كتاب : الطريق المدمر و السماح الالهي - الجزء الأول - سفر أيوب

الطريق المدمر و السماح الالهي

الجزء الأول 


بقلم القس / عماد عبد المسيح عطية 

--------------------------------------------------

اسم الكتاب : الطريق المدمر والسماح الالهي 

اسم المؤلف : القس / عماد عبد المسيح عطية

رقم الإداع : 25601/2014 

--------------------------------------------------

الفهرس

مقدمة  :

تمهيد :

الفصل الأول : أيوب ومستوي الكمال

الفصل الثاني : أيوب ومستوي الكهنوت  

الفصل الثالث : مستوي السياج الإلهي  

الفصل الرابع : البكر وأهميته في كلمة الله  

الفصل الخامس : دمار رأس المال لكسر أيوب  

الفصل السادس : سجود إبليس لنوال حق التجربة  

الفصل السابع : الاكتئاب النفسي الذي لأيوب  

الفصل الثامن  : السماح الإلهي حقيقة أم خيال  

الفصل التاسع : ردود الفعل النفسي لأيوب  

الفصل العاشر : أقسام الهاوية  

الفصل الحادي عشر : يطلبون الموت ولا يجدونه  

الفصل الثاني عشر : شهادة مشددة وليست للتشديد  

الفصل الثالث عشر : هواجس الليل كوابيس مرعبة  

الفصل الرابع عشر : هل حقا الله دائم الشكوك وعنيف ؟  

الفصل الخامس عشر : مفهوم القديسين في كلمة الله  

الفصل السادس عشر : هل الإنسان مولود للمشقة حقا  

الفصل السابع عشر : هل حقا الله يجرح ويسحق يعصب ويداه تشفيان

الفصل الثامن عشر : ميزان المصائب

الفصل التاسع عشر : التعزيات المعذبة والمساعدة المطرودة

--------------------------------------------------

شكر وتقدير

أتقدم بالشكر لكل من تعب معي في إعداد هذا الكتاب 

زوجتي الغالية / الهام وهيب 

لسهرها معي لإخراج هذا الكتاب 

الاخت / لوسي القس جرجس نظير

 لمراجعتها الكتاب لغوياً

الاخت / لورا 

لمراجعة اللغة الانجليزية

أشكر كل من أبدي اهتمامه وتشجيعي وبالأخص 

شعب كنيستي بمنشية الجبل الاصفر 

--------------------------------------------------

مقدمة 

يشرفني أن أقدم لكم دراسة تحليلية في سفر أيوب ، بعد أن بذلت مجهود شاق في التفكير لإصدار هذا الكتاب ، لأنه يوجد أفاضل قدموا دراسات رائعة في سفر أيوب ، وعندما سألت بعض الأشخاص حول رأيهم في كتابة كتاب عن أيوب وسفره قالوا :  " إنه سفر صعب جداً وبه إمور غامضة ، ويثير أسئلة كثيرة ليست لها إيجابه " من أجل ذلك بعد تفكير عميق قررت الخوض في دراسة تحليلية في هذا السفر الرائع ، الذي وجدت فيه بعض الأفكار الغير صحيحة عن الله قدمها أصحاب أيوب " فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ أَيُّوبَ الثَّلاَثَةُ بِكُلِّ الشَّرِّ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ، جَاءُوا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَكَانِهِ: أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ الشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ، وَتَوَاعَدُوا أَنْ يَأْتُوا لِيَرْثُوا لَهُ وَيُعَزُّوهُ. " فكانت كلماتهم للمرارة في حياة أيوب ، وبها من الأفكار السلبية نحو الله ، فكان لابد من أن أدرس هذا السفر دراسة تحليلية لأستطيع أن إبراز كل ما هو ليس بحق كتابي أو الهي ، والإجابة عن السؤال الهام ، هل ما حدث لأيوب سماح الهي ؟ أم ماذا ؟ ! . 

 انه سفر يتمتع بمواضيع رائعة وشيقة ، وغني بالتعاليم الكثيرة ، لذلك رأيت أن أخوض هذه التجربة ، لفائدتي ، وفائدة القارئ العزيز ، سفر أيوب من ضمن الأسفار الشعرية ، به كلمات قيلت من خلال شخصيات لها مفاهيم خاطئة سمح بها الوحي لنستطيع أن ندرك ونفهم ونتعظ كي لا نخطئ كما أخطئوا ، لأنهم أخطئوا في أرائهم ، وصححها الرب ، فهذه الكلمات لا تعبر إلا عن الرأي الشخصي لأصحابها ، فقد دونت لحكمة من الله ، وهذا طبعاً لفائدتنا . 

في هذا الكتاب سنري كيف أنه يوجد حوارات تتم بين الله وإبليس في عالم الروح ، وهل نستطيع نحن اليوم أن نشعر بها أو ندركها لننجوا من مختطات إبليس الذي يريد أن يدمرنا ؟ ، وهل ما حدث بين إبليس وأيوب يمكن أن يتكرر مرة أخري لأولاد الله في العهد الجديد ؟ .

أعلم جيداً أنها أسئلة شديدة الأهمية وشائكة وقد يختلف في إجابتها الكثيرون ، ولكنني بنعمة الله سأجيب لا لأني صاحب فهم مختلف عن الآخرين ، بل لأنني مثقل من الله لأجيب عن هذه المواضيع ومواضيع أخري ، لذلك أطلب من القارئ العزيز أن يصلي من أجل أن يكون هذا الكتاب سبب بركة له ولكل من يقرأه . 

في هذا الكتاب لن نفسر السفر أية أية ولكني أردت أن ندرس معا الإصحاحات الست الأولي ونستخرج ما بها من أفكار ومعاني لنحلل ما حدث لأيوب ولماذا ، فهل التجربة التي حدثت لأيوب هي بسماح من الله أم ماذا ـ ولماذا ؟ فإن نال الاعجاب فسوف نكمل كتابة باقي الاصحاحات تباعاً لذلك راسلني علي 

Pastor1emad@yahoo.com

                 القس عماد عبد المسيح 

--------------------------------------------------

تمهيد

تبدأ الحياة في أسرة متواضعة جداً تتكون من أبٍ و أم و سبعة بنين وثلاث بنات ، يوجد بينهم ترابط قوي جداً ، تعلموا الأولاد من أبيهم كيفية الترابط والوحدة والتماسك والتواصل بعضهم ببعض فكانوا يجتمعون معا بصفة دورية عند كل واحد بحسب ترتيبهم من الكبير إلي الصغير ، ولم يتجاهلوا بعضهم بعض ، حتى إخوتهم البنات كانوا يجتمعون معهم في بيت الأخ الأكبر ، يأكلون الطعام معاً ويشربون " وَكَانَ بَنُوهُ يَذْهَبُونَ وَيَعْمَلُونَ وَلِيمَةً فِي بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي يَوْمِهِ، وَيُرْسِلُونَ وَيَسْتَدْعُونَ أَخَوَاتِهِمِ الثَّلاَثَ لِيَأْكُلْنَ وَيَشْرَبْنَ مَعَهُمْ. " ( أي ١ : ٤  ( 

أما عن الأب كان دائماً يقدم ذبائح عن أولاده حتى لا يحمي غضب الله عليهم عندما يخطئون ، خوفاً عليهم من أن يقتحمهم الله فيموتون " وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: " رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ". هكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّامِ. " ( أي ١ : ٥  ( 

كان أيوب يقف بجانب المساكين والمجربين يسندهم ويعزيهم لحين انتهاء وقت التجربة أو الألم ، فكانت عطاياه كثيرة لكثيرين من المحتاجين " هَا أَنْتَ قَدْ أَرْشَدْتَ كَثِيرِينَ، وَشَدَّدْتَ أَيَادِيَ مُرْتَخِيَةً " ( أي ٤ : ٣  (        كان لأيوب علاقة قوية باله السماء فكان يعلم أن بيده كل شيء وأن الله مسيج حوله لسبب كماله وحيدانه عن الشر .  و... وبدون علم أيوب حاول إبليس أن يقتحم حياة أيوب فذهب لإله السماء ليشتكي عليه ، فرأة الله فقال له " فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: "مِنَ أَيْنَ جِئْتَ؟". فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: "مِنْ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا". ( أي ١ : ٧ ) ففي وسط جولانه حاول اقتحام حياة أيوب ولم يستطع ، لأن سياج الله علي حياته كان عظيماً ، من اجل هذا قال إبليس لله " فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: "هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟ أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ. وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ". ( أي ١ : ٩ - ١١  ( 

* رفع الحصانة: 

موضوع رفع السياج من حياة أيوب من المواضيع الشائكة التي حيرتني كثيراً، والسؤال الذي كان سبب حيرة لي هو: لماذا رُفع السياج ؟ وقد شهد عنه الرب أنه " هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ". " ( أي ١ : ٨ ) فشهادة الرب عن أيوب تعلن أن إبليس لا يستطيع أن يقترب لأيوب لسببين ، الأول الكمال والثاني السياج ، إذا فلماذا رفع السياج ؟ 

من خلال البحث في كلمة الله وجدت أن السياج الإلهي يرتبط بنظام العهد " سننفرد بفصل كامل لهذا الموضوع " ويرتبط أيضاً بمستوي السلوك وحفظ القوانين ، فكسر القوانين الروحية والطبيعية يخرج الإنسان خارج نظام السياج الإلهي ، فخرج أيوب من نظام السياج لأنه كسر قانون الثقة في الله وخاف خوفاً شديداً " لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ. " ( أي ٣ : ٢٥ ) فالرعب والفزع والخوف دوائر شيطانية عندما يوجد داخلها الإنسان يعطي حق لإبليس للشكاية ورفع الحماية ليحقق خوف الإنسان ، من أجل ذلك كانت كلمة الله لنا بعدم الخوف وقد قال الرب لإرميا النبي "أَمَّا أَنْتَ فَنَطِّقْ حَقْوَيْكَ وَقُمْ وَكَلِّمْهُمْ بِكُلِّ مَا آمُرُكَ بِهِ. لاَ تَرْتَعْ مِنْ وُجُوهِهِمْ لِئَلاَّ أُرِيعَكَ أَمَامَهُمْ " ( ار ١ : ١٧ ) فالخوف يعطي فرصة لإبليس بالتحرك إن أستهدف إبليس هذا الخائف ، فليس كل الخائفين مستهدفين من إبليس ، فهو يستهدف كل مؤمن يمثل خطراً زريعاً علي مملكته  

* إبليس رجل حرب وسياسة من الدرجة الأولي : 

استطاع إبليس بكل مهارة أن يشن حرب شديدة وماهرة علي حياة أيوب فابتدأ يدمر الثروة الداخلية لأيوب من الأتن والبقر " أَنَّ رَسُولاً جَاءَ إِلَى أَيُّوبَ وَقَالَ: "الْبَقَرُ كَانَتْ تَحْرُثُ، وَالأُتُنُ تَرْعَى بِجَانِبِهَا، فَسَقَطَ عَلَيْهَا السَّبَئِيُّونَ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ". " ( أي ١ : ١٤ ، ١٥ ) ثم ثروة الكساء والغذاء الممثلة في الغنم " وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: "نَارُ اللهِ سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ". ( أي ١ : ١٦ ) ثم الثروة الخارجية الممثلة في الجمال " وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: "الْكَلْدَانِيُّونَ عَيَّنُوا ثَلاَثَ فِرَق، فَهَجَمُوا عَلَى الْجِمَالِ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ". ( أي ١ : ١٧ )  إبليس أغلق علي أيوب من كل الاتجاهات ، هذا بالإضافة لفقدانه كل الأيدي العاملة الممثلة في الغلمان ، ثم تحول ليدمر الكيان الأسري المترابط ، فقتل الأولاد ، السبع بنين والثلاث بنات " وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: "بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ،  وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَعَ، فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ". ( أي ١ : ١٨ - ١٩ ) لم يكتفي إبليس بهذا ، فقد ذهب في اتجاه الصحة ودمرها أيضاً ، فلم يتبقي لأيوب إلا زوجته التي انتهرته وقدمت له دعوة للانتحار " فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: "أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ؟ بَارِكِ اللهِ وَمُتْ!". ( أيوب ٢ : ٩ ) أي " العن الله ومت " لم  يكتفي إبليس بهذا فقد أرسل له أصدقائه ليعزوه ، فلم يعزوه بل زادوا التعب تعب والألم ألم ، فقال لهم " "قَدْ سَمِعْتُ كَثِيرًا مِثْلَ هذَا. مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ! " ( أي ١٦ : ٢ ) من كل هذا أراد إبليس أن يدفع أيوب ليتفوه بكلمات ضد الله ، ويلعن ألهه " كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ وَلَمْ يَنْسِبْ للهِ جِهَالَةً " ( أي ١ : ٢٢  ( كل هذه الأحداث المتعاقبة كانت شديدة وقاسية علي أيوب ، وظل متمسك بكماله ، فيدل هذا علي عمق الفهم الروحي عن الله ، لذلك استطاع أن يحتمل ويصبر صبراً جميلاً . 

في الفصول القادمة سندرس معا بعض المفاهيم المغلوطة التي كانت في فكر أيوب وأصدقائه ، وتصحيحها في ضوء العهد الجديد ، فالأفكار التي كانت لديهم بعضها من إبليس والبعض الأخر من التقليد والعادات الموروثة ، من أجل ذلك رأيت توجيه الضوء علي البعض منها ، هذا بجانب المفاهيم القوية التي تبناها أيوب في حياته ، أصلي أن يكون هذا الكتاب سبب بركة لكل من يقرأه . 

--------------------------------------------------

الفصل الأول

أيوب ومستوي الكمال

كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. ٢ وَوُلِدَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ. 3 وَكَانَتْ مَوَاشِيهِ سَبْعَةَ آلاَفٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَثَلاَثَةَ آلاَفِ جَمَل، وَخَمْسَ مِئَةِ فَدَّانِ بَقَرٍ ، وَخَمْسَ مِئَةِ أَتَانٍ، وَخَدَمُهُ كَثِيرِينَ جِدًّا. فَكَانَ هذَا الرَّجُلُ أَعْظَمَ كُلِّ بَنِي الْمَشْرِقِ. أي 1 : 1 ـ 3 


أيوب رجل من رجال الله العظماء في المستوي الروحي والاجتماعي وله ثقل روحي في عالم الروح ، وهذا ما جعل إبليس يقدم شكوى ليجربه كي لا يستطيع أن يكون في دائرة القصد الإلهي والمشيئة الإلهية ، فمعظم حروب إبليس يكون الهدف منها إرباك المؤمن والانشغال بأحداث بعيدة عن المقاصد الإلهية ليكسب وقت فيه يستطيع أن يضل كثيرين من شعب الله ، ويعيق الخدمات الروحية للبعض  ، ولسبب غياب الوعي الروحي والفهم الكتابي العميق لدي بعض النفوس ، تثار أفكار وتُخلق أسئلة ليست لها إيجابه لدي سائلها ، وإن لم يبحث عن إيجابه يستمر في حيرته هذه . 

معني اسم أيوب " الراجع إلى الله أو التائب " وهو شخصية حقيقية وليست خيالية ، والدليل أن حزقيال النبي أورد اسمه مع نوح ودانيال " يَا ابْنَ آدَمَ، إِنْ أَخْطَأَتْ إِلَيَّ أَرْضٌ وَخَانَتْ خِيَانَةً، فَمَدَدْتُ يَدِي عَلَيْهَا وَكَسَرْتُ لَهَا قِوَامَ الْخُبْزِ، وَأَرْسَلْتُ عَلَيْهَا الْجُوعَ، وَقَطَعْتُ مِنْهَا الإِنْسَانَ وَالْحَيَوَانَ،  وَكَانَ فِيهَا هؤُلاَءِ الرِّجَالُ الثَّلاَثَةُ: نُوحٌ وَدَانِيآلُ وَأَيُّوبُ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يُخَلِّصُونَ أَنْفُسَهُمْ بِبِرِّهِمْ، ...... " (حز ‏١٤:  ١٣ ـ ‏١٤ ) فيبدو أن أيوب عاش في زمن الآباء الأولين وبالأخص من زمن إبراهيم إلي يعقوب أبو الأسباط كما يتضح مما يلي : استخدم نفس لقب الله " القدير " كما استخدمه إبراهيم عندما أعلن له " وَلَمَّا كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: «أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً،  " ( تك 17 : 1 ) قارن  "«أَإِلَى عُمْقِ اللهِ تَتَّصِلُ، أَمْ إِلَى نِهَايَةِ الْقَدِيرِ تَنْتَهِي؟ " (أي 11 : 7 ) 

أشار إلي حادثة الطوفان فهذا دليل انه جاء بعد الجيل الذي غمرته المياه (أيوب 22: 15، 16) " هَلْ تَحْفَظُ طَرِيقَ الْقِدَمِ الَّذِي دَاسَهُ رِجَالُ الإِثْمِ،١٦ الَّذِينَ قُبِضَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْوَقْتِ؟ الْغَمْرُ انْصَبَّ عَلَى أَسَاسِهِمِ. " كما جاء في ( تك 7 : 11 ) " فِي سَنَةِ سِتِّ مِئَةٍ مِنْ حَيَاةِ نُوحٍ، فِي الشَّهْرِ الثَّانِى، فِي الْيَوْمِ السَّابعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ فِي ذلِكَ اليَوْمِ، انْفَجَرَتْ كُلُّ يَنَابِيعِ الْغَمْرِ الْعَظِيمِ، وَانْفَتَحَتْ طَاقَاتُ السَّمَاءِ. " قدم نفس أنواع الذبائح " المحرقات " التي كانت تقدم أيام الآباء الأولين إبراهيم واسحق ويعقوب " وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: «رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ». هكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّامِ. " ( أي 1 : 5 ) وأيضاً " وَالآنَ فَخُذُوا لأَنْفُسِكُمْ سَبْعَةَ ثِيرَانٍ وَسَبْعَةَ كِبَاشٍ وَاذْهَبُوا إِلَى عَبْدِي أَيُّوبَ، وَأَصْعِدُوا مُحْرَقَةً لأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ، وَعَبْدِي أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، لأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلاَّ أَصْنَعَ مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ، لأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ»." ( أي 42 : 8 ) قارن " وَبَنَى نُوحٌ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ. وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَمِنْ كُلِّ الطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى الْمَذْبَحِ،" ( تك 8 : 20 ) " فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكًا فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضًا عَنِ ابْنِهِ " ( تك 22 : 13 ) 

لا توجد أي إشارة إلى ناموس موسى. أو الكهنوت اللاوي الذي لم يكن قد أعطى بعد. بل ولا توجد أية إشارة إلى أمة إسرائيل. لأنها لم تكن قد تكونت في عصر أيوب. بل بعده بحوالي أربعمائة سنة تقريباً.

هدف قصة أيوب : 

" كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ." ، كان رجلا ساميا عالي المبادئ وشخصية رفيعة المستوي لم يتكلم أيوب عن خلقه الرفيع إلا حين رماه أصحابه بعكس ما كان له من مبادئ. وما كان يعرفه هو عن نفسه ، غضب أيوب علي أصحابه لأنهم إستذنبوه " وَعَلَى أَصْحَابِهِ الثَّلاَثَةِ حَمِيَ غَضَبُهُ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا جَوَابًا وَاسْتَذْنَبُوا أَيُّوبَ.( أي 32 : 3 ) " ولكن اليهو اتهم أيوب أنه حسب نفسه "أبر من الله" ( أي 35 : 2 ) تلك كانت العلة في قلب أيوب حسب رأي اليهو صديق أيوب ، والله أراد أن يبرئه منها وكان علاجها في التجربة التي لم يأتي بها الله علي أيوب لآن الله لا يجرب احد بالشرور " لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: «إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ»، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا. " ( يع 1 : 13 ) ولكن وجد إبليس فرصة ليدخل في حياة أيوب بتجربة مريرة كهذه ، لقد فتح أيوب ثغرة في حياته بسبب خوفه وعدم أيمانه بأن الله لا يحميه فأدى ذلك بدخول إبليس ، فقد كان في داخله خوف من أن يخسر كل شئ فخسر كل شئ ، لذلك قال : " لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ. " ( أي 3 : 25 ) لكن عندما تاب أيوب قال : " قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ." ( أي 42 : 2 ) فقد عاني أيوب من تجربة مريرة تبدأ بشكاية إبليس علي أيوب ، التي من خلالها قتل أولاده ونهب ممتلكاته وسلب صحته ولكن تمسك أيوب بكماله ولم ينسب لله جهالة ، وبعد مدة من الزمان بعدما تعلم ما أراد الله أن يعلمه إياه، رد الله لأيوب أضعاف كل ما خسره. 

الله يحول كل شئ لخيرنا ، فقد حول شكاية وفخ وتجربة إبليس لأيوب لخير أيوب ، فقد تعلم ما لم يتعلمه في حياته ، تعلم أن الله يستطيع أن يحميه ، وان رؤية الله في الظروف والحياة أهم بكثير من السماع عن الله بالأذن ، حاول إبليس أن ينزع بالتجربة الكمال الداخلي لأيوب ، ولكن من خلال التجربة زادت المبادئ مبادئ وزاد الكمال كمالاً . 

لم تكن التجربة من الله ، ولم تكن بسماح من الله لأنه عندما يسمح الله بمستوي شر لأيوب ، فقد أشترك مع إبليس في التجربة " اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا " فالتجربة والسماح الإلهي لهما المصادر الكتابية التي يجب أن ندرسهما معا ، وسنخصص لهما فصل كامل ، لذلك استمر في قرأه هذا الكتاب لأننا سنفند هذا الموضوع وندرسه بكل دقة وعناية كاملة . 

كان أيوب من أرض عوص " كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ " ( أي 1 : 1 ) عوص : ابن أرام وحفيد سام بن نوح، وإليه تنتسب قبيلة الآراميين " وَبَنُو أَرَامَ: عُوصُ وَحُولُ وَجَاثَرُ وَمَاشُ?. ( تك10 : 23 )  بَنُو سَامَ: عِيلاَمُ وَأَشُّورُ وَأَرْفَكْشَادُ وَلُودُ وَأَرَامُ وَعُوصُ وَحُولُ وَجَاثَرُ ( 1أخ 1 : 17 ) فكان أيوب من ارض عوص ، من المحتمل أنها كانت تقع في الجنوب الشرقي لفلسطين تجاه الصحراء العربية 

شهد له الله بكماله : " وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. " ( أي 1 : 1 ) وكما في ( حز 14 : 14 و20 ) " وَكَانَ فِيهَا هؤُلاَءِ الرِّجَالُ الثَّلاَثَةُ: نُوحٌ وَدَانِيآلُ وَأَيُّوبُ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يُخَلِّصُونَ أَنْفُسَهُمْ بِبِرِّهِمْ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ.  وَفِي وَسْطِهَا نُوحٌ وَدَانِيآلُ وَأَيُّوبُ، فَحَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِنَّهُمْ لاَ يُخَلِّصُونَ ابْنًا وَلاَ ابْنَةً. إِنَّمَا يُخَلِّصُونَ أَنْفُسَهُمْ بِبِرِّهِمْ. " وكما في ( يع 5 : 11 ) " هَا نَحْنُ نُطَوِّبُ الصَّابِرِينَ. قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ. لأَنَّ الرَّبَّ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَرَؤُوفٌ. " 

الكمال الذي يريده الرب لأولاده المؤمنين يسير حسب الفكر الإلهي ، فنموذج وقالب الكمال رسمه الله من خلال كلمته المقدسة ، فالكامل هو الله ، والنموذج كلمة الله ، فمن يتمسك بكلمة الله فقد وضع نفسه في طريق الكمال ، فرغم انه في أيام أيوب لم يكن كتاب مقدس أو توراة ، لكن كان يوجد معاملات إلهية مع أفراد وأشخاص مثل نوح وأيوب وإبراهيم ويعقوب وإسحق ، فكان يتكلم إليهم الله من خلال الطبيعة والملائكة وبعض الظهورات للابن المبارك ، لذلك يقول أيوب " بِخَطَوَاتِهِ اسْتَمْسَكَتْ رِجْلِي. حَفِظْتُ طَرِيقَهُ وَلَمْ أَحِدْ.  مِنْ وَصِيَّةِ شَفَتَيْهِ لَمْ أَبْرَحْ. أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَتِي ذَخَرْتُ كَلاَمَ فِيهِ. " ( أي 23 : 11 ، 12 ) فحفظ كلام الله يعطي للإنسان فرصة ليكون رجلاً كاملاً ، هذا ما شهد به الله عن أيوب وعن نوح " هذِهِ مَوَالِيدُ نُوحٍ: كَانَ نُوحٌ رَجُلاً بَارًّا كَامِلاً فِي أَجْيَالِهِ. وَسَارَ نُوحٌ مَعَ اللهِ." ( تك 6 : 9 ) وهذا هو طلب الله من إبراهيم أن يسير أمام الله ويكون كاملاً : " وَلَمَّا كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ظَهَرَ الرَّبُّ لإبرام وَقَالَ لَهُ: «أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً،" ( تك 17 : 1 ) لله مطلب من كل بني البشر أن يكونوا كاملين ، والكمال في المنظور البشري كمال ناقص لا يرضي قلب الله ، أما الكمال الكتابي ( المعلن في كلمة الله ) يرضي قلب الله ، فأعطي لنا وصياه لتكون مقياس الكمال وأعطي لنا مثال نتبع أثار خطواته في شخص ربنا ومخلصنا يسوع المسيح ، فهو الكامل الذي عاش بيننا ، فهو الذي تحدي الجميع قائلاً : " مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ ... " (  يو 8 : 46 ) والسير في كمال الحق الكتابي يمنح المؤمن درجات من السياج الإلهي ، فلا يستطيع إبليس أن يقتحم حيات المؤمن ، فلم يستطيع أن يقتحم المسيح في التجربة علي الجبل لأن إجابة المسيح كانت من المكتوب ، وهكذا أيوب كن يتمتع بالحصانة والسياج بالقدر الذي يحبط كل محاولة من إبليس لاقتحام أيوب .

الكمال يتطلب السير بحسب كلمة الله : لا يوجد كمال بدون قوانين ترسم ملامحه ، فقد وضع الله القوانين الإلهية لمن يبتغي الكمال " طُوبَى لِلْكَامِلِينَ طَرِيقًا، السَّالِكِينَ فِي شَرِيعَةِ الرَّبِّ. " ( مز 119 : 1 ) فالسالك بالكمال يستطيع أن يتمتع باستجابة صلواته كما حدث مع حزقيا الملك عندما أتي إليه ناثان النبي معلنا له انه سيموت في ميعاد محدد ، وعليه أن يستدعي أهله وأقربائه لتوديعهم ، فصرخ أمام الرب فاستجاب له وأمد في عمره خمسة عشر سنة "  آهِ يَا رَبُّ، اذْكُرْ كَيْفَ سِرْتُ أَمَامَكَ بِالأَمَانَةِ وَبِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَفَعَلْتُ الْحَسَنَ فِي عَيْنَيْكَ». وَبَكَى حَزَقِيَّا بُكَاءً عَظِيمًا." (2مل 20 : 3  ) فالمستقيمين والكاملين لهم بركة الامتلاك والاستقرار فهم  "  يسكنون الأرض " ( أم 2 : 21 ) 

الكمال غاية إلهية لأولاد الله : الطلبة الأساسية التي طلبها الرب من تلاميذه أن يكونوا كاملين "  فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ." ( مت 5 : 48 ) فالسعي نحو الكمال ليس بالأمر الصعب والمستحيل ، لآن كلمة الله لنا وبين أيدينا ، وللإنسان عقل يستطيع أن يقبل ويرفض كيفما يريد ، إما أن يجعل قوانين الله ومبادئه هي المتحكمة في قراراته ، وإما أن يعيش حسب أهوائه وملذاته ، فالكلمات التي يقولها البعض مثل: " لا أستطيع .. أو .. لا أقدر .. أو .. لا اعرف " ما هي إلا عبارات معلقة في أرفف داخل دولاب الأرواح الشيطانية لتعطيل النفس في السير نحو الكمال من خلال كلمة الله الحية ، فهي تخزن داخل النفس البشرية أيضاً فيستطيع إبليس أن يستخدمها ويحققها ، ويستدعي منها ما يشاء لأنها مخزنة ، لذلك أناشد كل مؤمن أن يبتعد عن الكلمات السلبية التي تتبناها النفس البشرية وتكون أداة قوية في يد إبليس ، فيحقق منها ما يشاء ويترك منها ما يشاء لوقت الاحتياج . 

الكمال في الفكر الواحد : الفكر الواحد يجمعنا من خلال الإيمان بالمبادئ الكتابية وليس الصراع علي المناصب والكراسي سواء في المجتمع أو الكنيسة ، فمن يختلف علي مبادئ كلمة الله عندما تقول : " لا تزني " " لا تشتم " " لا تقتل " " لا تحلف " " حب قريبك كنفسك " " أكرم أباك وأمك .. " ...الخ. فمبادئ الله هي التي تجمع أولاد الله معاً ، والحيدان عنها تفرقهم ، فمن يحب نفسه فقط ولا يحب قريبه كنفسه فهو يفرق بينه وبين أخيه أو قريبه ، فكلمة الله تجمعنا ومبادئه توحدنا ، وهذه طلبة الرسول بولس من كنيسة كورنثوس " وَلكِنَّنِي أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَقُولُوا جَمِيعُكُمْ قَوْلاً وَاحِدًا، وَلاَ يَكُونَ بَيْنَكُمُ انْشِقَاقَاتٌ، بَلْ كُونُوا كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ، " ( 1كو 1 : 10 ) يعلم إبليس جيدا أن الكنيسة لا تنمو وسط جيل غير كامل كمال بحسب قلب الله ، لذلك يحاول بكل جهد ونشاط نشر البذور النفسية و الذاتية ، فيتعاملون بعضهم مع بعض بنفسية غير سوية ، والتمركز حول الذات ، فينجح في التفرقة ، فقد استطاع أن يبعد أنظار المؤمنين عن المبادئ الكتابية التي يجب أن يعيشون بها ولأجلها ، فهدف الله من المؤمنين أن يكونوا كاملين ، فالله لا يريدنا أطفالاً في أذهاننا بل أطفالا في الشر " أَيُّهَا الإِخْوَةُ، لاَ تَكُونُوا أَوْلاَدًا فِي أَذْهَانِكُمْ، بَلْ كُونُوا أَوْلاَدًا فِي الشَّرِّ، وَأَمَّا فِي الأَذْهَانِ فَكُونُوا كَامِلِينَ. " ( 1كو 14 : 20 ) كي نكون أطفالا في الشر علينا أن ننظر إلي تصرفات الأطفال بعضهم مع بعض ، فأي خلاف بينهم لا يستمر أكثر من خمسة آو عشرة دقائق ، فتجدهم يمرحون معا ويلعبون بكل سعادة وبساطة قلب وبكل الحب ، وهذا ما يريدنا الله أن نفعله " وَعَلَى جَمِيعِ هذِهِ الْبَسُوا الْمَحَبَّةَ الَّتِي هِيَ رِبَاطُ الْكَمَالِ. " ( كو 3 : 14 ) 


الارتباط العائلي درجة من درجات الكمال :  " وَكَانَ بَنُوهُ يَذْهَبُونَ وَيَعْمَلُونَ وَلِيمَةً فِي بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي يَوْمِهِ، وَيُرْسِلُونَ وَيَسْتَدْعُونَ أَخَوَاتِهِمِ الثَّلاَثَ لِيَأْكُلْنَ وَيَشْرَبْنَ مَعَهُمْ. " ( أي 1 : 4 ) 

ارتباط عائلي رائع جدا نادر الوجود في هذا الزمان السريع المتقلب ، فالبنون الفاهمون إرادة أبيهم قليلون فقد قال عنهم الرب " هُوَذَا الْبَنُونَ مِيرَاثٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ، ثَمَرَةُ الْبَطْنِ أُجْرَةٌ. ٤كَسِهَامٍ بِيَدِ جَبَّارٍ، هكَذَا أَبْنَاءُ الشَّبِيبَةِ. ٥طُوبَى لِلَّذِي مَلأَ جَعْبَتَهُ مِنْهُمْ. لاَ يَخْزَوْنَ بَلْ يُكَلِّمُونَ الأَعْدَاءَ فِي الْبَابِ." ( مز 127 : 3 ـ 5 ) هكذا كانوا أولاد أيوب بالنسبة له فهم له ميراث ، فهم عزوته ، ومثل غروس الزيتون حول مائدته ( مز 128 : 3 ) ما فعلوه أولاد أيوب يعطي فهم رائع  لـ : 

الترابط والوحدة :  هذا ما يريده الله من المؤمنين " هُوَذَا مَا أَحْسَنَ وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَسْكُنَ الإِخْوَةُ مَعًا! " ( مز 133 : 1 ) هدف رائع أن يتحدوا المؤمنين معا ويكون لهم شركة روحية واجتماعية فيها يكسرون خبزا ويأكلون معا ويترنمون ويسبحون الله وتظهر المحبة بعضهم نحو بعض " لِتَثْبُتِ الْمَحَبَّةُ الأَخَوِيَّةُ. " ( عب 13 : 1 ) إن حياة الانعزالية تضعف المحبة تجاه الآخرين ، أما حياة الشركة والعطاء تزيد المحبة وتظهرها ، كانت السمة الأساسية التي تظهر أولاد أيوب عن غيرهم هو الارتباط والترابط بعضهم نحو بعض ، وأيضا ما يظهر أولاد الله عن الآخرين هي المحبة بعضنا تجاه بعض ، فقد كانت وصية الرب لتلاميذه " وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا.  بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ. " ( يو 13 : 34 ، 35 ) هذا الحب وهذا الترابط يعطي فرصة للروح القدس كي يعمل وسط أولاده ، فعندما كانوا التلاميذ بنفس واحدة حل الروح القدس عليهم "  وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ،  وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا.تفسير وليم ماكدونالد" ( أع 2 : 1 ، 4 ) فلم يقتصر الأمر علي يوم الخمسين فقط بل صار كل يوم  " وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِابْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ،  " ( أع 1 : 46 ) فالكنيسة الناجحة هي التي تجمع أعضائها كإخوة معا يدرسون الكلمة ويواظبون علي أن يكون كل شئ بينهم مشتركا " وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا.  " ( أع 4 : 32 ) فروح الوحدة والترابط يعطي نمو وبنيان للكنيسة .

سواء كنت أخ في أسرة أو في كنيسة أو جماعة مؤمنين ، ما عليك إلا أن تسعي لروح الوحدانية فتعيش كنيسة حقيقية لها روح المسيح ، هذه هي الوصية التي قالها الرسول بولس لأهل أفسس " مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ. " ( أف 4 : 3 ) ولكي نحفظ وحدانية الروح إثناء اجتماعنا وارتباطنا بعضنا ببعض علينا أن نراعي هذه الرباعية : طهارة النفس وطاعة الحق وعدم الرياء وان يكون لنا قلب طاهر " طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ. " ( 1بط 1 : 22 ) إن أهملنا رباعية المحبة الأخوية فسنخسر الكثير والكثير فطهارة النفس تجاه الآخرين تلزمنا باحترام الأخر وعدم استغلاله ، وطاعة الحق تلزمنا أن نسير في كمال الله بعضنا نحو بعض ، وعدم الرياء يجعلنا واضحين ولا خوف من التعامل بعضنا مع بعض ، والقلب الطاهر يزيد المحبة الأخوية التي بلا أغراض داخلية غير واضحة ، وأقول مع الرسول بطرس : " وَالنِّهَايَةُ، كُونُوا جَمِيعًا مُتَّحِدِي الرَّأْيِ بِحِسٍّ وَاحِدٍ، ذَوِي مَحَبَّةٍ أَخَوِيَّةٍ، مُشْفِقِينَ، لُطَفَاءَ، " ( 1بط 3 : 8 ) فلنبدأ ولنكون متحدي الرأي ولطفاء. 

الكمال في حياة المؤمن يجعله مدعم روحيا من الله بالحماية الالهية ، نعم احبائي لنا الكمال في المسيح ، وهذا الكمال يمنحنا الحق في سياج الله لكل مؤمن ، ولكن إن لم نعيش في مخافة الله ( الكمال في جانب السلوك ) سنكون عرضة لرفع السياج إن اشتكي ابليس علي حياتنا ، من اجل هذا اطلب من قارئي العزيز أن يكون دقيقا في معرفته الكتابية التي تفتح له افاق روحية ومستويات من السلوك التي تجعله في حماية وسياج ودعم روحي غير عادي . 

--------------------------------------------------

الفصل الثاني 

أيوب ومستوي الكهنوت

وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: «رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ». هكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّامِ. أي 1 : 5


يقف أيوب في دائرة الكمال من خلال ما قدمناه في الفصل السابق ، وهذا يقودنا إلي مستوي جديد من المستويات الروحية التي لأيوب الذي كان له علاقة قوية بإله السماء ، كما كان إبراهيم واسحق ويعقوب ، فقد كان يريد أيوب أن يرضي الله بكل الطرق الممكنة التي تعلمها أو عرفها فما كان يفعله أيوب من كهنوت فقد كان كهنوت العائلات ، لذلك أريد أن أدعوا القارئ العزيز لدراسة الكهنوت ومراحله الأربعة ، لمعرفة المرحلة التي كانت لأيوب ، وفي أي مرحلة نحن ؟ .  

الكهنوت في مراحله الأربع

  ابتداء من آدم نري أنه كان قديماً قبل النظام الموسوي ( قبل موسى النبي ) كان كل الأفراد يقدمون الذبائح عن أنفسهم  "  و قدم هابيل أيضا من أبكار غنمه و من سمانها فنظر الرب إلى هابيل و قربانه " ( تك 4 : 4 ) ، وعندما جاء المسيح الذي هو آدم الأخير أيضاً جعل كل من يؤمن به يستطيع أن يقدم ذبائح ترفع باسم المسيح رئيس كهنتنا . " فاطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية " (رومية 12: 1) أما ما كان يفعله أيوب يدرج في دائرة الكهنوت العائلي دون أن يدرك هذا ، فقد كان يفعل كل الأيام ، هيا ندرس معا مراحل الكهنوت الأربعة في كلمة الله . 

1 ـ  من أدم إلي إبراهيم :  

        كان كل فرد مسئول عن أن يقدم ذبيحة لنفسه وعن نفسه فقدم هابيل وقايين ذبائح  "  و قدم هابيل أيضا من أبكار غنمه و من سمانها فنظر الرب إلى هابيل و قربانه " ( تك 4 : 4 ) هكذا نري أنه منذ بداية الخليقة والله يريد أن تكون العلاقة شخصية بين الفرد وربه ، ولكن بسبب الخطية التي دخلت إلي العالم عن طريق ادم "  لكن قد ملك الموت من ادم إلى موسى و ذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي ادم الذي هو مثال الأتي  " (رومية  5 : 14) وبعمل الله الكهنوت اللاوي صار الاقتراب إلي الله من خلال الذبيحة بواسطة الكاهن 

2 ـ  ثم من إبراهيم إلي موسي :   

          أصبح كل رئيس عائلة يقدم ذبيحة  : فكان نوح وإبراهيم وأيوب يكهنون لبيوتهم " و بني نوح مذبحا للرب و اخذ من كل البهائم الطاهرة و من كل الطيور الطاهرة و اصعد محرقات على المذبح فتنسم الرب رائحة الرضا " ( تك 8 : 20 ) " و ظهر الرب لإبرام و قال لنسلك أعطي هذه الأرض فبني هناك مذبحا للرب الذي ظهر له ثم نقل من هناك إلى الجبل شرقي بيت إيل و نصب خيمته و له بيت إيل من المغرب و عاي من المشرق فبني هناك مذبحا للرب و دعا باسم الرب " ( تك 12 : 8 ) واليك قارئي العزيز شاهد أخر يثبت أن أيوب كان يقدم ذبائح كما كان يقدمها إبراهيم واسحق ويعقوب "  و كان لما دارت أيام الوليمة أن أيوب أرسل فقدسهم و بكر في الغد و أصعد محرقات على عددهم كلهم لان أيوب قال ربما أخطا بني و جدفوا على الله في قلوبهم هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام " ( أي 1 : 5 ) ، وهنا نري نظام كهنوت العائلات أي أن يكون الكاهن رئيس العائلة ويقدم ذبائح عن أسرته أو عائلته ، هكذا كان يفعل أيوب وإبراهيم وهذا ما فعله موسي مع شيوخ بني إسرائيل "  فدعا موسى جميع شيوخ إسرائيل و قال لهم اسحبوا و خذوا لكم غنما بحسب عشائركم و إذبحوا الفصح " ( خر 12 : 21 ) . 

