُكَ كَأَيَّامِ الإنْسَانِ، أَمْ سِنُوكَ كَأَيَّامِ الرَّجُلِ حَتَّى تَبْحَثَ عَنْ إِثْمِي وَتُفَتِّشَ عَلَى خَطِيَّتِي؟ (أي ١٠ : ٥ ، ٦) فالفهم عن الله محدود ولذلك مضمون تسائله ، أنك يا الله أكبر من أن تعاملني هكذا بحسب إثمي أو ذنبي إذا وُجد ، فأنت تعرف أن ليس لي ذنبا وأنا لست في قوتك ولست حٍمل يدك " فِي عِلْمِكَ أَنِّي لَسْتُ مُذْنِبًا، وَلا مُنْقِذَ مِنْ يَدِكَ. (أي ١٠ : ٧) فالحيرة التي بداخل أيوب تُكشف من كلماته واسئلته ، فكيف يكون الله الذي صنعني امس ويريد أن يبتلعني اليوم ؟! " يدَاكَ كَوَّنَتَانِي وَصَنَعَتَانِي كُلِّي جَمِيعًا، أَفَتَبْتَلِعُنِي؟ (أي ١٠ : ٨) بكل تأكيد حاشا لله .. وبكل تأكيد لم يقصد أيوب أن الله هكذا ، ولكنه كان يُعبر عن مقدار المرارة الداخلية .
كان يعلم أيوب أن الله هو الخالق وقادر علي اعادة أيوب كالسابق وأفضل " كَسَوْتَنِي جِلْدًا وَلَحْمًا، فَنَسَجْتَنِي بِعِظَامٍ وَعَصَبٍ. مَنَحْتَنِي حَيَاةً وَرَحْمَةً، وَحَفِظَتْ عِنَايَتُكَ رُوحِي. (أي١٠: ١١-١٢) فكل أسئلة أيوب ما هي إلا مكنونات نفسية لابد من إخراجها والتعبير عنها فقد يجد يوما ردا وإجابة ، هذا ليس تصريحا لشعب الرب ليفعلوا كما فعل أيوب ولكننا نسرده الأن لنعلم بأن ألله في تعاملاته ينظر جيدا للواقع الروحي والمادي والنفسي ويعرف جيدا التقييم الواحب وجوبه لكل نفس في ضيقة أو في الام ، حتي في أصعب الظروف يعرف الرب كيف يتعامل فحساباته تختلف عن حسباتنا ، فقد كان الشعب في ضيقة فارسل لهم موسي ليحررهم وفي ذات الوقت يلقن المصريين درسا ليعرفوا البه البي يجهلونه " فَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ حِينَ أَتَمَجَّدُ بِفِرْعَوْنَ وَمَرْكَبَاتِهِ وَفُرْسَانِهِ". (خر ١٤ : ١٨) هنا لم يتعامل الله بقسوة مع فرعون ولكنه تعامل بقسوة مع العناد فنال فرعون نصيبا منها ، هكذا يجب علينا قرأة الأبعاد الروحية لكل موقف لنستطيع أن نشفى داخليا من مكنونات نفسية دفينة تحتاج للتصحيح وإيحابة لكل سؤال فيها .
٤ - ما بين الإمتحان والتجربة
معرفة أيوب بأن الله هو الخالق وانه معطي الحياة والرحمة والعناية " أَلَمْ تَصُبَّنِي كَاللَّبَنِ، وَخَثَّرْتَنِي كَالْجُبْنِ؟كَسَوْتَنِي جِلْدًا وَلَحْمًا، فَنَسَجْتَنِي بِعِظَامٍ وَعَصَبٍ.مَنَحْتَنِي حَيَاةً وَرَحْمَةً، وَحَفِظَتْ عِنَايَتُكَ رُوحِي. (أي١٠: ١٠-١٢) هذا الفكر يمنحه أمل بل ويزيده رجاء ، ولكنه تفوه بهذه الكلمات لأنها نابعة من الامه وضيقته ، إنها إعلان حق ولكن يحتاج الي من يُكمل الفكر بصلاح الله ، فجميع التجارب والمصائب لم يفعلها الله ولم ولن يكون يوما سبب الام لأحد ، فالالام مصدرها ابليس والبشر وأنا " وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِهِ. (يع ١ : ١٤) فالرب لا يُجرب أحدا علي الإطلاق ، ولكنه يمتحن ويحول التجربة لمستوي إمتحان لينال المؤمن تذكية " لا يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: "إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ الله"، لأنَّ الله غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لا يُجَرِّبُ أَحَدًا. (يع ١ : ١٣) فالتجربة تكون بدايتها خطأ روحي في حياة الإنسان يتخلله شكاية من إبليس ثم يتبعه حُكم قضائي من الله ، فمن هنا يبدأ الإنسان الشعور بأن الله هو المجرب لسبب حُكم القضاء الإلهي ، ولكن الحقيقة بدأت من الخطأ الروحي .
في العهد القديم توجد تصريحات وأيات واضحة بأن الله هو المُجرب ، فعلي سبيل المثال " وَتَتَذَكَّرُ كُلَّ الطَّرِيقِ الَّتِي فِيهَا سَارَ بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هذِهِ الأرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْقَفْرِ، لِكَيْ يُذِلَّكَ وَيُجَرِّبَكَ لِيَعْرِفَ مَا فِي قَلْبِكَ: أَتَحْفَظُ وَصَايَاهُ أَمْ لا ؟ (تث ٨ : ٢) ااا (تث ٨ : ١٦) (2أخ ٣٢ : ٣١) يا إلهي .. ! يتعمد الرب بسير الشعب في طريق طويل ويُغمض عينيهم عن الطريق السهل المختصر فيسير بهم أربعون سنة بمشاهر ذل وحياة التجربة ليمتحن قلبهم ، كيف هذا ومنذ قليل عرفنا أن الله صالح يصنع للخير وهو لا يُجرب أحدا ؟ وللإيجابة علينا معرفة أن الشعب خارج من مصر بثقافة غريبة ، فيوجد فيهم ميول روحي لعبادة الأصنام وقد فعلوا " زَاغُوا سَرِيعًا عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أَوْصَيْتُهُمْ بِهِ. صَنَعُوا لَهُمْ عِجْلا مَسْبُوكًا، وَسَجَدُوا لَهُ وَذَبَحُوا لَهُ وَقَالُوا: هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ". (خر ٣٢ : ٨) (خر ٣٢ : ١٩) (خر ٣٢ : ٢٠) هنا يبدأ الحكم القصائي الذي يحتوي علي الذل والتجربة " فَضَرَبَ الرَّبُّ الشَّعْبَ، لأَنَّهُمْ صَنَعُوا الْعِجْلَ الَّذِي صَنَعَهُ هَارُونُ. (خر ٣٢ : ٣٥) فكان لابد من السير بالشعب في الطريق الطويل ليتعامل معهم في إخراج كل ثقافة غريبة ليدخلوا أرض الموعد بالثقافة الإلهية الجديدة .
فالذل والإزلال كان شعور سلبي وُجد لسبب حياة التذمر والتمرد وهذا حدث (خر ١٥ : ٢٤) (خر ١٦ : ٢) (خر ١٦ : ٧) (خر ١٦ : ٨) (خر ١٦ : ٩) (خر ١٦ : ١٢) (خر ١٧ : ٣) (عد ١٤ : ٢) "حَتَّى مَتَى أَغْفِرُ لِهذِهِ الْجَمَاعَةِ الشِّرِّيرَةِ الْمُتَذَمِّرَةِ عَلَيَّ؟ قَدْ سَمِعْتُ تَذَمُّرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي يَتَذَمَّرُونَهُ عَلَيَّ. (عد ١٤ : ٢٧) " فِي هذَا الْقَفْرِ تَسْقُطُ جُثَثُكُمْ، جَمِيعُ الْمَعْدُودِينَ مِنْكُمْ حَسَبَ عَدَدِكُمْ مِنِ ابْنِ عِشْرِينَ سَنَةً فَصَاعِدًا الَّذِينَ تَذَمَّرُوا عَلَيَّ. (عد ١٤ : ٢٩) (عد ١٦ : ١١) (عد ١٦ : ٤١) فالرب لم يجرب شعب اسرائيل بل هم جربوا لسبب الثقافة الغريبة وحياة التذمر وتصلب الرقبة ( الدماغ النشفة ) " وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: "رَأَيْتُ هذَا الشَّعْبَ وَإِذَا هُوَ شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةِ.(خر ٣٢ : ٩)(خر ٣٣ : ٥) إذا يجب علينا إدراك أنه ليس الهدف إزلال الشعب أو تجربتهم بل كسر كل ثقافة غريبة في حياة شعب الرب ، لذلك علينا الإقتراب الي الرب وكلمته لأنها البلسان الشافي لكل حياتنا
٥ - الإستذناب والكسر
الإحساس بالمذنوبية علي الرغم من عدم الشعور بالخطأ يجعل المرء في حالة من المرار والتعب ، فقد كان أيوب له كامل الإقتناع بأنه كامل ومتقي الرب ، ولكنه في ذات الوقت كان يخاطب الله عن ان ما حدث له يجعله مع المحطيين به يفتكرون أنه مذنب ولذلك حدث له ما حدث ، فعاتب أيوب الله قائلا " إِنْ أَخْطَأْتُ تُلاحِظُنِي وَلا تُبْرِئُنِي مِنْ إِثْمِي. (أي ١٠ : ١٤) ماذا كان يدور في ذهن أيوب إلا الربط بين الإقتناع ببره والتعب الجسدي والنفسي جراء ما حدث ، فيخرج بمتيجه أن الله مستذنبه وهذا يؤلمه كثيرا " إِنْ أَذْنَبْتُ فَوَيْلٌ لِي، وَإِنْ تَبَرَّرْتُ لا أَرْفَعُ رَأْسِي. إِنِّي شَبْعَانُ هَوَانًا وَنَاظِرٌ مَذَلَّتِي. (أي ١٠ : ١٥) وكأنه يقول للرب " كنت متعشم فيك تدافع عن بري وتبرئني ، فحتي إن أبرئتني فيكفي مرارة نفسي التي تكسرني " إن الإحاسيس النفسية المتملكة علي النفس يجب التخلص منها فهي عبارة عن أفكار تستحوز علي مساحة كبيرة من العقل ، فالتفكير السوي لا يربط الضيق والألم بالله ، فهو الشافي وليس الجارح ، وهو الجابر وليس الكاسر ، فلا يجب أن نصب بلايانا وننسبها لله ، فصانع البلايا هو إبليس أما الرب فهو صانع المجد ، ولا يوجد ما يُسمى بالسماح الإلهي ، لأن الله لا يسمح بما هو خارج إرادته ، فإرادته ومشيئته ثابتتين وقراراتهما للخير ، أما الجكمة الإلهية فهي مرنة وتحتوي داخلها علي القضاء الإلهي ، الذي يعمل علي شكاوي مقدمة من عدو كل بر ، ولأن الله عادل فيمنح المشتكي حكما بحسب الواقع الحقيقي المقدم فيها ، فإن كذب إبليس علي الجميع فلن يستطيع أن يكذب علي الله .
الشعور بالذنب عن إقتناع قد يدقع للتوبة ، أما عندما يكون شعور بالذنب يصاحبه شعور بالظلم فهذا يقود الي المرار والتعب التفسي ، لذلك تجرأ أيوب بالتفوه بكلمات في شكلها قاسي ولا يجب التفوه بها لله ، فهذا يجعلنا ندرك مقدار المرار النفسي الذي كان فيه ، لدرجة أنه يقول أنه إذا تم إعلان برائتي سيعود الله ويصطادني ويستذنبني من جديد " وَإِنِ ارْتَفَعَ تَصْطَادُنِي كَأَسَدٍ، ثُمَّ تَعُودُ وَتَتَجَبَّرُ عَلَيَّ. (أي ١٠ : ١٦) وكأن الله يتربص لأيوب ليستذنبه ويجربه ، أقول حاشا لله أن يكون هكذا ، ولكن لسبب قلة المعرفة عن الله كما اليوم فلم يدرك مقدار عمق كلماته التي يتفوه بها وكم هي غير صحيحة ، حتي يومنا هذا نجد أشخاص يتكلمون كأيوب معلنين أن الله هو سبب مصائبهم وبلويهم ، وأنه يقف لهم بالمرصاد ، وفي الحقيفة أن الله في معاملاته يسير محاولا اصلاح ما افسدوه هم بتصرفاتهم
الله في محبته يستر ويغفر لكل تائب معترفا بخطاياه ، أما أنه يجدد شهوده ليستذنب فهذا غير وارد في جول أعنال الله تحاه بني البشر ، فذنوب بني البشر واضحة لدية ولا تحتاح لشهود ، فهو الشاهد الأمين الذي في شاهدته حق وفي حكمه عدل ، أما أيوب فقد وضع صورة داخله عن الله بأنه لن يبرئه ولن يشفيه لأن ذنب أيوب أمام الله متجدد دائما والغضب الالهي مستمر وقد وُضع أمام الله لأيوب جيش من المصائب ضده تتناوب عليه " تُجَدِّدُ شُهُودَكَ تُجَاهِي، وَتَزِيدُ غَضَبَكَ عَلَيَّ. نُوبٌ وَجَيْشٌ ضِدِّي. (أي ١٠ : ١٧) " نوب : مفردها نوبة اى مصيبة، نائبة، شر " فمن شدة الألم ومرارة النفس تصور أيوب هذه التصورات ضد الله ، ولو كان الله شديد الغضب وسريع الإنتقام لكان قد فرم أيوب بسبب كلماته القاسية ، ولكن لأن الله طيب وحكيم ويري دواخل القلوب فقد رأي ما في قلب أيوب من نقاء وأن ما يتفوه به لا يصير إلا تعبيرات نفسية كنوع من التفريغ النفسي الصادر من العقل الباطن وإلا كان قد إنفجر أيوب وزيد عليه المرض والألم .
٦ - المشاعر المخزنة والتعبير النفسي
كثيرين عندما يمرون بتجارب ومواقف مؤلمة يبدأون في التمني والتخيلات السلبية التي تعلن عن الموت او العدم كرغبة دفينة داخل النفس ، فالنفس المتألمة تتحرك فيها عوامل الموت " فَلِمَاذَا أَخْرَجْتَنِي مِنَ الرَّحِمِ؟ كُنْتُ قَدْ أَسْلَمْتُ الرُّوحَ وَلَمْ تَرَنِي عَيْنٌ! (أي ١٠ : ١٨) هذه المشاعر التي لأيوب مشاعر مُخزنة داخل النفس ولم تخرج إلا في وقت الشدة ، هذه المشاعر مخزنة بحسب الطبيعة البشرية الساقطة فليست مشاعر مكتسبة من المجتمع ولكنها متواجدة في العقل الباطن بالطبيعة تخرج فقط وقت فقدان الأمل ووقت الإكتئاب الشديد .
هذه المشاعر مر بها يهوذا وقادته للإنتحار " فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. (مت ٢٧ : ٥) هكذا الحال كان مع اخيتوفل عندما لم تُعمل بمشورته فخنق نفسه ومات (2صم ١٧ : ٢٣) فالجميع لديهم هذه المشاعر ولكنها لا تعمل الا تحت الأمراض النفسية الشديدة وحالات الإكتئاب الحادة ، مر بها المسيح لدرجة أنه قال " فَقَالَ لَهُمْ:"نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي". (مت ٢٦ : ٣٨) فقد إجتاز المسيح بهذه ا لمشاعر لدرجة أنه مر بالفعل نحو الموت عندما كان ينزل عرقه كقطرات دم " قَائِلاً:"يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لا إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ".وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ. (لو٢٢: ٤٢، ٤٤) هذه حالة موت ، لذلك طلب أن يعبر عنه هذه الكأس ، هنا لا يقصد كأس الصليب بل حالة الحزن التي مر بها فهي حالة إكتئاب شديد أحدثت لوجه المسيح ما يسمي بالتعرق الدموي وهو عبارة عن تمزق الشعيرات الدموية في الجسم ، وتنتج في حالات الخوف الشديد أو الإجهاد الشديد ويمكن أن تنفجر هذه الأوعية الدموية الدقيقة وتسبب خروج الدم من الجسم من خلال الغدد العرقية ، لذلك علينا عدم الإستجابة لمشاعرنا الدفينة والتمركز حولها ، بل علينا الخروج منها سريعا والتعبير عنها لنستطع علاجها سريعا .
التعبير النفسي الذي لأيوب خدمه كثيرا ، فقد قال " فَاخْتَارَتْ نَفْسِي الْخَنِقَ، الْمَوْتَ عَلَى عِظَامِي هذِهِ. (أي ٧ : ١٥) هذا الخنق مشاعر تحركها الشوك التي هي الضيقات ومشاغل الحياة الغميقة " وَالْمَزْرُوعُ بَيْنَ الشَّوْكِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ، وَهَمُّ هذَا الْعَالَمِ وَغُرُورُ الْغِنَى يَخْنُقَانِ الْكَلِمَةَ فَيَصِيرُ بِلا ثَمَرٍ. (مت ١٣ : ٢٢) فهل تستجيب لأشواك حياتك وتمنحها فرصة التدمير أم تعمل علي كسرها لتثمر انت في حياتك وتعيش في كمال المشيئة الإلهية ، فالهم والغرور أحبال نفسية تخنق الحق داخلك لذلك لا يجب أن تسير فيهما ويجب العمل علي كسرهما لتستقيم حياتك ولا تكون فرصة ثمينة لتُبتلع.
تمني أيوب أن يكون كالعدم " فَكُنْتُ كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ، فَأُقَادَ مِنَ الرَّحِمِ إِلَى الْقَبْرِ. (أي ١٠ : ١٩) فهذه ما هي إلا خِدع نفسية من العقل الباطن للهروب من الواقع المؤلم ، فإنشغال العقل الواعي بمحاولة التمني ان يكون كالعدم يمنح النفس سكينة ولو لبضع دقائق ، ولذلك يقول للرب ان أيامه قليلة ويحتاج للتبلج " الأشراق وبلوغ النور في حياته " فقال " أَلَيْسَتْ أَيَّامِي قَلِيلَةً؟ اتْرُكْ! كُفَّ عَنِّي فَأَتَبَلَّجَ قَلِيلا، (أي ١٠ : ٢٠) وفي ترجمة الحياة " أَلَيْسَتْ أَيَّامِي قَلِيلَةً؟ كُفَّ عَنِّي لَعَلِّي أَتَمَتَّعُ بِبَعْضِ الْبَهْجَةِ، " فقد شعر أيوب أن هذه التجربة ستنهي حياته الي القبر " قَبْلَ أَنْ أَذْهَبَ وَلاَ أَعُودَ. إِلَى أَرْضِ ظُلْمَةٍ وَظِلِّ الْمَوْتِ، (أي ١٠ : ٢١) ولا يعلم أن عين الله تلاحظه ويده القديرة سترفعه وتعوضه أضعاف
-----------------------------------------------------------
الفصل الثامن
الإفتراء بهتاناً وفرياً
١ - الإفتراء :
يدخل حياتنا بعض من الأشخاص يسيرون بمبدأ الأنا ، الأنا وبس ! .... يهدفون لنوال ما يريدون نواله بأي طريقة وبأي إسلوب ، ما يهمهم هو مكاسبهم فقط حتي ولو علي حساب الغير ، هؤلاء متعبون جدا ولا سيما إذا كانوا أقرباء أو أصدقاء أو زملاء في العمل ، ويكونوا متعبين جدا إذا كانوا رؤساء في العمل او اصحاب سلطة ونفوز ، فمثل هؤلاء الخروج من دوائر حياتهم أو الخروج من دوائر حياتنا مكسب كبير حتي وإن ظهر في البداية بعض من الخسائر ، فخسارة اليوم أفضل بكثير من وجودهم في حياتنا وهم يستنزفوننا كل الوقت ويكسبون الكثير بوجودنا ، فهم يستخدمون طريق الإفتراء والبهتان فريا ، ولمعرفة معاني الكلمات الثلاثة علينا البحث في قاموس المعاني .
- الإفتراء : الكذب في حق الغير بما لا يرتضيه
- البهتان : الكذب المفتري
- فريا : الفرى: جمع فرية وهي الكذبة
نري أن الثلاث كلمات قريبين من بعضهم البعض ولكن يوجد فرق وهو أن من يفتري فهو يكذب لنوال حق علي حساب الغير ، أما من يفتري بهتانا فهو يكذب كذبا مؤلفا له قصة غير حقيقية يقصد بها الأذية والتشهير لينال هو وقتا لمكاسب شخصية ، أما الفرية فهي القصة ذاتها أو الكذبة ذاتها .
في حياتنا أشخاص يتعاملون معنا بمبدأ الإفتراء سواء بقصد أو بدون قصد ، فمن يتحقق من مصادر أفكاره ومعلوماته فلن يكون في كلماته اي نوع من الإفتراءات ، أما اللذين يفترون بقصد فهم اشرار حتي وإن كانوا مؤمنين .
التف حول أيوب اصدقاء تكلموا بالإفتراء والبهتان لأنهم نسبوا لله كلمات ليست له ولأيوب كلمات ليست فيهِ ، فقالوا عن أيوب انه ثرثار ومهزار " أَكَثْرَةُ الْكَلامِ لا يُجَاوَبُ، أَمْ رَجُلٌ مِهْذَارٌ يَتَبَرَّرُ؟ (أي ١١ : ٢) وقالوا عن الله بأنه يجرح ويسحق ويجرب " لأَنَّهُ هُوَ يَجْرَحُ وَيَعْصِبُ. يَسْحَقُ وَيَدَاهُ تَشْفِيَانِ. (أي ٥ : ١٨) في حين أن الله لا يفعل ذلك إلا من خلال القضاء الالهي وقت الدينونة ولا يفعل هذا في التأديب ، فالتاديب للمؤمنين وفيها لا يجرح ولا يسحق ، ثم إنه لا يجرب أحد " لا يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: "إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ"، لأنَّ الله غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا. (يع ١ : ١٣) فالإفتراء كثيرا يصير بسبب عدم فهم الحق كما ينبغي أن يُفهم .
تواصل أصدقاء أيوب مع أيوب ولم يهدأو بل أستمروا في كل كلماتهم القاسية والغير محسوبة ، فوصفزا أيوب بأنه متكبر ويتكلم كلاما ملبوسا لا يفهمه الناس " أَصَلَفُكَ يُفْحِمُ النَّاسَ، أَمْ تَلْغُو وَلَيْسَ مَنْ يُخْزِيكَ؟ (أي ١١ : ٣) لم يكتفوا بالتجربة القاسية التي يمر بها بل زادوا عليه الحمل والتعب والمرار ، إن السائرون بنهج الإفتراء بقصد أو بدون قصد لا يعرفون الزوق الرفيع والإحساس بالأخرين ، فلا تستغرب عندما تري مثل هؤلاء مناشرون حولك ، وتمسك بمن يسيرون بمبادئ ثابتة في حياتهم ، فقد كان أيوب من الأشخاص اللذين لهم مبادئ وقيم ثابتة ولذلك لم يتفقوا معه أصدقائه " إِذْ تَقُولُ: تَعْلِيمِي زكِيٌّ، وَأَنَا بَارٌّ فِي عَيْنَيْكَ. (أي ١١ : ٤) وفي ترجمة كتاب الحياة " إِذْ تَدَّعِي قَائِلا : مَذْهَبِي صَالِحٌ، وَأَنَا بَارٌّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ. " لم يعجبهم كلمات أيوب ، برغم أنه في الإصحاح العاشر كان الإتجاه الفكري لأيوب يجمل معني أنه مذنب أمام الله ولن يبرئه وأن الله يتربص له ليصطاد أخطاءه ، فقد كان أيوب كثيرا في بعض الأوقات متأثرا بكلمات أصدقاءه ، ولكن كان في قرارة نفسه أنه بار ،.
إن تصريحات صوفر النعماتي تريد أن تدفع أيوب تجاه أنه يستحق أكثر بكثير من ما حدث له " وَلكِنْ يَا لَيْتَ الله يَتَكَلَّمُ وَيَفْتَحُ شَفَتَيْهِ مَعَكَ، وَيُعْلِنُ لَكَ خَفِيَّاتِ الْحِكْمَةِ! إِنَّهَا مُضَاعَفَةُ الْفَهْمِ، فَتَعْلَمَ أَنَّ الله يُغْرِمُكَ بِأَقَلَّ مِنْ إِثْمِكَ. (أي ١١ : ٥ ، ٦) يالها من كلمات إفتراء .. ماذ تعرفون أنتم عن أيوب ؟ وهل وضعتم أنفسكم مكان الله لتحكموا علي أيوب بأنه حكم الله أقل من خطايا أيوب ؟ لا يجب أن يتفوه الإنسان بكلمات دون دراية ودون تحقيق جيد للإمور لئلا يلام لوم الأغبياء ولا يحسب من الحكماء " اَلأغْبِيَاءُ يَرِثُونَ الْحَمَاقَةَ، وَالأَذْكِيَاءُ يُتَوَّجُونَ بِالْمَعْرِفَةِ. (أم ١٤ : ١٨) فالبحث في الإمور وتقيِمها ومعرفة الأحداث وقرأتها جيدا تنير العقل وتصير الإنسان حكيما ، أما من إمتلكه روح الغباء فسيكون مفتريا فلنحظر من هذا .
٢ - كلام الحكماء وغباء المقصد :
عندما تجلس مع انتهازي أو مع شخص يُظهر نفسه فيلسوف عصره ، تجده يتكلم كلام الحكماء فيضع الحق الواضح أمام عينيك فتنبهر به فلا تنتبه لباقي الكلمات ، فعندما تتأمل في كلماته سيصلك المقصد المختلف عن الحق ، فقد كان أصدقاء أيوب في كل كلماتهم يتكلمون بالحق ويخلطون معه الباطل ، فهنا صوفر النعماتي يعلن أن الله عميق وقدير وهذا حق " أَإِلَى عُمْقِ اللهِ تَتَّصِلُ، أَمْ إِلَى نِهَايَةِ الْقَدِيرِ تَنْتَهِي؟ (أي ١١ : ٧) ثم يقود أيوب من عمق الله ونهايته التي بلا حدود الي علوه فوق السموات وفوق الهاوية ( المقابر - شاؤول - שׁאול - she'ol ) " هُوَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ، فَمَاذَا عَسَاكَ أَنْ تَفْعَلَ؟ أَعْمَقُ مِنَ الْهَاوِيَةِ، فَمَاذَا تَدْرِي؟ (أي ١١ : ٨) هذه الكلمات حق فصوفر يري الله أكبر من أي شيئ وأطول من كل شيئ " أَطْوَلُ مِنَ الأَرْضِ طُولُهُ، وَأَعْرَضُ مِنَ الْبَحْرِ. (أي ١١ : ٩) كل الكلمات التي قيلت تظهر حكمة الحكيم ولكنها مقدمة لإظهار ما يُبطن في الداخل ، فإبتدأ يصور الله في قدرته وطوله وعمقه بأنه كالفتوة الذي إن أراد أن يبطش فهو أكبر من أن تثنيه عن فعله " إِنْ بَطَشَ أَوْ أَغْلَقَ أَوْ جَمَّعَ، فَمَنْ يَرُدُّهُ؟ (أي ١١ : ١٠) ثم في منتهي القوة يتكلم صوفر النعماتي أن بطش الله سيكون علي الاشرار أناس السوء قاصدا هنا أيوب ومترجما له أن الله بطش بك لأنك من أصحاب السوء في تحركاتك " لأنَّهُ هُوَ يَعْلَمُ أُنَاسَ السُّوءِ، وَيُبْصِرُ الإِثْمَ، فَهَلْ لاَ يَنْتَبِهُ؟ (أي ١١ : ١١) ما هذا إلا مقصد غبي مؤذي كالسُم مغلف بكلمات معسولة وحكيمة تصل الي أعماق نفس المستمع فتجرحه وتؤلمه .
من أخطر الأشخاص اللذين يفترون بهتانا وكذبا هم اللذين يبطنون غير ما يقصدون ، واللذين يستخدمون الحقائق المنزهه عن الباطل لتكون اثباتا لكلماتهم ومقاصدهم السلبية الجارحة ، وجه صوفر النعماتي مقاصده بكل وضوح أكثر وأعلن لأيوب أن بطش الله يرجع للإثم الذي في قلبه " "إِنْ أَعْدَدْتَ أَنْتَ قَلْبَكَ، وَبَسَطْتَ إِلَيْهِ يَدَيْكَ.إِنْ أَبْعَدْتَ الإِثْمَ الَّذِي فِي يَدِكَ، وَلاَ يَسْكُنُ الظُّلْمُ فِي خَيْمَتِكَ،حِينَئِذٍ تَرْفَعُ وَجْهَكَ بِلاَ عَيْبٍ، وَتَكُونُ ثَابِتًا وَلاَ تَخَافُ. (أي١١: ١٣-١٥) إن هذه الكلمات للعامة وفي العموم لا تؤذي المشاعر ، ولكن عندما تستخدم لمجروح أو لمتألم فهنا صارت من حق رائع الي سهم نافذ وجارح ، لذلك أحبائي لا يجب أن نستمع لمثل هؤلاء وعلينا مواجهتهم والرد السريع إن كان في المقدرة فعل ذلك ، أو خروجنا من دوائر حياتهم بلا ندم كي لا يتواجدوا في دوائر حياتنا ولتقليص تواجدهم بحرية في حياتنا فمثل هؤلاء مؤذيون جدا
إن الله في طبيعته يهتم بالمجروحين والمتألمين اللذين بُطش بهم من إبليس ، فهو الذي يعود ليجدد وجه الأرض التي بطش بها بعد أن خلقت " فِي الْبَدْءِ خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ الله يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ.وَقَالَ الله: "لِيَكُنْ نُورٌ"، فَكَانَ نُور. (تك١: ١-٣) فالله الهنا في طبيعته يدعوا كل متألم ومهموم ليلقي كل همه عليه " مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ هُوَ يَعْتَنِي بِكُمْ. .. (1بط٥: ٧-٨) هذا هو الهنا الذي يجب أن نعرفه ، أما الإله الذي يصوره صوفر النعماني فليس الإله الذي يجب أن نعرفه ، فإله الإنتهازيين اله منطقم جبار يبطش ولا يُسأل ، ولكن الهنا يقبل السؤال ويعالج التذمر ، ويصحح الأوضاع ويعمل للخير ، فهل عرفته ؟ لذلك لا تسمح لمن هو عديم الخبرة والتخصص يحرك مشاعرك ضد الله ويزيدك شعورا بالذنب لأن الرب الهك معينك ويستطيع أن يسندك للنهاية ويرفعك فوق كل الم وجرح وتعب .
٣ - حق يجب الثناء عليه :
تكلم صوفر التعماتي عن حق في العموم مهم جدا ، أما عندما يوجه لشخص طول الوقت يعمل علي تأنيبه في خطايا وذنوب هو براء متها ، وأن التجربة والمصيبة التي حلت عليه من نتائجها ، فتصير كلماته جارحة برغم أنها حق ، تكلم صوفر عن عدة خطواط مهمة يجب مراعاتها في حياتنا لنوال نتائج مبهرة روحيا واجتماعيا .
١ - إعداد القلب : " إِنْ أَعْدَدْتَ أَنْتَ قَلْبَكَ، .. (أي ١١ : ١٣) هنا التهيئ النفسي والذهني للإقتراب الصخيح نحو الله
٢ - الصلاة والدعاء : " ...، وَبَسَطْتَ إِلَيْهِ يَدَيْكَ. (أي ١١ : ١٣) طلب العفو والغفران
٣ - الرجوع والتوبة : " إِنْ أَبْعَدْتَ الإثْمَ الَّذِي فِي يَدِكَ، وَلا يَسْكُنُ الظُّلْمُ فِي خَيْمَتِكَ، (أي ١١ : ١٤) التوبة العملية ورفض الشر
بعد التحرك في الخطوات السابقة ننال الأتي :
١ - نوال الكرامة : " حِينَئِذٍ تَرْفَعُ بِلا عَيْب ....(أي ١١ : ١٥)
٢ - نوال الثبات : " ... وَتَكُونُ ثَابِتًا .... (أي ١١ : ١٥)
٣ - نوال الأمان : " ... وَلا تَخَافُ. (أي ١١ : ١٥) المخاوف السابقة تتبدد والمستقبل يكون مشرق " وَتَطْمَئِنُّ لأنَّهُ يُوجَدُ رَجَاءٌ. تَتَجَسَّسُ حَوْلَكَ وَتَضْطَجِعُ آمِنًا. (أي ١١ : ١٨)
٤ - الشفاء النفسي : " لأنَّكَ تَنْسَى الْمَشَقَّةَ. كَمِيَاهٍ عَبَرَتْ تَذْكُرُهَا. (أي ١١ : ١٦)
٥ - التعويص الالهي : " وَفَوْقَ الظَّهِيرَةِ يَقُومُ حَظُّكَ. الظَّلامُ يَتَحَوَّلُ صَبَاحًا. (أي ١١ : ١٧)
٦ - زوال المزعجين : " وَتَرْبِضُ وَلَيْسَ مَنْ يُزْعِجُ، وَيَتَضَرَّعُ إِلَى وَجْهِكَ كَثِيرُونَ. (أي ١١ : ١٩)
٧ - تصير مختلف عن الأشرار : " أَمَّا عُيُونُ الأشْرَارِ فَتَتْلَفُ، وَمَنَاصُهُمْ يَبِيدُ، وَرَجَاؤُهُمْ تَسْلِيمُ النَّفْسِ". (أي ١١ : ٢٠)
هذا يدل علي أن صوفر النعماتي لديه فكر حقيقي وجيد ولكن إستخدمه في وقت غير مناسب فبكل تأكيد سيأتي بنتيجة عكسية في حياة أيوب ، هذا بالإضافة الي أنه يريد أن يقول لأيوب انت مخطيئ ومهزار وتحتاج لتوبة لينظر لك الرب فيرفع غضبه عنك وان قدمت التوبة فسيمنحك الرب الخطوات السبعة السابقة ، لا يجب ان نقدم حقائق في وقت غير ملائم ، فأيوب كان يحتاج كلمات تعزية تطيب خاطره ، ويحتاج لمن يسانده بالصلاة ليُمنح سلاما وهدوءً ، فالحقائق الروحية عندما تُقدم في وقت غير مناسب تستقبل كنوع من الإفتراء ، وكأن صوفر يريد أن يقول لأيوب أن حرمانك من المنح السبعة السابقة يرجع سببه الي كبرياء قلبك وعدم إقرارك بذنبك وعدم توبتك ، ففي كل الأحوال كان كلام صوفر النعماتي جارح برغم جمال الفكر .
٤ - الكلمات المعسولة والدفاع :
الطريق نحو الكلمات المعسولة أمر متاح للجميع ولكنه بعيد عن الحق وعند حدوثه يصير افتراءً وبهتاناً ، فالكلمات المعسولة تظهر غير ما تبطن ، فقد تكلم أصدقاء أيوب بأنصاف الحقائق ليخدموا فكرهم أو معتقدهم ، ففي إصحاح الاول تكلم الشيطان بشكاية ضد أيوب وبعد فترة صمت أيوب وأصدقاءه ، ثم بدأ أيوب بفتح فمه ليتكلم ومن هنا بدأ الأصدقاء بالتكلم ولكنهم للاسف لم يساندوا أيوب بل زادوا الجرح جرح ، تكلم اصدقاؤدء أيوب بكلمات معسولة نصفها حق والنصف الأخر يُجرح ليثبتوا جروحهم بحسب أنصاف الحقائق
كان أول صديق يتكلم ضد أيوب هو الفياز التيماني في إصحاح ٤ و ٥ وسلك في كلماته بإتجاه محاولة إثبات أن ما إجتاز فيه أيوب سببه خطاياه والله هو الذي يجرح ويسحق ليشفي ويجبر ، وهذا ليس منهاج الله اطلاقاً ، ثم تقدم أيوب بردود علي كلمات اليفاز ليثبت بأنه بار ولم يفعل شيئ ، فصارت المساحة بين أيوب وأصدقائه هي مساحة اتهامات ودفاع إدانة ومحاولة تبرئة لدرجة أنه وصف أصدقائه بعدم الوفاء " حَقُّ الْمَحْزُونِ مَعْرُوفٌ مِنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ تَرَكَ خَشْيَةَ الْقَدِيرِ.أَمَّا إِخْوَانِي فَقَدْ غَدَرُوا مِثْلَ الْغَدِيرِ. مِثْلَ سَاقِيَةِ الْوُدْيَانِ يَعْبُرُونَ، (أي٦: ١٤-١٥)
ثم تكلم بلدد الشوحي بكلمات قاسية في إصحاح ٨ محاولا إثبات إذا كان أيوب بار لكان الله سمع له ونصفه ، وهذا جعل أيوب يرد في إصحاح ٩ ولم ينتهي الصراع بين ايوب وأصدقاءه ، فدخل الصديق الثالث صوفر النعماتي في إصحاح ١١ واتهم ايوب بانه مهزار وهذا جارح جدا لمسامع أيوب ، فإبتدأ ايوب من جديد يدافع ويتكلم باللوم علي اصدقائه " صَحِيحٌ إِنَّكُمْ أَنْتُمْ شَعْبٌ وَمَعَكُمْ تَمُوتُ الْحِكْمَةُ! (أي ١٢ : ٢) وانتهرهم قائلا " غَيْرَ أَنَّهُ لِي فَهْمٌ مِثْلَكُمْ. لَسْتُ أَنَا دُونَكُمْ. وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِثْلُ هذِهِ؟ (أي ١٢ : ٣) فقد شعر أيوب بأنه سخرية لأصحابه ويحتاج الي الدفاع عن نفسه لإيقافهم " رَجُلا سُخْرَةً لِصَاحِبِهِ صِرْتُ. دَعَا اللهَ فَاسْتَجَابَهُ. سُخْرَةٌ هُوَ الصِّدِّيقُ الْكَامِلُ. (أي ١٢ : ٤) مِن حق من يحيطه اشخاص يسيرون في دائرة الإفتراء لا لوم عليه عندما يدافع بكلمات وردود أفعال ليشفي داخله ولا لوم علي من يظهر الحق ويدافع عن نفسه .
في المعاملات البشرية يمر بالإنسان بعدة إمور وتستجد أحداث ، فيوجد من هو مطمئن اليوم .. وغدا قد يكون في هوان ، فقد كان أيوب مطمئن أمس وفي ليلة وضحاها تغيرت الأوضاع وصار في هوان وبعد فترة من الزمن تغيرت الأحداث وصار في تعويضات الله وبركاته ، المشكلة ليست في الأحداث المتغيرة ولكن في المعتقدات التي تملأ الأذهان والعقول ، التي من خلالها يتم جرح بعضنا البعض فيقول ايوب " لِلْمُبْتَلِي هَوَانٌ فِي أَفْكَارِ الْمُطْمَئِنِّ، مُهَيَّأٌ لِمَنْ زَلَّتْ قَدَمُهُ. (أي ١٢ : ٥) فالمطمئن لا يشعر بالمبتلي ويحكم علي بلائه بحسب الأفكار والمعتقدات الممتليئ بها ، فأصدقاء أيوب ممتلئيين بأفكار ومعتقدات لا تخدم الله ولا تريح الأخرين ، فقد كانوا مطمئنين اما أيوب فقد كان في هوان لذلك لم تتحد أفكارهم مع أفكاره ولم تتناسب كلماتهم مع احواله ، فصاروا متعبين للغاية ، أيضا أيوب كان لديه افكار ومعتقدات ككل جيله ولذلك كلما اشتد الألام كلما أخرج من جعبته كلمات معبرة عن نفسيته المتألمة قد تكون حق مربحة وقد تكون تعبيرات نفسية مُتعبة ، فكان يري الأشرار مستريحين برغم شرهم" خِيَامُ الْمُخَرِّبِينَ مُسْتَرِيحَةٌ، وَالَّذِينَ يُغِيظُونَ الله مُطْمَئِنُّونَ، الَّذِينَ يَأْتُونَ بِإِلهِهِمْ فِي يَدِهِمْ! (أي ١٢ : ٦) هذا المر اختبره أساف فقد رأي أن الأشرار مستريحين أكثر من الأبرار ، ولكن العبرة في الن يثثليذسهاية " لأَنِّي غِرْتُ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ، إِذْ رَأَيْتُ سَلاَمَةَ الأَشْرَارِ.لأَنَّهُ لَيْسَتْ في مَوْتِهِمْ شَدَائِدُ، وَجِسْمُهُمْ سَمِينٌ.حَتَّى دَخَلْتُ مَقَادِسَ اللهِ، وَانْتَبَهْتُ إِلَى آخِرَتِهِمْ.حَقًّا فِي مَزَالِقَ جَعَلْتَهُمْ. أَسْقَطْتَهُمْ إِلَى الْبَوَارِ.أَمَّا أَنَا فَالاقْتِرَابُ إِلَى اللهِ حَسَنٌ لِي. جَعَلْتُ بِالسَّيِّدِ الرَّبِّ مَلْجَإِي، لأُخْبِرَ بِكُلِّ صَنَائِعِكَ. (مز٧٣: ٣-٤، ١٧-١٨، ٢٨) هذا هو حال المفكرين البعيدين عن الفكر الناتج من الإقتراب الي الله ، فعلي المؤمن عدم التسرع بالحكم علي الاحداث وعليه يجب الإقتراب الي حي يدرك حينةذ فليتكلم .
نظر أيوب الي نفسه فوجدها مركز اهتمام الله برغم الألم والضيق ، نظر أيوب الي نفسه من خلال الأفكار الإيجابية فالطيور التي ليس لها مقدرة علي الزرع وةلحصاد الله خالقها ويهتم بها هكذا الله يهتم به واستشهد بالأرض وسمط البحر " فَاسْأَلِ الْبَهَائِمَ فَتُعَلِّمَكَ، وَطُيُورَ السَّمَاءِ فَتُخْبِرَكَ. أَوْ كَلِّمِ الأَرْضَ فَتُعَلِّمَكَ، وَيُحَدِّثَكَ سَمَكُ الْبَحْرِ. (أي ١٢ : ٧ ، ٨) هنا الفكر الذي يجب أن يسبر فيه أيوب ويعلمه لأولاده وللجميع " مَنْ لاَ يَعْلَمُ مِنْ كُلِّ هؤُلاَءِ أَنَّ يَدَ الرَّبِّ صَنَعَتْ هذَا؟ (أي ١٢ : ٩) فبدون هذا المسلك من طريقة التفكير سيأتي كل فكر شرير " أَفَلَيْسَتِ الأُذُنُ تَمْتَحِنُ الأَقْوَالَ، كَمَا أَنَّ الْحَنَكَ يَسْتَطْعِمُ طَعَامَهُ؟ (أي ١٢ : ١١) إدراك أن الله يهتم ما هو إلا باب للراحة والآطمئنان .
٥ - استطعام الكلمات :
جميل ورائع معرفة أيوب عن الله حتي وإن كانت بها بعض المعتقدات التي لا توافق معرفتنا اليوم بالحق الكتابي ، فإيمانه بان الله بيده زمام البشر يدفعه للتسليم لحكمة الله في حياته " الَّذِي بِيَدِهِ نَفَسُ كُلِّ حَيٍّ وَرُوحُ كُلِّ الْبَشَرِ. (أي ١٢ : ١٠) هذا الإيمان يدفع أيوب نحو التسليم للحكمة الإلهية الي أن يعبر الغضب ، إن الام أيوب ليست فقدان الممتلكات فقط بل أيضا فقدانه لمستوي إدراك أصدقائه لإمور الله ومسندته في أزمته ، أما هم فكانت كلماتهم كطعن السيف في حياته ، لذلك ارسل لهم قوله بازه يميز الكلمات المرسلة اليه منهم " أفَلَيْسَتِ الأُذُنُ تَمْتَحِنُ الأقْوَالَ، كَمَا أَنَّ الْحَنَكَ يَسْتَطْعِمُ طَعَامَهُ؟ (أي ١٢ : ١١)
يجب أن نعلم أنه لا يوجد إنسان علي وجه البسيطة لا يستطعم الكلمات ، حتي اللذين قد فقدوا عقولهم يستطعمون الكلمات بطريقتهم ، فقال أيوب أن طول الأيام تزيد الإنسان فهما ومعرفة " عِنْدَ الشَّيْبِ حِكْمَةٌ، وَطُولُ الأيَّامِ فَهْمٌ. (أي ١٢ : ١٢) فلا غرابة في أن تري أشخاص أمس كانوا بعيدينعن المعرفة بمسافات ، والسوم هم حكماء في حدود مناطقهم ، فقد تقابلت مع أشخاص كانوا بسطاء للغاية وعندما كنت أتعامل معهم كنت اتلامس مع مسافات واضحة كفارق بين ترجمة الاحداث والمفاهيم المتبناة في حياتهم ، ولكن بعد فترة من الزمان وجدتهم حكماء جيلهم ، هذا يرجع الي أنهم تبنوا أفكار ، ومع التغيير الحادث في الحياة صاروا مهمين جدا في جيلهم .
بدأ أيوب يُعلن لأصدقائه ما يعرفه عن الله وانه ليس بسيطا بل عميقا في إيمانه ، فإمانه بالله يجعله ينتظر تدخله لانه قدير " عِنْدَهُ الْحِكْمَةُ وَالْقُدْرَةُ. لَهُ الْمَشُورَةُ وَالْفِطْنَةُ. (أي ١٢ : ١٣) ولذلك فالله قادر أن يفعل كل شيئ يهدم ويغلق بقضاءه ويبي بحكمته "هُوَذَا يَهْدِمُ فَلا يُبْنَى. يُغْلِقُ عَلَى إِنْسَانٍ فَلا يُفْتَح (أي ١٢ : ١٤) وكما في قضاءه علي شعب اسرائيل منع المياه عن شعب تلله لمدة ثلاث سنين وستة أشهر هكذا " يَمْنَعُ الْمِيَاهَ فَتَيْبَسُ. يُطْلِقُهَا فَتَقْلِبُ الأَرْضَ. (أي ١٢ : ١٥) ففي خلاصة تلقول عن إيمان أيوب أن لله السلطان المطلق يفعل كما يشاء (أي ١٢ : ١٦ - ٢٢ ) هذا الواقع الإيماني الذي لأيوب عن الله يمنحه إستطاعة لصد كل سهام من الملمات والإهانات فلا يشعر بالإفتراءات وتعبر من حياته بسلاسة غير تاركة في نفسيته رواسب نفسية يحصدها فيما بعد .
-----------------------------------------------------------
الخاتمة
شكرا للرب من أجل إتمام الجزء الثاني من الدراسة في سفر أيوب ، فقد تناولنا في الكتاب الاول دراسة من الإصحاح الأول الي الإصحاح السادس ، وفي هذا الكتاب الثاني تناولنا من الإصحاح السابع الي الثاني عشر ، وايساعدنا الرب لنُكمل باقي الدراسات في سفر أيوب .
في الكتاب الاول تناولنا الفرق بين التجربة والإمتحان ، وهل يوجد ما يسمي بالسماح الالهي ، وغيرها من المواضيع التي يثيرها السفر ، أصلي للرب ان يكون هذا الكتاب سبب بركه وبه تغطية لمعظم المواضيع التي يثيرها السفر بحسب الاصحاحات التي تناولنا مواضيعها
اصلي أيضا من اجل الكتاب الثالث إن تأني الرب ولم يأتي
وليبارككم الرب
أيوب ومرحلة التجديد
الجزء الثالث
من اصحاح 13 الي 18
بقلم القس عماد عبد المسيح
----------------------------------------------------------------
مقدمة
يشرفني تقديم دراسة في سفر أيوب من الإصحاح الثالث عشر حتي الإصحاح الثامن عشر تحت عنوان " أيوب ومرحلة التجديد " فيصير الكتاب الثالث في سلسلة دراسية في سفر أيوب.
قدمنا الجزء الأول من الإصحاح الاول حتي الإصحاح السادس بعنوان " الطريق المدمر والسماح الإلهي " وتضمن العناوين التالية:
أيوب ومستوي الكمال ـ أيوب ومستوي الكهنوت ـ مستوي السياج الإلهي ـ البكر وأهميته في كلمة الله ـ دمار رأس المال لكسر أيوب ـ سجود إبليس لنوال حق التجربة ـ الاكتئاب النفسي الذي لأيوب ـ السماح الإلهي حقيقة أم خيال ـ ردود الفعل النفسي لأيوب ـ أقسام الهاوية ـ يطلبون الموت ولا يجدونه ـ شهادة مشددة وليست للتشديد ـ هواجس الليل كوابيس مرعبة ـ هل حقا الله دائم الشكوك وعنيف ؟ ـ مفهوم القديسين في كلمة الله ـ هل الإنسان مولود للمشقة حقا ـ هل حقا الله يجرح ويسحق يعصب ويداه تشفيان ـ ميزان المصائب ـ التعزيات المعذبة والمساعدة المطرودة
وقدمنا في الجزء الثاني كتاب بعنوان " النصيب والتعبيرات النفسية " وتضمن العناوين التالية:
الإفتراء بهتاناً وفرياً ـ التعبير النفسي والموقف الإلهي ـ معارضة أم تذمر ـ الكمال مستوي للقبول الإلهي ـ نظرة للحياة من منظور الماضي ـ لا تكن مخدوعا ـ مرارة النفس التي لأيوب ـ القسمة والنصيب وحياة القلق
سفر أيوب من الأسفار المهمة والشيقة جدا، وفي دراستها ستتعلم الكثير والكثير ولذلك علينا أن نستمر معا ولا نمل ولذلك بدأت الدراسة في الـ ستة إصحاحات الأولي ثم في الستة الثانية، وهانحن بصدد الجزء الثالث في ستة إصحاحات اخري أصلي أن تكون هذه الدراسات سبب بركة وتغيير لمفاهيم وافكار كثيرة تبنناها في حياتنا ، فيوجد من يظن أن الله قد سمح لأيوب بهذه التجربه فجرحه ليعصب وسحقه ليشفي، ولكن في الحقيقة أن الله لم يفعل هذا إطلاقا، فعندما جُرح أيوب تدخل الله ليعصب وعندما سُحق تدخل الله ليشفي، فجميع تصريحات أصدقاء أيوب تحمل معاني ليست صائبة، حتي وإن كان في شكلها حقيقي وعملي، ولكن عندما نطبقها في قصة أيوب وحياته نراها لا تتفق معه وتعد من الإفتراءات علي أيوب وعلي الله، ولذلك دعونا ندرس لنتعلم ونفهم الحق، أصلي أن تكون هذه الدراسة سبب بركة علي حياة الجميع.
----------------------------------------------------------------
1
الصمت سلاح الفهماء
يقف أيوب في منطقة المدافع عن إتهامات أصدقائه له، فهم يطعنون في كمال قلبه وإستقامة روحه وأن ما حدث هو لسبب سلوك غير مرضى في حياة أيوب، ولكن ما فعله أيوب هو أنه أعلن إيمانه ومقدار ثباته أمام تيارات ليست سوية وليست حميدة، وأفاد لهم بأن مدرك تماما ما يقولونه وما يتهامسون به "هذَا كُلُّهُ رَأَتْهُ عَيْنِي. سَمِعَتْهُ أُذُنِي وَفَطِنَتْ بِهِ.مَا تَعْرِفُونَهُ عَرَفْتُهُ أَنَا أَيْضًا. لَسْتُ دُونَكُمْ. ) أي ١ : ١-٢ (هنا هو يتكلم عن الحكمة والفهم لأنه أعاد نفس الكلام الذي تفوه به في الإصحاح السابق" "صَحِيحٌ إِنَّكُمْ أَنْتُمْ شَعْبٌ وَمَعَكُمْ تَمُوتُ الْحِكْمَةُ!غَيْرَ أَنَّهُ لِي فَهْمٌ مِثْلَكُمْ. لَسْتُ أَنَا دُونَكُمْ. وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِثْلُ هذِهِ؟ ( أي 13 : 2 ، 3 ) فكلمات أصدقاء أيوب تظهر حكمة ولكنها تجلب تعب والم نفسي فوق الامه التي لا تحتمل، لذلك أقر بأن الوحيد الذي يفهم ويدرك ويشعر به هو القدير وأن أصدقاء أيوب لا يفهمون وجهلة لدرجة ان كلامهم ممزوج بالكذب والنفاق" أَمَّا أَنْتُمْ فَمُلَفِّقُو كَذِبٍ. أَطِبَّاءُ بَطَّالُونَ كُلُّكُمْ. ( أي 13 : 4 ) حقا إنها معاناة.
إن رجال الله علي مر العصور يعانون من وجود أشخاص يدعون الفهم والحكمة ولكنهم في الحقيقة فاقدي الحس ومستنزفون لأبعد الحدود " هأَنَذَا عَلَى الَّذِينَ يَتَنَبَّأُونَ بِأَحْلامٍ كَاذِبَةٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، الَّذِينَ يَقُصُّونَهَا وَيُضِلُّونَ شَعْبِي بِأَكَاذِيبِهِمْ وَمُفَاخَرَاتِهِمْ وَأَنَا لَمْ أُرْسِلْهُمْ وَلاَ أَمَرْتُهُمْ. فَلَمْ يُفِيدُوا هذَا الشَّعْبَ فَائِدَةً، يَقُولُ الرَّبُّ. ( إر 23 : 32 ) إن وجود مثل هؤلاء مستهلكون للطاقة ويسببون تعب وضلال فكري بعيدا عن الحقيقة وبلا قراءة روحية للواقع، يراهم كاتب المزمور أنهم متكبرون وينسبون إمورا علي خلاف الحقيقة " الْمُتَكَبِّرُونَ قَدْ لَفَّقُوا عَلَيَّ كَذِبًا، أَمَّا أَنَا فَبِكُلِّ قَلْبِي أَحْفَظُ وَصَايَاكَ. ( مز 119 : 69 ) والحل الأمثل هو إغلاق الأذن عن سماع كلمات خارج المشيئة والإلتجاء الي الله لأن حُكمه عادل وحق " وَلكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُكَلِّمَ الْقَدِيرَ، وَأَنْ أُحَاكَمَ إِلَى الله. ( أي 13 : 3 ) أما انتم أيها البشر فإصمتوا.
إن الصمت في وقت الألم والوجع والضيق يُحسب حكمة لذلك قال لهم " لَيْتَكُمْ تَصْمُتُونَ صَمْتًا. يَكُونُ ذلِكَ لَكُمْ حِكْمَةً ( أي 13 : 5 ) الجميل في الصورة أن أيوب مُدرك جيدا الطبيعة الفكرية التي يتكلمون بها أصدقاءه، لذلك إنتهرهم وطلب منهم الصمت، لأن بكلامهم اضافوا علي الوجع الم وعلي النفس ضيقا، فقد رأي أيوب أن كلامهم لا يدل إلا علي حقيقة واحدة أنهم يجهلون الحق وأغبياء " بَلِ الأحْمَقُ إِذَا سَكَتَ يُحْسَبُ حَكِيمًا، وَمَنْ ضَمَّ شَفَتَيْهِ فَهِيمًا. ( أم 17 : 28 )لأن " ذُو الْمَعْرِفَةِ يُبْقِي كَلامَهُ، وَذُو الْفَهْمِ وَقُورُ الرُّوحِ. ( أم 17 : 27 ) لذلك لا يجب أن نكترث لكلمات أناس منتهية صلاحيتهم داخل مشيىة الله، أناس خارج الخدمة الإلهيّة، فهم متواجدون أمام الجميع ويعرضون أفكارهم ولكنها في نظر الله ليس لها صلاحية، وبكلامهم يُخرجون المستمع خارج مشيىة الله وحكمته.
احبائي لنتحل بالحكمة فنصمت صمتا ولا نتكلم في وقت الشدة، ولا نتفوه بكلمات تحليلية عن الحدث، فلنتروي ونصمت، فالصمت وقت الشدة والوقوف بجانب المتألم دون تقديم احتمالات خارج مشيئة الله " لِذلِكَ يَصْمُتُ الْعَاقِلُ فِي ذلِكَ الزَّمَانِ لأنَّهُ زَمَانٌ رَدِيءٌ ( عا 5 : 13 ) فصمتك حكمة تحسب لك، وتحاليلك وكلامك يُسقطك في دوائر نفسية ويدفع آخرين بعيدا عن الحقيقة، ولذلك فلنصمت.
----------------------------------------------------------------
2
مواجهة جريئة
كما ان الصمت سلاح الفهماء ايضا للمتألم صوت يجب أن يُسمع، دعا أيوب أصدقائه ليصمتوا لأن كلماتهم كانت جارحة لأبعد الحدود، ثم يعاود فيقول " اِسْمَعُوا الآنَ حُجَّتِي، وَاصْغُوا إِلَى دَعَاوِي شَفَتَيَّ. ( أي 13 : 6 ) حجته إنه يفهم الله إلهه أكثر من فهمهم ويعرفه يقين المعرفة، لأن كلامهم عن الله ليس بصواب وادرك ظلمهم وغش افكارهم، وأن عليه مواجهتهم لذلك واجههم قائلا " أَتَقُولُونَ لأجْلِ الله ظُلْمًا، وَتَتَكَلَّمُونَ بِغِشٍّ لأجْلِهِ؟ ( أ 13 : 7 ) المواجهة مقدرة الشخص الصلب القوي الذي يُدرك من يعبد، فقد رسموا خط وساروا عليه " أن أيوب مخطيئ وان الله يجربه " فكانوا يبرأون الله ويذنبون أيوب ولذلك كانت كلماتهم ليست في واقعها وليست في محلها، فهي لم تخدم الله بل بالعكس جعلت من الله الشخص الذي يجرح ويسحق وجعلت من الله مجرب، وفي الحقيقة أن الله ليس بمجرب علي الإطلاق وأن الجرح والسحق هو من إبليس لأنه لا يريد أن يري مستقيما علي الأرض.