3 ـ ثم من موسي إلي المسيح :  

        لا يستطيع احد أن يقدم ذبيحة إلا عن طريق الكاهن المعين من الرب من سبط لآوي لأن  قديماً كان الشعب قاصر في أن يقترب إلي الله ، فعين لهم من ينوب عنهم ويكونون بمثابة وسطاء وشفعاء لأجل الشعب ، لذلك أقام الرب من أسباط إسرائيل الإثنى عشر ، سبطاً واحداً ليكهن أمام الرب وهو سبط لاوي  " و قرب إليك هرون أخاك و بنيه معه من بين بني إسرائيل ليكهن لي هرون ناداب و ابيهو العازار و ايثامار بني هرون و اصنع ثيابا مقدسة لهرون أخيك للمجد و البهاء و تكلم جميع حكماء القلوب الذين ملأتهم روح حكمة أن يصنعوا ثياب هرون لتقديسه ليكهن لي ........ " ( خر 82 ) وحظر من ذلك الوقت ممارسة الكهنوت في إسرائيل إلا في السلالة الرسمية "  و قاوموا عزيا الملك و قالوا له ليس لك يا عزيا أن توقد للرب بل للكهنة بني هرون المقدسين للإيقاد اخرج من المقدس لأنك خنت و ليس لك من كرامة من عند الرب الإله " ( 2أخ 26 : 18 ) فبعد أن جاء المسيح نحن لسنا في احتياج لتقديم مثل هذه الذبائح  . 

4 ـ ثم من المسيح إلي مجيئه : 

         فقد وصف يسوع بأنه رئيس كهنة المؤمنين العظيم الذي رش قدس الأقداس السماوي بدمه والذي جلس عن يمين الأب هناك حيث هو الآن يشفع فيهم" فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السماوات يسوع ابن الله فلنتمسك بالاقرار" ( عب 4 : 14 ) فإن كان الكاهن في العهد القديم يضع يده علي الخاطئ واليد الأخرى علي الذبيحة ويطلب من الرب لغفران الخطايا ، لكن بمجئ المسيح لخلاص نفوسنا بموته علي الصليب ، صار هو الذبيح الأعظم وأيضا هو رئيس الكهنة ، فصار الوسيط والشفيع بيننا وبين الله لذلك نحن الآن لسنا في احتياج لشفيع أو وسيط غير المسيح لذلك يقول الوحي المقدس  " فمن ثم يقدر أن يخلص أيضا إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم" ( عب 7 : 25 ) ، فالمسيح الآن يشفع من اجلنا عند ألآب ، وعندما ينظر الأب إلي الذبيح الأعظم يري انه قد أوفى الدين ،  والحساب قد سدد ، فيأمر بالبركة ، وهذا ما يقوله الكتاب المقدس " و ليس بدم تيوس و عجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبديا" ( عب 9 : 12 ) 

      فمن هذه الآيات السابقة نري أن المسيح له كل المجد هو رئيس الكهنة الذي يشفع فينا ، لذلك نحن في هذه الأيام لا نحتاج إلي رئيس كهنة كي يكون وسيط بيننا وبين الله لأن المسيح هو وسيط بين الله والناس  "  لأنه يوجد اله واحد و وسيط واحد بين الله و الناس الإنسان يسوع المسيح "   (تيموثاوس الأولى  2 : 5) فمن ينظر إلي أي إنسان كوسيط بينه وبين الله فهو بالتالي يدخل في دائرة بعيدة عن كلمة الله لذلك يقول الكتاب عن المسيح  " و لكنه الآن قد حصل على خدمة أفضل بمقدار ما هو وسيط أيضا لعهد أعظم قد تثبت على مواعيد أفضل "  (العبرانيين  8 : 6) فكل من يؤمن بهذا يكون له حياة أبدية وميراث ابدي " و لأجل هذا هو وسيط عهد جديد لكي يكون المدعوون إذ صار موت لفداء التعديات التي في العهد الأول ينالون وعد الميراث الأبدي " (العبرانيين  9 : 15) فإن كان المسيح قد أبطل كل الكهنوت السابق بموته علي الصليب ، لأنه لم يري في الكهنوت اللاوي كمال "  فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال إذ الشعب اخذ الناموس عليه ماذا كانت الحاجة بعد إلى أن يقوم كاهن أخر على رتبة ملكي صادق و لا يقال على رتبة هرون "  (العبرانيين  7 : 11)  

       لذلك أيها القارئ العزيز / أنظر إلي المسيح وحده فهو الكاهن وهو رئيس الكهنة وهو الوسيط الوحيد وهو الشفيع "   يا أولادي اكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا و إن اخطأ احد فلنا شفيع عند الأب يسوع المسيح البار "  (يوحنا الأولى  2 : 1) وهو الكل في الكل " و إلى وسيط العهد الجديد يسوع و إلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل  (العبرانيين  12 : 24) فمن ينظر إلي كهنوت ارضي فهو ينظر إلي سراب ، لأن الرب أقام كهنوت روحي وليس بالمعنى الحرفي كما في العهد القديم 0 ولأهمية الموضوع أضيف أمورا أخري تثبت أننا لسنا اليوم في حاجة إلي كهنوت يماثل كهنوت سبط لاوي ، لآن المسيح جاء وهو الأعظم من كهنوت لاوي ، فوظيفة الكاهن هي ألان للمسيح وقد تممها وما زال يتممها . لذلك تابع ما يلي : 

المسيح كونه كاهن : 

     ومن اخص تعاليم الكتاب المقدس في الوظيفة الكهنوتية 

          قد دعي المسيح كاهناً في الكتاب المقدس : واليك بعض الآيات بدون تعليق : 

" اقسم الرب و لن يندم أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق " ( مز 110: 4 ) 

" كما يقول أيضا في موضع أخر أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق " ( عب 5: 6 ) 

" حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا صائرا على رتبة ملكي صادق رئيس كهنة إلى الأبد " ( عب 6: 20 ) 

" فهو يبني هيكل الرب و يحمل الجلال و يجلس و يتسلط على كرسيه و يكون كاهنا على كرسيه و تكون مشورة السلام بينهما كليهما " ( زك 6: 13 ) 

     وقد نسبت للمسيح الأعمال الكهنوتية : واليك بعض الآيات بدون تعليق :

" أما الرب فسر بان يسحقه بالحزن أن جعل نفسه ذبيحة إثم يرى نسلا تطول أيامه و مسرة الرب بيده تنجح  ، لذلك اقسم له بين الأعزاء و مع العظماء يقسم غنيمة من اجل انه سكب للموت نفسه و أحصي مع آثمة و هو حمل خطية كثيرين و شفع في المذنبين" ( أش 53 : 10 و 12 ) 

" سبعون أسبوعا قضيت على شعبك و على مدينتك المقدسة لتكميل المعصية و تتميم الخطايا و لكفارة الإثم و ليؤتى بالبر الأبدي و لختم الرؤيا و النبوة و لمسح قدوس القدوسين ، فاعلم و افهم انه من خروج الأمر لتجديد أورشليم و بنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع و اثنان و ستون أسبوعا يعود و يبنى سوق و خليج في ضيق الأزمنة " ( دا 9 : 24 ، 25 ) 

     فالمسيح هو المرموز إليه في الكهنوت اللاوي ولا سيما في رئيس الكهنة العظيم وفي الذبائح وقد بين ذلك الوحي في الرسالة إلي العبرانيين احلي بيان ، فقال عنه ما يلي : 

     1 ـ كان المسيح إنسانا من بني جنسنا : 

" لأنه حقا ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل إبراهيم " ( عب 2 : 16 ) 

"  لان ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثي لضعفاتنا بل مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية " ( عب 4 : 15 ) 

    2 ـ مختارا من الله: 

"  كذلك المسيح أيضا لم يمجد نفسه ليصير رئيس كهنة بل الذي قال له أنت ابني أنا اليوم ولدتك ، كما يقول أيضا في موضع أخر أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق " ( عب 5 : 5 ، 6 ) 

    3 ـ قدوساً وطاهراً : 

" لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر و لا دنس قد انفصل عن الخطاة و صار اعلي من السماوات " ( عب 7 : 26 ) 

" فأجاب الملاك و قال لها الروح القدس يحل عليك و قوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله " ( لو 1 : 35 ) 

    4 ـ له حق الاقتراب إلي الله والقبول لديه عنا كرئيس كهنة : 

" خرجت من عند الأب و قد أتيت إلى العالم و أيضا اترك العالم و اذهب إلى الأب " ( يو 16 : 28 ) و 

" الذي و هو بهاء مجده و رسم جوهره و حامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي " ( عب 1 : 3 ) 

" و أما المسيح و هو قد جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة فبالمسكن الأعظم و الأكمل غير المصنوع بيد أي الذي ليس من هذه الخليقة ، و ليس بدم تيوس و عجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبديا ، لأنه إن كان دم ثيران و تيوس و رماد عجلة مرشوش على المنجسين يقدس إلى طهارة الجسد ، فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي " ( عب 9 : 11 ـ 14 )  

       فالقول أن المسيح كاهن لينوب عنا فيما يختص بالله بالذبائح والشفاعة من أوضح تعاليم الكتاب المقدس

المسيح تمم وظيفة الكاهن فعلاً : 

      تحدثنا من قبل أن وظيفة الكاهن هي الآن للمسيح واليك الآن إثبات أن المسيح قد تممها وما زال يتممها : 

      1 ـ المسيح كوسط بين الله والناس ولا حاجة لوسيط غيره :

" قال له يسوع أنا هو الطريق و الحق و الحياة ليس احد يأتي إلى الأب إلا بي " ( يو 14 : 6 ) 

" انه يوجد اله واحد و وسيط واحد بين الله و الناس الإنسان يسوع المسيح " ( 1تي 2 : 5 ) 

" و لكنه الآن قد حصل على خدمة أفضل بمقدار ما هو وسيط أيضا لعهد أعظم قد تثبت على مواعيد أفضل ، فانه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طلب موضع لثان " ( عب 8 : 6 ، 7 ) 

" و إلى وسيط العهد الجديد يسوع و إلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل " ( عب 12 : 24 ) 

      2 ـ قدم ذبيحة كقارية : 

" و اسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضا و اسلم نفسه لأجلنا قربانا و ذبيحة لله رائحة طيبة " ( أف 5 : 2 ) 

" فإذ ذاك كان يجب أن يتألم مرارا كثيرة منذ تأسيس العالم و لكنه الآن قد اظهر مرة عند انقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه " ( عب 9 : 26 ) 

" و أما هذا فبعدما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله " ( عب 10 : 12 ) 

" و هو كفارة لخطايانا ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضا " ( 1يو 2 :2 ) 

      3 ـ المسيح شفيع في الشعب ولازال يشفع فيهم : 

" من هو الذي يدين المسيح هو الذي مات بل بالحري قام أيضا الذي هو أيضا عن يمين الله الذي أيضا يشفع فينا " ( رو 8 : 34 ) 

" فمن ثم يقدر أن يخلص أيضا إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم " ( عب 7 : 25 ) 

"  يا أولادي اكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا و إن أخطا احد فلنا شفيع عند الأب يسوع المسيح البار " ( 1يو 2 : 1 ) 

     ولا ريب أن المسيح تتم هذه الأعمال الكهنوتية حقيقة لا مجازاً لأنه كان المرموز إليه برموز العهد القديم والرمز إشارة إلي ما هو حقيقي ولا يكون الرمز إشارة إلي رمز أخر "  و أما المسيح و هو قد جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة فبالمسكن الأعظم و الأكمل غير المصنوع بيد أي الذي ليس من هذه الخليقة ، و ليس بدم تيوس و عجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبديا " ( عب 9 : 10 ـ 12 ) 

" لان الناموس إذ له ظل الخيرات العتيدة لا نفس صورة الأشياء لا يقدر أبدا بنفس الذبائح كل سنة التي يقدمونها على الدوام أن يكمل الذين يتقدمون " ( عب 10 : 1 ) واليك شواهد أخري يمكنك قرأتها من الكتاب المقدس  ( عب 5 : 7 ـ 9 ) ( عب 9 : 26 ـ 28 ) ( رو 5 : 19 ) 

        هكذا نري أن المسيح تمم وظيفة الكهنوت  ، وكل المؤمنين يستطيعوا أن يقوموا بنفس الدور لأنهم كهنة فيستطيعوا أن يصلوا من اجل بعض ويطلبوا من اجل بعض ، لأنهم كهنة وهذا ما سوف نراه في النقطة القادمة . 

كهنوت جميع المؤمنين : 

          بما أن المسيحي المؤمن متحد بالمسيح إتحاداً روحياً فهو يشترك في فوائد موته وفي أمجاد نصرته وله حقوق خاصة من نعمة الله مبنية علي تلك الشركة ومنها حق القدوم رأساً إلي الله بالمسيح حتى حق الدخول إلي الأقداس بدم يسوع " فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع ، طريقا كرسه لنا حديثا حيا بالحجاب أي جسده ، و كاهن عظيم على بيت الله ، لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير و مغتسلة أجسادنا بماء نقي ، لنتمسك بإقرار الرجاء راسخا لان الذي وعد هو أمين "  ( عب 10 : 19 ـ 23 ) وإذا تقدم المؤمن علي هذه الكيفية بقلب صادق وبنفس متجددة مقدسة فله أن يقدم ذبائح روحية لا كفارية كالتسبيح والتضرع والتشكر باسم يسوع المسيح وأن يشفع في غيره من الأحياء "  فلنقدم به في كل حين لله ذبيحة التسبيح أي ثمر شفاه معترفة باسمه " ( عب 13 : 15 ) 

"  فاطلب أول كل شيء أن تقام طلبات و صلوات و ابتهالات و تشكرات لأجل جميع الناس ، لأجل الملوك و جميع الذين هم في منصب لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى و وقار " ( 1تي 2 : 1 ، 2 ) 

"  كونوا انتم أيضا مبنيين كحجارة حية بيتا روحيا كهنوتا مقدسا لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح ، و أما انتم فجنس مختار و كهنوت ملوكي امة مقدسة شعب اقتناء لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب " ( 1بط 2 : 5 ، 9 )  

           فما رأي القارئ العزيز في حقيقة الأمر ، أليس الرب قد قال علي الصليب قد أكمل ، فقد أكمل كل شئ ، وما علينا إلا أن نقبل عمل المسيح الكفاري الذي عمله علي الصليب ، فرفع مكانتنا ، وجعلنا ملوك وكهنة " و جعلنا ملوكا و كهنة لله أبيه له المجد و السلطان إلى ابد الآبدين آمين " (الرؤيا  1 : 6) " و جعلتنا لإلهنا ملوكا و كهنة فسنملك على الأرض "  (الرؤيا  5 : 10) 

     لذلك نري أن العمل الكهنوتي لكل من يؤمن بالمسيح ، يكون كاهن لله ، فيستطيع أن يتقدم دائماً إلي الله بقلب صادق في يقين الإيمان ، فليبارك الرب قارئي العزيز ويعطه فهما وإيمانا . 

بعد كل هذا نري أن أيوب كان كإبراهيم يقدم ذبائح ويكهن كهنوت العائلات وهذا العمل بمثابة درجة من درجات الكمال ، فقد كان يقوم بتقديس أولاده ليكونوا كاملين أمام الله ، ومع كل هذا جرب من إبليس ، لماذا ؟ هذا ما سنتناوله في الفصول القادمة . 

--------------------------------------------------

الفصل الثالث 

مستوي السياج الإلهي 

وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسْطِهِمْ. فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟ أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ. أي 1 : 6 ـ 10 

ما يحدث في عالم الروح : ليس بالضروري أن ندركه ، ولكننا يجب أن نعرفه  ، فقد أعلن لنا الله من خلال كلمته بعض المواقف والشواهد التي تجعلنا في فهم دائم عن عالم الروح وارتباطنا به ، سواء كان ايجابيا أو سلبيا ، فليس كل ما لا تراه غير موجود  لأنه يوجد أمور كثيرة لا تري لكنها موجودة وتؤثر فينا ونؤثر فيها ، فالأرواح النجسة والملائكة وأرواح البشر لا تري بالعين المجردة ، لكنها موجودة ، أيضا الله لا يُري بالعين المجردة وهو كلي الوجود ، أما الملائكة كائنات مختلفة تماما عن البشر.  البشر لا يتحولون إلي ملائكة بعد الموت.  الملائكة لم ولن يكونوا بشرا أبدا.  فالله خلق الملائكة كما خلق البشرية.  ولا يذكر الكتاب المقدس في أي جزء أن الملائكة قد خلقوا علي صورة الله كشبهه مثل البشر "وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».  " (تكوين 26:1).  فالملائكة مخلوقات روحية ولكن يمكنها إلي حد معين أن تأخذ شكلا ماديا.  البشر مخلوقات مادية ولديهم صفات روحية.  والشيء المؤثر الذي يمكننا أن نتعلمه من الملائكة هو أطاعتهم لأوامر الله ووصاياه من غير اعتراض أو تسأول.

ما حدث انه جاء " بنو الله " ( الملائكة )  ليمثلوا أمام الرب ، وجاء الشيطان في وسطهم ، كل هذا حدث في السماء فقد تكرر هذا الأمر في سفر أيوب مرتين ( 1 : 6 ، 2 : 1 ) وفي كل مرة لإبليس شكاية علي أيوب.


لا غرابة في أن إبليس يأتي إلي مكان الحضرة الإلهية ذهابا وإيابا من الأرض للسماء ، فهو كان من قاطنيها ، ويعلم بكل ما فيها ، وله المقدرة للمثول أمام الله ، كائن ملائكي ساقط من مركزه في السماء كنتيجة لخطيئته والآن هو معارض لله، ويحاول أن يمارس كل قوته ليفسد غرض الله للبشرية، إبليس خلقه الله كملاك طاهر " كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ، بِنْتَ الصُّبْحِ؟ كَيْفَ قُطِعْتَ إِلَى الأَرْضِ يَا قَاهِرَ الأُمَمِ؟  " ( أش 14 : 12 ) زهرة كوكب عظيم لامع جداً وهو تزييف «لكوكب الصبح المنير» الشيطان يُقلد المسيح. أراد أن يكون مكان الله ، ويجلس علي جبل الاجتماع أي أن يكون الرأس ، ويصير مثل العلي " أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ." ( أش 14 : 14 ) فقد كان إبليس أعلي الملائكة المخلوقة ولكنه تعالي وتكبر لذلك سقط .  

بسبب خطيئته فقد القي الله إبليس خارج السماء. وصار رئيس هذا العالم ورئيس سلطان الهواء " اَلآنَ دَيْنُونَةُ هذَا الْعَالَمِ. اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا. " ( يو 12 : 31 ) بالمسيح أنتزع من إبليس سلطانه علي المؤمنين المستنيرين الفاهمين فقد طرح إبليس خارج دائرتهم وصار بلا سلطان عليهم " وَلكِنْ إِنْ كَانَ إِنْجِيلُنَا مَكْتُومًا، فَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُومٌ فِي الْهَالِكِينَ، الَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ." ( 2تي 4 : 3 ، 4  ) فهو رئيس هذا العالم وله سلطان علي الأشرار البعدين عن إيمان يسوع المسيح ، وهو أيضا رئيس سلطان الهواء المتحكم في كل خاطي بعيد عن دائرة المسيح " وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً حَسَبَ دَهْرِ هذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ، " ( أف 2 : 1 ، 2 ) ليس هذا فقط لكنه أيضاً المشتكي فقد اشتكي علي أيوب وما زال يشتكي علي أولاد الله إلي أن يأتي اليوم الذي يطرح فيه في جهنم إلي ابد الآبدين " فَطُرِحَ التِّنِّينُ الْعَظِيمُ، الْحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ الْمَدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ، الَّذِي يُضِلُّ الْعَالَمَ كُلَّهُ، طُرِحَ إِلَى الأَرْضِ، وَطُرِحَتْ مَعَهُ مَلاَئِكَتُهُ. وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا قَائِلاً فِي السَّمَاءِ:«الآنَ صَارَ خَلاَصُ إِلهِنَا وَقُدْرَتُهُ وَمُلْكُهُ وَسُلْطَانُ مَسِيحِهِ، لأَنَّهُ قَدْ طُرِحَ الْمُشْتَكِي عَلَى إِخْوَتِنَا، الَّذِي كَانَ يَشْتَكِي عَلَيْهِمْ أَمَامَ إِلهِنَا نَهَارًا وَلَيْلاً.  " ( رؤ 12 : 9 ، 10 ) فما زال إبليس يعمل مجاهدا ليفسد كل ما هو طاهر ونقي ، فيشتكي ويجرب الإنسان محاولاً إسقاطه في دائرة الغضب الإلهي ، فقد جرب ادم وأيوب والمسيح وما زال يجرب إلي الآن " فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ:«إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا». " ( مت 4 : 3 )  ولكن في نهايته العذاب الأبدي في بحيرة النار والكبريت " وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ." ( رؤ 20 : 10 ) لذلك يجب أن تدرك أن إبليس لن يستمر إلي الأبد ، لكنه الفاشل الذي دائما يخسر أمام الرب ، ففي الصليب سحق المسيح رأسه "  وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ»." ( تك 3 : 15 )  وظفر به " إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا، ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ  " ( كو 2 : 15 ) ثم طرح من السماء إلى الأرض " اَلآنَ دَيْنُونَةُ هذَا الْعَالَمِ. اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا. " ( يو 12 : 31 ) ثم قيد وأغلق عليه في الهاوية " وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ." ( رؤ 20 : 10 ) فتمسك بالرب أخي الغالي وبمبادئ كلمة الله واعلم بان لك النصرة في المسيح يسوع . 

يتحرك إبليس بين المؤمنين والخدام الأقوياء محاولاً اقتناصهم أو زعزعتهم ، ولكنه لسبب السياج الإلهي لا يستطيع ، فيبحث عن مؤمن تحرك نحو دائرة من دوائر الظلمة كالخوف أو الفزع أو .... فيجد فرصة ليشتكي عليهم ، فيدخل علي حياتهم العامة أو الخاصة ليجربهم .

     دائما يدرك الإنسان أن الله يحفظه، وكأن الله ملتزم بحفظ الإنسان ومراعاته، فيعطي له رزقه في كل حين، وعندما تحدث للإنسان مصيبة يقول " نحن أفضل من غيرنا بكثير.. و ..  من ينظر بلية الغير تهون عليه بلوته " لكن في الحقيقة أن الله خلق العالم بقوانين ذاتية المفعول ، فخلق الكرة الأرضية بقانون داخلها ومجرات شمسية وأنظمة تتحرك بقوانين ، فأي تدخل من الإنسان ليغير في طبيعة القوانين يصنع خلل في حفظها ، أيضا خلق جسد الإنسان به خلايا تتحرك ذاتيا وتعمل بكفاءة ، فأي تدخل غير قانوني في أنظمتها يصنع خللاً ودمارا في خلاياها ، كذلك نفسية الإنسان لها قوانينها ، وتكوين الإنسان كروح ونفس وجسد له قوانينه ليعمل معا وينتج إنسانا حياً سوي كامل ومتكامل ، فالتدخلات البشرية الغير مدروسة جيدا لا تساعد الإنسان في أن يُحفظ جيدا أو أن يكون بحالة جيدة . 

الحفظ الإلهي للإنسان له قوانينه وأنظمته الروحية التي تجعل الله يسيج حوله دائما  ، أو يستمتع الإنسان بحفظ الهي دائم ، فعندما يحدث إهمال لإحدى القوانين الإلهية ، تحدث ثغرات في درجات السياج الإلهي ، فلا ينسب الإهمال لله ، كلا وألف كلا ، لكن يرجع السبب في أن الإنسان أهمل في استمرارية حفظه لقوانين الله ، وبالتالي وجد إبليس ثغرة ليدخل في حياة الإنسان ليدمرها إن استطاع . 

السياج الإلهي بركة في نظام العهد :  

الحفظ والسياج الإلهي يعمل داخل نظام العهد ، فالخروج عن قوانين وبنود العهد يصنع خللاً روحياً وبالتالي تقل نسبة الحفظ والسياج الإلهي ، فكلما كانت الزجاجة ممتلئة بالماء إلي نهايتها كلما لم يجد الهواء فرصة للدخول ، وكلما قلة نسبة الماء بالزجاجة كلما كانت الفرصة اكبر ومتاحة لدخول الهواء ، هكذا في أمر السياج الإلهي ، كلما امتلأ الإنسان بمبادئ الله وعهده كلما أغلق علي إبليس فرصة الدخول ليدمر ويُهلك . 

ظهر الله لإبراهيم وقال له " أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً، فَأَجْعَلَ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَأُكَثِّرَكَ كَثِيرًا جِدًّا»." ( تك 17 : 1 ، 2 ) فحِفظ الله لإبراهيم ليس كونه إبراهيم ولكن الحفظ الإلهي له كونه داخل العهد ، الله يحفظ عهده فهو قائم لعهده ، فكل من يدخل داخل نطاق العهد فهو محفوظ ، أما من يخرج خارج نظام العهد فقد خسر السياج الإلهي وصار عرضة لهجمات العدو لأنه صار بلا حماية . الشرط الوحيد لنوال بركات العهد هو حفظ العهد والدخول فيه " وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيم: «وَأَمَّا أَنْتَ فَتَحْفَظُ عَهْدِي، أَنْتَ وَنَسْلُكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ. " ( تك 17 : 9 ) حِفظ الله لإبراهيم رغم أخطاءه يرجع لتمسكه بالاستمرارية والسير في المسيرة الإلهية داخل العهد ، لذلك تواصل الله مع اسحق من اجل إبراهيم وقال له : " وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، وَأُعْطِي نَسْلَكَ جَمِيعَ هذِهِ الْبِلاَدِ، وَتَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ سَمِعَ لِقَوْلِي وَحَفِظَ مَا يُحْفَظُ لِي: أَوَامِرِي وَفَرَائِضِي وَشَرَائِعِي». " ( تك 26 : 4 ، 5 ) أما عن الأخطاء فالرب قادر علي تصحيحها ، فعندما اخطأ إبراهيم عندما قال أن سارة أخته وتركها في يد فرعون وفي يد ابيمالك ، فكان تدخل الله لسبب أن إبراهيم داخل العهد الإلهي ولم يخرج عنه ، وهكذا اسحق عندما فعل كما عمل إبراهيم مع ابيمالك ، كان تدخل الله مع اسحق من اجل انه يحمل داخله العهد الإلهي ، وهكذا تدخل الله في حياة لوط عندما ذهب إلي سدوم وعمورة ، يرجع إلي أنه حمل داخله العهد الذي كان لإبراهيم وارتضي أن يخرج من أرضه ومن عشيرته ويسير داخل العهد مع إبراهيم ، فالأخطاء قد تأتي لحياتنا بالمشاكل وبالخسائر الكثيرة ، ولكن لسبب حملنا للعهد الإلهي يكون لنا حق السياج الإلهي والتعويض علي حياتنا . 

قانون: الجديد في الجديد يُحفظ : 

يقول المسيح أن الخمر الجديدة يجب أن توضع في زقاق جديدة لئلا يحدث إتلاف للخمر وللزجاجة " وَلاَ يَجْعَلُونَ خَمْرًا جَدِيدَةً فِي زِقَاق عَتِيقَةٍ، لِئَلاَّ تَنْشَقَّ الزِّقَاقُ، فَالْخَمْرُ تَنْصَبُّ وَالزِّقَاقُ تَتْلَفُ. بَلْ يَجْعَلُونَ خَمْرًا جَدِيدَةً فِي زِقَاق جَدِيدَةٍ فَتُحْفَظُ جَمِيعًا». " ( مت 9 : 17 ) كثيرا ما نخسر حماية الله لنا لتمسكنا بأنظمة قديمة أو تقاليد عتيقة أو عادات ميتة ليس فيها روح ، لذلك يجب أن نخرج خارج هذه الأمور لنكون زجاجة جديدة بها خمرا جديدة ، لم يدخل إبراهيم داخل العهد إلا عندما سمع لقول الرب وخرج من أرضه القديمة وبيت أبيه القديم وعشيرته بتقاليدهم وعاداتهم " وَقَالَ الرَّبُّ لإبرام: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. " ( تك 12 : 1 ) فصار إبراهيم زجاجة جديدة وبداخله عهدا جديدا يختلف عن كل ما هو عتيق . 

بدأ المسيح بعهد جديد وإرسالية جديدة يختلف عن العهد الأول فلم ينقضه ولكن أكمله بعهد جديد ، فقد بدأ بفكرة الخمر الجديد وعندما اختار زجاجة اختارها جديدة ، فدعي تلاميذه وأخرجهم من عالم البحار إلي العهد الجديد ، فهيئهم وغيرهم وجعلهم يصلحون لحمل العهد إلي العالم اجمع ، فصاروا الزجاجة الجديدة للخمر الجديدة ، وهكذا نحن أيضا مدعوين ومقدسين كزجاجة جديدة لنحمل بداخلنا الخمر الجديدة لذلك نحن محفوظين " يَهُوذَا، عَبْدُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَخُو يَعْقُوبَ، إِلَى الْمَدْعُوِّينَ الْمُقَدَّسِينَ فِي اللهِ ألآب، وَالْمَحْفُوظِينَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ: " ( يهـ 1 : 1 ) من اجل هذا ادعوك الآن لتتمسك بالعهد الجديد وتطلب من الرب أن يغيرك فتكون جديدا صالحا لعمل الرب . 

أيوب :  سيج الله حوله وهذا يرجع لأنه كان يحمل داخله فكرة العهد الذي كان لإبراهيم ( لأنه سلك كما سلك الآباء الأولين ) ، فقد كان يتمسك بكماله واستقامة قلبه وتقديم ذبائح ومحرقات كما كان يقدم إبراهيم واسحق ويعقوب ، لذلك شهد له الله بكماله وتقواه ، فلماذا حدث له ما حدث ، هذا ما سنتنناوله في الفصول القادمة . 


الطريق الوحيد الذي لإبليس : تفكير إبليس دائماً داخل نطاق المادة والأشياء الملموسة التي من خلالها يضغط علي البشر ليكسروا مبادئهم الحميدة أو يكسروا مبادئ الله في حياتهم ، هذا هو الطريق الوحيد الذي يستخدمه إبليس مع بني البشر ، فقد تختلف الأساليب ولكن لن تبعد عن هذا الطريق الوحيد ، فقد قال الرسول بولس : " ...... لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ. " ( 2كو 2 : 11 ) فهدف إبليس دائما هي أن نبتعد عن الله ، وأفكاره دائما تَستخدم طريقا واحداً وهو الطريق الملموس والمحسوس ، فيأتي للقديس مجاهدا ليسقطه في النجاسة من خلال الجنس أو ... الخ ، ويأتي للمستقيم محاولا وضعه في دوائر الانحراف وعدم الأمانة من خلال المال أو الجنس أو السلطة أو ... الخ 

استطاع إبليس أن يخرج ادم وحواء من دائرة البراءة والنقاء في عصيان الله من خلال شجرة محسوسة وملموسة فأفسد أذهانهم " وَلكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا خَدَعَتِ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا، هكَذَا تُفْسَدُ أَذْهَانُكُمْ عَنِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ.  " ( 2كو 11 : 3 ) لن يستطيع إبليس أن يدخل إلي الإنسان إلا من خلال أشياء محبوبة للقلب وتكون ملموسة ومحسوسة ومدركة بحسب الحواس الخمسة ( النظر ـ الشم ـ اللمس ـ التذوق ـ السمع ) ليدمر النفس البشرية لأنه لا يستطيع أن يصل إلي دائرة النفس والروح إلا من خلال الجسد بالحواس الخمسة التي ترتبط بالعقل الذي يغذي النفس البشرية ويؤثر في الروح ، من أجل ذلك يقول الرب " مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ. " ( مت 11 : 15 )  فالله أيضا يستخدم كل ما هو ملموس ليصل إلينا ، كالكلمة المكتوبة أو المنطوقة لننظر ونسمع ونقترب إليه فنحيا .

حاول إبليس أن يدخل علي حياة أيوب من خلال كل ما كان يمتلكه ، وما هو محبب لديه ، أراد إبليس أن ينزع أمان أيوب في الممتلكات ويفقده كل ما هو عزيز كالبنين والبنات ، لأنه لا يملك طريق أخر غير طريق المادة الملموسة والمحسوسة لنترك مبادئنا الكتابية آو مبادئ الله الطبيعية التي في حياتنا " وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ». فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ». ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ." ( أي 1 : 11 ، 12 ) 

إن تعلق الإنسان تجاه الأشياء الفانية الزائلة خاطئ جدا ، فكل ما هو ملموس ومحسوس فهو زائل ، حتى جسد الإنسان زائل "  عَرِّفْنِي يَا رَبُّ نِهَايَتِي وَمِقْدَارَ أَيَّامِي كَمْ هِيَ، فَأَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا ‍زَائِلٌ. " ( مز 39 : 4 ) فكل ما هو أرضي ( من الأرض ) فهو زائل " ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا ‍الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ. " ( جا 2 : 11 ) من اجل هذا قال المسيح لنا "  اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْ‍بَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّذِي يُعْطِيكُمُ ابْنُ الإِنْسَانِ، لأَنَّ هذَا اللهُ الآبُ قَدْ خَتَمَهُ. " (  يوحنا ٦:‏٢٧ ) فعندما ننظر إلي ما هو سماوي نغلق علي إبليس فرص كثيرة فلا يستطيع أن يتدخل في حياتنا ، ليس هذا معناه ان نترك العالم ومقتنياته ، بل لتكن قلوبنا غير متعلقة به ، وليكن هدف حياتنا هو للسمائيات وليس للأرضيات. فاستخدم الملموس والمحسوس لتكنز لك كنزا في السماء " بَلِ ‍اكنزوا‍ لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ، " (  متى ٦:‏٢٠) إن إبليس يستخدم الملموس والمحسوس لتدميرك ، والله يستخدم الملموس والمحسوس ليصل إليك ويبنيك ، وأنت استخدم المحسوس والملموس لتكنز لك كنز في السماء التي لا تراها بعد ، فهذا هو الإيمان الذي كان للآباء مثل إبراهيم واسحق ويعقوب وأيوب وغيرهم ، فهم لم يروا المدينة السماوية ولكنهم أمنوا بها ، فيكتب عنهم الوحي ويسجل للتاريخ قائلاً : " فِي الإِيمَانِ مَاتَ هؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ ‍نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ. " (  العبرانيين ١١:‏١٣) فهل أنت هكذا ؟ . 

--------------------------------------------------

الفصل الرابع

البكر وأهميته في كلمة الله

البكر وأهميته في كلمة الله : 

ليس بالغريب علي أولاد أيوب أن يجتمعا معا يأكلون ويشربون كما شرحنا سابقاً ، والشئ الرائع هنا أن الذي يجمعهم هو الأخ الأكبر ( البكر ) فالبكر عليه دائما مسئولية عائلته لأنه حامل المسيرة التي لوالده ، فعندما وضع يعقوب يده اليمني علي ابن يوسف الصغير والأخرى علي الكبير تكلم يوسف مع أبيه ليصحح الوضع " وَقَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ: «لَيْسَ هكَذَا يَا أَبِي، لأَنَّ هذَا هُوَ الْبِكْرُ. ضَعْ يَمِينَكَ عَلَى رَأْسِهِ». " ( تك 48 : 18 ) لآن البكر يبارك دائماً علي اليمين فاليمين مصدر القوة ، فمعني أن الصغير يبارك بركة الكبير يجعل الصغير متفوق وغالب وحامل المسيرة الإلهية التي علي عاتق أبيهم ، فعندما بارك اسحق يعقوب بدل عيسوا دون أن يدري ، فصارت البركة ليعقوب وسار يعقوب في طريق إبراهيم واسحق وحمل مسيرة العهد التي لإبراهيم ، فلو كان قد بارك اسحق عيسوا لحمل عيسوا المسيرة الإلهية وطريق العهد واتي من نسله المسيح ، فالبكر عليه مسئولية كبيرة .

نسب الله لشعبه إسرائيل لقب الابن البكر " فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ." ( خر 4 : 22 ) من اجل ذلك صار الحق لشعب إسرائيل أن يأتي من نسلهم المسيح الذي هو بكر كل خليقة " الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ.  "  ( كو 1 : 15 ) وبكر من الأموات " وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ. " ( كو 1 : 18 ) ليس هذا فقط بل أيضا نسبت للكنيسة أن تدعي بكرا " وَكَنِيسَةُ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَإِلَى اللهِ دَيَّانِ الْجَمِيعِ، وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ،  " ( عب 12 : 23 ) فللابن البكر أهمية كبيرة في عالم الروح وعالم المادة أيضا ، يدرك إبليس هذا ، ويدرك أيضا كيف يكون الوضع الروحي لأيوب وأولاده ، فأيوب رجل كامل ومستقيم ، وأولاده يدركون جيدا أهمية الابن البكر وأهمية اجتماعهم معا ، لذلك أراد إبليس أن يدمر ويحطم كل هذا ليكسر أيوب ويسقط من دائرة بره . 

الخمر في كلمة الله :   

أبناء أيوب كانوا يشربون الخمر ، فقد يسأل سائل كيف يشربون الخمر الم يكن الله قد حرم الخمر ؟ وللإجابة أقول : أن الخمر في زمن نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب وأيوب لم يكن محرما لآن الله لم يكن قد أعطي الشريعة أو الوصايا ، فشرب نوح الخمر ( تك 9 : 21 ) حتى بعد أن أعطي الرب الشريعة فقد منع فقط النذير " فَعَنِ الْخَمْرِ وَالْمُسْكِرِ يَفْتَرِزُ، وَلاَ يَشْرَبْ خَلَّ الْخَمْرِ وَلاَ خَلَّ الْمُسْكِرِ، وَلاَ يَشْرَبْ مِنْ نَقِيعِ الْعِنَبِ، وَلاَ يَأْكُلْ عِنَبًا رَطْبًا وَلاَ يَابِسًا. كُلَّ أَيَّامِ نَذْرِهِ لاَ يَأْكُلْ مِنْ كُلِّ مَا يُعْمَلُ مِنْ جَفْنَةِ الْخَمْرِ مِنَ الْعَجَمِ حَتَّى الْقِشْرِ." ( العدد 6 : 3 ، 4 ) من هنا ابتدأ الوحي الإلهي يسجل لنا أن نبتعد عن كل ما هو مسكِر ( نبيذ ) فالكلمة تأتي بالعبرية :  יין  وتنطق  yah'-yin يايين ، وبالانجليزية : " wine " أي نبيذ ، فإن كان أبناء أيوب يشربون الخمر معا هذا هو الوضع السائد في أيامهما ، كما أن مشروب الشاي هو المشروب العادي جدا الغير مجَرم في مصر رغم وجود به مادة النوكاتين كما في السجائر ، فتجد الشيخ والقسيس ورجل الشارع العادي والجميع يشربون الشاي دون أي تأنيب للضمير ، فهو المشروب العام الذي يقدم للجميع ، كذلك أبناء أيوب كانوا يشربون الخمر كالمشروب العام في هذا الوقت ، أما بعد أن أعلن الكتاب صراحة بعدم شرب الخمر ليستخدم في السُكر فيجب عدم تناوله لغرض السكُر ، أما كعلاج فلا توجد أي موانع لذلك ، فالخمر يستخدم كثيرا في الأدوية للشفاء من اجل الأسقام الكثيرة (1 تيموثاوس ٢٣:٥ ) . 

كلمة خمر في اللغة اليونانية : οἶνος وتنطق oy'-nos اينوس وبالإنجليزية : wine وتعني " نبيذ " فالكلمة باليوناني تعني أن الخمر من هذا النوع ( المسكِر ) لها في كلمة الله عدم استخدامها للسكر كما أعلن الكتاب في العهد القديم مستخدما كلمة (  יין  ) وهكذا في العهد الجديد مستخدما كلمة (οἶνος  )  التي تعني خمر مسكِر كما في بعض الآيات التالية : 

آيات تمنع شرب الخمر في العهد الجديد مستخدما كلمة " أينوس " او " بارينوس " اي مدمن خمر :  

أفسس ٥:‏١٨ وَلاَ تَسْكَرُوا بِ‍الْخَمْرِ (أينوس  ) الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ،

 تيموثاوس الاولى ٣:‏٣ غَيْرَ مُدْمِنِ ‍الْخَمْرِ (   πάροινος   بارينوس  ) ، وَلاَ ضَرَّابٍ، وَلاَ طَامِعٍ بِالرِّبْحِ الْقَبِيحِ، بَلْ حَلِيمًا، غَيْرَ مُخَاصِمٍ، وَلاَ مُحِبٍّ لِلْمَالِ، 

تيموثاوس الاولى ٣:‏٨ كَذلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الشَّمَامِسَةُ ذَوِي وَقَارٍ، لاَ ذَوِي لِسَانَيْنِ، غَيْرَ مُولَعِينَ بِ‍الْخَمْرِ ( أينوس ) الْكَثِيرِ، وَلاَ طَامِعِينَ بِالرِّبْحِ الْقَبِيحِ،

تيطس ١:‏٧ لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ كَوَكِيلِ اللهِ، غَيْرَ مُعْجِبٍ بِنَفْسِهِ، وَلاَ غَضُوبٍ، وَلاَ مُدْمِنِ ‍الْخَمْرِ (  بارينوس ) ، وَلاَ ضَرَّابٍ، وَلاَ طَامِعٍ فِي الرِّبْحِ الْقَبِيحِ، 

آيات تمنع شرب الخمر في العهد القديم مستخدما كلمة " يايين " :

العدد ٦:‏٣ فَعَنِ ‍الْخَمْرِ وَالْمُسْكِرِ يَفْتَرِزُ، وَلاَ يَشْرَبْ خَلَّ ‍الْخَمْرِ " يايين " وَلاَ خَلَّ الْمُسْكِرِ، وَلاَ يَشْرَبْ مِنْ نَقِيعِ الْعِنَبِ، وَلاَ يَأْكُلْ عِنَبًا رَطْبًا وَلاَ يَابِسًا.

العدد ٦:‏٤ كُلَّ أَيَّامِ نَذْرِهِ لاَ يَأْكُلْ مِنْ كُلِّ مَا يُعْمَلُ مِنْ جَفْنَةِ ‍الْخَمْرِ " يايين " مِنَ الْعَجَمِ حَتَّى الْقِشْرِ.

 القضاة ١٣ : 13 ، 14  فَقَالَ مَلاَكُ الرَّبِّ لِمَنُوحَ: "مِنْ كُلِّ مَا قُلْتُ لِلْمَرْأَةِ فَلْتَحْتَفِظْ. مِنْ كُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ جَفْنَةِ الْخَمْرِ " يايين " لاَ تَأْكُلْ، وَخَمْرًا " يايين " وَمُسْكِرًا لاَ تَشْرَبْ، وَكُلَّ نَجِسٍ لاَ تَأْكُلْ. لِتَحْذَرْ مِنْ كُلِّ مَا أَوْصَيْتُهَا". 

إن تتبعت كلمة خمر في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد تجد ففي البداية لم يكن ممنوعا أو محرماً ، ثم صار ممنوعا من النذير أو المرأة الحامل بنذير ، ثم أعلن الكتاب في العهد الجديد أن لا نسكر بالخمر الذي فيه الخلاعة ، فهذا التدرج نراه يسير بحسب النور الذي كان يعلن لشعب الله تدريجيا أيضاً . 

يصنع الخمر من عصير العنب : 

عصير العنب يستعمل بعد عصره بطرق مختلفة: كشراب فاكهة غير مختمر، أو كخمر بعد التخمير، أو كخل بعد زيادة تخميره. وكانت في كل بيت يقدمونها للضيوف لا سيما في الأعياد " وَمَلْكِي صَادِقُ، مَلِكُ شَالِيمَ، أَخْرَجَ خُبْزًا وَخَمْرًا. وَكَانَ كَاهِنًا ِللهِ الْعَلِيِّ. " ( تك 14 : 18 ) فالخمر هنا ليس لاستعماله كمسكر بل كرمز لجسد ودم المسيح ، لاحظ أنه أخرج خبزا وخمرا ، كما أن الخمر يقدم كمشروب للضيوف "  وَلَمَّا فَرَغَتِ الْخَمْرُ، قَالَتْ أُمُّ يَسُوعَ لَهُ:«لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ»." ( يو 2 : 3 ) ، غير أن اليهود، وسائر الأمم، أساءوا استعمالها فوبخهم على ذلك العهد القديم، كما وبخهم أيضا العهد الجديد، واليك هذه النصوص الكتابية : 

أم 20 : 1  اَلْخَمْرُ مُسْتَهْزِئَةٌ. الْمُسْكِرُ عَجَّاجٌ، وَمَنْ يَتَرَنَّحُ بِهِمَا فَلَيْسَ بِحَكِيمٍ.

أم 23 : 29 ـ 35 لِمَنِ الْوَيْلُ؟ لِمَنِ الشَّقَاوَةُ؟ لِمَنِ الْمُخَاصَمَاتُ؟ لِمَنِ الْكَرْبُ؟ لِمَنِ الْجُرُوحُ بِلاَ سَبَبٍ؟ لِمَنِ ازْمِهْرَارُ الْعَيْنَيْنِ؟ لِلَّذِينَ يُدْمِنُونَ الْخَمْرَ، الَّذِينَ يَدْخُلُونَ فِي طَلَبِ الشَّرَابِ الْمَمْزُوجِ. لاَ تَنْظُرْ إِلَى الْخَمْرِ إِذَا احْمَرَّتْ حِينَ تُظْهِرُ حِبَابَهَا فِي الْكَأْسِ وَسَاغَتْ مُرَقْرِقَةً. فِي الآخِرِ تَلْسَعُ كَالْحَيَّةِ وَتَلْدَغُ كَالأُفْعُوانِ. عَيْنَاكَ تَنْظُرَانِ الأَجْنَبِيَّاتِ، وَقَلْبُكَ يَنْطِقُ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ. وَتَكُونُ كَمُضْطَجعٍ فِي قَلْبِ الْبَحْرِ، أَوْ كَمُضْطَجعٍ عَلَى رَأْسِ سَارِيَةٍ. يَقُولُ: «ضَرَبُونِي وَلَمْ أَتَوَجَّعْ! لَقَدْ لَكَأُونِي وَلَمْ أَعْرِفْ! مَتَى أَسْتَيْقِظُ؟ أَعُودُ أَطْلُبُهَا بَعْدُ!». 

أش 5 : 22 وَيْلٌ لِلأَبْطَالِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، وَلِذَوِي الْقُدْرَةِ عَلَى مَزْجِ الْمُسْكِرِ.

أش 28 : 1 ـ 7 وَيْلٌ لإِكْلِيلِ فَخْرِ سُكَارَى أَفْرَايِمَ، وَلِلزَّهْرِ الذَّابِلِ، جَمَالِ بَهَائِهِ الَّذِي عَلَى رَأْسِ وَادِي سَمَائِنِ، الْمَضْرُوبِينَ بِالْخَمْرِ. ....... بِالأَرْجُلِ يُدَاسُ إِكْلِيلُ فَخْرِ سُكَارَى أَفْرَايِمَ. ...... وَلكِنَّ هؤُلاَءِ أَيْضًا ضَلُّوا بِالْخَمْرِ وَتَاهُوا بِالْمُسْكِرِ. الْكَاهِنُ وَالنَّبِيُّ تَرَنَّحَا بِالْمُسْكِرِ. ابْتَلَعَتْهُمَا الْخَمْرُ. تَاهَا مِنَ الْمُسْكِرِ، ضَلاَّ فِي الرُّؤْيَا، قَلِقَا فِي الْقَضَاءِ.

هو 4 : 11 «اَلزِّنَى وَالْخَمْرُ وَالسُّلاَفَةُ تَخْلِبُ الْقَلْبَ.

وقد نهي الكتاب عن شرب الخمر والسكر به : 

1صم 1 : 14 فَقَالَ لَهَا عَالِي: «حَتَّى مَتَى تَسْكَرِينَ؟ انْزِعِي خَمْرَكِ عَنْكِ». فَأَجَابَتْ حَنَّةُ وَقَالت: «لاَ يَا سَيِّدِي. إِنِّي امْرَأَةٌ حَزِينَةُ الرُّوحِ وَلَمْ أَشْرَبْ خَمْرًا وَلاَ مُسْكِرًا، بَلْ أَسْكُبُ نَفْسِي أَمَامَ الرَّبِّ. لاَ تَحْسِبْ أَمَتَكَ ابْنَةَ بَلِيَّعَالَ، لأَنِّي مِنْ كَثْرَةِ كُرْبَتِي وَغَيْظِي قَدْ تَكَلَّمْتُ إِلَى الآنَ».  

1أش 5 : 11 ـ 17  وَيْلٌ لِلْمُبَكِّرِينَ صَبَاحًا يَتْبَعُونَ الْمُسْكِرَ، لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْعَتَمَةِ تُلْهِبُهُمُ الْخَمْرُ. وَصَارَ الْعُودُ وَالرَّبَابُ وَالدُّفُّ وَالنَّايُ وَالْخَمْرُ وَلاَئِمَهُمْ، وَإِلَى فَعْلِ الرَّبِّ لاَ يَنْظُرُونَ، وَعَمَلَ يَدَيْهِ لاَ يَرَوْنَ. لِذلِكَ سُبِيَ شَعْبِي لِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ، وَتَصِيرُ شُرَفَاؤُهُ رِجَالَ جُوعٍ، وَعَامَّتُهُ يَابِسِينَ مِنَ الْعَطَشِ. لِذلِكَ وَسَّعَتِ الْهَاوِيَةُ نَفْسَهَا، وَفَغَرَتْ فَاهَا بِلاَ حَدٍّ، فَيَنْزِلُ بَهَاؤُهَا وَجُمْهُورُهَا وَضَجِيجُهَا وَالْمُبْتَهِجُ فِيهَا! وَيُذَلُّ الإِنْسَانُ وَيُحَطُّ الرَّجُلُ، وَعُيُونُ الْمُسْتَعْلِينَ تُوضَعُ. وَيَتَعَالَى رَبُّ الْجُنُودِ بِالْعَدْلِ، وَيَتَقَدَّسُ الإِلهُ الْقُدُّوسُ بِالْبِرِّ.

1كو 5 : 11 وَأَمَّا الآنَ فَكَتَبْتُ إِلَيْكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ مَدْعُوٌّ أَخًا زَانِيًا أَوْ طَمَّاعًا أَوْ عَابِدَ وَثَنٍ أَوْ شَتَّامًا أَوْ سِكِّيرًا أَوْ خَاطِفًا، أَنْ لاَ تُخَالِطُوا وَلاَ تُؤَاكِلُوا مِثْلَ هذَا.

1كو 6 : 10 وَلاَ سَارِقُونَ وَلاَ طَمَّاعُونَ وَلاَ سِكِّيرُونَ وَلاَ شَتَّامُونَ وَلاَ خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ.

غلا 5 : 21  حَسَدٌ قَتْلٌ سُكْرٌ بَطَرٌ، وَأَمْثَالُ هذِهِ الَّتِي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا سَبَقْتُ فَقُلْتُ أَيْضًا: إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ.

أف 5 : 18 وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ،

مما سبق أحبائي نفهم أن الله لا يريد أن يكون الإنسان في حالة غياب عن الواقع والحاضر ، لذلك لا يجب أن يسرع إلي شرب الخمور أو المسكرات فقد منعها الله في العهدين القديم والجديد ، أما بخصوص أولاد أيوب فلا غرابة في ذلك لأنهم في زمن ما قبل الشريعة والناموس ، والذي يحكمهم هو ضميرهم ، فاجتماعهم معا دليل علي حسن التربية والتعليم من أيوب لأولاده ، فقد تعلم الابن البكر أن يضم إخواته حوله فيختلفون عن جميع من حولهم فصاروا مميزين.

--------------------------------------------------

الفصل الخامس

دمار رأس المال لكسر أيوب

أراد إبليس أن يدفع أيوب إلي إنكار قدرة الله في حمايته ، فابتدأ بشن هجمات شرسة جدا علي ممتلكاته ، فإبليس لا يستطيع أن يسيطر علي كيان الإنسان الداخلي إلا من خلال المادة من أجل ذلك ابتدأ في حرب علي وسائل العمل والرزق ( رأس المال ) فقد فقَدَ وسائل العمل مصدر الثروة ، "  كثرة الغلة بقوة الثور "(أمثال 14: 4)  وكما جاء في المزامير " ليت بقرنا تشتد للعمل. " (مزمور 144: 14) تخيل معي في هذه الأيام التي نعيش فيها ، رجل يمتلك سيارة أو قارب صيد أو مصنع أو ... الخ. ويفقد مصدر رزقه، فماذا يكون الوضع ؟! بالتأكيد صعب جدا، هذا ما كان فيه أيوب.

عندما أخذ إبليس تصريحا من الله ليتحرك نحو أيوب ، فالفرصة كبيرة وهو ليس بغبي ليهدرها أو يتركها ، فتعامل بكل قسوة وبدون هدنة لآن الوقت ليس في صالحه ، بدأ بضرب رأس المال لكسر أيوب وتدمير مستقبله .

ما حدث لأيوب ليس قسوة من الله ، ولكن الوضع في عالم الروح الغير منظور يختلف عن الواقع المادي ، ففي الواقع المادي الكل يري أيوب رجل صالح وذو مكانة مرموقة وسط مجتمعه ، وفي عالم الروح يري انه رجل صالح وبار ولكن توجد ثغرات روحية تحتاج إلي علاج أو تدخل الهي كي تسد ، فإثناء دراستنا لسفر أيوب سنتطرق لعدة مواضيع في الجانب الروحي والثغرات التي يجب أن تعالج كي لا يجد فرصة لتدخل إبليس في الحياة .

كان أيوب يقدم الذبائح عن أولادة ولا يقدم عن نفسه ، فعدم تقديم ذبائح عن نفسه تجعل فرصة لإبليس في اختراق الدائرة المادية التي له ، فالمؤمن كي يؤمن الحياة المادية في حياته عليه أن ينشط في حياته الروحية وعبادته لله فلا يجد إبليس ثغرة لاختراق عالمنا المادي . 

نار الله خداع إبليس : 

الحرب الروحية التي جاءت علي أيوب في الضربة الثانية كانت علي الغنم الذي يمثل لأيوب مصدر للطعام والغذاء ، وفي هذه الضربة لم يستخدم إبليس البشر كما في الضربة الماضية ، فقد استخدم إبليس نار من السماء ، " وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: «نَارُ اللهِ سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ». " فقد قال العامل الناجي من الموت أنها " نار الله " لأنها نزلت من السماء ، فهو عديم الخبرة والمعرفة فكان تعبيره مستخدم من قِبّل إبليس ، لأنه أراد أن يعطي فهم غريب ومعاكس للحقيقة " أن دمار رأس المال مخطط بشري ودمار الغذاء والكساء مخطط الهي من السماء " وبالتالي فالله اشترك مع البشر في تدمير رجل صالح مجتمعيا وبار عند الله ، لتكون النتيجة لدي أيوب أن الله ظالم ، هذا ما أراد إبليس أنه يشعر به أيوب ، فإن وصل لهذه النتيجة فقد انتهي به الحال كما يريد إبليس ، موت روحي ونفسي وبُعد عن الله .  

ليس بغريب أن يأتي إبليس بنار من السماء لأنه هذا في مقدور إبليس ولأنه من ضمن الملائكة التي صنعها الله من الرياح والنار " وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ:«الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ»." ( عب 1 : 7 ) عندما صعد إيليا في مركبات نار وهذه المركبات ما هي إلا ملائكة " وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَكَلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ. " (  2مل 2 : 11 ) ونري المركبات من نار حول اليشع للحماية " وَصَلَّى أَلِيشَعُ وَقَالَ: «يَا رَبُّ، افْتَحْ عَيْنَيْهِ فَيُبْصِرَ». فَفَتَحَ الرَّبُّ عَيْنَيِ الْغُلاَمِ فَأَبْصَرَ، وَإِذَا الْجَبَلُ مَمْلُوءٌ خَيْلاً وَمَرْكَبَاتِ نَارٍ حَوْلَ أَلِيشَعَ.  " ( 2مل 6 : 17 ) والحيوانات الملائكية التي رآها حزقيال كانت من نار " أَمَّا شِبْهُ الْحَيَوَانَاتِ فَمَنْظَرُهَا كَجَمْرِ نَارٍ مُتَّقِدَةٍ، كَمَنْظَرِ مَصَابِيحَ هِيَ سَالِكَةٌ بَيْنَ الْحَيَوَانَاتِ. وَلِلنَّارِ لَمَعَانٌ، وَمِنَ النَّارِ كَانَ يَخْرُجُ بَرْقٌ. الْحَيَوَانَاتُ رَاكِضَةٌ وَرَاجِعَةٌ كَمَنْظَرِ الْبَرْقِ.  " ( حز 1 : 13 ، 14 ) فالملائكة قادرة علي إتيان نار لتحرق أي شئ كما في سدوم وعمورة "  كَمَا أَنَّ سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَالْمُدُنَ الَّتِي حَوْلَهُمَا، إِذْ زَنَتْ عَلَى طَرِيق مِثْلِهِمَا، وَمَضَتْ وَرَاءَ جَسَدٍ آخَرَ، جُعِلَتْ عِبْرَةً مُكَابِدَةً عِقَابَ نَارٍ أَبَدِيَّةٍ." ( يهـ 1 : 7 مع تك 19 : 24 ) فأهل سدوم وعمور كانوا أشرار جدا ( تك 13 : 13 ، 20 ) لذلك رفعت الحماية من علي حياتهم فماتوا جميعهم بكل ممتلكاتهم وأنقذ الرب لوط لأنه بار وعلي حياته ولكنه خسر ممتلكاته ، أما أيوب فلأنه رجل بار خسر ممتلكاته ولكن لسبب الحماية التي علي شخصيته فقد حفظ ، أما ع الخسارة الكبيرة التي خسرها فهذا يرجع إلي ثغرة في الدائرة الروحية في انه يري أنه " أبر من الله " ( أي 32 : 2 ،  35 : 2 ) كما قال اليهو ولم ينفي أيوب هذا . 


لم يكتفي إبليس بالضربة الأولي رأس المال ، ولا بالضربة الثانية الغذاء والكساء ، لكنه شن هجوم ثالث علي أيوب ليضربه ضربة قاضية ثالثة استهدفت الجمال مصدر الثروة التجارية ، " وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: «الْكَلْدَانِيُّونَ عَيَّنُوا ثَلاَثَ فِرَق، فَهَجَمُوا عَلَى الْجِمَالِ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ». "  ( حقيقي أمر لا يحتمل ) البقر والأتن ثم الغنم ثم الجمال ، أراد إبليس أن يجعل أيوب بلا أمل داخلي في الثروة الداخلية البقر والأتن ، وبلا غذاء وكساء ممثل في الغنم ، وبلا أمل خارجي في الثروة التجارية ممثلة في الجمال ، إنها حرب بلا هوادة ، فقد دمر اقتصاديا ، كل هذا لكي ينكر الله ويحيد عن كماله . 

الضربة القاضية بريح عاتية : 

شن إبليس علي أيوب ضربة قاضية قاسية جداً ، فقد جاء إبليس بكل ما عنده من قسوة ، فلا يوجد أغلي من الأبناء ، ماتوا جميعا ، " وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: «بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ، وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَعَ، فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ " هنا أرسل إبليس رسالة قوية لأيوب " إن أملك ورجائك في الحياة قد أنتهي فأين الله ؟! أين حمايته لك ؟! أين تأثير الذبائح التي كانت تُظهِر إيمانك لدي الله ؟! " إن كان الله موجود لكان استطاع أن يحمي أيوب ، إنها رسالة قوية من إبليس ، فهل استطاع إبليس أن يجعل أيوب ينكر أو يسب الله ، كلا فقد ظل أيوب في كماله .

استخدم إبليس الريح الشديدة، وللريح قصة في كلمة الله دعونا نتأملها لندرك لماذا استخدم إبليس الريح في ضرب البيت ويسقط علي الغلمان ليموتوا.

استخدم الله الريح عندما كان يأتي لأدم " وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. " ( تك 3 : 8 ) واستخدمها مع شعب الله عندما أرسل لهم السلوى ( سلوى : طائر السمان ) " فَخَرَجَتْ رِيحٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ وَسَاقَتْ سَلْوَى مِنَ الْبَحْرِ وَأَلْقَتْهَا عَلَى الْمَحَلَّةِ، نَحْوَ مَسِيرَةِ يَوْمٍ مِنْ هُنَا وَمَسِيرَةِ يَوْمٍ مِنْ هُنَاكَ، حَوَالَيِ الْمَحَلَّةِ، وَنَحْوَ ذِرَاعَيْنِ فَوْقَ وَجْهِ الأَرْضِ. " ( العدد 11 : 31 ) أيضا للرب ريح قوية تخرج من انفه " فَظَهَرَتْ أَعْمَاقُ الْبَحْرِ، وَانْكَشَفَتْ أُسُسُ الْمَسْكُونَةِ مِنْ زَجْرِ الرَّبِّ، مِنْ نَسْمَةِ رِيحِ أَنْفِهِ.  " ( 2صم 22 : 16 مع مز 18 : 15 ) والريح يستخدمها الله في توجيه الأمطار " رِيحُ الشِّمَالِ تَطْرُدُ الْمَطَرَ، وَالْوَجْهُ الْمُعْبِسُ يَطْرُدُ لِسَانًا ثَالِبًا. " ( أم 25 : 23 مع نش 4 : 16 ) كما أن الريح تستخدم في التشتيت والتفرقة " ثُلُثُكِ يَمُوتُ بِالْوَبَإِ، وَبِالْجُوعِ يَفْنَوْنَ فِي وَسْطِكِ. وَثُلُثٌ يَسْقُطُ بِالسَّيْفِ مِنْ حَوْلِكِ، وَثُلُثٌ أُذَرِّيهِ فِي كُلِّ رِيحٍ، وَأَسْتَلُّ سَيْفًا وَرَاءَهُمْ. " ( حز 5 : 12 ) ووجود الريح الشديدة في البحر خطر علي السفن "  وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ نَامَ. فَنَزَلَ نَوْءُ رِيحٍ فِي الْبُحَيْرَةِ، وَكَانُوا يَمْتَلِئُونَ مَاءً وَصَارُوا فِي خَطَرٍ." ( لو 8 : 23 ) وبالريح نستطيع أ نعرف الطقس " وَإِذَا رَأَيْتُمْ رِيحَ الْجَنُوبِ تَهُبُّ تَقُولُونَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ حَرٌّ، فَيَكُونُ.  " ( لو 12 : 55 ) والريح استخدمت عند حلول الروح القدس علي التلاميذ يوم الخمسين "  وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ،" ( أع 2 : 2 ) فالريح يستخدمها الله ، وأيضا لإبليس قدرة علي استخدامها ، فهي من ضمن الوسائل التي يستخدمها إبليس ضد مشيئة الله . 

تجرد أيوب من كل شئ فقد عدم الأولاد ، وخسر البقر والأتن والجمال والغنم ، وخسر الأيدي العاملة فقد مات كل الغلمان ، وقد استخدم إبليس البشر والنار والريح في سلب أيوب ، الخسارة كانت شديدة جدا ، فمن يقدر أن يحتمل كل هذا ؟ 

انتصار مؤقت في شكل هزيمة : 

هجوم عنيف علي أيوب ، شلل في الحياة الاقتصادية بفقدان البقر والأتن والغنم والجمال ، دمار للكيان الخارجي بفقدان كل الغلمان ، ودمار للكيان الداخلي بفقدان البنين ، ماذا تبقي لأيوب ؟! زوجته عنفته بكلمات قاسية في الإصحاح الثاني من سفر أيوب !. أما عن صحته فلن يتركه إبليس طويلاً !. المنظر العام يقول : " انتهي أيوب " ! فقد مزق ثيابه وحلق شعر رأسه، أما الكيان الروحي لأيوب ثابت وراسخ لهذه اللحظة. 

كلمات أيوب بها خيبة أمل لإبليس، تفوه أيوب بكلمات كالصاعقة علي إبليس، وكأنه يرسل رسالة لإبليس قائلاً: (( دعني أعيش الواقع )) " فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ وَقَالَ: «عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ وَلَمْ يَنْسِبْ للهِ جِهَالَةً. " ( أي 1 : 20 ـ 22 )  فقد أتيت عريان للعالم وسأعود عريان ، وأعطاني الله أمانة وأخذها ، فلن أتزايد علي الله ليتبارك اسمه . 

الواقع الذي لأيوب : 

1 ـ كان يمتلك. أما الآن فلا يمتلك شيئاً. 

2 ـ وضع أمامه دائما أنه تراب وسيعود إلي التراب " بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ " ( تك 3 : 19 ) 

3 ـ كان يعلم أنه لن يأخذ مجده معه " لأَنَّهُ عِنْدَ مَوْتِهِ كُلَّهُ لاَ يَأْخُذُ. لاَ يَنْزِلُ وَرَاءَهُ مَجْدُهُ.  " ( مز 49 : 17 ) فقد كان أيوب حكيما كما كان سليما الحكيم إذ قال عن الإنسان : " كَمَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ عُرْيَانًا يَرْجعُ ذَاهِبًا كَمَا جَاءَ، وَلاَ يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْ تَعَبِهِ فَيَذْهَبُ بِهِ فِي يَدِهِ. " ( جا 5 : 15 ) وكما قال بولس الرسول : " لأَنَّنَا لَمْ نَدْخُلِ الْعَالَمَ بِشَيْءٍ، وَوَاضِحٌ أَنَّنَا لاَ نَقْدِرُ أَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ. " ( 1تي 6 : 7 ) هذا الواقع الغائب عن كثيرين ، أما عند أيوب فهو الواقع الحاضر دائماً في ذهنه لذلك عندما حدث له أن فقد كل شئ استطاع أن يعبر التعبيرات التي تعطي دفعه للأمام ، أو علي الأقل لا ينهار كليةً . 

 4 ـ الواقع الذي كان يدركه أيوب ، أن كل الأمور هي مرتبه من عند الله سواء كان شرا أو خيرا ، فهو لا يعلم كيف يحدث هذا ، لكنه يعلم شيئاً واحدا ، أن الله فوق الكل والمتحكم في مصائر البشر ، من أجل هذا نسب كل ما حدث لله إذ قال : " الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، " ( أي 1 : 21 ) . إدراك أيوب لما يحدث في الأجواء الروحية واقع روحي لا يدركه هو ، لكننا نحن نستطيع أن ندركه فنحن من انتهت إلينا أواخر الدهور ، وصارت لنا الكلمة الحية ( الكتاب المقدس ) المعلنة فيها كل الحقائق الروحية التي لم يدركوها الآباء الأولين ، ولكن ندركها نحن لآن " المعرفة تزداد " هذا ما قاله الرب لدانيال " أَمَّا أَنْتَ يَا دانيال فَأَخْفِ الْكَلاَمَ وَاخْتِمِ السِّفْرَ إِلَى وَقْتِ النِّهَايَةِ. كَثِيرُونَ يَتَصَفَّحُونَهُ وَالْمَعْرِفَةُ تَزْدَادُ». " ( دا 12 : 4 ) لذلك ادعوك القارئ العزيز أن تُزيد من دراستك لكلمة الله لتُدرك أمورا جديدة روحية ، كي لا تُفاجأ بواقع لا تدركهُ .  

التحركات الروحية التي يجب أن تدرك : 

خلق الله الخليقة في تناغم وانسجام تام ، وكل الطرق تؤدي لبعضها البعض ، فعندما تفعل شئ في الواقع المادي ستجد له صدي في عالم الروح ، عندما تسلك بالروح وبحسب الحق الكتابي فأنت تجند لك في الأجواء الروحية كائنات روحية للحماية والبركة ، وعندما تسلك في الشر والخطية فأنت تجند لك في الأجواء الروحية كائنات روحية شريرة تدمرك وتقضي عليك ، إن أغفلت حقيقة كتابية كانت لك الفرصة لتعرفها وأهملت البحث عنها ، فضاعت الفرصة فأنت قد فتحت طريق لتدخل إبليس في وقتٍ يريده ، إن كنت لا تفهم التحركات الروحية فستنسب جميعها لله ، وهنا الخطورة ، لآن الله لا يجرب أحد بالشرور " لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: «إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ»، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا. " ( يع 1 : 13 ) هذا واقع يجب أن يُدرك جيدا ، فأيوب لم يجربه الله ، ولكنه جُرب من قِبَل إبليس ويرجع هذا إلي تقصير في دائرة الواقع المادي أو المعرفي أعطت إشارة لتدخل الواقع الروحي في الحياة ، وكانت النتيجة كل ما حدث لأيوب .واليك هذه المعادلة الأولي التي يجب أن تدركها 

معرفة جيدة = (+) سلوك مقدس = حماية من عالم الروح لعالم المادة

دعني اشرح لك هذه المعادلة لتصل لك الفكرة جيدا : 

عندما يكون لك معرفة كتابية جيدة وعميقة ، هذه المعرفة تقودك لسلوك يرضي الله ، وهذه المعرفة بجانب السلوك تنتج في عالم الروح قوة ملائكية للحماية والبركة ، هذا ما أعلنته كلمة الله " مَلاَكُ الرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ، وَيُنَجِّيهِمْ." ( مز 34 : 7 ) فشرط الحماية والنجاة هو مخافة الله ، وهذه المخافة لا توجَد إلا من خلال المعرفة الكتابية عن الله ومبادئه ، فلكي تُحفظ في كل طرقك عليك بالسكني في ستر العلي " اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ الْعَلِيِّ، فِي ظِلِّ الْقَدِيرِ يَبِيتُ. .....  لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ."  ( مز 91 : 1 ، 11 ) إن الحقائق الروحية واضحة في كلمة الله ، لذلك لا يجب أن ندفن رؤوسنا في الرمال ونقول لأنفسنا ، أن لنا الحماية من الله والبركة من الله ، ونحن سالكون بعيد عن المعرفة الكتابية ، فالمعرفة الكتابية تمنحك أبواب التحرك الروحي تجاهك ، فقد رأي إليشع النبي مال لم يراه جيحزي "  وَصَلَّى أَلِيشَعُ وَقَالَ: «يَا رَبُّ، افْتَحْ عَيْنَيْهِ فَيُبْصِرَ». فَفَتَحَ الرَّبُّ عَيْنَيِ الْغُلاَمِ فَأَبْصَرَ، وَإِذَا الْجَبَلُ مَمْلُوءٌ خَيْلاً وَمَرْكَبَاتِ نَارٍ حَوْلَ أَلِيشَعَ. " ( 2مل 6 : 17 )  والسبب يرجع إلي دائرة المعرفة العميقة والسلوك النقي ، فالحياة الروحية لإليشع تختلف عن جيحزي ، فتمتع اليشع بالحماية من عالم الروح في عالم المادة . تمتع بها أيضا الثلاث فتيه بالنجاة من أتون النار ، ودانيال من جب الأسود " إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَمْ تَضُرَّنِي، لأَنِّي وُجِدْتُ بَرِيئًا قُدَّامَهُ، وَقُدَّامَكَ أَيْضًا أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَمْ أَفْعَلْ ذَنْبًا " ( دا 6 : 22 ) ليس هذا فقط لكن يجب أن ندرك أن للأطفال حماية ملائكية مجانية دون أن يفعلوا شيئاً " اُنْظُرُوا، لاَ تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلاَئِكَتَهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.  " ( مت 18 : 10 ) وقد تكون الحماية للأسرة بجملتها لسبب وجود أطفال بينهم ، فيسكت الله العدو والمنتقم من اجلهم " مِنْ أَفْوَاهِ الأَطْفَالِ وَالرُّضَّعِ أَسَّسْتَ حَمْدًا بِسَبَبِ أَضْدَادِكَ، لِتَسْكِيتِ عَدُوٍّ وَمُنْتَقِمٍ. " ( مز 8 : 2 ) فلعالم الروح تحركات بحسب المستويات الروحية . ولنعلم دائما أن الملائكة ما هي إلا أرواح خادمة لنا " أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!.  " ( عب 1 : 14 ) ويجب أن لا ننسي أنه عندما مات المسكين فقد حملته الملائكة ( لو 16 : 22 ) . 

واليك هذه المعادلة الثانية التي يجب أن تدركها : 

نقص في المعرفة = (+) سلوك غير مرضي = (+) نقص في الحماية = تدخل روحي من عالم الشر لعالم المادة

دعني اشرح لك هذه المعادلة لتصل لك الفكرة جيدا : 

عندما لا تسعي للمعرفة الكتابية هذا ينتج سلوك غير مرضي لأنك لا تعرف مبادئ الله ، وهذا النقص في المعرفة والسلوك ينتج نقص في الحماية الروحية لك ، وهذا جميعه يعطي فرصة كبيرة لتدخل إبليس في حياة مؤمنين كثيرين ، إما بالتجربة أو التعب وغيرها من الأمور .

إثناء الحرب بين بني إسرائيل والأعداء صعد داود لبيت سطح الملك يتمشي ورأي امرأة تستحم " وَكَانَ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ أَنَّ دَاوُدَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وَتَمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ الْمَلِكِ، فَرَأَى مِنْ عَلَى السَّطْحِ امْرَأَةً تَسْتَحِمُّ. وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيلَةَ الْمَنْظَرِ جِدًّا. " ( 2صم 11 : 2 ) فأرسل داود وأخذها واضطجع معها " وَحَبِلَتِ الْمَرْأَةُ، فَأَرْسَلَتْ وَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ وَقَالَتْ: «إِنِّي حُبْلَى». " فاستدعي زوجها من الحرب لينام معها فرفض ، فأرسل معه مكتوبا إلي يوآب قائلاً : " اجْعَلُوا أُورِيَّا فِي وَجْهِ الْحَرْبِ الشَّدِيدَةِ، وَارْجِعُوا مِنْ وَرَائِهِ فَيُضْرَبَ وَيَمُوتَ»." ( 2صم 11 : 15 ) فمات أوريا زوجها ، ثم تزوجها داود ، هنا نري سلوك داود غير مرضي أمام الله ، فقد أهمل مبادئ الله سواء بعدم معرفتها أو بتجاهلها ، فزني وقتل ، فكانت النتيجة نقص في الحماية من الله علي حياة داود وأسرته ، فاستطاع روح الزني والقتل من عالم الروح التدخل ، فقام أولاده بفعل نفس الخطية ، فزني ابنه أمنون مع أخته ثامار ، وقتل ابشالوم أخيه أمنون لأنه فعل الشر بثامار ( 2صم 13 ) هكذا نري أن إهمال حياة المعرفة الروحية لمبادئ الله تجعل سلوك الفرد غير مرضي ، وهذا يجلب علي حياة الإنسان فرص ثمينة لإبليس ليتدخل في الحياة . 

الرائع في حياة أيوب أن مبادئ الله كانت واقع يعيشه كل يوم وهذا ما سنراه في الفصول القادمة، ولكن كانت لأيوب بعض الثغرات سنتكلم عنها تباعا ، كلٍ في وقته فتابعونا.. 

----------------------------------------------------

الفصل السادس

سجود إبليس لنوال حق التجربة


وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسْطِهِمْ لِيَمْثُلَ أَمَامَ الرَّبِّ. ( أي 2 : 1 ) 

نفس هذه الآية وردت في الإصحاح  الأول " وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسْطِهِمْ. " ( أي 1 : 6 ) فليس من الغريب أن تجد إبليس في السماء مع الملائكة يسجد كما يسجدون ، فهو كان من سكان السماء من قبل وما زال يسكن في السماوات ، فعندما يسجل الوحي أن إبليس جاء وسط الملائكة ليفعل كما يفعلون ، هذا ليعطي لنا إدراكاً روحيا لما يدور حولنا في عالم الروح الغير مرئي لنا  "  جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسْطِهِمْ لِيَمْثُلَ أَمَامَ الرَّبِّ" ( أي 2 : 1 )  إبليس المتكبر لا يسجد أو يمَثل أمام الله دون احتياج ، فلم يرد في الكتاب المقدس أن إبليس يوما سجد لله ، فقد جاء أمام الله ليس حبا في الله ولكنه لسبب داخلي ، فقد عرفه الرب ، ويعلم دفائن قلبه ، فأذن الله له بالتكلم في حضرته ، الله المهوب القدوس الذي عندما رآه أشعياء " ... رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَال وَمُرْتَفِعٍ، وَأَذْيَالُهُ تَمْلأُ الْهَيْكَلَ. ٢السَّرَافِيمُ وَاقِفُونَ فَوْقَهُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ، بِاثْنَيْنِ يُغَطِّي وَجْهَهُ، وَبِاثْنَيْنِ يُغَطِّي رِجْلَيْهِ، وَبَاثْنَيْنِ يَطِيرُ " ( أش 6 : 1 ) كل هذا المجد الذي لله ، استطاع إبليس أن يأتي ويمثل أمام الله ، هذا يجعلنا دائما في حالة الاستعداد الدائم والسهر المستمر ، لنستطيع أن نصد كل سهام إبليس الملتهبة .   

عمل إبليس هو التجول في الأرض لمعرفة أخبار الناس ومحاربتهم "  فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟» فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «مِنَ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا»." ( أي 2 : 2 )  فقد عرف أخبار أيوب وخطط من اجله تخطيط عال الجودة ومُحكَم ، ليقع به فريسة للإحباط والشكوك في قدرة الله ، ليرسي به المطاف أن الله ظالم ، ولكن أيوب استطاع أن يتمسك بكماله فلم يخطئ. 

جولان إبليس والتمشي فيها يعني عدم التسرع في قراراته ، فهو يجول ليعرف ما يدور حوله ، وكلمة يتمشي عكس كلمة يجري أو يسرع ، فهو يدرس الإمور جيدا ليستطيع أن يسيطر علي العالم ، ويضل لو أمكن المختارين ، فليعلم الجميع أن إبليس ملأن حكمة " يَا ابْنَ آدَمَ، ارْفَعْ مَرْثَاةً عَلَى مَلِكِ صُورَ وَقُلْ لَهُ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: أَنْتَ خَاتِمُ الْكَمَالِ، مَلآنٌ حِكْمَةً وَكَامِلُ الْجَمَالِ" ( حزقيال ١٢:٢٨ ) ولأنه كامل وحكيم فهو قادر علي إدارة الإمور ، والاتجاه السليم نحو ما يريد ، فهو سياسي محنك ، ويسعي دائماً لكسب المعركة ، ولولا التدخلات الالهية لإبتلع المؤمنين وهم أحياء " اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. " ( 1بط 5 : 8 ) فهل أنت مستعد دائما لمحاربة العدو . 