أعطي أيوب درس لأصدقائه اللذين نسبوا لله أمرا ويدافعون عنه بهتانا، فقال لهم أيوب من الذي يحاكم من؟ الإنسان يحاكم الله. ام أن الله يحاكم الإنسان؟ " أَخَيْرٌ لَكُمْ أَنْ يَفْحَصَكُمْ، أَمْ تُخَاتِلُونَهُ كَمَا يُخَاتَلُ الإنْسَانُ؟ ( أي 13 : 9 ) عليهم أمر يجب أن يفعلوه أن يفحصهم الله ويفحص دواخلهم، ليغيرهم ويدركوا أن أيوب رجل كامل ومستقيم، وأن ما حدث له كان من ترتيب إبليس محاولا أن يجد ثغرة في حياة أيوب، ولم يجد إلا نقطة واحدة وهي الخوف.
يقف أيوب برغم ضيق نفسه وألامه ووجعه الذي ليس له نظير في جيله وجيل من سبقوه، يقف موقف رجل الشجاع الفاهم أين يقف وماذا يقول " أَتُحَابُونَ وَجْهَهُ، أَمْ عَنِ الله تُخَاصِمُونَ؟ ( أي 13 : 8 ) الله فوق كل تصرفات البشر وتصورات قلوبهم، يترك الشرير في شره ويتفاعل معه من خلال معاملات خاصة، ويترك الغبي والفاهم خطأ ويتعامل معه من خلال المقربين والمحيطين ليعدل مفاهيمه، وها هو أيوب يأخذ موضع الفاهم العارف الذي من خلاله يُحدث مواجهة، فيطلب منهم الصمت وسماع صوت كلامه وقبول توبيخ الله لهم إن صارت محاباه للوجوه " تَوْبِيخًا يُوَبِّخُكُمْ إِنْ حَابَيْتُمُ الْوُجُوهَ خِفْيَةً. ( أي 13 : 10 ) من هنا يجب معرفة اتجاهين اساسيين في التعامل مع النفوس الصاعبي التعامل، وهما تمييز الكلام والتصرفات، والمواجهة بلا خوف وبلا تردد.
إستطاع أيوب أن يقرأ أصدقائه ويميز اقوالهم ولذلك لم يصمت برغم وجعه وألمه والمرارة التي كانت في داخله، وكأنه يقول لهم خافوا الله فيما تقولون " فَهَل يُرْهِبُكُمْ جَلالُهُ، وَيَسْقُطُ عَلَيْكُمْ رُعْبُهُ؟ ( أي 13 : 11 ) ومن الآخر يقول لهم أن خطبكم وكلامكم المحصن رماد وطين " خُطَبُكُمْ أَمْثَالُ رَمَادٍ، وَحُصُونُكُمْ حُصُونٌ مِنْ طِينٍ. ( أي 13 : 12 ) لذلك اقول أن أعظم الإمور أن تقرأ المشهد جيدا وتقرر من تواجه ومتي تواجه وماذا تقول.
----------------------------------------------------------------
3
يقين الإيمان بالله باب للنجاة
يقف الإنسان كثيرا متحيرا من معاملات الحياة معه ويتسائل لأنه لا يدري هل هي من الله أم أنها من غير الله، وإن كانت منه فلماذا؟ وإن كان من غيره فايضا لماذا؟ التسائلات هذه حق واجب الإجابة عليها حتي وإن كانت في صميم الحق المطلق الذي لله، لان جميع الحقوق الإلهية في تعاملاته معنا موضحه في كلمة الله، وكل يوم يزداد الفهم والمعرفة، فمعظم ما كان غامض لدي أباءنا اليوم لنا فيه فهما ومعرفة وهذا ما علمه الرب لدانيال " " أَمَّا أَنْتَ يَا دَانِيآلُ فَأَخْفِ الْكَلامَ وَاخْتِمِ السِّفْرَ إِلَى وَقْتِ النِّهَايَةِ. كَثِيرُونَ يَتَصَفَّحُونَهُ وَالْمَعْرِفَةُ تَزْدَادُ". ( دا 12 : 4 ) فمعاملات الحياة العامة لدي الإنسان يدخل فيها الشخص ذاته والآخرين المحيطين به والله والأرواح الشيطانية المحيطة التي لا نراها، فبالنسبة للإنسان ذاته في تصرفاته يسمح للآخرين وللارواح النجسة بالتدخل وايضا بالتدخل الإلهي إذا أعطي فرصة لله ليشكل فيه، أما إذا كان العناد ومحبة الذات هي أساس حياته فلن ينال إلا التعب لانه بذلك يفتح الأبواب لأبليس ، ويحصد إبتعاد الصالحين عن دائرة حياته ، وإقتراب اللذين علي شاكلته بالتدخل في حياته والتعامل معه ليستفيدوا منه علي قدر المستطاع.
من الصعب أن يكون المؤمن الصديق الأمين، حوله أناس صاعبي التعامل، لهم فلسفتهم ومعتقداتهم نحو الله ونحو أنفسهم، ويطبقونه علي الآخرين دون مراعاة النفسية والفوارق الفكرية، فأيوب كان حوله مثل هؤلاء فأتعبوه وطلب منهم الصمت أفضل من سماع أقولهم المرتبطة فاصبع الإتهام " اُسْكُتُوا عَنِّي فَأَتَكَلَّمَ أَنَا، وَلْيُصِبْنِي مَهْمَا أَصَابَ. ( أي 13 : 13 ) فالوحيد الذي يُقيم نفسي أمامي هو الله لذلك ".. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ ( أي 13 : 15 ) هذا هو الحل الوحيد لكل الألم أن يضع نفسه أمام الله الذي يقدر القيم ويرفع الكيان ويصنع المقامات، من يلجأ اليه قادر علي تبرئته وإظهار حقه. " هأَنَذَا قَدْ أَحْسَنْتُ الدَّعْوَى. أَعْلَمُ أَنِّي أَتَبَرَّرُ. ( أي 13 : 18 ) يقين الإيمان بالله مفتاح النجاة، ولكن لا يجب أن ينساق المؤمن وراء الأفكار السلبية التي تحيط به وتنقله من الأخرين، فايوب برغم هذا تأثر بسبب عاملين، الأول واقع التجربة، والثاني الثقل الكبير من كلمات نفوس حوله صاعبي التعامل، فشعر بأن يد الله عليه ثقيله " أَبْعِدْ يَدَيْكَ عَنِّي، وَلاَ تَدَعْ هَيْبَتَكَ تُرْعِبُنِي. ( أي 13 : 21 ) ودعا الله ان لا يصمت بل يتكلم ويجيب اسئلته " ثُمَّ ادْعُ فَأَنَا أُجِيبُ، أَوْ أَتَكَلَّمُ فَتُجَاوِبُنِي. ( أي 13 : 22 ) إن الظروف تشير بأن الله يعاقبه، وكلمات اصدقائه كذلك، وهذا دفعه ليسأل الله " كَمْ لِي مِنَ الآثَامِ وَالْخَطَايَا؟ أَعْلِمْنِي ذَنْبِي وَخَطِيَّتِي. ( أي 13 : 23 ) شعر بان الله يستذنبه ويعاقبه، إنها صورة ليست حقيقية ولكنها وصلت بسبب كلمات وأفكار أصدقائه، فطلب.جه الله أن لا يحجب وجهه عنه لأنه بريئ " لِمَاذَا تَحْجُبُ وَجْهَكَ، وَتَحْسِبُنِي عَدُوًّا لَكَ؟ (أي ١٣ : ٢٤) إنه سؤال وطلب بحسب إحتياج نفسه، فهل سيجيبه الله؟ بكل تاكيد سيجيبه الله، ولكن فكرة أن الله عدو لأيوب فهذا أمر يحتاج لتعديل، لأنه لا يجب إنساب كل الأحداث أنها من الله، فيوجد جزء كبير من إبليس وجزء مشترك فيه المحيطين وجزء أخر مشترك فيه الإنسان ذاته، حتي وإن لم يفعل الإنسان شيئا، فعلي الأقل فتح باب لإبليس كباب الخوف والرعب الذي كان لأيوب قبل أحداث حياته " لأنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ. ( أي 3 : 25 ) لابد من المعرفة ليستريح القلب وتهدأ النفس.
----------------------------------------------------------------
4
المكتوب وموقف كلمة الله منه
يقف أيوب أمام مشاكله وضيقته وتجربته وألامه وهو في كامل التعب متسرعا فيصرح بأنه مثل الورقه في مهب الريح ومثل القش اليابس بلاقوه " أَتُرْعِبُ وَرَقَةً مُنْدَفَعَةً، وَتُطَارِدُ قَشًّا يَابِسًا؟ ( أي 13 : 25 ) فهو يري نفسه كالورقه وكالقش أمام من؟ أمام الله، تمام ـ هذا طبيعي، فمن هو الإنسان؟ إنه تراب، بالمقارنة بينه وبين الله يصير الإنسان ليس شيئا، الي هنا الإمور طبيعية مقارنة في محلها، لكن أن تاخذ منحني العتاب واللوم علي الله وكانه يقول له لا تستخدم قوتك هذه علي لأن فارق القوة والقدرة كبير فانت الله وانا الإنسان فلا ترعبني، هذا يحتاج الي مراجعة لفهم وفكر أيوب وأصدقاءه.
حقيقةً الأمر في نظر أيوب فارق قوة كبير، ولكن الله لم يتحرك تجاه أيوب بأي نوع من أنواع العقاب أو الشدة، حقيقةً الله لم يجرب أيوب، الله لم يُرعب أيوب، ولكن لسبب أن ما حدث ليس عند أيوب إيجابة فبالطبيعي يلجأ لله متسائلا أو معاتبا، هذا حق لأيوب، حتي وإن السؤال أخذ شكلا من أشكال اللوم والعتاب الشديد، هذا بمقياس شدة الوجع والألم.
لكن الأمر عند أيوب ياخذ فكرا آخر، أنه يري أن الله قد كتب عليه المر والتعب والألم " لأنَّكَ كَتَبْتَ عَلَيَّ أُمُورًا مُرَّةً، وَوَرَّثْتَنِي آثَامَ صِبَايَ( أي 13 : 26 ) جعل رجله في المقطرة وثبت خطايا صباه، والسؤال هل حقا الله يكتب الألم والتعب علي الإنسان أم أن للتعب والألم طريق أخر بعيد عن الله؟ في الحقيقة يجب أن ندرك ان للتعب والألم خطان ـ الأول: بعيد عن الله ونجلبه نحن لانفسنا من خلال أنفسنا أو من خلال علاقاتنا مع الآخرين وتدخل عدو الخير إبليس لإستغلال الموقف والواقع المعاش، والثاني: هو اخطائنا التي إستلزمت القضاء الإلهي، أما فكرة المكتوب وحتمية تنفيذه فهذا ليس واقع كتابي وطريق لا يسلكه الله إطلاقاً، فمن يعتقد أن المكتوب علي الجبين لابد أن تراه العين، أقول بالفم الملأن لا يوجد أي مكتوب علي الجبين، ولا يوجد مكتوب لازم تشوفه العين، الذي يحدث فقط أن بعدم إحترام كلمة الله وقوانينها ومبادئها المكتوبة في كلمة الله يصدر حكما بحسب المكتوب( المبادئ) " لِيُجْرُوا بِهِمُِ الْحُكْمَ الْمَكْتُوبَ. كَرَامَةٌ هذَا لِجَمِيعِ أَتْقِيَائِهِ. هَلِّلُويَا. (مز ١٤٩ : ٩) فالحكم المكتوب حكم به الإنسان علي نفسه لسيره بعيدا عن الحق، فيسري عليه كل ما هو سلبي وبعدم حماية. لذلك شعر أيوب أن رجليه في المقطرة " فَجَعَلْتَ رِجْلَيَّ فِي الْمِقْطَرَةِ، وَلاحَظْتَ جَمِيعَ مَسَالِكِي، وَعَلَى أُصُولِ رِجْلَيَّ نَبَشْتَ. ( أي 13 : 27 ) من كبلك أيوب؟ لا أحد، ومن أدخلك في شدة وضيق؟ إنه إبليس مستغلا الخوف الذي فيه ( أي 3 : 25 ) ولكن الرب اله قدير يستطيع أن ينجي وهو ينجي وسينجي.
أحبائي توجد أساسيات تحتاج للمعرفة والفهم ولا يجب الحيدان عنها .
1 - الله مصدر كل شيئ .. كل شيئ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. ( يو 1 : 3 ) ( 1كو 8 : 6 ) ( كو 1 : 16 ) ( عب 1 : 2 ) حتي الألم والتعب، ولكن للالم والتعب طريق يجب أن نعلمه، أن من مد يده لياخذ الألم والتعب هو أنا أو أخرين سمحنا بوجودهم حولنا أو في حياتنا، فأتعبونا، أو أرواح نجسة دخلوا لحياتنا بسبب ثغرات روحية، لذلك علينا أن نكون في حياة الإستيقاظ الروحي تلداىم والواضح والجلي، ولا نعطي لإبليس مكانا،فالله مصدره ولكن ليس مانحه.
2 - الله مصدر الخير بإرادته الإلهية - ومشيئته الإلهية ، ولا يجرب أحد بالشرور " لا يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: "إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ الله"، لأنَّ الله غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لا يُجَرِّبُ أَحَدًا. ( يع 1 : 13 ) هذه الحقيقة يجب أن نسير عليها طول أيام حياتنا، فالله كما انه مصدر كل شيى لكنه لا يجرب ولا يؤلم ولا يقلب في الماضي ليؤذي، فهو مانح الخير صافح عن الذنب لمن إعترف به، ومبرئ الأثيم إذا تاب.
3 - الله مصدر الشر بحكمته الإلهية - و قضاءه الإلهي " مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ، صَانِعُ السَّلامِ وَخَالِقُ الشَّرِّ. أَنَا الرَّبُّ صَانِعُ كُلِّ هذِهِ. ( أش 45 : 7 ، 18 ) ( تك 2 : 3 ) ( أش 40 : 28 ) ( أش 42 : 5 ) نعم فكما أن الله مصدر الخير فهو مصدر الشر، اي أن الشر داخل دائرته وكما قلنا ليس مانحه، فهو كالمهندس، يضع الأمان للعمال والموظفين لديه من خلال قوانين وأنظمة ولكن من يكسر قانون يحتمل جزاء العقاب او الحرمان، من خلال مكتب شئون العمال، فالمهندس لم يقدم الجزاء بنفسه بل توجد هيئة منظمة لفعل هذا، داخل الهيكل الاداري، هكذا فالله لا يقدم الشر، فالشر فاعله إبليس، ولكنه ايضا لا يخرج خارج النظام الالهي من خلال القوانين.
الإنسان عندما يخطئ يدخل تحت الحكمة الإلهية فيُفعل القضاء الإلهي علي حياته ، إذا حكم عليه بالإدانة يدخل تحت التأديب ، يُفتح لإبليس باب كبير للتحرك، فيُفعِل الأمراض والأوبئة ، فيدخل الإنسان ويكون تحت التجربة والألم بفعل شيطاني " وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِهِ. ( يع 1 : 14 )
4 ـ بالصلاة والتوبة والرجوع يدخل الإنسان تحت المشيئة الإلهية والإرادة الإلهية ، فيُفعل في حياته الخير والشفاء وكل ما هو صالح ، بما فيهم خدمة الملائكة أيضا للحماية " فَإِذَا تَوَاضَعَ شَعْبِي الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ وَصَلَّوْا وَطَلَبُوا وَجْهِي، وَرَجَعُوا عَنْ طُرُقِهِمِ الرَّدِيةِ فَإِنَّنِي أَسْمَعُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَغْفِرُ خَطِيَّتَهُمْ وَأُبْرِئُ أَرْضَهُمْ. ( 2أخ 7 : 14 ) لذلك فالتعلم ان الله رحيم، طويل الروح، وكثير الرحمة وغافر عن الذنب، إنه يُبرئ إبراءً، اهم شيئ هو التوبة والرجوع اليه ليقدم الغفران والرحمة.
----------------------------------------------------------------
5
مولود المرأة هل يزكوا
يتكلم أيوب عن الإنسان في أربعة حقاىق أساسية في الحياة رآهم في حياته ويدركها كل متأمل، أن مولود المراة: قليل الايام ـ شبعان تعب ـ ينتهي سريعا ـ ايامه محدوده ومعدودة، ولذلك يطالب الله ببعض الإمور بحسب ظنه أن الله أساس تجربته وتعبه فيقول: لا تحاكمه ـ لا تضعه في عقلك، وهذا معناه أن أيوب له فهم يحتاج لتعديل، هذا الفهم منتشر الي يومنا هذا، ان الله هو المُجرب الأساسي لأيوب، وهذا هو الفهم المنتشر وسط أصدقائه وفي كل الجيل، حتي أنه منتشر في جيلنا تحت بند القًدر والنصيب والحظ، وفي الحقيقة الله بريئ من هذا الأمر لأنه غير مجرب أحد بالشرور وهو لا يجرب أحد، ولسنا من أصحاب عقيدة القدرية، اماالنصيب والحظ فلهما فكر مختلف عن ما هو متداول بين البشر،
إن الكلمات التي تفوه بها أيوب عن مولود المراة في سفره يضع أيوب لمولود المرأة كلمات في ثلاثة مواضع، ففي ( أي 1 : 14 ) شبعان تعب وقليل الأيام، وفي ( أي 15 : 14 ) لا تزكية للإنسان أمام الله لأن ليس له قيمة " مَنْ هُوَ الإنسَانُ حَتَّى يَزْكُو، أَوْ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَتَبَرَّرَ؟ " وفي ( أي 25 : 4 ) لا يوجد من يبرره " فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإنْسَانُ عِنْدَ الله؟ وَكَيْفَ يَزْكُو مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ؟، إنها أسئله بالنسبة لايوب تحتاج الي ردود، فهو يري الله العالي فوق الجميع، والإنسان ضعيف ولا يقارن بالله علي الإطلاق.
ـ فمولود المرأة:
1 ـ قليل الأيام: حقيقة مهمة يجب ادراكها أن الإنسان مهما طالت أيامه أيضا تصنف تحت بند قليل الأيام " اَلإنْسَانُ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ، قَلِيلُ الأيَّامِ وَشَبْعَانُ تَعَبًا. ( أي 14 : 1 ) إذا نظرنا الي كل رجال الله في الكتاب المقدس فسنجد مهما طالت الاعمار فهم اصحاب ايام ويُكتب بعدها بالبنط العريت " ومات " فمثلا ادم كانت ايامه بمىات السنين ولكن في النهاية مات " فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ آدَمَ الَّتِي عَاشَهَا تِسْعَ مِئَةٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً، وَمَاتَ. ( تك 5 : 5 ) هل هي قليلة.. نعم قليلة، بمقارنتها بالحياة المستمره.. قليلة، عندما نورد أعمار من عاشوا فوق التسع مئة سنة تجدهم، أدم شيث ( تك 5 : 8 ) أنوش ( تك 5 : 11 ) قينان ( تك 5 : 14 ) يارد ( تك 5 : 20 ) متوشالح اكبر الاعمار سنا. ( تك 5 : 27 ) فبرغم اعمارهم الطويلة جدا تعتبر لها نهاية وماتوا جميعهم كذلك ابونا إبراهيم الذي عاش 175 سنة ومات ( تك 25 : 7 ) وغيرهم فمهما طالت هي قليلة.
2 ـ شبعان تعب: الأعمار مهما طالت هي قليلة بالمقارنة بالحياة المستمرة والممتلىة تعب، لماذا التعب؟ لأن الطبيعة البشرية تخزن داخلها كل ما هو سلبي وتتذكره، أما كل ما هو إيجابي يمر مر الكرام علي الشخص لأنه يعتبر الطبيعي المفترض، ولذلك عندما يعيشه الإنسان لا يتم التركيز عليه، نعم المواقف الجميلة تترك بصمات إيجابية، ولكن السلبية منها تترك بصمات لا تمحي، يقول أيوب " اَلإنْسَانُ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ، قَلِيلُ الأيَّامِ وَشَبْعَانُ تَعَبًا. ( أي 14 : 1 ) هل يوجد في حياة ايوب مواقف رائعة ومواقع جمال؟ بكل تأكيد نعم يوجد، لكن لماذا لم يذكرها؟ هذا لأنه وقت كلامه كان يعيش واقع الامه، ولذلك عندما أراد تلخيصها قال قولته المشهورة " قَلِيلُ الأيَّامِ وَشَبْعَانُ تَعَبًا " هي نفس تلخيص يعقوب لحياته بقوله عندما سأله فرعون، كَمْ هِيَ أَيَّامُ سِنِي حَيَاتِكَ؟ " فَقَالَ يَعْقُوبُ لِفِرْعَوْنَ: "أَيَّامُ سِنِي غُرْبَتِي مِئَةٌ وَثَلاثُونَ سَنَةً. قَلِيلَةً وَ رَدِيَّةً كَانَتْ أَيَّامُ سِنِي حَيَاتِي، وَلَمْ تَبْلُغْ إِلَى أَيَّامِ سِنِي حَيَاةِ آبَائِي فِي أَيَّامِ غُرْبَتِهِمْ". ( تك 47 : 9 ) فسماها غربة وهذا ما كان يريح نفسه أنه ضيف علي الأرض وسيأتي يوما ليرحل، وبرغم هذا فهي أيام ممتلئة تعب.
تعبير شبعان تعب من التعبيرات التي تعبر عن النفسية الممتلىة لدرحة الإحساس المرهق والمتعب، فنفسية ايوب كانت متألمة للغاية، فكل رجال الله في الكتاب المقدس صرحوا بأنهم غرباء، فداود في صلاته قال لله" نَحْنُ غُرَبَاءُ أَمَامَكَ، وَنُزَلاءُ مِثْلُ كُلِّ آبَائِنَا. " ( 1أخ 29 : 15 ) فعندما يتعامل المؤمن بهذا المنطق سيكون سهل عليه العطاء وعدم الحزن علي ما يفقد في حياته من ممتلكات وأموال و.... الخ. بلدد صديق أيوب كان يعلم أن ايان الإنسان قليلة مهما طالت " لأنَّنَا نَحْنُ مِنْ أَمْسٍ وَلا نَعْلَمُ، لأنَّ أَيَّامَنَا عَلَى الأرْضِ ظِلّ. ( أي 8 : 9 ) ولذلك كان يذكر ايوب بان ما انت عليه ناتح من حياتك المستترة واخطاىك التي لا يعلم عنها احد " هَلْ يَنْمُي الْبَرْدِيُّ فِي غَيْرِ الْغَمِقَةِ، أَوْ تَنْبُتُ الْحَلْفَاءُ بِلا مَاءٍ؟ ( أي 8 : 11 ) وكأنه يقول لأيوب " لا توحد نار من غير شرارة " كل هذه التعليقات وكلمات أصدقائه من ضمن أتعابه التي إجتاز فيها أيوب ليصرح أنه شبعان تعب.
3 ـ ينحسم سريعا: مولود المراة أيامه قليلة ومن جهة التعب شبعان للنهاية، ولكن أيوب بضيف كلمة وكأنه في حلبة القضاء فيقول أنه ينحسم سريعا أي أن قضاياه وأوامره يتم انهائها بسرعه حتي كيان وجوده فهو كالظل يظهر ثم ينتهي مع غياب النور " يَخْرُجُ كَالزَّهْرِ ثُمَّ يَنْحَسِمُ وَيَبْرَحُ كَالظِّلِّ وَلا يَقِفُ. ( أي 14 : 2 ) هذا هو الإنسان ينتهي سريعا، وهذا يجعل من له حكمة التعامل مع الحياة كغريب وكضيف، أهم شيئ أن يعيش مستريح فقد كان أيوب يعيش مستريحا قبل التجربة، ولكن التجربة اقتحمت حياته فحطمته " كُنْتُ مُسْتَرِيحًا فَزَعْزَعَنِي، وَأَمْسَكَ بِقَفَايَ فَحَطَّمَنِي، وَنَصَبَنِي لَهُ غَرَضًا. ( أي 16 : 12 ) إن من فوائد التجربة علي أيوب أن يتعلم عن الله ما لم يتعلمه قبل التجربة، فليس معنى هذا ان الله سمح او أتي بالتجربة. كلا وحاشا. ولكن عندما وُجدت التجربة كانت الفرصة لله ليعلم أيوب، أي أن الله حول من التجربة فرصة كالإمتحان فينتقل أيوب من مستوي لمستوي مختلف، وكأن الله يستعمل قانون " وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ الله، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ.( رو 8 : 28 ) فالله لم يأتي بالتجربة ولا بالتعب، ولكنه أتي بالفرصة في وسط الألم والتجربة والتعب والتحطيم.
الشعور بالغربة في الحياة فرصة رائعة للخروج من كل الأزمات لتمر بنا بلا تعب نفسي " لأنَّنَا نَحْنُ غُرَبَاءُ أَمَامَكَ، وَنُزَلاءُ مِثْلُ كُلِّ آبَائِنَا. أَيَّامُنَا كَالظِّلِّ عَلَى الأرْضِ وَلَيْسَ رَجَاءٌ. ( 1 أخ 29 : 15 ) وكلمة رجاء هنا عائدة علي الإمور الأرضية وليس المقصود بها ما هو أبدي، فأين الأجداد والأباء، إنهم كالظل إنحسموا سريعا، حقيقة أين أبي؟ أبي الذي تعلمت منه الكثير وخدم سيده وترك بصمة رائعة في كثيرين، إنه كالظل انتهي سريعا، أين والدتي التي خدمت الرب بكل قلبها وبكل ما أوتت من قوة أيضا إنها كالظل، ف أبائي عاشوا غرباء ونحن يجب أن نعيش كذلك غرباء علي الأرض، أنظر للملوك أين هم؟ للرؤساء كيف اصبحوا؟ وراهم التراب ـ إنتهوا، والأصعب من هذا أن من هو ليس بمؤمن له عذاب أبدي، يعيش هنا علي الأرض سنين عددها ولكنه سيكون في مصيره الأبدي الي ما لا نهاية، فأنت غريب سواء كنت مؤمنا او غير مؤمنا، أنت ضيف فلا تتمسك بالعالم وما فيه لأن كله كالسراب والعدم.
4 ـ أيامه محدودة ومعدودة بالشهور: فالإنسان أامه معدودة ـ تمام ـ أما كلمة محدودة وبالشهور فهذا ليس معناه أن الله قد حدد عمره، ولكن لأن الإنسان كالظل فأيامه علي الأرض قليلة وتعد بالشهور، اما في فكر أياب أن الله حدد عمر لكل إنسان " إِنْ كَانَتْ أَيَّامُهُ مَحْدُودَةً، وَعَدَدُ أَشْهُرِهِ عِنْدَكَ، وَقَدْ عَيَّنْتَ أَجَلَهُ فَلا يَتَجَاوَزُهُ، ( أي 14 : 5 ) هذا الفكر بكل تأكيد يحتاج لنظرة ثاقبة ولتعديل، لأن الله خلق الإنسان ليعيش أما أن الله حدد أجله بميعاد فهذا فكر لا أقبله.
الله يعلم اين سأعيش ومتي وكيف سأموت ، ولأن الإنسان مولود تحت الخطية فعوامل الموت تعمل فيه منذ وهو جنين في بطن أمه، ويأتي اليوم الذي يحصد فيه هذا، ولذلك فالله ليس كالمخترع الذي يخترع جهاز ويعطي له فرضية عمر، بل الله خلق الإنسان ليحيا ومسئولية حياته وموته مسلمة لطريقة العيش والبيئة المحيطة به والقضاء الإلهي الذي يصدر احكاما منها الموت.
مكتوب عن الله يميت ويحي، فهو يميت ويحي بقوانين وأليات ومبادئ، فالله ليس بفارض حكم دون أسانيد، قد لا تظهر الأسانيد للجميع ولكنها معلنة لمن يخصه الأمر " الرَّبُّ يُمِيتُ وَيُحْيِي. يُهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَيُصْعِدُ.( 1 صم 2 : 6 ) تمام فالحكم في يده، فهو الله ولكنه يميت ويحي بحسب مبادئه الذي يحترمها " إِذَا أَخْطَأَ إِنْسَانٌ إِلَى إِنْسَانٍ يَدِينُهُ الله. فَإِنْ أَخْطَأَ إِنْسَانٌ إِلَى الرَّبِّ فَمَنْ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِهِ؟" وَلَمْ يَسْمَعُوا لِصَوْتِ أَبِيهِمْ لأنَّ الرَّبَّ شَاءَ أَنْ يُمِيتَهُمْ. ( 1صم 2 : 25 ) فكلمة شاء أن يميتهم مرتبطة بالقضاء الإلهي، بناء علي عدم طاعتهم وعدم الإيمان وبسبب التمادي في الشرور والخطايا " الشَّرُّ يُمِيتُ الشِّرِّيرَ، وَمُبْغِضُو الصِّدِّيقِ يُعَاقَبُونَ. ( مز 34 : 21 ) فالله عندما يقضي فهو يقضي بالعدل " بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأرضْضِ، وَيَضْرِبُ الأرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ. ( أش 11 : 4 ) ولذلك فالعبارة التي قالها أيوب أن الله اعطي وحدد عمر الإنسان فهو بحسب قوانين.
ليس فقط الشر يميت، ولكن أوقات يضم الرب الصديق من وجه الشر " بَادَ الصِّدِّيقُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ ذلِكَ فِي قَلْبِهِ. وَرِجَالُ الإحْسَانِ يُضَمُّونَ، وَلَيْسَ مَنْ يَفْطَنُ بِأَنَّهُ مِنْ وَجْهِ الشَّرِّ يُضَمُّ الصِّدِّيقُ. ( أش 57 : 1 ) ففي هذا نري أن الله يُخرج الصديق من العالم الممتليئ شرور كي لا يري حكم الله علي من احبهم فيوجعه قلبه، وأوقات كثيرة ينجي الصديق كلوط ويخسر ممتلكاته في سبيل نجاته من موت محقق علي بلدة إختارها للسكني والعيش فيها.
يوما قال الرب للملك يوشيا أنه سيضم لأباءه كي لا يري القضاء الذي فاعله في شعبه لسبب خطاياهم التي بلا توبة " لِذلِكَ هأَنَذَا أَضُمُّكَ إِلَى آبَائِكَ، فَتُضَمُّ إِلَى قَبْرِكَ بِسَلامٍ، وَلا تَرَى عَيْنَاكَ كُلَّ الشَّرِّ الَّذِي أَنَا جَالِبُهُ عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ". فَرَدُّوا عَلَى الْمَلِكِ جَوَابًا. ( 2مل 22 : 20 ) بمعني أن موت يوشيا ليس بحكم قضائي بل برحمة الهية، فهو سيذهب لمكان أفضل ولا يعيش ماساة شعب أحبه يوشيا وأراد الهير لهم، ولكنهم شعب غليظ الرقبة، إنه إمتياز كبير أن يتعامل الرب برحمته مع من سار بأمانة مع الهه او سار في مشيئة الله وارضي الرب.
يطلب ايوب من الله أمورا يحتاج تفعيلها وهي:
1 ـ عدم المحاكمة: من الطبيعي أن يري أيوب ويترحم أحداثه وواقعه بحسب الأمه وأتعابه، فهو من الداخل غضبان ـ ثائر ـ غير راضي " فَعَلَى مِثْلِ هذَا حَدَّقْتَ عَيْنَيْكَ، وَإِيَّايَ أَحْضَرْتَ إِلَى الْمُحَاكَمَةِ مَعَكَ. ( أي 14 : 3 ) شعر بأن الله أحضره للمحاكمة وأنزل علي حياته عقاب، فجميع كلماته ممتلئة حيرة قلب وعدم فهم وياخلص في سؤال واحد، لماذا كل هذا، وماذا فعلت؟ فهو يري نفسه بريئ ولم يفعل شيئا، ونسي أنه تبني الخوف والرعب بحسب( أي 3: 25 ) لخوف منح فرصة لإبليس للدخول.
أعلم انه قد يعترض القارئ بالقول، لكل إنسان مقدار من المخاوف؟ إذا لكل إنسان فرصة لتدخلات إبليس في حياته؟ اجيب وأقول إنه سؤال وجيه جدا، نعم كبشر يوجد مخاوف ولكن.. يجب التفريق بين مخاوف متبناة ومخاوف مرفوضة من الأساس، فمثلا التأمين الطبيعي للمنزل من مخاوف اللصوص قانوني وطبيعي جدا، أما وسواس الخوف المقلق للنوم والمتبني لدرجة الكوابيس والأحلام المزعجة فهذا خوف يحتاج لرفضه ونزعه لأنه يضع الانسان في دائرة عدم الثقة في الله، وهكذا، فالخوف المتبني باب لإبليس، هكذا كان أيوب " لأني ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيّ. ( أي 3 : 25 ) إنه أمر واضح أن ايوب تبني الخوف فأتاه، فقد كان يخاف من بطش ربنا بأولاده لسبب اي خطية تجلب غضب الله عليهم، فقد كان يقدم ذبائح عنهم " وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: "رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ". هكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّامِ( أي 1 : 5 ) فبرغم أن الذبيحة هنا عمل روحي ولكنه نابع من الخوف ولذلك كان مؤشر لقرأة إبليس للخوف الذي في قلب أيوب.
هذا ما كان يحير أيوب فعندما قال" وَإِيَّايَ أَحْضَرْتَ إِلَى الْمُحَاكَمَةِ مَعَكَ " وكأنه يقول لله، لا تحاكمني الم أقدم ذبائح عن أولادي! لماذا ماتوا بهذه الطريقة وجميعهم معا؟ إنه سؤال وجيه، ولذلك لم يتركه الرب وفي نهاية السفر سنري مقدار إهتمام الله بأيوب وبمقدار التعويض الإلهي الذي منحه إياه الله. فقد عالج الرب الخوف في ايوب عندما وضع أمامه مثل الفرس الذي لا يخاف وقت المعركة، لا يخاف من صوت الخرب ولا من صوت السيوف فققال له " "هَلْ أَنْتَ تُعْطِي الْفَرَسَ قُوَّتَهُ وَتَكْسُو عُنُقَهُ عُرْفًا؟يَضْحَكُ عَلَى الْخَوْفِ وَلا يَرْتَاعُ، وَلا يَرْجعُ عَنِ السَّيْفِ. ( أي 39 : 19 ، 22 ) فالخوف عند أيوب كان مفتاح تدخل ابليس، لذلك يقول الرسول بولس ان الخوف له عذاب" لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ. ( 1يو 4 : 18 ) فالمؤمن الممتليئ محبة لله يمتليئ ثقة ولا يكون للخوف محال في حياته، اناشدك قارئي العزيز ان تمتليئ ثقة في الهك ولا تخف.
2 ـ لا تضعه في عقلك ( ماتحطهوش في دماغك) : هل الأمر هكذا عند الله؟ هل الله يضع إنسان في عقله ليؤذيه؟ حاشا لله أن يكون هكذا، فالله محب وخلق الإنسان ليجعله سعيدا، فالشر الذي يحدث يصير خارج دائرة العمل الإلهي، لذلك عبارة أيوب في قوله " فَأَقْصِرْ عَنْهُ لِيَسْتَرِيحْ، إِلَى أَنْ يُسَرَّ كَالأجِيرِ بِانْتِهَاءِ يَوْمِهِ. ( أي 14 : 6 ) ليست في محلها عن الله ، فأيوب في فهمه يدخل في دائرة الإدانة لله حتي ولو بدون قصد، فهو يعبر عن مقدار ومستوي التعب والألم، يطلب أيوب من الله أن يخرجه من عقله كي يستريح من الألم.
هذه العبارة التي إستخدمها أيوب تشبه كلماته التي أوردها في الاصحاح السابع بقوله " حَتَّى مَتَى لا تَلْتَفِتُ عَنِّي وَلا تُرْخِينِي رَيْثَمَا أَبْلَعُ رِيقِي؟ ( أي 7 : 19 ) فهو يطلب من الله أن يترأف عليه حتي يستطيع بلع ريقه، هذا تعبير عن مقدار وثقل التجربة والألم، وايضا تحمل معني ان الله هو صاحب التجربة والألم، تقريبا هذا هو المفهوم الدارك وسط الاجيال، وحتي يومنا هذا، ولذلك يجب تصحيح هذا المفهوم،قالله لا يجرب احد بالشرور، بل بالعكس ينظر لمن هو مُجرب ومُتألم ليرفع الأمه وأتعابه.
يري أيوب أن الله رقيب للناس ويري انه لم يُخطيئ لذلك يستنكر تجربته إذا كانت نتيجة خطأ فيه " أَأَخْطَأْتُ؟ مَاذَا أَفْعَلُ لَكَ يَا رَقِيبَ النَّاسِ؟ ... ( أي 7 : 20 ) يري نفسه أنه لم يخطيئ وأنه لا يستحق التجربة والعقاب " أَأَخْطَأْتُ " في التقرير الإلهي عن أيوب يقول الرب عنه أنه لم يخطيئ برغم كل ما حدث له " فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ وَلَمْ يَنْسِبْ للهِ جِهَالَةً. ( أي 1 : 22 ) فمن الجميل والرائع أن تكون حياة الانسان مزكاه من الله أو مزكاه أمام الله، فقد تزكي أيوب، فهل مولود المرأة يزكوا أمام الله؟ نعم يزكوا أمام الله، بالسلوك المرضي وحياة الرضا، فقد تزكي أيوب أمام الله لأنه سار في كمال قلبه الي النهاية.
----------------------------------------------------------------
6
فقدان الأمل باب لليأس
يتكلم أيوب في سفره عن أن لكل شيئ أمل للعودة من جديد أما الإنسان عندما يُبلي ينتهي ولا يعود " لأنَّ لِلشَّجَرَةِ رَجَاءً. إِنْ قُطِعَتْ تُخْلِفْ أَيْضًا وَلا تُعْدَمُ خَرَاعِيبُهَا.وَلَوْ قَدُمَ فِي الأرضِ أَصْلُهَا، وَمَاتَ فِي التُّرَابِ جِذْعُهَا،فَمِنْ رَائِحَةِ الْمَاءِ تُفْرِخُ وَتُنْبِتُ فُرُوعًا كَالْغِرْسِ.أَمَّا الرَّجُلُ فَيَمُوتُ وَيَبْلَى. الإنسَانُ يُسْلِمُ الرُّوحَ، فَأَيْنَ هُوَ؟ ( أي 14 : 7 ـ 10 ) إنها صورة لفقدان الأمل وضعف الإنسان وقلة حيلته، فيري أيوب أن الشجرة أفضل في رجائها عن الإنسان
كلمة " رجاء " في اللغة الانجليزية في سفر أيوب جاءت " hope " وتعني أمل، في الأصل العبري " תּקוה " وتنطق " tiqvah ـ تيجفا "تعني " أمل " أي أن إمكانية العودة للحياة مرة أخري تمنح هدوء نفسي وراحة لوجود فرصة ثانية، أو معرفة وجود توقع مفترض، فالشجرة عندما تنشف فروعها ومازالت جذورها في الأرض، فللشجرة فرصة جديدة للثمر والإزدهار، أما أيوب فلا يري في حياته من مات وعاد مرة أخري فالشعور بعدم الأمل لغة يأس، واليأس مستوي من العذاب الذي يحتاج فاقد الأمل أن يخرج من يأسه بشعاع نور يمنحه رجاء.
نفس كلمة الرجاء في العهد الجديد اللغة اليونانية جاءت ἐλπίς وتنطق elpis ـ إلبيس، وتعني أمل وترجمت رجاء كما في مت 12: 21، يو 5: 25، أع 2: 26، 23: 6، 24: 15، وغيرهما من الأيات
ولكن توجد كلمة أخري لكلمة رجاء trust وفي اليوناني ἐλπίζω وتنطق elpizo ـ البيذو وتعني أمل ـ ثقة، كما في رو 5: 2، ومت 27: 43 وتوجد كلمة أخري تعني إتكال πείθω وتنطق peitho ـ بيثو كما في مر 10: 24، ولذلك علينا التفرقة بين كلمة رجاء التي تعني أمل وكلمة رحاء الي تعني ثقة وإتكال، أيوب كان يطلب الأمل في شفاءه والرجوع للحياة الطبيعية من جديد، فصلي لله يقول له أن للزرعة رجاء ـ امل، أما مولود المراة فمسكين وضعيف ويحتاج لمن ينزع اليأس من حياته.
----------------------------------------------------------------
7
السموات وإنتهاء الإنسان
تطرق أيوب في كلامه مع الله الي عبارات تحتاج الي فهم إدراكي واسع بحسب فكر كلمة الله بصفة عامة، لأن مفهومها عند أيوب قد يكون الفهم المحدود الخاص بان كل شيئ سينتهي حتي السماوات ولن يعودا كذلك الإنسان " وَالإنْسَانُ يَضْطَجِعُ وَلا يَقُومُ. لا يَسْتَيْقِظُونَ حَتَّى لا تَبْقَى السَّمَاوَاتُ، وَلا يَنْتَبِهُونَ مِنْ نَوْمِهِمْ. ( أي 14 : 12 ) والأهم هو إدراك أن كل شيئ سينتهي حتي السموات ستزول أمر يجعلنا ننحني سجودا لكلمة الله لأن أيوب في زمن بعيد عن دائرة العلم، ولكنه قريب لدائرة الفهم الروحي والخضوع للوحي الإلهي، فزوال السموات قضية أعلنها الكتاب المقدس في أكثر من موضع، فقد تكلم عنها الرسول بطرس عندما قال " مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَالْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ. ( 2بط 3 : 12 ) هذه حقيقة معلنة في كلمة الله سيأتي الوقت الذي يحدث فيه هذا، وفي وقتها يتم خلق سماء جديدة وأرض جديدة كما أعلن النبي أشعياء " لأنِّي هأَنَذَا خَالِقٌ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، فَلا تُذْكَرُ الأولَى وَلا تَخْطُرُ عَلَى بَال. (إش 65 : 17 ) (إش 66 : 22 ) الْبِرُّ. (2يط 3 : 13 ) حقيقة أن السموات ستزول أمر حتمي معلن في كلمة االه.
يري أيوب أن الأموات ما هم إلا نيام إلي أن تزول السموات والمقصود هنا أنه يوجد فرصة أخري للأموات في نهاية الزمان، ولذلك طلب من الله أن يميته الي أن يمر وقت الغضب والتجربة ثم يعيده مرة أخري " لَيْتَكَ تُوارِينِي فِي الْهَاوِيَةِ، وَتُخْفِينِي إِلَى أَنْ يَنْصَرِفَ غَضَبُكَ، وَتُعَيِّنُ لِي أَجَلا فَتَذْكُرَنِي. ( أي 14 : 13 ) فالأمر لدي ايوب كان واضحا، أنه يوجد قيامة اموات، فكونه يقول لله واريني في الهاوية، ويخفيه اي يخبئه ثم يعيده مرة اخري فهذا معناه أنه يؤمن بقيامة الأموات.
كلمة الهاوية هنا ليست جهنم لأن المقصود بها هنا القبر، هذا يحسب أصل اللغة العبرية " שׁאל שׁאול وتنطق she'ol she'ol شاؤول وتعني قبر، وفي اللغة الانجليزية " the underworld " وتعني العالم السفلي، فالقصد من كل هذا طلب معونة الله للعبور من الأزمة التي يمر بها حتي ولو بالموت ـ لأن الله قادر أن يعيده من جديد.
----------------------------------------------------------------
8
مراقبة الخطايا
من له حق مراقبة الخطايا؟ هل الله وحده أم البشر أيضا؟ إن الله في تعاملاته مع بني البشر يري الجميع ويراقب الكل ، فيقول أيوب أن الله يراقب خطاياه " أَمَّا الآنَ فَتُحْصِي خَطَوَاتِي، أَلا تُحَافِظُ عَلَى خَطِيَّتِي!مَعْصِيَتِي مَخْتُومٌ عَلَيْهَا فِي صُرَّةٍ، وَتُلَفِّقُ عَلَيَّ فَوْقَ إِثْمِي. ( أي 14 : 16 ـ 17 ) هذا الفكر يحتاج الي توضيح ويحتاج للرفض وعدم القبول، بمعني أن الله لا يجلس طول اليوم وطول الوقت يراقب خطايا البشر ، حاشا ان يكون الهدف مراقبة الخطايا ولكن هدف الله في المراقبة هو للمكافىة والحماية، فهو يراقب الإنسان ليقبل اليه ، ولكنه يراقب من أجل الحماية والمكافأت، أما الخطايا يتم مسحها للتائب علي حساب دم الذبيحة، وفي العهد الجديد يتم غفران خطايا التائب علي حساب دم المسيح.
أما بخصوص الخطايا المتبناه من فاعليها فهي محفوظة ليوم الدينونة سواء للخطاة او للمؤمنين، وبالأخص للمؤمنين فيحاسبون في الأبدية أمام كرسي المسيح فيكافئون عن فعل الخير، وتُقّيّم مكانتهم في الميراث بحسب حياتهم التي عاشوها علي الأرض، لأن كلمة الله واضحة بأن الزاني والشتام وفاعلي الشر ليس لهم ميراث في الأبدية " أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لا يَرِثُونَ مَلَكُوتَ الله؟ لا تَضِلُّوا: لا زُنَاةٌ وَلا عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلا فَاسِقُونَ وَلا مَأْبُونُونَ وَلا مُضَاجِعُو ذُكُورٍ، ( 1كو 6 : 9 ) فالميراث الأبدي يبدأ بالحياة الأبدية ومستويات من المجد في منازل أبدية ومكانة، فليس جميع المؤمنين في الأبدية في مكانة واحدة، الأمر يتوقف علي مستوي الغلبة والإنتصار " مَنْ يَغْلِبْ يَرِثْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَكُونُ لَهُ إِلهًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا. ( رؤ 21 : 7 ) هذا حق يجب أن يدرك.
هل كان ايوب يدرك كل هذا، بالكبع لا، لأن ما نعلمه اليوم هو مور الخق الذي أعلن تدريجيا الي أن وصل الينا كاملا بمجيئ المسيح وكتابة الوحي علي يد تلاميذه، ففكرة ان الله يجلس يراقب خطايا وأخطاء البشر امر ليس طبيعيا وليس حقيقيا، ومون ان أيوب يقول " مَعْصِيَتِي مَخْتُومٌ عَلَيْهَا فِي صُرَّةٍ، وَتُلَفِّقُ عَلَيَّ فَوْقَ إِثْمِي " وفي الترجمةالتفسيرية للكتاب المقدس " فَتَخْتِمُ مَعْصِيَتِي فِي صُرَّةٍ، وَتَسْتُرُ ذَنْبِي. " فالله لا يراقب الذنوب ويحفظها ليعاقب ويدين، بل إن اخطائنا وخطايانا التي نفعلها تحتاج دائما للتوبة والرجوع لغفرانها لأن " وَلا سَارِقُونَ وَلا طَمَّاعُونَ وَلا سِكِّيرُونَ وَلا شَتَّامُونَ وَلا خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ الله. ( 1كو 6 : 10 ) هذه هي الصرة التي تحفظ ليوم الينونة والحساب فليس لأن الله يراقب الخطايا، بل لأن الله يراقب ليكافأ عن الخير أما الشر فهو الذي يضعف رصيدنا الأبدي، فرصيد المؤمن كإبن له حق الميراث الكامل منذ الولادة الروحيه له، ولكن خطاياه وتعدياته تقلل من رصيده الأبدي الذي له في الأبدية، لذلك ستجد مؤمنين في الأبدية في مجد وأخرين في مجد أقل، وستجد مؤمنين علي رؤسهم أكاليل، وأخرين بلا أكاليل، وستحد مؤمنين لهم أجرة عن ما فعلوا وأخرين بأجرة أقل أو بلا أجرة، فسلوكنا هنا يحدد مكانتنا هناك، وأن مراقبة الخطايا ليست الهدف الاساسي في عملية النراقبة، بل المراقبة أساسها الحماية والمكافئة والإهتمام الإلهي بالبشر، وبالطبيعي في قلب المراقبة يري الله الخير الذي تم فعله والشر الذي تم السلوك فيه.
يتابع أيوب افكاره واتجاه التعليم الذي تناوله في حياته، فيستمر يعلن ان الله مصدر لهذا الألم ولهذه التجربة، فهو كالجبل الساقط وصخرة تزحزحت من مكانها " إِنَّ الْجَبَلَ السَّاقِطَ يَنْتَثِرُ، وَالصَّخْرَ يُزَحْزَحُ مِنْ مَكَانِهِ. ( أي 14 : 18 ) فالجبل الشامخ يمكن أن يتأثر من كمية المياه وقوة اندفاعها هكذا ايوب يري نفسه قد تأثر والسبب أن الله اراد ذلك " الْحِجَارَةُ تَبْلِيهَا الْمِيَاهُ وَتَجْرُفُ سُيُولُهَا تُرَابَ الأرْضِ، وَكَذلِكَ أَنْتَ تُبِيدُ رَجَاءَ الإنْسَانِ. ( أي 14 : 19 ) هل حقا هذا ما فعله الله في ايوب؟.... كلا.
نعم الله يستطيع أن يفعل هذا لكنه لا يفعل هذا، لانه يوجد فارق بين ما يستطيع فعله الله وما لا يريد فعله، فالله يستطيع أن يجرب، ولكنه لا يجرب أحدا " لا يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: "إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ الله"، لأنَّ الله غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لا يُجَرِّبُ أَحَدًا. ( يع 1 : 13 ) يستطيع ان يزحزح الجبال ولكنه لا يفعل ذلك، إن الله لا يبيد أي أمل يتشبث به أي إنسان فهو" لا تُبِيدُ رَجَاءَ الإنْسَانِ. " إن فكر أيوب مستمد من جيله وفهمهم عن الله، لأن كان أصدقاء أيوب يغهمون هذا وكان هدف كلامهم عن أيوب يثبتون أن التجربة من الله لسبب أخطاء ايوب، وهذا الفكر ليس بصواب علي الإطلاق.
القهر والتجبر من الله علي الانسان ليس حقيقة، فقول أيوب " تَتَجَبَّرُ عَلَيْهِ أَبَدًا فَيَذْهَبُ. تُغَيِّرُ وَجْهَهُ وَتَطْرُدُهُ. (أي 14 : 20 ) قول ليس صحيحا علي الله إلا إذا كان في نطاق القضاء الإلهي، اي أن من الإنسان إذا بدأ بالتجبر او قهر الأخرين أو ظلمهم او فعل إمور ضد مشيئة الله، فهنا يدخل تحت القضاء الإلهي كما دخل شاول ورفض من الله " لأنَّ التَّمَرُّدَ كَخَطِيَّةِ الْعِرَافَةِ، وَالْعِنَادُ كَالْوَثَنِ وَالتَّرَافِيمِ. لأنَّكَ رَفَضْتَ كَلامَ الرَّبِّ رَفَضَكَ مِنَ الْمُلْكِ". (1صم 15 : 23 ، 26 ) (1صم 16 : 1 ، 7 ) فرفض الرب لشاول ليس تجبر منه أو قهر بل حكم قضائي علي حياته، اما الطبيعة الإلهية فليس فيها تجبر وليس فيها قهر او ذل، بل بالعكس أنه يقبل الجميع ويريد رجوعهم اليه " لِيَكُنِ الرَّبُّ إِلهُنَا مَعَنَا كَمَا كَانَ مَعَ آبَائِنَا فَلا يَتْرُكَنَا وَلا يَرْفُضَنَا. ( 1مل 8 : 57 ) فهو اله محب يقول لإرميا " تَرَاءَى لِي الرَّبُّ مِنْ بَعِيدٍ: "وَمَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَدَمْتُ لَكِ الرَّحْمَةَ. ( ار 31 : 3 ) هذا هو الهنا له كل المجد لا يترك شعبه او أولاده بل يتعامل معهم برفق وطيبة ومحبة الي ان يرجعوا ." كُنْتُ أَجْذِبُهُمْ بِحِبَالِ الْبَشَرِ، بِرُبُطِ الْمَحَبَّةِ، وَكُنْتُ لَهُمْ كَمَنْ يَرْفَعُ النِّيرَ عَنْ أَعْنَاقِهِمْ، وَمَدَدْتُ إِلَيْهِ مُطْعِمًا إِيَّاهُ. ( هو 11 : 4 ) هذه هي طول أناة الرب، ولكن إن لم يرجع الإنسان عن خطاياه وشر قلبه فهو وحده يتحمل لأنه سيدخل تحت القضاء الإلهي وكمؤمن في قسم إسمه التأديب فكن حذرا وسر بأمانة مع الله وتب.
--------------------------------------------------------------
9
اصدقاء متعبون
هل يصمت الأصدقاء عندما لا يكونوا فاهمين ما هي مشيئة الله؟ ألا يوجد صديق عاقل ليصمت وقت الشدة، ووإذا تكلم فليتكلم فالحسني والكلام الطيب، ولكن للأسف قليلون هم الأصدقاء الحكماء الفاهمون اللذين يحاكون في وقت الازمات بالصالح، اليفاز التيماني صديق ايوب من الاصدقاء الثلاثة " ... أَصْحَابُ أَيُّوبَ الثَّلاثَةُ ــ أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ الشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ،... " هؤلاء الثلاثة كان هدفهم تعزية ايوب ومواساته " .... وَتَوَاعَدُوا أَنْ يَأْتُوا لِيَرْثُوا لَهُ وَيُعَزُّوهُ. (أي 2 : 11 ) ففي الإصحاح الرابع عشر تكلم أيوب بكلمات عبر فيها عن ما يدور في عقله وباطنه ليستريح، ولكنهم زادوا عليه حملا لذلك " فَأَجَابَ أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَقَالَ: ( أي 15 : 1 ) ياليته يقول كلاما يعزي ويرثي له، ولكنه للاسف زاد علي نفسيته ثقلا جديدا فقال له " أَلَعَلَّ الْحَكِيمَ يُجِيبُ عَنْ مَعْرِفَةٍ بَاطِلَةٍ، وَيَمْلأ بَطْنَهُ مِنْ رِيحٍ شَرْقِيَّةٍ، (أي 15 : 3 ) المقصود بالحكيم هنا هو ايوب، لانه قال يوما لهم انه حكيم مثلهم ويعلم اكثر ما يعلمون " غَيْرَ أَنَّهُ لِي فَهْمٌ مِثْلَكُمْ. لَسْتُ أَنَا دُونَكُمْ. وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِثْلُ هذِهِ؟ (أي 12 : 3 ) ولذلك يتكلم اليفاز مع ايوب ويصفه بالحكيم ويساله سؤال " أَلَعَلَّ الْحَكِيمَ يُجِيبُ عَنْ مَعْرِفَةٍ بَاطِلَةٍ، وَيَمْلأ بَطْنَهُ مِنْ رِيحٍ شَرْقِيَّةٍ، فَيَحْتَجَّ بِكَلامٍ لا يُفِيدُ، وَبِأَحَادِيثَ لا يَنْتَفِعُ بِهَا؟ (أي 15 : 2 ، 3 ) وكلمة ريح شرقية المقصود بها أن كلام أيوب فارغ بلا قيمة ولا يفيد ولا ينفع، إن اليفاز جعل من أيوب إنسانا مخطيئ وبلا قيمة، ياله من صديق يجب الإنعزال عنه إن لم يرجع ويتوب ويعتذر عن ما قال.
من الصعب ان يكون جارحوك هم اخوتك أو أصدقاىك المقربين اليك، ففي الحياة ووقت الازمات ستظهر معادن الناس، فقد يكون فاعلي الأزمة هم إخوتك كيوسف واخوته، وأوقات تصدر الأزمة من الخارج وينضم اليها احباء قلبك فيصنعون أزمات وجروح أنت في غني عنها كما في أيوب، إقرأ معي ما قاله أليفاز " أَمَّا أَنْتَ فَتُنَافِي الْمَخَافَةَ، وَتُنَاقِضُ التَّقْوَى لَدَى الله. لأنَّ فَمَكَ يُذِيعُ إِثْمَكَ، وَتَخْتَارُ لِسَانَ الْمُحْتَالِينَ. (أي 15 : 4 ، 5 ) ياإلهي... ياإلهي. علي أشخاص مثل هؤلاء ألا يكفي شدة الألم والوجع الصادر من فقدان الأبناء والصحة والمال والممتلكات، فقد زاد الكيل من أصدقاء أيوب، لأنهم جعلوا من أيوب
1 ـ رجل بعيد عن مخافة الله
2 ـ وليس بتقي،
3 ـ ولسانه لسان اثيم
4 ـ ومحتال
كلام موجع للغاية، هذا يذكرنا بعروس النشيد عندما قالت " لا تَنْظُرْنَ إِلَيَّ لِكَوْنِي سَوْدَاءَ، لأنَّ الشَّمْسَ قَدْ لَوَّحَتْنِي. بَنُو أُمِّي غَضِبُوا عَلَيَّ. جَعَلُونِي نَاطُورَةَ الْكُرُومِ. أَمَّا كَرْمِي فَلَمْ أَنْطُرْهُ. ( نش 1 : 6 ) اي شمس؟!. إنها شمس التجارب، أي تجارب؟!. إنها اصعب تجربة التي تصدر من الأقرباء والاحباء والمعارف " بَنُو أُمِّي غَضِبُوا عَلَيَّ. " استغلوها لحراسة كرومهم وابعدوها عن حراسة كرومها، فقد وقعت في دائرة الإستغلال من احبائها اليس هذا صعب للغاية، إن حل مثل هذه الإمور يحتاج الي وقفة والي اتخاذ موقف لرسم حدود في التواصل والعلاقات، فليس من خق اي من كان او يكون يقيم حالتي ويصدر قراراته او يبدي رأيه دون علم وفهم وبلا إذن واضح ليتكلم علي حياة أخرين لهم استقلاليتهم.