حوافز لاحتمال التجارب والألم :   

شهد الرب مرتين لأيوب بكماله  واستقامة قلبه ورغم ما حدث له من دمار لكل مقتنياته وفقدان حتى أولاده ، لكنه متمسك بكماله. " فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. وَإِلَى الآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ، وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لأَبْتَلِعَهُ بِلاَ سَبَبٍ». " ( أي 2 : 3 ) 

تمسك أيوب بكماله أمام الله وهو لا يعلم ما ينتظره من أجر لذلك سواء في الحياة الحاضرة أو الآتية بالنسبة له ، فنحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور نعلم الحقائق الكتابية تجاه التمسك بالكمال وبحياة القداسة رغم الظروف والأحوال " طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ «إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» الَّذِي وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ. " ( يع 1 : 12 ) فعندما نتمسك بمبادئنا الكتابية فنحن نعلم ولنا الدوافع المحفزة لذلك ، أما أيوب فهو رجل متمسك بكماله دون أي حوافز روحية تدفعه لذلك ، فالتمسك بالكمال في المسيح يمنح مدح وكرامة ومجد في وقت مجيء المسيح " لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ،  " ( 1بط 1 : 7 ) 

قد تأتي تجربة أو ألام لم نكن سببا فيها ، وهذا هو السؤال الذي سأله التلاميذ عن الأعمى ، لماذا ولد أعمي ؟ من المخطئ أبواه أم هو ؟ " أَجَابَ يَسُوعُ:«لاَ هذَا أَخْطَأَ ولا أبواه، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ.  " ( يو 9 : 3 ) فعندما تحدث لنا أمورا لا نعرف سببا لها ، ننتظر الرب فيجيبنا ، سواء بتعليمنا كما في قصة أيوب ، أو في الرجل الذي ولد أعمي . 

يوجد فرق بين التجربة والإمتحان ويوجد عامل مشترك هو الألم، فالتجربة مصدرها الإنسان " لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا. " ( 1كو 10 : 13 ) أو إبليس " وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ. " ( لو 4 : 13 ) لذلك علمنا الرب أن نصلي ضد تجارب إبليس " وَاغْفِرْ لَنَا خَطَايَانَا لأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضًا نَغْفِرُ لِكُلِّ مَنْ يُذْنِبُ إِلَيْنَا، وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ». " ( لو 11 : 4 ) وقد حسنا الرب أن نصلي كل لا ندخل في تجارب "  وَلَمَّا صَارَ إِلَى الْمَكَانِ قَالَ لَهُمْ:«صَلُّوا لِكَيْ لاَ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ»." ( لو 22 : 40 ) . فالتجربة قد يكون مصدرها البشر أو إبليس كما في قصة أيوب . 

الامتحان مصدره الله فقط  كما حدث مع إبراهيم طلب الله منه أن يقدم ابنه ذبيحة واستجاب إبراهيم " وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هاأنذا». فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ»..... ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ. ... فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا» ......  فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكًا فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضًا عَنِ ابْنِهِ. " ( تك 22 :  1 ، 11 ـ 13 ) وأنقذ الرب إسحق بكبش . 

وكان الرب يمتحن شعب إسرائيل باجتيازهم في ضيق مع الشعوب الذين تركهم يشوع من بعده " فَأَنَا أَيْضًا لاَ أَعُودُ أَطْرُدُ إِنْسَانًا مِنْ أَمَامِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ تَرَكَهُمْ يَشُوعُ عِنْدَ مَوْتِهِ ، لِكَيْ أَمْتَحِنَ بِهِمْ إِسْرَائِيلَ: أَيَحْفَظُونَ طَرِيقَ الرَّبِّ لِيَسْلُكُوا بِهَا كَمَا حَفِظَهَا آبَاؤُهُمْ، أَمْ لاَ»." ( قض 2 : 21 ، 22 ) ففي هذه الجزئية نري أن الجزء الأساسي ـ أن يشوع لم يقضي علي مثل هذه الشعوب كما أمره الرب ، وأبقي لهم بقية فصاروا شوكة في ظهورهم يستخدمهم الله لامتحانهم وتأديبهم . 

ويعلمنا الكتاب أن نتيجة الامتحان صبرا " عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا. " ( يع 1 : 3 ، رو 5 : 3 ) ومجد أبدي " لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا.  " ( 2كو 4 : 17 ) فالضيقات المتنوعة لشعب الله تظهر إيمان وكمال أولاده المؤمنين ، لذلك أقبل الضيق بالشكر ( ضيق الامتحان ) أما ( ضيق التجارب ) فلك أن تصلي كي يرفع الرب عنك يد العدو ويخرجك بمستوي روحي جديد .

صعب علي أي إنسان أن يحسب التجارب فرح ، لأن للتجربة سيف علي النفس وللتجربة مرارة ، فلذلك لا يستطيع الإنسان أن يكيف الفرح مع مرارة التجربة وجرح سيف التجربة ، وليست  التجارب من الله " يع 1 : 13 لا يقل احد إذا جرّب إني أجرّب من قبل الله.لان الله غير مجرّب بالشرور وهو لا يجرّب أحدا. " فالله لا يجرب أحدا علي الإطلاق ، لكنه يمتحن الإنسان ، وشتان الفرق بين التجربة والامتحان ، فالتجربة لها مصادر عدة ، أما الامتحان فهو من الله وهدفه الرفعة والبنيان ، كما امتحن الرب إبراهيم ، ومع الامتحان يعطي إمكانية الفهم والإدراك ، وهو لا يمتحن إلا المؤمنين . 

التجربة الناتجة عن الخطية : 

المصدر الأول للتجربة هي الخطية ، فإبليس يضع أمام الإنسان الخطية ويعطي معها المبررات ( الظنون ) لدعم السير وراء الشهوات والملذات ، لذلك الرسول بولس يحذر المؤمنين الروحيين الذين يروا المجربين بالشرور والخطايا أن يلاحظوا أنفسهم ويتسلحوا بروح الوداعة " أيها الإخوة إن أنسبق إنسان فاخذ في زلة ما فأصلحوا انتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة ناظرا إلى نفسك لئلا تجرب أنت أيضا ، احملوا بعضكم أثقال بعض و هكذا تمموا ناموس المسيح ، لأنه إن ظن احد انه شيء و هو ليس شيئا فانه يغش نفسه ، و لكن ليمتحن كل واحد عمله و حينئذ يكون له الفخر من جهة نفسه فقط لا من جهة غيره ، لان كل واحد سيحمل حمل نفسه " ( غلاطية 6 : 1 ـ 5  ) " فالذي يريد أن يحفظ نفسه من التجربة عليه دائما أن يمتحن نفسه ، يكون يقظ دائما ، وفي حياة السهر والثبات ، ويستمر ناظرا لرئيس الإيمان شخص الرب يسوع المسيح ، لأن إبليس يستغل الخطية والضعف الروحي ليدخل في حياة أولاد الله ليجربهم ، فحياة السهر والتوبة تنجينا من فخاخ إبليس وتجاربه ، من أجل ذلك قال المسيح " فَقَالَ لَهُمْ:«لِمَاذَا أَنْتُمْ نِيَامٌ؟ قُومُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ " (لوقا ٤٦:٢٢ ) 

التجربة من إبليس مستخدما الشهوة : 

دائما إبليس يستغل الظروف والإمكانيات البشرية والحالات النفسية ، فعندما يكون الإنسان جائعا يحاول إبليس جاهدا أن يجربه في احتياجه ، كما جرب الرب يسوع من إبليس " فبعدما صام أربعين نهارا وأربعين ليلة جاع أخيرا. فتقدم إليه المجرب وقال له إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزا. فأجاب وقال مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله. مت 4 : 2 ـ 4 " فالتجربة التي من إبليس ما هي إلا بمثابة حرب روحية علي حيات المؤمن المكرس ، والنصرة فيها انتصار عظيم .

لنعرف جيدا أن إبليس خداع ومكار ، ولأنه يعرف أن الحرب خدعه ، فهو يحاول جاهداً أن يخدع الإنسان ، كما حاول أن يخدع رب المجد يسوع المسيح ، أراد أن يهيئ للمسيح أن الوعود الكتابية تتم من خلال استخدامها دون أن يأخذ فيها " ريما " ( كلمة منطوقة ) أو إعلان واضح ، فيجرب الله ، فبكل مكر أراد أن يدفع المسيح لفعل مثل هذا مستغلا الوعد الإلهي ، إذ قال له " لأنه مكتوب انه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك، وأنهم على أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك* فأجاب يسوع و قال له انه قيل لا تجرب الرب إلهك، و لما أكمل إبليس كل تجربة فارقه إلى حين" (  لوقا 4 : 10 ـ 13 )  

من هنا نعرف أهمية الصلاة الربانية عندما نقول " مت 6 : 13 ولا تدخلنا في تجربة.لكن نجنا من الشرير.لان لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد.آمين. " فالصلاة هي للحفظ فهي من ضمن متطلبات الحماية من تجارب إبليس ، أو النصرة الدائمة علي كل تجربه . ولنلاحظ أيضا أنه عندما فارق إبليس المسيح فارقه إلي حين "  لو 4 : 13  ولما أكمل إبليس كل تجربة فارقه إلى حين " فعمل إبليس أنه المجرب بالشرور . 

عمل إبليس في قلب حنانيا وسفيرة علي أن يختلسا من ثمن الحقل ، وأدي هذا إلي موتهم "   ثم حدث بعد مدة نحو ثلاث ساعات أن امرأته دخلت و ليس لها خبر ما جرى ، فأجابها بطرس قولي لي أبهذا المقدار بعتما الحقل فقالت نعم بهذا المقدار، فقال لها بطرس ما بالكما اتفقتما على تجربة روح الرب هوذا أرجل الذين دفنوا رجلك على الباب و سيحملونك خارجا، فوقعت في الحال عند رجليه و ماتت فدخل الشباب و وجدوها ميتة فحملوها خارجا و دفنوها بجانب رجلها، فصار خوف عظيم على جميع الكنيسة و على جميع الذين سمعوا بذلك. " ( اع 5 : 7 ـ 11 ) " الموت حدث لهم ليس لأنهم جربوا من إبليس وأطاعوه ، بل لأنهم جربوا روح الله " ( اع 5 : 9  ) فقال لها بطرس ما بالكما اتفقتما على تجربة روح الرب، هوذا أرجل الذين دفنوا رجلك على الباب وسيحملونك خارجا. " تجربة روح الرب تجلب الموت الروحي ، وعندما يكون الأمر متعلق بمسيرة إلهية وبداية عمل الهي ، فالعبث الروحي والإهمال في الفكر الإلهي وخدمة الله يجلب الموت  

التجربة من الإنسان :

التجارب ليس من إبليس فقط بل يشترك فيها الإنسان أيضا ، وأريد أن أنوه علي أن التجارب التي من إبليس ليست للخطاة بل للمؤمنين أما الخطاة فعندما يجربون فهم يجربون من قبل أنفسهم ، لانسياقهم وراء الشهوات ، وكذلك المؤمن يجرب إن أخدع من شهوته  " 1تي 6 : 9  وأما الذين يريدون أن يكونوا أغنياء فيسقطون في تجربة وفخ وشهوات كثيرة غبية ومضرة تغرق الناس في العطب والهلاك. " فهذا قانون يجب مراعاته ، شهوة الغني ليست خطية لكنها إن أصبحت الهدف الأساسي للإنسان ، فيسرع إليه إبليس ليساعده لكي يقع في شباك غرور الغني ، لذلك يحذرنا الرسول بولس "   1كو10 : 13  لم تصبكم تجربة الا بشرية.ولكن الله أمين الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون بل سيجعل مع التجربة أيضا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا." فمن أمانة الله أنه يجعل مع التجربة المنفذ ، والمنفذ عند المؤمنين هو :

الصلاة والسهر حماية من التجربة : 

من أهم العوامل الروحية التي تجلب الحماية من السقوط وفخ إبليس ، هي الصلاة ، فقد علمنا الرب له كل المجد أن الصلاة هي من العوامل الهامة القادرة علي رفعة المؤمن فوق كل تيار عالي ، سواء من إبليس ، أم من البشر ، أو حتى من أنفسنا ، لذلك قال الرب " مت 26 : 41 اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة.أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف. " فضعف الجسد يستخدمه إبليس ، ليجرب الإنسان ، فعندما رأي المسيح جائعا بعد صيام أربعين نهارا وليلا ، أتي المجرب ليجربه ، لذلك نري أن حياة الصلاة المستمرة التي عاشها المسيح من بداية خدمته جعلته دائم الانتصار علي كل سهام إبليس الملتهبة ، فعندما يجدنا الرب نيا م روحيا وكسالى يوبخنا قائلا : " لو 22 : 46  فقال لهم لماذا انتم نيام.قوموا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة " أصلي للرب أن يجعلنا في حياة السهر والصلاة الدائم والمستمر في اسم المسيح 

----------------------------------------------------

الفصل السابع

الاكتئاب النفسي الذي لأيوب


فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «جِلْدٌ بِجِلْدٍ، وَكُلُّ مَا لِلإِنْسَانِ يُعْطِيهِ لأَجْلِ نَفْسِهِ ( أي 2 : 4 )

الإنسان يفدي نفسه ( صحته ـ حياته ) بكل ما يملك "  فالإنسان يبذل كل ما يملك فداء نفسه " لأنها أغلي ما عنده ، فهي أغلي من كل الممتلكات ، بهذه الكلمات أعلن إبليس مستوي إدراكه للقوانين والمبادئ ، ومقدار الشغف تجاه تحطيم وكسر كل قانون مع أيوب ، فهو أراد تحطيم كل المعنويات والآمال التي تجعله متعلق بالتعويض الإلهي من خلال ما بقي من صحة وعافية جسدية ، أراد إبليس أن يجعل أيوب في دائرة النكران والبعد عن الله ، بأن يكسِر ويحطم ما يملكه أيوب من قدرة للعمل م أجل التعويض .

  حدث يوما أنه قام إسماعيل بن نتنيا ومن معه وضربوا جدليا بالسيف فقتلوه ومن معه ثم جاء إليهم رجال من شكيم فخرج اسماعيل بن نتنيا وقتلهم وألقاهم في وسط الجب " وَلكِنْ وُجِدَ فِيهِمْ عَشَرَةُ رِجَال قَالُوا لإِسْمَاعِيلَ: «لاَ تَقْتُلْنَا لأَنَّهُ يُوجَدُ لَنَا خَزَائِنُ فِي الْحَقْلِ: قَمْحٌ وَشَعِيرٌ وَزَيْتٌ وَعَسَلٌ». فَامْتَنَعَ وَلَمْ يَقْتُلْهُمْ بَيْنَ إِخْوَتِهِمْ. " ( إرميا 41 : 8 ) العشرة رجال فدوا أنفسهم بخزائن القمح والشعير والزيت والعسل ، فهذا فداء النفس من الموت الجسدي ، فاهتمام الإنسان بحياته الأرضية شئ هام جدا لكل بني البشر ، فمَّن مِن البشر يتمني الموت ويسعي إليه ؟ بالطبع لا أحد إلا مَن لهم بعض الأمراض النفسية الشديدة ، أو مَّن يتعاطون أدوية تساعد علي الاكتئاب وتدفع متعاطيها للانتحار . 

وعلي الرغم من محاولات الإنسان علي فداء نفسه فيقول الكتاب " أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟ " ( مر 8 : 38 ) هل يقدر الإنسان أن يفدي نفسه من الموت فيبقي حي إلي الأبد ؟ إن محاولات الإنسان لفداء نفسه محاولات فاشلة ، فقد يستطيع اليوم أن ينقذ نفسه من خطر الموت ، وماذا عن اليوم التالي ؟ وماذا عن الأبدية ؟ "  لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟ " ( مت 16 : 26 ) 

فداء النفس في العهد القديم لها شريعتها الخاصة ، فالقتل العمد له قانونه ، والقتل الخطأ له قانونه ، فعلي سبيل المثال : " إِذَا نَطَحَ ثَوْرٌ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً فَمَاتَ، يُرْجَمُ الثَّوْرُ وَلاَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ. وَأَمَّا صَاحِبُ الثَّوْرِ فَيَكُونُ بَرِيئًا. وَلكِنْ إِنْ كَانَ ثَوْرًا نَطَّاحًا مِنْ قَبْلُ، وَقَدْ أُشْهِدَ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَمْ يَضْبِطْهُ، فَقَتَلَ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً، فَالثَّوْرُ يُرْجَمُ وَصَاحِبُهُ أَيْضًا يُقْتَلُ. إِنْ وُضِعَتْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ، يَدْفَعُ فِدَاءَ نَفْسِهِ كُلُّ مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ " ( خر 21 : 28 ـ 30 ) فهذه شريعة الله في العهد القديم ، فحياة الإنسان غالية جدا .

فداء النفس في العهد الجديد لها منظورها الخاص ، فالله يهتم بالإنسان في دائرة الروح الخالدة الباقية ، فإما أن تخلد في النار الأبدية  أو في المجد الأبدي ، لذلك أتي المسيح ليفدي الإنسان من الموت الأبدي ، وهذا النوع من الفداء لا يلغي الاهتمام بالنوع الأخر ، فالله يهتم بالإنسان كله روحا ونفسا وجسدا ، لذلك وضع أولويات ، فقبل أن نهتم بالجسد علينا أن نسعي لمتطلبات الروح ، فكثيرون يفدون أجسادهم من خلال المأكولات والمشروبات ليبقوا علي قيد الحياة ، وفي وقت المرض يدفعون أموالا طائلة لينالوا الشفاء ، فالحياة لها قيمتها ولا يستهان بها ، لكن كل هذا أمام أبدية الإنسان ليس لها قيمة ، فقد ينشغل الإنسان لفداء نفسه في مستوي الزمنيات ، ويهمل المستوي الأبدي ، فمن الرائع أن تنال فداء نفسك روحيا ثم تهتم بالأرضيات وليكن في توازن تام .

جاء المسيح ليموت بالنيابة عنا، فقد دفع أجرة خطايانا " لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. " ( رو 6 : 23 ) فبالمسيح يسوع لنا الحياة الأبدية ، فلا يوجد طريق أخر إلا الإيمان بالمسيح " وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ. .. الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ " ( يو 3 : 14 ـ 17 ، 36 ) ففداء أرواحنا تم في المسيح بموته علي الصليب ، فهل أمنت به وقبلته وتأكدت أن لك حياة أبدية 

إبليس كان يعلم قانون الفداء الزمني في إمور الزمنيات ، ويعلم الفداء الأبدي بتقديم الذبائح الدموية في العهد القديم ، واليوم يعلم الفداء الكامل في الإيمان بدم المسيح والإيمان به ، ففي العهد القديم كان يسعي بكل جهده لمحاربة كل مؤمن تقي أمثال أيوب ، وفي االعهد الجديد اليوم يحارب المؤمنين ، لذلك يقول الرسول بولس : " فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. " ( أف 6 : 12 ) فإن كانت مصارعة في دائرة عالم الروح فقد حسم المسيح الأمر لكل من يتحد به ويسير في مخافة اسمه ، فالمسيح " فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هذَا الدَّهْرِ فَقَطْ بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا،  " ( اف 1 : 21 ) فالمسيح رأس الكنيسة هو فوق كل الرياسات والسلاطين الروحية وقد أعطي الكنيسة حق إظهار قوة الله فيها " لِكَيْ يُعَرَّفَ الآنَ عِنْدَ الرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ، بِوَاسِطَةِ الْكَنِيسَةِ، بِحِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ،  " ( أف 3 : 10 ) وفي ترجمة أخري " والغاية أن يتجلى الآن أمام الرئاسات والسلطات في الأماكن السماوية ما يظهر في الكنيسة من حكمة الله المتعددة الوجوه " فالمسيح في الصليب جرد كل الرياسات والسلاطين ، فصارت بلا رتبة أو مقام ، فهي صغيرة جدا أمام المؤمنين " إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا، ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ.  " ( كو 2 : 15 ) فهل عرفت حجمك أيها المؤمن ؟ تعال الآن وتمسك بحقك في المسيح ولا تخف . 


الاكتئاب النفسي الذي لأيوب : 

للمرة الثانية يتكلم إبليس ويطلب من الله أن يمس أيوب " وَلكِنْ ابْسِطِ الآنَ يَدَكَ وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ». فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلكِنِ أحفظ نَفْسَهُ». فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ الرَّبِّ، وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ. " ( أي 2 : 5 ـ 7 ) " ففي المرة الأولي قال له مس كل ماله ، أما في المرة الثانية فقد طلب إبليس من الله أن يمس جسد أيوب ، وفي هذا قال أيوب " عَظْمِي قَدْ لَصِقَ بِجِلْدِي وَلَحْمِي، وَنَجَوْتُ بِجِلْدِ أَسْنَانِي. تَرَاءَفُوا، تَرَاءَفُوا أَنْتُمْ عَلَيَّ يَا أَصْحَابِي، لأَنَّ يَدَ اللهِ قَدْ مَسَّتْنِي.  " ( أي 19 : 20 ، 21 ) هذا يدل علي عدم الشهية المفتوحة لتناول الطعام ، فعندما يقول " وَنَجَوْتُ بِجِلْدِ أَسْنَانِي  " فكلمة " نجوت ـ تأتي في اللغة الانجليزية escaped  أي هارب  ) وفي اللغة العبرية (  מלט  ـ مولات maw-lat ـ وتأتي بمعني أسمنت) وهذا معناه أنه رغم حالة أسنانه الجيدة ولكن شهيته للطعام كانت ضعيفة ، وهذا ما يؤكده لنا ( أيوب 30 : 30 ) " حَرِشَ جِلْدِي عَلَيَّ وَعِظَامِي احْتَرَّتْ مِنَ الْحَرَارَةِ فِيَّ. " وفي ترجمة أخري " اسود جلدي علي وتقشر، واحترقت عظامي من الحمى " ألام شديدة في الجلد والعظام ، وبالتالي كانت الحالة النفسية لأيوب غير جيدة علي الإطلاق فهذه هي حالته كما قال أصدقائه " أَيْضًا يُؤَدَّبُ بِالْوَجَعِ عَلَى مَضْجَعِهِ، وَمُخَاصَمَةُ عِظَامِهِ دَائِمَةٌ، فَتَكْرَهُ حَيَاتُهُ خُبْزًا، وَنَفْسُهُ الطَّعَامَ الشَّهِيَّ. " ( ايوب 33 : 19 ، 20 ) هذه كانت حالة أيوب ، من شدة الآلام النفسية التي مر بها ، لأنه فقد كل ما يملك بقر وأتن وغنم وجمال وغلمان حتى أولاده ، ألام نفسية مبرحة ، لدرجة إنه كره الطعام الشهي .

ضرب إبليس أيوب " بقرح رديء " وفي ترجمة أخري " بالجرب " وفي الانجليزية " boils ـ وتعني دمامل  " وفي اللغة العبرية " שׁחין  وتنطق شكين shekh-een " ضُرب أيوب بالدمامل ، كل هذا يجعل أيوب في حالة من حالات الاكتئاب النفسي . 

يقول الدكتور لطفي الشربيني : " من أهم مظاهر الاكتئاب النفسي حالة الحزن والآسي والمشاعر الوجدانية البغيضة التي تسيطر علي الإنسان " ولكن درجة الاكتئاب التي لأيوب ليس الاكتئاب الحاد لأنه لم يميل للعزلة أو للصمت ، فمن يعاني من الاكتئاب يميل إلي الصمت ويرد بصعوبة  ، وأيوب لم يكن صامتا ولم يخفض صوته بل كان مسموعا لكل أصدقائه ، ويرجع هذا لأن إبليس لم يستطع أن يمس نفسه ( عقله ) " هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلكِنِ أحفظ نَفْسَهُ " فقد كان واعي بكل شئ وله ذهن مستيقظ دائماً ، قادر علي المناقشة والجدال والتعبير عن ما يدور داخله . 

ما كان يعاني منه أيوب هو الحزن علي ما فقد من ممتلكات وأولاد وهذا جعله غير مقبل علي الطعام ويفقد الشهية للأكل ، وهذه الحالة ما هي إلا أولي درجة حالات الاكتئاب ، إن استمر عليها فيمكن أن تزيد ، ولكن أيوب وقف إلي هذه الحالة حتى نهاية ألامه . 

عندما جاء أصدقاء أيوب ليعزوه " رَأَوْا أَنَّ كَآبَتَهُ كَانَتْ عَظِيمَةً جِدًّا.  " ( أي 2 : 13 ) بكل تأكيد هذه الكآبة تحصيل حاصل لكل الأحداث السابقة ، وبعد سبعة أيام فتح أيوب فاه وسب يومه ، فكل كلمات الإصحاح الثالث تعلن عن مستوي الكآبة المرتفع ، كآبة مرتفعة وليس حادة لأنها نتيجة أحداث ، فبزوالها تزول الكئابة ، فالشخص المكتئب ينظر للأمور والأشياء بمنظور اسود ، وهذا ما كان فيه أيوب : " بَعْدَ هذَا فَتَحَ أَيُّوبُ فَاهُ وَسَبَّ يَوْمَهُ، وَأَخَذَ أَيُّوبُ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ: لَيْتَهُ هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَاللَّيْلُ الَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُل. لِيَكُنْ ذلِكَ الْيَوْمُ ظَلاَمًا. لاَ يَعْتَنِ بِهِ اللهُ مِنْ فَوْقُ، وَلاَ يُشْرِقْ عَلَيْهِ نَهَارٌ. لِيَمْلِكْهُ الظَّلاَمُ وَظِلُّ الْمَوْتِ. لِيَحُلَّ عَلَيْهِ سَحَابٌ. لِتَرْعَبْهُ كَاسِفَاتُ ظُلُمَاتُ النَّهَارِ. " ( أي 3 : 1 ـ 5 ) هذا المنظور الأسود جعله يسب يوم ولادته ، فكان يتمني ان لا يوجد من البداية كي لا يري هذا اليوم ، ليس هذا فقد بل أيضا من يعاني من الاكتئاب يقل نومه ، وهذا ما كان فيه أيوب "  إِذَا اضْطَجَعْتُ أَقُولُ: مَتَى أَقُومُ؟ اللَّيْلُ يَطُولُ، وَأَشْبَعُ قَلَقًا حَتَّى الصُّبْحِ." (ايوب 7 : 4 ٤ ) ما هذا كله ، إنها حالة من حالات الاكتئاب النفسي التي صاحبت أيوب خلال فترة التجربة ، فهو اكتئاب عارض وليس مرضي ، وعن الاكتئاب المرضي يقول الدكتور عبد الستار إبراهيم : " عندما نذكر الاكتئاب نذكر معه الكثير من خصائص الاضطراب النفسي بما فيها المزاج العكر والتشاؤم والشعور بالهبوط والعجز وبطء عمليات التفكير وبطء التذكر وانتقاء الذكريات الحزينة والمهينة ... هذا هو الاكتئاب المرضي "  

الله لم يترك أيوب ـ فجاء له في العاصفة وكلمه وصحح كل أفكاره وأفكار أصدقائه التي سمعها ، وفتح الرب حوار مع أيوب إلي أن نال الشفاء والتعويض الإلهي . 

دعوة للانتحار : 

كانت الآلام الجسدية شديدة ، والحالة النفسية سيئة جدا ، فلم تعد الكرامة التي كانت يوما عندما كان في كامل قوته الاقتصادية والصحية ، الجميع تركوه ، فلم يعد من يسنده بكلمات تشجيع ، ولم يجد من يفسر له ما حدث ، الجميع تباعدوا عنه " أَقَارِبِي قَدْ خَذَلُونِي، وَالَّذِينَ عَرَفُونِي نَسُونِي " ( أي 19 : 14 ) ليس هذا فقط بل العبيد الذين لأيوب لم يبالوا به " نُزَلاَءُ بَيْتِي وَإِمَائِي يَحْسِبُونَنِي أَجْنَبِيًّا. صِرْتُ فِي أَعْيُنِهِمْ غَرِيبًا. عَبْدِي دَعَوْتُ فَلَمْ يُجِبْ. بِفَمِي تَضَرَّعْتُ إِلَيْهِ. " ( أي 19 : 15 ، 16 )  إبليس استخدم البشر ليزرع جرح عميق في نفسية أيوب فالأقارب خذلوه ونزلاء بيته تباعدوا عنه ، حتى زوجته لم تحتمل رائحته وصار مكروها لدي إخوته " نَكْهَتِي مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ امْرَأَتِي، وَخَمَمْتُ عِنْدَ أَبْنَاءِ أَحْشَائِي. " ( أي 19 : 17 ) وفي ترجمة أخري " عافت زوجتي رائحة أنفاسي الخبيثة، وكرهني إخوتي فابتعدوا عني " هذا هو الواقع الذي رسم في حياة أيوب لذلك عندما قالت له زوجته " بَارِكِ اللهِ وَمُتْ  " لم تأتي من فراغ 

كلمة " بَارِكِ اللهِ وَمُتْ " ( أي 2 : 9 ) في ترجمة أخري " جدف على الله ومت " وفي اللغة الانجليزية تأتي " curse God, and die " أي " العن الله ومت " وهذا ما يريد إبليس أن يحققه في حياة أيوب أن يلعن الله ويجدف عليه وينسب لله جهالة ، ولكن أيوب لم يجدف أو يلعن الله بل وبخ امرأته "  فَقَالَ لَهَا: «تَتَكَلَّمِينَ كَلاَمًا كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ " ( أي 2 : 10 ) فهذا يرجع إلي تمسك أيوب بكماله نحو الله ، فقد قدمت زوجته له دعوة للانتحار ، ولكنه رفضها بكل قوة وبكل حزم وصرامة . 

هذا يرجع إلي إبليس الذي لم يستطع أن يمس عقل أيوب ، من اجل ذلك نري أيوب في كامل قوته العقلية ، فهو يجيد التفكير الحسن والمنطقي ولا ينساق وراء أفكار تبدوا منطقية ، فقد كان يطابق ما يسمعه علي ما يؤمن به ثم ينطق بما هو مرضي لدي الرب ، ففي كل الأحوال لم ينسب لله جهالة . 

 ----------------------------------------------

الفصل الثامن

السماح الإلهي حقيقة أم خيال


فَقَالَ لَهَا: «تَتَكَلَّمِينَ كَلاَمًا كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ! أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟». فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ بِشَفَتَيْهِ. ( أي 2 : 10 ) 


هل يأتي الشر من عند الله ؟ إنه سؤال جوهري ، لأن معظم الناس يؤمنون أن الخير والشر من عند الله ، وهذا كان إيمان أيوب أيضا ، أن الله هو المتحكم في مجري الأمور ، فهو الذي يسمح بكل شئ حسب إرادته . 

يجب أن نعلم أن الله وضع في العالم قوانين روحية وكونية واجتماعية يجب أن تحترم وتقدر ولا نحيد عنها ، لآن العبث بها هو الذي يحدد وجود الخير والشر ، فقوانين الله هي للخير ، من يحترمها سينال من خيراتها ، ومن يكسرها سينال وحده من شرها وقد يضر مجتمعه أيضا . 

ينسب البعض لله فعل الشر باستخدام كلمة " سماح " وهذه الكلمة لا توجد في كلمة الله الا في أية واحدة " ( مت 3 : 15 ) " فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ». حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ. " عند معمودية المسيح من يوحنا ، طلب المسيح من يوحنا أن يسمح له بالعماد فسمح له ، لأنه لا يليق أن الأعلى يبارك من الأقل ، فكان يجب أن يوحنا يخضع تحت يدي المسيح وليس العكس ، ولكن لسبب أن المسيح خاضع لتدابير الله من اجل شعبه ، فقد طلب من يوحنا أن يسمح له فسمح له ، كلمة سمح في الانجليزي "  suffered  " وتعني " دفع الثمن ـ سمح "  وباليونانية " ἀφίημι " فالسماح هنا يعني الخضوع للتدابير ( القوانين ) الخاصة بالمسيرة الإلهية المرتبطة بشعب الله ، هذا حسب السياق الخاص بالمقطع . 

السماح الإلهي لا يكون خارج قوانين ومبادئ الله ، ولأن قوانين الله ذاتية المفعول فلا حاجة لنا لاستخدام مصطلح استخدم لعصور كثيرة ، لآن عندما تحدث مصيبة أو كارثة ولا نستطيع تفسيرها ، ننسب ما حدث لسماح الله ، وهو برئ من هذا ، فما حدث لأيوب ليس سماح الله ( لأنه لا يرتبط بالمشيئة ولا الإرادة الإلهية ) بل هو عبارة عن ( إذن بشكاية من إبليس ) فاستجاب الله لشكايته لسبب ثغرات روحية في حياة أيوب ، هذه الثغرات رفعت الحماية أو الحصانة عن أيوب بناءً علي شكاية من إبليس ، وللتوضيح أعطي مثال : " عندما يخطئ عضو مجلس شعب أو وزير أو رئيس وزراء ، وترفع ضده شكاية للنائب العام ، لا يستطيع ضبطه وإحضاره إلا عندما يطلب رفع الحصانة ، وحينها يستطيع أن يطلبه للمحاكمة أو لتنفيذ عقوبة أو .. الخ " هذا ما حدث مع أيوب فقد أشتكي عليه إبليس ورفعت من عليه الحصانة ( الحماية ـ السياج ) ، فاستطاع أن يدخل علي حياته ويفعل بحسب نوع الشكاية المقدمة . 

السماح الإلهي لا يستخدم إلا في الأمور المرتبطة بالمشيئة الإلهية ( كالخدمات الروحية ، والمسيرات الإلهية ) أما ما يرتبط بالمواضيع العامة والحياتية لبني البشر فلا يستخدم فيها سماح الله ، لأن أمور الحياة يتحكم فيها قوانين ومبادئ واضعها الله ، فمن يخضع لها ينال بركاتها ، ومن يكسر قانون عليه احتمال العواقب . 

أيوب لم يكسر قانون ، لكنه تجاهل قانون الثقة بالله في استمرارية الحماية علي حياته " لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ. " ( أي 3 : 25 ) وابتدأ يتعامل مع الله من مبدأ الخوف والرعب والفزع ، وهذا أعطي فرصة لإبليس ليحقق ما كان يخاف منه ، لذلك قدم لله شكاية مفادها أنه من حقه أن يدخل علي حياة أيوب لأنه في منطقة الخوف ، وهذه المنطقة ملكا لإبليس ، فاستجاب له . 

هذا لا يعتبر سماح الهي ولكنه استجابة كما يستجيب المسئول عن رفع الحصانة من الوزير أو من عضو مجلس الشعب ، فكلمة سماح تعني أن الله إشترك مع إبليس في مسيرة لا يحق لإبليس أن يسير فيها ، وحاشا لله أن يفعل هذا . 

كان أيوب لا يدرك كواليس القضية التي فُتحت له أمام الله ، فقد فوجئ بالأحداث واحدة تلو الأخرى ، فابتدأ يخرج عبارات تكمن داخله ، قد تكون جيدة ولكنها بحسب مفهومنا لكلمة الله في ضوء العهد الجديد قد نختلف معها ، فعبارة " أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟ " ليست عبارة جيدة بحسب المفهوم لكلمة الله اليوم ، ففي زمن أيوب الإدراك لإمور الله محدود لذلك لم يخطئ أيوب ، بحسب مفهومه ، أما نحن اليوم فإدراكنا لقوانين الله الروحية التي يجب أن لا تكسر ، تجعلنا نقف عند هذه الكلمات التي تفوه بها أيوب ولا نستخدمها لآن الله لا يجلب لنا الشر ، ولكننا نحن من نجلب الشر بكسر قوانين الله ذاتية المفعول . 

للخير ملائكة تعمل وللشر أجناد شر تعمل " فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. " ( أف 6 : 12 )  فعند كسر قانون روحي فأنت تجند أجناد شر روحية تتبني نتيجة كسرك للقانون ، حينها لا ننسب الشر لسماح الله ، فالله برئ كل البراءة من الشر الذي حدث لك ، ولكن من حنان الله ومحبته يقف بجانبك لحين عبور كل المحن التي عانيت منها ، ويبارك ويعوض لك ، لآن "  إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ." ( 2تي 2 : 13 ) كان يري أيوب أن كماله يعطي له رصيد من الحق في حماية الله ، ولكن الحقيقة هي أن للمؤمن رصيد حماية كامل غير مرتبط بأمانتنا أو كمالنا ، ولكن هذه الحماية قد تخترق من العدو لسبب ثغرات في الجدار ، وهذه الثغرات هي بسبب بعض المعتقدات الخاطئة أو بسبب بعض الأخطاء التي أعطت فرصة للمشتكي أن يطلب برفع الحصانة عن المخطئ أو عن صاحب المعتقدات الخاطئة التي لم تفحص جيدا من خلال كلمة الله ، أو من خلال المشورة الجيدة من رجل فاهم للحق . 

استطاع إبليس أن يدخل في حياة أيوب من خلال أصدقاءه ، وهذا يرجع الي اعتقاد أيوب في أنه يجب علي الصديق مساندة صديقه مهما كانت أخطائه ، سواء كانت في الحق أو خارج دائرة الحق الإلهي ، فكان يعتقد أنه يجب علي أصدقائه ... ما يلي : 

المشاركة الأخوية وقت الأزمات : 

للصداقة حقوق يجب أن تراعيَّ ، هذا هو الفكر الذي كان لأيوب عن الصداقة او عن الأصحاب " حَقُّ الْمَحْزُونِ مَعْرُوفٌ مِنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ تَرَكَ خَشْيَةَ الْقَدِيرِ.  " ( أي 6 : 14 ) وفي ترجمة أخري " الإنسان المكروب يحتاج إلى وفاء أصدقائه، حتى لو تخلى عن خشية القدير " فمجئ أصدقاء أيوب لأيوب خطوة رائعة في رصيد صداقتهم ، فالصديق يجب أن يوجّد دائما بجوار صديقه " اَلصَّدِيقُ يُحِبُّ فِي كُلِّ وَقْتٍ، أَمَّا الأَخُ فَلِلشِّدَّةِ يُولَدُ.  " ( أم 17 : 17 ) رغم أنهم لم يضيفوا لأيوب كلمة تعزية أو مساندة لنفسيته المجروحة فقد كانوا من المستهزئون  به "  الْمُسْتَهْزِئُونَ بِي هُمْ أَصْحَابِي. ِللهِ تَقْطُرُ عَيْنِي  " ( أي 16 : 20 ) فبدل أن يجففوا دمعته أضافوا علي الدموع دموع ، فزاد الحزن حزناً ، وصاروا حملاً زائدا علي النفسية المحطمة ، فشعوره بأن يد الله قد مسته شعور مؤلم ، وما زاد الأمر تعقيداً هم أصحاب أيوب ، فقال لهم " كَرِهَنِي كُلُّ رِجَالِي، وَالَّذِينَ أَحْبَبْتُهُمُ انْقَلَبُوا عَلَيَّ.  .. تَرَاءَفُوا، تَرَاءَفُوا أَنْتُمْ عَلَيَّ يَا أَصْحَابِي، لأَنَّ يَدَ اللهِ قَدْ مَسَّتْنِي.  " ( أي 19 : 19 ، 21 ) وكأنه يتفق مع سليمان الحكيم عندما قال " اَلْمُكْثِرُ الأَصْحَابِ يُخْرِبُ نَفْسَهُ، وَلكِنْ يُوجَدْ مُحِبٌّ أَلْزَقُ مِنَ الأَخِ.  " ( ام 18 : 24 ) استطاع إبليس أن يجند الغلمان الذين نجوا بكلمات تشير الي أن الله من السماء هو فاعل الأمر ، وجند زوجة أيوب أيضا ، وها هو يجند أصدقاءه ، فقد كان هدف إبليس هو تدمير أيوب جسديا وماديا ونفسيا ليستطيع أن يصل لروحه ويدمرها ، فيفقده كل رجاء وأمل في الله . 

في نهاية الأزمة وبخ الله أصحاب أيوب لسبب كلماتهم عن الله ، فقد قالوا كلمات عن الله في مسامع أيوب لا يجب أن تقال ، فقال الله لهم " وَكَانَ بَعْدَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ مَعَ أَيُّوبَ بِهذَا الْكَلاَمِ، أَنَّ الرَّبَّ قَالَ لأَلِيفَازَ التَّيْمَانِيِّ: «قَدِ احْتَمَى غَضَبِي عَلَيْكَ وَعَلَى كِلاَ صَاحِبَيْكَ، لأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ.   " ( أي 42 : 7 ) 

يجب أن ندرك أحبائي أن اختيار أصدقائنا يجب أن يكون في مستوي أفكارنا الروحية ولهم معرفة جيدة بالله ، فعندما يأتوا لمساندتنا يكونوا في مشيئة الله ، ويجب أن لا ننساق وراء كلمات من حولنا من أخوه وأخوات وأصدقاء دون أن نمحص الكلام ، فقد كان أيوب صاحب الذهن الواعي فلم ينساق وراء كلماتهم ، علي الرغم من أن فكرة أن الله هو الفاعل كانت مسيطرة علي كيانه ، فقد كانت الآلام شديدة لأنه لم يجد إنسانا واحدا يسنده ، حتى أن يد الله مسته ، فهذا غير الحقيقة لأن يد الله لم تمسه بل يد إبليس هي الصانعة بعد أن طلب رفع الحماية ( الحصانة ) عن أيوب . 

أصدقاء يرفعون رصيد الهم ويزيدوا الكآبة : 

الخطأ الأول الذي صدر من أصدقاء أيوب أنهم لم يرفعوه بكلمات تعزية لإله السماء ، لكنهم شاركوه الأحزان بأحزان ، كي يظهروا أمامه في نفس مستوي حزنه فبكوا بصوت مرتفع ومزقوا ثيابهم ووضعوا ترابا فوق رؤوسهم وجلسوا علي الأرض ، يالها من تصرفات ليست في مستوي الروحانية التي يجب أن يكونوا عليها ، هذا شبيه في بعض القرى وقت الإحزان يأتي الأهل والأقارب والأصدقاء ويندبون ويلطمون ويتفوهون بكلمات تزيد الجو حرارة ولهيبا ، فقد فعلوا كما فعل هو أيضا عندما سمع بخبر موت أبناءه " فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ،  " ( أي 1 : 20 ) فإن كان قد فعل أيوب هذا فلا ينبغي هم أيضا أن يفعلوا مثله ، بل يتماسكوا ويسندوه ويقفوا جانبه حتى تمر هذه الأزمة بسلام . 

ما فعله أيوب وأصدقائه تقريبا يتدرج في عادة منتشرة في العهد القديم عندما يحزنون ، ففي أيام نحميا " وَفِي الْيَوْمِ الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ هذَا الشَّهْرِ اجْتَمَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِالصَّوْمِ، وَعَلَيْهِمْ مُسُوحٌ وَتُرَابٌ.  " ( نح 9 : 1 ) وارميا " شُيُوخُ بِنْتِ صِهْيَوْنَ يَجْلِسُونَ عَلَى الأَرْضِ سَاكِتِينَ. يَرْفَعُونَ التُّرَابَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ. يَتَنَطَّقُونَ بِالْمُسُوحِ. تَحْنِي عَذَارَى أُورُشَلِيمَ رُؤُوسَهُنَّ إِلَى الأَرْضِ.  " ( مراثي 2 : 10 ) وأيام حزقيا " وَيُسْمِعُونَ صَوْتَهُمْ عَلَيْكِ، وَيَصْرُخُونَ بِمَرَارَةٍ، وَيُذَرُّونَ تُرَابًا فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، وَيَتَمَرَّغُونَ فِي الرَّمَادِ.  " ( حز 27 : 30 ) فليس بغريب أن يحدث هذا من أيوب وأصدقائه . 

العادات المنتشرة في كل زمن يستطيع إبليس أن يستخدمها ويجند لها نفوس ، من آجل ذلك يجب علينا فحص كل الأمور ورفض كل عادة ليست بحسب مشيئة الله ، كي لا يستطيع إبليس أن يستخدمها ، فأيوب كان لديه استعداد كامل ليقبل مثل هذا النوع من المشاركة ، لذلك أتي له بأصدقائه ليشاركوه مناحته وليس ليعزوه . 

--------------------------------------------------

الفصل التاسع

ردود الفعل النفسي لأيوب

بَعْدَ هذَا فَتَحَ أَيُّوبُ فَاهُ وَسَبَّ يَوْمَهُ ( أي 3 : 1 ) 

الشتيمة كرد فعل نفسي  :  

الشتيمة مبدأ بكل المقاييس مرفوض مجتمعيا ، في أيام أيوب وفي كل جيل وفي كل مجتمع ، فلم تكن الوصية والشريعة قد أعطيت ، لكن من البديهي أن الكلمات السلبية تجاه أفراد أو أيام أو سنين ليس بالأمر الحميد ، فالأمر بمثابة تفريغ كمية كبت وحزن شديد لموضوع ليس له تفسير أو تحليل أو إيجابه داخل أيوب ، ولذلك لم يستطع عمل شئ إلا أن يترك العنان لنفسه بدل الانفجار الداخلي ، بكلمات قد يندم عليها لاحقاً.

جيد علي الإنسان أن يضبط لسانه ويتحكم في نفسه وقت الأزمات ، ولكن دون كبت لآن الأزمات تولد غضب والغضب إن لم يُعبر عنه بطريقة صحيحة يؤدي إلي الكبت  والكبت يؤدي إلي مشاكل جسدية وخيمة ، فكلما زادت كمية الكبت النفسي كلما كانت كمية الخطر كبيرة ، لآن التعبير عن الغضب بطريقة انفعالية شديدة يقود إلي مشاكل جسدية خطيرة ، أما التعبير الهادي عن ما يغضب الإنسان يعطي للعقل الباطن فرصة للتفريغ النفسي فلا يدخل الإنسان في دائرة الكبت النفسي ، فالغضب قد يكون انفجار لكمية الكبت الشديدة الداخلية فهو كبت معبر عنه ، فإن تم بطريقة هادئة وسليمة فهو صحي ، وإن تم بطريقة انفعالية وشديدة فهو خطير للغاية ، وفي موضوع الكبت يقول سيجموند فرويد أستاذ علم النفس في ألمانيا : " الكبت أشبه بإناء مملوء ماء محكم الغلق وموضوع علي النار ـ فالغليان إذا لم يجد له مخرجا يؤدي إلي الانفجار الشديد ... " فما حدث لأيوب أنه لمدة سبعة أيام لم يستطع أن يتكلم، رغم كمية الأسئلة داخل أعماقه، فهي أسئلة بالنسبة له ليست لها إجابة ، مثل : " لماذا أنا ؟ و لماذا كل هذا ؟ أبقار ، وأتن ، وغنم ، وجمال ، وموت الغلمان ، وموت الأبناء ، وفقدان الصحة ، وعدم المقدرة علي الطعام ، كل هذا عليّ ..! " إنها أفكار تدور داخل عقله ، وليس من مجيب ، حتى أصدقاءه صرخوا وبكوا ووضعوا التراب علي رؤوسهم ، ولم يستطيعوا أن يتكلموا مع أيوب لمدة سبعة أيام ، الأمر صعب للغاية ، انفجر أيوب وسب يومه لسبب كمية الكبت الداخلي . 

كمية الأسئلة المحيرة التي تتعلق بحياة الإنسان من خسائر في الممتلكات والأرواح ، وكمية المصائب  ولا يستطيع المرء أن يجيب عليها مع الاستمرار في التفكير بها ، يؤدي إلي اكتئاب وكبت داخلي إن لم يتكلم الإنسان تكون العواقب وخيمة ، فيرتفع ضغط الدم وتزيد نسبة ألام الرأس ، وقد تزيد نسبة السكر في الدم ، ويميل الإنسان إلي النوم الكثير للهروب من مشاكله أو قد يزيد نسبة القلق فيصاب الإنسان بعدم مقدرته علي النوم ، وهذا يزيد من درجة الاكتئاب ، فإن لم يعالج قد يؤدي هذا للموت أو الانتحار . 

الانفجار والعقل الباطن : انفجر أيوب بكلمات بعد سكوت دام سبعة أيام " وَأَخَذَ أَيُّوبُ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ:‏"لَيْتَهُ هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَاللَّيْلُ الَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُل.‏ لِيَكُنْ ذلِكَ الْيَوْمُ ظَلاَمًا. لاَ يَعْتَنِ بِهِ اللهُ مِنْ فَوْقُ، وَلاَ يُشْرِقْ عَلَيْهِ نَهَارٌ.‏ لِيَمْلِكْهُ الظَّلاَمُ وَظِلُّ الْمَوْتِ. لِيَحُلَّ عَلَيْهِ سَحَابٌ. لِتَرْعَبْهُ كَاسِفَاتُ ظُلُمَاتُ النَّهَارِ. " ( أي 3 : 2 ـ 5 ) ولكن في هذه المرة تفوه بكلمات مرة دليل علي مرارة نفسه الداخلية ، فلم يجد شئ أمامه لينفجر فيه ، لا غنمه واحدة ولا بقرة ولا حمار واحد أمامه حتى أولاده صاروا ليس بموجودين ، حتى زوجته تخلت عنه في شدته ، وأخواته وأقرباءه لم يسندوه ، فلم يجد من يتحدث إليهم شاكيا أو سائلاً ، من اجل ذلك ابتدأ يتجه إلي ماضيه بادئاً بيوم مولده . 

ابتدأ العقل الباطن يُخرج من داخل أيوب يوم البداية و يوم ولادته ، وتمني إن لم يولد ، " لَيْتَهُ هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ وَاللَّيْلُ الَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُل " هذا يرجع إلي أمنيته في عدم رؤية يوم كيوم التجربة هذه ، يوم فيه عُدم البنين والبنات وخسر كل شئ ، وقد عبر في الإصحاح العاشر عن رغبته في ذلك " فَلِمَاذَا أَخْرَجْتَنِي مِنَ الرَّحِمِ؟ كُنْتُ قَدْ أَسْلَمْتُ الرُّوحَ وَلَمْ تَرَنِي عَيْنٌ! ، فَكُنْتُ كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ، فَأُقَادَ مِنَ الرَّحِمِ إِلَى الْقَبْرِ." ( أي 10 : 18 ، 19 ) فالإنسان يريد دائما أن يكون في كامل الرخاء والصحة ومسدد العوز وقادر علي العيش دون هم او خوف ، فأيوب كان يتمني أن يكون في العَدم ولا يري مثل هذا اليوم العصيب .

ذات يوم كان يوجد حوار بين الرب وارميا النبي حول شعب الله الذي ضل وبعد عنه، فاخبر الرب ارميا أنه مهلك هذا الشعب بالسيف والنار والأعداء بسبب " مِنْ أَجْلِ مَا صَنَعَ فِي أُورُشَلِيمَ...... أَنْتِ تَرَكْتِنِي، يَقُولُ الرَّبُّ. إِلَى الْوَرَاءِ سِرْتِ. فَأَمُدُّ يَدِي عَلَيْكِ وَأُهْلِكُكِ. مَلِلْتُ مِنَ النَّدَامَةِ. " ( ار15 : 4 ) فماذا كان رد فعل ارميا ؟ ! كان رد عنيفا جداً علي أمه " وَيْلٌ لِي يَا أُمِّي لأَنَّكِ وَلَدْتِنِي إِنْسَانَ خِصَامٍ وَإِنْسَانَ نِزَاعٍ لِكُلِّ الأَرْضِ " (ارميا ١٥:‏١٠  ) وفي ارميا لعن اليوم الذي ولد فيه قائلاً : " مَلْعُونٌ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ! الْيَوْمُ الَّذِي وَلَدَتْنِي فِيهِ أُمِّي لاَ يَكُنْ مُبَارَكًا!  مَلْعُونٌ الإِنْسَانُ الَّذِي بَشَّرَ أَبِي قَائِلاً: «قَدْ وُلِدَ لَكَ ابْنٌ» مُفَرِّحًا إِيَّاهُ فَرَحًا.  وَلْيَكُنْ ذلِكَ الإِنْسَانُ كَالْمُدُنِ الَّتِي قَلَبَهَا الرَّبُّ وَلَمْ يَنْدَمْ، فَيَسْمَعَ صِيَاحًا فِي الصَّبَاحِ وَجَلَبَةً فِي وَقْتِ الظَّهِيرَةِ.  لأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْنِي مِنَ الرَّحِمِ، فَكَانَتْ لِي أُمِّي قَبْرِي وَرَحِمُهَا حُبْلَى إِلَى الأَبَدِ.  لِمَاذَا خَرَجْتُ مِنَ الرَّحِم، لأَرَى تَعَبًا وَحُزْنًا فَتَفْنَى بِالْخِزْيِ أَيَّامِي؟ " السبب انه تنبأ بكلام الرب أمام فشحور بن إميرالكاهن وهو ناظر أول بيت الرب فضربه وجعله في المقطرة ، فقد عاني ارميا كثيراً لسبب إعلان الحق والتنبؤ بكل ما يقوله الرب بكل أمانة 

لعن يوما الولادة ! ما هي إلا ثقافة متبعة فيها تعبير عن شدة الألم والحزن والضيق ، وما هي إلا تفريغ نفسي لعدم الكبت وللهروب من دائرة الاكتئاب ، فرجال العهد الجديد يختلفون في فهمهم عن رجال العهد القديم ، فنحن لنا من النور الإلهي ما يمنعنا من لعن أيام السنة لأن الله قد وضع داخلنا روحه القدوس الذي يرشدنا للحق ويرفع أرواحنا وأنفسنا فوق التجارب والآلام  ، أما رجال العهد القديم كثيرا ما ينقادون وراء نفسيتهم نتيجة للظروف التي يمرون بها ولا يجدون لها تحليل أو إجابة شافية إلا عندما يتكلم إليهم الرب ليخرجهم من المحن النفسية التي يمرون بها ، هكذا نحن إن لم نلجأ للرب ولروحه القدوس ليرفعنا فوق الألم فسنفعل كما فعل أيوب وارميا. هذا لم ينقص من مكانتهم الروحية لدي الله ، ولكنه يزيد مدة الألم والتجربة والضيق ، أما الشكر والصلاة والصبر يسرع بالمعونة الإلهية للإنقاذ ، لذلك لا تسرع بالتعبيرات السلبية في مسامع من حولك من بشر وملائكة وأجناد شر روحية كي لا يتبنوا بعض الكلمات التي يأخذونها كأوامر ويسعون لتنفيذها ، فتدخل في مشاكل روحية أنت في غني عنها .

الإنسان في كيانه الداخلي يمتلك عقلين ، عقل باطن ( اللاواعي ) مساحته 80% وعقل واعي مساحته 20%  كل ما يحدث في الحياة من صور وأحاسيس وأصوات يمر علي العقل الواعي وعندما لا يجد له استخدام في الوقت الحالي يتم تخزينه في العقل الباطن ، ويظل فيه ليوم مشابه فيه صور وأحاسيس مشابهه ، فيخرج الصور القديمة إلي العقل الواعي ، فبحسب نوع التخزين تكون الصور والأحاسيس . 

كان داخل أيوب صور في عقله الباطن ، هذه الصور مأخوذة من الطبيعة والحياة ، فلليل والنهار والشروق صورة ، ولولادة البنين وللموت وللسحاب صورة ولكسوف الشمس  صور ، كل هذه الصور أخرجها العقل الباطن الي العقل الواعي وابتدأ في استخدامها ، استخدمت بحسب الحالة النفسية التي عليها ، فكان يعاني من اكتئاب شديد ولأن الاكتئاب مقره المشاعر والأحاسيس التي مقرها العقل الباطن ، ولشدة الأحزان والاكتئاب الشديد لم يستطع العقل الواعي إلا أن يستجيب للعقل اللاواعي في التعبير عن أحاسيسه الحزينة مستخدما الصور الموجودة في العقل اللاواعي . 

عندما الإنسان يمتلئ بكلمات الله ويكون داخله صور إيجابية عن معية الله وعنايته مهما كانت الظروف ، فعندما يمر بمحن لن يخرج من الباطن إلي الواعي إلا الصور والأحاسيس التي تبني وتعالج ، فيستطيع المؤمن أن يقول : " أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي.  " ( مز 23 : 4 ) فقد كانت الصور المخزنة لكاتب المزمور هي جزئيين ظل موت ومشاعر خوف والجزء الثاني عصا وعكاز لدي الرب ، من أجل هذا يكون وقت ومدة الحالة النفسية السلبية قليلة ، وتنتهي سريعا. 

صوت المشاعر وصوت الله : تمني أيوب أن يكون قد مات قبل أن يولد ، ولأنه لم ينال هذا ، فقد تمني أن يكون يوم مولده يوم شديد الظلام " فَلْيُمْسِكْهُ الدُّجَى " ( أي 3 : 6 ) ولا يكون فيه فرح بين أيام السنة ، ويكون هذا اليوم عاقراً لا يولد فيه مولود واحد. ما هذا ؟! إنها أمنيات سلبية لشخص مكتئب اكتئاب شديد ويمتلك من المشاعر أحزان عميقة جداً ، فهل يستجيب الرب لمثل هذه الأمنيات ؟ بالطبع لا ، لآن المشاعر السلبية لا يهتم بها الله ليحققها ، ولكنه يسعي لشفائها وهذا يتطلب صمت وهدوء ليستطيع أن يستمع لصوت الله داخله ، فعندما يكون صوت المشاعر السلبية عالياً لا يُسمع صوت الله ، فالهدوء النفسي وقت المحن يعطي فرصة لله بأن يسرع بالمعونة الإلهية ، فبحسب ما تشعر به تكون حالتك ، فلكي يجدد الله مشاعرك عليك بالصمت وليس الكبت ، فالكبت يولد انفجارا أما الصمت الإرادي لسماع صوت الله يعطي لك هدوءاً نفسياً ويساعدك لسماع صوت الله . 

كلمات أيوب السلبية أعطت للرب فترة طويلة من الصمت والسكوت وعدم التدخل السريع للشفاء والعلاج والتعويض ، فالتدخل الإلهي يلزم من المحتاج لله أن يصمت ، تعلم داود أن يصمت في وقت المحن والشدائد "  صَمَتُّ. لاَ أَفْتَحُ فَمِي، لأَنَّكَ أَنْتَ فَعَلْتَ " ( مز 39 : 9 ) يتدخل الله لحياتنا عندما نسلم له التسليم الكامل ، لآن التحركات الروحية التي لا نراها وأحيانا لا ندركها ، لا تحتاج إلا أن نحرك تجاهها مستوي من الروحانيات العالية فنعطي فرصة للرب ليحرك الملائكة والأجناد السماوية لصد كل الهجمات الشيطانية تجاه ممتلكاتنا ونفسيتنا ، فنتماثل للشفاء ويتم من الله التعويض ورد المسلوب .

السحرة ولعنة التنين : في أيام أيوب كان للسحرة قوة وتأثير في المجتمع وكانت لهم مكانتهم داخل البلاط الملكي في بعض الدول كمصر القديمة مثلاً ، فكانوا يؤمنون أن السحرة لهم قدرة وسلطان لتحريك الأرواح والقوات لجعل اليوم نحس أو لجعله مباركاً ، ولهم سلطان علي كسوف الشمس ولأن القدماء لم يعرفوا علة الكسوف ظنوا أن حيواناً خفياً كان يبتلع الشمس أو القمر أو كان يغطيه بالبصق عليه كحية عظيمة وأن للسحرة سلطة علي التنين فيوقظونه أو يسكتونه حينما يشاءون. هذا ما قاله " لِيَلْعَنْهُ لاَعِنُو الْيَوْمِ الْمُسْتَعِدُّونَ لإِيقَاظِ التِّنِّينِ. لِتُظْلِمْ نُجُومُ عِشَائِهِ. لِيَنْتَظِرِ النُّورَ وَلاَ يَكُنْ، وَلاَ يَرَ هُدُبَ الصُّبْحِ، لأَنَّهُ لَمْ يُغْلِقْ أَبْوَابَ بَطْنِ أُمِّي، وَلَمْ يَسْتُرِ الشَّقَاوَةَ عَنْ عَيْنَيَّ.‏ " ( أي 3 : 8 ـ 10 ) 

في فكر أيوب " المستعدون لإيقاظ التنين " هم السحرة الذين كانوا يهددون بأن يوقظوا هذا التنين الذي يبتلع الشمس ليتحول النهار إلي ظلام ، فهو يطلب من السحرة أن يلعنوا يوم ميلاده ليصير مظلما " لِتُظْلِمْ نُجُومُ عِشَائِهِ. لِيَنْتَظِرِ النُّورَ وَلاَ يَكُنْ، وَلاَ يَرَ هُدُبَ الصُّبْحِ، " ( أي 3 : 9 ) فهدب الصبح الشعاع الذي يخرج من أشعة الشمس في الصباح الباكر ، كل هذا لأن أيوب انتظر الخير فلم يجده والنور فحدث العكس " حِينَمَا تَرَجَّيْتُ الْخَيْرَ جَاءَ الشَّرُّ، وَانْتَظَرْتُ النُّورَ فَجَاءَ الدُّجَى.  " ( أي 30 : 26 ) فهذا النوع من الانتظار قد يجلب القلق والتعب ، فعلي الإنسان أن يعيش كل يوم بيومه " حبزنا كفافنا أعطنا اليوم " ( مت 6 : 11 ) فعندما نعيش خلال اليوم مستمتعين بالخير والنور ونشكر الرب عليه ، ننام في سلام وهدوء نفسي ، غير مهتمين بالغد ، وفي الغد ننتظر نسير علي نفس المنهاج ، لا يجد إبليس باباً للدخول منه لنفسيتنا 

السحرة والسحر في كلمة الله :   كان في زمن أبينا إبراهيم والآباء الأولين عدد من الدول تتعامل مع السحر والسحرة ، فعندما انزعج فرعون مصر بسبب أحلامه ، دعي جميع سحرة مصر " وَكَانَ فِي الصَّبَاحِ أَنَّ نَفْسَهُ انْزَعَجَتْ، فَأَرْسَلَ وَدَعَا جَمِيعَ سَحَرَةِ مِصْرَ وَجَمِيعَ حُكَمَائِهَا. وَقَصَّ عَلَيْهِمْ فِرْعَوْنُ حُلْمَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مَنْ يُعَبِّرُهُ لِفِرْعَوْنَ" ( تك 41 : 8 ) ليس هذا فقط بل مملكة بابل أيضاَ ، عندما طلب الملك من السحرة تبيين الحلم وتفسيره " أَجَابَ الْكَلْدَانِيُّونَ قُدَّامَ الْمَلِكِ وَقَالُوا: «لَيْسَ عَلَى الأَرْضِ إِنْسَانٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَيِّنَ أَمْرَ الْمَلِكِ. لِذلِكَ لَيْسَ مَلِكٌ عَظِيمٌ ذُو سُلْطَانٍ سَأَلَ أَمْرًا مِثْلَ هذَا مِنْ مَجُوسِيٍّ أَوْ سَاحِرٍ أَوْ كَلْدَانِيٍّ. " ( دا 2 : 10 )  الله لا يريد شعبه أن يتعاملون مع السحر والسحرة ، لذلك أوصي الله شعبه قديما عندما يدخلون أرض الموعد بعدم السماح فيها بالسحر والسحرة " مَتَى دَخَلْتَ الأَرْضَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، لاَ تَتَعَلَّمْ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ رِجْسِ أُولئِكَ الأُمَمِ. لاَ يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ، وَلاَ مَنْ يَعْرُفُ عِرَافَةً، وَلاَ عَائِفٌ وَلاَ مُتَفَائِلٌ وَلاَ سَاحِرٌ، " ( تث 18 : 9 ، 10 ) عدم التعامل بالسحر والسحرة ولا بأي نوع من أنواع التعامل مع الأرواح النجسة " وَلاَ مَنْ يَرْقِي رُقْيَةً، وَلاَ مَنْ يَسْأَلُ جَانًّا أَوْ تَابِعَةً، وَلاَ مَنْ يَسْتَشِيرُ الْمَوْتَى. " ( تث 18 : 11 ) علي الرغم من هذا نجد الشعب لم يتبع الوصية كما ينبغي ، فعندما يأتي ملك يتقي الله كان يبيد السحرة والعرافون والترافيم والأصنام التي في أورشليم ويهوذا " وَكَذلِكَ السَّحَرَةُ وَالْعَرَّافُونَ وَالتَّرَافِيمُ وَالأَصْنَامُ وَجَمِيعُ الرَّجَاسَاتِ الَّتِي رُئِيَتْ فِي أَرْضِ يَهُوذَا وَفِي أُورُشَلِيمَ، أَبَادَهَا يُوشِيَّا لِيُقِيمَ كَلاَمَ الشَّرِيعَةِ الْمَكْتُوبَ فِي السِّفْرِ الَّذِي وَجَدَهُ حِلْقِيَّا الْكَاهِنُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ." ( 2مل 23 : 24 ) 

في العهد الجديد أيضا يعلمنا الرسول بولس أن السحر من أعمال الجسد التي ينبغي أن تطرد من حياتا ولا يكون لها مكان " وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ، الَّتِي هِيَ: زِنىً عَهَارَةٌ نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌ ، عِبَادَةُ الأَوْثَانِ سِحْرٌ عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ بِدْعَةٌ " ( غل 5 : 19 ، 20 ) فكل من يفعل مثل هذه الأشياء سيكونون من ضمن من يطرحون خارجاً " لأَنَّ خَارِجًا الْكِلاَبَ وَالسَّحَرَةَ وَالزُّنَاةَ وَالْقَتَلَةَ وَعَبَدَةَ الأَوْثَانِ، وَكُلَّ مَنْ يُحِبُّ وَيَصْنَعُ " ( رؤ 22 : 15 ) من هنا نري أن اله العهدين القديم والجديد قد منع التعامل بالسحر ومع السحرة لأنها تدخل في عبادة الأوثان والبعد عن الله . 

مرارة النفس وتمني العدم :  بسبب ضيق النفس يسير الإنسان في طريق التمني ، سواء كان بالسلبيات أو الايجابيات ، فلأن الضيق الحادث لأيوب شديد المرارة ، فالأمنيات دائما تكون سلبية المعالم ، ويبدأ من الرحم " لِمَ لَمْ أَمُتْ مِنَ الرَّحِمِ؟  " ( أي 3 : 11 ـ 10 : 18 ) الجنين في الرحم هو الوقت الذي يكون فيه الإنسان بلا إدراك ووعي نفسي وبدون ذاكرة وليس له ذكر " تَنْسَاهُ الرَّحِمُ، يَسْتَحْلِيهِ الدُّودُ. لاَ يُذْكَرُ بَعْدُ، ... " ( أي 24 : 20 )  فالصورة الكامنة في نفس أيوب صورة داكنة ، سوداء ، لا يري فيها معالم ، وكأن الماضي الجميل قد تلاشي وانتهي .

بسبب مرارة النفس يتحرك العقل الباطن إلي عملية قص ولصق تجاه الصور الداخلية المرتبطة بالماضي فيقص المرحلة التي بين الولادة والضيق وكأنه ولد من الرحم مر النفس ، فلا يذكر المرحلة التي كان يتمتع فيها بالصحة الجيدة والممتلكات الكثيرة وله من البنين والبنات ما يفرح القلب ، فقد صار كل هذا ليس له أي طعم أو لون أو رائحة ، فهو لا يري إلا الصورة السوداء . 

دائما الرب يتعامل مع الإنسان بكلمات الأمل ويبدأ من الرحم أيضا ، فقد قال الرب لبني يعقوب " هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ صَانِعُكَ وَجَابِلُكَ مِنَ الرَّحِمِ، مُعِينُكَ: لاَ تَخَفْ يَا عَبْدِي يَعْقُوبُ، وَيَا يَشُورُونُ الَّذِي اخْتَرْتُهُ. " ( أش 44 : 2 ) فهنا الرب يبدأ بصورة رائعة لبني يعقوب لترتكز داخلهم ، فهو من الرحم جابل الإنسان وصانعه ، لذلك يجب أن نمتلئ بالأمل وعدم الخوف من المستقبل لأن الله وعد قائلاً " لا تخف " ، الرب ليس هو الصانع والجابل فقط بل أيضا حاملنا من الرحم " اِسْمَعُوا لِي يَا بَيْتَ يَعْقُوبَ وَكُلَّ بَقِيَّةِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ، الْمُحَمَّلِينَ عَلَيَّ مِنَ الْبَطْنِ، الْمَحْمُولِينَ مِنَ الرَّحِمِ.  " ( أش 46 : 3 ) وأيضا هو الذي صورنا من الرحم " قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلشُّعُوبِ. " ( أر 1 : 5 ) فالرب إلهنا هو مسئول عنا من ونحن جنين في الرحم إلي الشيخوخة " وَإِلَى الشَّيْخُوخَةِ أَنَا هُوَ، وَإِلَى الشَّيْبَةِ أَنَا أَحْمِلُ. قَدْ فَعَلْتُ، وَأَنَا أَرْفَعُ، وَأَنَا أَحْمِلُ وَأُنَجِّي. " (  أش 46 : 4 ) 

هذه الصورة الرائعة يرسمها الله للمؤمنين لترتكز داخلهم كي لا يصابوا بالاكتئاب أو المرارة الداخلية التي بسببها يستدعي الصور السوداء والكاتمة ويتفوه الإنسان بكلمات سلبية المعالم ، فالرب قد قال لنا أنه من البطن صورنا وجابلنا وصانعنا والي الشيخوخة ، فهو القادر أن يعوض عن السنين التي أكلها الجراد " وَأُعَوِّضُ لَكُمْ عَنِ السِّنِينَ الَّتِي أَكَلَهَا الْجَرَادُ، الْغَوْغَاءُ وَالطَّيَّارُ وَالْقَمَصُ، جَيْشِي الْعَظِيمُ الَّذِي أَرْسَلْتُهُ عَلَيْكُمْ. " ( يؤ 2 : 25 ) فهل تؤمن أخي العزيز ، أن حياتك ليست في مهب الريح ، ولكنها في يدي الله القدير ، فلا تخف إطلاقا ، أسرع الآن لحضن الرب وتمسك به ، فهو القادر أن يزيل كربك ، وينجيك من الهلاك . 

أدعوك لترنم مع داود النبي قائلاً : " لأَنَّكَ أَنْتَ جَذَبْتَنِي مِنَ الْبَطْنِ. جَعَلْتَنِي مُطْمَئِنًّا عَلَى ثَدْيَيْ أُمِّي. عَلَيْكَ أُلْقِيتُ مِنَ الرَّحِمِ. مِنْ بَطْنِ أُمِّي أَنْتَ إِلهِي. " ( مز 22 : 9 ، 10 ) فإن كان أيوب يسأل " لِمَاذَا أَعَانَتْنِي الرُّكَبُ، وَلِمَ الثُّدِيُّ حَتَّى أَرْضَعَ؟ " ( أي 3 : 12 ) يجيب داود أن الثديين للطفل هما مصدر الاطمئنان ، ولكن بسبب مرارة نفس أيوب ، لم يستدعي صور الاطمئنان ، ولكنه أستدعي الصور الكاتمة ، فيسأل : " لماذا أعانتني الركب؟ " يجيب أشعياء النبي أنها للتدليل " لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «هأَنَذَا أُدِيرُ عَلَيْهَا سَلاَمًا كَنَهْرٍ، وَمَجْدَ الأُمَمِ كَسَيْل جَارِفٍ، فَتَرْضَعُونَ، وَعَلَى الأَيْدِي تُحْمَلُونَ وَعَلَى الرُّكْبَتَيْنِ تُدَلَّلُونَ. "  ( أش 66 : 12 ) فكما قلت أن أيوب لم يستدعي الصور التي تبعث الأمل ، ولكنه استدعي صور سوداء نتيجة الاكتئاب الشديدة التي جعلته لا يشم إلا رائحة الموت. 

الراحة التي بعد الموت : 

تمني أيوب الموت " لأَنِّي قَدْ كُنْتُ الآنَ مُضْطَجِعًا سَاكِنًا. حِينَئِذٍ كُنْتُ نِمْتُ مُسْتَرِيحًا‏ ، مَعَ مُلُوكٍ وَمُشِيرِي الأَرْضِ، الَّذِينَ بَنَوْا أَهْرَامًا لأَنْفُسِهِمْ ، ‏أَوْ مَعَ رُؤَسَاءَ لَهُمْ ذَهَبٌ ، الْمَالِئِينَ بُيُوتَهُمْ فِضَّةً، " ( أي 3 : 13 ـ 15 ) تمني الموت من اجل الراحة أمر ليس مضمون للجميع ، لأن المؤمن الذي يموت في الرب وحده له الراحة الأبدية سواء كان في مكان الانتظار ( الفردوس ) أو في بيت الأب بعد مجئ ابن الإنسان وانقضاء الدهر ، فالذين يموتون في الرب يستريحون من أتعابهم وأعمالهم تتبعهم "  وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً لِي: «اكْتُبْ: طُوبَى لِلأَمْوَاتِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فِي الرَّبِّ مُنْذُ الآنَ». «نَعَمْ» يَقُولُ الرُّوحُ: «لِكَيْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ أَتْعَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ»." (رؤيا ١٣:١٤ ) فالذين لهم الراحة الأبدية هم المؤمنون الذين يموتون في الرب سواء كانوا من رجال العهد القديم أو الجديد ، فقد كان إيمان اشعياء النبي أن الصديق وحده هو الذي يستريح بعد الموت " بَادَ الصِّدِّيقُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ ذلِكَ فِي قَلْبِهِ. وَرِجَالُ الإِحْسَانِ يُضَمُّونَ، وَلَيْسَ مَنْ يَفْطَنُ بِأَنَّهُ مِنْ وَجْهِ الشَّرِّ يُضَمُّ الصِّدِّيقُ. " ( أش 57 : 1 ) فالصديق يضم من وجه الشر ، فموت المؤمن قبل أيام الشر أو الضيق إحسان من الله لهم ، فقد كان أيوب يتمني أن يضم بالموت ، فالأمر لا يقف عند الموت ولكن الله يعطي ثياب بيض ليستريحوا حتى مجيء باقي إخوتهم الذين يموتون في الرب " فَأُعْطُوا كُلُّ وَاحِدٍ ثِيَابًا بِيضًا، وَقِيلَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَرِيحُوا زَمَانًا يَسِيرًا أَيْضًا حَتَّى يَكْمَلَ الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُمْ، وَإِخْوَتُهُمْ أَيْضًا، الْعَتِيدُونَ أَنْ يُقْتَلُوا مِثْلَهُمْ. " ( رؤ 6 : 11 ) وهذا أيضا ما تمناه الرسول بولس عندما قال : " فَنَثِقُ وَنُسَرُّ بِالأَوْلَى أَنْ نَتَغَرَّبَ عَنِ الْجَسَدِ وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ الرَّبِّ.  " ( 2كو 5 : 8 ) فمؤمني العهد الجديد اقوي في معرفتهم بمصيرهم الأبدي عن مؤمني العهد القديم ، لأن النور الإلهي المعلن في كلمة الله تجعلنا نعلم إلي أين نحن ذاهبون بعد الموت ، فالرسول بولس علي سبيل المثال كان يعلم إلي أين يمضي " لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ. وَلكِنْ إِنْ كَانَتِ الْحَيَاةُ فِي الْجَسَدِ هِيَ لِي ثَمَرُ عَمَلِي، فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا.  " ( في 1 : 21 ـ 23 ) فالمؤمن يعيش في هذا العالم وهو يدرك لمن يعيش ولمن يموت " لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ.  " ( رو 14 : 8 ) ليس هذا فقط بل إن إيماننا ومعرفتنا للحقيقة الكتابية الراسخة أن المؤمن الذي يموت في الرب سيحضره الله بقيامة الأموات " لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ. لأَنَّ الرَّبّ نََفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً.  " ( 1تس 4 : 14 ـ 16 ) أما الأشرار فليس لهم الراحة التي بعد الموت ، سواء كانوا في الهاوية مكان انتظار الأشرار أو الجحيم مكان العذاب الأبدي للأشرار ونري هذا واضح في قصة الغني والعازر فقد كان الأول في الجحيم والثاني في النعيم " فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا ابْنِي، اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ، وَكَذلِكَ لِعَازَرُ الْبَلاَيَا. وَالآنَ هُوَ يَتَعَزَّى وَأَنْتَ تَتَعَذَّبُ.  " ( لوقا 16 : 25 ) فالذين يموتون وهم ليسوا مؤمنين فالعذاب الأبدي يبدأ بعد موتهم مباشرة ويسميها النبي داود " الهاوية السفلي " فهو يشكر الله من أجل نجاته " لأَنَّ رَحْمَتَكَ عَظِيمَةٌ نَحْوِي، وَقَدْ نَجَّيْتَ نَفْسِي مِنَ الْهَاوِيَةِ السُّفْلَى.  " ( مز 86 : 13 ) فقد تمني الغني من أجل إخوته كي لا يأتوا مكان العذاب هذا ولكن طلبه رفض " لأَنَّ لِي خَمْسَةَ إِخْوَةٍ، حَتَّى يَشْهَدَ لَهُمْ لِكَيْلاَ يَأْتُوا هُمْ أَيْضًا إِلَى مَوْضِعِ الْعَذَابِ هذَا.  " ( لو 16 : 28 ) فالعذاب الأبدي سيكون به " هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ، مَتَى رَأَيْتُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ، وَأَنْتُمْ مَطْرُوحُونَ خَارِجًا. " ( لو 13 : 28 ) 

أيوب بكل تأكيد لم يدرك الفرق بين الشرير والصديق في الآخرة ، لأنه تمني الموت ليستريح مع ملوك الأرض ، وهم كانوا أشرار ، كالملوك الذين بنوا الأهرامات ، فقال أيوب " لأَنِّي قَدْ كُنْتُ الآنَ مُضْطَجِعًا سَاكِنًا. حِينَئِذٍ كُنْتُ نِمْتُ مُسْتَرِيحًا . مَعَ مُلُوكٍ وَمُشِيرِي الأَرْضِ، الَّذِينَ بَنَوْا أَهْرَامًا لأَنْفُسِهِمْ،" ( أيوب 3 : 13 ، 14 ) فلو كان يعلم أنهم غير مستريحين لكان قد غير أقواله .

---------------------------------------------

الفصل العاشر

أقسام الهاوية

" أَوْ كَسِقْطٍ مَطْمُورٍ فَلَمْ أَكُنْ، كَأَجِنَّةٍ لَمْ يَرَوْا نُورًا. هُنَاكَ يَكُفُّ الْمُنَافِقُونَ عَنِ الشَّغْبِ، وَهُنَاكَ يَسْتَرِيحُ الْمُتْعَبُون.‏ الأَسْرَى يَطْمَئِنُّونَ جَمِيعًا، لاَ يَسْمَعُونَ صَوْتَ الْمُسَخِّرِ.‏ الصَّغِيرُ كَمَا الْكَبِيرُ هُنَاكَ، وَالْعَبْدُ حُرٌّ مِنْ سَيِّدِهِ.‏ " ( أي 3 : 16 ـ 19 )


ما كان يدور في ذهن أيوب أنه كان يجب أن يكون في نطاق العدم ـ أو الغير موجود ـ فيصير بلا اسمٍ كالسقط  فالسقط والأموات استراحوا من هم الحياة ، فهم نائمون مستريحون في قبورهم أو في الآخرة ، هذا بحسب النور الذي وصل إليه ، فالكل متساوون في نهايتهم ، فقد كان يتمني أيوب أن لا يري يوما مثل يوم الضيق هذا ، أو أن يصنع معه الله معروفاً ، أن يميته حتى يعبر الغضب ثم يحيه مرة ثانية "  لَيْتَكَ تُوارِينِي فِي الْهَاوِيَةِ، وَتُخْفِينِي إِلَى أَنْ يَنْصَرِفَ غَضَبُكَ، وَتُعَيِّنُ لِي أَجَلاً فَتَذْكُرَنِي. " ( أي 14 : 13 ) هذا لأن لأيوب فهم أن الأموات في راحة ، فالهاوية تضم الجميع الصغير والكبير و العبد والسيد فالكل هناك متساوون ، وما لم يعلمه أن الهاوية لها عدة أقسام دعونا ندرسها معاً. 