صراع الأفكار وتسابق الأوضاع جعل من أصدقاء أيوب رجال مستنذفين للطاقة، أراد اصدقاء ايوب ان ياخذوا وضع القاضي وارادوا وضع أفكار صارت صراع بينهم وبين أيوب، ارادوا أن يستذنبوا أيوب، فزادوا علي كاهله عبئا، ارادوا تأسيس فكرة أن أيوب مخطيئ ومستذنب ومدان " إِنَّ فَمَكَ يَسْتَذْنِبُكَ، لا أَنَا، وَشَفَتَاكَ تَشْهَدَانِ عَلَيْكَ ( أي 15 : 6 ) إنها مواجهة ولكنها من النوع الثقيل، أن تواجه أشخاص لهم فكر مغلوط عن معاملات الله مع الإنسان، فمن الصعب التعامل معهم وحوارهم، فكل هدفهم يسيرون حكماء ومحللون روحانيون فيحكموا علي واقع أيوب بالإدانة والإستذناب، فيقللون من مستوي ادراكه ويستهزئون به " أَصُوِّرْتَ أَوَّلَ النَّاسِ أَمْ أُبْدِئْتَ قَبْلَ التِّلالِ؟ (أي 15 : 7 ) اي أنهم يريدون تقليل من قدراته الذهنية، فانت ياايوب لست من قديم الأزل لتفهم وتعرف ولست من رجال الله الجالسون في محضره لتفهم إمور الله " هَلْ تَنَصَّتَّ فِي مَجْلِسِ الله، أَوْ قَصَرْتَ الْحِكْمَةَ عَلَى نَفْسِكَ؟ (أي 15 : 8 ) وان ما تعرفه ليس اكثر مما نعرف " مَاذَا تَعْرِفُهُ وَلا نَعْرِفُهُ نَحْنُ؟ وَمَاذَا تَفْهَمُ وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَنَا؟ (أي 15 : 9 ) ياه يااصدقاء ايوب، حقا انتم مستذنبون ومخطئون في حق ايوب
السؤال الذي أسأله لمثل هؤلاء الأصدقاء، لماذا المقارنات بالغير؟ ولماذا حب إظهار الذات والأنا والتنافس علي المعرفة؟ إن مثل هؤلاء مستنذفون لكل راحة ومعطلين للشفاء النفسي لأنهم يزيدون الجروح جروحا، هم يرون أن إمكانياتهم أفضل ومعرفتهم اعمق " عِنْدَنَا الشَّيْخُ وَالأشْيَبُ، أَكْبَرُ أَيَّامًا مِنْ أَبِيكَ. (أي 15 : 10 ) ولا يدرون أن بكلامهم ينالون غضب الله وعدم رضاه، إن صمت من ليسوا في ذات التجربة خدمة جليلة لمن هم في الام التجربة ومراراتها، فهم يرون ان الفارق كبير بين الإنسان وخالقه وبالتالي يدفعون ايوب الي طريق الإبتعاد عن الله " مَنْ هُوَ الإنْسَانُ حَتَّى يَزْكُو، أَوْ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَتَبَرَّرَ؟ (أي 15 : 14 ) هذا الفارق من ذهن الاصدقاء او مما يتداول في جيلهم، ولكنه ليس بحق، فالله ليس ببعيد عن الإنسان ودائما قريب ومتواجد، ولذلك ليس من الصالح إنساب هذا ووضع فارق أو اسوار بين الإنسان وخالقه، فخالق الإنسان هو الله وهو ليس ببعيد فيغني الصديق ويقول " فَاعْلَمُوا أَنَّ الرَّبَّ قَدْ مَيَّزَ تَقِيَّهُ. الرَّبُّ يَسْمَعُ عِنْدَ مَا أَدْعُوهُ. (مو 4 : 3 ) نعم الرب قريب لمحبيه.
----------------------------------------------------------------
10
موقف الله من قديسوه والسموات
هذا الموضوع من المواضيع الشائكة خصوصا إذا توسعنا في الدراسة حول القديسين ووضع الملائكة بالنسبة للناس والله، ولذلك سأتناول الموضوع من زاويتين:
الأولي: موقف أصدقاء أيوب من الله تجاه الملائكة والقديسين
والثانية: موقفنا نحن في هذا الزمن من الملائكة والقديسين.
أعلم أن الموضوع يمثل للبعض مبدأ حياة وعشرة ذهنية وعقائدية مع الملائكة والقديسين، والبعض الآخر يري أن لا وجود بما يسمي خدمة القديسين لبني جنسنا وأن خدمة الملائكة تسير بحسب الأوامر الإلهية وليست بحسب توجيهنا في صلاتنا لهم، وأنه لا يجوز الصلاة للقديسين والملائكة لأن هذا يعتبر شرك بالله، قد يصدم بعض القراء من هذا الكلام، ولكن لابد من إظهار الحقائق وإعلان الحق، ولذلك هيا نبدأ في الأمر الاول وهو:
ـ موقف أصدقاء أيوب من الله تجاه الملائكة والقديسين:
صرح أصدقاء أيوب أن " هُوَذَا قِدِّيسُوهُ لا يَأْتَمِنُهُمْ، وَالسَّمَاوَاتُ غَيْرُ طَاهِرَةٍ بِعَيْنَيْهِ، (أي 15 : 15 ) هل حقا الله لا يأتمن القديسون؟ بكل تأكيد الله في تكوين شخصيته سوي تجاه نفسه والأخرين وأيضا هو كامل الإدراك وإدراكه مُطلق، وهو يعرف الإنسان ويعلمه كامل العلم والمعرفة، وأنه منذ بداية التاريخ في تعاملاته يعطي أسراره وتكليفاته لأنبياءه وخدامه ويعطي فرصة للجميع ليُستخدموا، ففكرة أن الله لا ياتمن القديسون فكرة ليست بجيدة وليس صحيحة، أما بخصوص القديسون اللذين رحلوا من عالمنا فليس لهم اي خدمة أو وجود في حياتنا التي علي الأرض، فيقول عنهم الكتاب " ..... أكْتُبْ: طُوبَى لِلأمْوَاتِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فِي الرَّبِّ مُنْذُ الآنَ". "نَعَمْ" يَقُولُ الرُّوحُ: "لِكَيْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ أَتْعَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ". (رؤ 14 : 13 ) فالخدمة عمل وتعب واعطي لهم أن يستريحوا، ولذلك لا يقوموا بأي عمل أو خدمة تخصنا نحن في هذا العالم لانهم رحلوا منه وليس من جديد ليقدموه، وبخصوص شفاعتهم فيمكنك طلب دراسة موضوع الشفاعة لاهميته.
أراد اصدقاء أيوب إظهار قداسة الله بالمقارنة بالقديسين والملائكة، فإن كان القديسون غير أمناء بالنسبة لأمانة الله والسماء ليست بطاهرة أمامه فما هي حالة الإنسان وكيف تكون أمام الله" فَبِالْحَرِيِّ مَكْرُوهٌ وَفَاسِدٌ الإنْسَانُ الشَّارِبُ الإثْمَ كَالْمَاءِ! (أي 15 : 16 ) إن أصدقاء أيوب أرادوا إعطاء صورة معتمة عن طبيعة الله نحو خلائقه، ولكن لنعلم بأن الملائكة الساقطة تم طردهم من السماء والإنسان الساقط تم طرده من الجنة، وأعاد الله نقاء وطهارة الإنسان المؤمن من خلال الذبيحة في العهد القديم وموت المسيح وكفارته في العهد الجديد ، ولذلك فموضوع أن السماء ليست بطاهرة أمامه فلا وجود وجه للمقارنة بين قداسة الله ودرجة نقاء اي من خلائقه سواء كانوا قديسون أو ملائكة أو بشر أو سماء.
ـ موقفنا نحن في هذا الزمن من الملائكة والقديسين:
نقف الأن أمام موضوع في غاية الأهمية وهو موقفنا نحن تجاه القديسون والسماء، فكما شرحنا انه ليس للقديسون عمل ولا يقفون ما بين الأرض والسماء في شفاعة او اي عمل يكلفون به، ولذلك لا يجب أن نصلي لاي من القديسين مهما كانت مكانتهم ومهما علا شأنهم، فقد كانت خدمتهم هنا علي الأرض اما بعد انتقالهم فهم في راحة (رؤ 13 : 14 ) هذا هو الحق الذي يجب أن يقف عليه كل مؤمن فيكون ثابتا لا يتزعزع.
اما عن موقف الله فهو القدوس الذي لا يقارن علي الإطلاق لا بالسماء ولا بالأرض ولا بالملاىكة ولا القديسون ولا باي من خلائقه، لأن من يساويه؟ "... لَيْسَ مِثْلُ الرَّبِّ إِلهِنَا. (خر8 : 10 ) وفي مخاطبة مع يشرون قيل عن الله" لَيْسَ مِثْلَ الله يَا يَشُورُونُ. يَرْكَبُ السَّمَاءَ فِي مَعُونَتِكَ، وَالْغَمَامَ فِي عَظَمَتِهِ. (بث 33 : 26 ) هكذا في (2صم 7 : 22 ) (إش 46 : 9 ) فبمن نقارنه وبمن نشابهه " فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَ اللهَ، وَأَيَّ شَبَهٍ تُعَادِلُونَ بِهِ؟ (إش 40 : 18 ) فلا يوجد شبيه له ولا يوجد من يساويه " "فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي فَأُسَاوِيهِ؟" يَقُولُ الْقُدُّوسُ. (إش 40 : 25 ) ولا يجب أن نضع من يمثل به " بِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي وَتُسَوُّونَنِي وَتُمَثِّلُونَنِي لِنَتَشَابَهَ؟. (إش 46 : 5 ) فالله فريد في كينونته، ولذلك لا يضع نفسه في مقارنات، فالقديسون والملائكة هم من ضمن خلائقه المحبوبون لدية، فالإنسان تبناه الله لي،فع شأنه والملائكة أرواح خادمة وضعها امام وحول عرشه ولذلك قول اليفاز " هُوَذَا قِدِّيسُوهُ لا يَأْتَمِنُهُمْ، وَالسَّمَاوَاتُ غَيْرُ طَاهِرَةٍ بِعَيْنَيْهِ، (أي 15 : 15 ) قول ليس في محله، فعلي مر العصور الله يتعامل مع الإنسان ومع جميع خلائقه بكرامة وجمال، فهو الله الذي أبدع الكون ولا ينسب لهم حماقة علي الإطلاق.
----------------------------------------------------------------
11
افحص قبل أن تُعلم
لا يجب أن يضع الإنسان نفسه في موضع المُعلم الذي يمتلك كل الحق، فلا يوجد من يمتلك كل التعليم وكل الحق إلا الله وحده، فقد يكون لنا كلمات واقعها صحيح فنُمدح عليها، وأخري برغم واقعها ففي داخلها لا يوجد الصواب، فقد وقع اليفاز في واقع إختباري أعطي له صورة عن الله وعن معاملاته علي خلاف الحقيقة، فيبدأ بقول يجب تجنبه " أُوحِي إِلَيْكَ، " اي ان ما سأقوله ما وهو إلا وحي من أجلك ولذلك " اسْمَعْ لِي " ماذا سيقول؟ إن ما سيقوله عبارة عن احداث ماضية رأها اليفاز فتعلم منها " فَأُحَدِّثَ بِمَا رَأَيْتُهُ، (أي 15 : 17 ) ما رأه رأه وسط شعب عاش في وسطهم لهم أرض يمتلكوها ولذلك هم حكماء، ليس في وسطهم غريب، اراد اليفاز إعطاء صورة أن التعاليم التي سيقولها هي خلاصة تعاليم ليس فيها تعاليم غريبة " الَّذِينَ لَهُمْ وَحْدَهُمْ أُعْطِيَتِ الأرْضُ، وَلَمْ يَعْبُرْ بَيْنَهُمْ غَرِيبٌ. ( أي 15 : 19 ) إن بداية اليفاز بداية ليست مشرقة فليس معني أن الحكمة الخارجة من شعب هي حكمة اختبارية ومسلمة من الآباء أنها حكمة وتعاليم ليس فيها شوائب، يقع كثيرون في هذا الفخ، انهم يتسلمون تعاليم من الأولين دون أن يفحصوها، فيقعون في مبادئ ضد الله وضد كلمته، فمهما كانت تعاليم الاولين يحب ان تُفحص جيدا لأنها ليست وحي كما ادعي اليفاز، يجب أن تُفحص ولا نضع عليها هالة قدسية من النور والصاقها بالحق والكمال.
يضع اليفاز تعاليم في آذن أيوب ليثبت له فهم أنه شرير لسبب الامه التي يتلوي بها " الشِّرِّيرُ هُوَ يَتَلَوَّى كُلَّ أَيَّامِهِ، وَكُلَّ عَدَدِ السِّنِينَ الْمَعْدُودَةِ لِلْعَاتِي. (أي 15 : 20) هنا يحاول اليفاز وضع قاعدة تعليمية أن الظالم يحصد من ثمار عدد سنين ظلمه فيتلوي من شدة الألم والتجربة، تمام... فقد تحدث مع عتاة كثيرون ولكنها ليست بقاعدة، فيوجد أشرار كثيرون عتاة وظالمون يستمروا سنين حياتهم في ظلمهم دون أن يتلوا أو يحصدون من ثمارها، لأن لله معاملات خاصة مع كل شخص علي حدة، فيوجد من يحصد من ثمار افعاله الأثمة هنا علي الأرض، ويوجد من يحصدها في الأبدية وينال عقاب ما فعل، ويوجد من يحصد أولاده من ثمار افعال الآباء سواء كانت خير أو شر، فقد تري ملك أو رئيس دولة يصدر قرارات لصالحة ويظلم فئة كبيرة من شعبه ويعيش متمتع بالسلطة والجاه والعز ليوم وفاته، ويحصد شعبه من بعده علي المرار والتعب والألم، وياتي من يخلفه ليصحح ما افسده فينال الشقاء والتعب، ليحصد الجيل اللحق علي الراحة، ولكي لا أطيل في الشرح أقول أن القاعدة التي أراد اليفاز أن يضعها ليست صحيحة كما ينبغي، بالإضافة الي أنها لا تنطبق علي أيوب، فهو قد زاد علي عاتق أيوب حمل فوق الطاقة.
اراد اليفاز توصيل صورة معتمة عن أيوب لأيوب، بأنه شرير وظالم ويتلوي من شر أفعاله، وفوق هذا أن الأصوات والافكار التي تعذب ذهنه هي من الله لأنه شرير " صَوْتُ رُعُوبٍ فِي أُذُنَيْهِ. فِي سَاعَةِ سَلامٍ يَأْتِيهِ الْمُخَرِّبُ. (أي 15 : 21 ) فلم يتمتع أيوب بالسلام الدائم وجاءه المخرب لينزع سلامه ويمنحه الرعب، فهل حقا أيوب يستحق أن ينطبق عليه قوانين اليفاز وتعاليمه التي تحمل حقا ناقصا وتعليما غير كاملة، ويضعها علي أيوب الرجل المشهود عنه بالكمال، للأسف اليفاز لم يفحص كلامه ولم يفحص تعاليم أباءه التي تسلمها.
تحليل للواقع من غير متخصص :
من الصعب أن يتكلم صديق أو أخ دون علم حقيقي، فكثيرا ما نُتعب كثيرين في دوائر حياتنا فقط لأننا لم نتعلم الصمت وقتها، أعطي اليفاز تحليل للواقع الذي لأيوب وهو غير متخصص فصور لايوب انه شرير ويتلوي بعدد ايام شره وان اصوات الرعب والالم ما هي إلا عقاب الهي عن افعاله، وزاد في حديثه بان يرسل له رسالة فقدان الامل وان نهايته قريبة " لا يَأْمُلُ الرُّجُوعَ مِنَ الظُّلْمَةِ، وَهُوَ مُرْتَقَبٌ لِلسَّيْفِ. (أي 15 : 22 ) يااااه علي نفوس وضعت نفسها في واقع ليس لها، لماذا مثل هؤلاء؟ إن وجودهم في حياتنا غلطة [ فمثل هؤلاء اتعبونا ] وخسارتهم مكسب، لا تندم علي اي من كان.. تدخل في حياتك بلا حق.. وبخته أو عاتبته فتركك ومضي، فمثل هؤلاء لا يجب ان يستمروا هكذا في حياتك، فإن لم يعتزروا فعدم وجودهم في دائرتك راحة.
يسألوني كثيرين عن احباء مقربين لحياتهم تغيرت معاملاتهم ومضوا دون جرس إنذار، ودون حدوث اي نوع من الاخطاء، واخرين تصرفوا بغرابة وتغيرت مبادىهم، فماذ نفعل وكيف نعيدهم؟ اقول اتركهم يتركوك ما دامت هذه إرادتهم، فإن كنت حاولت اعادتهم ورفضوا أو هربوا منك، فاتركهم ولا تندم أو تحزن، فالطبيعة البشرية هكذا متغيرة، وإن كانوا موجودين في حياتك ويسببون لك اتعابا وضيقا فحذرهم وإن لم يستجيبوا فأخرجهم من دائرة حياتك لتقضي باقي أيامك مطمئنا وفي سلام.
من الصعب علي ايوب ان يسمع كلمات موقعة طول الوقت فاليفاز لم يترك شيىا ليعزي به ايوب، بل تدخل في خبزه (أي 15 : 23 ) وكأن الضيق والضرر ما هم إلا ملوك علي الحياة متواجدين في حياة ايوب ولن يتركوه فقد دخل في نطاق مملكتهم " يُرْهِبُهُ الضُّرُّ وَالضَّيْقُ. يَتَجَبَّرَانِ عَلَيْهِ كَمَلِكٍ مُسْتَعِدٍّ لِلْوَغَى. (أي 15 : 24 )تصورات قلب اليفاز تجاه أيوب تصورات مره ومقلقة ومتعبة، فقال عن أيوب أنه: متعدي علي الله (أي 15 : 25 ) ومتصلب العنق ـ أي عنيد (أي 15 : 26 ) وانه ثمن بالظلم ( أي 15 : 27 ) ومرتشي (أي 15 : 34 ) وغشاش ( أي 15 : 35 ) نتيجة هذا لن يري العمار والهدوء بل سيري الدمار والخراب " فَيَسْكُنُ مُدُنًا خَرِبَةً، بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ عَتِيدَةً أَنْ تَصِيرَ رُجَمًا. لا يَسْتَغْنِي، وَلا تَثْبُتُ ثَرْوَتُهُ، وَلا يَمْتَدُّ فِي الأرضِ مُقْتَنَاهُ ( أي 15 : 28 ، 29 ) حقيقي خسارة هؤلاء مكسب كبير فلا تندم.
----------------------------------------------------------------
12
نتيجة حتمية لنوعية المحيطين
توجد نتيحة حتمية يخرج بها الإنسان عن المحيطين به، فإن كانوا صاعبي التعامل فستخرج النتيحة كايوب عندما قال " قَدْ سَمِعْتُ كَثِيرًا مِثْلَ هذَا. مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ! ( أي 16 : 2 ) وفي اللغة الانحليزية تأتي " miserable comforters are ye all " وتعني " معزون بؤساء جميعكم " فايوب هنا يوصف حالتهم وليس فقط العمل الذي يقيمون به تجاهه، فهم فاقدي التعزية لأنهم بؤساء فكيف سيعزونه، وكلمة " معزون ـ comforters " في الاصل العبري " נחם ـ ناشام ـ nacham " وتعني " راحة ـ مريحون " فكيف يكونوا مريحون وهم " بؤساء ـ miserable " وكلمة بؤساء في العبري " עמל ـ أمال ـ amal " وتعني " أمل " فهم بلا أمل اي بؤساء ولذلك لم يعطوا لأيوب أي نوع من أنواع الرجاء فهم بؤساء.
إن نوعية المحيطين تحدد طريقة الهدوء والسلام الذي سيتمتع به الشخص، لانهم يعكسون ما هم فيه من خلال تعاملاتهم معك وكلامهم عنك، ولذلك يجب الإنتباه جيدا لنوعية النفوس المشاركة لحياتنا ولظروفنا، فهل هم ممتلئون رجاء أم هم متعبون ـ بؤساء، ولذلك سأل أيوب " هَلْ مِنْ نِهَايَةٍ لِكَلامٍ فَارِغٍ؟ أَوْ مَاذَا يُهَيِّجُكَ حَتَّى تُجَاوِبَ؟ ( أي 16 : 3 ) أدرك أيوب كم الكلمات التي بلا هدف بناء التي تكلم بها هؤلاء الرجال، فبكل بساطة أجابهم أيوب أنه يستطيع أن يفعل كما فعلوا وان ينغص عليهم بكلمات كما فعلوا، فعلي الأقل كان واحب عليهم وضع أنفسهم مكانه ليشعروا شعوره ويدركوا إدراكه فيتكلمون بكلام موزون لرثاءه " أَنَا أَيْضًا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَكَلَّمَ مِثْلَكُمْ، لَوْ كَانَتْ أَنْفُسُكُمْ مَكَانَ نَفْسِي، وَأَنْ أَسْرُدَ عَلَيْكُمْ أَقْوَالا وَأُنْغِضَ رَأْسِي إِلَيْكُمْ. ( أي 16 : 4 ) للأسف هم معزون بلا تعزية وبؤساء بلا امل.
برغم حتمية المحيطين حول أيوب كان رجل واقعي جدا وكلماته لها حكمة واضحة، فقد اعلن عن فظاظتهم ومقدار بؤسهم، وبالرغم من هذا اراد ان يعلمهم درسا، أنه إن تبادلوا الاماكن لكان شددهم وعزاهم بكلمات تسندهم " بَلْ كُنْتُ أُشَدِّدُكُمْ بِفَمِي، وَتَعْزِيَةُ شَفَتَيَّ تُمْسِكُكُمْ. ( أي 16 : 5 ) هذا هو رجل الله بحق الذي لا يتفوه بكلمات جارحة لنفوس متألمة، فالمديح والرثاء والثناء أمر يحتاجه كل مجروح وكل متألم وكل من تلطم من الايام، فلذلك عليك بامرين، إذا تواجدت في دائرة اهرين فكن لكيفا، وإن تواجد اخرين في دائرتك فقم بفرتلتهم وتنقيتهم ليستمر من هو اهلا لتعزيتك.
----------------------------------------------------------------
13
الكأبة الناتجة من الظروف
يمر معظم البشر ( بل قد يكون الكل ـ الجميع ) بظروف صعبة فيكتأبون، هذا النوع من الكأبة وارد علي كثيرين، يزول بزوال الظرف المسببة للكأبة، إجتاز أيوب هذا النوع من الكأبة " "إِنْ تَكَلَّمْتُ لَمْ تَمْتَنِعْ كَآبَتِي، وَإِنْ سَكَتُّ فَمَاذَا يَذْهَبُ عَنِّي؟ ( أي 16 : 6 ) فالكأبة مشاعر سلبية تنبع من داخل النفس وتصيب الإنسان بأعراض مؤلمةمنها:
ـ الميول للإنطواء والابتعاد عن المحيطين، والشعور بالإنقباض والحزن وتكون الأيام بالنسبة له متشابهة وبلا طعم، هذه الكأبة بدأت مع ايوب منذ بداية الازمة عندما شارموه أصدقائه أحزانه " وَقَعَدُوا مَعَهُ عَلَى الأرضِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَ لَيَال، وَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ بِكَلِمَةٍ، لأنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ كَآبَتَهُ كَانَتْ عَظِيمَةً جِدًّا. ( أي 2 : 13 ) فأين السرور قد إنتفي وغاب عنه الفرح، فعند غياب السرور يفقد الإنسان بهجة الحياة.
يشعر المكتئب بأن قيمته قلت وفقدان الثقة في النفس وهذا مر به أيوب " " اُذْكُرْ أَنَّ حَيَاتِي إِنَّمَا هِيَ رِيحٌ، وَعَيْنِي لاَ تَعُودُ تَرَى خَيْرًا.لاَ تَرَانِي عَيْنُ نَاظِرِي. عَيْنَاكَ عَلَيَّ وَلَسْتُ أَنَا. ( أي 7 : 7 ، 8 ) فقدان الأمل ثمة المكتأب يري أنه لن يري في حياته القادمة خيرا فقد رذلها " كَامِلٌ أَنَا. لا أُبَالِي بِنَفْسِي. رَذَلْتُ حَيَاتِي. ( أي 9 : 21 ) هذا بالإضافة الي أنه يستسلم للواقع والألم لأن يأسه أقنعه بأن الله يراه مستذنب ولا فائدة من كلامه " أَنَا مُسْتَذْنَبٌ، فَلِمَاذَا أَتْعَبُ عَبَثًا؟ ( أي 9 : 29 ) كل هذا يُشعِر أيوب بالدونية " هَا أَنَا حَقِيرٌ، فَمَاذَا أُجَاوِبُكَ؟ وَضَعْتُ يَدِي عَلَى فَمِي. ( أي 40 : 4 ) لذلك لا يجب الاستسلام للمشاعر السلبية وقت الأزمة، يجب التعامل معها بحرفية عن طريق قول كلمات لأنفسنا عكس مشاعرنا، فالكلمات الإيجابية تُذهب المشاعر السلبية وتسكن من حالتها، فيستطيع الإنسان أن يعبر المحنة بسلام.
المحنة ستعبر ستعبر مهما طالت مدتها، ستزول وتنتهي ويزول معها اكتئابها، فصبرا صبرا لان يد الرب ممدودة في وقت الأزمة ولسبب كئابة قلبك لم تعد تري يده القديرة التي تسندك، لا يري الإنسان يد الله لسبب فقدان الأمل أو الرجاء " مَا هِيَ قُوَّتِي حَتَّى أَنْتَظِرَ؟ وَمَا هِيَ نِهَايَتِي حَتَّى أُصَبِّرَ نَفْسِي؟ ( أي 6 : 11 ) ولكن الله موجود وسيعبر الإنسان المحنة، فقد عليه التحلي بالإيمان والثقة بالله لأنه لن يتركه ولن يهمله " انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاصْبِرْ لَهُ، وَلا تَغَرْ مِنَ الَّذِي يَنْجَحُ فِي طَرِيقِهِ، مِنَ الرَّجُلِ الْمُجْرِي مَكَايِدَ. ( مز 37 : 7 ) فهل لك أن تفعل هذا؟ أأمل لك أن تصبر له لأن للظلم والظلمة وقت وسينتهي.. فاصبر له.
----------------------------------------------------------------
14
الإفتراس الإلهي
كلمة واقعها مؤلم، فهل حقا لله طرق إفتراس؟ فقد قال أيوب أن الله " ضَجَّرَنِي ـ قبض علي ـ افْتَرَسَنِي ـ وَاضْطَهَدَنِي " ( أي 16 : 7 ـ 9 ) هذه مشاعر ايوب ناتجة من تحليله للأحداث التي يعيشها متألما جدا.
ولإيحابة السؤال أقول: نعم ـ الله يصنع كل هذا ولكن لم يصنعه مع أيوب، فلم يكن هو الفاعل، الله يفترس في دائرة قضاءه ولا يفترس الإنسان الصالح، بمعني أنه عندما يصنع الإنسان شرورا ويصبر عليه الرب ليرجع الإنسان ويتوب، وبعد إنتظار بطول الروح الإلهي عليه ويرفض التوبة والرجوع عن شره، هنا يدخل الإنسان الي دائرة القضاء الإلهي فيَحكم عليه فيُفترس، كسدوم وعمورة التي أفترست بنار وكبريت لأنها تمسكت بشذوذها الجنسي وخطاياها ولم تتب، فحكم عليها بالهلاك، هذا حُكم قضائي، وفي ذات الوقت تم نجاة لوط لأنه بار وسط شعب نجس، فالله صالح هو، لا يفترس لمجرد الإفتراس ولكن لإفتراسه قانون لابد أن يفعل من خلال القضاء الإلهي ، أما إن حدث لاي مؤمن صالح إفتراس أو ضيق أو اضطهاد أو تجربة، فهذا ليس نابع من الله بل من البشر المحيطين ومن إبليس، ويأتي دور الله في عدة مراحل:
أولا : يسند وقت التجربة والألم،
ثانيا : يعوض عن كل ما فقد أو ضاع وقت التجربة وبأضعاف.
فيوجد فرق بين التجربة والاحكام القضائية، فالتجارب منبعها إبليس والاحكام القضائية منبعها الله، وايضا لا يتحرك إبليس إلا بحكم قضاىي ايضا، أي أنه يشتكي الي الله كقاضي وتكون شكواه حق فينال حكم بالتدخل فيجرب الإنسان، هذا ما فعله في أيوب بحسب أيوب : 3 : 25 عندما تبني الخوف والفزع وتدخل إبليس بشكواه ليحقق له فزعه وخوفه، فالإفتراس هنا ليس الله بل عدو كل خير عندما وجد فرصة للشكاية وحصل علي حُكم بالتدخل.
اما التجارب التي تحدث من اشخاص حولنا كاخوه وأصدقاء، فهم داخل دوائر حياتنا بسماح منا، ولذلك عندما يتحركون في حياتنا لا يحتاجون من الله الي حُكم قضائي بل يتحركون مباشرة، فقد تحرك إخوة يوسف علي يوسف فرموه داخل البئر، وباعوه عبد، وبسبب قداسته ورفضه للنجاسة دخل السجن، ولكن الله لم يتركه وانقذه بتعويض،، من السجن الي المُلك، وإستطاع أن يتمتع بالمعية الإلهية والسندة من الله الي أن تم تعويضه ويستطيع الوحي أن يغني فيقول " وَكَانَ الرَّبُّ مَعَ يُوسُفَ فَكَانَ رَجُلاً نَاجِحًا، وَكَانَ فِي بَيْتِ سَيِّدِهِ الْمِصْرِيّ. ( تك 39 : 2 ) فالنجاح الذي عاشه يوسف بدأ من أول يوم تجربة الي أخر يوم ولذلك كلل بالتعويض ورفع راسه مُكرما.
فمشاعر أيوب بان الله ضَجَّرَهُ ـ قبض عليهِ ـ افْتَرَسَهُ ـ وَاضْطَهَدَهُ " مشاعر نفسية وترجمة خاطئة في وقت المحنة، ولذلك يحتاج المؤمن في وقت المحنة أن يرفع وجهه لإله السماء فيخاطبه مفهما ومعالجا وساندا وشافيا وفي النهاية معوضا عن كل ما سلب منه وضاع، فالله قبل أن يكون قاضيا فهو يتعامل كخالق وكأب ويسند كأخ وصديق ويعوض كأب محب لأبناءه... فإقترب منه.. وثق فيه.
ـ اتهام الله بما لم يفعله:
إتهم أيوب الله بعدة إتهامات، هذا غير انه بدأ بأن الله إفترسه واضطهده ولكنه أيضا إتهمه بأنه سلم نفس ايوب للأعداء، فهل حقا الله يفعل كل هذا في نفس صالحة؟ بكل تأكيد الله بريئ من كل هذا، فأيوب شعر بانه قد ضُرب من كل جانب ومن الجميع " فَغَرُوا عَلَيَّ أَفْوَاهَهُمْ. لَطَمُونِي عَلَى فَكِّي تَعْيِيرًا. تَعَاوَنُوا عَلَيَّ جَمِيعًا. ( أي 16 : 10 ) فبالحقيقة التجربة قاسية وليس فيها رحمة، ولسبب عدم فهمه مِن مّن جاءت هذه الضربات! فقد نسب كل هذا في الله!. " دَفَعَنِيَ الله إِلَى الظَّالِمِ، وَفِي أَيْدِي الأشْرَارِ طَرَحَنِي. ( أي 16 : 11 ) من المؤسف ومن المؤلم أن نتفوه بكلمات ونعلق احداث لم نفهم مصدرها الي الله أو الي مّن في مقدرته فعل هذا دون دراسة وفهم، ولذلك علينا توخي الحذر في تستيف الاوراق وإجابة اسئلتنا دون دراسة ودون وعي ودون إدراك.
يُعلن أيوب أنه كان مستريح ونسب فزعه لله، ليس هذا فقط بل أن الله حطمه ونصب له فخا " كُنْتُ مُسْتَرِيحًا فَزَعْزَعَنِي، وَأَمْسَكَ بِقَفَايَ فَحَطَّمَنِي، وَنَصَبَنِي لَهُ غَرَضًا. ( أي 16 : 12 ) من جهة الراحة حقا هو كان مستريح وعندما يقارن واقعه عن ما سبق يري فارق كبير، ولمن ينسب هذا الفارق المؤلم، لا يجد أمامه إلا الله، ولذلك نسب كل ما حدث له لله فيقول " أَحَاطَتْ بِي رُمَاتُهُ. شَقَّ كُلْيَتَيَّ وَلَمْ يُشْفِقْ. سَفَكَ مَرَارَتِي عَلَى الأرْضِ. ( أي 16 : 13 ) يا إلهي علي هذا النوع من التفكير، إنهم كثيرون في هذه الأيام، ينسبون مصائبهم لله تحت بند القدر والمكتوب، فهذا الفكر ليس بصواب ولا يتماشي مع كلمة الله، فالله لا يفكر بالشر او بالشرور تجاه بني البشر، ولكنه يسلك بالمحبة واللين واللطف، ويصبر علي مستوي تفكيرنا حتي نفهم الحق ونسير فيه.
اعلن أيوب مقدار الامه وتعب نفسيته وشعوره السلبي نحو الله بصراخه له " خِطْتُ مِسْحًا عَلَى جِلْدِي، وَدَسَسْتُ فِي التُّرَابِ قَرْنِي. اِحْمَرَّ وَجْهِي مِنَ الْبُكَاءِ، وَعَلَى هُدُبِي ظِلُّ الْمَوْتِ. مَعَ أَنَّهُ لا ظُلْمَ فِي يَدِي، وَصَلاتِي خَالِصَةٌ. ( أي 16 : 15 ، 17 ) من حقك ايوب الصراخ لله وإعلان حالتك وكشفها، فالوحيد القادر علي الإتحاد بك ورفعتك هو الله، فقد فعلت الصواب في رفع صلاتك الخالصة وحتي في تعبيراتك واتهامك لله بأنه هو الذي إفترسك، لك حق لان المعرفة لديك في زمنك كانت في هذا المستوي، ولكن الحق قد أعلن في كلمة الله اليوم ولا يحق لمن كان أو يكون أن يتهم الله بما لم يفعله في نفس بريئة، فالله في قضاءه يصنع هذا بحكم كما شرحنا، أما أنه يفعل هذا في بريى فهذا ما لم ولن يفعله الله.
----------------------------------------------------------------
15
الإحتياج للتعضيد
يعلن أيوب إحتياجه للتعضيد من اشخاص يقفوا لسندته والدفاع عنه، فيقول " يَا أَرْضُ لا تُغَطِّي دَمِي، وَلا يَكُنْ مَكَانٌ لِصُرَاخِي. ( أي 16 : 18 ) وكأنه يقول إذا كنت مخطئا أو بي إثم فلا يُستمع لي لا من الأرض ولا من السماء " إِنْ رَاعَيْتُ إِثْمًا فِي قَلْبِي لا يَسْتَمِعُ لِيَ الرَّبّ. ( مز 66 : 18 ) فهو يدرك كامل الإدراك أنه بريئ من كل التهم الموجهه إليه من أصدقائه، وأنه لا يستحق الواقع المؤلم الذي دخل فيه، فالإنسان الذي يطلب رديا من الله لا يستمع أليه الرب ولا ينال منه ما طلبه " تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لأنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ. ( يع 4 : 3 ) فهو يري ويعتقد كامل الإعتقاد أن الله لا يسمع للخطاة والأشرار " أَفَيَسْمَعُ الله صُرَاخَهُ إِذَا جَاءَ عَلَيْهِ ضِيقٌ؟ ( أي 27 : 9 ) فهذا الإعتقاد أيضا خاطئ لأن الله يسمع لكل متألم وفي أنين، الشيى الوحيد الذي لا يسمعه الله هو الطلب الرديئ، كالدعاء علي الأخرين بالشر والدمار والموت و....الخ. أما الصراخ لله من المتألم والتعبان والمجروح يُسمع سواء كان صديقا أو شريرا، فليس لأن الله إستجاب لصراخ إنسان فهذا يدل علي قداسته، ولكنه يدل علي أمانة الله ووقوفه بجانب إنسان خلقه وجبله، ولكن أيوب في كلامه هذا " يَا أَرْضُ لا تُغَطِّي دَمِي، وَلا يَكُنْ مَكَانٌ لِصُرَاخِي." يريد أن يثبت بكلامه هذا أنه ليس فيه أي ذنب لينال كل هذا، فيطلب ويحتاج من يقف مكانه ويدافع عنه " أَيْضًا الآنَ هُوَذَا فِي السَّمَاوَاتِ شَهِيدِي، وَشَاهِدِي فِي الأعَالِي. ( أي 16 : 19 ) هو هنا يتكلم عن الله الذي يري كل شيى والذي يحكم وحكمه عادل وانه هو الشاهد الوحيد علي حياته وأن الله يعلم من هو أيوب وكيف يكون.
كون أن أيوب يعتقد أن الله شاهد فهذا أمر يدفع للراحة والهدوء النفسي، فقد يدخل إنسان في دائرة اللوم والإدانة والشكوك من الآخرين دون سبب، ولا يصدقه أحد فيحتاج لهذا القول " الله شاهد لي " هذا الإعتقاد رائع ومهم جدآ فقد كتب كاتب المزمور أن الله شاهد أمين " .. وَالشَّاهِدُ فِي السَّمَاءِ أَمِينٌ".. ( مز 16 : 19 ) حقيقي لا يوجد شاهد أمين علي طول الطريق إلا الله، ولذلك قال المسيح ليوحنا عن نفسه أنه الشاهد الأمين " وَاكْتُبْ إِلَى مَلاكِ كَنِيسَةِ الّلاوُدِكِيِّينَ:"هذَا يَقُولُهُ الآمِينُ، الشَّاهِدُ الأمِينُ الصَّادِقُ، بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ الله: ( رؤ 3 : 14 و 1 : 5 ) فهو الشاهد علي جميع الأحداث التي تمر بحياتك حتي علي زواجك أو غدرك أو امانتك " فَقُلْتُمْ: "لِمَاذَا؟" مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الشَّاهِدُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ امْرَأَةِ شَبَابِكَ الَّتِي أَنْتَ غَدَرْتَ بِهَا، وَهِيَ قَرِينَتُكَ وَامْرَأَةُ عَهْدِكَ. ( ملا 2 : 14 ) فالوحيد الذي يسند ويحكم بالعدل هو الله لأنه الشاهد علي كل شيئ حتي صلواتك التي تصليها في الخفاء من أجل الأخرين " فَإِنَّ الله الَّذِي أَعْبُدُهُ بِرُوحِي، فِي إِنْجِيلِ ابْنِهِ، شَاهِدٌ لِي كَيْفَ بِلا انْقِطَاعٍ أَذْكُرُكُمْ، ( رو 1 : 9 ) هذا النوع من الإيمان مريح للنفس لأنه يعطي للإنسان أدراكا بأن الله لن يضيع حق من كان ومن يكون، لانه هو الشاهد في الأعالي، هذا هو الواقع الأساسي فالله في السماء من الأزل والي الأبد يشهد، فالاب يشهد للإبن وما زال يشهد والإبن ايضا شاهد أمين من أجل الأب " أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي". ( يو 8 : 18 ) فهذه الدائرة حق ويجب أن تُدرك.
الموجع لأيوب أن الظروف كلها ضده وحتي أصحابه لم يشهدوا عنه شهادة حق " الْمُسْتَهْزِئُونَ بِي هُمْ أَصْحَابِي. للهِ تَقْطُرُ عَيْنِي ( أي 16 : 20 ) يا إلهي.. يا إلهي عندما يقف ضدك من تتوقع انه سندك أو معضدك، الأخ قد يترك أخيه ويهينه ويجرحه وايضا الزوجـه يتركك/تتركك. حتي الأصدقاء قد تظهر عدم أمانتهم وتعيش في دوائر خيانتهم، وفي وقت الشدة يهملوك " تَرَاءَفُوا، تَرَاءَفُوا أَنْتُمْ عَلَيَّ يَا أَصْحَابِي، لأنَّ يَدَ الله قَدْ مَسَّتْنِي. ( أي 19 : 21 ) فهل يوجد خير من أصحاب أو احباب؟ اقول.. لا تنتظر.. فقد ياتي خيرا من البعض وقد يتركك الجميع، فالمكثر الاصحاب قد لا يكون بأمان " اَلْمُكْثِرُ الأصْحَابِ يُخْرِبُ نَفْسَهُ، وَلكِنْ يُوجَدْ مُحِبٌّ أَلْزَقُ مِنَ الأخِ. ( أم 18 : 24 ) فالأمان الوحيد هو في الله الهك وحده.
----------------------------------------------------------------
16
الضمان الإلهي
يحتاج الإنسان دائما الي الضمان والأمان، وبدونهما يعيش في تعب والم وضيق وينتابه شعور بالإكتئاب، لذلك يبحث الإنسان عن الأمان في حياته قبل المأكل والمشرب، فإن كان يعيش في قصر غير أمن فالكوخ او غرفة فوق السطوح مع الأمان افضل له من القصر ، كان ايوب يعيش مترفها مستريحا " كُنْتُ مُسْتَرِيحًا فَزَعْزَعَنِي، وَأَمْسَكَ بِقَفَايَ فَحَطَّمَنِي، وَنَصَبَنِي لَهُ غَرَضًا. ( أي 16 : 12 ) ولكنه تزعزع لدرجة أنه فقد الأمان وإنتظر الموت " رُوحِي تَلِفَتْ. أَيَّامِي انْطَفَأَتْ. إِنَّمَا الْقُبُورُ لِي. ( أي 17 : 1 ) وصل أيوب لمستوي عال جدا من التعب النفسي الذي زاد بوجود اصدقائه اللذي ن يصنعون ضجيج ذهني علي حياته لدرجة انه تمني عدم وجودهم " لَوْلا الْمُخَاتِلُونَ عِنْدِي، وَعَيْنِي تَبِيتُ عَلَى مُشَاجَرَاتِهِمْ. ( أي 17 : 2 ) فمن يضمن له راحته، زوجته اتعبته بتعليق مؤلم، اصدقائه زادوا عليه حمل، الأيام يراها سوداء كالفحم، فمن يضمن له الراحة والأمان إلا الله، لذلك صرخ اليه قائلا " كُنْ ضَامِنِي عِنْدَ نَفْسِكَ. مَنْ هُوَ الَّذِي يُصَفِّقُ يَدِي؟ ( أي 17 : 3 ) اي من هو الذي يكون كفيلي، إنه سؤال إجابته بعيدة جدا عن أيوب هكذا يراها، ولكن هل هي بعيدة عن الله؟ هل الله لا يستطيع أن يكون ضامن وكفيل له؟ أنها صرخة قوية يحناجها كل متألم وكل سقيم النفس.
الأمان يختلف عن الضمان، فالامان هو شعور ناتج من خلال احداث واقعية، ومن خلال مستوي من الضمان في الحياة، فعندما يدخل الإنسان في ضمان إموره يشعر بالأمان، ففي ضمان التقدير والاهتمام من الاخرين يحرك مشاعر الأمان الداخلي فيشعر الإنسان بالراحة، فالتقدير والاهتمام يزيد الإنسان الشعور بالثقة في النفس وال،احة الداخلية، ولذلك ايوب إتجه الي الله واضعا يده علي وجعه واحتياجه ويطلب من الله ان يكون ضامنه، فاصدقاىه لا يفهموه ويزيدونه جرحا، اما الله فهو القادر عاي معتلجة ايوب وضمان لنفسه، ولذلك قال " كُنْ ضَامِنِي عِنْدَ نَفْسِكَ. " فأصدقائه لم يضمنوا له الراحة بل اتعبوه ولم يصمتوا فالصمت وقت بلية الاخ او الصديق، افضل من التحدث والثرثرة التي تتعب وتؤلم " وَيَجِبُ أَنْ لا تَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ أَخِيكَ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ، وَلا تَشْمَتَ بِبَنِي يَهُوذَا يَوْمَ هَلاكِهِمْ، وَلا تَفْغَرَ فَمَكَ يَوْمَ الضِّيقِ، ( عو 1 : 12 ) فالإلتجاء الي الرب افضل من الإلتجاء الي البشر فاقدي التعزية، الرب عندما نلتجيئ اليه يشفينا " يَا رَبُّ إِلهِي، اسْتَغَثْتُ بِكَ فَشَفَيْتَنِي " ( مز 30 : 2 ) فالرب الوحيد القادر ان يسند ويعضد ويبارك ويعين " اسْتَمِعْ يَا رَبُّ وَارْحَمْنِي. يَا رَبُّ، كُنْ مُعِينًا لِي ( مز 30 : 10 ) فلتثق أن الله يعينك ويسندك، الأمان الحقيقي يوجد داخلك ، لا تبحث عنه خارجك لأنك لن تجده ، فمن يبحث عن الامان خارجا فهو يبحث في سراب ، فأنت من تصنع أمانك من خلال الرب الساكن فيك فإتركه يصنع داخلك الأمان " حَوَّلْتَ نَوْحِي إِلَى رَقْصٍ لِي. حَلَلْتَ مِسْحِي وَمَنْطَقْتَنِي فَرَحًا ( مز 30 : 11 ) فهو من يحول النوح والالم لفرح وشفاء ويجعل الأوقات والسنين مجال للخلاص من الضيق والألم وإزدياد في الحكمة والفهم " تَعَالَى الرَّبُّ لأنَّهُ سَاكِنٌ فِي الْعَلاءِ. مَلأ صِهْيَوْنَ حَقًّا وَعَدْلا. فَيَكُونُ أَمَانُ أَوْقَاتِكَ وَفْرَةَ خَلاصٍ وَحِكْمَةٍ وَمَعْرِفَةٍ. مَخَافَةُ الرَّبِّ هِيَ كَنْزُهُ ( أش 33 : 5 ، 6 ) فهل لك في هذه الدوائر الروحية التي هي العدل والحكمة والمعرفة ومخافة الرب فكل هؤلاء يجلبون لصاحبه الأمان.لا تخاف من الزمن في ماضيه وحاضره أو حتي مستقبله ، لأن الهك معك ولن يتركك ، فقط عيش في المبادئ الكتابية وثق بأن أمانك ينبع من داخلك
فاقدي الشيئ يُمنعون عن الرفعة :
من الإمور المحيرة في حياة الإنسان أن يقف في مكان الإحتياج للرفعة وتُمنع نفسه عنه والسبب عدم الإمتلاك " لأنَّكَ مَنَعْتَ قَلْبَهُمْ عَنِ الْفِطْنَةِ، لأجْلِ ذلِكَ لا تَرْفَعُهُمُ. ( أي 17 : 4 ) من الوهلة الأولي تري من كلام أيوب أن الله هو الذي منع إمتلاك الفطنة وبالتالي منع عنهم الرفعة، ولكن في الحقيقة تمنع الفطنة عن رافضيها وتمنع الرفعة عن من ليس له فطنة، نري هذا في فرعون الذي اعطي الرب قساوة لقلبه القاسي، فليس الله منبع قساوة قلب فرعون ولكن لان بذرة القساوة موجودة من الاساس في داخله فلم يمنع الرب نموها وتكاثرها، هكذا رافضي الفطنة، يُمنعون من الرفعة.
جاءت كلمة فطنة understanding وتعني فهم وفي الأصل العبري שכל שכל وتنطق sekel وتعني الفهم ـ الحكمة ـ البصيرة، فالمعرفة والفهم باب للرفعة والمجد، ولذلك نري أنه لا يجب علي الإنسان أن يترك الحكمة والمعرفة والفهم، فليس الله الذي منع ولكن لأن بذرة الرفض لديهم موجودة من الأساس فيحصدون نموها وتكاثرها وثمارها، فالله لا يشترك في اعمال ظلمة ولا يساعد علي أن يكون احد في دوائر ظلمة ، لانه لا يجرب أحد بالشرورو ـ هذامبدأ الهي.
الحياة في المبادئ الكتابية ترضي الله وتطفئ نار غضبه لأن الرحمة الإلهية تتقدم عن القضاء الإلهي إن وجدت فرصة رضا " وَلا يَلْتَصِقْ بِيَدِكَ شَيْءٌ مِنَ الْمُحَرَّمِ، لِكَيْ يَرْجعَ الرَّبُّ مِنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ، وَيُعْطِيَكَرَحْمَةً. يَرْحَمُكَ وَيُكَثِّرُكَ كَمَا حَلَفَ لآبَائِكَ، " ( تث 13 : 17 ) هنا مستوي الرفعة ويرجع هذ السبب الي محبة الفهم ، لتعلم أن الرب لا يبحث عن اذيتك بل يبحث عن رحمته الكثيرة لك " الْعَدْلُ وَالْحَقُّ قَاعِدَةُ كُرْسِيِّكَ. الرَّحْمَةُ وَالأَمَانَةُ تَتَقَدَّمَانِ أَمَامَ وَجْهِكَ. " ( مز 89 : 14 ) فتستطيع أن تغني وتقول " إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، وَأَسْكُنُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ إِلَى مَدَى الأيَّامِ. ( مز 23 : 6 ) وتقول أيضا " وَأَنَا قُلْتُ فِي طُمَأْنِينَتِي: "لا أَتَزَعْزَعُ إِلَى الأبَدِ". ( مز 30 : 6 ) اعلم جيدا أنه يوجد كثيرين لديهم مشاكل كثيرة وهذه المشاكل تجعل درجات الأمان ضعيفة ، مثال : عندما نواجه صعوبات ونصرخ للرب احيانا لا نري يد الله واضحة ونقول : اين الله ؟ ألا يشعر بنا ؟ وعندما تحل القضية أو المشكلة يكون مضي وقت طويل جدا ، قد ينهار البعض بسبب طول الإنتظار ! فماذا نفعل ؟
لابد أن نعلم أن الله موجود ويري كل شيئ "هُوَذَا اللهُ يَتَعَالَى بِقُدْرَتِهِ. مَنْ مِثْلُهُ مُعَلِّمًا؟ ( أي 36 : 22 ) فهو يري ويعلم حتي وإن لم يتدخل ، فعيناه تخترقان كل شيئ " وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ ....... ( رؤ 19 : 12 ) ولأنه كاشف كل شيئ فلا تخاف
----------------------------------------------------------------
17
تلف العيون
قال أيوب عبارة قاصدا بها اعداءه اللذين نهبوه، ويلقي اللوم علي أصحابه فقد سلبوا منه هدوءه وسلام نفسه الداخلي وأزعجوه " الَّذِي يُسَلِّمُ الأصْحَابَ لِلسَّلْبِ، تَتْلَفُ عُيُونُ بَنِيهِ. ( أي 17 : 5 ) أراد أن يضع حدود لاصدقاءه بأن يرعبهم خوفا علي اولادهم، بان يكفوا عن الكلام السلبي الذي يسلب الراحة من حياة من يحتاجها، فأيوب وضع تلف العيون في هذه الآية قاصدا بها من حوله، ولكنه في آية اخري عبر بنفس التعبير عن نفسه أن عينيه كلت بسبب الخزن " كَلَّتْ عَيْنِي مِنَ الْحُزْنِ، وَأَعْضَائِي كُلُّهَا كَالظِّلِّ. ( أي 17 : 7 ) فالالم والضيق شديد للغاية جعلت عيونه مكسورة ونفسيته محطمة ولذلك " كَلَّتْ عَيْنِيهِ "
جميعنا يمر بظروف صعبة تجعل كلل وتلف العيون أمر وارد في حياتنا، بمعني آخر أن تكون العيون مكسورة نتيجة الإكتئاب الحادث بسبب شدة الألم والضيق الحادث، هذا الامر من تلف العيون هو عارض ووجوده يستمر مع وجود الحدث وينتهي بإنتهاء الحدث، ولذلك يجب ان نفرق بين:
١ ـ تلف العيون الناتج عن ظروف خارج الأرادة دون خطأ مني.
٢ ـ وتلف العيون الناتج عن ظروف خارج الإرادة وبخطأ مني.
الشكل العام والناتج واحد ولكن التدخل الإلهي مختلف.
عندما يُدخل الإنسان نفسه في ضيق ينتابه حزن قد يصل لتلف العيون فتكون الجفون مكسورة علي العين ويظهر فيها شدة الحزن والألم، هذا النوع من تلف العيون عندما يتدخل الله ليرفعه لا يمنح معه تعويض عن ما سلب وضاع وخسرته لانه يدخل تحت بند القضاء الإلهي حتي وإن لم يصدر حُكم بعقاب معين، ولكن بسبب خطأي حدث لحياتي خسارة تسببت في تلف العين من شدة ألحزن، نري هذا في حياة شعب الله فعندما يخطىون يكون القضاء الالهي مصحوبا بالعقاب فيدخل الشعب في ضيق شديد " وَإِنْ رَفَضْتُمْ فَرَائِضِي وَكَرِهَتْ أَنْفُسُكُمْ أَحْكَامِي، فَمَا عَمِلْتُمْ كُلَّ وَصَايَايَ، بَلْ نَكَثْتُمْ مِيثَاقِي، فَإِنِّي أَعْمَلُ هذِهِ بِكُمْ: أُسَلِّطُ عَلَيْكُمْ رُعْبًا وَسِلُا وَحُمَّى تُفْنِي الْعَيْنَيْنِ وَتُتْلِفُ النَّفْسَ. وَتَزْرَعُونَ بَاطِلا زَرْعَكُمْ فَيَأْكُلُهُ أَعْدَاؤُكُمْ. ( لا 26 : 14 ـ 16 ) ( تث 28 : 64 ، 65) هذا العقاب ما هو إلا نزع الحماية بالطريقة التي يمنح للأعداء فرصة بالدخول للنهب والسلب، هنا عند التدخل الإلهي يرفع الأعداء ويبعدهم ولكنه لا يمنح الرب تعويض مباشر عن ماسلب، ولكنه يمنح بركات عندما يرجع الشعب عن خطاياه وخطأه، فيكون له فرصة ليعوض الإنسان بنفسه عن خسائره.
أما عندما تتلف العيون نتيجة أحداث خارج الإرادة دون خطأ مني فهنا يتدخل الله في حياة الإنسان فيرفع الضيق ويبدأ الله بالتعويض الإلهي بنفسه، ويمنح الإنسان سلاما " أَمَّا الصِّدِّيقُ فَيَسْتَمْسِكُ بِطَرِيقِهِ، وَالطَّاهِرُ الْيَدَيْنِ يَزْدَادُ قُوَّةً. ( أي 17 : 9 ) هذا إدراك روحي عال الجودة، فالصديق " المؤمن " يستمسك بطريقه الكامل، وياتي التعويض الإلهي من إله السماء " فَتَعْمَلُونَ فَرَائِضِي وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي وَتَعْمَلُونَهَا لِتَسْكُنُوا عَلَى الأَرْضِ آمِنِينَ. ( لا 25 : 18 و 26 : 5 ) ( يؤ 2 : 25 ، 26 ) هذا هو الهنا الذي يمنح للإنسان فرص ذهبية، فقط علينا التمسك بالكمال الي النهاية ونترك الباقي علي الرب.
ـ الاستسلام واقع مؤلم :
من المؤسف جدا أن يستسلم الإنسان لواقع حياته، فيصنع لنفسه واقع مؤلم هو في غني عنه، ولتوضيح الفكرة أقول: إن التجربة واقع حياتي مؤلم يحتاج للمعاملة الخاصة بهدوء النفس لتجميع القوة الفكرية لمعالحة الواقع والخروج من المشكلة أو التجربة، فلا يوجد تجربة تبقي طول العمر، فلكل تجربة بداية ونهاية، إلا إذا كانت التجربة من نوع العاهه المستديمة، ايضا هذا النوع يحتاج لراحة النفس للمقدرة علي التعامل، فالإستسلام لواقع التجربة يزيد الهم هما والتعب تعبا والألم الما، انظر الي أيوب الذي ادخل نفسه بمساعدة اصدقائه للإستسلام المؤقت لتجربة حياته فقال: " أَيَّامِي قَدْ عَبَرَتْ. مَقَاصِدِي، إِرْثُ قَلْبِي، قَدِ انْتَزَعَتْ. ( أي 17 : 11 ) شعر أيوب أن كل ما في حياتة قد هدم وأن مستقبله الذي خطط له لن يستطيع تتميمه والسعي نحوه، فياله من شعور مؤلم.
هل يوما شعرت بان نهار يومك الذي انت فيه طبيعته مظلمه ويصير نورا نعتما ـ كالظل، هءا هو شعور ايوب " يَجْعَلُونَ اللَّيْلَ نَهَارًا، نُورًا قَرِيبًا لِلظُّلْمَةِ. ( أي 17 : 12 ) فهو لا يري فيه نورا ولا يري فيه الظلمة الكاملة ، فهو متخبط لأن من حوله يقولون النور قريب "' نُورًا قَرِيبًا لِلظُّلْمَةِ " ولأنه في قلب العتمة ـ التجربة، لا يستطيع أن يري شعاع النور مهما كانت التحليلات الإيحابية للآخرين، ولذلك عند الإستسلام يسلك الانسان نحو الإكتئاب وقد يكون خادا " إِذَا رَجَوْتُ الْهَاوِيَةَ بَيْتًا لِي، وَفِي الظَّلامِ مَهَّدْتُ فِرَاشِي، ( أي 17 : 13 ) لذلك لا يجب أن نعيش حياة الإستسلام بل حياة قرأءة الواقع وغلق كل الأصوات السلبية المحيطة التي تصدر من زوجة مثل زوجة أيوب أو أصدقاء مثل أصدقأء ايوب، عدم الإنصياع وراء أفكار تهدم وتزيد التعب تعبا والألم الما، لا يجب ان تناجي الهاوية والظلام، الفبر والدود " وَقُلْتُ لِلْقَبْرِ: أَنْتَ أَبِي، وَلِلدُّودِ: أَنْتَ أُمِّي وَأُخْتِي، ( أي 17 : 14 ) لانكبهذه الطريقة تدخل في دائرة اكتىابية بفقدان الأمل وزيادة لخيرة القلب " فَأَيْنَ إِذًا آمَالِي؟ آمَالِي، مَنْ يُعَايِنُهَا؟ ( أي 17 : 15 ) ففي فقدان الأمل موت الايام وذبح النور وفرصة للظلمة بالتجول في الحياة والسيطرة علي الأذهان، فمهما كانت الامك ومشاكلك فالنور قريب " نُورًا قَرِيبًا لِلظُّلْمَةِ " وحتما ستتبدد الظلمة مهما إن طالت.
----------------------------------------------------------------
18
صوت موبخ أخر
اتخبل أن أيوب واقف أمامي الآن ونحن بصدد الإصحاح ال 18 واقول له " قلبي معك والدي العزيز ورجل الله المبارك " فبعد أن صمت اليفاز بدأ صديق أخر في التفوه بكلمات أخري، وللاسف لم يختلف إطلاقا عن صديقه الأخر، فنفس السيناريو ونفس الافكار وإن لم يزيد، ففي الحزء الأول من كلماته بداها بتوبيخ أيوب، لأن أيوب في ردوده لم يصمت بل كان يصفهم بأنهم لا يفهمون وأن الحكمة أتت الي عندهم وتوقفت عن الدخول " "صَحِيحٌ إِنَّكُمْ أَنْتُمْ شَعْبٌ وَمَعَكُمْ تَمُوتُ الْحِكْمَةُ! (أي ١٢ : ٢) وقال أيضا كلمات تقلل من قيمتهم لديه بوصفه إياهم بالكذب وانهم بطالون وأنهم بلا حكمة لأنهم لم يصمتوا " أَمَّا أَنْتُمْ فَمُلَفِّقُو كَذِبٍ. أَطِبَّاءُ بَطَّالُونَ كُلُّكُمْ. لَيْتَكُمْ تَصْمُتُونَ صَمْتًا. يَكُونُ ذلِكَ لَكُمْ حِكْمَةً. (أي١٣: ٤-٥) ولذلك كان رد بلدد موبخا إياه بقوله " لِمَاذَا حُسِبْنَا كَالْبَهِيمَةِ، وَتَنَجَّسْنَا فِي عُيُونِكُمْ؟ ( أي 18 : 3 ) فقد بدأ بلدد بتوبيخ أيوب ويصفه بأن ايوب في ردوده لم يكن متعقل " تَعَقَّلُوا وَبَعْدُ نَتَكَلَّمُ. " وفي ترجمة التفسير التطبيقي جاءت " مَتَى تَكُفُّ عَنْ تَرْدِيدِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ؟ تَعَقَّلْ ثُمَّ نَتَكَلَّمُ " الغريب أن أيوب لم يبدأ بكلمات ضد أصدقاءه إلا بعد أن بدأوا هم أولا، فكانت معظم كلمات اليفاز بها إهانة لأيوب ولوم، وجعلته يأخذ طريق المدافع عن نفسه وعن كرامته، فايوب لم يكن فاهم ما يحدث له ولماذا حدث ومن هو الذي وراء هذا كله، هل يوجد غير الله، فلم يكن أمامه إلا الله ليتهمه، وكذلك أصدقاء أيوب عندما أرادوا أن يبرروا الله إتهموا أيوب بأن ما حدث له بسبب خطيته وشر قلبه، فالحديث أخذ مسلك اللوم والإدانة بعضهم علي بعض.
رأي بلدد في أيوب أنه شخص يهري في نفسه وكأنه مفترس يفترس ذاته بسبب غيظه " يَا أَيُّهَا الْمُفْتَرِسُ نَفْسَهُ فِي غَيْظِهِ، " وفي ترجمة كتاب التفسير التطبيقي جاءت " يَا مَنْ تُمَزِّقُ نَفْسَكَ إِرْباً غَيْظاً " بمعني أن أيوب بسبب غيظه بيأكل في نفسه وسيدمرها ـ نعم سيدمرها ـ هذا ما رأه بلدد، المشكلة ليست في واقع أيوب بل في طريقة كلمات أصدقاء أيوب والعمل علي إنتهاره دائما، فهو يريد أن يقول له أن واقع تجربتك التي هي نتاج خطيتك واضح وثابت كثبات الصخر وثبات الأرض " هَلْ لأجْلِكَ تُخْلَى الأرضُ، أَوْ يُزَحْزَحُ الصَّخْرُ مِنْ مَكَانِهِ؟ (أي ١٨ : ٤) بمعني أنه إن تزحزحت الصخور أو الارض فيمكن أن تتزحزح تجربتك، وكأن ما حدث لأيوب هو نهاية النهاية له ولن يخرج منه إطلاقا، ففي ردود أيوب علي اليفاز كلمات مشابهه لكلمات بلدد، فبلدد يقول له أنه يأكل نفسه بنفسه، وأيوب في رده علي اليفاز قال له نفس الكلمات بقوله إصمتوا فلن أأكل لحمي باسناني فأنا تارك نفسي أمام الرب فهو كفيلي " أسْكُتُوا عَنِّي فَأَتَكَلَّمَ أَنَا، وَلْيُصِبْنِي مَهْمَا أَصَابَ. لِمَاذَا آخُذُ لَحْمِي بِأَسْنَانِي، وَأَضَعُ نَفْسِي فِي كَفِّي؟ هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لا أَنْتَظِرُ شَيْئًا. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ. ( أي 13 : 14 ، 15 ) فيرجع بلدد يستخدم نفس كلمات أيوب متهما إياه بأنه سيأكل نفسه ويدمرها، إن طلب أيوب بسكوت أصدقائه طلب حكيم جدا وواقعي وإن نم فينم علي أنه حكيم وفاهم.
----------------------------------------------------------------
19
وضعوا انفسهم فصنعوا أزمة
يتكلم بلدد الشوحي عن أنه ليس للأشرار مجال للمعان الوجه " نُورُ الأشْرَارِ يَنْطَفِئُ .... (أي ١٨ : ٥) وإن كانت هذه حقيقة ولكن استخدامها عن ايوب يعتبرتعدي الحدود وإتهام سافر وليس من حقه الصاق هذا القول علي أيوب، فمهما كان واقع الألم والتجربة ومهما كان غموض الحدث فلا يجب تطبيق افكار من العموم للخاص بلا فهم وادراك روحي، فعندما تقال مثل هذه الأقوال في العموم كقول سليمان الحكيم " نُورُ الصِّدِّيقِينَ يُفَرِّحُ، وَسِرَاجُ الأشْرَارِ يَنْطَفِئُ. (أم ١٣ : ٩) يكون واقعها مقبول وللتعليم، علي خلاف شخصنة القول، فكثير من المشاكل تكون أحداثها بسبب اقول عامة تستخدم لتصف واقع اشخاص في تجارب والألم ليس لها نتائج تحليلي واضح وملموس.
يدخل بلدد الي داخل واقع أيوب الي خيمته المقصود بها حياته " النُّورُ يُظْلِمُ فِي خَيْمَتِهِ " ويصفها العتمة والظلمة ونورها المنطفيئ " وَسِرَاجُهُ فَوْقَهُ يَنْطَفِئُ " اي ليس للشرير نبادئ تنير خياته، فهذا القول حقيقة عامة ولكن لا يجب ان نوظفها لوصف حالة شخص في تجربة وجعة فنزيد جرحه، إن هذا الفكر موجود لدي أيوب فقد قال هو ايضا مثل هذا القول " كَمْ يَنْطَفِئُ سِرَاجُ الأَشْرَارِ، وَيَأْتِي عَلَيْهِمْ بَوَارُهُمْ؟ أَوْ يَقْسِمُ لَهُمْ أَوْجَاعًا فِي غَضَبِهِ؟ (أي ٢١ : ١٧) هذا من شدة الألم ومن الأقول التي سمعها من أصدقائه، فقد بهتوا عليه فحمله فوق الطاقة ولم يجد منطق غير هذا فتفوه بنفس ما تفوهوا به، هنا نري خطورة العلاقات مع الأشخاص الموضوعين في غير مكانهم الصحيح.
ـ هم أصدقاء؟..... نعم أصدقاء.
ـ وجب عليهم التواجد لمساندة صديقهم؟..... نعم وجب عليهم ذلك.
ـ قاموا بواجبهم بواقع صحيح؟....... لم يفعلوا ذلك، فلم يكونوا في واقع صحيح نحو أيوب، فقد كان واقع وجودهم أزمة حقيقية فوق ازمة أيوب.
لاحظ كمية الكلمات السلبية التي استخدمها بلدد ليصف واقع ايوب بغير الحقيقة، قد قال:
نور ينطفئ ـ خيمة تظلم ـ خطوات حياته تُقصر ـ وافكاره تكون سبب ازمته ـ يقع في شباك ـ مصيدة وفخ افكاره ـ رهبة ـ واهوال ـ زعر ـجوع ـ وبوار.. ( أي 18 : 5 ـ 12 )
ياااااه علي كمية الكلمات السلبية التي تفوه بها بلدد نحو أيوب، إنها كلمات ليست في واقعها الصحيح لأن هذا الصديق وضع نفسه مكان أيوب في تقييم الحدث، إن الوحيد الذي له حق تحليل واقعه هو ايوب صاحب الالم والتجربة،وأما المحيطين فعليهم شيئا واحدا هو المساندة والتعضيد وليس التحليل والتقييم كي لا يوقعوا الأخرين في ازمة جدبدة وزيادة احمال هم في غني عنها.
ـ سلطان ملك الأهوال:
يضع بلدد الشوحي امام ايوب كلمات قاسية ومصطلحات تافهة تحتاج للتجاهل، لان في الإهتمام بها تستنزاف للطاقة الذهنية والوقت، فقد وضع امامه حقيقة ان المرض ليس له شفاء وأنه سيفترس أيوب إفتراسا من الجلد الي الاعضاء " يَأْكُلُ أَعْضَاءَ جَسَدِهِ. يَأْكُلُ أَعْضَاءَهُ بِكْرُ الْمَوْتِ. ( أي 18 : 13 ) فلا يجد اعتمادا في حياته لأنه سلم لملك الاهوال ـ ملك الموت " يَنْقَطِعُ عَنْ خَيْمَتِهِ، عَنِ اعْتِمَادِهِ، وَيُسَاقُ إِلَى مَلِكِ الأهْوَالِ. ( أي 18 : 14 ) إن بلدد يجسد روح الموت ليضعه في داخل عقل أيوب ليستقبله لان هذا مصيره، وان خيمته واصولهوفروعه ياخذها غريب ولا يكون لايوب ذكر فقد ابيد" ذِكْرُهُ يَبِيدُ مِنَ الأَرْضِ، وَلاَ اسْمَ لَهُ عَلَى وَجْهِ الْبَرِّ. ( أي 18 : 17 ) هذا التصور المرعب الذي رسمه بلدد أمام أيوب تفاهات يجب تجاهلها والإلتجاء للرب ليرفع كل تسلط غريب من عدو الخير الذي حرك اشخاص ليعيقونا عن نوال تعويضات الله وتدخلاته، فقد رأي بلدد أن أيوب شرير ويستحق هذا ان يطرد الي الظلمة ويقطع نسله لأنه شرير ويستخق هذا " إِنَّمَا تِلْكَ مَسَاكِنُ فَاعِلِي الشَّرِّ، وَهذَا مَقَامُ مَنْ لا يَعْرِفُ الله". ( أي 18 : 21 ) تصور قلب بلدد تصور شرير ويحتاج لمن يسكته ويضع كمامة علي فمه او لمن يغير فكره الشرير الخاقد الذي لا يري صلاحا ولا نورا في الآخرين.
إن ملك الاهوال الذي اراد به ان يُرعب ايوب ليس له سلطان علي الاحياء، إلا بعد موتهم، بمعني ان الموت واقع سيحدث حتما للجميع إلا لمن سيكونوا موجودين وقت مجيى تلمسبح الثانيلإختكاف المؤمنين، ولذلك ليس الامر مرعب للغاية، فالموت قد يكون راحة لانه ينقل الإنسان من عالم الي عالم اخر، فقد رحل اخنوخ من عالم الي عالم اخر بلا بموت " وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ الله، وَلَمْ يُوجَدْ لأنَّ الله أَخَذَهُ. (تك ٥ : ٢٤) وكذلك إيليا النبي لم يري الموت ولكنه ؤحل من عالم الي عالم أخر بلا ملك الاهوال " وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَكَلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ. (2مل ٢ : ١١) إنه موقف رهيب حدث امام اليشع رجل الله ان يؤخذ منه إيليا بسلطان وقوة الهية نادرة الحدوث والتكرار، فملك الموت ما هو إلا فزاعة يستخدمها الجاهل ليرعب به الأخرين، ولا يجب استخدامه فيمثل ظروف ايوب، ملك الاهوال ليس له سلطان ليرعبنا نحن اصحاب زمن العهد الجديد لأن المسيح أباد سلطانه واباد الفزعة والرعب والتصورات الذهنية المصاحبة له " فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأوْلادُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، (عب ٢ : ١٤) فليس من حق مهما كان او يكون ان يستخدم مصطلخات تقلل من روح الثقة في الله الذي نجي وينحي وسينجي، فالرب اله قدير يستطيع ان يشفيويقيممن الاموات، فلا يجب ان نسير بمنهج مدرسة اصدقتء أيوب.
----------------------------------------------------------------
ـ خاتمة:
شكرا للرب لإتمام الجزء الثالث في دراستنا لسفر ايوب، وبمشيئة الرب سيكون لنا دخول في الجزء الرابع في وقت لاحق، صلواتكم.
. محبكم القس عماد عبد المسيح
______________________________
العقاب الإلهي
هل حقا الله يعاقب؟
بقلم
القس عماد عبد المسيح
______________________________
الفهرس
مقدمة
١ - أركان العلاقات :
- ثلاثة أركان في العلاقات : علاقة النفس بالنفس، علاقة النفس بالآخرين، علاقة الآخرين بي - الأذية من علاقاتي - الكوارث والعقاب الإلهي.
٢ - القيمة والمبادئ ودورهما في الحياة :
- لكل أمر خط ونظام ومبادئ - العقاب في ترك المبادئ والقيم - العقاب في الوقوف ضد المشيئة - أسرتك أم خدمتك
٣ - سياسة الله في التبليغ :
- كن امينا فتوكل علي شعوب - وانطق بأحكاما فتنفذ - حصاد ما لم تزرعه - حكم قضائي وحماية فردية
٤ - واقع صعب تغييره :
- عقاب صانعي الواقع الصعب - نظام الله كؤوس ممتلئة - لا تضارب في المصطلحات
٥ - فارق التأديب من العقاب :
- التأديب وكسر القانون نسبة وتناسب - الجروح للتأديب فكر خاطئ - أفكار متبناه من زمن
______________________________
مقدمة
إثناء وجودي في بعض اللقاءات بين القساوسة والخدام حتي مع بعض أعضاء الكنائس، ومن الأسئلة في الندوات، أجد هذه العبارة " عقاب ربنا ، ربنا عاقبه - إن عقابه شديد " وسألت كثيرا : هل ربنا بيعاقب ؟.إنه سؤال مهم، ولكن هل يوجد فرق بين العقاب والتأديب ؟ هذا إن كان ربنا بيعاقب.
تخيل معي هذا الحوار، تكلم احد الجالسين عن ناكري وجود الله ( الملحدين ) فقال أنهم صاروا كثيرين في هذه الأيام، وتطرق الموضوع الي أن وصل الي " إنها أفكار أجنبية وليست من طبع أمة المؤمنين بالله " وأن المصائب التي تحدث في العالم من كرونا وغيرها من الكوارث، ما هي إلا عقاب من الله علي الخروج عن الإيمان القويم، فقاطعهم رجل كبير في السن .. قاطعهم جميعا، فصمت الكل ليستمعوا اليه فقال : ليس عقاب من الله، لأن ربنا حنين، خالق الإنسان لأنه يحبه، يحبه حتي إن خرج عن طوعه، يحبه برغم بعده عنه، وسيظل الله يبحث عنه إلي أن يجده، أما بخصوص الكوارث فهي نتاح طبيعي لأمرين، أخطاء ( وليس خطايا ) البشر في حق الطبيعة ، وتفاعلات الكون في ذاته، فبلاش تنسبوا لربنا إمورا لم يفعلها، وبعد لحظات صمت .. صار المكان منقسما لفريقين، الاول متفق مع المسن، والفريق الأخر معترض ويؤيد أن الله يعافب وسيظل يعاقب علي شرور الإنسان، وأنت .. مع أي فريق تتفق؟.
عندما تنظر الي الأمر في شكله العام، تري جانب من الحياة في الشرور، وفي الجانب الأخر غضب الطبيعة، وكأن الله يجلس بالمرصاد، فمن يخطيئ ينال من الله مباشرة نتاج الأفعال، فيجد يدا تصفعه صفعة تُعلم عليه وعلي كيانه، وتجعله عبرة لمن لم يعتبر، فهل الله هكذا؟. ويستندون علي عقاب الله لأهل سدوم وعمورة، فقد كان عقابا شديدا حسب القراءة الاجتماعية فالعقاب كان بلا رحمة لأن الإثم كان عظيما!! فهل ما حدث لأهل سدوم عقابا من الله؟ بكل تأكيد الأمر يحتاج الى بحث والى دراسة، لذلك هيا بنا معا ندرس هذا الأمر، ندرس عن عقاب الله - وتاديبات الله - والغضب الإلهي، والدينونة الإلهية، وهذا الموضوع يجعلنا نتطرق لفكرة القدرية ( القضاء والقدر ) وهل يوجد ما يسمي بهذا في كلمة الله الكتاب المقدس؟
إن القدرية تأخذ حيز كبير في عقول كثيرين حيث أن نسبة المؤمنين به يقدر ب ٩٠ ٪ من العقول، وهذا يرجع الي عدم فهم الطبيعة الإلهية ومعاملتها مع الخليقة، فقالوا أن الكلمتان ( القضاء - القدرية ) مترادفان كما جاء في قاموس المحيط ( ص ٥٩١ ) أن القدر : هو القضاء والحكم، وفهم بأن هو الشيئ الذي قضاه الله وقدره سابقا، فصار المفهوم أن القضاء والقدر هو حكم إلهي، ولكنه إرتبط بأن هذا القضاء وهذا الحكم أخذ منذ الأزل ويتم تفعيله في صورة جزئيات في أحداث تُفعل في حياة البشرية، ولذلك يسمونه قضاء وقدر.
هذا الفكر ( القدرية ) غير موجود في كلمة الله الكتاب المقدس، مع العلم بأن القضاء موجودا، ولكنه ليس أحكاما ازلية تفعل في بني البشر في مواعيدها، بل القضاء له مفهوما سنتطرق اليه، مع العلم بأننا كتبنا في هذا الموضوع تحت عنوان " القضاء الإلهي بقلم القس عماد عبد المسيح " يمكنك طلبه أو تنزيله من علي النت.
______________________________
١
أركان العلاقات
- ثلاثة أركان في العلاقات :
١ - علاقة النفس بالنفس : يجب أن تكون طبيعية علي قدر المستطاع وسط عالم متعب يوجد فيه ظلم كثير، لأن إن دخل الإنسان مع نفسه في وقت من الخلل النفسي واستسلم يقاد للإكتاب ومع تطوره تكون عواقبه ليست جيدة فقد تقوده الي الإنطوائية والإنعزالية، وإ وللاسف المجتمع يري من دخل في مرض أو تعب أو .... يقولون " هذا عقاب الهي - الله يؤدب لينقي " وعندما يحتارون في سبب المرض يقولون للمريض " الراضي بقضاء الله وقدره سيعبر المحنة بسلام " فينسبون كل ما هو فوق فهم البشر الي القضاء والقدر والمكتوب، فهل حقا الامراض والمصائب من عند الله ؟ بكل تأكيد الأمر ليس بهذه الصورة لان المفاهيم في المجتمع والثقافة العامة جعلت المواضيع متداخلة في بعضها كأجزاء غير مكتملة، ففهم القضاء الإلهي أمر مستقل وله موضوعه المتكامل، وهو منفردا في مفهومه عن العقاب الالهي، لأن العقاب الإلهي ليس واردا في مفهوم كلمة الله ولكنه مصطلح إجتماعي تم الصاقه كمفهوم عن لقضاء الإلهي ، ولذلك نحتاج لتفنيط ( تفكيك ) المصطلحيت عن بعض وفهم كل مصطلح علي حدة لتستقيم الإمور.
٢ - علاقة النفس بالآخرين : إن علاقاتي بالآخرين تحدد مستوي الهدوء والسلام، فيقولون " إعرف نفسك من نوعية إختيارك لأصدقائك " فإختيارك لنوعية المقربين اليك يحدد نوع الحياة إما مساعدين ومساندين، او يكونوا سبب مشاكل تطول لسنين. وعندما يحدث لك ضيق أو مشاكل أو تعدي من المقربين فالأمر يحتاج لفرملتهم وعمل حدود سريعة، ولا تيأس أو تفشل فلكل متعدي ظالم نهاية، ولكل مظلوم أبواب للفرج، فقط تحتاج لقراءة المشهد جيدا والعمل علي إسترداد ذاتك مهما كانت التكلفة، ثق في ذاتك طالما الحق لديك.
يوجد من المقربين أشخاصا تم فرضهم علينا كأفراد الأسرة وكأفراد العائلة، هؤلاء يتم التعامل معهم دائما ويظهرون في حياتنا كل بحسب مستوي قربه، فوجودهم قد يكون سبب بركة ومساندة ومع البعض الآخر سبب إزعاج وألم. ونأتي للسؤال الهام، هل المشاكل الصادرة من العلاقات المفروضة علي.. هل هي من الله كعقاب وتنقية؟ أم هي من الله لأجل الرفعة إذا نجحت في الصمود؟ ايضا هذه الأفكار تحتاج لفهم ومعرفة ودراسة فنحن موجودون معا " أنت وأنا " لندرس الأمر معا.
٣ - علاقة الآخرين بي : من أهم العلاقات هي علاقة الاخرين بي، فالاخرين هم الأصدقاء - الأسرة - العائلة - زملاء العمل - الجيران .... الخ. كل هؤلاء دوائر في حياتك قد يسببون دعما ومساندة وقد يكونوا سبب ازمة وضيق ومشاكل.
كان وجود حواء في حياة أدم في وقت معينة " وَقَالَ الرَّبُّ الإلهُ: "لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ". (تك ٢ : ١٨) وفي وقت أخر سبب دفع أدم للسقوط وعصيان الله معا " فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ. (تك ٣ : ٦) فهي هي نفس الشخصية المعينة والسنيدة كانت سبب ودافع للسقوط وبداية المشاكل، فقط علينا توخي الحذر في استقبال آراء الآخرين ودعمهم، فقد يقصدون خيرا ( كحواء ) وندخل في نفق مظلم ليس له حل إلا في يد الرب.
هذه الأركان الثلاثة قد يحدث فيهما خلل، فتكون العواقب وخيمة،
- الأذية من علاقاتي :
ليست جميع الضيقات أو المشاكل مصدرها الله ... أو بسماح من الله. فإختياراتي سبب الرئيسي في بركاتي وهي السبب الرئيس في أزماتي، لأنه لا يوجد في الكتاب المقدس ما يسمي بالسماح الإلهي، فما هي إلا شماعة علق عليها ما لا نستطيع فهمه وتحليله، فننسب لله مشاركته في الأمر بعبارة السماح الإلهي.
في جريده القاهره 24 كتب الاستاذ فهد عبد الهادي يوم الخميس 3 مارس 2022 الساعه 4:56 دقيقه صباحا كتب يقول " العقاب الإلهي يسبق المشنقه " ويحكي عن متهم قتل أطفاله الثلاثه في حادثة تسمي بمذبحة المرج.. ومات بعد سماعه نبأ إعدامه من المحكمه، فمات قبل ان يدخل لحبل المشنقة، فسماه الأستاذ فهد ب " العقاب الالهي " فهل ما حدث حقا هو عقاب إلهي أم انه " اضطراب ما بعد الصدمة " فبسبب تعرضه لل " الحسرة والقلق أو الذنب الشديد او الغضب أو الحزن الشديد " فتسببت له حالة هددت حياته، " يحدث فيها إنخفاض لتدفق الدم إلى الأعضاء، مما يَتسبَّب في تدني مستويات الأكسجين الواصلة إليها وبالتالي تؤدي للموت " الأمر أنه لم يحتمل الصدمة ومن خوفه الشديد مات
وما حدث للأطفال الثلاثة ليس عقابا الهيا، لأنهم أبرياء .. ماذا فعلوا؟. لم يفعلوا شيئا، وليس هو قضاء وقدر ( أي مكتوب ) لأن الله لا يكتب نهاية تعيسة لأي من يكون. ولذلك فما حدث للاطفال هي تدخلات غبية من بشر علي بشر بدون عقل وبلا تعقل، وليس للسماح الالهي أي وجود، فالله لم يشارك لا بالسماح ولا بغير السماح، فقد يعترض شخصا ويقول " لماذا لم يمنع الله حدوث هذا؟ ولانه لم يمنع إذا فقد سمح؟ هذا علي اساس أن الله يدير دائرة الكون!. أحبائي الحرية التي وضعها الله للإنسان جعلته صاحب قراره، فإن اختار مباركة الغير لا يتدخل الله، وإن اراد اذية الغير ايضا لا يتدخل الله، ولكن يوجد قانون وضعه الله، وهو قانون الزرع والحصاد " لا تَضِلُّوا! اَللهُ لا يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا. لأنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَادًا، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً. فَلا نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لا نَكِلُّ. (غلا٦ : ٧-٩) فما حدث للقتلة المجرمين هو نتاج طبيعي للسلوك الغير سوي تجاه أنفسهم ونحو أطفال قتلوهم بلا رحمة، ويأتي السؤال : أين السماح الإلهي؟ ودلا يوجد.. فالله لم يسمح بأذية الأطفال ولكنه اختيار أب غير أمين في الحفاظ علي الأمانة التي بين يديه، فما زرعوه حصدوا نتائجه.
الإنسان في علاقاته لا يستطيع جزم أو توقع أو التنبوء بتصرفات الغير، فقد تصنع علاقة أو تواصل أو تُفرض عليك زمالة عمل لم تختارها، ويسبب لك هذا الزميل ضيقا أو مشاكل، وعندما تدخل دائرة وجوده فيشعر بتهديده وزعزعته، لانك افضل .. أو أمينا أكثر منه.. فوجودك يكشفه، فما عليه إلا أنه يتصرف تصرفات ويصنع إمورا تضايقك أو تهدد أمنك وأمانك وتهدد سلامك، ففي النهاية وختام القول ليس لله هنا أي نوع من أنواع السماح، ولكن لسبب أمانتك وتوتر الآخر وخوفه من وجودك، يخطيئ ويسلمك حبل محاكمته في يديك دون قصد، هذا أيضا ليس سماح إلهي ولكنه قانون الزرع والحصاد، فهو يحصد نتاح توتره ونتاج عدم أمانته.
- الكوارث والعقاب الإلهي :
في جريدة المصري اليوم كتبت ( أ. سحر الجعار مقال بعنوان : الخفافيش ونظرية «العقاب الإلهي» بتاريخ ٢٨ / ١ / ٢٠٢٠ م ) ترفض في مقالها فكرة ربط الكوارث الطبيعية بالعقاب الإلهي فقالت: " كلما وقعت كارثة طبيعية «بركان، فيضان، زلزال... إلخ» خرجت علينا أصوات تنذرنا وتحذرنا وتنهرنا بزعم أنه «غضب من الله»!. «تسونامى اليابان» أو حرائق «الأمازون وهى رئة العالم» هى عقاب من الله للغرب الكافر الذى لا يطبق حدود الله ويسمح بزواج المثليين، وكأنها ليست بلدانًا وهبت البشرية العلم والتقدم التكنولوجى وعباقرة الطب وعلوم الفضاء، واكتشفوا العديد من الأدوية لعلاجات مستعصية كادت تقضى على دول «العالم الثالث» الذى يخرج منه بعض جهابذة الدين الآن ليقولوا إن فيروس «كورونا» القاتل هو «عدالة السماء» الكفيلة بالقضاء على ملايين الفقراء فى «الصين والشرق الأقصى بل والأوسط»!. " فكلامها في غاية الأهمية لان بعض من رجال الدين ( الاسلامي والمسيحي ) للاسف كلما حدثت كارثة ربطوها بالله الغاضب، ويصوروا لنا أن الله دائما غاضب، ولكنه بريئ كل البراء من مثل هذه الإتهامات .
دائما يعجبني التفكير الإيجابي في التعاملات الإلهية نحو بني البشر، هذا " لأنَّ الرَّبَّ صَالِحٌ، إِلَى الأبَدِ رَحْمَتُهُ، وَإِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ أَمَانَتُهُ. (مز ١٠٠ : ٥) (مز ٢٥ : ٨) فصلاح الله لا يصنع ما هو ضد البشرية، هذا الحق تفكيرا إيجابيا يريح النفس، وهذا ما أريد أن أنوه عليه أنه كلما تم ربط الكوارث بغضب الله كلما صار الإنسان عدوا مزدوجا - عدوا لله لأنه ينسب ما ليس في الله لله، وعدوا للبشرية لأنه يبث افكارا سلبية وليست حقيقية في عقول من يسمع، وفي هذا أضافت أ. سحر الجعار قائلة انه : " التبرير المعادى للبشرية " واشارت الي زلزال ١٩٩٢ الذي ضرب مصر فقالت " وسقطت معظم المبانى القديمة، وتحولت الأنقاض إلى مدافن للفقراء، وتصدعت بعض البنايات الجديدة " وخرج الكثيرين في ذاك الوقت ينادون بأنه عقاب الله.
الكوارث الطبيعية هي تفاعلات الطبيعة مع ذاتها ينتج عنها هذه الكوارث فيتأثر بسببها الغني والفقير، فالزلازل والتسونامي... وغيرها، لا تفرق بين البشر وبعضهما وبين طبقاتهم، ولذلك فليست الكوارث مهما كانت غضبا الهيا، هذا الفكر يجب أن يتغير، فقد حدث أيام المسيح أن جليليين " خَلَطَ بِيلاطُسُ دَمَهُمْ بِذَبَائِحِهِمْ " وربط الشعب انهم كانوا خطاة وهذا غضب إلهي " فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:"أَتَظُنُّونَ أَنَّ هؤُلاَءِ الْجَلِيلِيِّينَ كَانُوا خُطَاةً أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ الْجَلِيلِيِّينَ لأَنَّهُمْ كَابَدُوا مِثْلَ هذَا؟ كَلاَّ! أَقُولُ لَكُمْ: بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ. " وحدث في نفس التوقيت أن برج سقط علي من فيه، فتكلم الواقفين أمام المسيح وربطوا بين ما حدث بغضب الله، فكان رد المسيح أيضا بنفس العبارة وقاد الموجودين الي أنهم ليسوا أفضل من هؤلاء فقال " أُولئِكَ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ سَقَطَ عَلَيْهِمُ الْبُرْجُ فِي سِلْوَامَ وَقَتَلَهُمْ، أَتَظُنُّونَ أَنَّ هؤُلاءِ كَانُوا مُذْنِبِينَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ السَّاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ؟ كَلا! أَقُولُ لَكُمْ: بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ". (لو١٣ : ١-٥) فنفي المسيح أنهم ليسوا مذنبين أكثر من الواقفين أمامه، فالتفكير السليم دائما هو عدم ربط الكوارث بخطية الإنسان وغضب الله
______________________________
٢
القيمة والمبادئ
ودورهما في الحياة
- لكل أمر خط ونظام ومبادئ :
في علاقتنا مع بعضنا البعض نصطدم في ببعض الإمور، وهذا لسبب إختلاف القيم والمبادئ في مفهومها داخل كل إنسان ووسط كل كيان ومجتمع، فكلما اختلفت القيم والمبادئ بين الفريق الواحد كلما قل الإحترام المتبادل وتفشي بينهم الفرقة والتفرقة، وعندما تلتقي القيم والمبادئ بين الفريق الواحد كلما ذاد التقارب والود والإلتقاء، فالقيم هي العناوين والعقائد العريضة التي توجه سلوكنا لنستطيع التقارب والتفاهم والإلتقاء، أما المبادئ فهي الحقائق ذاتها سواء كانت حقائق علمية أو حقائق أخلاقية أو منطقية أو معنوية.
يصعب التعامل مع من ليس له مبادئ وقيم حميدة، فالكاذب متلون وماكر وسهل شراءه فليس له مبدأ لأن قيمة الصدق لديه معدومة الوجود، وعند إستخدامها تكون للمصلحة، فمثل هؤلاء عندما يجتمعون معا يجتمعون علي الفساد ولا يطيقون المجتمع الصادق ويعملون علي هدمه، فالظلام والعتمة وعدم الوضوح يصنع لديهم فرصة للتحرك ويفرحون وسط أي مجتمع جاهل أو غير نظيف أو غير منظم، ويتحركون بقوتهم وسط المجتمع الخائف الجبان الذي يهتز من أي صوت مرتفع أو سيادة تواجه حياتهم، لذلك فهلاكهم يكون قريبا ويكون هلاكهم من جنس عملهم " تُهْلِكُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِالْكَذِبِ. رَجُلُ الدِّمَاءِ وَالْغِشِّ يَكْرَهُهُ الرَّبُّ. لأنَّهُ لَيْسَ فِي أَفْوَاهِهِمْ صِدْقٌ. جَوْفُهُمْ هُوَّةٌ. حَلْقُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ. أَلْسِنَتُهُمْ صَقَلُوهَا. (مز٥ : ٦، ٩) فالله لا يحمي من يسير بعيدا عن القيم والمبادئ، فالرب يصنع حماية علي حياة كل صادق أمين " لأنَّكَ أَنْتَ تُبَارِكُ الصِّدِّيقَ يَا رَبُّ. كَأَنَّهُ بِتُرْسٍ تُحِيطُهُ بِالرِّضَا. (مز ٥ : ١٢) هذه الحماية مبنية علي الرضا الإلهي المفعل من المبادئ والقيم التي يتبناها ويعيش فيها الإنسان الأمين.
لذلك أناشد كل صادق وأمين ولديه قيم ومبادئ أن لا يعطي للخوف مكانا أو طريقا، ويهدم كل جهل في حياته بالسؤال والثقافة وغيرها من الإمور التي تغذي العقل، لأن السؤال والمشورة مسلك كل حكيم، لا تقف متفرجا بل كن مستعدا دائما لمساندة من يسأل المساندة، مع مراعاة عدم المشاركة فيما لا يخصك، تعلم من كل شيئ وواجه كل كاذب يقف أمامك بلا خوف، ولتعلم أن الشرير ( مهما كانت مكانته ) يستتر وراء الإمكانيات المتاحة ظانا منه أنها دائمة مستديمه، وينسي او يصبح متناسيا انها سريعة الزوال، لذلك يقول " لِمَاذَا تَفْتَخِرُ بِالشَّرِّ أَيُّهَا الْجَبَّارُ؟ رَحْمَةُ الله هِيَ كُلَّ يَوْمٍ! لِسَانُكَ يَخْتَرِعُ مَفَاسِدَ. كَمُوسَى مَسْنُونَةٍ يَعْمَلُ بِالْغِشِّ. أَحْبَبْتَ الشَّرَّ أَكْثَرَ مِنَ الْخَيْرِ، الْكَذِبَ أَكْثَرَ مِنَ التَّكَلُّمِ بِالصِّدْقِ. أَحْبَبْتَ كُلَّ كَلامٍ مُهْلِكٍ، وَلِسَانِ غِشٍّ. (مز٥٢ : ١-٤) هذا هو الشرير الخارج نطاق القيم وخارج دوائر المبادئ فستجده بلا هوية أخلاقية تذكر، وإن وجدت فهي مزيفة وليست حقيقية.
- العقاب في ترك المبادئ والقيم :
يظن البعض أن الانسان الذي ليس له مبادئ اخلاقية علي سبيل المثال، سيعاقبه الرب علي أفعاله، ولكن في الحقيقة أن الله لا يعاقب بالمفهوم البسيط المنتشر، ولكن ما يسمي بعقاب الله ما هو إلا بحسب هذه الأية المفتاحية " وَلكِنَّنِي أُعَاقِبُكُمْ حَسَبَ ثَمَرِ أَعْمَالِكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأُشْعِلُ نَارًا فِي وَعْرِهِ فَتَأْكُلُ مَا حَوَالَيْهَا. (أر ٢١ : ١٤) فالعقاب هنا ما هو إلا نتيجة الفعل ذاته، أي أن الله ينزع الحماية كما أشرت منذ قليل أن الحماية الإلهية مرتبطة بالرضا الإلهي (مز ٥ : ١٢) فالأعمال التي يفعلها الإنسان تُفعل الرضا الإلهي فتزيد من دائرة الرضا أو تنزعها إن كانت الأفعال أثمة وبالتالي يصير الإنسان عرضة للتدخلات الشيطانية في حياته، " وَأُشْعِلُ نَارًا فِي وَعْرِهِ " ولذلك لا تلومن الى نفسك وذاتك، فعندما تجد تدخلات شيطانية أو تدخلات من البشر، فثمر الأفعال الأثمة التي تحدث من الإنسان تفتح ثغرات وأبواب في جدار الحماية لغياب الرضا الإلهي وتفعيل الغضب والقضاء الإلهي قترفع الحماية ( الحصانة ) ويجد العدو فرصته.
الغضب الإلهي والأحكام الإلهية يرتبط بالقيم والمبادئ والقوانين، فعندما تكسر قيمة يكسر معها الرضا، وعندما يتعدي الإنسان علي مبدأ - يظهر في حياته الشر، فيوضع الإنسان أمام الله في دائرة كاسر القوانين، وكاسر القوانين أمام القضاء الإلهي - مذنب، فإن لم يتوب - سيفعل القضاء الإلهي، فتنزع الحماية ويتم في الإنسان ما جاء (لا٢٦ : ١٤-١٨) الذي كان شرطه سماع صوت الرب ( قيمة إلهية ) وعمل الوصايا ( المبادئ الالهية ) فيقول " وَإِنْ رَفَضْتُمْ فَرَائِضِي وَكَرِهَتْ أَنْفُسُكُمْ أَحْكَامِي، فَمَا عَمِلْتُمْ كُلَّ وَصَايَايَ، ... فَإِنِّي أَعْمَلُ هذِهِ بِكُمْ: " الله هنا ينسب واقع الأحداث وتنفيذها لنفسه، لأن العدو هنا منتظر التدخل بكامل قوته، لذلك ما سيسرده الوحي هنا هو في دائرة نزع الحماية ودخول الأعداء الذي بطبيعة الانر حكم قضائي ناتج عن عدم وجود - الرضا والحماية " أُسَلِّطُ عَلَيْكُمْ رُعْبًا وَسِلُا وَحُمَّى تُفْنِي الْعَيْنَيْنِ وَتُتْلِفُ النَّفْسَ. وَتَزْرَعُونَ بَاطِلا زَرْعَكُمْ فَيَأْكُلُهُ أَعْدَاؤُكُمْ. وَأَجْعَلُ وَجْهِي ضِدَّكُمْ فَتَنْهَزِمُونَ أَمَامَ أَعْدَائِكُمْ، ( لا حماية ) وَيَتَسَلَّطُ عَلَيْكُمْ مُبْغِضُوكُمْ، وَتَهْرُبُونَ وَلَيْسَ مَنْ يَطْرُدُكُمْ. ( وينتظر رجوعهم ) "وَإِنْ كُنْتُمْ مَعَ ذلِكَ لا تَسْمَعُونَ لِي، أَزِيدُ عَلَى تَأْدِيبِكُمْ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ حَسَبَ خَطَايَاكُمْ، (لا٢٦ : ١٤-١٨) فعندما يغيب مفهود القيم - والمبادئ - والقضاء الإلهي - والرضا الإلهي، سيقرأ المشهد وكأن الله يجبر الإنسان علي طاعته، ... كلا والف كلا، لأن الطبيعي لدي الله وعند دولة القانون، في غياب القيم والمبادئ من المحيطين تتدخل قضائيا عند وجود شكوي للحكم اعدم تفشي الشرور، فإن كانت دولة القانون تحكم علي كاسر القانون باحكام وتعمل علي تنفيذها، فكم وكم الله صانع كل القيم والمبادئ القيمة والصالحة، لذلك فعندما يزيد الشر يزيد معها دائرة الغضب ويتم تفعيل القضاء الإلهي بقوة وبلا رحمة، ليس للإحبار علي التوبة ولكن لأجل تفعيل الرحمة.
- العقاب في الوقوف ضد المشيئة :
كما اتفقنا أن الله يسير بقوانين، فما يسمي بالعقاب الإلهي ليس إلا نتاج كسر القوانين، فيصير الإنسان مذنبا، وخارج الرضا الإلهي، فيدخل في نطاق الغضب، ثم القضاء الالهي، ثم الاحكام القضاىية، التي بدورها تنزع الحماية فيكون الإنسان عرضة للتدخلات البشرية أو الشيطانية في حياتة قد يصل فيها الإنسان الي الموت،
ما يحسب ضمن القوانين التي ضد المشيىة ليست الخطايا والخطيئة التي يسقط فيها الانسان فقط، ولكنها الوقوف أمام مشيئة الله وعمله وخدمته، سواء كان الإنسان قاصدا ذلك أو حتى عن جهل، كما في سيمون الساحر " فَتُبْ مِنْ شَرِّكَ هذَا، وَاطْلُبْ إِلَى الله عَسَى أَنْ يُغْفَرَ لَكَ فِكْرُ قَلْبِكَ، لأنِّي أَرَاكَ فِي مَرَارَةِ الْمُرِّ وَرِبَاطِ الظُّلْمِ". (أع٨ : ٢٢-٢٣) فإن كان قاصدا فمشاكله ستكون كثير، وإن كان عن جهل فسيحذره الرب كثيرا، فقد حذر الرب فرعون اولا بطلب بالكلام لإطلاق شعب الرب وخروجهم من أرض مصر - فلم يستجيب " وَتَقُولُ لَهُ: الرَّبُّ إِلهُ الْعِبْرَانِيِّينَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ قَائِلا: أَطْلِقْ شَعْبِي لِيَعْبُدُونِي فِي الْبَرِّيَّةِ. وَهُوَذَا حَتَّى الآنَ لَمْ تَسْمَعْ. (خر ٧ : ١٦) فإبتدأ الرب يتعامل معه باحكام قضائية تصير بالنسبه له عشر فرص بالعشر ضربات ( سفر الخروح إصحاح ٧ - ١١ ) ربما يستجيب بعد واحدة منهما، ولكنه للأسف لم يستحيب، فكانت النهاية هلاكه في البحر.
في الضربات العشر كانت عليه وعلي شعب مصر بجملتهم، فيأتي السؤال وما ذنب شعب مقاد لملك قاسي؟!. أقول "صمتهم" حُسب موافقة ومشاركة، فلم يسجلوا ولو إعتراض واحد، فنالوا نصيبا من الأحكام القضائية، فعندما تجد شرا ضد مشيئة الله وتصمت فأنت مشاركا، لذلك يجب التفريق بين صمتك في إمور العلاقات الشخصية وصمتك في إمور مشيىة الله، ففي العلاقات الشخصية لا تدخل فيما لا يخصك أي إن لم تكن طرفا، أما في إمور مشيئة الله فالصمت يُحسب مشاركة، فالشعب ( شعب مصر ) في صمته سواء عن جهل أو عن فهم وعلم وإدراك فهو مشارك، كان نحميا يفعم هذا الفكر أن لا بصمت فيما يخص مشيئة الله وخدمته فعندما رأهم يسكرون قانونا إليها وبخ عظماء يهوذا بلا خوف أو رهبة " فَخَاصَمْتُ عُظَمَاءَ يَهُوذَا وَقُلْتُ لَهُمْ: "مَا هذَا الأمْرُ الْقَبِيحُ الَّذِي تَعْمَلُونَهُ وَتُدَنِّسُونَ يَوْمَ السَّبْتِ؟ (نح ١٣ : ١٧) فلم يقف صامتا حتي ولو خسرهم.
لم يصمت الرب عندما رأي أن بيت الرب تحول الي تجارة، فطرد بائعي الحمام وقلب موائد الصيارفة وقال : " وَقَالَ لَهُمْ:"مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!" (مت ٢١ : ١٣) ايضا لم يصمت عندما رأي شر وخطايا الكهنة والكتبة والفريسيين في زمنه، فوبخهم قاىلا : " يَا أَوْلادَ الأفَاعِي! كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَتَكَلَّمُوا بِالصَّالِحَاتِ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ؟ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب يَتَكَلَّمُ الْفَمُ. اَلإنْسَانُ الصَّالِحُ مِنَ الْكَنْزِ الصَّالِحِ فِي الْقَلْب يُخْرِجُ الصَّالِحَاتِ، وَالإنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنَ الْكَنْزِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشُّرُورَ. (مت١٢ : ٣٤-٣٥) فالمسيح كان ثورجيا فيما يخص عمل الله وخدمته ومشيئته لذلك لم يصمت، أما في العلاقات فقال لمن يريد دفن والده أولا ثم يأتي ليتبع المسيح فقال له : " فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:"دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ الله". (لو ٩ : ٦٠) لذلك أناشدك أن لا تصمت نحو إمور مشيئة الله لئلا تنال جزءا من الأحكام القضائية التي تحدث.
- أسرتك أم خدمتك :
ربما من أجل عمل الله يحدث تقصير في حق علاقاتك الخارجية او الداخلية مع أسرتك، هذا التقصير ستحصد نتائجه، وهي خسارة من كانوا يتوقعون إهتماما خاصا منك، ولكن في الجانب الأخر ستحصد نتيجة إهتمامك بعمل الله وخدمته، وهي المكافئات والأكاليل والأجرة، بالطبع لا أقصد الإهمال في دوائر العلاقات القريبه كالأسرة.
الأسره لا يجب أن تهمل من أجل الخدمه، والعلاقات الخارحية لا يجب أن تكون علي حساب الخدمة، الأسرة أولا ثم خدمه الله ثانيه، ولكي يكون الترتيب واضحا أقول : الله أولا، الأسرة ثانيا - وخدمه الله ثالثا, والعائله رابعا، ثم العلاقات الخارجيه خامسا، اذا كنت تسير بهذا الفكر فستكون مستريح ولا تري مشاكل روحية في دائرتك،
عندما تحتاج خدمتك غيابك علي حساب أسرتك، عليك تهيئة هذا في أسرتك بشرح الأمر وأن غيابك الفترة القادمة ضرورة لابد منها، وأن وقوفهم بجوارك ما هو إعلان محبة لك ولخدمة الله في حياتك، لتستطيع مواصلة عمل الله وتكون أسرتك مستريحة، إن لم توافق اسرتك علي غيابك او انشغالك عنهم، فلا تضعهم أمام الامر الواقع وتذهب لخدمة الله.
يوما كانت العذراء مريم والمسيح في طفولته في زيارة لاورشليم " وَلَمَّا كَانَتْ لَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ كَعَادَةِ الْعِيدِ. (لو ٢ : ٤٢) وعند رحوعهم ظنت أمه وافترضت انه معهم وسط الجموع " وَبَعْدَمَا أَكْمَلُوا الأيَّامَ بَقِيَ عِنْدَ رُجُوعِهِمَا الصَّبِيُّ يَسُوعُ فِي أُورُشَلِيمَ، وَيُوسُفُ وَأُمُّهُ لَمْ يَعْلَمَا. وَإِذْ ظَنَّاهُ بَيْنَ الرُّفْقَةِ، ذَهَبَا مَسِيرَةَ يَوْمٍ، وَكَانَا يَطْلُبَانِهِ بَيْنَ الأقْرِبَاءِ وَالْمَعَارِفِ. (لو٢ : ٤٣-٤٤) وبعد وقت اكتشفوا انه ليس موجودا فرجعوا أورشليم يبحثون عنه " وَبَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَجَدَاهُ فِي الْهَيْكَلِ، جَالِسًا فِي وَسْطِ الْمُعَلِّمِينَ، يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ. وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوهُ بُهِتُوا مِنْ فَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ. (لو٢ : ٤٦-٤٧) هنا المسيح في مكانه الصحيح، والقديسة العذراء مريم عبرت عن مشاعرها وقتها فقالت " فَلَمَّا أَبْصَرَاهُ انْدَهَشَا. وَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ:"يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!" " فكان رد المسيح واضحا عن اهتماماته الاساسية وأنه فعل الطبيعي " فَقَالَ لَهُمَا:"لِمَاذَا كُنْتُمَا تَطْلُبَانِنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأبِي؟". (لو٢ : ٤٨-٤٩) فلم يكمل مسيرة عمله التي استمرت فترة وجودهم معهم في اورشليم بالاضافة الي الثلاثة ايام بمفرده، فعندما طلبته أسرته ترك خدمته ولم يكمل ما بدأه ورجع معهم " ثُمَّ نَزَلَ مَعَهُمَا وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ وَكَانَ خَاضِعًا لَهُمَا. وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذِهِ الأمُورِ فِي قَلْبِهَا. (لو ٢ : ٥١) لاحظ أنه أطاع وكان خاضعا لهما، فلم يضع خدمة الأب فوق أسرته التي يعيش بينهم وفي وسطهم، فراحتهم كانت أولا وخدمة الأب كانت ثانية، من يسير بموجب هذا الفهم فلن يكون خارج مشيئة الله حتي ولو لم يقوم بالخدمة.
______________________________
٣
سياسة الله في التبليغ
- كن امينا فتوكل علي شعوب : - وانطق بأحكاما فتنفذ :
في كلمه الله يوجد ما يسمى بالعقاب كما تكلمنا ولكن يسير هذا العقاب بمبادئ وقوانين الهيه، والله في عقابه أو في معاملاته القانونية مع بني البشر لا يتعامل كما يتعامل الأباء الأرضيين مع أبنائه، ولا يتعامل كما يتعامل المدير مع موظفيه، وليس الله بالشخصيه التي يقف بالمرصاد أمام أخطاء بني البشر، ولكنه يعامل بالقوانين والقيم والمبادئ التي ليست فيها تعدي أو ظلم على كل كاسر للقانون، فمقولة " الجزاء من جنس العمل " ليست خاطئة لأن الإنسان يحصد ما يزرعه، الله في تعاملاته يحمل خصائص في غاية الأهمية كأب يتعامل برفق ويعلم، يتعامل بالقانون ويحكم ولكنه ليس المنفذ، فعندما يصدر حكما تجد المعاملات الموجودة في خلائقه تتأثر فتعمل ذاتيا، لأن قوانين الله وأحكامة فعالة وحية وقادرة علي التأثير الفعال فيما أرسلت اليه عند سماع أمره ( الحكم )
سياسة الله عندما يريد أن يصدر حكما علي من يكون أو من تكون سواء شخصا أو مدينة ( شعب ) يصير الحكم مبلغ به من خلال مختارين له، أي أن الله لا يفاجئ المحكوم عليه بالتنفيذ، فالله يحذر وينبه ويعمل علي تصحيح المفهايم، لذلك تري في كل جيل رجال لله أمناء يستخدمهم لذلك, اقرأ ما قاله الله لإرميا النبي في حين أنه ذاق منهم الوانا من الضيق، فقال الرب " لا تَخَفْ مِنْ وُجُوهِهِمْ، " فإرميا نبي مرسل لشعب لا يسمع ولا يطيع، ولكن الله أرسله ليبلغ كلامه وأحكامه، فوعده " لأنِّي أَنَا مَعَكَ لأنْقِذَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ". الانقاذ ليس بعدم مساسهم له، بالعكس فقد سجن وحاولوا إسكاته بكل الوسائل، ولكن الإنقاذ إستمر في كل مرة دون أن يقتلوه او يغنالوه، فقد كان رجل الله الممسوح " وَمَدَّ الرَّبُّ يَدَهُ وَلَمَسَ فَمِي، وَقَالَ الرَّبُّ لِي: "هَا قَدْ جَعَلْتُ كَلامِي فِي فَمِكَ. " وياتي السؤال ماذا كان الواقع الروحي لإرميا تجاه من أرسل اليهم ؟ إنه وكيلا علي الشعوب أمام الله " اُنْظُرْ! قَدْ وَكَّلْتُكَ هذَا الْيَوْمَ عَلَى الشُّعُوبِ وَعَلَى الْمَمَالِكِ، " فوظيفته الممنوحة له من الله كان يستطيع أن يستخدمها بكلمات واضحة فستكون نافذة المفعول نحو الشعوب، لأن حكم الله ( القضاء الإلهي ) قد صدر ويبقي فقط تبليغه للتحذير والتوبة والرجوع، فإن لم يسمعوا فياتي دور أرميا بان ينطق بكلمات الأحكام بقوة ليقلع ويهدم ويبي من جديد " لِتَقْلَعَ وَتَهْدِمَ وَتُهْلِكَ وَتَنْقُضَ وَتَبْنِيَ وَتَغْرِسَ". فهل فعل ارميا كل هذا ام إكتفي بالتبليغ فقط، لم يفعل أن نطق بكلمات الأحكام ولكنه اكتفي بالتبليغ برغم أنه كان يعلم أن الله ساهر علي كلمته والمقصود بها هنا أحكامه " فَقَالَ الرَّبُّ لِي: "أَحْسَنْتَ الرُّؤْيَةَ، لأنِّي أَنَا سَاهِرٌ عَلَى كَلِمَتِي لأجْرِيَهَا". (أر١ : ٨-١٠، ١٢) فلو إستخدم أرميا تكليف الله له بالكامل لكان قد صار كإيليا النبي في ارساليته.
- حصاد ما لم تزرعه :
في دائرة القضاء الإلهي لا يسير الإنسان مع ذاته متجاهلا باقي العلاقات لتفادي الأخطاء ولعدم الدخول في دوائر الأحكام والقوانين الإلهية، لأن في العلاقات تحدث بعض الأخطاء، ولتفادي الأخطاء يتقوقع الإنسان داخل ذاته، فعلاقة الإنسان مع ذاته علاقة تقوم علي الأنا ( ايجو ) وفيها يصير الإنسان في أنا أولا، وقد يحتاجه الأخر ولكن لسبب الخوف يبتعد فيتقوقع، فلكل علاقة طبيعتها ولكل مجتمع كيانه وطبيعته التي تفرض نفسها علي الأجواء المحيطة، فلا تنسب نتائج طبيعة العلاقات علي الله وقضائه، لذلك فعندما تكتشف طبيعة لا تناسبك إبتعد، ولكن إن دعيت لتعمل عمل الله وسط طبيعة متشددة وقاسية وأعلن لك خدمتهم، فلا تتأخر بل ثق بأن مكافئات الله لك تفوق كل توقع.
عندما دعي أرميا خرج ليتعامل مع الأخرين، وهكذا كل الأنبياء فيونان دعي لأهل نينوي فذهب اليهم بعد معناة لانها كانت خارج رغبته - ولكنه ذهب، وهكذا رسل وكنيسة العهد الجديد دعاهم الرب ليذهبوا للعالم أجمع، " وَقَالَ لَهُمُ:"اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. (مر ١٦ : ١٥) فالتعامل مع الآخرين أمر في غاية الأهمية وتحقق المشيئة الالهية، فقد ينال الإنسان من تعاملاته مع الآخرين نتائج ليست حميدة، فمعظم الأنبياء قتلوا علي يد من أرسالوا اليهم كأشعياء الذي نشر، وقال المسيح لشعب إسرائيل أنهم قتلة الأنبياء " فَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ أَبْنَاءُ قَتَلَةِ الأنْبِيَاءِ. (مت ٢٣ : ٣١) فمعظمهم قتل ما عدا البعض أيضا كأرميا الذي مات بالسجن ويونان وداود ويوناثان وإيليا الذي خطف بمركبة نارية، ففي العلاقات نتائج وهذا يختلف عن القضاء والأحكام الإلهية.
إستمرار لوط في أرض غريبة ممتلئة شر، حصد من ثمارها ما لا يحمد عقباه، لأن طبيعة أرض سدوم تحتاج من لوط أن يهرب، ولكنه لم يفعل، فلم يهرب بإرادته من طبيعة أرض شريرة، فهرب بأمر الملاكان من طبيعة حكم قضائي من الله علي أرض سدوم " وَكَانَ لَمَّا أَخْرَجَاهُمْ إِلَى خَارِجٍ أَنَّهُ قَالَ: "اهْرُبْ لِحَيَاتِكَ. لا تَنْظُرْ إِلَى وَرَائِكَ، وَلا تَقِفْ فِي كُلِّ الدَّائِرَةِ. اهْرُبْ إِلَى الْجَبَلِ لِئَلا تَهْلَِكَ". (تك ١٩ : ١٧) هرب كي لا يحترق، فخسر كل ممتلكاته وخسر زوجته لعدم طاعتها، وخسر أداب بناته اللذان خلفا منه إبنان " فَحَبِلَتِ ابْنَتَا لُوطٍ مِنْ أَبِيهِمَا. فَوَلَدَتِ الْبِكْرُ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ "مُوآبَ"، ... وَالصَّغِيرَةُ أَيْضًا وَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ "بِنْ عَمِّي"، وَهُوَ أَبُو بَنِي عَمُّونَ... (تك١٩ : ٣٦-٣٨) لذلك علي الإنسان قراءة الواقع ويتوقع النتائج المستقبلية التي قد يحصدها، ليتفادي حصاد إمورا لم يزرعها زرعت يوما أمام عينه ولم يتحرك وقتها ليوقف زراعتها.