للهاوية أقسام يجب أن تدرس ويعرفها كل مؤمن وأقسامها هي : أبوسوس وتارتارو وهادس وشاؤل وجهنم ، جميعها تختلف عن بعضها ، لأنه يدخل في كل قسم المخلوقات الشريرة الخاصة به . 

1 ـ ابوسوس : وتعني الحفرة التي بلا قرار لها "  the bottomless pit " في اليوناني " ἄβυσσος  " وتنطق   " abussos "  وتعني " حفرة بلا قعر " كما في ( رؤيا 9 : 1 ) " ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ الْخَامِسُ، فَرَأَيْتُ كَوْكَبًا قَدْ سَقَطَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَأُعْطِيَ مِفْتَاحَ بِئْرِ الْهَاوِيَةِ. " هنا الملاك أعطي مفتاح بئر أبوسوس ، وهذا البئر سيخرج منها جراد سفر الرؤيا ، وهذا البئر ليس للأشرار الخطاة الذين يموتون في خطاياهم وبه أرواح نجسة محفوظة كجراد سفر الرؤيا مثلاً ، واليك الشواهد التي أتت بمعني أبوسوس : 

" وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ لاَ يَأْمُرَهُمْ بِالذَّهَابِ إِلَى الْهَاوِيَةِ.  " ( لو 8 : 31  )  لأن الشياطين تعلم أقسام الجحيم فكانت تعرف إلي أين ستذهب والي أي قسم ، والمسيح أيضا ذهب إليها عندما مات علي الصليب " أَوْ: مَنْ يَهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ؟» أَيْ لِيُصْعِدَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ " ( رو 10 : 7  )  ، هذا ليجرد الرياسات والسلاطين ويشهرهم بالصليب " إِذْ ‍جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا، ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ. " ( كو 2 : 15 ) فمكان أبوسوس يحتوي علي أرواح نجسة بمواصفات خاصة كالأرواح التي علي هيئة جراد " ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ الْخَامِسُ، فَرَأَيْتُ كَوْكَبًا قَدْ سَقَطَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَأُعْطِيَ مِفْتَاحَ بِئْرِ الْهَاوِيَةِ .‏... فَفَتَحَ بِئْرَ الْهَاوِيَةِ، فَصَعِدَ دُخَانٌ مِنَ الْبِئْرِ كَدُخَانِ أَتُونٍ عَظِيمٍ، فَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ وَالْجَوُّ مِنْ دُخَانِ الْبِئْرِ.‏ ... وَمِنَ الدُّخَانِ خَرَجَ جَرَادٌ عَلَى الأَرْضِ، فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا كَمَا لِعَقَارِبِ الأَرْضِ سُلْطَانٌ. وَلَهَا مَلاَكُ الْهَاوِيَةِ مَلِكًا عَلَيْهَا، اسْمُهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ "أَبَدُّونَ"، وَلَهُ بِالْيُونَانِيَّةِ اسْمُ "أَبُولِّيُّونَ" ( رؤ 9 : 1 ، 3 ، 11 ) وكالوحش السياسي إثناء الضيقة "  وَمَتَى تَمَّمَا شَهَادَتَهُمَا، فَالْوَحْشُ الصَّاعِدُ مِنَ الْهَاوِيَةِ سَيَصْنَعُ مَعَهُمَا حَرْبًا وَيَغْلِبُهُمَا وَيَقْتُلُهُمَا " ( رؤ 11 : 7 ) أيضاً " الْوَحْشُ الَّذِي رَأَيْتَ، كَانَ وَلَيْسَ الآنَ، وَهُوَ عَتِيدٌ أَنْ يَصْعَدَ مِنَ الْهَاوِيَةِ وَيَمْضِيَ إِلَى الْهَلاَكِ. وَسَيَتَعَجَّبُ السَّاكِنُونَ عَلَى الأَرْضِ، الَّذِينَ لَيْسَتْ أَسْمَاؤُهُمْ مَكْتُوبَةً فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، حِينَمَا يَرَوْنَ الْوَحْشَ أَنَّهُ كَانَ وَلَيْسَ الآنَ، مَعَ أَنَّهُ كَائِنٌ.‏ " ( رؤ 17 : 8  ) وعند حلول الألفية ( الألف سنة ) سيقيد إبليس والوحش والنبي الكذاب ويطرحوا في أبوسوس " وَرَأَيْتُ مَلاَكًا نَازِلاً مِنَ السَّمَاءِ مَعَهُ مِفْتَاحُ الْهَاوِيَةِ، وَسِلْسِلَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى يَدِهِ.‏ .... وَطَرَحَهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ لِكَيْ لاَ يُضِلَّ الأُمَمَ فِي مَا بَعْدُ، حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. وَبَعْدَ ذلِكَ لاَبُدَّ أَنْ يُحَلَّ زَمَانًا يَسِيرًا.‏  " (  رؤ 20 : 1 ، 3  ) فهذا القسم لا يوجد فيه أي من بني البشر . 

2 ـ تارتاروس : ذكرت مرة واحدة في العهد الجديد وهي  منطقة مظلمة لحفظ أرواح لم تفك حتى الآن فهي محفوظة ليوم دينونتها ، في اليوناني " Τάρταρος  " وقد ذكر في ( 2بط 2 : 4 ) " لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى مَلاَئِكَةٍ قَدْ أَخْطَأُوا، بَلْ فِي سَلاَسِلِ الظَّلاَمِ طَرَحَهُمْ فِي جَهَنَّمَ، وَسَلَّمَهُمْ مَحْرُوسِينَ لِلْقَضَاءِ، " وقد تكلم عنه يهوذا دون أن يذكر اسمه قائلاً : " وَالْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ لَمْ يَحْفَظُوا رِيَاسَتَهُمْ، بَلْ تَرَكُوا مَسْكَنَهُمْ حَفِظَهُمْ إِلَى دَيْنُونَةِ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ بِقُيُودٍ أَبَدِيَّةٍ تَحْتَ الظَّلاَمِ. " ( يهـ : 6 )  هذا المكان به وسلاسل حراسة شديدة ، فهو مخصص أيضا لنوعية من الأرواح النجسة لم تفك حتى الآن ، ولا يوجد أي من أرواح البشر . 

3 ـ هادس : أتت في اليوناني " ᾅδης " وتنطق "  hadēs " وفي الانجليزي " hell " وتأتي في اللغة العربية  " الهاوية ـ الجحيم " وهو ينقسم إلي قسمين وبين القسمين هوة عظيمة قد أثبتت ، قسم خاص بأرواح المؤمنين الأبرار والقسم الأخر يخص أرواح الأشرار 

إليك الشواهد الكتابية التي أتت بمعني هادس : 

مت 11 : 33 " وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ! سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ. لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى الْيَوْمِ. " 

مت 16 : 18 " وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. " 

لو 16 : 23 " فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فِي الجَحِيمِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعِيدٍ وَلِعَازَرَ فِي حِضْنِهِ، " 

أع 2 : 27 لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا. 31 سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ رَأَى جَسَدُهُ فَسَادًا. " 

رؤ 1 : 18 " وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ. " 

رؤ 6 : 8 " فَنَظَرْتُ وَإِذَا فَرَسٌ أَخْضَرُ، وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ اسْمُهُ الْمَوْتُ، وَالْهَاوِيَةُ تَتْبَعُهُ، وَأُعْطِيَا سُلْطَانًا عَلَى رُبْعِ الأَرْضِ أَنْ يَقْتُلاَ بِالسَّيْفِ وَالْجُوعِ وَالْمَوْتِ وَبِوُحُوشِ الأَرْضِ. " 

رؤ 20 : 13 " وَسَلَّمَ الْبَحْرُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِ، وَسَلَّمَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِمَا. وَدِينُوا كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ. 14 وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ. هذَا هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي. "

4 ـ شأول :  في العبرية " שׁאול "  وتنطق " she'ôl " وتعني القبر فهو مكان أرضي زمني وليس مكان أبدي واليك الشواهد علي سبيل المثال وليس الحصر : 

تث 32 : 22  " إِنَّهُ قَدِ اشْتَعَلَتْ نَارٌ بِغَضَبِي فَتَتَّقِدُ إِلَى الْهَاوِيَةِ السُّفْلَى، وَتَأْكُلُ الأَرْضَ وَغَلَّتَهَا، وَتُحْرِقُ أُسُسَ الْجِبَالِ. " 

2صم 22 : 6  " حِبَالُ الْهَاوِيَةِ أَحَاطَتْ بِي. شُرُكُ الْمَوْتِ أَصَابَتْنِي. " 

مز 9 : 17 " اَلأَشْرَارُ يَرْجِعُونَ إِلَى الْهَاوِيَةِ، كُلُّ الأُمَمِ النَّاسِينَ اللهَ." 

مز 55 : 15 " لِيَبْغَتْهُمُ الْمَوْتُ لِيَنْحَدِرُوا إِلَى الْهَاوِيَةِ أَحْيَاءً، لأَنَّ فِي مَسَاكِنِهِمْ، فِي وَسْطِهِمْ شُرُورًا.‏ " 

أش 5 : 14 " لِذلِكَ وَسَّعَتِ الْهَاوِيَةُ نَفْسَهَا، وَفَغَرَتْ فَاهَا بِلاَ حَدٍّ، فَيَنْزِلُ بَهَاؤُهَا وَجُمْهُورُهَا وَضَجِيجُهَا وَالْمُبْتَهِجُ فِيهَا!‏ " 

عا 9 : 2 " إِنْ نَقَبُوا إِلَى الْهَاوِيَةِ فَمِنْ هُنَاكَ تَأْخُذُهُمْ يَدِي، وَإِنْ صَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ فَمِنْ هُنَاكَ أُنْزِلُهُمْ.‏ " 

5 ـ جهنم ( وادي ابن هنوم ) : مكان معروف جغرافياً فهو في الجنوب الشرقي لأورشليم ، سمي وادي ابن هنوم " the valley of the son of Hinnom  " في العبرية "  הנּם " وتنطق " hinnôm " وفي اليونانية تأتي "  γέεννα " وتنطق " geenna "  كما في مت 5 : 22 " وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ " كان أول منطقة حدود الإله مولك الذي كان مرسوما علي شكل عجل من نحاس مفرغ من الداخل وبعد أن يوقدوا النار داخله حتى يحمر يضعون علي يديه الأطفال من الذكور والإناث كذبائح لهذا الإله " وَهُوَ أَوْقَدَ فِي وَادِي ابْنِ هِنُّومَ وَأَحْرَقَ بَنِيهِ بِالنَّارِ حَسَبَ رَجَاسَاتِ الأُمَمِ الَّذِينَ طَرَدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. " ( 2أخ 28 : 3 ) ثم جاء يوشيا الملك ونجسه لكي لا يعبر احد ابنه او ابنته في النار لمولك " وَنَجَّسَ تُوفَةَ الَّتِي فِي وَادِي بَنِي هِنُّومَ لِكَيْ لاَ يُعَبِّرَ أَحَدٌ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ لِمُولَكَ. " ( 2مل 23 : 10 ) والطريقة هي انه ملأه بالزبالة والنفايات والحيوانات الميتة والمجرمين الذين لم يدفنهم أحد وأوقد فيهم النار ، علي أن تستمر النار ليلاً ونهاراً ، فتطور الاسم من " هنوم " إلي " جهنم "  من أجل ذلك قال الرب لمن قال لأخيه يا أحمق يستحق نار وادي بن هنوم " .... وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ. .... فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. " ( مت 5 : 22 ، 29 ) فجهنم التي هي وادي ابن هنوم لا يوجد في الأبدية لأنه مكان لعقاب زمني أرضي  ، وتكلم الرسول يعقوب عن اللسان أنه يستطيع أن يجعل الحياة جهنم ( نار ) كوادي بن هنوم " فَاللِّسَانُ نَارٌ! عَالَمُ الإِثْمِ. هكَذَا جُعِلَ فِي أَعْضَائِنَا اللِّسَانُ، الَّذِي يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ، وَيُضْرِمُ دَائِرَةَ الْكَوْنِ، وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ. " ( يع 3 : 6 ) . 

مما سبق نفهم أن كل شئ لدي الله منظم ، ليس في الكون فقط بل أيضا في عالم الجحيم والهاوية ، فالكتاب المقدس عميق جدا وبه الكثير من التعاليم والإدراك الروحي الذي إذا تتبعناه بالروح القدس سنصل إلي مستويات من المعرفة الروحية ، كل هذا كان لا يعلمه أيوب ، ولكنه أعلن لنا يا مَّن انتهت إلينا أواخر الدهور ، ليس لأننا أفضل أو أعظم ، ولكن لأن هذا هو زمن النهاية وفيه المعرفة تزداد . 

ذهب الغني إلي هادس وذهب العازر إلي نفس المكان ، ولكن بينهم هوة عظيمة قد أثبتت ، الغني في اللهيب والعازر في النعيم ، هادس هي مكان انتظار الأبرار والأشرار إلي اليوم الذي فيه ينتقلوا إلي العذاب الأبدي . 

-------------------------------------------------

الفصل الحادي عشر

يطلبون الموت ولا يجدونه

" لِمَ يُعْطَى لِشَقِيٍّ نُورٌ، وَحَيَاةٌ لِمُرِّي النَّفْسِ؟‏ الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَ وَلَيْسَ هُوَ، وَيَحْفُرُونَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنَ الْكُنُوزِ،‏٢٢الْمَسْرُورِينَ إِلَى أَنْ يَبْتَهِجُوا، الْفَرِحِينَ عِنْدَمَا يَجِدُونَ قَبْرًا! " ( أي 3 : 20 ـ 22 )

يوجد فئة من البشر في ألام شديد ويتمنون الموت ولا يجدونه ويطلبون الرحمة ولا يجدوها ليس لأنهم أشر من غيرهم بل لأنهم وُجدوا في دوائر ظلمة واستسلموا لها ، بل وخضعوا للسكني فيها ، فذاقوا من كأسها ، ويرجع هذا للجهل الروحي وعدم المعرفة بأمور الحياة سواء كانت منظورة أو غير منظورة ، فعندما يدرك الإنسان كل محيطه المنظور فهو يسير بحسب ما يراه ، كي لا تعثر قدماه ، كذلك يجب أن يبحث ويفتش الإنسان عن الأمور التي لا تري كي لا يتعثر فيها ، فالكهرباء علي سبيل المثال تسري في الأسلاك ونحن لا نراها ، فما لا نراه لا يلغي وجوده ، كذلك الأرواح الشريرة ومحاربتها كيان موجود وقد أعلن الكتاب المقدس لنا كل هذا بكل دقة ، كي نعي ونفهم وندرك كي لا نتعثر ، فمن مختطات إبليس أنه يقود الإنسان إلي أماكن ودوائر مظلمة ، والاستسلام لها من اخطر ما يكون  ، كما إنه يوجد فئة أخري وُجدوا في دائرة ظلمة لأنهم أبرار ، فجربوا ولكنهم لم يستسلموا لها ، فرفعهم الله وباركهم وكان لهم نصيب مضاعف من التعويضات الإلهية علي المستوي المادي والنفسي والروحي ، وصارت أخرتهم أفضل من بداياتهم  ، كما يوجد أناس كانت لهم خدمة رائعة جدا ، وفي وقت الخوف طلبوا الموت فاستجاب لهم الرب ، وآخرين كان طريق الظلم حياتهم فشربوا من كأس الموت في منتصف أعمارهم . 

وسط كل مستوي ظلمة يضعها إبليس أمام الإنسان ، يقف الله أمامه ببصيص من النور والأمل ، مذكرا إياه بمواقف ورسائل روحية كانت قد أرسلت له يوما ، من خلال معرفة روحية كانت في أيام الطفولة ، كالنور الذي أخذه من خلال قنوات روحية وضعها الله أمامه ، كمدارس الأحد ، وكاهتمام احد الوالدين بكلمة الله والصلاة ، أو من خلال نبذة أو اجتماع ، في الحقيقة يوجد قنوات كثيرة يستخدمها الله ، فإن استجاب لها الإنسان يسرع الله إليه بالمعونة والإرشاد فلا تطول أيام الظلمة . 

كان لدي أيوب نور يمتلكه منذ زمن، فعندما جاء وقت الظلام والتجربة الشيطانية، وقف كالأسد يعلن خضوعه لإرادة الله ( حسب فكره ) وهذا حسب له برا، رغم أنه لعن يوم مولده وتمني الموت " أَنْ يَرْضَى اللهُ بِأَنْ يَسْحَقَنِي، وَيُطْلِقَ يَدَهُ فَيَقْطَعَنِي. " ( أي 6 : 9 ) فلم ينظر الله لمثل هذه الأمنية ليهرب من الألم والمرض والتعب ، ولكن الله جاء بنفسه ليشفيه ويرد كرامته ، ويعطي له تعويضات عن كل ما سلب منه " وَرَدَّ الرَّبُّ سَبْيَ أَيُّوبَ لَمَّا صَلَّى لأَجْلِ أَصْحَابِهِ، وَزَادَ الرَّبُّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لأَيُّوبَ ضِعْفًا." ( أي 42 : 10 ) هنا نري التدخل الإلهي ، صار أيوب ضمن النفوس التي تمنت الموت لم تناله ولكنها عوضت وعاشت أيامها الباقية في سلام وأمان تام إلي أن جاء ميعادها لترحل من عالمنا. 

فقد كان أيوب مختلف عن إيليا ، فقد امتلأ قلبه بالخوف ، وطلب الموت لنفسه " ثُمَّ سَارَ فِي الْبَرِّيَّةِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، حَتَّى أَتَى وَجَلَسَ تَحْتَ رَتَمَةٍ وَطَلَبَ الْمَوْتَ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ: «قَدْ كَفَى الآنَ يَا رَبُّ. خُذْ نَفْسِي لأَنِّي لَسْتُ خَيْرًا مِنْ آبَائِي».. " ( 1مل 19 : 4 ) ، فسمع له الله فلم يميته ولكنه أخذه إلي السماء " وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَكَلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ. " ( 2مل 2 : 11 ) أنهي الرب خدمة إيليا وسلمها لإليشع ، لأنه خاف من امرأة  "  فَقَالَ: «قَدْ غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ، لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ، وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَا»." ( 1مل 19 : 10 ) عندما يمتلئ قلب المؤمن بالخوف ويطلب الموت ، هنا يستجيب له الرب ، فهذا يرجع إلي عمق الطلب داخل حالته النفسية ، فإن كان أمر الموت متأصل داخل النفس ، والخوف قد سيطر علي الإنسان ، يستجيب له الله ولكن بعد أن يعالج الموقف من الجانب الروحي ، فقد تم علاج إيليا ليخرج من داخل المغارة ليستمر في خدمته ويمسح اليشع مكانه ، ثم يؤخذ في مركبة نارية ، فمن الخطر أحبائي أن نري مؤمن قد اهتز من الداخل نتيجة الظروف المحيطة ، فيتملكه الخوف والقلق والاكتئاب ويطلب الموت وإنهاء حياته . 

وقف ابشالوم في دائرة ظلمة ، أراد أن يأخذ المُلك عنوة من أبيه داود ، فداود ممسوح من الرب ليصير ملكاً ، فكان يجب عليه أن ينتظر الرب ليحين وقت استلام كرسي المملكة عن ابيه ، ولكنه سلك في طريق الظلمة وأراد أن يقتل داود أبيه الممسوح ملكاً ، كانت نتيجته انه قتل فشرب من نفس كأس الظلام الموضوع أمامه " فَقَالَ يُوآبُ: «إِنِّي لاَ أَصْبِرُ هكَذَا أَمَامَكَ». فَأَخَذَ ثَلاَثَةَ سِهَامٍ بِيَدِهِ وَنَشَّبَهَا فِي قَلْبِ أَبْشَالُومَ، وَهُوَ بَعْدُ حَيٌّ فِي قَلْبِ الْبُطْمَةِ. وَأَحَاطَ بِهَا عَشَرَةُ غِلْمَانٍ حَامِلُو سِلاَحِ يُوآبَ، وَضَرَبُوا أَبْشَالُومَ وَأَمَاتُوهُ. " ( 2صم 18 : 14 ، 15 ) استجاب ابشالوم لفكر إبليس ليَقتِل فقُتِل . 

كي نعبر الظلمة دون أن نُمَسْ ما علينا إلا أن نرفض كل دوائر شيطانية يريد بها تكبيلنا وتقيدنا كي لا نسير في عمل الله ونتمم المسيرة الإلهية الموضوعة أمامنا ، فكان أيوب في حالة كل معالمها ألام وأحزان ومرارة فعمق الألم وشدة الأوجاع جعله لا يحتمل ، فتفوه بكلمات قاسية علي حياته وآلامه ، ليس لأنه مخطئ وفاعل شرور ، بل لأنه مخلص وصاحب مبادئ وأخلاق ، ولكنه كان يخاف الخسارة وفقدان كل شئ فخسر كل شئ " لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ " ( أي 3 : 25 ) ولكن تعويضات الله كانت مباشرة ورائعة ، لأنها تعويضات نابعة من قلب محب ومن اله يعرف الإنسان جيدا ، فمهما كانت الأفكار والمخاوف التي تعطي لإبليس مكاناً حول حياتنا فأمانة الله ومحبته أعظم وأقوي ، فهو لا يتركنا فريسة للعدو ، فيتدخل دائماً لإنقاذنا ومعونتنا ولتعويضنا أيضاً . 

طريق خفي رغم السياج الإلهي

لِرَجُل قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ طَرِيقُهُ، وَقَدْ سَيَّجَ اللهُ حَوْلَهُ.‏٢٤لأَنَّهُ مِثْلَ خُبْزِي يَأْتِي أَنِينِي، وَمِثْلَ الْمِيَاهِ تَنْسَكِبُ زَفْرَتِي،‏٢٥لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ.‏٢٦لَمْ أَطْمَئِنَّ وَلَمْ أَسْكُنْ وَلَمْ أَسْتَرِحْ، وَقَدْ جَاءَ الرجز".‏ ( أي 3 : 23 ـ 25 ) 

كان يعلم أيوب أن الله قد سيج حوله برغم المخاوف التي كانت لدية في فقدان كل شئ ، ويتعجب كيف أن الله أخفي عنه طريق الألم ، فقد كان يتمني أن الله يحذره او ينذره أو يخبره عن كل ما سيأتي عليه  

كلمة " سيج " تأتي في اللغة الانجليزية " hedged  وتعني سيج " وفي اللغة العبرية " שׂכך    סכך  ـ وتنطق  saw-kak', saw-kak'  ـ  ساوكاك ساوكاك " وتعني تحمي وتعني يغطي أو يدافع " 

السؤال الذي في داخل أيوب: كيف أن الله لم يدافع عني ولماذا لم يخبرني ؟ بالنسبة لأيوب السؤال محير لأنه لا يعلم أن السياج الالهي يمكن أن يُرفَع ، فالخوف من المستقبل الذي يعتمد علي ممتلكات الحاضر يعطي فرصة ليتدخل إبليس ، فعندما يكون أماننا ينبع من ما نمتلكه اليوم ، يقودنا هذا إلي عدم الإتكال علي الله اتكالا كاملاً ، فقد كان أيوب يخشي أن يفقد اليوم فيضيع المستقبل ، وقد حدث ما كان يخاف منه " لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ " ( أي 3 : 25 )  من اجل ذلك يجب ان نعلم أن الخوف يحجب صوت الله ورؤية المستقبل ، فالله لا يريد لأيوب أن يجتاز في أي محنة من المحن ، ولكن لسبب الخوف لم يستطع أيوب أن يعرف أو يسمع صوت الله تجاه مخاوفه . 

 كلمة ارتعاباً ارتعبت تأتي في اللغة الإنجليزية " afraid   ـ  وتعني:  الخوف " وتأتي في اللغة العبرية " פּחד ـ وتنطق : pakh'-ad  باخيت ـ وتعني : فزع أو خوف عظيم " فالخوف أحبائي يجعل الإنسان لا يري الأمور جيداً ، فعندما كانوا التلاميذ في السفينة ولم يكن المسيح معهم ، وهاج البحر جاء المسيح لهم ماشياً علي المياه خافوا " فَلَمَّا أَبْصَرَهُ التَّلاَمِيذُ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ اضْطَرَبُوا قَائِلِينَ:«إِنَّهُ خَيَالٌ». وَمِنَ الْخَوْفِ صَرَخُوا! " ( مت 14 : 26 )  كلمة الخوف في اللغة اليونانية تأتي : " φόβος ـ  وتنطق : فوبوس ـ وتعني : خوف عظيم "  أما كلمة اضطربوا تأتي في الإنجليزية : " troubled ـ وتعني : قلق ـ وفي اليونانية : ταράσσω ـ وتعني : تهيج أو تحريك أو تعكير ماء " فعندما راو المسيح ولم يتحققوا جيدا من هو تعكرت نفسيتهم ( ولد داخلهم قلق ) فتولد داخلهم الخوف العظيم وبالتالي لم يستطيعوا أن يميزوا بين الخيال ( كروح نجس يسير فوق المياه ) وبين سيدهم الذي جاء لمعونتهم ، فالخوف والقلق يجعلان المؤمن لا يستطيع أن يري معونة الله ولا يستطيع أن يسمع صوته إلا عندما يهدأ " فَلِلْوَقْتِ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ قِائِلاً: «تَشَجَّعُوا! أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا»." ( مت 14 : 27 ) فعندما تشجع بطرس وطلب ان يمشي علي الماء كالمسيح ، استطاع أن يسمع صوت الله له " فقَالَ:«تَعَالَ». فَنَزَلَ بُطْرُسُ مِنَ السَّفِينَةِ وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ لِيَأْتِيَ إِلَى يَسُوعَ. " ( مت 14 : 29 ) ففي أوقات كثيرة لا نري سياج الله ونري هياج البحر ومخاوف الموت ، من اجل ذلك لا يجب أن نخاف علي يومنا ولا علي مستقبلنا لآن الله هو قائد حياتنا وسيصلنا إلي بر الأمان . 

العلاج الكتابي للخوف : 

الكلمة الأولي لعلاج الخوف توجد في كلمة " تشجعوا " ( مت 14 : 27 )  في الانجليزية : good cheer  وتعني : هتاف جيد او هتاف مريح ـ ونفس المعني في اللغة اليونانية :  θαρσέω  ـ  وتنطق : thar-seh'-o ثارسو " وهذا يعطي لنا فهم أن المسيح يقول لهم غيروا طريقة صراخكم ، من صراخ الخوف السيئ الي صراخ الفرح بمجيئي إليكم ، فالشجاعة تبدد المخاوف وتغير نبرة الصراخ من صراخ الخوف الي صراخ الفرح ، هذا بالطبع يتطلب إيمان ، فإن لم يكن بطرس مؤمنا أن المسيح يقدر أن يسير علي الماء ويفعل نفس الشئ له ، ما كان استطاع أن يتمتع بمجد هذا العمل الإلهي العظيم ، فتشجع قارئي العزيز وغير بإيمان كل نبرة محزنة وصراخ اليم إلي صرخة الشجاعة وصرخة الفرح ، لأن يد الله لمعونتنا قريبة . 

الكلمة الثانية التي تعالج الخوف هي : " سلام لكم  ـ وتأتي في الإنجليزية :  Peace be unto you ـ وفي اللغة اليونانية :  ـ εἰρήνη ـ وتنطق : i-rah'-nay   ايريناي ـ وتعني : سلام أو هدوء أو استراحة " وهذا ما قاله الرب لتلاميذه عندما كانوا خائفين من بطش اليهود لهم وقتلهم ، فقد قتلوا المسيح ، وقد جاء الدور عليهم ، فأغلقوا الأبواب وجاء المسيح إليهم والأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً وقال لهم سلام لكم " وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ لَهُمْ:«سَلاَمٌ لَكُمْ!» " ( يو 20 : 19 ) هذا لآن سلام المسيح يمنح الهدوء والراحة ، جاء إليهم قائلاً لهم اهدأو كما قال لهم قبلاً في وسط البحر الهائج " تشجعوا " أي غيروا صوتكم داخلكم ولا تقلقوا ولا تخافوا ، هذا هو صوت الله لك " لا تخف " مهما كانت الزوابع والصعاب والآلام ، فالرب أقوي وهو موجود لرفعتك . 

الكلمة الثالثة التي تبدد المخاوف هي : " المحبة " وهذا ما قاله الرسول يوحنا " لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ. " ( 1يو 4 : 18 ) تأتي كلمة " محبة في اللغة الإنجليزية : love ـ وتعني الحب المثالي ـ وفي اليونانية : ἀγάπη ـ وتنطق : agapē ايجابي ـ وتعني وليمة محبة او صدقة بكفاءة " فالمحبة التي بنوع " ايجابي " لا تجعل للخوف مكاناً ، " لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ.  " ( 2تي 1 : 7 ) فنوع المحبة التي يريدها الله هي محبة من نوع العطاء دون مقابل لأنها " صدقة بكفاءة " لأنها نفس نوع المحبة التي أحبنا بها الله في المسيح يسوع " لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.  " ( يو 3 : 16 ) 

المحبة التي تبدد المخاوف هي محبة " ايجابي " وليست فيلو  ـ φιλέω ـ  phileō  ـ وتعني محبة الصديق لصديقه او المحبة التي تنتظر مقابلها " كما في ( مت 10 : 37 ) " مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، " الرب يريدنا أن نحب محبة بلا انتظار مقابل ، فهل لك هذا ؟ ! . 

الكلمة الرابعة التي تبدد الخوف هي : " التبني " فكوننا أبناء لله فهذا وحده كفيل أن يهبنا التشجيع والسلام والمحبة " إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ:«يَا أَبَا الآبُ  " ( رو 8 : 15 ) كلمة التبني في اللغة الانجليزية : adoption وتنطق : ادبشن  ـ وتعني تبني وفي اليونانية : υἱοθεσία  ـ وتنطق :  hwee-oth-es-ee'-ah وي أوثاسيا ـ وتعني : تبني من الأطفال أو الأبناء " فنحن لنا " روح التبني " أي لنا حق الاقتراب إلي الأب ونصرخ إليه بالروح القدس الذي هو روح بنويتنا لله ، هذا يعطي لنا كل راحة فيبدد كل خوف لآن في داخلنا روح الله القدوس . 

أيوب لم يستطع أن يدرك الأربع كلمات في حياته رغم كماله وبره وتقواه ، لذلك خاف وعندما خاف أتاه الرعد والإزعاج " لَمْ أَطْمَئِنَّ وَلَمْ أَسْكُنْ وَلَمْ أَسْتَرِحْ، وَقَدْ جَاءَ الزُّجْرُ»." ( أي 3 : 26 ) جائت كلمة الزجر في اليونانية "  רגז  ـ  وتنطق rôgez  روجزـ وتعني : " تحطم من الرعد ، ازعاج ، غضب ، ضوضاء مشكلة " فقد كان أيوب يتخيل يوماً أن ما يخاف منه سيحدث له لذلك جاء له الرجوز وبالعربية الزجر . 

امتلئ قارئي العزيز بكل الشجاعة والسلام والمحبة واعرف بأنك ابن لله فلا مكان للمخاوف سواء كانت أرضية أو أبدية ، فلك هنا علي الأرض سياج وراحة وسلام ويقين الحياة الأبدية  لآن لك روح التبني الذي يجعل الله الأب أبوك ، ياله من امتياز لا نستحقه ، فقد دفع المسيح الثمن غالي من اجله ، دفع دمه الثمين كي تتمتع بالراحة لا الخوف . 

----------------------------------------------------

الفصل الثاني عشر

شهادة مشددة وليست للتشديد 

الأية 1 فَأجَابَ أَلِيفَازُ التَّيمَانِيُّ وَقَالَ:إنتهت كلمات أيوب في الإصحاح الثالث وابتدأ الرد من خلال الأصدقاء ، وفي ردودهم توجد بعض الأفكار الخاطئة التي يجب أن نعي لها ، ونصححها في ضوء العهد الجديد ، فمن الغريب أن تجد مثل هذه الأفكار حتي اليوم ، هيا بنا ندرس معا أفكار أول صديق من أصدقاء أيوب ، لنعرف كيف كانوا يفكرون وقتها . ( أي 4 : 1 ) 

أَلِيفَازُ التَّيمَانِيُّ

أليفاز اسم عبري : אליפז وينطق : 'ĕlı̂yphaz  معناه [الله ذهب نقي] ، أحد أصحاب أيوب الثلاثة، وكان من تيمان في أدوم وربما كان من نسل أليفاز المذكور في (أي٢: ١١) " فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ أَيُّوبَ الثَّلاَثَةُ بِكُلِّ الشَّرِّ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ، جَاءُوا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَكَانِهِ: أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ الشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ، وَتَوَاعَدُوا أَنْ يَأْتُوا لِيَرْثُوا لَهُ وَيُعَزُّوهُ." وكان أليفاز أول من تكلم بين أصحاب أيوب الثلاثة. وقد وردت أقواله في ( أي٤ - ٨ و ١٥ و ٢٢ - ٢٤ ) وقد ذكر في هذه الأقوال : " أن كل ألم هو نتيجة الخطية، وأن خطايا أيوب لا بد وأن تكون جسيمة لأنه قاسى آلاما مبرحة " ولكن في النهاية وبخ الله أليفاز ورفيقيه الآخرين لأنهم اتهموا أيوب بما لم يصدر عنه " فَذَهَبَ أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ الشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ، وَفَعَلُوا كَمَا قَالَ الرَّبُّ لَهُمْ. وَرَفَعَ الرَّبُّ وَجْهَ أَيُّوبَ. " ( أي ٤٢ : ٧ – ٩ ).

شهادة مشددة وليست للتشديد :

شهادة يقدمها أليفاز التيماني عن أيوب تحتوي علي واقع كان يعيشه أيوب فهو كان مرشد لكثيرين لقد قدم ارشادات لنفوس كانت تعاني من مشاكل أو ظروف صعبة أو أمراض فكان يشدد أيادي مرتخية ، فقد كان بكل تأكيد يفعل كما تعلم إبراهيم من الرب " لأَنِّي عَرَفْتُهُ لِكَيْ يُوصِيَ بَنِيهِ وَبَيْتَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَحْفَظُوا طَرِيقَ الرَّبِّ، لِيَعْمَلُوا بِرًّا وَعَدْلاً، لِكَيْ يَأْتِيَ الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ». " ( تك 18 : 19 ) فقد كان لأيوب فهم وحكمة ومعرفة " شَفَتَا الصِّدِّيقِ تَهْدِيَانِ كَثِيرِينَ، أَمَّا الأَغْبِيَاءُ فَيَمُوتُونَ مِنْ نَقْصِ الْفَهْمِ. " ( ام 10 : 21 ) فلا يستطيع عديم المعرفة هداية اخرين " شِفَاهُ الْحُكَمَاءِ تَذُرُّ مَعْرِفَةً، أَمَّا قَلْبُ الْجُهَّالِ فَلَيْسَ كَذلِكَ. " ( ام 15 : 7 ) فقد كان أيوب صِّدِّيقِ وحكيم وحلو الشفتين " حَكِيمُ الْقَلْبِ يُدْعَى فَهِيمًا، وَحَلاَوَةُ الشَّفَتَيْنِ تَزِيدُ عِلْمًا. " ( ام 16 : 21 ) وبالتالي له المعرفة والفهم والعلم ، وبالرغم من كل هذا في وقت الشدة والالم لم يستطع أن يعزي نفسه بكلمات تشدده وتقوي يدية التي ارتخت بسبب شدة التجربة ، فالإنسان دائما وقت الشدة يحتاج إلي الحكماء الفاهمين كي يسندوه ويشددوه ولا يكونوا كأصدقاء أيوب الذين زادوا الهم هما ، فنكون كالمسيح الذي تنبأ عنه أشعياء " أَعْطَانِي السَّيِّدُ الرَّبُّ لِسَانَ الْمُتَعَلِّمِينَ لأَعْرِفَ أَنْ أُغِيثَ الْمُعْيِيَ بِكَلِمَةٍ. يُوقِظُ كُلَّ صَبَاحٍ لِي أُذُنًا، لأَسْمَعَ كَالْمُتَعَلِّمِينَ. " ( أش 50 : 4 ) فالمسيح كان له كل العلم لأنه كان حكيم القلب وحلو الشفتين ، فهل نكون مثل سيدنا في هذا المستوي الرائع فنشدد الآخرين ، ونكون أصحاب نعمة نبني الآخرين فنكون للبنيان لا للهدم " لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ. " ( أف 4 : 29 ) فيكون كلامنا مملح فيعطي صلاحا لمن يسمعنا " لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ كُلَّ حِينٍ بِنِعْمَةٍ، مُصْلَحًا بِمِلْحٍ، لِتَعْلَمُوا كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تُجَاوِبُوا كُلَّ وَاحِدٍ. " ( كو 4 : 6 )

هكذا كان كل رجال الكتاب المقدس الأفاضل ، فقد كان يشددون بعضهم بعضا ويقدمون بعضهم في الكرامة ، فشدد أيوب كثيرين " بَلْ كُنْتُ أُشَدِّدُكُمْ بِفَمِي، وَتَعْزِيَةُ شَفَتَيَّ تُمْسِكُكُمْ. " ( أي 16 : 5 ) وموسي شدد يشوع " وَأَمَّا يَشُوعُ فَأَوْصِهِ وَشَدِّدْهُ وَشَجِّعْهُ، لأَنَّهُ هُوَ يَعْبُرُ أَمَامَ هذَا الشَّعْبِ، وَهُوَ يَقْسِمُ لَهُمُ الأَرْضَ الَّتِي تَرَاهَا. " ( تث 3 : 28 ) واشعياء بالروح القدس بروح النبوة يدعونا كمؤمنين لنشدد بعضنا بعض " شَدِّدُوا الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ، وَالرُّكَبَ الْمُرْتَعِشَةَ ثَبِّتُوهَا. " ( أش 35 : 3 ) وأوصي الرب بطرس أن يشدد إخوته المؤمنين " وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ. وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ. " ( لو 22 : 32 )

إن شهادة اليفاز التيماني ليست للمدح في أيوب بل لانتقاده ، والسبب يرجع لما قاله أيوب في الإصحاح الثالث ، فقد لعن يوم مولده وتمني الموت ، لأجل هذا بدأ اليفاز بكلمة يقول فيها ما معناه ـ لا استطيع السكوت عن ما قلته في كلماتك لذلك لا تتضايق عندما نختبر ونحلل كلامك ـ " إِنِ امْتَحَنَ أَحَدٌ كَلِمَةً مَعَكَ، فَهَلْ تَسْتَاءُ؟ وَلكِنْ مَنْ يَسْتَطِيعُ الامْتِنَاعَ عَنِ الْكَلاَمِ؟ " ( أي 4 : 2 ) إن شهادة الآخرين لنا قد تدعمنا للأمام وقد تأخرنا للخلف أو تُتِعبنا وتكون زيادة حمل علي كاهلنا ، إن اليفاز التيماني يذكر أيوب كيف كان يعمل مع الآخرين ما لم يقدر أن يفعله مع نفسه " وَالآنَ إِذْ جَاءَ عَلَيْكَ ضَجِرْتَ، إِذْ مَسَّكَ ارْتَعْتَ. " ( أي 4 : 5 ) من الطبيعي عندما تكون الصعاب والمشاكل بعيده يستطيع الإنسان أن يسند ويشجع ، أما عندما تكون لديه المشاكل فهو يحتاج لمن يقف بجانبه ، فمن الصعب أن يكونوا الأصدقاء سبب حمل ثقيل بكلمات متعبة ولهجة شديدة .