- حكم قضائي وحماية فردية :
المعاملات الإلهيه في حياتنا معاملات بالمحبة والارتباط الروحي، وهو يهتم بنا روحا ونفسا وجسدا، ولذلك يتعامل معنا منبها ومعلنا ومنذرا، إقرأ ما قاله اليهو " لكِنَّ الله يَتَكَلَّمُ مَرَّةً، وَبِاثْنَتَيْنِ لا يُلاحِظُ الإنْسَانُ. فِي حُلْمٍ فِي رُؤْيَا اللَّيْلِ، عِنْدَ سُقُوطِ سَبَاتٍ عَلَى النَّاسِ، فِي النُّعَاسِ عَلَى الْمَضْجَعِ. (أى٣٣ : ١٤-١٥) فذكر طرق جميعها وقت النوم في الحلم والرؤيا، المهم في الفكرة، أن الله يتكلم للإنسان ليس في وقت استيقاظه فقط مستحدما كلمته من خلال رجال الله، ومن خلال أحداث اليوم ايضا، وهنا نري الله يصل للإنسان حتي في منامه.
الهدف الإلهي ليس العقاب وليس إصدار أحكام قضائية، بل الهدف الإلهي تجاه الإنسان هو التواصل والمحبة ولذلك في كل جيل للرب نفوس يتكلمون معه فيسمعهم ليس عن صلاح فيهم بل لأنهم وضعوا أنفسهم للطاعه ووضعوا أنفسهم أمام الله ليسألوه " وَيَكُونُ أَنِّي قَبْلَمَا يَدْعُونَ أَنَا أُجِيبُ، وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بَعْدُ أَنَا أَسْمَعُ. (إش ٦٥ : ٢٤) لذلك الصوره التي رسمت امام عينيك عن الله يجب ان تكون صوره ايجابيه وليست سلبية، يجب ان تعلم بان الله اله الحب والمحبه وهو مصدرهما واله التواصل الحقيقي الغير مغرض كباقي البشر.
عندما قصد دانيال التواصل مع الله لمعرفه ماذا سيصيب شعب الله في نهايه الزمان وصلى أرسل له ملاكا ليقويه ويفهمه " وَأَنَا مُتَكَلِّمٌ بَعْدُ بِالصَّلاةِ، إِذَا بِالرَّجُلِ جِبْرَائِيلَ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الرُّؤْيَا فِي الابْتِدَاءِ مُطَارًا وَاغِفًا لَمَسَنِي عِنْدَ وَقْتِ تَقْدِمَةِ الْمَسَاءِ. وَفَهَّمَنِي وَتَكَلَّمَ مَعِي " أرسل له الرب ملاكا واستجاب لصلاته وأعطاه إيجابة على تساؤلاته وقال له كلمه في غايه الأهميه أنه رجل محبوب لدى الله " وَقَالَ: "يَا دَانِيآلُ، إِنِّي خَرَجْتُ الآنَ لأعَلِّمَكَ الْفَهْمَ. فِي ابْتِدَاءِ تَضَرُّعَاتِكَ خَرَجَ الأمْرُ، وَأَنَا جِئْتُ لأخْبِرَكَ لأنَّكَ أَنْتَ مَحْبُوبٌ. فَتَأَمَّلِ الْكَلامَ وَافْهَمِ الرُّؤْيَا. (دا٩ : ٢١-٢٣) نعم أحبائي .. دانيال أعلن له هذا الحق أنه محبوب وأن صلاته سمعت وإستجاب له الرب بالرؤيا ليفهمه.
نعم احبائي .. محبوب برغم أنه موجود في بلد غريب ومسبي، فالسبي الذي حدث ما هي إلا دائرة تحركات سياسية مرتبطه بالعالم المحيط، طمع بلد قريبة في مدينة دانيال، بالاضافة الي حياه شعب غير مستقيم ففتح على ذاته حكما قضائيا برفع الحماية، ولذلك دخل الأعداء فهزمت المدينة الذي كان من ضمنها دانيال فسبي ضمن المسبيين، هذا لا يلغي كون دانيال محبوبا لدى الله وأن معاملات الله مع دانيال لا تفرق المكان والزمان سواء في مدينته أو في بلد غريب، معاملات الله له معاملة واحدة، أن علي حياته حماية برغم أنها رفعت من مدينته ومن شعبه، فعاش محمي وسط اعدائه ، عاش محمي حتي وسط جب الإسود.
______________________________
٤
واقع صعب تغييره
لا تنفق وقتك في تغير واقع تم قراءته من قبل وتم التسليم به، ما عليك إلا استعادة ما قيل أو ما كتب فيه، فتحدد معالمه، لتسطيع اتخاذ القرار الصحيح، فتغيير الواقع مكلف للغاية، ولا سيما عندما تجد معاندين يمسكون زمام الخيط من الطرف المقابل فيدفعونك في طريق لا تريده، ليس لك فيه اي أهداف.
يوجد واقع قد يحيط بك، كواقع الظلم وتدخل الآخرين في شئونك أو في إتجاهات حياتك، ولا سيما عندما يكونوا ذوي مركز وسلطة، أو أصحاب نفوذ، فهم في المكان الخطاء في زمن قلبت في الموازين، فهل تري في زمنك مثل ما رأه سليمان " تَحْتَ ثَلاثَةٍ تَضْطَرِبُ ( تَقْشَعِرُّ ) الأرْضُ، وَأَرْبَعَةٌ لاَ تَسْتَطِيعُ احْتِمَالَهَا: تَحْتَ عَبْدٍ إِذَا مَلَكَ، وَأَحْمَقَ إِذَا شَبعَ خُبْزًا، تَحْتَ شَنِيعَةٍ ( وَامْرَأَةٍ كَرِيهَةٍ ) إِذَا تَزَوَّجَتْ، وَأَمَةٍ إِذَا وَرَثَتْ سَيِّدَتَهَا. (أم٣٠ : ٢١-٢٣) فعندما تري وجود نوع من الأربعة متدخل في حياتك فإعلم أن واقعك مكلف في تغييره.
والسؤال: هل وجود مثل هؤلاء في حياتك كالأفة عقاب الهي؟ القول لا... فوجودهم في حياتك ما هو إلا طبيعة واقع فرض عليك، هذا مثل ابن وجد وسط أسرة ليست سوية، الأب ظالم أو أناني يعمل لحساب ذاته ويستغل جميع من حوله بما فيهم أيناءه، فهذا الواقع يصير فارقا بين الإبن صاحب القرار في مجتمع ذكوري والابنة التي لا تستطيع التحرر من قبضة الظلم إلا بموت الظالم ورحيله، فالإبن قد ينفصل عن والديه لانه صاحب قرار والمجتمع منحه هذا الحق، أما الإبنة فإنفصالها عن والديها يصير قرارا صعب ومكلف للغاية وسط مجتمع لا ينصف بالحق ولا يحكم بالعدل.
فالعبد إذا ملك يذل الأحرار ويقيد حريتهم، والاحمق إذا شبع لا يقدر قيمة الاشياء فيهدرها، والشنيعة إذا تزوجت تجعل من بيتها جحيما، والأمة ( العبدة ) إذا ورثت لا تقدر قيمة ما لديها كالأحمق، فإذا إجتمعوا معا في مكان واحد وصاروا خرابا في المجتمع، وتغيير هذا الواقع مكلف ومكلف ومكلف.
- عقاب صانعي الواقع الصعب :
في كل جيل يوجد من يصنعون حملا علي شعب الرب، وللأسف هم " رعاة " لا يهمهم الرعية ولكن يهمهم انفسهم ومصالحهم، فيصنعون واقعا صعبا بفضل مركزهم الكنسي أو الإجتماعي " " وَيْلٌ لِلرُّعَاةِ الَّذِينَ يُهْلِكُونَ وَيُبَدِّدُونَ غَنَمَ رَعِيَّتِي، يَقُولُ الرَّبُّ. " قال الرب ( ويل ) لمثل هؤلاء إذا الله يعاقب؟! كلا بل يستخدم اعمالهم فينزع الحماية فينالون من نتائج افعالهم " لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ عَنِ الرُّعَاةِ الَّذِينَ يَرْعَوْنَ شَعْبِي: أَنْتُمْ بَدَّدْتُمْ غَنَمِي وَطَرَدْتُمُوهَا وَلَمْ تَتَعَهَّدُوهَا. " ها هي الاعمال ( بَدَّدْتُمْ غَنَمِي - طَرَدْتُمُوهَا ) أي لم تضعوها في مكانتهم ولم تمنحوهم حقوقهم، بل سلبتموهم وأخذتم ما يملأ بطونكم وجيبوبكم علي حسابهم وصنعتم واقع صعب عليهم " هأَنَذَا أُعَاقِبُكُمْ عَلَى شَرِّ أَعْمَالِكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. (أر٢٣ : ١-٢) يالهم من رعاة دعوا أنفسهم ليحملوا مسئولية شعب هم ليسوا أمناء عليهم.
ياه علي رعاة صانعي الازمة وليسوا رعاة حسب قلب الرب فبدل أن يصنعون واقعا سهلا يضعون عسرة امام شعب الرب، فمن اجل مال ( دولارات ) ومن اجل الكرسي ( السلطة ) يبيع زميله ويصير لديه استعداد لأذية شعب وأماكن للرب إذا كنت ستقف في طريق مكاسبه، فيصنع اوراق تخدمه ضاربا بعرض الحائط كل مبادئ وكل أصول وقيم، فعندما يقول الرب " اعاقبكم " فهذا حق إلهي مبني علي حكم قضائي بفعل اعمال شر مصنوعة من اشخاص يستحقوا الحكم والقضاء الإلهي علي حياتهم " إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ مِنْ جَمِيعِ قَبَائِلِ الأرْضِ، لِذلِكَ أُعَاقِبُكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذُنُوبِكُمْ". (عا ٣ : ٢) وهل يضع حكما ولا يخبر به ويعطي فرص، كلا .. " إِنَّ السَّيِّدَ الرَّبَّ لا يَصْنَعُ أَمْرًا إِلا وَهُوَ يُعْلِنُ سِرَّهُ لِعَبِيدِهِ الأنْبِيَاءِ. (عا ٣ : ٧) فالإخبار بما حكم به، أمر واجب عمله من اله عادل
لذلك اقول لكل من هو متضرر من صانعي الواقع الصعب لا تفشل، فالفشل مجرد تجربة يمر بها الإنسان، لذلك كن واعيا ومدركا أنك عظيما " فكل عظماء التاريخ مرّوا بسلسلة من التجارب الفاشلة لكنهم استطاعوا بعزيمة كاملة وارادة أن يستجمعوا قواهم من جديد ويتابعوا مسيرتهم نحو ما يؤمنون به فكان لهم في النهاية أن يُحقّقوا النجاح، " هكذا أنت لا تفشل بل إستمر في نضالك لتحقق أهدافك وتنال حقك، فالمسألة مسألة وقت، ولن يضيع حق وراءه مطالب، لذلك كن ايجابيا متفائلا فواقعك سيتغير إن استمريت علي هذا الحق، ولا تنظر للماضي بما فيه من واقع صعب، بل أنظر للمستقبل متفائلا لأن الرب معك، وهذا يعزز ثقتك بنفسك فتستمر طالما أهدافك محددة، ولا تسير عشوائيا فالعمل المنظم ناجحا مهما كانت قوة صانعي الواقع الصعب
- نظام الله كؤوس ممتلئة :
لا تتعجب قارئي الغالي من هذا العنوان في دراسه سابقه كانت بعنوان : " المثليه الجنسيه في الفصل الثالث والرابع " قلت ما فائدته : " أنظمة الله ومعاملاته إمور تعمل لتفعيل الرحمة والعدل وإعلان الحق " لذلك فكل اعمال الإنسان مراقبه ليست من الله فقط ولكنها ايضا من جميع الأرواح الملائكية سواء كانت خيرة أم شريرة، فالملائكه الخيره يتكلم عنها الكتاب قائلا إنها حول خائفيه " مَلاكُ الرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ، وَيُنَجِّيهِمْ. (مز ٣٤ : ٧) أما عن الملاىكة الشريره فهي تجول وتتمشى في الأرض باحثة عن فريسة للإبتلاع " اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. (١بط ٥ : ٨) ولذلك تجد أن كل أعمال الإنسان تحفظ في كؤوس عند الرب " فأفعال الشر تحفظ فى زق ، وأفعال الخير تحفظ في زق " فأيهما لديك يكون ممتليئ؟ يظن البعض أن القضاء الإلهي يتحرك من أجل العقاب والإنتقام، فالقول لا .. إن القضاء الإلهي يتحرك لإصدار أحكام قد تكون عقابية للمذنب أو منصفة لمن له حق لم يناله، هذه الأحكام تعطي فرصة لكل ذي مهتم بالتدخل، إما ملائكة الله للتنفيذ. أو الأرواح الشريرة للتدخل في أحكام مرتبطة برفع الحماية.
لن أعيد ما كتبته فيما سبق من دراسات ولكن لأن التسلسل الفكري يتحتم علينا إعادة أمرا تم الكتابه فيه من قبل، لذلك دعونا نري أن نظام الكؤس مهم فهمه، لأن الله لا يعاقب عقاب مباشرة، فليس وراء كل خطا عقابا جسيما لانه إن فعل هذا يكون قد لغى دائرة الرحمه " الْعَدْلُ وَالْحَقُّ قَاعِدَةُ كُرْسِيِّكَ. الرَّحْمَةُ وَالأمَانَةُ تَتَقَدَّمَانِ أَمَامَ وَجْهِكَ. (مز ٨٩ : ١٤) (مز ٥٩ : ١٠) هذا ليس معناه ان يستمر المخطئ في الخطا والشرير في شره مستندا على دائرة أن الله لا يعاقب مباشرة ويفعل الرحمة أولا ولكنه بهذا يكون هذا الإنسان قد أضاع فرص الرحمة في حياته عندما يمتلئ الكأس لن ينال الا القضاء الإلهي الذي قد يحوي العقاب على الذنب " يُمْطِرُ عَلَى الأشْرَارِ فِخَاخًا، نَارًا وَكِبْرِيتًا، وَرِيحَ السَّمُومِ نَصِيبَ كَأْسِهِمْ. (مز ١١ : ٦) (أر ٢٥ : ١٥ - ٢٨) (أر ٤٩ : ١٢) (أر ٥١ : ٧) (حز ٢٣ : ٣١ - ٣٣) لاحظ هنا أن النار والكبريت والريح والسموم نتكلم فيها عن نصيب الكأس الخاص بها، أي أن الشر الذي فعل بالاضافة لكسر القانون يساوي كأسا ممتلئا فيه حكما قضائيا يصب حياه البشر المخطئة، فلكل واقع روحي وحياة عملية كأس يمتلأ " اِنْهَضِي، انْهَضِي! قُومِي يَا أُورُشَلِيمُ الَّتِي شَرِبْتِ مِنْ يَدِ الرَّبِّ كَأْسَ غَضَبِهِ، ثُفْلَ كَأْسِ التَّرَنُّحِ شَرِبْتِ. مَصَصْتِ. ... " ثم بعد فترة يعمل برحمته إن استقامت " هكَذَا قَالَ سَيِّدُكِ الرَّبُّ، وَإِلهُكِ الَّذِي يُحَاكِمُ لِشَعْبِهِ: "هأَنَذَا قَدْ أَخَذْتُ مِنْ يَدِكِ كَأْسَ التَّرَنُّحِ، ثُفْلَ كَأْسِ غَضَبِي. لا تَعُودِينَ تَشْرَبِينَهَا فِي مَا بَعْدُ. (إش ٥١ : ١٧ - ٢٢) فمعاملات الرب دائما من أجل المعالجة وليس الإنتقام أو الغضب أو الهلاك، فهو دائما يسعي لينال الإنسان حياة أبدية، هذا إن إستجاب الإنسان للرب ولعمله فيه.
ليس فقط للشر كاس يمتلأ، ولكن للخير ولعمل الله كاس يمتلأ، فيوجد نفوس كأسهم ريا ولهم رصيد خير لدي الرب " تُرَتِّبُ قُدَّامِي مَائِدَةً تُجَاهَ مُضَايِقِيَّ. مَسَحْتَ بِالدُّهْنِ رَأْسِي. كَأْسِي رَيَّا. (مز ٢٣ : ٥) هنا بسبب إستقامة المؤمن يمتلئ كأسه بركات " كَأْسَ الْخَلاصِ أَتَنَاوَلُ، وَبِاسْمِ الرَّبِّ أَدْعُو. (مز ١١٦ : ١٣) أما المخطيئ بسبب أفعاله يمتلى كأسه غضبا " فِي طَرِيقِ أُخْتِكِ سَلَكْتِ فَأَدْفَعُ كَأْسَهَا لِيَدِكِ. (حز ٢٣ : ٣١) حتي الصلوات أحبائي تحفظ لدي الرب " فَلَمَّا شَخَصَ إِلَيْهِ وَدَخَلَهُ الْخَوْفُ، قَالَ:"مَاذَا يَا سَيِّدُ؟" فَقَالَ لَهُ:"صَلَوَاتُكَ وَصَدَقَاتُكَ صَعِدَتْ تَذْكَارًا أَمَامَ الله. (أع ١٠ : ٤) هنا لابد من إدراك شيئا هاما وهو، أن الله يراقب ليصحح ويمنح فرصة للرحمة، وفي نفس الوقت تحفظ أعمال وأفعال البشر في كأس، فلكل إنسان كأس ولكل مدينة أو بلد كاسها، فعند الإمتلاء ينال الإنسان جزاء ما فعل
- لا تضارب في المصطلحات :
ليعلم القارئ ان المصطلحات الخاصة بأعمال الله ليس فيها تضاربا وليس فيها خصومات، بمعني أن الأحكام القضائية لا تلغي عمل الرحمة، والكؤوس لا تلغي عمل النعمة، والنعمة لا ترفع وتخصم وتقلل مما وضع في الكؤوس، فلكل مصطلح من هؤلاء قائم بذاته، ولفهم ما أقول ولتوضيحه اليك هذه القصة كمثال.
- داود النبي :
أختير نبيا بحسب حكمة الله فكإنسان له كأسان يحفظ فيهما سلوكه وتصرفاته خيرا كانت أو شرا.
ولكنه كنبي فعمل المسحة الإلهية قائم، وعمل نعمة الله في مسئوليتها كنبي قأئمة، مهما كان واقعه الروحي المرتبط بسلوكه.
فعندما زني - وقتل، وضع هذا في الكأس الخاص بالأعمال الشريرة، وعندما صدر حكما قضائيا علي حياته لم يُسقطه كنبي ولم تلغي مسحته، واستمر عمل النعمة له وفيه، واستمر نبيا لنهاية حياته، بل يضاف أيضا أن مستوي الدعوة في حياته وتأثيرها إستمر للمجيئ الأول للمسيح ولقب المسيح ب " إبن داود " (مت ١ : ١ ، ٩ : ٢٧ ، ١٢ : ٢٣ ، ١٥ : ٢٢ ، ٢٠ : ٣٠ ، ٢٠ : ٣١ ، ٢١ : ٩ ، ٢١ : ١٥ ، ٢٢ : ٤٢) هذا اللقب أستخدم في زمن المسيح للمسيح وكان له واقعه الروحي علي خدمة الرب وسط شعب الرب، فالمسيح لم يرفض طلبة طلبت من المسيح ولقب فيها بإبن داود.
فخطية داود التي وضعت في كأسه لم تتعارض مع الدعوة التي علي حياته كنبي، ولم تتعارض مع مستقبل الدعوة وتاثيرها علي مستوي الأجيال والعصور، وإستمر هذا الإسم في تأثيره.
- ابونا ابراهيم :
اختير ايضا نبيا وحمل مسيرة الهية بان ياتي من نسله المسيح، لذلك كانت معاملات الله مع أبونا إبراهيم بحسب مستوي الدعوة.
سقط أبونا إبراهيم في خطية لا تقبل في زمننا هذا ولا في اي زمن من الأزمنة، فقال علي زوجته أخته وتركها تؤخذ من يده كزوجة مرتين مرة لملك مصر، ( تك ١٢ : ١٠ - ٢٠ ) والأخري لملك جرار ( تك ٢٠ : ٢ ) وفي المرتين أنقذ الرب سارة من أيديهما وأرجعها لإبراهيم.
فعلته هذه لم تسقط مستوي الدعوة من حياته، بل وبخ كإنسان في دائرة العلاقات الإجتماعية، وأكرم كنبي " فَالآنَ رُدَّ امْرَأَةَ الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَيُصَلِّيَ لأجْلِكَ فَتَحْيَا. وَإِنْ كُنْتَ لَسْتَ تَرُدُّهَا، فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَوْتًا تَمُوتُ، أَنْتَ وَكُلُّ مَنْ لَكَ". (تك ٢٠ : ٧) فخطأه حسب في كأسه، وما سجل في الكاس لم يقلل من مستوي العمل الإلهي الذي علي حياة أبونا إبراهيم وإستمر هذا علي كل شعب الرب فلقب شعب الله بأبناء إبراهيم بما فيهم المسيح (مت ١ : ١) (مت ٣ : ٩) (لو ١٦ : ٢٢) (لو ١٩ : ٩) هذا يعطي لنا فهما ان الدعوة الالهية لا تسقط والمسحة الإلهية قائمة لتتميم المسيرة، ولكن السقوط الذي يسقطه المؤمن يؤثر علي مدة مسيرة الدعوة وتأثيرها السلبي لفترة علي المعاصرين للحدث وللسقطة، وللقيام والنهوض وقت ليعود المؤمن لمستواه، وإن لم يقوم سيبدله الرب بأخر ليكمل العمل، فقد كانت علي حياة بلعام دعوة ومسحة قوية جدا " فَنَطَقَ بِمَثَلِهِ وَقَالَ: "وَحْيُ بَلْعَامَ بْنِ بَعُورَ. وَحْيُ الرَّجُلِ الْمَفْتُوحِ الْعَيْنَيْنِ. (عد ٢٤ : ٣ ، ١٥) ولأنه سقط ولم يقوم فأنهي علي دعوته في مسيرة شعب الرب ولكن عمل الله في شعبه ظل قائما ودعوة الله كانت علي أخرين لإكمال المسيرة، لذلك لا تنهي علي خدمتك بسقوط بلا توبة، بل قم وانتفض وأكمل المسيرة وأخدم الرب لأن دعوة الله علي حياتك هي للخير وليس للشر، فإحرص أن تضع في كأسيك ما هو للخير وليس للشر.
______________________________
5
فارق التأديب من العقاب
رأينا أن العقاب في كلمة الله واقع مرتبط بالأحكام الإلهية بحسب القضاء الإلهي، فيها تنزع الحماية فتتحرك الطبيعة والأرواح الملائكية سواء كانت خيرة أو شريرة للتدخل بحسب مستوي الحكم والمجال المفتوح لذلك ( إن لم تفهم ما أقول عليك قراءة ما كتبته في الفصول السابقة وفي بعض المواضيع السابقة ايضا كالقضاء الإلهي - و الدوائر الإلهية الثلاثة - و الأزمنة والأوقات الإلهية - والمثلية الجنسية - والدينونة، فجميعهما يخدمون المفهوم الخاص بالعقاب الإلهي ) فالله لا يعاقب بالمفهوم الشعبي المنتشر " ان الله يقف بالمرصاد وينتظر سقوط الإنسان فيعاقبه " حاشا ... إن الله أب ويتعامل مع خليقته بروح الإبوة فيعمل للتقويم والتهذيب بطرق كثيرة عسي أن يستقيم الإنسان ويسير في مبادئ الله، ولكن لسبب قساوة القلب يخرج الإنسان من دائرة الابوة الإلهية دون الغائها من حياته الي دائرة القضاء الإلهي، فينال من حكمها ما يفتح أبواب علي حياته ليست جيدة.
التاديب الإلهي يختلف عن العقاب الإلهي حتي وإن كان يوجد تشابه في أحداثيهما، ففي العقاب لابد من حكما قضائيا إلهيا وفي التأديب كذلك ولكنه ياتي علي مراحل وبتنبيهات واضحة للمؤمن، فالعقاب يسري علي كل من خارج نطاق المشيئة الالهية ويعمل ضدها سواء بكلماته أو بأفعاله، أما التأديب فيخص المؤمنين وحدهم، يخص الأبناء فقط، الأبناء اللذين يعرفون الحق وتم استنارتهم به ثم ينحرفون بمحض إرادتهم، هنا يدخلون تحت طائلة القضاء الإلهي ولكن في قسم التاديب.
عندما يتعامل الله بدائرة قضاءه سواء للانتقام او للتأديب يلبس الله الادوات المستخدمة لذلك ويكون هدفها إعلان الحق، فهذه الأدوات كدرع البر - وخوذة الخلاص - وثوب الانتقام - ورداء الغيرة، كل هذه الأدوات لتفعيل أزمنة قضاء سواء علي أشخاص أو علي أمم " فَلَبِسَ الْبِرَّ كَدِرْعٍ، وَخُوذَةَ الْخَلاصِ عَلَى رَأْسِهِ. وَلَبِسَ ثِيَابَ الانْتِقَامِ كَلِبَاسٍ، وَاكْتَسَى بِالْغَيْرَةِ كَرِدَاءٍ ) إش ٥٩ : ١٧ ( فدرع البر ليعلن في عالم الروح انه لن يظلم، وخوذة الخلاص لأنه منقذ المظلوم ليخلصه ،وثياب الانتقام لرد الحق الواجب اتخاذه تجاه المخطئ العنيد الغير تائب ، والغيرة لأعلان الأسباب التي جعلت القضاء الإلهي يعمل ويدخل في جدول الزمن الألهي.
الأدوات الخاصة بالقضاء الإلهي ليست أدوات انتقامية ولكنها أدوات تفعيلية، لتظهر للإنسان مقدار إهتمام الله عسي أن يتوب، فيرجع الله عن حمو غضبه ويرفع دائرة حكمه ويفعل الرحمة " تَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْقَلْعِ وَالْهَدْمِ وَالإهْلاكِ، " ( من خلال أدوات القضاء وصدور حكما ) " فَتَرْجعُ تِلْكَ الأمَّةُ الَّتِي تَكَلَّمْتُ عَلَيْهَا عَنْ شَرِّهَا، فَأَنْدَمُ عَنِ الشَّرِّ الَّذِي قَصَدْتُ أَنْ أَصْنَعَهُ بِهَا. " ( فالندم هنا هو تفعيل قانون الرحمة في حياة التائب ) " وَتَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، فَتَفْعَلُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيَّ، فَلا تَسْمَعُ لِصَوْتِي، فَأَنْدَمُ عَنِ الْخَيْرِ الَّذِي قُلْتُ إِنِّي أُحْسِنُ إِلَيْهَا بِهِ. (أر١٨ : ٧-١٠) فالتحويل من قانون لقانون ومن أدوات لأدوات مرتبط بقانون الهي او مبدأ الهي خاص ومفعل علي كل خليقته، وهي ( المحبة ) فبدونها لا تفعيل لقانون الرحمة " وَمَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَدَمْتُ لَكِ الرَّحْمَةَ. (أر ٣١ : ٣) فهل أخي تري محبة الله نحوك فتستخدمها في حياتك لتفعيل الرحمة، ارجوا هذا واتمناه للجميع.
- التأديب وكسر القانون نسبة وتناسب :
التعامل مع العقاب والتاديب يصعب التفريق بينهما، ولكن المعاقب يعرف بانه عقاب والتاديب يعرف أنه تاديب، كيف يعرف هذا؟!. أنه دور وعمل الروح القدس في تعاملاته مع جميع بني البشر، ففي العهد القديم كان العقاب عقابا للبعض وفي ذات الوقت تاديبا للبعض الأخر، هذا كالاحكام القضائية، فالحكم الواحد ينصف ويذبح أو يسجن او ....الخ. هكذا في إمور الله فالتأديب والعقاب لا يصيران إلا بأحكام قضاء إلهي ويصير مبني علي السلوك والتصرفات التي يفعلها الإنسان " لكِنْ إِنْ لَمْ تَسْمَعُوا لِي وَلَمْ تَعْمَلُوا كُلَّ هذِهِ الْوَصَايَا، وَإِنْ رَفَضْتُمْ فَرَائِضِي وَكَرِهَتْ أَنْفُسُكُمْ أَحْكَامِي، فَمَا عَمِلْتُمْ كُلَّ وَصَايَايَ، بَلْ نَكَثْتُمْ مِيثَاقِي، " هنا يصير هذا الفعل بالنسبة للمؤمنين تأديبا وللاشرار عقابا وهذا يكون صادرا من حكما قضائيا واحدا " فَإِنِّي أَعْمَلُ هذِهِ بِكُمْ: أُسَلِّطُ عَلَيْكُمْ رُعْبًا وَسِلُا وَحُمَّى تُفْنِي الْعَيْنَيْنِ وَتُتْلِفُ النَّفْسَ. وَتَزْرَعُونَ بَاطِلا زَرْعَكُمْ فَيَأْكُلُهُ أَعْدَاؤُكُمْ. " ما هذا كله ؟!. إنه دمار.. نعم دمار... فسيقول قائلا ليس تأديبا بل عقابا وانتقاما..!. أقول لا .. لأن الأمر هنا مرتبط بكسر مبادئ وقوانين وبالتالي يصير الحكم كما قلنا " برفع الحماية " فتسليط الرعب والسل والحمي ما هما إلا تحركات أرواح شريرة ناتجة من عدم وجود الحماية، فالله لا يسلط ولأنه لم يمنع فكأنه هو الفاعل، وهذا يظهر عندما قال " وَأَجْعَلُ وَجْهِي ضِدَّكُمْ فَتَنْهَزِمُونَ أَمَامَ أَعْدَائِكُمْ، وَيَتَسَلَّطُ عَلَيْكُمْ مُبْغِضُوكُمْ، وَتَهْرُبُونَ وَلَيْسَ مَنْ يَطْرُدُكُمْ. " لاحظ هنا تغير إتجاه وجه الله فتقل الحماية فيتسلط الاعداء من ذاتهم علي شعب الرب لأنهم صاروا مكشوفين " وَإِنْ كُنْتُمْ مَعَ ذلِكَ لا تَسْمَعُونَ لِي، أَزِيدُ عَلَى تَأْدِيبِكُمْ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ حَسَبَ خَطَايَاكُمْ، (لا٢٦ : ١٤-١٨) فزيادة التاديب أي نسبة الحماية تقل أكثر فيشعر الشعب بأن ثقل التاديب شديدا.
إن المعاملات الإلهية أساسا ليست للتاديب وليس للعقاب، ولكنها للبركة والنمو والمحبة " فَأَحْبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ وَاحْفَظْ حُقُوقَهُ وَفَرَائِضَهُ وَأَحْكَامَهُ وَوَصَايَاهُ كُلَّ الأيَّامِ. " فخط السير في مبادئ الله هو خط القداسة والعفة وإحترام الأخر، فقد كان تأديب الرب وعقابة علي الأشرار لأجل شعب الرب الحاملين وصاياه " وَاعْلَمُوا الْيَوْمَ أَنِّي لَسْتُ أُرِيدُ بَنِيكُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا وَلا رَأَوْا تَأْدِيبَ الرَّبِّ إِلهِكُمْ، عَظَمَتَهُ وَيَدَهُ الشَّدِيدَةَ ...حَيْثُ أَطَافَ مِيَاهَ بَحْرِ سُوفٍ عَلَى وُجُوهِهِمْ حِينَ سَعَوْا وَرَاءَكُمْ، (تث١١ : ١-٦) فيد الرب وقضاءه متاح للكل، علي كل كاسري قوانين ومبادئ الله، فيصير الأمر بين كسر الوصايا والقوانين، وبين الأحكام الإلهية ورفع الحماية نسبة وتناسب، فعلي قدر الشر والخطية علي قدر درجة رفع الحماية، إما ان تكون بسيطة أو زائدة كما قال في ( لا ٢٦ : ١٨ ) لأن الله ليس بظالم.
- الجروح للتأديب فكر خاطئ :
وقف ربشاقي المرسل من ملك اشور امام حزقيا الملك ليحاربه، فقال كلمات شعر حزقيا فيها بالاهانة، وهنا لم يري زمن الضيق القادم عقابا بل قرأه تاديبا " فَقَالُوا لَهُ: "هكَذَا يَقُولُ حَزَقِيَّا: هذَا الْيَوْمُ يَوْمُ شِدَّةٍ وَتَأْدِيبٍ وَإِهَانَةٍ، لأَنَّ الأَجِنَّةَ قَدْ دَنَتْ إِلَى الْمَوْلِدِ وَلاَ قُوَّةَ لِلْوِلاَدَةِ. (٢مل ١٩ : ٣) في حين انها أزمة قد ترحل، ولكنها لن ترحل لأن ربشاقي ناوي علي الحرب والإنتصار، فشعر حزقيا أنه لا مفر من الحرب الغير مهيأ لها، فقد كان تحت نير ملك أشور ، ولا يوجد أمامه خيارا واحدا إلا الالتجاء الي الله ونبيه أشعياء " فَقَالُوا لَهُ: "هكَذَا يَقُولُ حَزَقِيَّا: هذَا الْيَوْمُ يَوْمُ شِدَّةٍ وَتَأْدِيبٍ وَإِهَانَةٍ، لأَنَّ الأَجِنَّةَ قَدْ دَنَتْ إِلَى الْمَوْلِدِ وَلاَ قُوَّةَ لِلْوِلاَدَةِ. (٢مل ١٩ : ٣) هكذا حزقيا يوم شدة وتاديب وإهانة، لأن ربشاقي اهان اله شعب الله وشعر بأن الههم لم يقوي علي حمايتهم، فوضع حزقيا هذا الكلام أمام أشعياء " وَأَرْسَلَ أَلِيَاقِيمَ الَّذِي عَلَى الْبَيْتِ وَشِبْنَةَ الْكَاتِبَ وَشُيُوخَ الْكَهَنَةِ مُتَغَطِّينَ بِمِسْحٍ إِلَى إِشَعْيَا النَّبِيِّ ابْنِ آمُوصَ، (٢مل ١٩ : ٢) ولم يكتفي بهذا بل ايضا وضع الأمر أمام الرب ذاته في عرش النعمة لأن ربشاقي أرسل رسلا ليعيروا شعب الرب " فَأَخَذَ حَزَقِيَّا الرَّسَائِلَ مِنْ أَيْدِي الرُّسُلِ وَقَرَأَهَا، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ، وَنَشَرَهَا حَزَقِيَّا أَمَامَ الرَّبِّ. وَصَلَّى حَزَقِيَّا أَمَامَ الرَّبِّ وَقَالَ:..... أَمِلْ يَا رَبُّ أُذُنَكَ وَاسْمَعْ. اِفْتَحْ يَا رَبُّ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ، وَاسْمَعْ كَلامَ سَنْحَارِيبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ لِيُعَيِّرَ الله الْحَيَّ. (٢مل١٩ : ١٤-١٦) ما أريد قوله أن الضيق والألم والمشاكل قد يراها الإنسان عقابا عندما يشعر بأن خطاياه تفاقمت وظلم كثيرين، وقد يراها تأديبا لأن درجات عصيانه لكلمة الله كانت ثقيلة، ولكن في الحقيقة أن العقاب والتأديب متشابهان ولا يفصلهما غير فهم الأمر.
يقف صديق أيوب موقف الفاهم لأقوال ومعاملات الله، فيصرح تصريحا في غاية الأهمية يجب أن نأخذ حذرنا منه، فيقول يابخت من يؤدبه الله " هُوَذَا طُوبَى لِرَجُل يُؤَدِّبُهُ الله. " هل هذا خط الهي ... التأديب .... إنه ليس كذلك لأنه قضاء الهي يخص الصديقين بلغة العهد القديم المحتاجين تقويم في اتجاه سلوكهم، والمؤمنين بلغة العهد الجديد، فيقول " فَلا تَرْفُضْ تَأْدِيبَ الْقَدِيرِ. " من جهة الرفض من عدمه، الأمر يحتاج الي رجوع وتوبة كي يتفادي الدخول فيه، أما أن يقوله كقانون فالاخ أبيفاز للاسف مخطيئ، لأنه وضع كلماته في صيغة قانون إلهي عندما قال: " لأنَّهُ هُوَ يَجْرَحُ وَيَعْصِبُ. يَسْحَقُ وَيَدَاهُ تَشْفِيَانِ. (أى٥ : ١٧-١٨) فعن الله لا يجرح أحدا علي الإطلاق، فكطبيب ليس طبيبا جراحا بل معالجا، فعندما يُجرح الإنسان من افعاله وتصرفاته وتدخل الأخرين في حياته .. فالله يعصب، يكون له الطبيب المعالج، وهو أيضا لا بسحق، فالإنسان يُسحق بسبب الأحكام القضائية التي رفعت الحماية فدخل العدو مدركا إياه بالسحق، ولكن.. هل الله يقف متفرجا ، كلا ... إن يداه تشفيان، إن نصف الاية ليس حق، والنصف الاخر حقيقة راسخة، ولذلك فالله لا يجرح وإن جُرح الإنسان يعصبه الرب، والله لا يسحق وإن سُحق الإنسان فالله يشفيه، فلا يجب أن يُنسب لله ما لا يدا فيه، ليس لأنه لا بستطيع ولكن لأنها ليست مبادئه أو خطوطه الإلهية.
- أفكار متبناه من زمن :
فكرة أن الله يؤدب بالشر أو بالضيق أو بالألم فكرة ليست وليدة اللحظة أو بنت اليوم، ولكنها منذ زمن قديم من أيام أبونا إبراهيم وأيوب، الفكرة السائدة بين بني البشر أن الله متحكم في كل الخليقة فهو من يصنع الإمور سواء كانت خيرا أو شرا، وقف صديق أيوب أمام مصائب يراها في صديق عمره أيوب، فماذا كان رايه؟ رأي أن ما حدث ما هو إلا تأديب الله علي سلوكيات بني البشر، فايوب واحد من من ينالوا تاديب الله، فأيوب يري عن نفسه بريئ غير مذنب وليس فيه إثم، هذا ما قاله اليهو عن أيوب أنه قال هذا " قُلْتَ: أَنَا بَرِيءٌ بِلا ذَنْبٍ. زَكِيٌّ أَنَا وَلا إِثْمَ لِي. " وان الله هو الذي يطلب أن يمسك على أيوب شيئا ليصير له عدوا " هُوَذَا يَطْلُبُ عَلَيَّ عِلَلَ عَدَاوَةٍ. يَحْسِبُنِي عَدُوًّا لَهُ. " ولذلك كانت النتيجة التي رأها أيوب بفم اليهو أن الله وضعه في دائرة الألم والضيق " وَضَعَ رِجْلَيَّ فِي الْمِقْطَرَةِ. يُرَاقِبُ كُلَّ طُرُقِي. " أحبائي فهل الله هكذا؟ هل الله يقف للإنسان بالمرصاد ويراقبه ليضع رجليه في المقطرة؟ كلا والف كلا...
بصرف النظر عن راي اليهو على أيوب، أنه مذنب أو بار هو، إن تعاملات الله مع بني البشر لا تصنع هكذا، فيقول له أن الله يتكلم مع الإنسان بطرق كثيره مره واثنين، وعندما لا يستجيب الإنسان يبدا الله بخط التأديب على الحياة ويصنع الأزمة والمرض والضيق " الله يَتَكَلَّمُ مَرَّةً، وَبِاثْنَتَيْنِ لا يُلاحِظُ الإنْسَانُ. فِي حُلْمٍ فِي رُؤْيَا اللَّيْلِ، عِنْدَ سُقُوطِ سَبَاتٍ عَلَى النَّاسِ، فِي النُّعَاسِ عَلَى الْمَضْجَعِ. حِينَئِذٍ يَكْشِفُ آذَانَ النَّاسِ وَيَخْتِمُ عَلَى تَأْدِيبِهِمْ، (أى٣٣ : ٩-١٦) عندما يختم الله على تاديب الانسان ويسرد هنا اليهو طرق التاديب " أَيْضًا يُؤَدَّبُ بِالْوَجَعِ عَلَى مَضْجَعِهِ، وَمُخَاصَمَةُ عِظَامِهِ دَائِمَةٌ، فَتَكْرَهُ حَيَاتُهُ خُبْزًا، وَنَفْسُهُ الطَّعَامَ الشَّهِيَّ. فَيَبْلَى لَحْمُهُ عَنِ الْعَيَان، وَتَنْبَرِي عِظَامُه فَلا تُرَى، وَتَقْرُبُ نَفْسُهُ إِلَى الْقَبْر، وَحَيَاتُهُ إِلَى الْمُمِيتِينَ. (أى٣٣ : ١٩-٢٢) لا أحبائي إن الله لا يتعامل مع الإنسان بهذه الطرق ولكن الله يتعامل مع الإنسان بالمبادئ والقوانين والأحكام القضائية فعندما تكسر المبادئ والقوانين ويدخل الإنسان تحت طائلة القانون أو القضاء فترفع عنه الحماية فتكون النتيجة أنه قد تعري، فتاتي نسور البريه والطيور الجارحة فتنبش وتنهش، فما يحدث هذا ما هو إلا بدرجات متفاوته وحسب نوع الحمايه ومستواها
ما يحدث للإنسان من مصائب ليس جميعها حكما قضائيا ولكن أيضا يوجد بعض المصائب نتيجة العلاقات الغير سوية أو تدخل بعض الأشخاص في حياه الإنسان بدون وجه حق فيصاب من التعب ما يصاب به، ولكن الهنا اله التعويض يستطيع أن يعوض عن كل ضرر ويسند كل من نهب حقه، إنتظر الرب فالمسألة مسألة وقت.
كي لا أطيل في هذه المواضيع، فللدارس خط لابد من دراسته وفهمه جيدا، أن هذه المواضيع مترابطة ومكملة بعضها لبعض، فعندما ندرس العقاب والتاديب علينا معرفة كيف يعمل قضاء الله وكيف تسير أحكامه، مع وضع في الإعتبار أن الله لا يتعامل بمبدأ الإنتقام بيده بل بمبدأ العدل، فعندما يسير الإنسان في طريق لا يرتبط بمبادئ الله فمن الطبيعي سينال الإنسان حماية في بادى الأمر، لأنه لم تصدر أحكاما إلهية ضده، وبالنالي إن لم يرجع ويفيق سينال جزاء إستمراريته وهي رفع الحصانة - الحماية ولو بنسبة بسيطة، وللأسف سينال من غربان الطريق ونسورها وأسودها ما لا تحمد عقباه، وحذاري أن ينسب أي شيى من هذه المصائب أنها من الله حدثت، كلا.... أنها حاصد حصيد ما تم زراعته، وحاصد ثمن عدم توبته ورجوعة، فوجود لوط وإستمراريته جعله يخسر كل شيئ حتي آداب بناته، أيضا وجود يونان في سفينة ترشيش معناه روح العناد والعصيان وعدم الطاعة، وهذا جعله يمر في ضيق وجوده في جوف الحوت، أيضا استهتار داود بمبادئ الله جعله يزني ويقتل، وهذا جعله يحصد هذا في أبناءه، والسؤال : ما ذنب أبناءه؟ اذا نظرت الي أبشالوم ستجده هو ايضا غير مستقيم فحصد ما زرعه، وأمنون كذلك ليس عنده نخوة من الكرامة ليرحم أخته، فحصد من أبشالوم ما زرعه في حياته، وهكذا ( كأن الطيور علي اشكالها تقع ) ... فالله ليس بظالم فيخطئ داود، ويخطئ ابشالوم ويخطئ أمنون ويحصدون جميعهم من ثمر افعالهم وأعمالهم، وحكم الله وقضاءه يجد طريقه في وسطهم فيُفعل.
هذا ما ادركه داود فقال " بِتَأْدِيبَاتٍ إِنْ أَدَّبْتَ الإنْسَانَ مِنْ أَجْلِ إِثْمِهِ، أَفْنَيْتَ مِثْلَ الْعُثِّ مُشْتَهَاهُ. إِنَّمَا كُلُّ إِنْسَانٍ نَفْخَةٌ.. (مز ٣٩ : ١١) فتاديب الله بجميع مستوياته ودرجاته يستكيع ان يتعامل معه الانسان ويخرج منه بسلام عندما يفيق ويبدأ في الاصرار من جديد علي الحياة " لا أَمُوتُ بَلْ أَحْيَا وَأُحَدِّثُ بِأَعْمَالِ الرَّبِّ. تَأْدِيبًا أَدَّبَنِي الرَّبُّ، وَإِلَى الْمَوْتِ لَمْ يُسْلِمْنِي. (مز١١٨ : ١٧-١٨) فليس هدف الله هو المرض والموت والضيق والألم، ولكن هدف الله للإنسان هو الحياة والاستقامة والسلوك المقدس، ولذلك فعند التوبة سيجد الانسان ابواب الرحمة مفتوحة له بمصراعيها، وهذا هو الهدف الالهي " أَمَّا أَنَا فَالاقْتِرَابُ إِلَى الله حَسَنٌ لِي. جَعَلْتُ بِالسَّيِّدِ الرَّبِّ مَلْجَإِي، لأخْبِرَ بِكُلِّ صَنَائِعِكَ. (مز ٧٣ : ٢٨) فبدون رحمة الله لن ينال الإنسان حياة ولن ينال سلاما، فقبول التأديب والافاقة منه سريعا يكون بمثابة فرصة جديدة للعمر " لِقُبُولِ تَأْدِيبِ الْمَعْرِفَةِ وَالْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالاسْتِقَامَةِ. اِسْمَعْ يَا ابْنِي تَأْدِيبَ أَبِيكَ، وَلا تَرْفُضْ شَرِيعَةَ أُمِّكَ، لأنَّهُمَا إِكْلِيلُ نِعْمَةٍ لِرَأْسِكَ، وَقَلائِدُ لِعُنُقِكَ. (أم١ : ٣، ٨-٩) فهل لك أن تفهم إمور الله وتعيها جيدا فتصير لك طوق نجاه في حياتك وخدمة تقدمها للأخرين لإستنارتهم بما تعلمت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اليهو
وصوت جديد في الحوار
الجزء السادس من سفر ايوب
من اصحاح ٣٣ الي ٣٧
بقلم
القس عماد عبد المسيح
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفهرس
- المقدمة :
- صوت جديد في الحوار - أهمية هذا الجزء تنبع من أمرين أساسيين - عدل الله والتمهيد
للظهور الإلهي :
- الفصل الأول : ١ - المدخل العام :
- مقدمة عامة - دعوة أليهو لأيوب أن يستمع، وتأكيد نزاهته ونيته الصادقة
- دعوة للإصغاء قبل الجدال - التأكيد على النزاهة
والنية الصادقة - وعيه بحضرة الله في كلامه
- مساواة إنسانية بينه وبين أيوب :- تطمين أيوب أمام حضوره - قيمة الاستماع في المواقف
الصعبة - صدق القلب أساس الكلمة النافعة -
حضور الله في الحديث البشري - التواضع أساس الحوار البنّاء - كسر حاجز الخوف في الحوار
- لماذا نحتاج إلى صوت جديد؟ (33:8–13) - عجز الأصدقاء عن الرد - إصرار أيوب على براءته
- عجز الأصدقاء عن تقديم جواب شافٍ - إصرار أيوب على براءته - ضرورة ظهور صوت جديد
- تحليل لغوي ولاهوتي للآيات (33:8–13) - البعد الروحي - الله أعظم من الإنسان - لماذا
نحتاج إلى أليهو اليوم؟
- الفصل الثاني : شخصية أليهو ودوره - والفكر اللاهوتي في
كلامه :
من هو أليهو؟ (33:14–22) - مشكلة الإنسان: عدم الانتباه - تزييل من اجل التركيز
لفهم الفكرة - يتكلم في الأحلام والرؤى (٣٣ : ١٥ – ١٦) - ما يقوله أليهو يجد امتدادًا
واسعًا في الكتاب المقدس كله - الألم كأداة للتأديب وليس كعلامة غضب - من الألم الجسدي
إلى الصحوة الروحية - الملاك الوسيط (٣٣ : ٢٣–٢٤) أو الملاك الشافع - دعوة أيوب للسكوت
والاستماع - خلفية الدعوة للسكوت - السكوت كشرط لفهم طرق الله - السكوت في ضوء خبرة
أيوب الشخصية - تطبيقات روحية لنا اليوم :
- الفصل الثالث : لاهوت الألم في فكر أليهو :
الألم وسيلة للتأديب الإلهي (36:5–15) الله يعلّم بالتأديب - الألم كفرصة للتوبة
والرجوع - نظرة عامة على (أيوب ٣٦ :٥–١٥) - الألم ليس انتقامًا بل وسيلة لتقويم السلوك
- الألم كفرصة للتوبة والرجوع (أيوب 36:8–12) - مصادر الألم - الألم ككشف للكبرياء
والخطية المستترة - الاستجابة للتأديب - أمثلة كتابية حيّة - التوازن اللاهوتي - الألم
طريق إلى معرفة أعمق بالله (أيوب ٣٦ : ١٣–١٥) - الألم ككسر لقساوة القلب -
"يُخَلِّصُ الْبَائِسَ فِي ذُلِّهِ" - مقارنة بين نظرة أيوب والأصدقاء وأليهو
- أيوب: الألم كظلم لا مبرر له - الأصدقاء
- الألم كعقوبة جزائية - أليهو: الألم كتأديب وتعليم - الفروق الجوهرية بين
المواقف الثلاثة - دعوة للقارئ نحو حياة
الاستيقاظ :
الفصل الرابع
: عدل الله وحقه المطلق :
تبرير الله أولًا قبل تبرير الإنسان
(٣٤ : ١٠–٣٠) ـ تبرير الله أولًا قبل تبرير الإنسان - الله لا يجور - العدل الإلهي
كضمان للاستقامة - بُعد مسيحي في لاهوت العدل ـ مفهوم العدالة الإلهية عند أليهو
(أيوب 35:1–8) ـ أولًا: تبرير الله قبل الإنسان ـ ثانيًا: برّ الإنسان لا يغيّر
الله ـ ثالثًا: عدل الله ثابت لا يتزعزع ـ رابعًا: العدالة الإلهية في مقابل
التفكير البشري - مفهوم العدالة الإلهية عند أليهو يضع أمامنا حقًا جوهريًا:
الفصل الخامس
: أليهو كممهد لإعلان الله :
أليهو كجسر بين فكر البشر وكلمة الله (٣٦ : ١٦–٢٦) - أليهو كممهد لإعلان
الله ـ أولًا: أليهو كجسر بين فكر البشر وكلمة الله - مكانة أليهو في الحوار -
أليهو كممهّد نفسي وروحي ـ ثانيًا: حكمة الله فوق إدراك الإنسان - محدودية الفكر
البشري - الله كالمعلّم من خلال الألم ـ ثالثًا: الألم كوسيلة لإعلان الحق - الألم
يكشف حقيقة الإنسان : - الألم يفضح الداخل - الألم وسيلة لتقريب الإنسان من الله -
الفرق بين الألم العقيم والألم المثمر : - الألم العقيم - الألم كمنبر لسماع صوت الله -
تطبيق على حياة أيوب - حكمة الله الفائقة التي تعلو على فهم الإنسان -
الفارق بين معرفة الإنسان ومعرفة الله - أليهو
يريد أن يضع أيوب أمام حقيقة هامة:
الفصل السادس : المرحلة الانتقالية والاخيرة ـ في تمهيد
اليهو:
ـ عظمة الله في الطبيعة : تمهيد لظهور الله من العاصفة - من المنطق إلى الرهبة - الطبيعة كمنبر إعلان - تمهيد مباشر لظهور الله - التكامل مع ما سبق ـ من الطبيعة إلى حضور الله : الملخص الجامع
والتهيئة للظهور الإلهي - الطبيعة كخلفية لاهوتية - الانتقال من الفكر إلى اللقاء ـ
كلمة ختام : بين حكمة أليهو وظهور الله ـ النصيحة الختامية للقارئ :
-----------------------------------------
المقدمه
-----------------------------------------
المقدمه
تشرفت بمعونة الرب
أن أكتب وأشارك في خمسة أجزاء سابقة من دراسة سفر أيوب، وهي رحلة ممتدة عبر صفحات هذا
السفر العميق الذي يفيض بالحكمة والإعلانات الإلهية. لقد سرنا معًا في طريق طويل بدأ
منذ أصحاحه الأول، حيث وقفنا أمام شخصية أيوب الرجل الكامل المستقيم التقي، الذي
(سمح الله) بحكمته وليس بما يُسمى سماحًا مباشرًا (أو شاءت حكمته)– أن يجتاز امتحانًا
عسيرًا، ليُظهر معدن إيمانه وعمق تقواه، وفي تلك الأجزاء السابقة لم نكن أمام قصة بشرية
فحسب، بل كنا أمام مسرح روحي عظيم تكشف فيه الكلمة المقدسة عن صراع بين السماء والأرض،
بين الحق والافتراء، بين الإيمان والشك، وبين الألم والرجاء. فلقد احتوت الأجزاء الخمسة
السابقة على كنوز من الأفكار والتعليم، وطرحت أمامنا مواقف متباينة ومناقشات حادة دارت
بين أيوب وأصدقائه.
ففي الجزء الأول
(أصحاح 1–6) تأملنا في الطريق المدمر وما نسبوه إلى "السماح الإلهي"،
وغطينا الموضوع الخاص بالسماحه الإلهي لكي يفهم القارئ انه لا يوجد ما يسمى بالسماح
الإلهي، ورأينا كيف جُرِّب أيوب في جسده ونفسه وممتلكاته، وكيف وقف إبليس طالبًا أن
يُمتحَن البار. ثم في الجزء الثاني (أصحاح 7–12) تناولنا النصيب والتعبيرات
النفسية، حيث ظهرت مرارة النفس الإنسانية وهي تواجه الضيق، وتساءلنا عن القسمة والنصيب
والقدر وهل لهما مكان في فكر الله أم لا، ثم انتقلنا في الجزء الثالث (أصحاح
13–18) إلى مرحلة التجديد، حيث لمسنا صمت أيوب أحيانًا وجرأته في مواجهة أصدقائه
أحيانًا أخرى، ورأينا كيف أعلن يقينه أن لله مقاصد صالحة، حتى إن كان الإنسان لا يفهمها
في حينها، وفي الجزء الرابع (أصحاح 19–24) وقفنا أمام ما وراء الأحداث، فطرحنا
سؤالا جوهريًا: هل يعاقب بلا سبب؟ وهل يوجد عقاب من الاساس؟ وتأملنا
كيف أن أصدقاء أيوب اتهموه بما لم يفعله، ورأوا أن ألمه برهان على خطيته، بينما في
الحقيقة كان ألمه امتحانًا لإيمانه، ثم وصلنا في الجزء الخامس (أصحاح 25–32)
إلى رحلة شاقة ممتلئة بالعجائب، حيث اتسع أفق التأمل ليرى أيوب عظمة الله في الخليقة
والطبيعة، وبدأت أفكاره تميل نحو الرجاء والثبات أكثر من الشكوى والتذمر، رغم أن المعاناة
لم تنته بعد.
- صوت جديد في الحوار :
والآن، نحن بصدد الجزء
السادس، الذي يمتد من الأصحاح الثالث والثلاثين إلى الأصحاح السابع والثلاثين.
وهنا نسمع صوتًا جديدًا يدخل إلى ساحة الحوار: صوت أليهو. لقد صمت أليهو طويلا بينما
تبادل أيوب وأصدقاؤه الكلام، حتى إذا ما انتهوا جميعًا ولم يجدوا حلا مقنعًا أو إجابة
شافية، تقدّم هو ليعلن ما يراه إعلانًا أو تصحيحًا، أليهو يختلف عن باقي الأصدقاء من
جهة أنه لا يتهم أيوب اتهامًا مباشرًا بخطايا خفية، لكنه في الوقت ذاته يوجه له ملاحظات
حادة، معتبرًا أن تبريره لنفسه أكثر من تبريره لله أمر يستوجب الرد. وهنا ندرك أن الحوار
لم يكن فقط بين أيوب وأصدقائه الثلاثة (أليفاز، بلدد، صوفر)، بل أن الوحي اعطي لشخصية
جديدة أن تظهر، لتضيف بُعدًا آخر في النقاش، هذا الجزء السادس يمثل مرحلة هامة في فهم
السفر، لأنه يهيئنا مباشرة للجزء السابع حيث يظهر الله نفسه ويتكلم من العاصفة. بكلمات
أليهو نلمس محاولة جادة لتفسير الألم في ضوء عدل الله وحكمته، إذ يرى أن التجارب يمكن
أن تكون للتأديب والتعليم وليس فقط للعقاب، وأن الألم قد يحمل في طياته دعوة للرجوع
والتوبة والنضج الروحي. قد لا يكون كلامه كاملًا أو مطلق الحق، لكنه يعكس فكرًا أقرب
إلى التوازن من اتهامات الأصدقاء السابقين، وهو بذلك يمهّد الطريق لظهور صوت الله نفسه.
إن هذا الجزء، من
أصحاح 33 إلى 37، لا يمكن فصله عن الأجزاء الخمسة السابقة، لأن ما يقدمه أليهو هو رد
على كل ما سمعه من قبل، سواء من أيوب أو من أصحابه. لذلك أدعوك – أيها القارئ العزيز
– ألا تبدأ من هنا بمعزل عمّا سبق، بل أن تعود إلى الأجزاء الماضية لتقرأها بروح الصلاة
والتأمل، حتى ترى الصورة الكاملة، ففي الأجزاء السابقة وُضعت أمامنا أفكار مغلوطة،
سواء ما نسبه الأصدقاء لله من قسوة وظلم، أو ما عبر عنه أيوب أحيانًا في ضعف لحظي من
إحساس بالظلم أو العزلة. لكن دائمًا ما كانت كلمة الله تصحح وتُعيد التوازن، وتُظهر
الحقائق الإلهية بوضوح، ففي هذا الجزء الجديد سنقترب أكثر من الإجابة الإلهية التي
سيُعلنها الله بنفسه في الأصحاحات التالية. لكن قبل أن يتكلم الله، نسمع هذا الصوت
البشري الذي يحاول أن يتحدث بغيرة وبصيرة، حتى وإن لم يصل إلى الكمال. ومن خلال كلماته
نتعلم أن الله قادر أن يستخدم أي إنسان – صغيرًا كان أم كبيرًا – ليعلن شيئًا من حكمته،
وأن الحقيقة الكاملة تُستعلن فقط عندما يظهر الرب ويعلن ذاته، لذلك فلنكمل الرحلة معًا،
ولنصغِ إلى ما يقوله أليهو، ولنستعد لما سيعلنه الله لاحقًا. فالجزء السادس ليس مجرد
مرحلة انتقالية، بل هو جسر حيوي يصل بين حوار البشر وإعلان الله، بين الفكر البشري
المحدود والكلمة الإلهية الكاملة.
عندما نصل إلى الأصحاح
الثالث والثلاثين يبدأ أمامنا فصل جديد من فصول هذا السفر العميق، فبعد أن أنهى أيوب
وأصدقاؤه حوارًا طويلًا استمر عبر أكثر من ثلاثين إصحاحًا، وبعد أن جفَّت حججهم وبلغت
كلماتهم حد التكرار، ينهض أليهو ليكسر الصمت ويقدّم صوتًا جديدًا لم يُسمع من قبل.
ومن هنا ندرك أن الجزء السادس من الدراسة ليس مجرد استكمال لما سبق، بل هو نقلة نوعية
في مسار السفر، إذ يُدخِل إلى المشهد بعدًا جديدًا من الفهم لم يكن حاضرًا في الأجزاء
السابقة.
- أهمية هذا الجزء تنبع من أمرين أساسيين:
أولًا، أنه يمثل الجسر الذي يعبر به القارئ من حوار البشر
– الممتلئ بالضعف وسوء الفهم – إلى حوار الله نفسه في الإصحاحات الأخيرة.
وثانيًا، أن شخصية أليهو بحد ذاتها تكشف عن حقيقة لاهوتية
عميقة، وهي أن الله يستطيع أن يستخدم إنسانًا شابًا مجهول الاسم والنسب ليُعلن جزءًا
من مقاصده، في الوقت الذي عجز فيه الحكماء والأصدقاء عن إدراك الحق، هذه النقلة الفكرية
تفتح أمامنا مجالًا واسعًا للتأمل في طرق الله وكيفية إعلانه لذاته عبر أوانٍ متنوعة.
الجزء السادس يكشف
أيضًا عن أن الحوار لم ينتهِ عند حدود الشكوى ولا الاتهام، بل إن الله دائمًا يهيئ
صوتًا جديدًا حين يعجز الجميع عن تقديم الحق. إن كلمات أليهو تضعنا أمام مفهوم مغاير
للألم، فهو لا يراه مجرد عقوبة إلهية، كما زعم الأصدقاء، ولا يعتبره ظلمًا أو عبثًا
كما أحس أيوب في لحظات مرارته، بل يرى أن الألم يمكن أن يكون وسيلة للتأديب والتشكيل
والرجوع إلى الله. هذا الفكر، حتى وإن لم يكن كاملًا في صياغته، إلا أنه يقترب أكثر
من قلب الحقيقة التي سيكشفها الرب لاحقًا بنفسه، فمن الملاحظ أن أليهو لم يكن طرفًا
في الحوار منذ بدايته، بل جلس يستمع في صمت، وهو ما يعكس قيمة روحية هامة، أن الصمت
أحيانًا يكون مدرسة للفهم العميق، وأن الاستماع الجيد يمكّن الإنسان من أن يتكلم في
الوقت المناسب بكلمات تحمل وزنًا ومعنى. هذه الحقيقة تناقض سلوك أصدقاء أيوب الآخرين،
الذين تكلموا كثيرًا دون أن يُظهروا فهمًا عميقًا لطرق الله. هنا، يدعونا الجزء السادس
إلى أن نتأمل، كم مرة في حياتنا استعجلنا الحكم على الآخرين دون أن نفهم ظروفهم؟ وكم
مرة نسبنا لله ما لا يليق به لمجرد أننا لم نجد تفسيرًا بشريًا لمعاناتنا؟
- عدل الله والتمهيد للظهور الإلهي :
علاوة على ذلك، فإن
أليهو يلفت أنظارنا إلى عدل الله المطلق، وإلى أن التبرير ينبغي أن يكون لله أولًا
لا للإنسان، هذه نقطة جوهرية تضع أيوب نفسه موضع التحدي، إذ بينما كان يتمسك ببراءته،
وهو أمر صحيح، إلا أنه أحيانًا غالى في ذلك حتى بدا وكأنه يبرر نفسه أكثر من الله،
هنا يذكرنا أليهو بأن اتساع الألم لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة بر الله وعدله، وأن إيماننا
ينبغي أن يستند أولًا إلى صفات الله وليس إلى ما نختبره من ظروف، ما يجعل هذا الجزء
مميزًا أنه لا يكتفي بمجرد إعادة صياغة ما قيل سابقًا، بل يضع لبنات جديدة في البناء
الفكري واللاهوتي للسفر كله، وكأن أليهو جاء ليقول لنا "توقفوا عن الدوران
في الحلقة المفرغة بين الاتهام والدفاع، وانظروا إلى الله من زاوية أعمق، فهو العادل
الحكيم، وهو الذي يعرف أن يحوّل الألم إلى درس، والضيقة إلى مدرسة " هكذا
يمهّد الجزء السادس للظهور الإلهي العظيم في الأصحاح الثامن والثلاثين، حيث يتكلم الله
بنفسه، ولو لم يظهر صوت أليهو قبل ذلك، لكان الانتقال من جدال البشر إلى إعلان الله
فجائيًا وحادًا، لكن كلمات أليهو تعطي للقارئ أرضية أهدأ، وتُهيئ الذهن والقلب لاستقبال
صوت الله.
لذلك، يمكن أن ننظر
إلى هذا الجزء باعتباره معبرًا أو ممرًا ضروريًا، يربط بين الفكر الإنساني المحدود
والكلمة الإلهية الكاملة. ومن هنا، فإننا إذ نبدأ دراسة الجزء السادس، علينا أن ندرك
أن الأمر لا يتعلق فقط بأليهو كشخص، بل بما يمثله من فكرة أن الله لا يترك المشهد فارغًا،
وأنه دائمًا يرسل أصواتًا – قد تبدو ثانوية أو غير متوقعة – لكنها تحمل قيمة كبيرة
في كشف مقاصده، ولهذا السبب، فإن دراسة هذا الجزء ليست اختيارية أو ثانوية، بل هي ضرورية
لفهم التسلسل الكامل لسفر أيوب ولإدراك قصد الله في الإعلان التدريجي الذي ينقله إلينا
الوحي المقدس.
-----------------------------------------
الفصل الأول
المدخل العام (٣٣ : ١ – ٧)
-----------------------------------------
1
دعوة أليهو لأيوب أن يستمع
وتأكيد نزاهته ونيته الصادقة
عندما نصل إلى الأصحاح
الثالث والثلاثين من سفر أيوب، نسمع لأول مرة صوت أليهو وهو يتكلم ( او نقرأ لأول
مرة كلمات اليهو ) فقد انتظر طويلًا حتى إنتهى كل من أيوب وأصدقائه من كلامهم، ثم وقف
ليقدم رؤيته، هذه البداية ليست مجرد انتقال من متكلم إلى آخر، لكنها تحمل معناها الخاص،
إذ تكشف لنا عن شخصية متواضعة لكنها في الوقت ذاته مليئة بالغيرة، شخصية تعرف أن الصمت
أحيانًا أبلغ من الكلام، لكنها أيضًا تعلم أن للكلمة وقتها المناسب، لذلك يبدأ أليهو
حديثه بدعوة واضحة وصريحة "ولكن اسمع الآن يا أيوب كلامي، وأصغِ إلى كل كلامي"
(أي ٣٣: ١) إنها
- دعوة للإصغاء قبل الجدال :
هذه الكلمات الأولى
تكشف عن روح جديدة في الحوار، فبينما كان الأصدقاء السابقون يدخلون مباشرة في الإتهامات
ويصبّون على أيوب كلمات قاسية مليئة بالإفتراء، يطلب أليهو من أيوب أن يسمع أولًا،
هنا نلمح سلوكًا مختلفًا - إنه لا يهاجم من البداية، بل يمهّد الطريق للحوار بالاستماع،
الدعوة للإصغاء ليست مجرد أسلوب أدبي، بل هي منهج روحي عميق، فالله نفسه في الكتاب
كثيرًا ما يدعونا أن "نسمع" قبل أن "نفعل" (تث ٦:
٤ "اسمع يا إسرائيل"). فالإستماع هو باب الفهم، ومن دونه يظل الكلام
مجرد صدى لا يؤثر في القلب، أليهو إذًا يضع قاعدة ذهبية: قبل أن نحكم أو
نرد أو ندافع، علينا أن نصغي، أيوب في ضيقته كان يصرخ ويبرر نفسه، والأصدقاء في
غلظتهم كانوا يردون بعنف، لكن لم يحاول أحد منهم أن يفتح باب الإستماع الحقيقي، فجاء
أليهو ليذكّر أيوب "أصغِ إلى كل كلامي". كأن لسان حاله يقول:
"لقد سمعتك طويلًا، والآن حان الوقت أن تسمعني أنت" هنا نتعلم
درسًا عمليًا لحياتنا - أن الاستماع المتبادل هو الطريق الوحيد لحوار مثمر.
- التأكيد على النزاهة والنية الصادقة :
في العدد الثالث يقول
أليهو " هأَنَذَا قَدْ فَتَحْتُ فَمِي. لِسَانِي نَطَقَ فِي حَنَكِي، اِسْتِقَامَةُ
قَلْبِي كَلامِي، وَمَعْرِفَةُ شَفَتَيَّ هُمَا تَنْطِقَانِ بِهَا خَالِصَةً
(أى٣٣ : ٢-٣) هذه العبارة مهمة جدًا لأنها تكشف دافعه، أليهو لم يتكلم بدافع الحسد
أو التشفي، ولم يرد أن يثبت نفسه في مواجهة أيوب ليظهر أعلم منه، لكنه أراد أن يتكلم
من قلب مستقيم، إنه يؤكد أن كلماته ليست ملوثة بدوافع شخصية أو نوايا شريرة، بل من
قلب نقي، هذا التأكيد يفتح أمامنا مبدأ روحي خطير - أن الكلمات تفقد قوتها
إن لم تصدر من قلب صادق. قد تكون العبارة بليغة، لكن إن كانت النية فاسدة فلن تحمل
أي بركة، على العكس، قد تكون الكلمات بسيطة لكنها مملوءة أمانة، فتخترق القلب وتغيّره،
أليهو إذًا يقدّم نفسه كإناء نقي يريد أن ينقل فكرًا صادقًا.
- وعيه بحضرة الله في كلامه :
في العدد الرابع يقول:
" رُوحُ الله صَنَعَنِي وَنَسَمَةُ الْقَدِيرِ أَحْيَتْنِي. (أى ٣٣ : ٤)
بهذا يربط أليهو نفسه بالخالق مباشرة، إنه لا يتكلم من فراغ، ولا من مجرد خبرة بشرية،
بل من وعي أن حياته وكيانه هما من صنع الله، هذا الإعتراف يحمل معنيين... الأول : أنه
متواضع، إذ يعلن أن حياته كلها عطية من الله... والثاني : أنه يتكلم بمسؤولية، لأنه
يعرف أن كل كلمة يقولها هي تحت نظر القدير، ما أجمل أن يتكلم الإنسان بهذه الروح! كثيرًا
ما نتحدث بلا شعور أن الله حاضر، فنقع في الخطأ أو المجادلة العقيمة، لكن أليهو يضع
نفسه منذ البداية في موضع الواقف أمام الله، المتكلم بكلمات يجب أن تعكس شيئًا من فكر
الله.
- مساواة إنسانية بينه وبين أيوب :
في العدد السادس نراه
يقول " هأَنَذَا حَسَبَ قَوْلِكَ عِوَضًا عَنِ الله. أَنَا أَيْضًا مِنَ الطِّينِ
تَقَرَّصْتُ. (أى ٣٣ : ٦) وهنا يكشف تواضعًا آخر فهو لا يدّعي أنه أعظم من أيوب،
ولا يضع نفسه في موضع ديان، بل يقول بوضوح: أنا مثلك، مخلوق من الطين. هذا يختلف عن
أصدقاء أيوب الذين تكلموا من موضع المتفوق والعارف، محتقرين أيوب وكأنهم بلا ضعف، أما
أليهو، فيبدأ اعترافه أنه إنسان ضعيف مثل أيوب، ( دخل دخلة جيدة ) هذا الموقف الإنساني
يذكرنا بالمسيح الذي "وضع نفسه آخذًا صورة عبد" (في ٢: ٧)، وشاركنا
في اللحم والدم. مع أن أليهو ليس مثالًا كاملا للمسيح، لكنه يلمّح لنا مبدأ التجسد:
أن الله يرسل من يشترك معنا في ضعفنا ليعلن لنا مقاصده.
- تطمين أيوب أمام حضوره :
وفي العدد السابع
يقول " هُوَذَا هَيْبَتِي لا تُرْهِبُكَ وَجَلالِي لا يَثْقُلُ عَلَيْكَ.
(أى ٣٣ : ٧) هنا يقدّم أليهو تطمينًا صريحًا.. إنه لا يريد أن يخيف أيوب أو يثقل عليه،
بل أن يفتح معه حوارًا صادقًا. هذا يختلف كليًا عن لهجة الأصدقاء السابقة، الذين كانوا
يحملون سيف التوبيخ والاتهام، مما جعل أيوب يزداد مرارة وانغلاقًا، لكن أليهو يحاول
أن يكسر هذا الحاجز النفسي، فيقول لأيوب لا تخف مني، فأنا لست ديانًا، إنما صديق يتكلم
بنزاهة، هذا الأسلوب الرقيق يكشف لنا أن الله، حتى في توبيخه لنا، يعمل دائمًا بروح
الأبوة "لا يخاصم إلى الأبد، ولا يحقد إلى الدهر" (مز ١٠٣: ٩) بل
يقدم صوته بطريقة تحتملها نفوسنا وتقدر أن تسمعها.
بعد أن وضع أليهو هذه المقدمة (٣٣: ١–٧)، صار من الواضح أنه يهيئ المسرح لنوع
جديد من الحوار. هذه المقدمة ليست تفصيلًا ثانويًا، بل تحمل في طياتها دروسًا عميقة.
- قيمة الاستماع في المواقف الصعبة :
حين ندخل في الأزمات،
يكون أصعب ما نحتاجه هو من يسمعنا بصدق، أيوب كان يصرخ كثيرًا، وربما شعر أن لا أحد
يسمعه، حتى الله نفسه بدا وكأنه صامت، الأصدقاء بدلا من أن يسمعوا له، صبوا الاتهامات.
لكن أليهو قدّم صورة مختلفة لقد سمع طويلًا، ثم طلب أن يسمع أيوب منه، هذا التبادل
في الإستماع يعلّمنا أن الحوار الحقيقي لا يقوم على الجدل بل على المشاركة، ففي حياتنا
اليومية، سواء في الأسرة أو الخدمة أو المجتمع، نفتقد أحيانًا لهذه القيمة، نستعجل
الرد قبل أن نسمع، فنجرح ونسيء، لكن الروح القدس يعلّمنا أن " إِذًا يَا
إِخْوَتِي الأحِبَّاءَ، لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ،
مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ، (يع ١ : ١٩)
- صدق القلب أساس الكلمة النافعة :
حين قال أليهو إن
كلماته من استقامة قلبه، كان يعلم أن أيوب متألم من كلمات الأصدقاء السابقة، لأنها
كانت خالية من الصدق والرحمة، هنا يطمئنه - أنا أتكلم من قلب نزيه، هذا المبدأ
يذكّرنا بكلمات المسيح " ... فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب
يَتَكَلَّمُ الْفَمُ. (مت ١٢ : ٣٤) الكلمة ليست مجرد صوت، بل هي انعكاس لما في
الداخل. لذلك يحرص أليهو أن يبدأ بتوضيح نواياه قبل أن يقدم أفكاره، ففي الخدمة الروحية،
هذا الأمر جوهري: ليس المهم فقط ماذا نقول، بل من أي قلب نقول. الكلمة الصادقة
تثمر، أما الكلمة الملوثة فتسقط.
- حضور الله في الحديث البشري :
إعلان أليهو أن "روح الله صنعني" يضعنا أمام حقيقة لاهوتية
مهمة: أن الإنسان ليس مجرد كيان بيولوجي، بل هو مخلوق بروح من الله، هذا الوعي
يجعل أليهو يتكلم بمسؤولية، لأنه يدرك أنه ليس حرًا في أقواله، بل مسؤول أمام الله
الذي نفخ فيه نسمة الحياة، هنا نرى فرقًا بين أليهو والأصدقاء: الأصدقاء تكلموا وكأنهم
يتحدثون من سلطتهم الخاصة، أما أليهو فيضع أساس كلامه على وعيه بالروح الذي يحياه،
هذا يعطينا درسًا أن كل كلمة نقولها يجب أن تصدر من إحساسنا أننا نحيا بنسمة القدير.
- التواضع أساس الحوار البنّاء :
حين قال أليهو:
" هأَنَذَا حَسَبَ قَوْلِكَ عِوَضًا عَنِ الله. أَنَا أَيْضًا مِنَ
الطِّينِ تَقَرَّصْتُ. (أى ٣٣ : ٦) كان يعترف بضعفه البشري. لم يدخل الحوار كقاضٍ
أو متعالٍ، بل كرفيق في الإنسانية، هذا الموقف مختلف عن الأصدقاء الذين رأوا أنفسهم
أبرارًا فوق أيوب، التواضع هنا جعل كلام أليهو أكثر قبولًا، هذا يذكّرنا بالقاعدة الذهبية
في الخدمة: أن المتكلم لا يقف فوق السامعين، بل معهم، بولس الرسول قال "
صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ
كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا. (١كو ٩ : ٢٢) هكذا فعل أليهو،
وضع نفسه على مستوى أيوب، لا فوقه.
- كسر حاجز الخوف في الحوار :
أليهو لم يرد أن يدخل
الحوار برهبة أو تهديد، بل طمأن أيوب أنه لا داعي للخوف. هذه نقطة مهمة لأن أيوب كان
قد أنهكته كلمات الأصدقاء، وربما أصبح خائفًا من أي كلام جديد، لكن أليهو بدأ بطريقة
مختلفة، فأزال هذا الحاجز النفسي، وفي حياتنا، إن أردنا أن نوصل رسالة حق، علينا أن
نزيل الرهبة أولًا، أن نُشعر المستمع أننا نحبه ونريد له الخير، هذا ما فعله أليهو،
فصار كلامه أكثر سهولة في القبول، ما فعله أليهو في هذه الآيات السبع الأولى هو أنه
وضع الأساس لكل ما سيقوله بعد ذلك، دعا أيوب للإصغاء - مبدأ الاستماع، أكد نزاهته وصدق قلبه - مبدأ النية الصالحة
.أعلن أن روح الله صنعه
- مبدأ المسؤولية أمام الله، اعترف أنه إنسان ضعيف من الطين - مبدأ التواضع، طمأن أيوب أنه لن يرهبه
- مبدأ كسر الحاجز النفسي، بهذا صار أليهو مهيأ أن يقدم فكره، وصار أيوب مهيأ أن يسمع. لقد وضعنا أمامنا
نموذجًا للحوار الروحي الصحيح، الذي يقوم على الاستماع المتبادل، والصدق الداخلي، والتواضع،
وحضور الله. هذه المبادئ ليست فقط لزمن أيوب، بل هي صالحة لحياتنا اليوم.
٢
لماذا نحتاج إلى
صوت جديد؟
(33:8–13)
- عجز الأصدقاء عن الرد - إصرار أيوب على براءته :
حين نصل إلى الآيات
(أيوب ٣٣ : ٨–١٣) ندرك أن أليهو يضع إصبعه على جوهر المشكلة التي ظلت معلقة طوال الحوارات
السابقة. لقد استمع بإمعان إلى أقوال أيوب، كما تابع ردود أصحابه، ثم خرج بخلاصة واضحة:
ثمة مأزق لا يمكن تجاوزه إلا بظهور صوت جديد، لماذا؟ لأن الحوارات الثلاثية بين أيوب
وأصحابه وصلت إلى طريق مسدود.
- عجز الأصدقاء عن تقديم جواب شافٍ :
لقد دار أصدقاء أيوب
في دائرة مغلقة، وكان موقفهم ينطلق من فرضية واحدة متكررة: أن كل ألم هو
نتيجة مباشرة لخطية ارتكبها المتألم. ( طبعا فرضية ناقصة، لأنه توجد الام ناتجة
من مصادر اخري ) ومن هذا المنطلق بنوا خطابهم
المملوء بالاتهامات غير العادلة، ومع مرور الوقت، تبين أنهم عاجزون عن الإتيان بحجة
مقنعة، فبدلًا من أن يقدموا تفسيرًا عميقًا أو رؤية لاهوتية متوازنة، اكتفوا بالتكرار
والوعيد، في هذه النقطة يظهر فشل الفكر البشري حين يُسجن في قوالب جامدة لا تقبل المراجعة.
فالأصدقاء لم يتساءلوا قط، ماذا لو لم يكن الألم بسبب خطية شخصية؟ ماذا لو كان لله
قصد آخر ان يجتاز ايوب لهذا الامتحان؟ إن رفضهم النظر خارج هذا الإطار جعلهم شركاء
في تعميق جراح أيوب بدلًا من معونته.
- إصرار أيوب على براءته :
من الناحية الأخرى،
كان أيوب متمسكًا ببراءته بقوة، وهو لم يكن مخطئًا في دفاعه، إذ لم يكن سبب ألمه خطية
شخصية كما زعم أصحابه، لكن المشكلة أن إصراره المطلق على تبرئة نفسه دفعه في بعض الأحيان
إلى تجاوز الحدود، حتى بدا وكأنه يبرر نفسه أكثر من الله، أو يجعل الله موضع تساؤل،
لقد قال أيوب كلمات قوية تكشف عن مرارة نفسه، حتى بدا وكأنه يتهم الله بالظلم أو بعدم
المبالاة. ومع أن دافعه كان البحث عن معنى لمعاناته، إلا أن نبرة كلامه عبرت عن تحدٍ
يحتاج إلى تصويب ( اتهام بعدم المبالاة أي ٩ :٢٣–٢٤ ، الشعور بالظلم أي ١٠
: ٣ ، اتهام الله بتدمير ما صنعه أي ١٠ :٨–٩ ، تصوير الله كخصم له أي ١٣ :٢٣–٢٤ ، الله كمن يسحقه بلا سبب أي ١٦ :١١–١٢ ) كلمات أيوب تكشف عن مرارة عميقة، وأحيانًا اتسمت بالتحدي أو الاتهام لله،
رغم إن دافعه الأساسي كان البحث عن معنى لألمه وليس الإتهام، هنا بالتحديد يظهر دور
أليهو، فهو لم يقف في صف الأصدقاء ضد أيوب، ولم يقبل في الوقت نفسه كل ما نطق به أيوب،
بل حاول أن يوازن الصورة ويعيد الحوار إلى مساره الصحيح.
- ضرورة ظهور صوت جديد :
عجز الأصدقاء وإصرار
أيوب كلاهما يوضحان أن الحوار كان بحاجة إلى مداخلة جديدة. لو استمر الموقف كما هو،
لبقي أيوب في مرارته وأصحابه في جمودهم. لكن الله، في حكمته، يرسل دائمًا صوتًا جديدًا
عندما تصل الأمور إلى الجمود. أليهو يمثل هذا الصوت المختلف، فهو لا يعيد إنتاج الاتهامات
السابقة، ولا يستسلم لانفعالات أيوب، بل يفتح بابًا جديدًا للفهم: أن الألم قد يكون
أداة للتأديب الإلهي وليس مجرد عقوبة ( مع ملاحظة أن الألم ليس مصدره الله، مصادره
انا - الاخر - ابليس - الطبيعة ) عندما يحدث الالم يستخدمه الله لصالحنا ولتعليمنا
هنا نتعلم درسًا عمليًا: في كثير من الأحيان،
نصبح أسرى لتفسيرات محدودة أو لمواقف شخصية، فنكرر ذات العبارات دون جدوى، عندها نحتاج
لصوت جديد يوقظ فينا بعدًا لم ننتبه إليه، هذا لا يعني أن الصوت الجديد دائمًا كامل
أو خالٍ من العيوب، لكن قيمته أنه يفتح آفاقًا أوسع، أليهو لم يكن حامل الوحي النهائي،
لكنه كان جسرًا مهمًا أوصل أيوب من مرارة التساؤلات إلى لحظة الإستعداد لسماع صوت الله
مباشرة.
إذا تأملنا في حياتنا
الروحية، نجد أن هذا المبدأ يتكرر. فقد نعيش أزمات لا نجد لها تفسيرًا في محيطنا الضيق،
فنسمع أصواتًا بشرية تكرر نفس الجمل: "لابد أنك أخطأت"، أو
"الله يعاقبك". وقد نصر نحن بدورنا على تبرئة أنفسنا، ونطالب الله
بإجابات عاجلة، لكن في النهاية نحن بحاجة إلى صوت جديد يحررنا من هذه الدائرة، قد يأتي
هذا الصوت عبر صديق حكيم، أو من خلال كلمة كتابية، أو من اختبار روحي خاص، المهم أن
ندرك أن الله لا يتركنا في الحيرة، بل يهيئ دائمًا من يقودنا إلى نور أعمق.
- تحليل لغوي ولاهوتي للآيات (33:8–13) :
عندما يقول أليهو:
"قد سمعت قولك وأنا أسمع صوت كلامك" (ع ٨) فهو يعلن أنه لم يتكلم
من فراغ، بل من متابعة دقيقة. هذا يعطينا درسًا في أهمية الإصغاء قبل الكلام. الأصدقاء
تكلموا كثيرًا، لكن لم يظهر أنهم أصغوا بعمق. أما أليهو فقد بنى مداخلته على استماع
واعٍ، ثم يقتبس أليهو من كلام أيوب: "أنا بريء بلا ذنب" (ع ٩). في
الواقع، أيوب لم يخطئ في إعلان براءته من خطية تستوجب كل هذا العقاب، لكن صياغته اتسمت
بالمبالغة أحيانًا حتى كاد أن يضع نفسه في مقام منازع لله في البر. لذلك يقول أليهو:
"في هذا لم تصب" (ع ١٢). الهدف هنا ليس إنكار بر أيوب، بل تصحيح زاوية
النظر، الله أعظم من الإنسان، ولا يصح أن يتعامل معه أيوب كندٍ يُطالبه بالمرافعة القانونية.
- البعد الروحي - الله أعظم من الإنسان :
الآية (١٢)
"هوذا الله أعظم من الإنسان" تلخص جوهر المأزق. لقد انشغل أيوب بمقارنة
ذاته مع الآخرين، وبإثبات براءته أمام البشر، حتى كاد ينسى أن المقياس الحقيقي هو الله
وحده، هذا لا يقلل من مكانة الإنسان ولا من معاناته، لكنه يضعها في إطارها الصحيح
نحن لا نحاكم الله، بل الله هو الذي يملك السيادة المطلقة، هذه الحقيقة تنقذنا من الكثير
من التيه، فحين نصطدم بآلام غير مفسرة، نميل إلى محاكمة الله وفق معاييرنا المحدودة،
لكن أليهو يذكرنا أن الله أسمى من أن يُقاس بمقاييسنا، بدلا من أن نطالبه بتبرير أفعاله،
نحن مدعوون للثقة في حكمته.
ميزة أليهو أنه لا
يهدم أيوب تمامًا كما فعل الأصدقاء، ولا يتركه بلا عزاء، بل يوجه نقدًا بنّاءً، هو
يعترف ضمنيًا ببر أيوب، لكنه ينبهه إلى خطورة المبالغة في الدفاع عن الذات لدرجة التشكيك
في عدل الله، هذه المقاربة المتوازنة تجعلنا ندرك أن النقد الصادق ليس لإدانة الشخص
بل لإصلاح نظرته.
- لماذا نحتاج إلى أليهو اليوم؟ :
كما احتاج أيوب إلى
صوت جديد، نحن أيضًا نحتاج إلى أصوات تجدد إيماننا حين يتجمد، في زمننا قد نجد تيارات
فكرية أو تعليمية تكرر ذات الخطاب، إما أن الألم دائمًا عقوبة أو أنه بلا معنى، كلا
الموقفين يوقعان الإنسان في اليأس، لذلك نحتاج إلى من يرفع أعيننا لنرى أن الله أعظم
من الإنسان، وأن طرقه أوسع من إدراكنا، أليهو لم يكن النهاية، بل مجرد تمهيد لصوت الله.
ومع ذلك، أهميته عظيمة، لو لم يظهر لكان الانتقال إلى كلام الله مفاجئًا وحادًا، لكن
وجوده مهّد الطريق نفسيًا ولاهوتيًا، وعلّم أيوب والقارئ أن ثمة مستويات أعمق من الفهم
تسبق لحظة الإعلان الإلهي المباشر.
-----------------------------------------
الفصل الثاني
شخصية أليهو ودوره
الفكر اللاهوتي في كلامه
-----------------------------------------
1
من هو أليهو؟
(33:14–22)
أليهو شخصية فريدة
تظهر لأول مرة في أصحاح ٣٢ من سفر أيوب، ويستمر كلامه حتى نهاية أصحاح ٣٧ اسمه بالعبرية
אֱלִיהוּא (Elihu) والنطق
بالإنجليزية E-li-hu، وبالعربية: "إِليهو"، ومعناه "إلهي
هو هو" أو "إلهي هو الكائن". هذا الاسم نفسه يحمل إعلانًا
لاهوتيًا، أليهو يريد أن يعلن أن الله هو الكائن الحي الدائم، الذي يتكلم ويعمل، نُسب
أليهو إلى عشيرة بوزي من نسل رام " .... أَلِيهُوَ بْنِ بَرَخْئِيلَ الْبُوزِيِّ
مِنْ عَشِيرَةِ رَامٍ. .... (أى ٣٢ : ٢) ما يوضح أنه لم يكن من الأصدقاء الثلاثة
المعروفين (أليفاز، بلدد، صوفر) بل شخصية مستقلة تمثل صوتًا جديدًا.
بدايه اضع سؤالا مهما
جدا هل كان اليهو صوتًا صائبًا دائما - أم وقع في أخطاء مثل أصدقاء أيوب (أليفاز، بلدد،
صوفر)؟ ولا سيما أن الله قال لأليفاز واصحابه " وَكَانَ بَعْدَمَا تَكَلَّمَ
الرَّبُّ مَعَ أَيُّوبَ بِهذَا الْكَلامِ، أَنَّ الرَّبَّ قَالَ لألِيفَازَ التَّيْمَانِيِّ:
"قَدِ احْتَمَى غَضَبِي عَلَيْكَ وَعَلَى كِلا صَاحِبَيْكَ، لأنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا
فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ. (أى ٤٢ : ٧)؟ لم يذكر الله أليهو باللوم
أو بالعقوبة، الرب لم يضع أليهو في دائرة الغضب مثل الأصدقاء الثلاثة، لانه قال لألِيفَازَ " صَاحِبَيْكَ
" اي اثنين فقط، هذا يوحي أن أليهو كان مختلفًا، هذا لانه لم يكن كلامه مملوءًا
بالاتهامات الشخصية مثلهم، فقد ركّز على مجد الله وعدله أكثر من اتهام أيوب.
يطرح سفر أيوب
سؤالًا جوهريًا حول مصدر الألم ومعناه: هل هو عقوبة؟ هل هو ظلم؟ أم أنه مدرسة
يتعلم فيها الإنسان طرق الله؟ وسط هذا الجدل، يبرز صوت أليهو الشاب، الذي يقدم
منظورًا مختلفًا عن أيوب وأصدقائه. وهنا يأتي السؤال: هل كان كلام أليهو صائبًا؟
-
الله يتكلم بطرق متنوعة : يؤكد أليهو أن الله لا يسكت، بل يتكلم مرارًا وتكرارًا بطرق متنوعة، لكن
الإنسان لا يلتفت دائمًا "لكِنَّ الله يَتَكَلَّمُ مَرَّةً،
وَبِاثْنَتَيْنِ لا يُلاحِظُ الإنْسَانُ." (أيوب ٣٣ : ١٤) هنا يضع أليهو
قاعدة لاهوتية واضحة، أن الله ليس صامتًا في مواجهة الألم، بل يستخدم الضيقات
والآلام عند حدوثها وسيلة للتواصل مع الإنسان وتنبيهه، هذه الفكرة تحمل بعدًا
رعويًا عميقًا، إذ تجعل الألم فرصة للإنصات بدلًا من أن يُفهم كقصاص أو كظلم.
- الألم أداة للتأديب لا للهلاك : يقول أليهو "أَيْضًا يُؤَدَّبُ بِالْوَجَعِ عَلَى مَضْجَعِهِ...
فَتَقْرُبُ نَفْسُهُ إِلَى الْقَبْرِ." (أيوب ٣٣ :١٩–٢٢) الألم في نظره
ليس غاية بل وسيلة. فالله لا يتلذذ بعذاب الإنسان، بل يستغل حدوث الألم ليستخدمه
كتأديب وتعليم، لإيقاظ القلب وفتح العينين، إنها فكرة قريبة جدًا من التعليم
الكتابي العام الذي يرى في التأديب علامة محبة: "لأن الذي يحبه الرب
يؤدبه" (عب 12:6).
- البر لله أولًا : يركز أليهو على أن برّ الإنسان يجب أن يُقاس أمام الله لا أمام البشر
"فَحَقًّا إِنَّ الله لا يَفْعَلُ سُوءًا، وَالْقَدِيرَ لا يُعَوِّجُ
الْقَضَاءَ." (أيوب ٣٤ : ١٢) هذا التصحيح مهم لفكر أيوب، الذي انشغل في
لحظات كثيرة بتبرير نفسه أمام أصدقائه، بل وحتى أمام الله. أليهو يعيد ترتيب
الأولويات، البرّ ليس مسابقة بين الإنسان وأقرانه، بل هو استقامة أمام الله الذي
عرشه ثابت بالعدل.
- الله عادل ولا يظلم أحدًا : واحدة من أعظم تصريحات أليهو هي تأكيده القاطع أن الله لا يظلم "لأجْلِ ذلِكَ اسْمَعُوا لِي يَا ذَوِي
الألْبَابِ. حَاشَا لِلهِ مِنَ الشَّرِّ، وَلِلْقَدِيرِ مِنَ الظُّلْمِ."
(أيوب ٣٤ : ١٠) في مقابل تصور أيوب الذي رأى نفسه مظلومًا، ومقابل الأصدقاء الذين
رأوا الألم قصاصًا، يرفع أليهو راية الحق، الله لا يمكن أن يخطئ. هذه الحقيقة هي
الركيزة التي يجب أن يبدأ منها كل تفسير للألم.
-
الضيق وسيلة للرجوع : يرى أليهو أن الضيق ليس نهاية الطريق، بل وسيلة يفتح الله من خلالها آذان
البشر "وَيَفْتَحُ آذَانَهُمْ لِلإِنْذَارِ، وَيَأْمُرُ بِأَنْ يَرْجِعُوا
عَنِ الإِثْمِ." (أيوب ٣٦ : ١٠). ويقول "يُنَجِّي الْبَائِسَ فِي
ذِلِّهِ، وَيَفْتَحُ آذَانَهُمْ فِي الضِّيقِ." (أيوب ٣٦ : ١٥) هنا يقدم
أليهو ما يمكن أن نسميه "لاهوت الرجاء" الألم ليس إعلانًا عن
نهاية الإنسان، بل بداية لمرحلة جديدة، حيث يُفتح القلب للتوبة والإدراك الروحي.
- خلاصة: دعوة للفهم الروحي : من خلال عرضه، يظهر أن أليهو كان صائبًا في الكثير من أفكاره. فقد جمع بين
العدل الإلهي والرحمة، بين التأديب والرجاء. أراد أن يفتح عيون أيوب على أن الألم
يمكن أن يكون بابًا للتوبة، نافذة للنعمة، وصوتًا لله وسط الصمت، إذا أليهو لم
يقدّم هجومًا أو اتهامًا، بل أتى برسالة استيقاظ. وما زال صوته يتردد اليوم كدعوة
لكل قارئ: لا تنظر إلى ضيقاتك كظلم أو كقصاص، بل كنداء إلهي يحمل في طياته محبة
الله ورغبته أن يقودك إلى حياة أعمق معه.
- الله يتكلم (דָּבַר Dabar – λαλέω Laleō) المدخل الأساسي لنا في
موضوع " دابار " نراه عندما بدأ أليهو حديثه في (أيوب ٣٣ : ١٤)
يقول "لَكِنَّ الله يَتَكَلَّمُ مَرَّةً، وَبِاثْنَتَيْنِ لا يُلاحِظُ
الإنسَانُ." هنا نحن أمام مبدأ جوهري .. الله كائن متكلم، ليس
إلهاً صامتاً أو غامضاً، بل معلناً ذاته بإصرار وبطرق متجددة، هذه الفكرة تفتح
الباب لفهم الكتاب المقدس كله، لأن الإعلان الإلهي يقوم أساساً على فعل الكلام
وفهمه.
الكلمة العبرية
هنا هي דָּבַר (Dabar) تنطق Da-bar - "دابار" تعنى: يتكلم،
يصرّح، يعلن، يوصي، يوصّل رسالة، لكن "דָּבַר - دابار" في العبرية لا تستخدم فقط بمعنى "كلام لفظي"، بل تحمل
معنى أعمق يشمل ((الحدث نفسه)) الكلمة ليست مجرد صوت، بل فعل وواقع -
الإعلان الملزم، الكلمة تحمل سلطة، لأنها مرتبطة بالله الذي يتكلم.
الوحي: ما يقوله الله ليس حواراً عابراً، بل إعلان
مقصود - مثال "بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ" (مز
٣٣ : ٦). هنا الكلمة "דָּבַר - دابار" ليست مجرد صوت، بل قدرة خالقة.
- المقابل اليوناني λαλέω - Laleō
تنطق La-leo - "لاليو" تعنى يتكلم بصوت مفهوم،
يصرّح بوضوح، في λαλέω أنه يؤكد أن الكلام مسموع ومفهوم، ليس رمزياً غامضاً،
بل رسالة واضحة، مثال في العهد الجديد، كثيراً ما نجد: "فَتَكَلَّمَ
يَسُوعُ" (يو ٨ : ١٢، مت ١٣ : ٣) الكلمة λαλέω، أي إعلان مباشر
يمكن فهمه،
كلمة أخرى مرتبطة
بـ "الكلمة" – מִלָּה (Milah) تنطق: Mi-lah – معناها كلمة، تعبير، لفظ،
الفرق أن Milah أقرب إلى "الكلمة كوحدة لغوية" (لفظ)،
بينما Dabar أعمق، فهي "كلمة تحمل حدثاً ورسالة، مثال أيوب نفسه يقول:
"لَمْ أَبْرَحْ عَنْ وَصَايَا شَفَتَيْهِ، أَكْثَرْتُ مِنْ كَلِمَاتِ
فَمِهِ (מִלָּה - Milah) (أي ٢٣ : ١٢) الكلمة هي أداة الخلق والإعلان.
(تك ١ : ٣ "وقال الله: ليكن نور") وفي الأنبياء، الكلمة هي سلطان
إلهي يوجّه التاريخ ويظهره (إر ١ : ٤ "فَكَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ
إِلَيَّ") اما في المزامير، الكلمة هي مصدر الحياة والهداية (مز ١١٩ :
١٠٥ "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلِامَُكَ") أما في العهد الجديد، الإعلان يصل إلى ذروته في شخص المسيح "فِي
الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ الله، وَكَانَ
الْكَلِمَةُ الله." (يو 1:1) الكلمة هنا ليست مجرد صوت أو وصية، بل شخص
حي هو المسيح (λόγος – Logos) "لوغوس، وتعني، غاية
كلام الله - الإعلان، الله يعرّف الإنسان بذاته، والعلاقة، الله لا
يتكلم عن بُعد، بل يصنع علاقة، والتصحيح والتأديب كما في أيوب ٣٣ كلام الله
يعالج سوء الفهم ويعيد الإنسان إلى الاستقامة، والحياة، كلامه مصدر حياة
(تث ٨ : ٣، مت ٤ : ٤ ).
فهي تعني ما يلي : كلمة منطوقة أو مكتوبة - عقل / منطق / فكر مرتب - تعبير عن الإرادة الداخلية، وبحسب المعنى اللاهوتي في يوحنا: "الكلمة" ليست مجرد
نطق أو كلام فقط، بل إعلان شخصي لله في المسيح ( يو ١ : ١ ) ، ( يو ١ : ١٤ ) إذا Logos
= الكلمة الأزلي الذي هو شخص المسيح، المُعبِّر الكامل عن الله، ايضا ( يو ١ :
١–٣ ) ، ( يو ١ : ١٨ ) فاللوغوس = الابن الذي أعلن الله ( ١يو ١ : ١ - ٤ )
"الكلمة" منظور وملموس = شخص المسيح. ( رؤيا ١٩ : ١٣ ) وصف المسيح في مجيئه الثاني = "كلمة الله" إذا
الكلمة في يوحنا ليست صوتًا أو نصًا، بل شخص حي – المسيح – الذي هو الإعلان
النهائي لله.
- مشكلة الإنسان: عدم الانتباه :
أليهو يقول:
"الله يتكلم مرة وباثنتين، لا يلاحظ الإنسان" (أي ٣٣ : ١٤ )
المشكلة ليست في غموض الله، بل في غفلة الإنسان، الإنسان يطلب كلاماً حسب هواه،
بينما الله يتكلم بما يحتاجه وليس بما يرغب فيه، فكلمة الله = قدرة الله
العاملة في العالم. لذلك "דָּבַר" تنطق دافار - Davar
وتعني نطق - فعل - امر يُستخدم أحياناً
كمرادف لعمل الله نفسه، وفي فكر العهد الجديد المسيح هو "كلمة الله
المتجسد" (يو ١ : ١٤) هذا يعني أن الله لم يكتفِ بالكلام عبر الأنبياء
والأحلام، بل تكلم في شخص ابنه (عب ١ : ١ – ٢)
- تزييل من اجل التركيز لفهم الفكرة :
الكلمة العبرية דָּבַר (Dabar) تعني كلاماً فعالا يحمل سلطاناً ويخلق واقعاً، المقابل اليوناني
λαλέω - Laleō يركز على وضوح الكلام
وإعلانه هناك كلمة أخرى מִלָּה (Milah) لكنها أقرب إلى المعنى اللغوي البسيط، بينما دابار لاهوتية
وعميقة، الله يتكلم باستمرار، لكن المشكلة أن الإنسان لا يصغي، إعلان الله النهائي
هو في شخص المسيح كلمة الله الحي، الذي يفسر لنا مقاصد الله بوضوح
- يتكلم في الأحلام والرؤى (٣٣ : ١٥ – ١٦) :
يقدّم أليهو في
حديثه مع أيوب منظورًا جديدًا عن طرق الله في التعامل مع الإنسان، فبينما رأى
أصحاب أيوب أن الألم هو برهان الغضب الإلهي، واعتبر أيوب نفسه أن الله صامت وبعيد
عنه، جاء صوت أليهو ليعلن أن الله لم يتوقف عن الكلام قط، بل هو حاضر دائمًا
ويتكلم مع الإنسان بطرق متنوعة، ومن أبرز هذه الطرق ما أشار إليه في قوله: « فِي
حُلْمٍ فِي رُؤْيَا اللَّيْلِ، عِنْدَ سُقُوطِ سَبَاتٍ عَلَى النَّاسِ، فِي
النُّعَاسِ عَلَى الْمَضْجَعِ. حِينَئِذٍ يَكْشِفُ آذَانَ النَّاسِ وَيَخْتِمُ
عَلَى تَأْدِيبِهِمْ، (أى٣٣ : ١٥-١٦)
في هذه الكلمات يفتح أليهو أمام أيوب نافذة مختلفة ليفهم أن الله يتواصل مع
الإنسان حتى في لحظات غفلته وضعفه، إذ يستخدم الأحلام والرؤى كأدوات للتعليم،
والتأديب، والتحذير، والتوجيه.
- ما يقوله أليهو يجد امتدادًا واسعًا في الكتاب المقدس كله :
فالأحلام - على سبيل المثال، لم تكن مجرد
خيالات عابرة في ذهن النائم، بل صارت في أوقات كثيرة وسيلة إلهية تكشف مقاصد الله
أو تحفظ الإنسان من الهلاك. في العهد القديم نقرأ عن أحلام فرعون التي حملت
إعلانًا عن المجاعة القادمة وكيفية الاستعداد لها (تكوين ٤١) وعن حلم يعقوب
الذي رأى فيه سلّمًا يصل بين السماء والأرض ليؤكد له حضور الله وحمايته (تكوين ٢٨)
كما نقرأ عن أحلام يوسف التي كانت إعلانًا لدعوته المستقبلية وسط إخوته
(تكوين ٣٧) وتشجّع جدعون من خلال حلم رآه أحد الجنود فأعطاه يقينًا بالنصر
(قضاة ٧) ظهر الله لسليمان في حلم ومنحه الحكمة (١ ملوك ٣) كما استخدم الحلم
مع نبوخذنصر ليكشف له عن سيادته على الممالك ويحذره من الكبرياء (دانيال ٢، ٤)
وحتى في العهد الجديد ظل الحلم أداة إلهية فعّالة، إذ أُعلن ليوسف النجار
أن يقبل مريم ويحفظ الطفل يسوع (متى ١) وحُذّر المجوس ألا يرجعوا لهيرودس
(متى ٢) كما حذّرت زوجة بيلاطس زوجها بشأن براءة المسيح (متى ٢٧) كلها
أحلام كانت محطات فاصلة أظهرت كيف يتدخل الله ليقود ويوجه ويؤدب.
الرؤيا : وبالمثل، نجد أن الرؤى أيضًا حملت حضور الله
وكلمته بطرق مؤثرة، ففي العهد القديم أعلن الله أنه يتكلم مع أنبيائه
بالرؤيا (عدد ١٢) ايضا صموئيل دُعي في رؤيا ليلية وهو بعد صبي صغير ليكون
نبيًا للشعب (١ صموئيل ٣) كذلك رأى أليفاز مشهدًا مهيبًا يكشف رهبة حضور
الله (أيوب ٤) بينما دُعي دانيال ليرى سلسلة من الرؤى عن الممالك وخطة الله
(دانيال ٧–١٠) وزكريا نال رؤى عن استرداد أورشليم وعمل الروح (زكريا ١، ٤) وفي
العهد الجديد نقرأ عن رؤيا حنانيا التي فيها كلّفه الرب أن يذهب ليشفي شاول
(أعمال ٩) وعن رؤيا بطرس التي فتحت باب الإنجيل للأمم (أعمال ١٠) وكذلك عن رؤيا
بولس لدعوة مكدونية التي غيرت مسار التبشير ففتحت أبواب أوروبا (أعمال ١٦). كل
هذه الرؤى كانت أداة إلهية للتكليف والإعلان وفتح آفاق جديدة أمام خدامه.
من خلال هذا
الامتداد الكتابي ندرك أن الله لا يصمت، بل يتكلم بطرق تتجاوز إدراك الإنسان
المحدود. فحين يعجز البشر عن سماع صوته المباشر، يستخدم الله الحلم أو الرؤيا
ليؤكد أن يده ما زالت تعمل، أحيانًا يكون الغرض هو التأديب كما أشار أليهو حين قال
إن الله يكشف آذان الناس ليختم على تأديبهم، وأحيانًا يكون الغرض هو التحذير كما
حدث مع المجوس أو مع بيلاطس، وفي أوقات أخرى يكون القصد تأكيد الدعوة، مثلما فعل
مع يوسف وصموئيل وبولس، أو تقديم التعزية والتشجيع كما فعل مع جدعون، لذلك ما أراد
أليهو أن يوصله لأيوب هو أن الألم ليس وسيلة الله الوحيدة للكلام، بل إن الله
يستخدم كل الوسائل الممكنة ليقترب من الإنسان، سواء في يقظته أو في نومه. فالألم
والرؤيا معًا هما أدوات إلهية للتشكيل والتقويم، لا للانتقام أو القسوة، أليهو
يذكّر أيوب بأن الله لم يبتعد عنه كما ظن، بل ما زال يكلمه بطرق لم يتوقعها، وأن
عليه أن يفتح قلبه ليلتقط صوته ويفهم رسالته، ففي ضوء ذلك يتضح أن كلمات أليهو في
أيوب ٣٣: ١٥–١٦ لا تقتصر على مجرد ملاحظة أدبية أو فكر بشري، بل تحمل لاهوتًا
عميقًا يؤكد أن الله حيّ وفاعل في حياة الإنسان، فهو يستخدم الأحلام والرؤى
لتأديب، وتعليم، وتحذير، وتشجيع، ولتذكير الإنسان بأن الرب حاضر في كل تفاصيل
الحياة، هذه هي الرسالة التي أراد أليهو أن يرسّخها، أن الله لم يصمت أبدًا، بل
يتكلم بطرق متنوعة ليحفظ الإنسان من الكبرياء والسقوط، ويقوده في طريق الحق.
- التأديب والألم (٣٣ :١٩–٢٢) التعليم من خلال الألم :
من بين المقاطع
المميزة في خطاب أليهو في سفر أيوب، يبرز هذا الجزء " أَيْضًا يُؤَدَّبُ
بِالْوَجَعِ عَلَى مَضْجَعِهِ، وَمُخَاصَمَةُ عِظَامِهِ دَائِمَةٌ، فَتَكْرَهُ
حَيَاتُهُ خُبْزًا، وَنَفْسُهُ الطَّعَامَ الشَّهِيَّ. فَيَبْلَى لَحْمُهُ عَنِ
الْعَيَانِ، وَتَنْبَرِي عِظَامُهُ فَلاَ تُرَى، وَتَقْرُبُ نَفْسُهُ إِلَى
الْقَبْرِ، وَحَيَاتُهُ إِلَى الْمُمِيتِينَ. (أى٣٣ : ١٩-٢٢) هنا يقدّم أليهو منظورًا لاهوتيًا مهمًا،
أن الألم ليس مجرد عقوبة إلهية، بل وسيلة تعليم وتأديب، يستخدمها الله لإيقاظ
الإنسان من غفلته، وجذبه إلى التوبة، وردّه عن الشر ( الألم والضيق والتجارب لا
تحدث إلا بأحكام قضائية من الله، وأحكام الله عادلة وتستند دائما علي دلائل
وقوانين، وليست عشوائية وليست بحسب اهواء الله - فالله خاضع بإرادته لقوانينه وملتزم
بها = راجع دراسة القضاء الإلهي)
- الألم كأداة للتأديب وليس كعلامة غضب :
الفرق الجوهري
بين كلام أليهو وكلام أصحاب أيوب الثلاثة هو في فهمهم للألم، الأصحاب الثلاثة رأوا
أن الألم نتيجة مباشرة لخطية أيوب الخفية، وأن ما يحدث له عقاب، أليهو رفض هذا
المنطق المبسط، وأكد أن "وجود الألم" أداة للتعليم والتأديب، لا
كوسيلة انتقام ( ككاتب ومفكر ودارس"
لا أؤمن بما يسمي بالسماح الإلهي وقد تفردنا في الدراسات السابقة وتكلمنا بخصوص
هذا اللأمر، فالله لا يسمح بالتجربة ولا بالألم، ولكنهما نتيجة تفاعل الانسان مع
القوانين سواء بطاعتها أو بكسرها، فقد يطهد انسان لسبب سيره في البر، والعكس ايضا)
بهذا يفتح أليهو بابًا لفهم أوسع للضيقات، ليست كل آلام هي عقاب، بل قد تكون وسيلة
تربية روحية، فإستخدام الله للألم للتعليم هو كإستخدام المدرس للسبورة بالمدرسة،
فهو لم يأتي بها ولكنه استخدم وجودها،
في العدد ١٩ نجد
عبارة: "يؤدب بوجع على مضجعه" كلمة "يؤدب" هنا
تحمل معنى "التدريب" أو "التربية" (وليس العقاب
القانوني فقط) يُؤدب" = بالعبرية יָסַר (Yāsar) يعني "يؤدب/يصحح/يعلّم"
الصورة التي يرسمها أليهو هي أن الله يستخدم حتى الألم الجسدي – مرضًا أو ضعفًا –
ليجعل الإنسان يتوقف ويفكر في مسيرته، ثم تأتي العبارة: "مخاصمة عظامه
دائمة"، أي أن الألم يصبح مرافقًا له في كيانه المادي العميق، وكأنه صراع
داخلي دائم يذكّره بضعفه واحتياجه لله.
-
من الألم الجسدي إلى الصحوة الروحية
النص يوضح مراحل
متصاعدة، وجع على المضجع – الألم الجسدي، كره الطعام الشهي – فقدان متعة الحياة - يبلى الجسد وتنحل العظام – شعور بالانهيار الكامل - اقتراب النفس إلى القبر – مواجهة حقيقية مع الموت، فالغرض من هذا
التدرج هو أن يصل الإنسان إلى نقطة إدراك محدوديته، فيفهم أن حياته بيد الله وحده،
الألم هنا يصبح جرس إنذار رحيم، يذكّر الإنسان أنه ليس سيد نفسه، وأن التوبة
والرجوع إلى الله ضرورية للحياة الزمنية والابدية.
الفكر الذي يقدمه
أليهو هنا ليس جديدًا فقط على أيوب، بل هو فكرة ممتدة في الكتاب المقدس " فَاعْلَمْ فِي قَلْبِكَ أَنَّهُ كَمَا
يُؤَدِّبُ الإنْسَانُ ابْنَهُ قَدْ أَدَّبَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ. (تث ٨ : ٥)
في التقديم هنا كما شرحت قبلا او سابقا إن كسر القوانين قد يحدث معه الام أو
اتعاب أو مشاكل، ولذلك يستخدم الألم هنا للتاديب فهي نتيجه طبيعية لكسر القانون،
إثناء قرأتي لكلمة الله رأيت شعب إسرائيل عندما يفعلون الشر يفتحون على أنفسهم
أبواب للارواح الشريرة فتحرك الأشرار وتفعل الشرور، وتدخلات العالم الغير مؤمن على
حياتهم فيجربون ويصابون ويضطهدن فيتعلمون وهكذا، هذا بالاضافه أيضا الى طاعة القوانين
الإلهية قد تدخل الإنسان في دائرة إضطهاد أو ألم أو مشاكل من الأشرار، وفي النهاية
يخرج المؤمن التقي بإختبارات رائعة من جراء هذه الطاعة للمبادى الإلهية " خَيْرٌ
لِي أَنِّي تَذَلَّلْتُ لِكَيْ أَتَعَلَّمَ فَرَائِضَكَ. (مز ١١٩ : ٧١) وايضا "لأنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ
يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ (عب ١٢ : ٦) في ضوء هذه
الآيات، نفهم أن الألم ليس هدفًا في ذاته، بل وسيلة يقود بها الله أولاده إلى
النضوج، فالتذلل والجلد والامور هذه لا يصنعها الله بيده او بذاته، ولكن يدخل
الانسان فيها بسبب تصرفاته او تصرفات من حوله فتستغل هذه الالام إما للتاديب أو
للتعليم أو تحول كإمتحان في حياة الانسان المؤمن التقي، فيكافأ عليها ويعوض عنها
زمنيا وابديا ايضا.
أمثلة كتابية عن التعليم من خلال الألم، "يعقوب" عندما صارعه الرب عند فنوئيل وخرج أعرجًا (تك ٣٢
: ٢٥) صار الوجع علامة على تغيير اسمه ومساره الروحي، هذه ليست تجربه وليست تاديبا
ولكنها نتيجه حتميه وطبيعيه للصراع الذي حدث، فلكل موقف طبيعته ولكل بركة وامتياز
جهاد.
ايضا "يونان" ضيق جوف الحوت
كان وسيلة لإعادة توجيهه إلى الطاعة (يونان ٢) لم يكون الحوت وسيلة تأديب بقدر
انها ايضا كانت وسيلة نجاة، فيونان وضع نفسه في سفينه ليست حسب المشيئة، فقرر
الموت، ولكن الرب قرر نجاته بحوت يستخدم للنجاة ويستخدم للتعليم.