قد كان لأيوب خدمة رائعة وسط جيله، يشدد ويشجع ويسند ويُقّوِم " قَدْ أَقَامَ كَلاَمُكَ الْعَاثِرَ، وَثَبَّتَّ الرُّكَبَ الْمُرْتَعِشَةَ! " ( أي 4 : 4 ) إنها الخدمة التي يريدها الرب أن نهتم بالنفوس لأنها من صميم العمل الإلهي " اَلرَّبُّ عَاضِدٌ كُلَّ السَّاقِطِينَ، وَمُقَوِّمٌ كُلَّ الْمُنْحَنِينَ. " ( مز 145 : 14 ) فهل لك أن تكون من ضمن الفاهمين الحكماء وتعمل عمل الله ، لأنه يوجد نفوس كلماتها كالسيف تذبح فتقتل مَّن أمامها " يُوجَدُ مَنْ يَهْذُرُ مِثْلَ طَعْنِ السَّيْفِ، أَمَّا لِسَانُ الْحُكَمَاءِ فَشِفَاءٌ. " ( أم 12 : 18 ) فالكلام الحسن يشبهُه الكتاب كالشهد والعسل وبه شفاء " قَلْبُ الْحَكِيمِ يُرْشِدُ فَمَهُ وَيَزِيدُ شَفَتَيْهِ عِلْمًا. اَلْكَلاَمُ الْحَسَنُ شَهْدُ عَسَل، حُلْوٌ لِلنَّفْسِ وَشِفَاءٌ لِلْعِظَامِ. " ( أم 16 : 23 ، 24 ) فلا تتعجب أخي العزيز عندما يعلمنا الرب من خلال كلمته عن أن نسامح ونبارك ونشدد ونؤازر ونسند ونتأني " وَنَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ: أَنْذِرُوا الَّذِينَ بِلاَ تَرْتِيبٍ. شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ. أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ. " ( 1تس 5 : 14 ) وتعيش بحسب هذه الوصية مع جميع من حولنا " لِذلِكَ قَوِّمُوا الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ وَالرُّكَبَ الْمُخَلَّعَةَ، " ( عب 12 : 12 ) أصلي أن يباركك الرب القارئ العزيز لتسير في الخط الإلهي وتشدد كثيرين ، ولتعلم أن الرب لن يتركك ويتخلي عنك لآن الله لا ينسي تعب المحبة .

المؤمنون ورعاية القدير :

    يظن البعض أن من واجب الله نحو المؤمنين هي رعايتهم وحراسة ممتلكاتهم ، فعندما يصاب مؤمن أو يحدث له مكروه ، نسأل الله قائلين : لماذا يارب ...؟ أو أذكر أني سرت أمامك بالأمانة .. ؟ ويبدأ الانسان في عتاب مع الله ، ولكن ليعلم كل إنسان أن الله لا يجرب بالشرور ولا يأتي بالمصائب لأحد ، ولكن المصائب تأتي نتيجة وجود الإنسان في دائرة ظلمة أو منطقة مظلمة كما شرحنا سابقاً ، فوجود بار في طريق أو مكان خارج مشيئة الله قد يستهدف من إبليس ولا يجد من يسنده ، فالبار لم يفعل شيئاً إلا إنه وُجد داخل مكان خارج دائرة المشيئة الإلية ، وأيضا في أوقات كثيرة تأتي بعض المصائب لصديقين ومؤمنين مستقيمين دون أن يكون لديهم فعل خاطئ يستحقون فيه ما أصابهم ، فليس من العدل أن نتفق مع اليفاز في أن كل مصيبة يسبقها فعل شر وأن جميع المصائب نتيجة للخطية ، يسأل اليفاز " اُذْكُرْ: مَنْ هَلَكَ وَهُوَ بَرِيءٌ، وَأَيْنَ أُبِيدَ الْمُسْتَقِيمُونَ؟ " ( أي 4 : 7 ) وكأن لا يوجد مستقيم هلك ، فالهلاك هنا لا يقصد به الحالة الأبدية ، ولكن يقصد به الحالة الأرضية الزمنية ، كلمة هلك في اللغة العبرية لها عدة كلمات ( أوباد ، شوتشات ، ساوفاو ، تشارام ، ماوكاتس ) وجميعها تعطي نفس المعني وهو الهلاك المرتبط بالمادة سواء كان كائن حي أو جماد ، إلا كلمتي : شوتشات وتشارام : وهما مرتبطتان بهلاك الجسد والروح ، واليك جميع الكلمات بالشواهد كما يلي :

1 ـ اوباد : كلمة هلك في اللغة العبرية : אבד ـ وتنطق : aw-bad' ـ اوباد ـ وتعني : يفقد نفسة ، يموت يفشل. ( أي 4 : 7 ، لا 26 : 38 ، العدد 17 : 12 ، العدد 21 : 29 ، العدد 24 : 17 ، العدد 24 : 19 ) ويستخدم في المصائب التي للموت أو للدمار في الحياة الدنيا .

2 ـ شوتشاث : في العبرية : שׁחת وتنطق shâchath شوتشاث وتعني : يفقد يفسد يموت . وتستخدم لهلاك كامل جسدا وروحا فمن مات سوتشات ليس له حياة ابدية ، ويشمل الهلاك الأراضي والحيوانات ، هلاك كامل بدون بقية ، والسبب يرجع إلي أن كأسهم قد امتلأ وشرهم أشدت أمام الرب وصار مزعج للغاية . كما في الآيات التالية : ( تك 6 : 13 ، تك 6 : 17 ، تك 9 : 15 ، تك 18 : 28 ـ 32 ، تك 19 : 13 ، خر 12 : 23 )

3 ـ ساوفاو : في العبرية : ספה وتنطق : saw-faw' ساوفاو ـ وتعني : يزيل ، يخرب للموت يحطم . ( تك 18 : 24 ، تك 19 : 15 ، 17 ، العدد 16 : 26 ) عندما قال الرب عن هلاك سدوم وعمورة استخدم كلمة شوتشات وعندما تكلم مع لوط استخدم كلمة ساوفاو ، فمدينة سدوم هلاكها جسدي وروحي أما لوط إن كان لم يسمع للملاكان لكان هلاكه من نوع "ساوفاو " هلاك الجسد فقط أما هو فله حياة أبدية لأنه بار.

4 ـ تشارام : في العبرية : חרם وتنطق châram تشارام ـ وتعني : يلعن ، يحطم . ( خر 22 : 20 ) لأنها مرتبطة بتقديم ذبائح لغير الله في العهد القديم

5 ـ ماوكاتس : في العبرية : מחץ وتنطق : maw-khats' ماوكاتس وتعني : يضرب بقسوة يجرح. ( العدد 24 : 17 )

    فكرة أن المصائب تحدث فقط بسبب الخطية فكره ليست كاملة ، فتوجد مصائب نتيجة الخطية وتوجد مصائب نتيجة الشكوة الشيطانية ، فالمصائب التي هي نتيجة الخطية نراها مثلاً في سدوم وعمورة لسبب الشذوذ الجنسي وعدم التوبة فكان نوع الهلاك " שׁחת شوتشاث shâchath " أو " تشارام חרם châram " فهما يعطيان معني الموت الجسدي والروحي ، فمن تطبق عليه التشوتشاث أو تشارام ليس له الا العذاب الأبدي ، أما الأبرار المخطئين او الذي وجدوا في اماكن خارج المشيئة الإلهية وصادفهم الهلاك أو المصائب سيكون هلاكهم من النوع : " أوباد אבד aw-bad' " أو من النوع " ساوفاو ספה saw-faw' " أو " ماوكاتس מחץ maw-khats' " فهما يعبران عن هلاك الجسد ونجاة الروح ، إن اليفاز التيماني أراد أن يعطي انطباع داخل أيوب ، أن المصائب التي حدثت له هي نتيجة الخطايا التي فعلها ، فهي من النوع " أوباد " وان الله قد فعل به هذا لآنه ليس أفضل من الآخرين " ‏كَمَا قَدْ رَأَيْتَ: أَنَّ الْحَارِثِينَ إِثْمًا، وَالزَّارِعِينَ شَقَاوَةً يَحْصُدُونَهَا.‏ بِنَسَمَةِ اللهِ يَبِيدُونَ، وَبِرِيحِ أَنْفِهِ يَفْنَوْنَ." وهنا نسأل : هل الله هو الذي يبيد البار المخطئ أو الشرير الهالك ؟ بكل تأكيد لا .. لأن الله وضع قوانين تسلك فيها جميع خلائقه بما فيهم الملائكة والشياطين ، وهذه القوانين تطبق ذاتياً ، فالله لا يحتاج لمن يطبقها ، فرفع السياج يتطلب شكوة والشكوة يجب أن تكون حقيقية ، إما خطية واضحة أو دائرة ظلمة سواء كانت بالفكر أو بالفعل ، وأيضا السياج الإلهي يعمل بقانون البر والتقوى والسلوك المقدس وحفظ كلمة الله والعمل بها ، وكسرهما يجعل السياج الإلهي يضعف أو يتلاشي من حياة المؤمن ، فالقوانين الالهية تعمل ذاتيا ، ما عليَّ إلا أن ابحث وأفتش عن قوانينه التي في كلمة الله ، وأعيش فيها كي أتمتع ببركاتها وحمايتها ورعايتها .

-----------------------------------------------------

الفصل الثالث عشر

هواجس الليل كوابيس مرعبة

زَمْجَرَةُ الأَسَدِ وَصَوْتُ الزَّئِيرِ وَأَنْيَابُ الأَشْبَالِ تَكَسَّرَتْ. اَللَّيْثُ هَالِكٌ ( أوباد 'âbad ) لِعَدَمِ الْفَرِيسَةِ، وَأَشْبَالُ اللَّبْوَةِ تَبَدَّدَتْ. ثُمَّ إِلَيَّ تَسَلَّلَتْ كَلِمَةٌ، فَقَبِلَتْ أُذُنِي مِنْهَا رِكْزًا. فِي الْهَوَاجِسِ مِنْ رُؤَى اللَّيْلِ، عِنْدَ وُقُوعِ سَبَاتٍ عَلَى النَّاسِ،‏ أَصَابَنِي رُعْبٌ وَرَعْدَةٌ، فَرَجَفَتْ كُلَّ عِظَامِي. ( أي 4 : 10 ـ 14 )

كلمات الفاز التيماني من البداية سلبية وتحمل في داخلها كل معاني الاكتئاب وتدفع أيوب للاستسلام لواقع فرض عليه ، فصور له مقدار إرشاداته وتشديد الأيادي المرتخية والركب المرتعشة لكثيرين ، فقد جاء الدور عليه فلماذا الضجر والرعب ، فما علي أيوب إلا الاستسلام للواقع الآن ، فيوجد أبرياء هلكوا ( اوباد وليس تشوتشاث ) وإنه يحصد الآن من شقاوة ما زرعه ، ثم استرسل اليفاز في حديثه نحو تشبيه أيوب كالأسد الجائع ، وكيف هلك من الجوع ، فهل أيوب أقوي من الأسد ملك الغابة ؟! .

    كل هذه الصور التي تفوه بها اليفاز أراد بها إبليس أن يعطي انطباع أن الله لا يستطيع أن يهتم كل الاهتمام بالبار ، فالبر الذي كان لأيوب لم يعطي له حق الحماية ، أراد إبليس من خلال اليفاز أن يكبل نفسية أيوب ويدفعها في منطقة مظلمة كي لا يستطيع أن يغني ويقول " الأَشْبَالُ احْتَاجَتْ وَجَاعَتْ، وَأَمَّا طَالِبُو الرَّبِّ فَلاَ يُعْوِزُهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ. " ( مز 34 : 10 ) فقد صور له أن الأسود تجوع ولا تجد فريسة فلا عجب عندما لا يجد البار طعام أو حماية أو شفاء ، فعندما يصاب بالمصائب فما عليه إلا الاستسلام .

    بعد كل هذا يسترسل اليفاز كلماته وتصوراته ليقود أيوب إلي منطقة الأحلام " فِي الْهَوَاجِسِ مِنْ رُؤَى اللَّيْلِ، عِنْدَ وُقُوعِ سَبَاتٍ عَلَى النَّاسِ،أَصَابَنِي رُعْبٌ وَرَعْدَةٌ، فَرَجَفَتْ كُلَّ عِظَامِي. " ( أي 4 : 13 ، 14 ) إن اليفاز لم يصاب كما حدث لأيوب علي الرغم من هذا يتكلم اليفاز عن هواجس رؤي الليل والرعب والرعدة والرجفة ، فهو يريد أن يرسل صورة للعقل الباطن الذي لأيوب كي لا يستطيع أن ينام مستريح ولو لدقيقة واحدة ولا سيما أن الحالة التي لأيوب مليئة بالألام والأتعاب الجسدية كالدمامل وسخونة العظام وسواد جلد جسده والتصاق عظمه بجلده وعدم شهيته للطعام ، كل هذا لا يجعله يستطيع النوم ، وأراد إبليس أن يزيد الأتعاب عليه في وقت النوم من خلال كلمات اليفاز ، هذا إن استطاع النوم .

    الأحلام جزء مهم جدا في حياة الإنسان فهي التي تخبرنا ما نحتاج إليه وما يدور داخل العقل الباطن ، فمن خلال أحلامك تستطيع أن تدرك ملكاتك الكامنة داخل نفسيتك ، أحلامك تعطي فرصة للعقل الباطن ليقوم بالتنفيس كي لا يصاب الإنسان بالاكتئاب أو الكبت لأن الحلم لغة تصويرية للتعبير وقد تكون هذه اللغة غير دقيقة ولكنها حيوية وعميقة المعني .

    الأحلام المفزعة أو الهواجس كما أطلق عليها اليفاز لها ثلاث مصادر ، المصدر الأول هو أعماق النفس البشرية ، فقد تخرج فزاعات ومخاوف كامنة في أعماق النفس التي تخرج في صورة كوابيس وهذا نوع من الأحلام تحذيرية ، فالعقل الباطن ينبه الإنسان بوجود مشكلة نفسية داخلية قال عالم النفس روبرت " إن الرجل حين يحرم من القدرة علي رؤية الأحلام لابد من أن ينتهي أمره في النهاية الي الخبل ، وذلك لأن قدراً هائلاً كبيرا من الأفكار التي لم تكتمل والتي لم يتم التصرف بشأنها ... " فالعقل الباطن يجيب علي الأسئلة التي لم يجد لها العقل الواعي إجابة ، لذلك يقوم العقل الباطن بالإجابة بالنيابة عن العقل الواعي ليستريح ، وتخرج الإجابة في صورة أحلام أو كوابيس أو فزاعات وهواجس .

المصدر الثاني للكوابيس أو الفزاعات والمخاوف تأتي من إبليس ، فهو يستخدم بعض الصور الذهنية الكامنة في العقل الباطن ويخرجها في صورة أحلام مفزعة ، والفرق بينهما هو أن الكوابيس النابعة من أعماق النفس أحيانا كثيرة تكون معبره ولها هدف ، أما الأحلام الإبليسية ليس لها موضوع وغير معبرة ، وعندما تتأمل فيها لا تخرج بموضوع أو فكرة .

المصدر الثالث هي بعض الأدوية التي تؤدي لمتعاطيها أحلام أو هواجس ليس لها معني ، وهي تعطي من خلال كشف طبي لوجود بعض الأمراض النفسية الشديدة التي لا تستجيب للجلسات الإرشادية ، فيأخذ مهدئات وغيرها من أدوية الاكتئاب أو التوتر ، فقد يصاب بهلاوس إثناء النوم ، تنتهي بتوقف الأدوية . 

مما سبق نري أن الحرب التي علي أيوب كانت بلا هدنة ، فملاحقة إبليس لأيوب كانت متتالية كي لا يستطيع أن يفكر فكرا إيجابيا ، فينهض ليرتمي في حض الله القادر أن يرفعه ، فما أصاب |إبليس من إحباط أن أيوب لم يستجب لكلمات أصدقاءه ، من أجل ذلك كانت استجابة الله له سريعة . 

روح غريبة لبث أفكار غريبة :

كلمات اليفاز من بدايتها ليست منقادة بروح الله ، ولكنها أتت بروح غريبة ، فالتعاليم التي القاها أمام أيوب لا تقوده إلي الراحة والهدوء والسكينة ولكنها تدفعه نحو التعب وشد للأعصاب وتزيد الحمل حملاً ، فقال : " فَمَرَّتْ رُوحٌ عَلَى وَجْهِي، اقْشَعَرَّ شَعْرُ جَسَدِي.‏ وَقَفَتْ وَلكِنِّي لَمْ أَعْرِفْ مَنْظَرَهَا، شِبْهٌ قُدَّامَ عَيْنَيَّ. سَمِعْتُ صَوْتًا مُنْخَفِضًا: أَالإِنْسَانُ أَبَرُّ مِنَ اللهِ؟ أَمِ الرَّجُلُ أَطْهَرُ مِنْ خَالِقِهِ؟ " ( أي 4 : 15 ، 16 ) 

الروح التي مرت علي وجهه تُعرف من الأحاسيس التي تبثها داخل الإنسان ، فقد أقشعر جسده وكانت غير واضحة لأنه قال : " وَلكِنِّي لَمْ أَعْرِفْ مَنْظَرَهَا " ولكنه سمع صوتها وأعلن كلماتها ، فقد بدأ بالقول : " أَالإِنْسَانُ أَبَرُّ مِنَ اللهِ؟ أَمِ الرَّجُلُ أَطْهَرُ مِنْ خَالِقِهِ؟ " هذه العبارة ليست سيئة ، ولكنها حقيقة أن الإنسان ليس أبر من الله ، فالله أعظم ، ولكن يجب أن نكون حذرين لأنه عندما يستخدم إبليس كلمات منمقة وجيدة فلنعلم أنه ورائها يخفي حقيقة كاذبة يريد أن يسقطنا فيها . 

كلمة روح في اللغة العبرية

روأخ : معناها : الريح أو الروح ، وتأتي في اللغة العبرية : רוּח ـ وتنطق : روأخ roo'-akh وتستخدم في جميع الكائنات الروحية والبشرية والحيوانية والإلهية ، كما في : ( تك 6 : 17 ) " فَهَا أَنَا آتٍ بِطُوفَانِ الْمَاءِ عَلَى الأَرْضِ لأُهْلِكَ كُلَّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ. كُلُّ مَا فِي الأَرْضِ يَمُوتُ. " المقصود بـ " كُلَّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ " الكائنات البشرية والحيوانية التي ستدخل الفلك كما هو واضح في : ( تك 7 : 15 ) " وَدَخَلَتْ إِلَى نُوحٍ إِلَى الْفُلْكِ، اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ. " كما استخدمت الكلمة عند التعبير عن روح الله كما في : ( تك 41 : 38 ) " فَقَالَ فِرْعَوْنُ لِعَبِيدِهِ: «هَلْ نَجِدُ مِثْلَ هذَا رَجُلاً فِيهِ رُوحُ اللهِ؟ " وأيضا كما في : ( خر 28 : 3 ) " وَتُكَلِّمُ جَمِيعَ حُكَمَاءِ الْقُلُوبِ الَّذِينَ مَلأْتُهُمْ رُوحَ حِكْمَةٍ، أَنْ يَصْنَعُوا ثِيَابَ هَارُونَ لِتَقْدِيسِهِ لِيَكْهَنَ لِي. " و ( خر 31 : 3 ) " وَمَلأْتُهُ مِنْ رُوحِ اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَكُلِّ صَنْعَةٍ، "وعند التعبير عن الروح البشرية كما في : ( نك 45 : 27 ) " ثُمَّ كَلَّمُوهُ بِكُلِّ كَلاَمِ يُوسُفَ الَّذِي كَلَّمَهُمْ بِهِ، وَأَبْصَرَ الْعَجَلاَتِ الَّتِي أَرْسَلَهَا يُوسُفُ لِتَحْمِلَهُ. فَعَاشَتْ رُوحُ يَعْقُوبَ أَبِيهِمْ. " واستخدمت للتعريف بروح الغيرة كما في : ( العدد 5 : 14 ) " فَاعْتَرَاهُ رُوحُ الْغَيْرَةِ وَغَارَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهِيَ نَجِسَةٌ، أَوِ اعْتَرَاهُ رُوحُ الْغَيْرَةِ وَغَارَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهِيَ لَيْسَتْ نَجِسَةً، " و ( العدد 5 : 30 ) " أَوْ إِذَا اعْتَرَى رَجُلاً رُوحُ غَيْرَةٍ فَغَارَ عَلَى امْرَأَتِهِ، يُوقِفُ الْمَرْأَةَ أَمَامَ الرَّبِّ، وَيَعْمَلُ لَهَا الْكَاهِنُ كُلَّ هذِهِ الشَّرِيعَةِ. "

بعد هذا السرد من الآيات الكتابية نري أن كلمة " الروح ـ روح ـ רוּח ـ روأخ roo'-akh " تفهم في سياق الجملة كـ " روح الله أو روح الغيرة أو روح الحكمة ... الخ " لأجل ذلك نفهم أن الروح التي مرت علي اليفاز لم تكن روح إلهية بل إنها روح غريبة ، هذا يعرف من كلام أليفاز من البداية ، فقد وضع نفسه المحلل والممتحن لكلمات أيوب ، ثم تكلم عن أن المصائب تأتي للجميع كلٍ بدورة ، فقد أتي لكثيرين وشددهم أيوب ، وقد جاء الدور عليه ، وكأنه يريد أن يعطي مفهوم غريب عن طريقة معاملة الله مع البشر ، وهو منطق " المكتوب " وهذا ما قاله اليفاز " ‏اُذْكُرْ: مَنْ هَلَكَ وَهُوَ بَرِيءٌ، وَأَيْنَ أُبِيدَ الْمُسْتَقِيمُونَ؟‏ كَمَا قَدْ رَأَيْتَ: أَنَّ الْحَارِثِينَ إِثْمًا، وَالزَّارِعِينَ شَقَاوَةً يَحْصُدُونَهَا.‏ بِنَسَمَةِ اللهِ يَبِيدُونَ، وَبِرِيحِ أَنْفِهِ يَفْنَوْنَ " ( أي 4 : 7 ـ 9 ) فالله لا يتعامل بمنطق " المكتوب " .

هذا المنطق ظالم بكل المقاييس " وحاشا لله أن يكون ظالماً " لآن اصحاب هذا الفكر يؤمنون أن ما كتبه الله لك فهو حادث لا محالة ، فإن كتب لك الهلاك فأنت هالك ، وإن كتب لك السماء أو الجنة فأنت من المحظوظين ، ويؤمنون أن كل ما كتبه الله لابد أن يحدث لآن الإنسان مسير وليس مخير .

الإنسان مخير في كل ما هو إرادي ومسير في كل ما هو جيني وفي كل ما هو أعلي من مستواه ، أي أن الإنسان لم يختار مكان ولادته ولا لون بشرته ولا لون عينه ، ولم يختار الوالدين ، لكنه يستطيع بعد بلوغه سن الإدراك وحمل المسئولية أن يختار مكان سكنه ووظيفته وإيمانه بالله .

اختيارات الإنسان سيحاسب عليها سواء كان في الدنيا أو الآخرة ، فقد اختار لوط لنفسه ( تك 13 : 11 ) وكان اختيار غير حكيم فخسر كل شئ ، اختيارات الله للإنسان ليست إجبارية ولكنها عروض مقدمة إما أن تقبل أو ترفض ، فبقولنا لها يكون لنا خيرا في الدنيا والآخرة ، وإن رفضت سنخسرها دنيا وآخرة ، فعلي سبيل المثال : الإيمان وقبول الحق الذي هو المسيح عرض مقدم من الله للخلاص من جهنم والعذاب الأبدي ، والله لا يجبر أحد ولكنه " الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" ( 1تي 2 : 4 ) والسؤال هنا : هل جميع الناس يتوبون ؟ بكل تأكيد لا ، وبالتالي لا يخلصون ، ولكن الأهم هنا أن الله يريد لجميع الناس ان يخلصون ويقبلون المسيح .

عندما نري روح ( الرب ـ ملاك ـ شيطان ) علينا أن نكون مستيقظين روحيا لنستطيع أن نميز هل هي إلهية أم شيطانية ، فهي تعرف من محتوي الرسالة التي تأتي بها ، ومن خلال الروح القدس الساكن فينا ، وإن لم تستطيع معرفة مصدرها عليك رفض كل ما تمليه عليك سواء من خلال أحاسيس أو كلمات مباشرة . 

الظهورات الشيطانية دائماٍ تترك ورائها تعاليم غريبة لا تتوافق مع كلمة الله ، وتترك أيضا أحاسيس ليست مستقرة وهادئة ، فهي روح للضوضاء والتشويش والبلبلة . 

-------------------------------------------------

الفصل الرابع عشر

هل حقا الله دائم الشكوك وعنيف ؟

هُوَذَا عَبِيدُهُ لاَ يَأْتَمِنُهُمْ، وَإِلَى مَلاَئِكَتِهِ يَنْسِبُ حَمَاقَةً ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ سُكَّانُ بُيُوتٍ مِنْ طِينٍ، الَّذِينَ أَسَاسُهُمْ فِي التُّرَابِ، وَيُسْحَقُونَ مِثْلَ الْعُثِّ؟ ( أي 4 : 18 ، 19 ) 

من الأفكار المغلوطة أن الله لا يأتمن عبيده أو أولاده المؤمنين فقد أعاد اليفاز التيماني مرتين هذه العبارة كما في ( أي 4 : 18 ، 15 : 15 ) " هُوَذَا قِدِّيسُوهُ لاَ يَأْتَمِنُهُمْ، وَالسَّمَاوَاتُ غَيْرُ طَاهِرَةٍ بِعَيْنَيْهِ، فَبِالْحَرِيِّ مَكْرُوهٌ وَفَاسِدٌ الإِنْسَانُ الشَّارِبُ الإِثْمَ كَالْمَاءِ !" كما انه اتفق بلدد الشوحي مع اليفاز إذ قال : " هُوَذَا نَفْسُ الْقَمَرِ لاَ يُضِيءُ، وَالْكَوَاكِبُ غَيْرُ نَقِيَّةٍ فِي عَيْنَيْهِ. فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الإِنْسَانُ الرِّمَّةُ، وَابْنُ آدَمَ الدُّودُ؟». " ( أي 25 : 5 ، 6 )

عن الإنسان :

لم يرد في كلمة الله أن الله لا يثق في الإنسان ولا ينسب للملائكة حماقة ، فالإنسان منذ بداية الخليقة يتعامل معه الله بكل حب ويسعي دائما ليرفعه ويسنده ليكون دائما في الارتفاع ، فقد تعامل مع آدم " وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً. " ( تك 2 : 7 ) إلي نوح ومهما كان الشر الصادر من الأشرار فكان يوجد وسط كل الجيل رجل بار كنوح " هذِهِ مَوَالِيدُ نُوحٍ: كَانَ نُوحٌ رَجُلاً بَارًّا كَامِلاً فِي أَجْيَالِهِ. وَسَارَ نُوحٌ مَعَ اللهِ. " ( تك 6 : 9 ) وفي وسط جيل أخر نجد إبراهيم أبو المؤمنين " فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلاً: «لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ. " ( تك 15 : 18 ) واسحق ويعقوب " فَقَالَ: «لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ». " ( تك 32 : 28 ) وغيرهم من الأمناء ، لكل هؤلاء خدمات ومسيرة روحية ساروا فيها مع الله بأمانة ، فلا نستطيع أن ننسي أخنوخ البار الذي سار مع الله " وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ." ( تك 5 : 24 ) فالله لا ينسب عدم الأمانة لمن اختار أن يتبعه بل يقبل الجميع ويعطي فرصة للكل ، ويستخدم الضعيف كي يباركه " وَلكِنْ لَنَا هذَا الْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ، لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ ِللهِ لاَ مِنَّا. " ( 2كو 4 : 7 ) من يُستخدَم من الله لا ينسب الفضل لذاته بل لله .

عن الملائكة :

أما عن الملائكة فلها علاقة معه كاملة ، فهم يطيعون أوامره ودائما تبارك الله " بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً، الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ. بَارِكُوا الرَّبَّ يَا جَمِيعَ جُنُودِهِ، خُدَّامَهُ الْعَامِلِينَ مَرْضَاتَهُ. " ( مز 103 : 20 ) فهم مخلوقين من الرياح والنار وذو مقدرة خارقة " الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا، وَخُدَّامَهُ نَارًا مُلْتَهِبَةً. " ( مز 104 : 4 ) ولهم طقوس في علاقتهم مع الله ، فعندما يقفون أمامه يغطون وجوههم وأرجلهم بأجنحتهم ويسبحونه ويسبحون عظمته " السَّرَافِيمُ وَاقِفُونَ فَوْقَهُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ، بِاثْنَيْنِ يُغَطِّي وَجْهَهُ، وَبِاثْنَيْنِ يُغَطِّي رِجْلَيْهِ، وَبَاثْنَيْنِ يَطِيرُ. ٣وَهذَا نادي ذَاكَ وَقَالَ: «قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ». " ( اش 6 : 2 ) فالله لا ينسب حماقة للملائكة ولكنهم امام نقاؤه وطهارة وجهه يصيرون أصغر من أن يقفوا أمامه فيغطون وجوههم ، ولكن لم يرد في كلمة الله أن الله لا يأتمن عبيدة او أنه ينسب للملائكة حماقة إلا من أصدقاء أيوب .

حتى الملائكة الذين أخطأوا فلم ينسب لهم الحماقة بل طردهم من محضره وقيد بعضهم في سلاسل وحفظهم " لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى مَلاَئِكَةٍ قَدْ أَخْطَأُوا، بَلْ فِي سَلاَسِلِ الظَّلاَمِ طَرَحَهُمْ فِي جَهَنَّمَ، وَسَلَّمَهُمْ مَحْرُوسِينَ لِلْقَضَاءِ، " ( 2بط 2 : 4 ) و " وَالْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ لَمْ يَحْفَظُوا رِيَاسَتَهُمْ، بَلْ تَرَكُوا مَسْكَنَهُمْ حَفِظَهُمْ إِلَى دَيْنُونَةِ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ بِقُيُودٍ أَبَدِيَّةٍ تَحْتَ الظَّلاَمِ. " ( يهـ 1 : 6 ) فياللعجب عندما نسمع ما قالوه أصدقاء أيوب ، إنهم يبثون أفكار خاطئة في أن الله ينسب حماقة ولا يأتمن عبيده .

الله في طبعه ليس شكاك ولا عنيف لأنه عليم بكل شئ وفيه توزن الأمور " لاَ تُكَثِّرُوا الْكَلاَمَ الْعَالِيَ الْمُسْتَعْلِيَ، وَلْتَبْرَحْ وَقَاحَةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ. لأَنَّ الرَّبَّ إِلهٌ عَلِيمٌ، وَبِهِ تُوزَنُ الأَعْمَالُ. " ( 1صم 2 : 3 ) فهو طويل الروح وكثير الرحمة ويعلم جيدا من هو الإنسان ويعلم كيف يتعامل معه ، ويعلم أيضا ملائكته وقدرتهم ويعلم كيف يستخدمهم لمجده ، ومن محبته يستخدم المؤمن مهما كانت إمكانياته ومهما كان مستواه ، فهو القادر أن يستخدم المؤمن الأمين في القليل ويقيمه علي الكثير .

الصور المغلوطة عن معاملات الله مع البشر :

يريد إبليس دائما أن يشوه صورة الله في معاملاته مع بني البشر ، فالحرب مستمرة ضد الله ، أراد إبليس أن يعطي صورة لأيوب من خلال اليفاز أن الله قاسي جداً ولديه استعداد أن يغدر بأي شخص مهما كان إيمانه ومهما كانت تقواه " لذلك قال له " بَيْنَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ يُحَطَّمُونَ. بِدُونِ مُنْتَبِهٍ إِلَيْهِمْ إِلَى الأَبَدِ يَبِيدُونَ ، أَمَا انْتُزِعَتْ مِنْهُمْ طُنُبُهُمْ؟ (( حبال تشد الخيمة إلى أوتادها )) يَمُوتُونَ بِلاَ حِكْمَةٍ.‏ " ( أي 4 : 20 ، 21 )  فهل الله يحطم بين صباحا ومساءً دون أن ينذر أو يحذر ، بالطبع لا ، فلم يرد في كلمة الله أن الله يعاقب أو يصدر قضاءه دون تحذير ، إن اليفاز أراد يصور الله أنه فوق في العالي والبشر أسفل جدا (( ربنا فوق وإحنا تحت )) ، فبكل تأكيد الله لا يعاملنا بهذه الصورة ، فهو فعلا فوق الكل ولكنه محب للكل ولا يتعامل معنا بكبرياء ، فهو يحب بني البشر ويريد أن يتعامل معهم ويرفعهم ويضمهم إليه ، ولكنه يكره الخطية ولا يكره الخاطئ ، ولكن إن تمسك الخاطئ بخطاياه فسيسقط في فخ إبليس الذي يريد أن يهلك البشر في خطاياهم ، فعلي سبيل المثال نجد أن الله أعطي لسدوم وعمورة فرصة كبيرة جدا ، فقد كان لوط رسالة الله لهم ولكنهم لم يفهموا ، فقد كان يعيش بينهم ولم يفعل أفعالهم ، فكان مختلف عنهم ، ولكنهم لم يتمثلوا به أو يقتادوا به ، وفي ذات الوقت لم يخرج لوط من وسطهم ويعتزل ، فكان يجب عليه أن يتركهم إلي مكان أخر عندما شاهد أنهم مأبونون ، فهم شواذ جنسياً من الحدث إلي الشيخ ، فمن أجل ذلك خسر جانب كبير من حياته ، فهم خسروا حياتهم وهو خسر جميع ممتلكاته وخسر مبادئ الله التي يجب أن تكون لبناته ، فقد زنوا مع أبيهم لإحياء نسل له .

سبب البلاء الذي يبتلي به البشر هي الرجاسات والخطايا الموجودة في حياتهم فقد تكلم الله إلي عزريا بن عوديد أن يخبر أسا الملك وجميع سكان يهوذا وبنيامين أن " الرب معكم ما كنتم معه، وإن طلبتموه يوجد لكم، وإن تركتموه يترككم .... عندما تضايقوا إلى الرب إله إسرائيل وطلبوه وجد لهم " ( 2أخ 15 : 2 ) فمعني كلمة إنه إن تركه يتركهم ، أي لا توجد حماية أو سياج أو حصانة روحية علي شعب الله ، وبالتالي تكون الفرصة لإبليس والأعداء بالهجوم علي شعب الله ودخولهم في ضيق وسبي وغيرها من التدخلات الشيطانية علي شعب الله ، فلماذا الضيق نراه بسبب الرجاسات الموجودة ، فالله من حولهم أفني أمه بأمه أي صلت أمه علي أمه وأزعج الأمم لسبب رجساتهم " أمة بأمة ومدينة بمدينة، لأن الله أزعجهم بكل ضيق " ( 2أخ 15 : 6 ) وها هو ( الرب ) مستعد أن يفعل هذا مع شعب الله إن لم يرجعوا ، فعندما سمع أسا وجميع الشعب كلام عزريا رجعوا للرب " سمع آسا هذا الكلام ونبوة عوديد النبي، تشدد ونزع الرجاسات من كل أرض يهوذا وبنيامين ومن المدن التي أخذها من جبل أفرايم، وجدد مذبح الرب الذي أمام رواق الرب .... ودخلوا في عهد أن يطلبوا الرب إله آبائهم بكل قلوبهم وكل أنفسهم" ( 2أخ 15 : 8 ، 12 ) فكانت النتيجة أنه " ولم تكن حرب إلى السنة الخامسة والثلاثين لملك آسا.‏ " ( 2أخ 15 : 19 )

الأشرار يقتحمون ويموتون فجأة لا لأن الله لم ينذرهم بل لأنهم لا يسمعون إنذارات الله ولا يفهمون مبادئ الله ، ولذلك يفاجئهم الهلاك بغتةً " لأنه حينما يقولون:"سلام وأمان"، حينئذ يفاجئهم هلاك بغتة، كالمخاض للحبلى، فلا ينجون." ( 1تس 5 : 3 ) لذلك يقول للمؤمنين أنهم أصحاب نور ولا يفاجئهم الهلاك بغتةً " أنتم أيها الإخوة فلستم في ظلمة حتى يدرككم ذلك اليوم كلص.‏ جميعكم أبناء نور وأبناء نهار. لسنا من ليل ولا ظلمة.‏٦فلا ننم إذا كالباقين، بل لنسهر ونصح " ( 1تس 5 : 3 ) فالفرق هنا بين من هم في النور ومن هم في الظلمة ، فمن في الظلمة لا يفهمون ولا يسمعون صوت الله ، ومن هم في النور فقد تدربت أذانهم لسماع صوت الله ، ومن اختار العيش في الظلمة فقد أغلقت أذانهم عن سماع صوت الله " لأن قلب هذا الشعب قد غلظ، وبآذانهم سمعوا ثقيلا، وأعينهم أغمضوها. لئلا يبصروا بأعينهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا، فأشفيهم. " ( أع 28 : 27 ) .

مما سبق نري أن تعليم اليفاز التيماني في هذا الإصحاح غير حقيقي وغير صالح ، والصورة التي أعطيت لأليفاز صورة ليست صحيحة علي الإطلاق ، كل هذه الكلمات المغلوطة التي حاول إبليس أن يسجلها داخل أيوب ليصور له صورة غير حقيقية ومشوشرة عن الله ، لذلك نحن أيضاً يجب علينا أن ننتبه لكل هذه الأفكار لأنها يمكنها أن تدفعنا إلي طريق ليس حقيقي في الله ، وتصور لنا أن الله دائم الشكوك بالبشر لذلك لا يأتمن عبيده و أن الله قاسي جداً ولديه استعداد أن يغدر بأي شخص مهما كان إيمانه ومهما كانت تقواه ، وهذا ليس صحيح ، لأن عادل وأمين ومحب وبطيء الغضب وطويل الروح .

--------------------------------------------------

الفصل الخامس عشر

مفهوم القديسين في كلمة الله

ادع الآن. فهل لك من مجيب؟ وإلى أي القديسين تلتفت؟‏٢لأن الغيظ يقتل الغبي، والغيرة تميت الأحمق.‏٣إني رأيت الغبي يتأصل وبغتة لعنت مربضه.‏٤بنوه بعيدون عن الأمن، وقد تحطموا في الباب ولا منقذ.‏ ( أي 5 : 1 ـ 4 ) 

رأينا في الإصحاح الرابع كيف أن اليفاز إنقاد بروح غريبة بعثت برسالة أغرب ، فيها تشويه لمعاملات الله مع بني البشر ، فمن لم يفهم سينقاد وراء أباطيل ، أراد أن يصور لأيوب أن الله ليس عنده مانع أن يهلك البرئ والمستقيم " اذكر: من هلك وهو بريء، وأين أبيد المستقيمون؟ " ( أي 4 : 7 ) وأن الله في بره لا ينظر للإنسان فلا يأتمنهم لدرجة أن الله ينسب لساكنين السماء بالحماقة " هوذا عبيده لا يأتمنهم، وإلى ملائكته ينسب حماقة " ( أي 4 : 18 ) هذا عكس ما يعلمنا به الرب فهو يسر جدا بالمؤمنين " الْقِدِّيسُونَ الَّذِينَ فِي الأَرْضِ وَالأَفَاضِلُ كُلُّ مَسَرَّتِي بِهِمْ. " ( مز 16 : 3 ) لذلك بحسب فكر اليفاز يري أن الله  لا يجد مانع في أن يسحق الإنسان مثل العث " فكم بالحري سكان بيوت من طين، الذين أساسهم في التراب، ويسحقون مثل العث؟‏ " ( أي 4 : 19 ) يسحق الإنسان في سرعة متناهية لدرجة أنه لا يشعر بموته أحد . 