ايضا "بولس الرسول" شوكة الجسد
(٢كو ١٢ : ٧) صارت وسيلة لإظهار نعمة الله وكفايتها، فلم يعطي له الرب الشوكه بل
ملاك الشيطان لطمه، فطلب بولس من الرب رفع الشوكة، ولكن الله قال له "تكفيك
نعمتي" فلم يزيل الشوكه واستمرت في حياته لكي تكون على قدر الإعلان
الإلهي ويستمر الشعور بأنه إنسان في الالام مثل باقي البشر، فالشوكة ليست عقابا او
تأديبا بل كانت نتيجة لباب مفتوح أمام بولس للكبرياء، فتدخل ابليس بالشوكة كنوع من
الحرب ليضعفه ويثنيه عن المشيرة والخدمة، ولكن استخدمها الرب لحمايته ولتعليمه.
هؤلاء جميعًا
يوضحون نفس المبدأ الذي أعلنه أليهو: الألم أحيانًا مدرسة إلهية، ما يقوله أليهو
في أيوب ٣٣ :١٩–٢٢ يصلح أن يكون عزاءً للمؤمن في كل زمان، حين تمر بمرض أو ضيق، لا
تفترض تلقائيًا أنه عقاب، اسأل نفسك، هل الله يستخدم هذه الظروف التي حدثت
ليعلمني، ليوقفني، ليقودني إلى نضج أعمق؟ الألم قد يستخدم كدعوة إلهية للانتباه،
وليس مجرد تجربة بلا معنى، فالله يستخدم وجود الألم كوسيلة للتأديب والتعليم، لا
كعقوبة، والهدف هو جذب الإنسان إلى التوبة، ليعيش في علاقة أعمق مع الله، والتعليم
من خلال الألم فكرة راسخة عبر الكتاب كله، وتجد ذروتها في العهد الجديد حيث يتقدس
الألم في المسيح، الذي "تعلّم الطاعة مما تألم به" (عب ٥ : ٨) إذًا،
ما قاله أليهو لا يجب أن يُفهم على أنه اتهام جديد لأيوب، بل إعلان عن جانب من طرق
الله في تربية أولاده، فالألم قد يكون أحيانًا مدرسة الرحمة الإلهية.
( ملحوظة.. الملاك الوسيط فكر نحتاج فهمه.. ركز معايا
ارجوك )
- الملاك الوسيط (٣٣ : ٢٣–٢٤) أو الملاك الشافع :
هذا المقطع الكتابي
واحدًا من النصوص المثيرة للجدل في النقاش الكتابي واللاهوتي، إذ يقول " إِنْ
وُجِدَ عِنْدَهُ مُرْسَلٌ، وَسِيطٌ وَاحِدٌ مِنْ أَلْفٍ لِيُعْلِنَ لِلإنْسَانِ
اسْتِقَامَتَهُ، يَتَرَاَءَفُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: أُطْلِقُهُ عَنِ الْهُبُوطِ
إِلَى الْحُفْرَةِ، قَدْ وَجَدْتُ فِدْيَةً. (أى٣٣ : ٢٣-٢٤) هذا النص يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يتحدث
اليهو هنا عن وجود "ملاك شافع" بالفعل؟ أم أنه يضع الفكرة في
إطار التمني أو الاحتمال؟
- معنى "الملاك" و"الوسيط" في النص الأصلي : الكلمة العبرية المستخدمة لـ "ملاك" هنا هي מַלְאָךְ وتنطق Mal’akh مَلآخ، والتي تعني
ببساطة "ملاك / رسول / مرسل"، ويمكن أن تُفهم على
أنها كائن سماوي (ملاك) أو حتى رسول بشري يُرسله الله بكلمته، أما كلمة
"وسيط" فهي מֵלִיץ وتنطق Melits مِيليتس، وتعني
"مترجم / مفسر / شفيع / وسيط"، أي شخص يشرح
أو يفسر مشيئة الله للإنسان ويقف وسيطًا بينه وبين الخطر المحدق به، وعندما ناتي
عند الكلمه اليونانيه ἄγγελος
تنطق Angelos آنغِلوس، المترجمة ملاك / رسول" نفس معنى "مَلآخ"
في العبري؛ أي مرسل من عند الله. ومنها جاءت كلمة "Angel" في الإنجليزية،
وتوجد كلمه اخرى μεσιτεύων تنطق Mesiteuōn
مِسيتِفُون، المترجمة وسيط / شفيع / متدخل، وتعني،
شخص يقف في الوسط ليصالح أو يتوسط. نفس المعنى اللي بولس وضحه في (١ تيموثاوس ٢:
٥) عن المسيح كوسيط، مما سبق نفهم ان أليهو يتكلم عن شخص مرسل (ملاك/رسول)
يقوم بدور الوسيط والمفسر ويقدّم بشرى خاصة بحسب الرسالة المكلف بها.
-
صيغة الشرط في النص "إن وُجد" : النص لم يقل "هناك ملاك شافع" بصيغة تقريرية، بل جاء في
صيغة شرطية: "إن وُجد..." أي أن وجود مثل هذا الملاك أو الوسيط
ليس أمرًا مُفترضًا أو ثابتًا، بل أمر نادر أو حتى متمنّى. وهذا يضع النص في إطار
البحث عن "الوساطة" كحاجة إنسانية للخلاص من الحفرة (الموت/الهلاك)،
لكنه لا يؤكد أن هناك بالفعل "ملائكة شفعاء" يمارسون هذا الدور، رمز
للرسول البشري, يمكن أن يكون المقصود هو نبي أو رجل الله الذي يعلن للإنسان
طريق الاستقامة، مثلما فعل موسى الذي أعطيت الشريعة "بترتيب ملائكة"
(أع ٧ : ٥٣، غل ٣ : ١٩). وهنا يكون الملاك مجرد رسول بشري حامل لكلمة الله، او ملائكة
بأدوار وسيطة، في بعض النصوص العهد القديم، نجد ملائكة يقومون بأدوار شفاعية
أو دفاعية، ملاك الرب في ( زكريا ١ ) يشفع في أورشليم، وفي ( زكريا ٣ ) نرى ملاك
الرب ينتهر الشيطان عن يهوشع الكاهن، وفي ( دانيال ١٠ و ١٢ ) يظهر ميخائيل كمدافع
عن شعب الله، هذه الأدوار تحمل بُعد الوساطة، لكنها تظل مرتبطة بمشيئة الله، وليست
وساطة مستقلة أو مطلقة.
- الملائكة كخدام لا شفعاء : من المهم أن نفهم أن العهد القديم والجديد يصوّران الملائكة أساسًا كـ
"أرواح خادمة"، وليس كوسطاء في حد ذاتهم، في العبرانيين يقول
بوضوح: " أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً
لِلْخِدْمَةِ لأجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاصَ!. (عب ١ : ١٤) إذا
وظيفتهم مرتبطة بتنفيذ مشيئة الله ومساندة شعبه، لا بالقيام بدور الوسيط النهائي
بين الله والإنسان.
- العهد الجديد وحسم قضية الوسيط : في العهد الجديد يُعلن الحق الكتابي بشكل قاطع "لأنَّهُ يُوجَدُ
إِلَهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ الله وَالنَّاسِ: الإنْسَانُ يَسُوعُ
الْمَسِيحُ" (١تي ٢ : ٥) بهذا أُغلق باب الجدل: لا يوجد "ملاك
شافع" بمعنى شريك في عمل المصالحة أو الفداء. المسيح وحده هو الوسيط
الحقيقي، لأنه هو الذي قدّم الفدية بدمه.
هنا يجب أن ندرك،
أن الوساطة والشفاعة في جوهرها عمل خاص بالله وحده، قد أتمّه بالمسيح يسوع، فالله
لم يترك البشر بلا صوت أو إعلان، بل أرسل أنبياء وخدامًا وملائكة ليعلنوا كلمته،
يفسّروا مقاصده، وينذروا أو يعزّوا، هؤلاء هم رسل، أي وسطاء في معنى "النقل
والتفسير"، وليسوا وسطاء في معنى "المصالحة والفداء".
الملاك قد
يُبشّر، كما حدث في ميلاد المسيح (لوقا ٢) أو ينذر كما مع دانيال أو زكريا، والنبي
أو الرسول أو الخادم قد يعلن كلمة الله للإنسان، لكن هذه كلها أدوار خدمية
وتفسيرية، أمّا الشفاعة الكاملة والوساطة الحقيقية التي تفتح باب الغفران والقبول
عند الله فهي من اختصاص واحد فقط: يسوع المسيح "لأنَّهُ يُوجَدُ إِلَهٌ
وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ، الإِنْسَانُ يَسُوعُ
الْمَسِيحُ" (١تي ٢ : ٥) لذلك، لا نبحث عن شفيع في ملاك، ولا نتعلّق
بخادم أو نبي كأنه هو مصدر المصالحة، بل نرى فيهم مجرّد رسل يستخدمهم الله ليعلن
حقه، إنما المسيح وحده هو الذي قال: "أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس
أحد يأتي إلى الآب إلا بي" (يو ١٤ : ٦) فالملاك أو الخادم يوجّه نظرك،
لكن المسيح هو الذي يفتح الباب، الملاك أو النبي يبشّرك، لكن المسيح هو الذي
يُخلّصك، الملائكة والرسل خدام، لكن المسيح هو الوسيط والفادي الوحيد.
- دعوة أيوب للسكوت والاستماع :
حديث أليهو محور
كلامه لا يتوقف عند فكرة الملاك الشافع أو عند إعلان طرق الله المتنوعة، بل ينتهي
بدعوة مباشرة وصريحة لأيّوب أن يسكت ليستمع. هذه الدعوة ليست مجرد ملاحظة شخصية من
شاب أصغر سنًا لرجل أكبر منه خبرة وألماً، لكنها تحمل عمقًا لاهوتيًا ورسالة روحية
نافذة، إذ تعكس المبدأ الإلهي أن الإنسان لا يدرك طرق الله إلا إذا توقف عن الجدل
وانفتح قلبه لسماع صوت الحق.
- خلفية الدعوة للسكوت :
أيوب في حججه
الطويلة قد أفرغ قلبه أمام أصحابه، وأمام الله نفسه - دافع عن بره - احتج على
الظلم الذي شعر به - وتساءل بجرأة عن عدل الله، وفي وسط هذا السيل من
الكلمات، تكررت عباراته تعكي معني "لِي مَظْلَمَة " فقال " هَا إِنِّي أَصْرُخُ ظُلْمًا فَلا
أُسْتَجَابُ. أَدْعُو وَلَيْسَ حُكْمٌ. (أى ١٩ : ٧)
وايضا ايات تحمل
معني " مَا هُوَ ذَنْبِي؟" فقال " وَلِمَاذَا لا تَغْفِرُ ذَنْبِي، وَلا
تُزِيلُ إِثْمِي؟ لأنِّي الآنَ أَضْطَجِعُ فِي التُّرَابِ، تَطْلُبُنِي فَلا
أَكُونُ". (أى ٧ : ٢١)
وقال ايضا " كَمْ لِي مِنَ الآثَامِ وَالْخَطَايَا؟
أَعْلِمْنِي ذَنْبِي وَخَطِيَّتِي. لِمَاذَا تَحْجُبُ وَجْهَكَ، وَتَحْسِبُنِي
عَدُوًّا لَكَ؟ (أى١٣ : ٢٣-٢٤)
واستخدم ايضا فكر
ظل داخله أن الله عدوا له "لِمَاذَا تَتَصَيَّدُنِي كَعَدُوٍّ؟ " فقال
في هذه الايات " وَإِنِ ارْتَفَعَ تَصْطَادُنِي كَأَسَدٍ،
ثُمَّ تَعُودُ وَتَتَجَبَّرُ عَلَيَّ. تُجَدِّدُ شُهُودَكَ تُجَاهِي، وَتَزِيدُ
غَضَبَكَ عَلَيَّ. نُوبٌ وَجَيْشٌ ضِدِّي. (أى١٠ : ١٦-١٧) مع ( أي ١٣: ٢٤-٢٥ )
بمثل هذه الكلمات
المتعصله داخل قلب ايوب، لم يعد يستطع أن يستمع بل يتكلم فقط. جاء أليهو ليقول له:
"أصغِ إليّ، اسكت فأعلّمك الحكمة" (أي ٣٣: ٣٣) دعوة السكوت هنا
لم تكن إهانة، بل تصحيحًا لموقف خاطئ. فالإنسان حين يغرق في صوته الداخلي، ويظل
يردد شكواه بلا توقف، يصبح غير قادر على استقبال كلمة الله. ولذلك جاء أليهو كمفسر
(מֵלִיץ Melits أي مترجم - وسيط - مرسل رسالة) ليعيد
التوازن، أيها الإنسان، توقف قليلا، واكفف عن الكلام، لكي تسمع ما يريد الله أن
يعلنه.
- السكوت كشرط لفهم طرق الله :
في الفكر الكتابي، السكوت أمام الله علامة على التواضع والخضوع. يقول
المرنم: " انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاصْبِرْ لَهُ، وَلا تَغَرْ مِنَ الَّذِي
يَنْجَحُ فِي طَرِيقِهِ، مِنَ الرَّجُلِ الْمُجْرِي مَكَايِدَ. (مز ٣٧ : ٧)
ويقول حبقوق: " أَمَّا الرَّبُّ فَفِي هَيْكَلِ قُدْسِهِ. فَاسْكُتِي
قُدَّامَهُ يَا كُلَّ الأرْضِ" (حب ٢ : ٢٠) السكوت ليس فراغًا، بل هو
مساحة يملؤها الله بحكمته وإعلانه، أيوب كان يحتاج أن يسكت، لأن كثرة كلماته كانت
تعكس تمركزه حول ذاته: برّه، ألمه، احتجاجه، بينما الله يريد أن ينقله من محور
"أنا" إلى محور "هو". ولذلك قال أليهو " فَاصْغَ
يَا أَيُّوبُ وَاسْتَمِعْ لِي. اُنْصُتْ فَأَنَا أَتَكَلَّمُ. (أى ٣٣ : ٣١)
هنا يظهر أن السكوت هو بداية التحول، لأنه يفتح الباب ليسمع الإنسان صوتًا آخر غير
صوته الداخلي، فمن الناحية اللاهوتية، دعوة أليهو للسكوت تتجاوز الحوار البشري
بينه وبين أيوب، وتمثل موقف الله مع كل إنسان. حين يصر الإنسان أن يفهم كل شيء
بعقله، أو أن يبرر نفسه باستمرار، يظل في دائرة مغلقة. لكن حين يسكت، يعلن قبوله
لمحدوديته، ويعترف أن سر الله أعظم من منطقه، إذًا السكوت هنا ليس استسلامًا للظلم
كما قد يتصور البعض، بل هو خطوة إيمانية، أن أثق أن الله يتكلم بطرق متعددة
(الرؤى، الأحلام، الضيقات، الملاك الشافع)، وبالتالي دوري أن أنصت لا أن أجادل.
- السكوت في ضوء خبرة أيوب الشخصية :
أيوب في بداية
سفره كان بارًا ويتقي الله، لكنه حين دخل الضيقة، انقلبت الكلمات إلى جدران تمنعه
عن الله، كان يتمنى "مَن يحاكم بينه وبين الله"، أو "مَن
يضع يده على كلينا" (أي ٩ : ٣٣). أليهو في أصحاح ٣٣ يقول له: هذا هو
الدور الذي يقوم به الله، إما من خلال ملاكه أو من خلال وسائطه. لكن لكي تدرك ذلك،
يجب أن تسكت، هذا يعكس خبرة روحية نعرفها جميعًا: في الألم نصبح أسرى أصواتنا
الداخلية، لكن الحل لا يكون في مزيد من الشكوى، بل في التوقف والصمت أمام الله،
لأن السكوت هنا لا يعني إلغاء الألم، بل يعني فتح الطريق أمام عزاء الله، من المهم
أن نلاحظ أن سكوت أيوب لم يكن النهاية. بعد كلام أليهو، أظهر الله نفسه في
الإصحاحات الأخيرة. إذًا، دعوة السكوت كانت خطوة تمهيدية لظهور الله بصوته العظيم
من العاصفة، فالسكوت أعدّ القلب ليسمع، ثم جاء الله ليكشف ذاته، لو لم يسكت أيوب،
ربما ظل يتجادل حتى النهاية، ولما كان قلبه مستعدًا للرؤية العظيمة التي رآها بعد
ذلك. فالدعوة للسكوت إذا لم تكن هدفًا في ذاتها، بل وسيلة لإعداد أيوب للقاء مع
الله.
- تطبيقات روحية لنا اليوم :
١. في الصلاة: كثيرًا ما نحول الصلاة إلى مناجاة مطولة عن مشاكلنا،
لكن أحيانًا يكون السكوت أعمق من الكلام.
٢. في الألم: السكوت يفتح المجال لسماع عزاء الله بدلًا من الغرق في
صدى آلامنا.
٣. في البحث عن الحق: العقل البشري له حدود، والسكوت أمام الله يعني
قبول أن الحقيقة النهائية تأتي منه هو، لا من جدلنا العقيم.
إذًا، دعوة أليهو
لأيّوب أن يسكت ليست أمرًا ثانويًا أو شخصيًا، بل هي محور لاهوتي وروحي عميق.
السكوت هنا هو مدخل الحكمة، ومفتاح العزاء، وبداية الإعلان الإلهي. السكوت يوقف
صخب الإنسان الداخلي ليترك مساحة لله كي يتكلم. وهكذا صار السكوت علامة التواضع،
وأساس الاستماع، وبوابة لظهور الله في عاصفة المجد فيما بعد، وبهذا نرى أن أليهو
لم يكن مجرد متكلم بين الأصحاب، بل كان صوتًا نبوياً يهيئ أيوب للقاء الحيّ
الأزلي.
-----------------------------------------
الفصل الثالث
لاهوت الألم في فكر أليهو
-----------------------------------------
1
لاهوت الألم في فكر أليهو
- الألم وسيلة للتأديب الإلهي (36:5–15)
ـ الله يعلّم بالتأديب - الألم كفرصة للتوبة والرجوع :
يظهر أليهو في
الأصحاحات الأخيرة من سفر أيوب كشخصية جديدة وسط الجدل الطويل بين أيوب وأصدقائه،
لم يكن ضمن الثلاثة الذين وبخهم الله في النهاية (أي ٤٢ : ٧) وهذا يميّز دوره
ويكشف أن كلامه له وزن خاص في العرض اللاهوتي للقصة، أليهو لم يتكلم بدافع العناد
أو الجدال، بل كمن يحمل حماسة شاب يشعر أن الصورة لم تكتمل وأن صوت الله لم يُسمع
بوضوح بعد، معتقده اللاهوتي الأساسي هو أن الألم لا يُفهم كضربة عشوائية أو كقصاص
قاسٍ، بل كأداة تربوية في يد الله يستخدمها ليفتح عيون الإنسان على طرقه، وليعيده
عن كبرياء القلب أو عن الانحراف، ومع ذلك أليهو لم يقل إن الله مصدر الشر أو المرض
ذاته، بل اعتبر أن الألم يدخل ضمن إطار الحكمة الإلهية التي تعمل بتقويم الإنسان،
دون أن يكون الله هو المُجَرِّب أو المؤذي، وهذا يتوافق مع تعليم العهد الجديد:
"الله غير مُجَرَّب بالشرور وهو لا يجرِّب أحدًا" (يعقوب ١ : ١٣).
- نظرة عامة على (أيوب ٣٦ :٥–١٥) :
في هذا المقطع
يقدّم أليهو تلخيصًا لاهوتيًا عميقًا، الله عادل عظيم في القدرة، لا يرفض البار
ولا يعضد الأشرار (٣٦ : ٥–٧) الله يرفع المساكين ويُجلسهم مع الملوك، لكنه أيضًا
يستخدم الألم ليكشف للإنسان خطاياه ويقوده للتوبة (٣٦ : ٨–١٠) إن أطاع الإنسان
التأديب دخل إلى حياة أفضل، وإن رفض قسى قلبه وضاع (٣٦ : ١١–١٢) الألم ليس نهاية
المطاف، بل وسيلة تربوية وتعليمية مرتبطة بالرحمة أكثر من كونها غضبًا، فالله
كعادل لا يرفض البار ولا يميل إلى الشرير (٣٦ : ٥–٧) يؤكد أليهو أن الله "قدير
لكنه لا يرذل أحدًا" (٣٦ : ٥) الفكرة هنا أن قدرة الله ليست قوة طاغية
بلا رحمة، بل قدرة مرتبطة بالعدالة، الله لا ينحاز للشرير ولا يترك البار، بل
بالعكس يحفظ حق المساكين ويرفعهم، هذه النقطة ضرورية لفهم الألم، لو كان الله
ظالمًا أو متحيزًا لكان الألم دليلًا على قسوته، لكن بما أن طبيعته عادلة ومحبّة،
فالألم لا بد أن يُقرأ من زاوية أخرى، كأداة تأديب وتعليم.
- الألم ليس انتقامًا بل وسيلة لتقويم السلوك :
خلافًا لأصدقاء
أيوب الذين فهموا معاناته كقصاص مباشر على خطاياه، يرى أليهو أن الألم أشبه بجرس
إنذار أو مدرسة تدريب، الهدف ليس الانتقام بل التوجيه والإصلاح. يقول في (٣٦ : ١٠)
"فَيُظْهِرُ لَهُمْ فِعْلَهُمْ وَمَعَاصِيَهُمْ أَنَّهُمْ تَجَبَّرُوا."
أي أن الألم يفضح الكبرياء المستتر ويدعو الإنسان للتوبة. بهذا يصبح الألم، في
منظور أليهو، علامة رحمة لأنه يكشف الخطر قبل أن يهلك الإنسان تمامًا، أصدقاء أيوب
ربطوا الألم مباشرة بالخطية، أيوب يتألم.. إذا أيوب شرير عندهم، كان الألم عقوبة
جزائية لا غير، أما أليهو فقد كسر هذا المنطق الجامد، فرأى أن الألم لا يعني
بالضرورة الشر الشخصي، بل قد يكون وسيلة لإصلاح المسار وتقويم الإنسان، بكلام
آخر.. ليس كل متألم خاطئ، لكن كل ألم يمكن أن يصير فرصة للتعلّم والرجوع، هذا
الاختلاف يفتح أفقًا لاهوتيًا جديدًا.. الألم أداة تعليمية، وليس سيف عدالة
عقابية.
لفهم عمق فكر
أليهو، نحتاج أن نتوقف عند كلمتين أساسيتين في النص "يؤدّب" في العبرية יסר تنطق Yāsar
ياسار وتعني يعلّم، يؤدب، يدرّب، يوجّه، الكلمة
تحمل معنى إيجابيًا أقرب للتربية منه إلى العقوبة، أشبه بما يفعله أب مع ابنه حين
يعلّمه طريق الاستقامة، الكلمى الثانية "ألم" מכאוב تنطق Mak’ov
مكأوف، تعني وجع، معاناة جسدية أو نفسية، الكلمة
تُستخدم لوصف الألم كحالة اختبار وضيق، لكنها لا تحمل بالضرورة معنى القصاص
القانوني، بل خبرة شخصية تُغيّر الداخل، إذًا من الناحية اللغوية، النص لا يقدّم
الألم كدينونة نهائية، بل كتجربة إصلاحية تهدف إلى "تشكيل"
الإنسان.
يتسع المعنى في
العهد الجديد ليصل إلى ذروته " لأنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ
يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ". (عب ١٢ : ٦) هنا نرى
الاستمرارية الألم لا يُقدَّم كعقاب نهائي، بل كوسيلة أبوية للتقويم. بل أن بولس
الرسول يقول " لأنَّ أُولئِكَ أَدَّبُونَا أَيَّامًا قَلِيلَةً حَسَبَ
اسْتِحْسَانِهِمْ، وَأَمَّا هذَا فَلأجْلِ الْمَنْفَعَةِ، لِكَيْ نَشْتَرِكَ فِي
قَدَاسَتِهِ. (عب ١٢ : ١٠) أي أن الألم يصير أداة تكوين القداسة، الفرق
الجوهري هو أن العهد الجديد يكشف أن الله ليس مصدر الشر أو التجارب، بل يستخدم حتى
الظروف الصعبة – التي قد تكون نتيجة خطايا بشر أو عمل عدو – كأداة للبنيان الروحي.
وهذا يتماشى تمامًا مع اعتقاد أليهو الله لا يجرب أحدًا بالشرور، لكنه لا يترك
الألم بلا معنى، بل يحوله إلى وسيلة تعليمية تأديبية مملوءة بالرحمة، بهذا يضع أليهو أساسًا لاهوتيًا فريدًا:
الألم وسيلة تأديب إلهي، لا مصدره الله بالشر ولا هدفه الانتقام، بل غايته الإصلاح والرجوع.
- الألم كفرصة للتوبة والرجوع (أيوب 36:8–12)
حين يقترب أليهو
من شرح معنى الألم، ينقل الحوار إلى مستوى جديد يختلف تمامًا عن منطق أصدقاء أيوب
الثلاثة. فبينما رآه الآخرون عقوبة جزائية على خطية واضحة، يراه أليهو نداءً
إلهيًا، دعوة شخصية من الله للإنسان كي يراجع مسيرته ويختبر عمق علاقته بخالقه، إن
الألم، في فكر أليهو، ليس نهاية، بل بداية. ليس دينونة، بل "فرصة ثانية"
(Second Chance) تُمنح للإنسان ليعود ويُسترد.
- يقول أليهو
" إِنْ أُوثِقُوا بِالْقُيُودِ، إِنْ أُخِذُوا فِي حِبَالَهِ الذُّلِّ،
فَيُظْهِرُ لَهُمْ أَفْعَالَهُمْ وَمَعَاصِيَهُمْ، لأنَّهُمْ تَجَبَّرُوا،
وَيَفْتَحُ آذَانَهُمْ لِلإنْذَارِ، وَيَأْمُرُ بِأَنْ يَرْجِعُوا عَنِ الإثْمِ.
إِنْ سَمِعُوا وَأَطَاعُوا قَضَوْا أَيَّامَهُمْ بِالْخَيْرِ وَسِنِيهِمْ
بِالنِّعَمِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا، فَبِحَرْبَةِ الْمَوْتِ يَزُولُونَ،
وَيَمُوتُونَ بِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ. (أى٣٦ : ٨-١٢) هذا النص يلخّص بدقة فكر أليهو: الألم
ليس غاية في ذاته، بل وسيلة يكشف الله بها للإنسان عن كبريائه وخطيته المستترة "
وَيَفْتَحُ آذَانَهُمْ لِلإنْذَارِ، وَيَأْمُرُ بِأَنْ يَرْجِعُوا عَنِ الإثْمِ
(أى ٣٦ : ١٠) وهنا يقف الإنسان أمام خيارين واضحين " إِنْ سَمِعُوا
وَأَطَاعُوا قَضَوْا أَيَّامَهُمْ بِالْخَيْرِ وَسِنِيهِمْ بِالنِّعَمِ وَإِنْ
لَمْ يَسْمَعُوا، فَبِحَرْبَةِ الْمَوْتِ يَزُولُونَ، وَيَمُوتُونَ بِعَدَمِ
الْمَعْرِفَةِ. (أى٣٦ : ١١-١٢) اليهو
يتكلم عن التأديب الإلهي كوسيلة لإعطاء الإنسان فرصة جديدة ليتوب ويرجع عن خطاياه،
فهو يعطيهم " Time of Mercy -
وقت رحمة " لأنه ايضا يقدم " Call to Return - نداء
للرجوع " فليس الهدف هو التأديب بل " יְשׁוּבוּ - yashuvu
ياشوفوا " وتعني يرجعوا - يتوبوا، فالله يريد من
الانسان أن ياشوفوا اي يعودوا اليه ويتوبوا، هذا المفهوم يفتح الباب
أمامنا بالرجاء، الله لا يتعامل مع الإنسان بمنطق القصاص الفوري، بل بمنطق الإصلاح
والاسترداد، التأديب لا يهدف إلى سحق الإنسان، بل إلى إيقاظه حتى في أقسى الظروف،
الألم يظل نداء إلهيًا للرجوع، مثلما نقرأ " هَلُمَّ نَرْجعُ إِلَى الرَّبِّ لأَنَّهُ
هُوَ افْتَرَسَ فَيَشْفِينَا، ضَرَبَ فَيَجْبِرُنَا. (هو ٦ : ١)
- مصادر الألم :
حتى نضع فكر أليهو في إطاره الأوسع، من المهم أن نميّز بين مصادر الألم:
١ - أنا: قراراتي الخاطئة أو سلوكي المتهور قد يقودني إلى نتائج مؤلمة " لا تَضِلُّوا! اَللهُ لا يُشْمَخُ عَلَيْهِ.
فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا. (غلا ٦ :
٧) يتحمل الإنسان مسؤولية ألمه الناتج عن اختياراته، لأن الحصاد مرتبط بالزرع
٢ - الآخر: ظلم الناس أو إساءتهم لي
قد تكون سببًا مباشرًا للألم. مثل ظلم إخوة يوسف " فَقَالَ يُوسُفُ لإخْوَتِهِ:
"تَقَدَّمُوا إِلَيَّ". فَتَقَدَّمُوا. فَقَالَ: "أَنَا يُوسُفُ
أَخُوكُمُ الَّذِي بِعْتُمُوهُ إِلَى مِصْرَ. وَالآنَ لا تَتَأَسَّفُوا وَلا
تَغْتَاظُوا لأَنَّكُمْ بِعْتُمُونِي إِلَى هُنَا، لأنَّهُ لاسْتِبْقَاءِ حَيَاةٍ
أَرْسَلَنِيَ الله قُدَّامَكُمْ. (تك ٤٥ : ٤-٥) ظلم الإخوة (بيع يوسف) كان
سببًا مباشرًا في ألمه ومعاناته، لكن الله حوَّل الألم إلى وسيلة لخطة أعظم.
٣ - إبليس: الكتاب يعلن بوضوح أن
إبليس هو العدو الذي يسعى لإيذاء الإنسان بكل الطرق الممكنة، مستخدمًا الناس أو
الظروف ليُسقط ويُحزن ويُهلك. اختبار أيوب كان أوضح مثال، حيث هاجمه إبليس مباشرة
يقول الكتاب: " فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ الرَّبِّ، وَضَرَبَ
أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ. (أى ٢ : ٧)
إبليس لا يهدف إلا للسرقة والقتل والهلاك " اَلسَّارِقُ لا يَأْتِي إِلا لِيَسْرِقَ
وَيَذْبَحَ وَيُهْلِكَ، وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ
وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ. (يو ١٠ : ١٠) لكن حتى هجماته تخضع في النهاية
لحدود سلطان الله وحكمته، لكن في كل هذه الحالات، يظل السؤال كيف أستجيب للألم؟ هل
أجعله يقودني إلى التذمر والرفض، أم أراه دعوة من الله لأقترب إليه أكثر؟ انت عليك
تقييم الامر والسير في رحاب الحق وكلمة الله كي لا تصدم او تتعب.
٤ - الطبيعة: الكوارث وضعف الجسد، الإنسان يعيش في عالم ساقط متأثر بالفساد والموت، لذلك يواجه أحيانًا
آلامًا ناتجة عن ضعف الجسد أو كوارث طبيعية. هذه ليست بالضرورة علامة على غضب
إلهي، بل نتيجة حتمية لطبيعة الخليقة الفاسدة، وأحيانًا بتأثير مباشر من عالم
الروح. يوضح الرسول بولس هذه الحقيقة قائلا " فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ
كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ. (رو ٨ : ٢٢) كما
يذكّرنا الكتاب أن الجسد البشري في طبيعته ضعيف وعرضة للألم " فَإِنَّنَا
نَحْنُ الَّذِينَ فِي الْخَيْمَةِ نَئِنُّ مُثْقَلِينَ، إِذْ لَسْنَا نُرِيدُ أَنْ
نَخْلَعَهَا بَلْ أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا، لِكَيْ يُبْتَلَعَ الْمَائِتُ مِنَ
الْحَيَاةِ. (٢كو ٥ : ٤) إذا الألم الناتج عن الطبيعة أو الجسد ليس بالضرورة
دينونة، بل هو جزء من واقع العالم الساقط الذي ينتظر فداء الخليقة.
- الألم ككشف للكبرياء والخطية المستترة
أليهو يقول
" فَيُظْهِرُ لَهُمْ أَفْعَالَهُمْ وَمَعَاصِيَهُمْ، لأَنَّهُمْ
تَجَبَّرُوا، (أى ٣٦ : ٩) هنا يبرز الدور العلاجي للألم إنه يكشف ما يختبئ في
الداخل، الخطايا التي قد يبررها الإنسان لنفسه أو يتهرب من مواجهتها، يكشفها
الألم، هذه ليست قسوة من الله، بل رحمة، لأنه ما لم تُكشف الخطية، لن يتم الشفاء،
ففي العهد الجديد نرى نفس الفكرة " وَمَتَى
جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى
دَيْنُونَةٍ: (يو ١٦ : ٨) الروح القدس يستخدم الألم وقتما يحدث كوسيلة
للتبكيت، لفتح العيون على الحاجة الحقيقية للنعمة.
- الاستجابة للتأديب :
الاستجابة هي
كلمة السر: " إِنْ سَمِعُوا وَأَطَاعُوا قَضَوْا أَيَّامَهُمْ بِالْخَيْرِ
وَسِنِيهِمْ بِالنِّعَمِ. (أى ٣٦ : ١١) الإستماع يعني الطاعة الداخلية،
والخدمة تعني تغيير الإتجاه في الحياة، ليس المقصود أن الطاعة تلغي الألم فورًا،
بل أنها تحوّله إلى قوة بنّاءة تُعيد تشكيل الحياة، أما رفض الإستماع يقود إلى عكس
ذلك " وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا، فَبِحَرْبَةِ الْمَوْتِ يَزُولُونَ،
وَيَمُوتُونَ بِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ (أى ٣٦ : ١٢) هذه ليست عقوبة، بل نتيجة
طبيعية للعناد. الإنسان الذي يرفض صوت الله يغلق على نفسه باب الحياة، ويفتح ابوابا
لارواح شريره وقيود ونقص الحمايه وهكذا.. .
- أمثلة كتابية حيّة :
- يوسف : " أَنْتُمْ
قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا، لِكَيْ يَفْعَلَ
كَمَا الْيَوْمَ، لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا. (تك ٥٠ : ٢٠) إخوة يوسف قصدوا
له شرًا، لكن الله حوّل الألم إلى أداة لخطة عظيمة، الألم لم يكن عقوبة، بل
استخدمها الله كوسيلة إلهية للإنقاذ.
- منسّى الملك " وَكَلَّمَ الرَّبُّ مَنَسَّى وَشَعْبَهُ
فَلَمْ يُصْغُوا. فَجَلَبَ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ رُؤَسَاءَ الجُنْدِ الَّذِينَ
لِمَلِكِ أَشُّورَ، فَأَخَذُوا مَنَسَّى بِخِزَامَةٍ وَقَيَّدُوهُ بِسَلاسِلِ
نُحَاسٍ وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى بَابِلَ. وَلَمَّا تَضَايَقَ طَلَبَ وَجْهَ
الرَّبِّ إِلهِهِ، وَتَوَاضَعَ جِدًّا أَمَامَ إِلهِ آبَائِهِ، وَصَلَّى إِلَيْهِ
فَاسْتَجَابَ لَهُ وَسَمِعَ تَضَرُّعَهُ، وَرَدَّهُ إِلَى أُورُشَلِيمَ إِلَى
مَمْلَكَتِهِ. فَعَلِمَ مَنَسَّى أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الله. (٢أخ٣٣ : ١٠-١٣)
انحرف منسّى وسقوطه في الوثنية، جلب عليه تأديب قاسٍ حين أُخذ أسيرًا إلى بابل،
هذا لأن مستوي الحماية الإلهية قل بسبب ابتعادة عن مصدر العلاقة الحقيقية مع الله،
لكن وسط الذلّ صرخ إلى الله بتوبة حقيقية، فعاد الله وقبله وأعاده إلى عرشه.
- الابن الضال (لو 15): الألم الذي واجهه
وهو يرعى الخنازير لم يكن نهاية، بل بابًا مفتوحًا للعودة، إنها الفرصة الثانية
التي حوّلت الهلاك إلى حياة جديدة.
- التوازن اللاهوتي :
من المهم أن
نوضح، كما أشرت سابقًا – أن الله ليس مصدر الألم، هو لا يجرب أحدًا بالشرور (يع ١
: ١٣ ) لكنه بحكمته يستخدم ما يأتي به الواقع – سواء من الانسان ذاته أو الآخرين
أو إبليس أو الطبيعة – ليحوّله إلى نداء، إلى فرصة استرداد، هذا ما يجعل فكر أليهو
متوازنًا، الألم ليس نهاية، بل وسيلة لتجديد العهد بين الإنسان والله، بهذا نرى أن
أليهو قدّم منظورًا فريدًا، الألم ليس نقمة بل نداء. ليس قصاصًا، بل فرصة ثانية. هذه
الرؤية فتحت أمام أيوب – وأمام كل قارئ للسفر – نافذة جديدة على رحمة الله
العجيبة، التي لا تترك الإنسان في ظلام التجربة، بل تضيء له طريق الرجوع.
- الألم طريق إلى معرفة أعمق بالله (أيوب ٣٦ : ١٣–١٥) :
يستكمل أليهو
حديثه في أيوب ٣٦ ليقدّم زاوية ثالثة في لاهوت الألم، وهي أن الألم لا يقتصر على
كونه تأديبًا أو فرصة ثانية، بل هو أيضًا طريق إلى معرفة أعمق بالله، المعرفة هنا
ليست فكرية مجردة أو نظرية لاهوتية باردة، بل هي خبرة وجودية حيّة، تُكتسب في أتون
التجربة حيث تنكسر قساوة القلب وتُفتح الأذن الداخلية لسماع صوت الله، يقول " أَمَّا فُجَّارُ الْقَلْبِ فَيَذْخَرُونَ
غَضَبًا. لا يَسْتَغِيثُونَ إِذَا هُوَ قَيَّدَهُمْ. تَمُوتُ نَفْسُهُمْ فِي
الصِّبَا وَحَيَاتُهُمْ بَيْنَ الْمَأْبُونِينَ. يُنَجِّي الْبَائِسَ فِي ذِلِّهِ،
وَيَفْتَحُ آذَانَهُمْ فِي الضِّيقِ. (أى٣٦ :
١٣-١٥) هنا نوعين من البشر يدخلون في الألم وقد تكون بنفس المقدار والكيفية.
- الفجّار: يقابلون الألم بالرفض
والعناد فيدّخرون غضبًا لأنفسهم، ويموتون بغير رجاء ( ١٣ - ١٤ )
- الأبرار أو البائسون المنكسرون: يرون في الألم طريق خلاص، إذ "يُنَجِّي الْبَائِسَ فِي ذُلِّهِ"
( ١٥)
- إذا الاستجابة للألم تحدد المسار: هل يتحوّل الألم إلى طريق هلاك، أم إلى باب خلاص؟
- الفرق بين تجاوب "البار" و"الفاجر" أليهو يرسم
بوضوح لاهوت الحرية الإنسانية وسط الألم. فالإنسان ليس مجرد ضحية للظروف، بل أمامه
خيار وجودي:
الفاجر: يرفض أن يرى في الألم نداءً إلهيًا، فيزداد
قساوة قلبه. وكلمة "فجّار" بالعبرية חָנֵף (ḥānef) تعني المنافق أو المدّعي،
أي الذي يعيش بانفصال عن الحق. مثل هؤلاء لا يصرخون إلى الله ( ١٣ ) فينتهي بهم
الطريق إلى الموت المبكر، ليس بالضرورة زمنيًا فقط، بل روحيًا أيضًا.
البار أو البائس: كلمة "بائس"
بالعبرية עָנִי (ʿānî) تحمل معنى المتضع أو المسكين. هؤلاء ينكسرون تحت
الألم، لكن في انكسارهم يختبرون حضور الله القريب، الألم عندهم لا يغلق القلب بل
يفتحه، لا يُميت بل يُحيي.
- الألم ككسر لقساوة القلب :
واحدة من أخطر
ثمار الخطيئة هي قسوة القلب. القلب المتحجّر لا يسمع ولا يستجيب. لكن الألم يأتي
كأداة لكسر هذا التحجّر. يقول: "يَفْتَحُ آذَانَهُمْ فِي الضِّيقِ"
( ٣٦ : ١٥ ) الألم هنا لا يُفهم كعقوبة، بل كأداة لفتح الأذن الروحية. كما يقول "
خَيْرٌ لِي أَنِّي تَذَلَّلْتُ لِكَيْ أَتَعَلَّمَ فَرَائِضَكَ. (مز ١١٩ :
٧١) فبدون الذلّ والضيق، قد يبقى القلب في كبريائه غافلًا عن صوت الله.
ـ يُخَلِّصُ الْبَائِسَ فِي ذُلِّه :
هذه العبارة
المفتاحية تلخّص فكر أليهو الخلاص لا يأتي بالرغم من وجود الألم، بل أحيانًا من
خلال الألم ذاته يأتي الخلاص كما في قصة يوسف فلولا اجتيازه للألام كان لن يصير
يوسف الذي بقي عليه، كلمة "يخلّص" بالعبرية מוֹשִׁיעַ (Moshi’a) مرتبطة باسم "يسوع"
(Yeshua)، أي "الله يخلّص". الخلاص هنا لا يعني
بالضرورة رفع التجربة، بل إدخال الإنسان في عمق جديد من علاقة العهد مع الله، أيوب
نفسه سيتحوّل من معرفة نظرية عن الله إلى معرفة خبرة حيّة، كما سيقول لاحقًا:
"بِسَمْعِ الأذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي"
(أي ٤٢ : ٥) الهدف النهائي للألم ليس مجرد التوبة عن خطية، بل المعرفة الأعمق
بالله، في البداية، أيوب كان يتجادل مع أصدقائه حول عدالة الله، أي على المستوى
النظري، لكن عبر الألم الطويل، ينضج ويدخل إلى إدراك جديد: الله ليس موضوع نقاش،
بل شخص يُختَبَر ويُرى، أليهو بهذا يمهّد الطريق للتحوّل النهائي في أصحاحات ٣٨ – ٤٢
حيث يواجه أيوب حضور الله مباشرة.
في العهد الجديد
يتجلى هذا الفكر بأوضح صورة في المسيح "تعلّم الطاعة مما تألم به"
(عب ٥ : ٨) المسيح بلا خطية، ومع ذلك صار الألم طريقًا لإعلان طاعته الكاملة للآب،
هذا يضع الألم في بُعد جديد، وسيلة للشركة مع قلب الله نفسه، في الصليب، الألم
يصبح ذروة الإعلان الإلهي، ليس مجرد تجربة شخصية، بل طريق الخلاص للعالم كله،
الصليب هو النقطة التي يلتقي فيها الألم البشري مع محبة الله المطلقة، إذا ما
أعلنه أليهو بشكل تمهيدي في أيوب ٣٦ يجد إتمامه الكامل في المسيح المصلوب والقائم.
عندما نعود إلى حياتنا اليومية، نجد أنفسنا نطرح أسئلة مشابهة لأسئلة أيوب،
لماذا يحدث هذا؟ ما معنى ما أمرّ به؟ وهنا يقدم فكر أليهو بُعدًا رعويًا عميقًا،
الألم ليس علامة رفض إلهي، بل قد يكون إعلانًا عن قرب الله ورعايته - الاستجابة أهم من السبب:
ليس المهم من أين جاء الألم من نفسي، من الآخرين، من إبليس، من الطبيعة ؟ بل كيف أستجيب له؟ - الألم فرصة للشركة كما تعلّم المسيح الطاعة مما تألم به، نحن أيضًا نتعلّم أن نثق ونسلم أنفسنا لله من خلال الضيق - الألم ليس الكلمة الأخيرة لأننا ننظر إلى الصليب والقيامة،نعلم أن كل ألم في المسيح يحمل بذار رجاء.
لذلك عليك معرفة أن اليهو قدّم في أصحاح ٣٦ رؤية لاهوتية متكاملة عن الألم :
أولًا: وسيلة للتأديب الإصلاحي، لا للانتقام.
ثانيًا: فرصة ثانية للتوبة والرجوع.
ثالثًا: طريق إلى معرفة أعمق بالله.
وفي ضوء العهد الجديد، نرى أن ما لمح إليه أليهو تحقق بالكامل في المسيح:
الألم لم يعد مجرد تجربة شخصية، بل صار صليبًا، ( اي رسالة عمليه ) والصليب صار
إعلانًا نهائيًا عن حب الله وخلاصه. وهكذا يتحول الألم من لغز محير إلى باب مفتوح
على سرّ العلاقة بالله.
مقارنة بين نظرة أيوب والأصدقاء وأليهو (٣٤ : ٥–١٢ و ٣٥ : ٩–١٦) :
إحدى أهم مزايا
سفر أيوب أنه لا يقدّم لنا سردًا أحادي الجانب لمعنى الألم، بل يعرض أمامنا لوحة
كاملة من الأصوات المتنوعة، صوت أيوب المتألم، أصوات الأصدقاء الثلاثة، وصوت
أليهو. كل طرف ينطق من موقعه الخاص، بزاوية رؤية محدودة أو أوسع، والمقارنة
بين هذه الأصوات ليست تكرارًا، بل خطوة جوهرية لفهم البعد الروحي في النص، لأن من خلال
هذه المقارنة نستطيع أن نميّز الهويّة الروحية لكل طرف، هل يتكلّم من منطلق الخبرة
الشخصية؟ من تقليد موروث؟ أم من استنارة بنور الله؟
١ - أيوب: الألم كظلم لا مبرر له :
يقول أيوب "
"لأنَّ أَيُّوبَ قَالَ: تَبَرَّرْتُ، وَالله نَزَعَ حَقِّي. عِنْدَ
مُحَاكَمَتِي أُكَذَّبُ. جُرْحِي عَدِيمُ الشِّفَاءِ مِنْ دُونِ ذَنْبٍ. (أى٣٤
: ٥-٦) أيوب هنا يعبّر عن إحساس داخلي
عميق بالظلم. إنه لم يخطئ خطية تستحق هذه الكارثة، ومع ذلك انهارت حياته كلها،
شعوره طبيعي ومشروع أن يترجم أحداثه بحسب وعيه وظروفه، لذلك يستخدم أسلوب الدفاع،
يقدّم نفسه كإنسان بار، يثبت حقه، ويصرخ لإعلان الحقيقة أمام الله والناس، لكن هذا
الدفاع رغم صدقه الإنساني، يكشف محدودية رؤيته، أيوب يرى الأمور فقط من زاوية
ذاتية، لم يستطع أن يرى بعد المعنى الأوسع للألم، أو أن يدرك أن ما يمر به قد يكون
له بُعد تربوي أو كشف إلهي.
٢ - الأصدقاء - الألم كعقوبة جزائية :
على النقيض -
الأصدقاء الثلاثة (أليفاز، بلدد، وصوفر) اعتمدوا على منطق
تقليدي متوارث "الله عادل، والله يجازي كل واحد بحسب أعماله،
إذًا أيوب لا بد أنه أخطأ، يتحدث أليهو كاشفًا عن فكرهم " "لأجْلِ ذلِكَ اسْمَعُوا لِي يَا ذَوِي
الأَلْبَابِ. حَاشَا لِلهِ مِنَ الشَّرِّ، وَلِلْقَدِيرِ مِنَ الظُّلْمِ. لأنَّهُ
يُجَازِي الإِنْسَانَ عَلَى فِعْلِهِ، وَيُنِيلُ الرَّجُلَ كَطَرِيقِهِ. فَحَقًّا
إِنَّ الله لا يَفْعَلُ سُوءًا، وَالْقَدِيرَ لا يُعَوِّجُ الْقَضَاءَ. (أى٣٤
: ١٠-١٢) هم يربطون الألم مباشرة بالخطية،
العقوبة نتيجة، والنتيجة دليل على السبب، هذه النظرة تجعلهم يهاجمون أيوب بلا
رحمة، ويحوّلون الحوار إلى محاكمة قاسية، بدلًا من أن يكون عزاءً أو مشاركة
إنسانية، خطأ الأصدقاء أنهم اختزلوا الألم في بعد واحد - العقوبة، لم يسمحوا
لأنفسهم أن يصغوا، لم يبحثوا عن الحقيقة، بل اكتفوا بإسقاط نموذج جاهز على حالة
أيوب، الخطيئة = عقاب، البر = نجاح.
٣ - أليهو: الألم كتأديب وتعليم :
على خلاف
الطرفين، يأتي أليهو (أيوب ٣٥ : ٩–١٦؛ ٣٦ :٥–١٥) ليقدّم رؤية أعمق: الألم ليس
بالضرورة عقوبة، بل قد يكون تأديبًا وتعليمًا، يقول " وَلَمْ يَقُولُوا:
أَيْنَ الله صَانِعِي، مُؤْتِي الأغَانِيِّ فِي اللَّيْلِ، (أى ٣٥ : ١٠) أي أن
الإنسان غالبًا يصرخ في الضيق لكنه لا يسأل، ما الذي يريد الله أن يعلّمه لي من
خلال هذا الألم؟ وفي (أي ٣٦ : ١٠) يضيف: " وَيَفْتَحُ آذَانَهُمْ
لِلإنْذَارِ، وَيَأْمُرُ بِأَنْ يَرْجِعُوا عَنِ الإثْمِ. " إذا بالنسبة
لأليهو، الألم هو نداء نعمة، الله يستخدمه ليكسر قساوة القلب، ليكشف عن الكبرياء
المستتر، وليفتح الطريق أمام التوبة والرجوع، هو لا يرى الألم بعين الجسد أو
المنطق البشري، بل بعين النعمة والواقع الروحي.
أليهو يتفرد هنا: هو لا يدافع عن نفسه مثل
أيوب - ولا يهاجم الآخرين مثل الأصدقاء - بل يوجّه النظر إلى الله، معلنًا أن
الألم قد يحمل دعوة للتصحيح والإصلاح، لا دينونة قاسية ولا ظلمًا عشوائيًا.
٤ - الفروق الجوهرية بين المواقف الثلاثة :
أيوب: الألم ظلم، رد فعل دفاعي، يطالب بالحق،
التركيز على ذاته.
الأصدقاء: الألم عقوبة، رد فعل هجومي، يتهمون أيوب،
التركيز على العقيدة التقليدية.
أليهو: الألم تأديب وتعليم، رد فعل إرشادي، يقدّم
منظور النعمة، التركيز على قصد الله الإصلاحي.
هذه الفروق تكشف
لنا أن الهوية الروحية لكل شخص تنعكس في موقفه من الألم - الإنسان الطبيعي يصرخ
بالظلم - الإنسان الديني التقليدي يفسّر بالعقوبة - الإنسان المستنير بنعمة الله
يرى في الألم مدرسة للتشكيل والنضج.
٥ - دعوة للقارئ نحو حياة الاستيقاظ :
هنا تبرز الرسالة
العملية لنا اليوم، كيف ننظر إلى آلامنا؟ هل نراها ظلمًا بلا معنى؟ هل نفسرها
كقصاص ميكانيكي؟ أم نسمح للنعمة أن تفتح أعيننا فنرى فيها صوت الله يدعونا للرجوع؟
الألم، بحسب فكر أليهو، ليس نهاية بل بداية، هو ليس طريق اليأس، بل طريق الاستيقاظ
الروحي. حين نتجاوب مع الألم بروح التواضع والبحث عن قصد الله، يتحوّل من جرح إلى
نعمة، ومن عثرة إلى باب معرفة، يقول بولس في العهد الجديد "لأنَّ خِفَّةَ
ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ
أَبَدِيًّا" (2كو ٤ : ١٧). هذا بالضبط ما ألمح إليه أليهو: الألم الذي نعيشه
الآن قد يكون طريقًا إلى استعلان أعظم لمجد الله في حياتنا، إذا دعوة النص لنا أن
نعيش حياة الاستيقاظ الروحي، أن نفحص قلوبنا بدلًا من أن ندافع بلا نهاية، أن نرفض
أن نكون مثل الأصدقاء، نحكم وندين بلا بصيرة، أن نتبنى فكر النعمة، فنرى في الألم
يد الله المربّية التي تدعونا إلى عمق جديد معه.
المقارنة بين أيوب وأصدقائه وأليهو ليست مجرد تحليل تاريخي، بل هي مرآة نرى
فيها أنفسنا. هل نحن في موقع أيوب المدافع؟ أم في موقع الأصدقاء المهاجمين؟ أم في
موقع أليهو الذي يتكلم بروح الاستنارة؟ الاختيار مطروح أمام كل قارئ، أن يبقى في
دوامة الظلم، أو في قساوة الحكم، أو أن ينفتح على صوت الله في الألم فيعيش حياة
الاستيقاظ، حيث يتحول الضيق إلى مدرسة رجاء، والوجع إلى فرصة لاكتشاف محبة الله من
جديد.
-----------------------------------------
الفصل الرابع
عدل الله وحقه المطلق
-----------------------------------------
1
تبرير الله أولًا قبل تبرير الإنسان
(٣٤ : ١٠–٣٠)
يُعتبر خطاب
أليهو في هذا الجزء من سفر أيوب، بمثابة إعلان لاهوتي عميق عن عدل الله وحقه
المطلق، إذ ينقل النقاش من دائرة الجدل الشخصي بين أيوب وأصدقائه إلى مستوى أسمى،
مستوى الله نفسه. هنا يتضح أن القضية الجوهرية ليست "هل أيوب بار؟"
أو "هل أصابته الضيقات ظلمًا؟" بل السؤال المركزي، هل الله
عادل أم لا؟
١- تبرير الله أولًا قبل تبرير الإنسان : منذ بداية كلامه، يوجّه أليهو تحذيرًا صارمًا " لأجْلِ ذلِكَ
اسْمَعُوا لِي يَا ذَوِي الألْبَابِ. حَاشَا لِلهِ مِنَ الشَّرِّ، وَلِلْقَدِيرِ
مِنَ الظُّلْمِ. (أى ٣٤ : ١٠) قوله "يا ذوي الألباب" أي يا أصحاب
العقول الواعية والقلوب الفاهمة، أي الذين لديهم حكمة تُمكّنهم من التمييز بين
الحق والباطل، هنا يضع أليهو القاعدة الأساسية، قبل أن يبرر الإنسان نفسه أو يدافع
عن براءته، عليه أن يبرر الله أولًا. لأن برّ الله هو الأصل، ومنه تُقاس كل معايير
العدل والحق، (أيوب) في دفاعه عن نفسه، كان يلمّح أحيانًا إلى أن الله
يعامله بغير إنصاف، (الأصدقاء) في هجومهم، جعلوا الله يبدو كديّان قاسٍ
يبطش بمن يخطئ، أما (أليهو) فأعاد ترتيب الأولويات، الله لا يُقاس بعدل
الإنسان، بل الإنسان يُقاس بعدل الله، هذه النقلة اللاهوتية أساسية، الله ليس
موضوع اتهام أو تقييم، بل هو الميزان المطلق الذي تُوزن عليه أفعال البشر
وأفكارهم.
٢- الله لا يجور : أليهو يعلن بشكل قاطع " لأنَّهُ
يُجَازِي الإنْسَانَ عَلَى فِعْلِهِ، وَيُنِيلُ الرَّجُلَ كَطَرِيقِهِ. (أى ٣٤
: ١١) يقدم أساسًا منطقيًا ولاهوتيًا، الله لا يمكن أن يظلم لأنه القدير، ومصدَر
كل عدل، الله لا يحتاج أن يجور على أحد ليحقق مصالحه، لأنه مكتفٍ بذاته، إن جازى
الإنسان، فذلك بحسب أعماله واختياراته، إذًا الظلم مستحيل في حق الله. فالإنسان قد
يخطئ في الحكم، أو ينحاز لمصالحه، أو يظلم دون أن يدري، أما الله فصفاته الكاملة
تمنع عنه كل ميل إلى الشر أو الانحراف عن العدل، يقول أليهو " مَنْ
وَكَّلَهُ بِالأَرْضِ، وَمَنْ صَنَعَ الْمَسْكُونَةَ كُلَّهَا؟ إِنْ جَعَلَ
عَلَيْهِ قَلْبَهُ، إِنْ جَمَعَ إِلَى نَفْسِهِ رُوحَهُ وَنَسَمَتَهُ، يُسَلِّمُ
الرُّوحَ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا، وَيَعُودُ الإنْسَانُ إِلَى التُّرَابِ.
(أى٣٤ : ١٣-١٥) بهذه الكلمات يذكّر أليهو
المستمعين بأن الله هو المالك المطلق للحياة، فبما أنه الخالق، فهو وحده صاحب الحق
في أن يدين، وجود الإنسان نفسه قائم على نفخة من روح الله، فكيف يُتَّهم هذا الإله
بالظلم؟ أليهو يرسم صورة الله كديّان مطلق، لا يخضع لمحاسبة من أحد، لأنه لا يوجد
من هو أعلى منه - لا يحابي الوجوه " الَّذِي
لاَ يُحَابِي بِوُجُوهِ الرُّؤَسَاءِ، وَلاَ يَعْتَبِرُ مُوسَعًا دُونَ فَقِيرٍ.
لأَنَّهُمْ جَمِيعَهُمْ عَمَلُ يَدَيْهِ. (أى ٣٤ : ١٩) يملك السلطة أن يُميت
أو يحيي، أن يعزّ أو يذلّ، دون أن يكون في ذلك ظلم، لأن كل شيء خاضع لسيادته.
٣ - العدل الإلهي كضمان للاستقامة : يرى أليهو أن إدراك عدل الله يجب أن يكون بمثابة دافع للاستقامة لا سببًا
للتذمر. فالله " يُحَطِّمُ
الأَعِزَّاءَ مِنْ دُونِ فَحْصٍ، وَيُقِيمُ آخَرِينَ مَكَانَهُمْ. (أى ٣٤ :
٢٤) ما يعني أن سلطانه لا يُقهر، وأنه يُجري العدل حتى مع العظماء والحكّام، إذا
لا عذر للإنسان أن يتذمر على أفعاله أو يشكك في طرقه، لأن ما يحكم به الله، يحكم
به بناءً على معرفة كاملة بالخفاء والعلن "
لكِنَّهُ يَعْرِفُ أَعْمَالَهُمْ، وَيُقَلِّبُهُمْ لَيْلاً
فَيَنْسَحِقُونَ. (أى ٣٤ : ٢٥) وكما اوضحت أن الألم والضيق لا يشترك فيها
الله، بل اعطيت لبني البشر وطريقة حياتهم ومقدار تفاعل عالم الروح والطبيعة معهم،
أليهو لم يقف عند حدّ الفكر اللاهوتي عن عدل الله، بل أراد أن يحوّل هذه الحقيقة
إلى أسلوب حياة عملية، فهو يذكّر أيوب أن عدل الله ليس فكرة فلسفية، بل دعوة
للإنسان أن يسلك باستقامة، يتوب عن خطيته، ويخضع لله الذي لا يُظلم أحد أمامه،
فالله عادل، فعلى الإنسان أن يعيش باستقامة أمامه " فَحَقًّا إِنَّ اللهَ
لاَ يَفْعَلُ سُوءًا، وَالْقَدِيرَ لاَ يُعَوِّجُ الْقَضَاءَ. (أى ٣٤ : ١٢)
العدالة الإلهية تعني أن طرق الله مستقيمة تمامًا، ولهذا يدعو المؤمن أن يحيا في
مخافة الله. كما يقول ميخا " قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا
هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلا أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ
وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلهِكَ. (مى ٦ : ٨)
الله لا يظلم، فعلى الإنسان أن يتوب لا أن يحتج، فالاعتراض على طرق الله لا يغير
شيئًا، بل التوبة هي الطريق. " وَيَفْتَحُ آذَانَهُمْ لِلإِنْذَارِ،
وَيَأْمُرُ بِأَنْ يَرْجِعُوا عَنِ الإِثْمِ. (أى ٣٦ : ١٠) هذه النظرة تؤكد أن
الضيق ليس لإسقاط الإنسان بل لإعادته، وكما قال بولس " أَمْ تَسْتَهِينُ
بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ
الله إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟ (رو ٢ : ٤) الله ديان مطلق، فلا
مهرب إلا الخضوع له، يعلن أليهو أن كل البشر تحت سلطان الله: " الَّذِي لا
يُحَابِي بِوُجُوهِ الرُّؤَسَاءِ، وَلا يَعْتَبِرُ مُوسَعًا دُونَ فَقِيرٍ.
لأنَّهُمْ جَمِيعَهُمْ عَمَلُ يَدَيْهِ. (أى ٣٤ : ١٩) والرب يسوع نفسه قال: "
وَلا تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلكِنَّ النَّفْسَ لا
يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا، بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ
أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ. (مت ١٠ : ٢٨)
إذًا ما يريده أليهو هو تغيير السؤال من "لماذا سمحت يا رب؟" إلى
"ماذا تريد أن تعلمني يا رب من خلال هذا؟" هنا يتحول الألم من
منصة اتهام لله إلى منبر توبة ونمو للإنسان، فيتعلم أن ينظر إلى الضيقة كأداة
تشكيل إلهي تقوده إلى حياة أعمق مع الله..
٤ - بُعد مسيحي في لاهوت العدل : في العهد الجديد يتجلى هذا الإعلان في أبهى صوره على الصليب. فالله العادل
لم يتغاضَ عن الخطية، بل حملها المسيح على عاتقه. وهكذا التقى العدل والرحمة في
ذروة واحدة " لأنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً
لأجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ الله فِيهِ. (٢كو ٥ : ٢١) على الصليب نرى
أن الله لم يتنحي عن اتمام العمل، بل قبل العدل المطلق للأب واتم الفداء، وبالتالي
ففكر أليهو عن عدل الله كان بمثابة تمهيد لفهم أعمق ظهر بكماله في شخص المسيح، ذلك
يدعونا العيش في الاستيقاظ الروحي، إن رسالة أليهو لا تزال حية، لا تدافع عن نفسك
أكثر من اللازم، بل برّر الله أولًا، لا تنظر إلى ضيقاتك كظلم إلهي، بل كتأديب
وتشكيل، لا تنسَ أن الله عادل، وديّان مطلق، فلا تهرب من صوت التوبة، إدراك عدل
الله وحقه المطلق ليس مجرد عقيدة، بل هو أسلوب حياة يقود إلى الاستيقاظ الروحي
والعيش بضمير مستقيم أمام الله.
2
مفهوم العدالة الإلهية عند أليهو
(أيوب 35:1–8)
يُعتبر خطاب أليهو في الأصحاح ٣٥ من سفر أيوب حلقة هامة في سلسلة دفاعه عن
عدل الله وحقه المطلق. بينما انشغل أيوب في جداله مع أصحابه بالدفاع عن نفسه
وتبرير برّه، وجعل نفسه في موضع المقارنة مع الله، جاء أليهو ليُعيد النقاش إلى
محوره الأساسي، الله عادل في ذاته، ولا يمكن أن يُقاس عدله ببرّ الإنسان أو بخطيته،
في هذا الإصحاح، يوضح أليهو أن برّ الإنسان أو إثمه لا يغيّران في كيان الله
شيئًا، بل تأثيرهما ينعكس على الإنسان نفسه وعلى من حوله، بهذا يقدّم أليهو مبدأً
لاهوتيًا جوهريًا، تبرير الله قبل الإنسان، وثبات عدالته مهما تغيّرت أحوال البشر.
أولًا: تبرير الله قبل الإنسان :
منذ البداية، يضع أليهو خطًا أحمر أمام أيوب وأمام المستمعين جميعًا، الله
لا يُحاكَم بميزان الإنسان، بل الإنسان هو الذي يُوزن بميزان الله، يقول "
"لأجْلِ ذلِكَ اسْمَعُوا لِي يَا ذَوِي الألْبَابِ. حَاشَا لِلهِ مِنَ
الشَّرِّ، وَلِلْقَدِيرِ مِنَ الظُّلْمِ. (أى ٣٤ : ١٠) أي أن الظلم منفيّ
تمامًا عن طبيعة الله، فالله ليس مجرد ديّان يحكم حسب الظروف، بل هو مصدر العدل
نفسه، ولهذا يستحيل أن ينسب إليه شر أو جور، بولس الرسول التقط هذه الحقيقة ذاتها
حين كتب: " حَاشَا! بَلْ لِيَكُنِ الله صَادِقًا وَكُلُّ إِنْسَانٍ
كَاذِبًا. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: "لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي كَلامِكَ،
وَتَغْلِبَ مَتَى حُوكِمْتَ" (رو ٣ : ٤) فالله لا يحتاج إلى شهادة بشرية
ليُثبت برّه، بل كل إنسان إن حاول أن يدين الله أو يتهمه بالظلم، فهو يثبت كاذبًا
بالضرورة، لأن الله هو الحق المطلق، ويزيد الله بنفسه الأمر وضوحًا حين يواجه أيوب
قائلا " لَعَلَّكَ تُنَاقِضُ حُكْمِي، تَسْتَذْنِبُنِي لِكَيْ تَتَبَرَّرَ
أَنْتَ؟ (أى ٤٠ : ٨) هذا السؤال الإلهي يكشف جوهر القضية: لا يجوز للإنسان أن
يتبرر على حساب عدالة الله، ولا أن يجعل الله موضع اتهام كي يظهر هو بارًا، هنا
نصل إلى المبدأ الأساسي الذي يطرحه أليهو: قبل أن يبحث الإنسان عن تبرير نفسه،
عليه أن يبرر الله أولًا.
ثانيًا: برّ الإنسان لا يغيّر الله :
من أبرز أفكار
أليهو " اُنْظُرْ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَأَبْصِرْ، وَلاَحِظِ الْغَمَامَ.
إِنَّهَا أَعْلَى مِنْكَ. إِنْ أَخْطَأْتَ فَمَاذَا فَعَلْتَ بِهِ؟ وَإِنْ
كَثَّرْتَ مَعَاصِيَكَ فَمَاذَا عَمِلْتَ لَهُ؟ إِنْ كُنْتَ بَارًّا فَمَاذَا
أَعْطَيْتَهُ؟ أَوْ مَاذَا يَأْخُذُهُ مِنْ يَدِكَ؟ لِرَجُل مِثْلِكَ شَرُّكَ،
وَلابْنِ آدَمٍ بِرُّكَ. (أى٣٥ : ٥-٨) أنه ينفي أي تأثير مباشر لبرّ الإنسان
أو لإثمه على الله من جهة طبيعته أو قداسته، يقول " إن كانت خطاياك كثيرة،
فهي لا تُنقص من الله شيئًا. وإن كنت بارًا، فهذا لا يضيف إلى الله كمالًا جديدًا
" الله كامل في ذاته، مستقل عن البشر، لا يتوقف وجوده أو كماله على سلوكهم.
الخطية تُفسد الإنسان نفسه وتدمّر علاقاته، لكنها لا تنقص من كمال الله - البرّ ينفع صاحبه ومن حوله، لكنه لا يزيد من برّ الله، هذه الحقيقة تحمل
بُعدًا فكريا عميقًا " الله ليس إلهًا محتاجًا يكمّل نقصه ببرّ الإنسان،
ولا إلهًا مهددًا تضعفه خطايا البشر. بل هو الله القدير الذي.. لا يتغير"
هذا ما اعلنه بالرح الرسول يعقوب " كُلُّ
عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ
مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ
دَوَرَانٍ. (يع ١ : ١٧) بهذا المعنى، يقطع أليهو الطريق على أيوب الذي كان
يميل أحيانًا للتفكير أن برّه يجب أن يجلب له معاملة خاصة من الله. فالعدل الإلهي
لا يقوم على صفقات "أنا بار، إذا أستحق راحة وازدهارًا". بل
العدل الإلهي قائم على أمانة الله لذاته ولشريعته ولحقه المطلق.
ثالثًا: عدل الله ثابت لا يتزعزع :
يؤكد أليهو أن
عدل الله ثابت لأنه منبثق من طبيعته الإلهية. الله لا يحتاج أن يظلم أو أن يحابي
ليحفظ سلطانه، فهو مالك الكل، وصانع الكل، ولا أحد فوقه، فطما قال ارميا " مَنْ
ذَا الَّذِي يَقُولُ فَيَكُونَ وَالرَّبُّ لَمْ يَأْمُرْ؟ (مرا ٣ : ٣٧) هذا
الإعلان يضع الإنسان أمام حقيقة سيادة الله، لا شيء يحدث خارج إرادته، ولا قرار
يُنفَّذ إن لم يكن هو الديّان العادل الذي سمح به، إذًا، عدل الله ليس عرضة
لتقلبات التاريخ أو مزاج الحكام أو حتى صلوات الناس بمعنى الضغط عليه لتغيير
طبيعته، نعم، الله يستجيب للصلاة، لكن استجابته دائمًا تأتي منسجمة مع عدله
ورحمته، وليست خضوعًا لجدل الإنسان أو مساومته.
رابعًا: العدالة الإلهية في مقابل التفكير البشري :
كان أيوب يميل
إلى التفكير أن ما يمر به ظلمٌ، لأنه قاس حالته بمعيار بشري: "أنا بار، إذا
لا أستحق الألم." لكن أليهو يُذكّره أن الله لا يُقاس ببرّ الإنسان، بل
العكس، فحين يرى الإنسان الضيق، يميل إلى اتهام الله، بينما المطلوب هو أن يراجع
الإنسان نفسه أولًا، أليهو هنا يُدخل أيوب في دائرة أوسع، الله ليس مسؤولًا أمام
البشر ليشرح لهم كل أفعاله، بل البشر هم الذين يجب أن يخضعوا لله باعتباره الديّان
العادل المطلق، فإعلان أليهو ليس مجرد مناظرة لاهوتية، بل يحمل تطبيقًا عمليًا، برّ
الإنسان ينفعه هو ومن حوله، فيدفعه للسلوك في الاستقامة والرحمة، خطية الإنسان
تؤذيه هو وتدمّر علاقاته، فتجعل حياته مليئة بالاضطراب، إذًا العدالة الإلهية دعوة
للحياة المستقيمة، وليست حجة للتذمر أو للجدال مع الله، الله لا يتغيّر، لكن
الإنسان مدعو أن يتغير أمام عدل الله.
يتجلّى إعلان
أليهو عن عدالة الله في العهد الجديد بشكل أبهى. فالله الذي لا يتغير، أعلن عدله
ورحمته معًا في الصليب، بولس يقول: " لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ
خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ. (٢كو ٥
: ٢١) الله لم يساوم على عدله، بل أوفى به بالكامل، لكنه في الوقت نفسه فتح باب
الرحمة والخلاص، فعدله ثابت ورحمته عاملة، وكلاهما التقيا في الصليب.
- مفهوم العدالة الإلهية عند أليهو يضع أمامنا حقًا جوهريًا:
الله عادل في
ذاته، وعدله ثابت، لا يتغير ببرّ الإنسان ولا يتأثر بخطيته، تبرير الله يسبق دومًا
تبرير الإنسان، لأنه الميزان الذي يُقاس به كل برّ أو خطية. والإنسان مدعو أن
يراجع نفسه، لا أن يضع الله موضع الاتهام، هذا التعليم يحررنا من فكرة "المعاملة
بالمثل" مع الله، ويدعونا لنفهم أن برّنا هو لحياتنا وخيرنا، لا لإضافة
شيء إلى الله. وفي النهاية، يكشف الصليب أن عدل الله المطلق ورحمته الغامرة وجدا
كمالهما في المسيح، حيث التقى العدل بالحب، والدينونة بالنعمة، لتبقى العدالة
الإلهية أساس الرجاء والخلاص.
-----------------------------------------
الفصل الخامس
أليهو كممهد لإعلان الله
-----------------------------------------
1
أليهو كجسر بين فكر البشر وكلمة الله
(٣٦ : ١٦–٢٦)
- أليهو كممهد لإعلان الله : في سفر أيوب، وبعد سلسلة طويلة من الحوارات بين أيوب وأصدقائه الثلاثة (أليفاز،
بلدد، وصوفر)، يظهر أليهو كشخصية مميزة، يقدّم خطابًا مختلفًا في جوهره
وأسلوبه. أليهو ليس مجرد "صوت إضافي" في النقاش، بل هو حلقة وصل
بين فكر البشر وكلمة الله، فبعد حديثه مباشرةً، يظهر الله نفسه في العاصفة (أيوب
٣٨) وكأن أليهو كان الجسر الذي أعدّ ذهن أيوب ليتلقى إعلان الله، ما اجمل أن تجد
اشخاصا يحملون حضور الله في حياتهم، فعندما تجلس معهم يأخذونك في أجواء روحية نحو
السماويات أو يصلحون افكارا كانت سبب قيدا على حياتك، نري في (أيوب ٣٦ : ١٦–٢٦)
يقدّم أليهو خلاصة فكره حكمة الله فوق إدراك الإنسان، والألم ليس عبثًا بل وسيلة
إلهية للإعلان والتعليم، هنا تبرز رسالته كممهد، إذ ينقل الحديث من جدالات بشرية
محدودة إلى أفق لاهوتي أوسع، حيث الله هو المحور، لا الإنسان.
أولًا: أليهو كجسر بين فكر البشر وكلمة الله
١ - مكانة أليهو في الحوار : حين ندرس سفر أيوب نلاحظ أن الأصدقاء الثلاثة دخلوا مع أيوب في جدال قائم
على فرضيات بشرية، فأليفاز: اعتمد على التجربة الشخصية والرؤى
الروحية، وبلدد: تمسّك بالتراث والتقليد، وصوفر: اعتمد على المنطق
الحاد والتأديب القاسي، أما أيوب، فكان يدافع عن برّه، متألمًا مما يراه
ظلمًا، جميع هذه الأصوات بقيت دائرة حول الذات البشرية، فهم الإنسان، تجربة
الإنسان، منطق الإنسان، هنا يظهر أليهو ليوجّه البوصلة نحو الله: فيقول
" هُوَذَا الله عَظِيمٌ وَلا نَعْرِفُهُ وَعَدَدُ سِنِيهِ لا يُفْحَصُ. (أى
٣٦ : ٢٦) بهذه الكلمات يرفع المستوى من الجدل البشري إلى الاعتراف بعظمة الله
وحكمته غير المدركة.
٢ - أليهو كممهّد نفسي وروحي : قبل أن يتكلم الله مباشرةً، كان أيوب بحاجة إلى "تهيئة داخلية"
فلو جاء إعلان الله مباشرة بعد جدال الأصدقاء، ربما كان أيوب سيبقى في موقع الدفاع
أو الاعتراض، لكن خطاب أليهو فتح ذهن أيوب ليتقبل الحقيقة، أليهو لم يأتِ ليهدم
أيوب، بل ليعيد ترتيب أفكاره، لم يبرر الأصدقاء، ولم يُبطل كلام أيوب، بل قدّم
بُعدًا جديدًا، الله هو المركز، إذا دوره أشبه "بالجسر": ينقل
النقاش من مستوى الإنسان إلى مستوى الله، ويمهّد الأرضية لإعلان إلهي مباشر.
ثانيًا: حكمة الله فوق إدراك الإنسان :
١ - محدودية الفكر البشري: أليهو يذكّر
أيوب ومن معه بأن حكمة الله غير قابلة للإحاطة " هُوَذَا الله عَظِيمٌ وَلا نَعْرِفُهُ
وَعَدَدُ سِنِيهِ لا يُفْحَصُ. (أى ٣٦ : ٢٦) هنا يؤكد مبدأ أساسي: الإنسان
مهما بلغ من معرفة، يظل قاصرًا أمام عظمة الله، هذا الفكر يتماشى مع إعلان
الأنبياء "لأنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلا طُرُقُكُمْ
طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ. (إش ٥٥ : ٨) و ايضا "يَا لَعُمْقِ غِنَى
اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ
وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ!" (رو ١١ : ٣٣) إذا عندما يواجه الإنسان
الألم أو الغموض، ليس عليه أن يتهم الله، بل أن يعترف بحدود فهمه، وأن يثق في حكمة
الله التي تفوق إدراكه.
٢ - الله كالمعلّم من خلال الألم : يرى أليهو أن الألم ليس مجرد عقوبة كما قال الأصدقاء، ولا هو ظلم كما شعر
أيوب، بل هو وسيلة تعليمية وتأديبية. يقول " إِنْ سَمِعُوا وَأَطَاعُوا
قَضَوْا أَيَّامَهُمْ بِالْخَيْرِ وَسِنِيهِمْ بِالنِّعَمِ. (أى ٣٦ : ١١) لكن
إن رفضوا " وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا، فَبِحَرْبَةِ الْمَوْتِ يَزُولُونَ،
وَيَمُوتُونَ بِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ. (أى ٣٦ : ١٢) أي أن الألم يضع الإنسان
أمام خيارين، إما أن يتعلّم ويخضع، فينال خيرًا، أو أن يقاوم ويتمرّد، فيقوده ذلك
إلى الهلاك، إذا الألم عند أليهو ليس عدوًا، بل مدرسة إلهية للتشكيل الروحي.
ثالثًا: الألم كوسيلة لإعلان الحق :
١ - الألم يكشف حقيقة الإنسان : - الألم يفضح الداخل: هل يثق الإنسان في الله أم يتمرد عليه؟ أيوب، في لحظات ضعفه، لام الله
واعتبر نفسه مظلومًا، لكن أليهو ينبهه أن الهدف من الضيق ليس الإدانة بل الكشف،
كما يقول بطرس الرسول " لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ
أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ
لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، (١بط
١ : ٧) فكما تُنقّى المعادن في الأتون، هكذا يُمتحن الإنسان في الضيق ليظهر جوهر
إيمانه، وفي هذا لي ملحوظة للتذكرة " أن الله لا يجلب الألم ولا
التجربة، ولكنها عندما تجلب كما اوضحت سابقا فهي تستخدم وتستغل لصالح المؤمن ليخرج
باختبار تزكية الإيمان "
٢ - الألم وسيلة لتقريب الإنسان من الله : أليهو يربط بين الضيق والدعوة إلى الخضوع "وَأَيْضًا يَقُودُكَ
مِنْ وَجْهِ الضِّيقِ إِلَى رَحْبٍ لا حَصْرَ فِيهِ، وَيَمْلأ مَؤُونَةَ
مَائِدَتِكَ دُهْنًا. (أى ٣٦ : ١٦) فالألم ليس نهاية الطريق، بل باب للنجاة.
الله لا يترك الإنسان في محنته، بل يستخدمها ليقرّبه إليه، بولس يؤكد هذا حين يقول
" وَلَيْسَ ذلِكَ فَقَطْ، بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا فِي الضِّيقَاتِ،
عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْرًا، وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً،
وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً، (رو٥ : ٣-٤)
هكذا يتحول الألم من عائق إلى وسيلة، من لعنة إلى بركة، من منصة اتهام لله إلى
منبر تعلّم للإنسان، فأليهو يلعب دور "الجسر" بين فكر البشر المحدود
وبين إعلان الله غير المحدود. فهو يذكّر أيوب أن الحكمة الإلهية لا تُدرك بالكامل،
وأن الألم ليس ظلمًا ولا عبثًا، بل أداة إلهية للتعليم والإعلان.
٣ - الفرق بين الألم العقيم والألم المثمر : - الألم العقيم: هو الألم الذي يُرفض فيه صوت الله، الإنسان يتقسى قلبه فيه، فيتحول إلى
تذمر وسخط وغضب. " أَمَّا فُجَّارُ الْقَلْبِ فَيَذْخَرُونَ غَضَبًا. لا
يَسْتَغِيثُونَ إِذَا هُوَ قَيَّدَهُمْ. (أى ٣٦ : ١٣)
- الألم المثمر: هو الألم الذي يقود إلى
التعليم. " يُنَجِّي الْبَائِسَ فِي ذِلِّهِ، وَيَفْتَحُ آذَانَهُمْ فِي
الضِّيقِ. (أى ٣٦ : ١٥) إذا، الألم ليس قيمة في ذاته، بل في تجاوب القلب معه.
هنا يظهر عمق فكر أليهو، النعمة تشتغل من خلال الضيق، فتجعل ما يبدو لعنة يتحول
إلى وسيلة خلاص ورفعة.
٤ - الألم كمنبر لسماع صوت الله : أليهو يوضح أن
الألم يكسر صلابة الإنسان الداخلية ويجعل أذنه مفتوحة: " وَيَفْتَحُ
آذَانَهُمْ لِلإنْذَارِ، وَيَأْمُرُ بِأَنْ يَرْجِعُوا عَنِ الإثْمِ. (أى ٣٦ :
١٠) (أى ٣٦ : ١٥) ففي ثقافة البشر، الألم غالبًا يُرى كإغلاق، نهاية -
خسارة، لكن في فكر الله المعلن عبر أليهو، الألم هو بداية لحوار جديد، اللحظة التي
تُغلق فيها أبواب الاعتماد على الذات وتُفتح أبواب الاعتماد على الله.
٥ - تطبيق على حياة أيوب : أيوب في البداية رأى آلامه كدليل على ظلم أو غياب
إلهي، الأصدقاء فسّروا آلامه كقصاص مستحق، لكن أليهو أعاد ترتيب الصورة،
الألم ليس دليل إدانة ولا علامة غياب، بل وسيلة تعليم، وبالفعل سنجد أن الله نفسه
بعد خطاب أليهو يدخل مباشرة إلى المشهد (أي ٣٨) وكأن أليهو كان الممهد اللاهوتي
والروحي لتجهيز أيوب ليسمع صوت الرب.
- في المسيح نرى النموذج الأكمل: "تعلّم الطاعة مما تألم به" (عب ٥ : ٨) و " لأنَّ
خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ
مَجْدٍ أَبَدِيًّا. (٢كو ٤ : ١٧) فالمسيح حوّل الألم من مجرد اختبار بشري إلى
وسيلة إعلان عن الحب الإلهي، الصليب لم يكن مأساة فحسب، بل أعظم منبر أعلن فيه
الله ذاته.
أليهو يوجه الفكر
ليتحوّل من دائرة الشكوى إلى دائرة الاستنارة، لا تسأل فقط "لماذا يحدث لي
هذا؟" بل اسأل: "ماذا تريد يا رب أن تُعلّمني من خلال هذا؟"
هذا التحول الفكري يصنع نقلة روحية، من إنسان يرى الألم نهاية، إلى إنسان يراه
بداية جديدة للمعرفة بالله، فالألم في منظور أليهو ليس علامة ظلم أو عقوبة عمياء،
بل وسيلة رحيمة يستخدمها الله ليعلّم ويخلّص، بهذا يهيئ القلوب لسماع صوت الله
الحقيقي، إنه جسر يُنقل فيه الإنسان من ضيق التجربة إلى رحابة إعلان الحق.
٦ - حكمة الله الفائقة التي تعلو على فهم الإنسان أليهو بعدما شرح كيف أن الألم وسيلة إعلان، يرفع الفكر الآن إلى مستوى أعلى،
الله في ذاته يفوق إدراك البشر "هُوَذَا الله يَتَعَالَى
بِقُدْرَتِهِ. مَنْ مِثْلُهُ مُعَلِّمًا؟ (أى ٣٦ : ٢٢) هنا يؤسس أليهو قاعدة
جديدة: إن كانت آلامنا تقودنا إلى السؤال عن الله، فجواب الله لا يُختزل في
تفسيرات بشرية محدودة. حكمة الله غير قابلة للإحاطة الكاملة، لأنه هو المعلّم
الأسمى الذي لا يُقاس بأحد.
7 - الفارق بين معرفة الإنسان ومعرفة الله :
معرفة الإنسان محدودة : أيوب وأصحابه مثلوا
محاولات بشرية لإدراك سر الألم، كل واحد وضع تفسيره بحسب ضيق أفقه، أيوب احتجّ،
الأصدقاء اتهموا، لكن الكل فشل في الإحاطة بالحق.
معرفة الله مطلقة: أليهو يذكّر أن الله لا
يُقاس على موازين البشر، بل هو "رفيع" و"معلّم"
وحكيم مطلقًا " هُوَذَا
الله عَظِيمٌ وَلا نَعْرِفُهُ وَعَدَدُ سِنِيهِ لا يُفْحَصُ. (أى ٣٦ : ٢٦) إذا
هناك فرق شاسع - نحن نرى الجزء، أما الله فيرى الصورة الكاملة، فالله كان يعلّم
شعبه من خلال أحداث الفرح والضيق، من خلال الأنبياء والنواميس، ليقودهم إلى معرفته،
وتجلّت الحكمة الإلهية بأبهى صورها في الصليب، ما رآه البشر جهالة وضعفًا، أعلنه
الله قوة وحكمة " لأنَّ جَهَالَةَ الله أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ
الله أَقْوَى مِنَ النَّاسِ! (١كو ١ : ٢٥) وهكذا نفهم أن حكمة الله ليست نظرية
مجردة، بل هي حكمة عملية تعمل عبر التاريخ والواقع، حتى من خلال الألم.
٨ - أليهو يريد أن يضع أيوب أمام حقيقة هامة: لا يصح أن يُحاكم الله بمقاييس البشر، إن كان الله عظيمًا ولا يُفحص، فالرد
الأمثل هو التواضع والخضوع، المعرفة الحقيقية تبدأ حين يعترف الإنسان بجهله أمام
عظمة الله، هذا التواضع هو ما سيؤهل أيوب لسماع صوت الله مباشرة فيما بعد (أي ٣٨)
فعندما تواجهنا آلام غير مفهومة، قد نتساءل "أين عدل الله؟" أو
"لماذا يسمح الله؟" لكن فكر أليهو يوجهنا إلى زاوية أخرى، طرق
الله أعظم من إدراكنا، وحكمته أوسع من عقولنا، المطلوب منا ليس تفسير كل شيء، بل
الثقة بمن يعرف كل شيء " لأنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلا
طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ. (إش ٥٥ : ٨) لذلك علي الانسان الحكيم
التوقف عن البحث عن تفسير كامل للألم بالعقل البشري، إقبل أن الله أعظم وأعمق من
أن يُحاط به، ضع قلبك في مكان التواضع، لأن هذا وحده يفتح الباب لسماع صوت الله
الحقيقي، فأليهو يرفع نظر أيوب من تفاصيل الشكوى الأرضية إلى أفق سماوي واسع، الله
عظيم، حكمته لا تُفحص، وعدله لا يُبطل أمام هذه الحقيقة، الحل ليس الجدال بل
التواضع والخضوع والثقة.
-----------------------------------------
الفصل السادس
المرحلة الانتقالية والاخيرة
في تمهيد اليهو
-----------------------------------------
١
عظمة الله في الطبيعة
تمهيد لظهور الله من العاصفة
عندما نقترب من
أصحاح ٣٧ نكون قد أنهينا رحلة طويلة مع أليهو، هذا الشاب الذي لم يقفز إلى ساحة
الحوار إلا في اللحظة الأخيرة، لكنه ترك بصمة عميقة ومؤثرة، فبعد أن قدّم سلسلة من
الخطابات حول الألم والعدل الإلهي والتأديب، يختم كلامه بنظرة شاملة إلى الطبيعة،
ليجعلها مرآة تعكس عظمة الله وحكمته، هذا الجزء يُعتبر المرحلة الانتقالية
والنهائية في كلام أليهو، إذ أنه يمهّد الطريق مباشرة لظهور الله من العاصفة في
الإصحاح التالي. وهكذا، فإن أصحاح ٣٧ ليس مجرد خاتمة لحديث أليهو، بل هو جسر
يصل بين "الحوار البشري" وبين "إعلان الله المباشر".
١ - من المنطق إلى الرهبة :
أليهو في خطابه الأخير لم يكتفِ بالجدال العقلي أو المنطق اللاهوتي. فبعد
أن وضّح أن الله عادل وأن الألم أداة للتأديب والتعليم، يرفع أنظار المستمعين إلى
مشهد آخر: الطبيعة في قوتها المهيبة. الرعد، البرق، المطر،
الثلج، الرياح العاصفة... كلها ليست ظواهر عشوائية، بل أدوات
في يد الله تعكس سيادته وجلاله، بهذا التحول، ينتقل أليهو من مجرد
"شرح" إلى "إثارة الرهبة". هو لا يريد أن يترك أيوب
في دائرة التساؤل العقلي فحسب، بل أن يقوده إلى الشعور العملي بعظمة الله التي
تتجاوز إدراك الإنسان، وكأن أليهو يقول: "انظر حولك، لترَ الله في كل ما
يجري، وستدرك أنه أسمى من أن يُدان بمعاييرك المحدودة".
٢ - الطبيعة كمنبر إعلان :
يرى أليهو في الطبيعة وسيلة إلهية لإعلان شخص الله:
- الرعد: صورة لصوت الله المهيب الذي يُرهب القلوب.
- البرق: نور يسطع فجأة فيكشف ويضيء، مثل لحظة الإعلان
الإلهي.
- المطر: رحمة تنزل لتروي الأرض وتمنح الحياة.
- الثلج والبرد: قوة توقف الإنسان
وتذكّره بضعفه.
- الريح والعاصفة: تعبير عن سلطان الله
الذي لا يُقاوَم.
هذه الصور تجعل
من الطبيعة كتابًا مفتوحًا يقرأ فيه الإنسان صفات الله: قدرته، حكمته، رحمته،
وأيضًا سلطانه المطلق. وهنا يظهر الترابط بين الفكر اللاهوتي الذي شرحه أليهو
سابقًا (العدل، التأديب) وبين الإعلان العملي الملموس في الطبيعة.
٣ - تمهيد مباشر لظهور الله :
أهم ما يميز
أصحاح ٣٧ هو أنه لا يقف عند التأمل في الطبيعة فقط، بل يُعدّ نفسية أيوب وكل
السامعين لظهور الله من العاصفة في الإصحاح ٣٨ فبعد أن تكلّم الجميع (أصدقاء
أيوب، أيوب نفسه، ثم أليهو)، لم يبقَ سوى أن يتكلّم الله، والطبيعة هنا ليست
خلفية عشوائية، بل هي المسرح الذي سيظهر فيه الله، من ثمّ، كلام أليهو عن الطبيعة
لا يُمكن أن يُفهم منعزلًا، بل هو جزء من حبكة السفر كلها، أليهو يفتح المجال
ليأتي الله بنفسه، فيُكمل ما بدأه أليهو، ولكن على مستوى أعلى بكثير.
أليهو لم يستخدم الطبيعة كزينة بلاغية، بل كأداة تربوية. فهو يريد أن يعلّم
أيوب دروسًا أساسية:
إذا كان الإنسان يقف عاجزًا أمام ظاهرة طبيعية مثل الرعد أو الثلج، فكم
بالحري أمام الله خالق هذه الظواهر؟ إذا كانت الطبيعة تحمل أحيانًا قسوة (عواصف،
برق، برد) وأحيانًا رحمة (مطر يروي الأرض)، أليس هذا انعكاسًا لطبيعة
عمل الله نفسه في التأديب والرحمة معًا؟ إذا كانت الطبيعة تتجاوز فهم الإنسان،
فكيف يتجرأ أيوب أن يحاكم الله أو يطالبه بتفسير كامل لكل ما حدث له؟ هكذا يحوّل
أليهو النظر من الذات الضيقة (ألمي، معاناتي، احتجاجي) إلى الأفق الواسع (الله،
حكمته، مجده، سلطانه).
٤ - التكامل مع ما سبق :
في هذا الجزء، لا ينقض أليهو ما قاله سابقًا بل يكمّله. فقد سبق وأكد: أن الألم ليس ظلمًا من الله بل وسيلة للتعليم (أي ٣٣ – ٣٦) - أن الله عادل
في كل طرقه ولا يُخطئ (أي ٣٤ – ٣٥) - والآن يضيف بعدًا جديدًا: أن عظمة الله التي
تُرى في الطبيعة تجعل الاعتراض عليه أمرًا عبثيًا. فالذي يتحكم في الرعد والبرق
والعاصفة، هو وحده القادر أن يتحكم في تفاصيل حياة الإنسان.
- لذلك:
١ - أن الله يُعلن ذاته بطرق متنوعة:
بالكلمة، بالتأديب، وبالطبيعة أيضًا.
٢ - أن المنطق اللاهوتي وحده لا يكفي، بل يجب أن يقود إلى العبادة والخشوع أمام عظمة الله.
٣ - أن نهاية كل جدال لاهوتي هي الخضوع لله، لأننا مهما فهمنا، سيبقى الله أعظم من إدراكنا.
٤ - أن الطبيعة ليست عشوائية، بل هي منبر إلهي مستمر للتذكير بسلطان الله وعدله ورحمته.
بهذا يمهّد أليهو
السامعين لأن يتهيأوا للحدث الأعظم: أن يتكلّم الله بنفسه من العاصفة. فكما أن
البرق يسبق الرعد، كذلك جاء كلام أليهو ليهيئ الطريق لصوت الله المهيب. إنه التحول
الأخير من "صوت الإنسان" إلى "صوت الله"، ومن "الفكر
اللاهوتي" إلى "الإعلان المباشر"، ففي هذا الجزء من خطاب أليهو،
يضعنا النص أمام مشهد كوني مهيب، حيث تتحول الطبيعة إلى معلم لاهوتي عظيم. أليهو
لا يستحضر الطبيعة كزينة بلاغية أو كخلفية شعرية، بل يستخدمها كمنبر تعليمي
وإعلاني يكشف من خلاله صفات الله وسلطانه. هذا التوظيف لمظاهر الطبيعة ينسجم مع الرسالة
التي كان أليهو يصرّ عليها: أن الله فوق الإنسان، وأن الألم لا يُفهم إلا في إطار
حكمته وعدله وسيادته.
- الرعد: صوت الله المهيب : يقول " "فَلِهذَا اضْطَرَبَ قَلْبِي
وَخَفَقَ مِنْ مَوْضِعِهِ. اسْمَعُوا سَمَاعًا رَعْدَ صَوْتِهِ وَالزَّمْزَمَةَ
الْخَارِجَةَ مِنْ فِيهِ. (أى٣٧ :
١-٢) الرعد بالنسبة لأليهو ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل رمز لصوت الله. صوت
لا يمكن السيطرة عليه أو إيقافه، يزلزل الوجود ويجعل الإنسان يرتعد، إذا كان الرعد
يُرعب الإنسان بحد ذاته، فكم بالحري صوت الله الخالق الذي هو مصدر كل قوة؟ هنا
يريد أليهو أن يقول لأيوب: "كما أنك لا تستطيع أن تتحكم في الرعد، كذلك لا
يمكنك أن تتحكم في طرق الله أو تحاكمه". الرعد يذكّر الإنسان بحدوده،
وبأن لله الصوت الأخير في كل شيء، عندما قال اليهو عن صوت الرب ك "رعد"
جاءت في العبري רֹגֶז وتنطق Rogez - روغِز ، وتعني اضطراب، ارتجاف،
زلزلة، وتُترجم في بعض المواضع: "غضب"، "رجفة"،
"رعد" فهي تعطي معنى الصوت المرعب المزلزل، الذي يصف صوت الله
كأنه رعد يهز الكيان، اما كلمة " الزمزمة " في العبري הֶגֶה وتنطق Hegeh
- هِغِه، وتعني: هَمْس/هدير/دمدمة/غَمْغَمة،
أي صوت منخفض متواصل، المقصود بالزمزمة، ليست مجرد همهمة عادية، بل تعني،
الصوت الممتد المتدفق الخارج من الله بعد الرعد، يشبه دوي متواصل أو هدير، كالموج
أو الرياح، هي تعبير تصويري عن خروج الكلام أو الصوت من فم الله بهيبة مهيبة، فالبرق
- لحظة الإعلان الساطع " تَحْتَ
كُلِّ السَّمَاوَاتِ يُطْلِقُهَا، كَذَا نُورُهُ إِلَى أَكْنَافِ الأرْضِ. (أى
٣٧ : ٣) فالبرق هو نور يخترق الظلام فجأة، إنه رمز للإعلان الإلهي الذي يسطع في
لحظة غير متوقعة، فيكشف ما كان مخفيًا، وكما أن البرق لا يخضع لإرادة الإنسان بل
لإرادة الله وحده، كذلك إعلان الله لا يأتي وفقًا لتوقيت الإنسان، بل في الوقت
الذي يراه الله مناسبًا، بهذا يذكّر أليهو أيوب أن الفهم الإلهي قد يأتي فجأة،
بطريقة لا يتوقعها، وأن عليه أن يكون مستعدًا لأن يستقبل هذا الإعلان بدلًا من أن
يتذمر على غيابه.
- المطر
والثلج: رحمة الله وسلطانه الذي يوقف الإنسان، يقول : " لأنَّهُ
يَقُولُ لِلثَّلْجِ: اسْقُطْ عَلَى الأرْضِ. كَذَا لِوَابِلِ الْمَطَرِ، وَابِلِ
أَمْطَارِ عِزِّهِ. (أى ٣٧ : ٦) يرى أليهو أن المطر والثلج وجهان مختلفان
لكنهما يحملان فكرًا واحدًا إعلان سلطان الله على الطبيعة وحياة الإنسان، المطر
كرمز للرحمة، إذ يسقط فيروي الأرض اليابسة ويمنح حياة للزرع والإنسان، لكنه
ليس رحمة عشوائية، بل رحمة مضبوطة بحكمة الله، فهو يحدد الزمان والمكان والكمية،
قد يُعطي بغزارة وقد يحجب المطر، وقد يرسله في أوان محدد ليُظهر أن يد الله هي
المتحكمة وحدها، والإنسان لا يملك سوى أن يقبل عطاياه بخضوع واتضاع، الثلج والبرد
كرمز للتوقيف والتذكير عندما ينزلان تتوقف حركة الإنسان، الفلاح لا يستطيع أن
يزرع، والمسافر لا يقدر أن يكمل رحلته، والأعمال اليومية تُعطَّل، هذه تذكّر
الإنسان بضعفه وعجزه، وتعيده إلى نقطة البداية، حاجته إلى الله، وكما يوقف الثلج
الإنسان عن أعماله، كذلك كان ينبغي لأيوب أن يتوقف قليلًا عن احتجاجه ليسمع صوت
الله ويخضع له، إذا المطر يعطي حياة ورحمة، والثلج يعطي توقفًا وتأملًا، كلاهما
يعلّمان أن الله هو السيد على الطبيعة والإنسان معًا، وأن في يده وحده الحياة
والتوقيت والسلطان، فالمطر ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل في فكر أليهو هو رمز
مزدوج: بُعد الرحمة - فهو يروي الأرض اليابسة، وينعش حياة الإنسان والحيوان
والنبات، هنا نلمس قلب الله المُعطي، الذي لا ينسى احتياجات الخليقة، كما يقول
إشعياء " لأنَّهُ كَمَا يَنْزِلُ
الْمَطَرُ وَالثَّلْجُ مِنَ السَّمَاءِ وَلا يَرْجِعَانِ إِلَى هُنَاكَ، بَلْ
يُرْوِيَانِ الأرْضَ وَيَجْعَلاَنِهَا تَلِدُ وَتُنْبِتُ وَتُعْطِي زَرْعًا
لِلزَّارِعِ وَخُبْزًا لِلآكِلِ، هكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ
فَمِي. لا تَرْجعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ
فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ. (إش٥٥ :
١٠-١١) المطر هنا يشبَّه بكلمة الله الحية، التي تأتي لتنعش القلوب اليابسة
وتُثمر حياة جديدة، ان اليهو استطاع ان يفكر خارج الصندوق، هكذا اراد ان يساعد
ايوب، فايوب داخل صندوق الألم واحتاج لمن هو خارجه ليساعده، هكذا نحن يجب علينا
اما ان نفكر خارج صندوق الامنا ومشاكلنا لنخرج منه بسلام، او نترك غيرنا يساعدنا
لنعبر، والله قادر ان يجند لنا من يقف من احلنا هذا ان تعلمنا كيف نستمع لمن هو
خارج ضوضاء الألم وله من الادراك والمعرفة والفهم، مثل المطر الذي هو خارج دائرة
الارض العطشة يسقط حين يأمر الله، وفي الكمية والموضع اللذين يحددهما، لا إنسان
يستطيع أن يتحكم فيه أو يضمنه، بهذا يذكّر أليهو أيوب أن حكمة الله في التدبير
أعظم من أسئلة الإنسان واحتجاجاته، أحيانًا يعطي بغزارة وأحيانًا يحجب، لكنه
دائمًا يعمل وفق خطة دقيقة.
- الريح والعاصفة: سلطان الله المطلق : " مِنَ الْجَنُوبِ تَأْتِي الأعْصَارُ، وَمِنَ الشَّمَالِ
الْبَرَدُ. (أى ٣٧ : ٩) العاصفة لا يستطيع الإنسان أن يواجهها أو يغيّر
اتجاهها، إنها رمز لقوة الله وسيادته التي لا تُقاوَم، وكما تأتي العاصفة فجأة وبلا
استئذان، كذلك قد تأتي أحداث في حياة الإنسان غير متوقعة، لكنها في النهاية تخضع
لسلطان الله وحده، وهنا تكتمل الفكرة - ما يراه أيوب "فوضى" أو
"ظلمًا" ليس إلا جزءًا من سيادة الله الشاملة.
- الترابط مع فكر أليهو عن الألم والعدل :
ما يفعله أليهو في أصحاح ٣٧ هو ربط هذه الصور
الطبيعية بما سبق أن قاله عن الألم والعدل - الألم مثل العاصفة: مخيف
ومربك، لكنه تحت سيطرة الله - التأديب مثل الثلج: يوقف الإنسان ليجعله يعيد
التفكير في مساره - رحمة الله مثل المطر: تنزل لتمنح الحياة بعد الجفاف - إعلان
الله مثل البرق: يأتي فجأة ليكشف ما كان مخفيًا - صوت الله مثل الرعد: مهيب،
لا يُقاوَم، وعلى الإنسان أن يخضع له، بهذا، يصبح التأمل في الطبيعة تطبيقًا
عمليًا لأفكار أليهو، إنه يربط بين النظرية والتجربة، بين الفكر والواقع، بين
الكلام والإعلان العملي، لذلك فالرسالة الأخيرة من خلال هذه الصور "إن كنت
لا تستطيع أن تفسر أو تتحكم في الطبيعة، فكيف تظن أنك قادر أن تحاكم الله؟"
هذه ليست دعوة لإلغاء العقل، بل لإخضاع العقل لله، وبدلًا من أن يسأل الإنسان
"لماذا حدث هذا لي؟"، يصبح السؤال: "كيف أتعلم من هذا؟"
أو "ماذا يريد الله أن يعلّمني؟" الطبيعة إذًا تتحول إلى مرآة
تعكس حقيقة الإنسان وضعفه، وإلى منبر يعلن عظمة الله وعدله ورحمته، بهذا ينقلنا
أليهو خطوة إضافية نحو لحظة اللقاء مع الله نفسه في العاصفة، لقد استخدم الطبيعة
كمدرسة لاهوتية، كمسرح إلهي، ليُظهر أن الله أعظم من كل تساؤلات الإنسان وأوسع من
كل احتجاجاته.
٢
من الطبيعة إلى حضور الله
الملخص الجامع والتهيئة للظهور الإلهي
نصل الآن إلى
ذروة خطاب أليهو الأخير في أصحاح ٣٧ وهو
بمثابة جسر مباشر إلى الأصحاح ٣٨ حيث يظهر الله نفسه في العاصفة. ما فعله أليهو
طوال حديثه هو إعداد المسرح النفسي واللاهوتي والروحي لهذا اللقاء الفريد. لقد
وظّف خبرته ورؤيته ليغيّر منظور أيوب من الاحتجاج والاعتراض إلى الترقب والخضوع.
والآن، في هذا الجزء الأخير، يقوم بجمع كل الخيوط معًا، مستخدمًا الطبيعة كخلفية
عظيمة لهذا التحول.
- ملخص ما سبق: من الدفاع إلى الإدراك :
أيوب: قضى معظم حديثه في الدفاع عن براءته، محاولًا
أن يثبت أنه لم يرتكب ذنبًا يبرر حجم ما أصابه. كان تركيزه على ذاته وظروفه
الأصدقاء: ركزوا على الاتهام المباشر، معتبرين أن أيوب
مخطئ لا محالة وأن ما يعانيه ليس إلا عقابًا مستحقًا.
أليهو: جاء كصوت جديد، ليس لينكر ألم أيوب، بل ليضع
الألم في سياق أوسع: الألم قد يكون تأديبًا، وقد يكون وسيلة تعليم، وقد يكون
منبرًا لإعلان الله عن ذاته.
وهكذا تحوّل
المنظور من "أنا مظلوم" أو "أنت خاطئ" إلى "الله أعظم من
أن يُحاكم، وهو يستخدم الألم ليكشف ذاته".
- الطبيعة كخلفية لاهوتية :
أليهو اختتم
خطابه بالحديث عن الطبيعة (الرعد، البرق، المطر، الثلج، الريح...)،
وهذا لم يكن مجرد استطراد شعري، بل مقصود لسبب محدد - الطبيعة تحمل قوة وهيبة تفوق
قدرة الإنسان، كل إنسان يرى هذه الظواهر بعينيه، فلا يستطيع أن ينكرها أو
يتجاهلها، إذا كانت الطبيعة ذاتها تعلن عظمة الله، فكم بالحري الألم الذي يسمح
الله أن يدخل حياة الإنسان؟ -:الطبيعة إذًا صارت الكتاب المفتوح الذي يهيّئ قلب
أيوب لقبول الإعلان الأكبر: ظهور الله نفسه.
- . الانتقال من الفكر إلى اللقاء
:
حتى هذه اللحظة
كان أيوب يعيش في صراع فكري ولاهوتي: لماذا أنا؟ لماذا الآن؟ لماذا بهذا الشكل؟
لكن مع حديث أليهو، وبالأخص في أصحاح ٣٧ يبدأ الصراع يتحول من جدل فكري إلى
استعداد نفسي.ط، لم يعد السؤال: "هل الله عادل أم لا؟ بل صار: "كيف
أتعامل مع هذا الإله العظيم الذي لا يُقاوَم؟ هذا التحول بالغ الأهمية، لأنه
يفتح الباب لظهور الله في الأصحاح ٣٨ حيث لن يعود هناك مجال للنقاش، بل فقط للسجود
والخضوع.
- الله فوق الإنسان : من أبرز العبارات في أصحاح ٣٧ " الْقَدِيرُ لا نُدْرِكُهُ. عَظِيمُ
الْقُوَّةِ وَالْحَقِّ، وَكَثِيرُ الْبِرِّ. لا يُجَاوِبُ. (أى ٣٧ : ٢٣) هذه
العبارة تختصر فكر أليهو كله " الله قدير : أي أن قوته لا تُقاوَم ولا
تُحد، الله بار: أي أن كل طرقه عادلة مهما بدت غامضة، الله رحيم: أي
أن مقاصده في النهاية خيرية، وليست انتقامية.ط، بهذا، يضع أليهو الأساس اللاهوتي
لمواجهة أيوب مع الله. إنه لا يقدّم أجوبة نهائية لكل الأسئلة، لكنه يضع الاتجاه
الصحيح للفكر: ابحث عن الله نفسه، لا عن تفسير كل التفاصيل.
- تمهيد لظهور الله في العاصفة : من اللافت أن أليهو يكثر من الحديث عن العواصف والرياح والرعود في هذا
الأصحاح. هذا ليس صدفة، لأن الله بعد قليل سيظهر بالفعل "من العاصفة" فَأَجَابَ الرَّبُّ أَيُّوبَ مِنَ
الْعَاصِفَة وَقَالَ: (أى ٣٨ : ١) وكأن أليهو كان يمهّد الطريق حرفيًا
وروحيًا:ط، الطبيعة تصرخ بصوت الله - العاصفة تعلن حضوره، - الإنسان لا يملك إلا
أن يخضع عندما يتكلم الله بنفسه، بهذا يكون أليهو قد أنهى مهمته: لم يحل المشكلة
نهائيًا، لكنه هيأ المسرح للقاء الأعظم.
- أليهو كصوت النعمة قبل الدينونة : في اللاهوت الكتابي، غالبًا ما يسبق إعلان النعمة ظهور الدينونة، أليهو
يمثل هنا صوت النعمة: يذكّر أيوب أن الألم قد يكون بابًا للتوبة والرجوع، وأن الله
يستخدم الطبيعة والتاريخ لتعليم الإنسان. لكن حين يأتي الله من العاصفة، لن يكون
هناك مجال للجدال أو الدفاع، بل فقط الخضوع الكامل، هكذا صار أليهو بمثابة الجرس
الأخير قبل حضور الملك.
إذا كان الله
عادلًا وقديرًا، فالتذمر لا يفيد، بل التوبة والخضوع هما الطريق، الطبيعة نفسها
تذكّر الإنسان يوميًا بعظمة الله، فكم بالحري أحداث حياته، الألم ليس نهاية القصة،
بل قد يكون مقدمة للإعلان الأكبر من الله، ظهور الله في العاصفة هو رمز للقاءاتنا
معه وسط ظروفنا، قد يأتي الله من حيث لا نتوقع، ليحوّل احتجاجاتنا إلى سجود.
إذا ينتهي خطاب
أليهو في أصحاح ٣٧ كخاتمة وتمهيد في آن واحد، خاتمة لجدالات البشر التي وصلت إلى
طريق مسدود، وتمهيد للقاء الإلهي الذي سيحسم الأمر، لم يكن أليهو مجرد معلق على
الأحداث، بل كان المعلم الروحي الذي أخذ أيوب من دائرة الدفاع والاتهام، ليضعه على
أعتاب القدير نفسه، وبهذا يُفهم أن وظيفة أليهو لم تكن تقديم الحل النهائي، بل
تهيئة القلب لمواجهة الله. وهنا تنغلق صفحة أليهو، لتُفتح صفحة الله المتكلم
مباشرة من العاصفة.
٣
كلمة ختام
بين حكمة أليهو وظهور الله
- وقفة على أعتاب الإعلان : بعد أن قطعنا معًا هذا
المشوار الطويل في دراسة خطابات أليهو (أي ٣٢–٣٧)، نقف الآن عند لحظة فارقة، ليست
مجرد نقطة توقف أدبي أو لاهوتي، بل هي أشبه بميدان عبور بين عالمين: عالم
الجدال البشري، وعالم الإعلان الإلهي. لقد رأينا أيوب يصارع، والأصدقاء
يهاجمون، وأليهو يعلّم ويمهّد، والآن نحن على وشك أن نسمع صوت الله نفسه من
العاصفة، لكن قبل أن نترك أليهو وننتقل إلى الله المتكلم، من الضروري أن نتأمل
فيما تعلمناه من هذا الجزء العظيم من سفر أيوب، وأن نصوغ لأنفسنا نصيحة ختامية
نأخذها معنا ونحن مقبلون على الجزء الأخير من السفر، ثم نرفع قلوبنا بشكر عميق لله
الذي أنار عقولنا وأعيننا خلال هذه الرحلة الفكرية والروحية.
- أليهو:
الصوت الذي كسر الصمت وأعاد ترتيب الأولويات : أول ما نتعلمه من دراسة أليهو أنه كسر الصمت، أيوب وأصحابه وصلوا إلى طريق
مسدود، أيوب في دائرة الدفاع عن ذاته والتذمر على الله، والأصحاب في دائرة الإتهام
والتشكيك، لكن أليهو ظهر كصوت ثالث، لا يكرر كلام أيوب، ولا يعيد اتهامات الأصحاب،
بل يفتح بابًا جديدًا للتفكير، لم يكن هدفه إسكات أيوب أو سحقه نفسيًا، لم يكن
هدفه تبرئة الأصحاب أو الانتصار لهم، بل كان همه الأساسي أن يبرّر الله أولًا،
ويعيد النقاش كله إلى النقطة الجوهرية: الله عادل، والله بار، والله أعظم من أن
يُحاكم بميزان بشري - إنه يعلّمنا درسًا عمليًا مهمًا، في وسط أي نقاش لاهوتي
أو إنساني، هناك دائمًا خطر أن يضيع الله وسط التفاصيل. أليهو يعيد الله إلى قلب
النقاش، ويضعه في المركز. وهذه أمانة يجب أن يحملها كل مؤمن وكل خادم، أن يكون
حديثه في النهاية موجهًا نحو الله، لا نحو إثبات الذات أو الانتصار في النقاش.
-
النصيحة الختامية للقارئ :
بعد أن عشنا مع
أليهو وتأملنا في فكره، ما هي النصيحة التي يجب أن تبقى معنا ونحن مقبلون على
الجزء الأخير من السفر؟ - ضع الله في المركز دائمًا:
لا تدع الجدل، أو الألم، أو الظروف، يحجب الله عنك. تذكّر أن المقياس الحقيقي للعدل هو الله، لا الإنسان
- انظر إلى الألم كرسالة:
قبل أن تسأل
"لماذا؟"، اسأل
"ماذا تريد أن تعلمني يا رب من خلال هذا؟،
ابحث عن الوسيط الحقيقي:
لا تنخدع بفكرة وسطاء آخرين
– لا ملاك ولا بشر – بل تذكّر أن المسيح وحده هو الوسيط والشفيع أمام الآب
- تأمل في الطبيعة والظروف:
الله يعلن ذاته في الخليقة وفي الأحداث اليومية، فافتح أذنيك وعينيك لتسمع صوته وتراه في تفاصيل حياتك
- تهيّأ للقاء الله:
كما هيأ أليهو أيوب لسماع صوت الله من العاصفة، كذلك يجب أن يهيأ قلبك دائمًا للقاء مع الله، سواء في كلمة الكتاب أو في الصلاة أو في لحظات الألم.
لكن القصة لم
تنته بعد. على العكس، نحن الآن على أعتاب الجزء الأهم في سفر أيوب: ظهور الله نفسه،
كل ما قيل حتى الآن كان تمهيدًا: أيوب في احتجاجه، الأصحاب في اتهاماتهم، أليهو في
حكمته، كن الآن سيأتي المشهد الذي لا مثيل له: الله يتكلم من العاصفة، لم يعد
النقاش بين البشر كافيًا، فقد حان الوقت للإعلان المباشر، إذا حين نشرع في دراسة
الأصحاحات ٣٨ –٤٢ علينا أن ندخل بعقل منفتح وقلب خاشع. ما سنسمعه ليس مجرد حجج أو
ردود، بل هو الإعلان الإلهي نفسه، الذي سيحوّل أيوب من موقف الدفاع إلى السجود،
ومن الاعتراض إلى التوبة، ومن اليأس إلى الرجاء.
أيها القارئ
العزيز، ليتك لا تخرج من هذه الدراسة وأنت تنظر إلى أليهو كشخصية تاريخية فقط، بل
كمعلم روحي لك. لقد علّمنا أن: نبرّر الله أولًا قبل أن نبرّر أنفسنا - نرى الألم
كرسالة تربوية لا كظلم - نبحث عن الوسيط الحقيقي الذي هو المسيح وحده - نتأمل في
الطبيعة لندرك عظمة الله - ونتهيأ دومًا للقاء الله في كلمته وعمله في حياتنا -
فلنشكر الله الذي أعطانا أن نكمل هذا الجزء من السفر بفرح، ولنتطلّع بشوق إلى
الجزء الأخير حيث سيعلّمنا الله بنفسه من خلال كلماته المباشرة لأيوب. وهكذا
تتحوّل رحلة الألم والجدل إلى رحلة إعلان وسجود، ونتعلّم أن النهاية ليست في يد
البشر، بل في يد الله وحده، القدير، العادل، الرحيم.
أصلي أن تكون هذه الدراسة سبب بركة للجميع
______________________________


تعليقات
إرسال تعليق