وها هو في الإصحاح الخامس يكمل أفكاره الغير بناءه ، أراد أن يعطي انطباع لأيوب أن الله لا يشعر به وأنه من ضمن الأغبياء الذين لعنوا ومات أولاده من عدم الأمن " إني رأيت الغبي يتأصل وبغتة لعنت مربضه. بنوه بعيدون عن الأمن، وقد تحطموا في الباب ولا منقذ " ( أي 5 : 3 ، 4 ) يالها من أفكار سلبية ( في الحقيقة حمقاء ) نعم إنها أفكار سلبية وحمقاء لأنها موجهه لأيوب ، الرجل البار الكامل المستقيم . 

بعض كلمات اليفاز حقيقة كالقمح ولكنه مع الأسف يضع في وسطها زوان كعبارة " ... وَإِلَى أَيِّ الْقِدِّيسِينَ تَلْتَفِتُ؟ " ( أي 5 : 1 ) ولكنه قال " اُدْعُ الآنَ. فَهَلْ لَكَ مِنْ مُجِيبٍ؟ " ( أي 5 : 1 ) فهو أراد يقول لأيوب أن الله لا يهتم بك حتي إن وصلت للقديسين فلن يجيبوك. 

مفهوم القديسين في كلمة الله : 

يتكلم اليفاز مع أيوب عن انه لا يوجد من يستطيع أن يجيب علي اسئلتك الخاصة بحالتك التي وصلت إلي مستوي من التعب والألم الغير منتهي فلن يجيبك أحد من البشر ومن القديسين سواء كانوا أحياء أو راقدين ، لذلك دعنا ندرس مفهوم القديسين في كلمة الله . 

القديس هو كل مؤمن سلم حياته للرب وخاضع إرادته لإرادة الله ، فالقديس الحقيقي لا يلتفت الا لله وحده ، ولا يلجأ في علاقته الي وسيط بينه وبين الله ، فالرب يوجد وسط القديسين "  وَالسَّمَاوَاتُ تَحْمَدُ عَجَائِبَكَ يَا رَبُّ، وَحَقَّكَ أَيْضًا فِي جَمَاعَةِ الْقِدِّيسِينَ." ( مز ٨٩ : ‏٥ ) لأن الله إله مهوب جدا وسط القديسين، فالكل يهابه ويعرف من هو ولا يحتاج القديس لوسيط لأن الله موجود وقريب منه ، " إِلهٌ مَهُوبٌ جِدًّا فِي مُؤَامَرَةِ ‍الْقِدِّيسِينَ، وَمَخُوفٌ عِنْدَ جَمِيعِ الَّذِينَ حَوْلَهُ. " (مز ٨٩ : ‏٧ ) مؤامرة القديسين أي عندما يجتمعون المؤمنين للصلاة والشركة يكون الله حاضر بقوة وسطهم فتستطيع أن تري الله وسطهم ووسط من حولهم .

مما سبق ندرك أن القديسين في مفهوم العهد القديم هم جماعة المؤمنين المجتمعين حول الرب للصلاة والشركة معا ، فيكون الرب حاضر في وسطهم ، فهم أنبياء العهد القديم " الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ السَّمَاءَ تَقْبَلُهُ، إِلَى أَزْمِنَةِ رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ، الَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا اللهُ بِفَمِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ ‍الْقِدِّيسِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ. " ( أعمال الرسل ٣ : ‏٢١ ) فأنبياء العهد القديم يدعون قديسين ، وهذا المفهوم لا يبعد كثيرا عن مفهوم العهد الجديد للقديسين " وَحَدَثَ أَنَّ بُطْرُسَ وَهُوَ يَجْتَازُ بِالْجَمِيعِ، نَزَلَ أَيْضًا إِلَى ‍الْقِدِّيسِينَ السَّاكِنِينَ فِي لُدَّةَ، " ( أع ٩ : ‏٣٢ ، رو 16 : 15 ، 1كو 6 : 1 ) فالمؤمنين الموجودين في " لده " يدعوهم الرسول قديسين ، وهكذا عندما أقام الرسول بطرس طابيثا من الموت أحضرها للمؤمنين الموجودين وقتها ودعاهم قديسين .

القديسين يشفع الروح القدس فيهم " وَلكِنَّ الَّذِي يَفْحَصُ الْقُلُوبَ يَعْلَمُ مَا هُوَ اهْتِمَامُ الرُّوحِ، لأَنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يَشْفَعُ فِي الْقِدِّيسِينَ. " ( رومية ٨ : ‏٢٧ ) وهنا يقصد جميع المؤمنين وليس فئة معينة من البشر دون غيرهم ، لآن جميع المؤمنين قديسين " مُشْتَرِكِينَ فِي احْتِيَاجَاتِ ‍الْقِدِّيسِينَ، عَاكِفِينَ عَلَى إِضَافَةِ الْغُرَبَاءِ. " ( رومية ١٢ : ‏١٣ ،  15 : 26 ) فالقديسن هم بشر موجودين في عالمنا المادي ولهم احتياج كباقي البشر ولهم احتياج للخدمة " وَلكِنِ الآنَ أَنَا ذَاهِبٌ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَخْدِمَ ‍الْقِدِّيسِينَ، " ( رو ١٥ : ‏٢٥ ، رو 15 : 31 ) 

القديسين في الأبدية ونهاية الزمان سيدينون العالم " أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ ‍الْقِدِّيسِينَ سَيَدِينُونَ الْعَالَمَ؟ فَإِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُدَانُ بِكُمْ، أَفَأَنْتُمْ غَيْرُ مُسْتَأْهِلِينَ لِلْمَحَاكِمِ الصُّغْرَى؟ " ( 1كو 6 : 2 ) فالمؤمنين لهم مستوي ابدي غير عادي لذلك مطلوب منهم أن يكونوا مستنيرين لأنهم سيرثوا " مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ، " ( أف 1 : 18 ، كو 1 : 12 ) هذا يرجع لصفة رائعة وصفوا بها ، فهم أهل بيت الله ولهم حق الميراث " فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ ‍الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ، " ( أف 2 : 19 ) وهذا يعطي للمؤمنين أن يكونوا متأصلين في إمور الله كالمحبة التي تدفعهم ليدركوا كل ملء الله " وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة، حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين، ما هو العرض والطول والعمق والعلو،وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة، لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله." (أفسس ٣ : ١٨ ، 19 ) فليبارك الرب شعبه ليدركوا أين هم ، وأن لهم مستوي غير عادي ، وأن القديس ليس هو من انتقل إلي المجد ، القديسين هم جماعة المؤمنين الذين علي قيد الحياة والذين فارقوها ، فالقديسين هم كل المؤمنين الأموات والأحياء . فمن أمن بالمسيح أخذ لقب قديس هنا وفي الأبدية أيضا . 

كي لا نبعد كثيرا عن اليفاز فقد أراد أن يجنب أيوب الاقتراب من مؤمنين زمانه الذين قد يساعدوه ويسندوه ليمر بسلام من هذه المحنة الشديدة والتجربة القاسية ، فقد استخدمه إبليس كأداة ضد أيوب ليبعده عن الله وبلغة العهد الجديد (( البساطة التي في المسيح )) لأن إبليس دائما يريد أ يفسد الأذهان ، هذا هو أسلوبه من قديم الأيام . 

ما زال اليفاز يتكلم بكلمات ليست للبنيان لحياة أيوب فقد أضاف كلمات جديدة مغلوطة إذ قال " الذين يأكل الجوعان حصيدهم، ويأخذه حتى من الشوك، ويشتف الظمآن ثروتهم.‏ إن البلية لا تخرج من التراب، والشقاوة لا تنبت من الأرض،‏ " ( أي 5 : 5 ـ 6 ) ففي هذه الأيات يصور لأيوب صورة الشخص المخطئ الذي يحصد ثمار أخطاءه ، فقد تكلم لأيوب عن لا مجيب له وانه انضم للأغبياء الذين يخسرون كثيرا لعدم الأمان ، وبالتالي يأتي الجوعان ( الهجامين الذين يسرقون الممتلكات ) فيأكل الحصيد ويجعل الإنسان ظمئانا ( عطشان ) وهذا كله لسبب سوء أفعال أيوب ( هذا حسب تصور اليفاز ) وكأنه يضم صوته لكلمات التثنية " يرسل الرب عليك اللعن والاضطراب والزجر في كل ما تمتد إليه يدك لتعمله، حتى تهلك وتفنى سريعا من أجل سوء أفعالك إذ تركتني " ( تث 28 : 20 ) كما في ( تث 28 : 33 ) " ثمر أرضك وكل تعبك يأكله شعب لا تعرفه، فلا تكون إلا مظلوما ومسحوقا كل الأيام. " وكما في ( تث 28 : 35 ) " يضربك الرب بقرح خبيث على الركبتين وعلى الساقين، حتى لا تستطيع الشفاء من أسفل قدمك إلى قمة رأسك. " فمن ينظر لكلمات التثنية وما حدث لأيوب يخرج بنتيجة واحدة وهي .. أن أيوب كانت حياته ليست بحسب مشيئة الله وانه ترك الرب إلهه ، فبسبب خطاياه الكثيرة حدث له ما حدث ، وهذا هو تصور قلب اليفاز ، ولكن الحقيقة ليست هكذا ، لآن أيوب في محنة التجربة القاسية الناتجة من شكاية المشتكي عليه ، وهذا المشتكي استطاع أن يجند اليفاز ليشوشر علي مستوي ذهن أيوب ، فلا يستطيع أن يفهم مغذي الإمور الحادثة .

----------------------------------------------------

الفصل السادس عشر 

هل الإنسان مولود للمشقة حقا 

 ولكن الإنسان مولود للمشقة كما أن الجوارح لارتفاع الجناح. ( أي 5 : 7 ) 

بالتأكيد لم يولد الإنسان للمشقة ، فقد ولد للحياة ، الله خلق الإنسان ليحيا في الجنة ولكن الإنسان اختار أن يعيش في العصيان فكانت النتيجة أنه طرد إلي أرض المشقة وسمع صوت الرب كالقاضي العادل ، فحكم علي ادم بالطرد من أرض الحياة إلي أرض الموت من أرض الراحة إلي أرض المشقة " وَقَالَ لآدَمَ: " لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ.  وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ.  بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُود " ( تك ٣ : ١٧ ) 

الإنسان لم يكن مولودا للمشقة ولكن الإنسان اختار المشقة بنفسه إلي هذا اليوم فالراحة موجودة وبالإمكان اختيار الراحة فهي في المسيح وفي الحياة الأبدية فمن يقبل إليه ينال الراحة الأبدية ولكن الإنسان دائما يختار المشقة ، إن الله يريدنا أن نكون في الراحة هنا في العالم وفي الآخرة أيضا .

عندما جلس موسي مع حميه قص عليه كيف كانت المشقة التي عاني منها شعب الله  وكيف أن الله خلصهم عندما صرخ شعب الله للرب " فَقَصَّ مُوسَى عَلَى حَمِيهِ كُلَّ مَا صَنَعَ الرَّبُّ بِفِرْعَوْنَ وَالْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَجْلِ إِسْرَائِيلَ، وَكُلَّ الْمَشَقَّةِ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَخَلَّصَهُمُ الرَّبُّ. " ( خر ١٨ : ٨  ) إن إلهنا يريدنا دائما في أكمل وجوه الراحة الزمنية والأبدية ، فمن يقول عكس هذا فهو مُضِل وبعيد عن الحق .

زمن المشقة : 

زمن المشقة لا يصنعه الرب بل يصنعه الإنسان مشترك معه إبليس ، ويعمل الله جاهدا كي يرفع من كاهل المؤمنين كل تعب ومشقة ، ولكنه لا يفعل هذا إن لم يطلب الإنسان من الله التدخل ، فقد ظل شعب الله في العبودية  ٤٠٠ سنة ولم يتدخل الا عندما صرخ شعب الله وسمع الرب صوت صراخهم ، فتدخل الله وأنقذهم لذلك قال لهم أن يأكلوا فطير في ذكري خروجهم من مصر ارض العبودية والمشقة  "  لاَ تَأْكُلْ عَلَيْهِ خَمِيرًا. سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَأْكُلُ عَلَيْهِ فَطِيرًا، خُبْزَ الْمَشَقَّةِ، لأَنَّكَ بِعَجَلَةٍ خَرَجْتَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لِكَيْ تَذْكُرَ يَوْمَ خُرُوجِكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. " ( التثنية ١٦ : ٣ ) 

يقول صوفر النعماني أن الله عظيم كبير جدا لدرجة أنه أكبر من البحر وأنه ينقذ من المشقة إن طلبناه " " إِنْ أَعْدَدْتَ أَنْتَ قَلْبَكَ، وَبَسَطْتَ إِلَيْهِ يَدَيْكَ. إِنْ أَبْعَدْتَ الإِثْمَ الَّذِي فِي يَدِكَ، وَلاَ يَسْكُنُ الظُّلْمُ فِي خَيْمَتِكَ، حِينَئِذٍ تَرْفَعُ وَجْهَكَ بِلاَ عَيْبٍ، وَتَكُونُ ثَابِتًا وَلاَ تَخَافُ. لأَنَّكَ تَنْسَى الْمَشَقَّةَ. كَمِيَاهٍ عَبَرَتْ تَذْكُرُهَا. وَفَوْقَ الظَّهِيرَةِ يَقُومُ حَظُّكَ. الظَّلاَمُ يَتَحَوَّلُ صَبَاحًا. " ( أي ١١ : ١٣ ) حقيقي كلمات رائعة ولكنها لا تنطبق علي أيوب ، لأن الله شهد عن أيوب بأنه " بار وكامل ومستقيم ويتقي الله ويحيد عن الشر " فعندما يقول صوفر النعماني لأيوب ما قاله ، فهو يريد أن يشير إلي أن ما أصاب أيوب يرجع لسبب الأثم والخطية ، ولكن الحقيقة هي أن ما أصاب أيوب يرجع الي شكاية من إبليس لرفع الحماية ولتجربة أيوب.

إن طبقنا كلمات صوفر علي النفوس التي جربت بسبب خطاياهم نجدها مناسبة جدا ، لأن الرب لا يريد أولاده في ألام وأتعاب إنه لا يريدهم في المشقة فهو لم يخلقهم للمشقة كما قال اليفاز التيماني ، فالقول أن الإنسان مولود للمشقة قول به افتراء علي الله فهو أبر من هذا .

الأمان في طلب الرب :

يجب علينا قبل أن نأخذ كلمات اليفاز التيماني مأخذ الجد  ، علينا تحليل كل كلماته ولا نأخذها علي أنفسنا أولاً بل علينا مراعاة أنه يتكلم لأيوب الرجل المشهود عنه بأنه كامل ، وأن اليفار واصحابة يسيطر عليهم فكر أن المرض لسبب اثم وخطية لدي المريض أو لدي المجرب ، فعندما يتكلم عن أن الله عظيم وانه الخالق وفوق البحار وانه منزل المطر من السماء " ‏ لكن كنت أطلب إلى الله، وعلى الله أجعل أمري.‏ الفاعل عظائم لا تفحص وعجائب لا تعد. المنزل مطرا على وجه الأرض، والمرسل المياه على البراري. الجاعل المتواضعين في العلى، فيرتفع المحزونون إلى أمن " ( أي 5 : 8 ـ 11 ) فهو يتكلم عن حقيقة ثابتة ليجمل كلمات ليست بحسب المشيئة الإلهية ، فما قاله في هذه الأعداد حقيقة رائعة فالله هو " الفاعل عظائم لا تفحص وعجائب لا تعد. المنزل مطرا على وجه الأرض، والمرسل المياه على البراري. " فهي حقائق ثابتة يعرفها الجميع , هذا ليثبت كلماته السابقة التي قال فيها أن الإنسان مولود للمشقة كما أن الله أنزل المطر علي الأرض من السماء فهو فاعل عظائم وخلق الإنسان للمشقة ، فبكل تأكيد الأمر ليس هكذا .

      إن أخذنا هذه الأبيات دون النظر لما سبقها وما سيلاحقها تكون الفكرة جيدة ، لأن الله يسمع لكل من يطلبه ، هذا ما حدث مع منسي " وَلَمَّا تَضَايَقَ طَلَبَ وَجْهَ الرَّبِّ إِلهِهِ، وَتَوَاضَعَ جِدًّا أَمَامَ إِلهِ آبَائِهِ، وَصَلَّى إِلَيْهِ فَاسْتَجَابَ لَهُ وَسَمِعَ تَضَرُّعَهُ، وَرَدَّهُ إِلَى أُورُشَلِيمَ إِلَى مَمْلَكَتِهِ. فَعَلِمَ مَنَسَّى أَنَّ الرَّبَّ هُوَ اللهُ." ( ٢أخ ٣٣ : ١٢ ) فالرب لن يترك كل من يلجأ إليه ، فإنه يسرع لنجدته " وَادْعُنِي فِي يَوْمِ الضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي».( مز ٥٠ : ١٥ ) هذا لأن الله لم يخلقنا للمشقة بل خلقنا لنعيش في مجده وسلامه ، فهو سريع الاستجابة لكل طالبيه ولكل متعلق به " لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. " ( مز ٩١ : ١٤ )  فهل تؤمن الآن أن الله يحبك ويريد أن يباركك ويضمن لك الأمن والأمان 

     في أوقاتٍ كثيرة يفقد الإنسان مستوي من التفكير الإيجابي ولا يفهم. ما يريده الله منه فيدخل في دائرة من المعاملات الإلهية لتعليمه ، ولكن الإنسان يشعر بأنه دخل في دائرة ضيق ، ولكنها فترة زمنية قصيرة للتعلم وللدخول في دائرة المسيرة الإلهية ، فهذا ليس ظلماً أو تجربة لأنها لا تخرج من دائرة العناية الإلهية ، هذا ما حدث مع يونان " فَصَلَّى يُونَانُ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِ مِنْ جَوْفِ الْحُوتِ، وَقَالَ: «دَعَوْتُ مِنْ ضِيقِي الرَّبَّ، فَاسْتَجَابَنِي. صَرَخْتُ مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ، فَسَمِعْتَ صَوْتِي.  لأَنَّكَ طَرَحْتَنِي فِي الْعُمْقِ فِي قَلْبِ الْبِحَارِ، فَأَحَاطَ بِي نَهْرٌ. جَازَتْ فَوْقِي جَمِيعُ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ.  فَقُلْتُ: قَدْ طُرِدْتُ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيْكَ. وَلكِنَّنِي أَعُودُ أَنْظُرُ إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ.  قَدِ اكْتَنَفَتْنِي مِيَاهٌ إِلَى النَّفْسِ. أَحَاطَ بِي غَمْرٌ. الْتَفَّ عُشْبُ الْبَحْرِ بِرَأْسِي.  نَزَلْتُ إِلَى أَسَافِلِ الْجِبَالِ. مَغَالِيقُ الأَرْضِ عَلَيَّ إِلَى الأَبَدِ. ثُمَّ أَصْعَدْتَ مِنَ الْوَهْدَةِ حَيَاتِي أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي.  حِينَ أَعْيَتْ فِيَّ نَفْسِي ذَكَرْتُ الرَّبَّ، فَجَاءَتْ إِلَيْكَ صَلاَتِي إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ. " ( يونان ٢ : ١ ) إن دخول يونان في ضيق ليس كون الله يريده فيها ، لكنه كان يريد أن يعلمه درساً وهي الطاعة التي تفتح أبواب الاستخدام .

يريدنا لله أن نعش في حياة التسليم الكامل له ، ليس عن عدم فهم ، بل بكل فهم وإدراك " سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ وَاتَّكِلْ عَلَيْهِ وَهُوَ يُجْرِي " ( مز ٣٧ : ٥ ) فحياة التسليم الكامل للرب لا تعني السلبيية بل تعني الثقة ، فهذا ما اختبره بولس الرسول " لِهذَا السَّبَبِ أَحْتَمِلُ هذِهِ الأُمُورَ أَيْضًا. لكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ، لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ. " ( ٢تي ١ : ١٢ ) 

مما سبق أحبائي نري أن الله لا يريدنا أن نكون خائفين من الغد ، بل دعونا نري الله القادر أن يرفعنا دائماً فوق كل مشاكل الحياة وآلامها " وَإِلهُ كُلِّ نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ. " ( ١بط ٥ : ١٠ )

الله المتحكم في زمام الأمور : 

في الآيات التالية : " المبطل أفكار المحتالين، فلا تجري أيديهم قصدا.‏ الآخذ الحكماء بحيلتهم، فتتهور مشورة الماكرين.‏ في النهار يصدمون ظلاما، ويتلمسون في الظهيرة كما في الليل " ( أي 5 : 12 ـ 14 )  يريد إبليس من خلال اليفاز أن يضع داخل الأفكار الكتابية أفكار لا ترتبط  بالمشيئة الإلهية إطلاقاً ، فالله قادر علي إبطال أفكار المحتالين فلا يستطيعوا أن يصلوا إلي مقصدهم الشرير ويحتالون علي الصديقين وعلي المستقيمين ، فقد احتال إخوة يوسف علي يوسف وأخذوا القميص الملون ، والقوا بيوسف في البئر ، وباعوه عبداً ، لم يتدخل الله في البداية ولكنه حوَّل كل أفعالهم ضد يوسف لخيره ولخير إخوته فلم يهلكوا في المجاعة ، وهذا ما شهد به يوسف أمامهم " أنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا، لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ، لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا. " ( تك ٥٠ : ٢٠ ) . هذا ليس معناه أن الله يقف سلبي ، ولكنه يتحرك معنا بحسب الحكمة الإلهية ، فهو يعطي مساحة لكل إنسان ليتحرك بحرية لسبب قانون الحرية ، ثم يتحرك لتحويل الأفعال التي فعلها الآخرين لخير أبناءه المستقيمون ، فهو المتحكم في كل مجريات الأمور ولكنه لا يلغي كيان أي شخص ، فالمساحة التي يتركها الله للبشر ليفعل أفعاله سواء كانت خيراً أم شراً فهو سيحاسب كل واحد عن ما فعل . 

مع أن كلمات اليفاز هنا تظهر بأنها كلمات إيجابية ولكنها في مجملها مع باقي الآيات التي قبلها وبعدها تعطي معني أن الله هو معطي المطر والمياه وهو خالق للجوارح أجنحة لترتفع فوق ولكن الإنسان جعله للمشقة وما عليه إلا أن يستسلم بهذا لأن الله إن أراد أن يبطل فكر الشرير لأبطله ، فالله قادر ولكنه لم يفعل هذا مع أيوب ، اليفاز يضع أفكارا سلبية وسط كلمات ايجابية عن الله ، كي لا يشعر المستمع أو القارئ بخطورة التعليم ، فقد استخدمه إبليس ليرسل من خلاله كلمات سلبية ليبقي أيوب علي حالة دون أن يفكر في التغيير . 


لله مقاصد علي الأرض يجب أن تتم مهما كانت مقاومة المعاندين، فالرب يترك الإنسان لأفكاره وعندما تحيد عن المقاصد الإلهية يتدخل الله ليغير مجري الأمور لصالح المقاصد الإلهية " فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ أَفْكَارٌ كَثِيرَةٌ، لكِنْ مَشُورَةُ الرَّبِّ هِيَ تَثْبُتُ." ( أم 19 : ٢١ ) ولثبات المقاصد الإلهية يحتاج الله لنفوس لديها الرغبة الأكيدة للسير خلف السيد مهما كلفه الأمر ، كما كان موسي أمام فرعون وكما كان إبراهيم وسط جيل لا يعرف الرب ، جيل له مقاصد ضد المقاصد الإلهية ، فيتحرك الله ليغير مهما كانت قوة المعاندين " قَدْ حَلَفَ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلاً: "إِنَّهُ كَمَا قَصَدْتُ يَصِيرُ، وَكَمَا نَوَيْتُ يَثْبُت " (  اش ١٤ : ٢٤ ) وهذا ما يفعله معنا في العهد الجديد ، فهو يبحث عن نفوس لها الاتجاه المساير لاتجاه الله ليعلن لهم مشيئته " إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ،  " ( أف 1 : 9 ) لذلك تجده يحول كل الأشياء للخير لكل من يحب الرب " وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ. " (  رومية ٨ : ٢٨ ).

المقاصد الإلهية دائما تكون لصالح المؤمنين واختيارات الله دائماً لصالح مقاصده ، فخلاص الإنسان مقصد إلهي ، وفداء الإنسان مقصد إلهي ، لذلك تجده يختار مؤمنين ويضعهم في داخل القصد لتتميمه " الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ، " ( 2 تي ١ : ٩ ) وعندما يجد أباء مؤمنين ولهم غيره مقدسة يخرج من صلبهم نسل حسب القصد الإلهي ، كالرجل الذي من بيت لاوي الذي أخذ امرأة من بيت لاوي وأنجبا موسي  " وَذَهَبَ رَجُلٌ مِنْ بَيْتِ لاَوِي وَأَخَذَ بِنْتَ لاَوِي، " ( خر 2 : 1 ) وكإبراهيم وابنه إسحق واسحق وابنه يعقوب ويعقوب أبو الأسباط وغيرهم الكثير ، فيتم التعيين المسبق الذي يكون بحسب القصد الإلهي " الَّذِي فِيهِ أَيْضًا نِلْنَا نَصِيبًا، مُعَيَّنِينَ سَابِقًا حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ، " ( أف 1 : 11 ) . 

------------------------------------------------------

الفصل السابع عشر

هل حقا الله يجرح ويسحق يعصب ويداه تشفيان

الْمُنَجِّيَ الْبَائِسَ مِنَ السَّيْفِ، مِنْ فَمِهِمْ وَمِنْ يَدِ الْقَوِيِّ. فَيَكُونُ لِلذَّلِيلِ رَجَاءٌ وَتَسُدُّ الْخَطِيَّةُ فَاهَا. « هُوَذَا طُوبَى لِرَجُل يُؤَدِّبُهُ اللهُ. فَلاَ تَرْفُضْ تَأْدِيبَ الْقَدِيرِ. لأَنَّهُ هُوَ يَجْرَحُ وَيَعْصِبُ. يَسْحَقُ وَيَدَاهُ تَشْفِيَانِ." ( أي 5 : 15 ـ 18 ) 

كما نوهنا من قبل أن إبليس يستخدم اليفاز ليبث أفكاراً وسموم داخل كيان أيوب ليرتضي بحاله ويسلَّم علي أن الله هو الذي جرحه وقتل أولاده وسلب منه مقتنياته ليخرج منه بنتيجه واحدة أن الله ظالم ويستخدم الإنسان لتحقيق أهدافه الشخصية .

بكل تأكيد لم يفعل الله بأيوب هذا الأمر ، لأن الله " قَدْ رَأَيْتَ. لأَنَّكَ تُبْصِرُ الْمَشَقَّةَ وَالْغَمَّ لِتُجَازِيَ بِيَدِكَ. إِلَيْكَ يُسَلِّمُ الْمِسْكِينُ أَمْرَهُ. أَنْتَ صِرْتَ مُعِينَ الْيَتِيمِ. تَأَوُّهَ الْوُدَعَاءِ قَدْ سَمِعْتَ يَا رَبُّ. تُثَبِّتُ قُلُوبَهُمْ. تُمِيلُ أُذُنَكَ  " ( مز 10 : 14 ، 17 ) هذا هو الله " يبصر المشقة " لأنه لم يخلق الإنسان للمشقة  فالمشقة دخيلة لكيان الإنسان ، لذلك يبصرها الله ويرفعها فتغني العظام وتقول " جَمِيعُ عِظَامِي تَقُولُ: «يَا رَبُّ، مَنْ مِثْلُكَ الْمُنْقِذُ الْمِسْكِينَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَالْفَقِيرَ وَالْبَائِسَ مِنْ سَالِبِهِ  " ( مز 35 : 10 ) فمن يقول أن الله يجرح فهو يريد أن يُضِل من يوجه لهم الرسالة أو الفكرة فهو " يُقِيمُ الْمِسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ. يَرْفَعُ الْفَقِيرَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ لِلْجُلُوسِ مَعَ الشُّرَفَاءِ وَيُمَلِّكُهُمْ كُرْسِيَّ الْمَجْدِ. لأَنَّ لِلرَّبِّ أَعْمِدَةَ الأَرْضِ، وَقَدْ وَضَعَ عَلَيْهَا الْمَسْكُونَةَ. أَرْجُلَ أَتْقِيَائِهِ يَحْرُسُ، وَالأَشْرَارُ فِي الظَّلاَمِ يَصْمُتُونَ. لأَنَّهُ لَيْسَ بِالْقُوَّةِ يَغْلِبُ إِنْسَانٌ.  " ( 1صم 2 : 8 ، 9 ) 

يوجد فرق بين الجرح والتأديب ، فالجروح ليست من مبادئ الله ، أما التأديب فيحمل في داخله التعليم والتقويم وممتلئ حب ورحمة " طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي تُؤَدِّبُهُ يَا رَبُّ، وَتُعَلِّمُهُ مِنْ شَرِيعَتِكَ  " ( مز 94 : 12 ) فمن يقول أن الله يجرح ويعصب فهو يقدم إهانة لله سواء كان بعلم أو بجهل ، فالله لا يتحرك للإنسان لتأديبه إن لم يكن ابن حقيقي له " يَا ابْنِي، لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ وَلاَ تَكْرَهْ تَوْبِيخَهُ، لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَكَأَبٍ بِابْنٍ يُسَرُّ بِهِ.  " ( أم 3 : 11 ، 12 ) الجروح ممتلئة مرارة وألم . أما التأديب ممتلئ حب وتعليم حتى وإن وجدت المرارة فلن تصل بالإنسان لدرجة الجرح ، فقد أدب الرب إفرايم فقال " سَمْعًا سَمِعْتُ أَفْرَايِمَ يَنْتَحِبُ: أَدَّبْتَنِي فَتَأَدَّبْتُ كَعِجْل غَيْرِ مَرُوضٍ. تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ، لأَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ إِلهِي.  لأَنِّي بَعْدَ رُجُوعِي نَدِمْتُ، وَبَعْدَ تَعَلُّمِي صَفَقْتُ عَلَى فَخْذِي. خَزِيتُ وَخَجِلْتُ لأَنِّي قَدْ حَمَلْتُ عَارَ صِبَايَ. هَلْ أَفْرَايِمُ ابْنٌ عَزِيزٌ لَدَيَّ، أَوْ وَلَدٌ مُسِرٌّ؟ لأَنِّي كُلَّمَا تَكَلَّمْتُ بِهِ أَذْكُرُهُ بَعْدُ ذِكْرًا. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ حَنَّتْ أَحْشَائِي إِلَيْهِ. رَحْمَةً أَرْحَمُهُ، يَقُولُ الرَّبُّ." ( إر 31 : 18 ـ 20 ) فعندما شرع الله في تأديب إفرايم وضع أمامه أن يصل بإفرايم الي التوبة فمنح له وسط التأديب التعليم والشعور بأنه ‘بن عزيز ومسر والرحمة تحيط به ، هذا هو طريق الله في التأديب ( رحمة ومشاعر طيبة وتعليم وتوبة ) فأين مكان الجروح ؟ بكل تأكيد لا يوجد .

كاتب رسالة العبرانيين يتكلم في موضوع التأديب واصفاً مستوي الأبوة الإلهية التي لله تجاه أبناءه ، لأن الأب هو المؤدب أما الغريب فدائماً يجرح ، ففي وقت التأديب يري الإنسان الحزن ولكن في نهايته ثمر بر وسلام ، فيقول : " وَقَدْ نَسِيتُمُ الْوَعْظَ الَّذِي يُخَاطِبُكُمْ كَبَنِينَ:«يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ، وَلاَ تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ.  لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ». إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ التَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ اللهُ كَالْبَنِينَ. فَأَيُّ ابْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟  وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلاَ تَأْدِيبٍ، قَدْ صَارَ الْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لاَ بَنُونَ.  ثُمَّ قَدْ كَانَ لَنَا آبَاءُ أَجْسَادِنَا مُؤَدِّبِينَ، وَكُنَّا نَهَابُهُمْ. أَفَلاَ نَخْضَعُ بِالأَوْلَى جِدًّا لأَبِي الأَرْوَاحِ، فَنَحْيَا؟ لأَنَّ أُولئِكَ أَدَّبُونَا أَيَّامًا قَلِيلَةً حَسَبَ اسْتِحْسَانِهِمْ، وَأَمَّا هذَا فَلأَجْلِ الْمَنْفَعَةِ، لِكَيْ نَشْتَرِكَ فِي قَدَاسَتِهِ.  وَلكِنَّ كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي الْحَاضِرِ لاَ يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ. وَأَمَّا أَخِيرًا فَيُعْطِي الَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرّ لِلسَّلاَمِ.  " ( عب 12 : 5 ـ 11 ) 

التأديب ليس تجربة ، فالله يوأدب ولا يُجرب ، ففي وقت التأديب تجد يد الله الحنونة ، وفي وقت التجربة التي قد يكون مصدرها إبليس أو الإنسان تجد يد الله المعوضة المانحة والمكافئة " طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ «إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» الَّذِي وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ.  ....... هَا نَحْنُ نُطَوِّبُ الصَّابِرِينَ. قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ. لأَنَّ الرَّبَّ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَرَؤُوفٌ. " ( يع 1 : 12 و 5 : 11 ) فالرب في سفر الرؤيا لا يقول من أحبه أجربه ولكنه يقول : " إِنِّي كُلُّ مَنْ أُحِبُّهُ أُوَبِّخُهُ وَأُؤَدِّبُهُ. فَكُنْ غَيُورًا وَتُبْ.  " ( رؤ 3 : 19 ) 

في سفر التثنية 32 : 39 يقول " اُنْظُرُوا الآنَ! أَنَا أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلهٌ مَعِي. أَنَا أُمِيتُ وَأُحْيِي. سَحَقْتُ، وَإِنِّي أَشْفِي، وَلَيْسَ مِنْ يَدِي مُخَلِّصٌ.  " وهذا من فم الرب نفسه فهو يسحق ويشفي ، وهنا السؤال متى يفعل ذلك ؟  وللرد نقول : الله وقت القضاء يسحق ولكنه قادر أيضا علي الشفاء وهذا ما أكده الرب عندما نكمل باقي الآيات إذ قال : "  اُنْظُرُوا الآنَ! أَنَا أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلهٌ مَعِي. أَنَا أُمِيتُ وَأُحْيِي. سَحَقْتُ، وَإِنِّي أَشْفِي، وَلَيْسَ مِنْ يَدِي مُخَلِّصٌ . ..... إِذَا سَنَنْتُ سَيْفِي الْبَارِقَ، وَأَمْسَكَتْ بِالْقَضَاءِ يَدِي، أَرُدُّ نَقْمَةً عَلَى أَضْدَادِي، وَأُجَازِي مُبْغِضِيَّ." فالله فقط وقت القضاء يسحق ويشفي ، فالقضاء ليس تجربة ولا تأديب بل دينونة ولا يفعل هذا مع أولاده بل مع مبغضيه ، لذلك يجب علينا أن لا نخلط الأوراق ، فالتجربة من إبليس أو من الإنسان ، والتأديب يفعله الله مع الأبناء ، والقضاء يفعله الله مع الأشرار المضادين لله " لِذلِكَ يَقُولُ السَّيِّدُ رَبُّ الْجُنُودِ عَزِيزُ إِسْرَائِيلَ: «آهِ! إِنِّي أَسْتَرِيحُ مِنْ خُصَمَائِي وَأَنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِي،  " ( أش 1 : 24 ) والإنتقام أو القضاء يأتي بسبب الأفعال " حَسَبَ الأَعْمَالِ هكَذَا يُجَازِي مُبْغِضِيهِ سَخَطًا، وَأَعْدَاءَهُ عِقَابًا. جَزَاءً يُجَازِي الْجَزَائِرَ.  " ( أش 59 : 18 ) فشكرا لله لآنه اله رحيم ومحب ولم يخلق الإنسان للمشقة . 

رعاية الله الدائمة : 

يختم اليفاز كلماته بأقوال في غاية الروعة مع أن ما مضي منها ليس في مستوي المشيئة الإلهية ، فيتكلم بأحجية : فِي سِتِّ شَدَائِدَ يُنَجِّيكَ، وَفِي سَبْعٍ لاَ يَمَسُّكَ سُوءٌ. فِي الْجُوعِ يَفْدِيكَ مِنَ الْمَوْتِ، وَفِي الْحَرْبِ مِنْ حَدِّ السَّيْفِ. مِنْ سَوْطِ اللِّسَانِ تُخْتَبَأُ، فَلاَ تَخَافُ مِنَ الْخَرَابِ إِذَا جَاءَ. تَضْحَكُ عَلَى الْخَرَابِ وَالْمَحْلِ، وَلاَ تَخْشَى وُحُوشَ الأَرْضِ. لأَنَّهُ مَعَ حِجَارَةِ الْحَقْلِ عَهْدُكَ، وَوُحُوشُ الْبَرِّيَّةِ تُسَالِمُكَ. فَتَعْلَمُ أَنَّ خَيْمَتَكَ آمِنَةٌ، وَتَتَعَهَّدُ مَرْبِضَكَ وَلاَ تَفْقِدُ شَيْئًا. وَتَعْلَمُ أَنَّ زَرْعَكَ كَثِيرٌ وَذُرِّيَّتَكَ كَعُشْبِ الأَرْضِ. تَدْخُلُ الْمَدْفَنَ فِي شَيْخُوخَةٍ، كَرَفْعِ الْكُدْسِ فِي أَوَانِهِ. هَا إِنَّ ذَا قَدْ بَحَثْنَا عَنْهُ. كَذَا هُوَ. فَاسْمَعْهُ وَاعْلَمْ أَنْتَ لِنَفْسِكَ». ( أي 5 : 19 ـ 27 ) 

" فِي سِتِّ شَدَائِدَ يُنَجِّيكَ، وَفِي سَبْعٍ لاَ يَمَسُّكَ سُوءٌ " الست شدائد ينجي الرب منها هما كما يلي : 

1 ـ " فِي الْجُوعِ يَفْدِيكَ مِنَ الْمَوْتِ " 

الشدة هنا " الجوع  ـ الموت " والنجاة هنا " بالفداء من الموت " 

2 ـ " وَفِي الْحَرْبِ مِنْ حَدِّ السَّيْفِ " 

الشدة هي " الحرب ـ السيف " 

3 ـ " مِنْ سَوْطِ اللِّسَانِ تُخْتَبَأُ، فَلاَ تَخَافُ مِنَ الْخَرَابِ إِذَا جَاءَ " 

الشدة هنا " الخراب " والنجاة في " الإختباء " 

4 ـ " تَضْحَكُ عَلَى الْخَرَابِ وَالْمَحْلِ، وَلاَ تَخْشَى وُحُوشَ الأَرْضِ. " 

الشدة هنا " المحل " والنجاة من " وحوش الأرض " 

5 ـ " لأَنَّهُ مَعَ حِجَارَةِ الْحَقْلِ عَهْدُكَ، وَوُحُوشُ الْبَرِّيَّةِ تُسَالِمُكَ. "

النجاة في " العهد ـ والسلام "  

6 ـ " فَتَعْلَمُ أَنَّ خَيْمَتَكَ آمِنَةٌ، وَتَتَعَهَّدُ مَرْبِضَكَ وَلاَ تَفْقِدُ شَيْئًا. " 

النجاة في " الأمان ـ والأمن " 

باختصار الشدائد الستة: الجوع ـ الموت ـ الحرب ـ السيف ـ الخراب ـ المحل

اختصار النجاة السبعة: الفداء ـ الاختباء ـ لا نخش الوحوش ـ العهد ـ السلام ـ الأمان ـ والأمن 

كلمات مشجعة تصدر من شخص أكثر كلماته سلبية فالشدائد الستة يهرب منها كل البشرية وكل المجتمعات والدول، الله يستطيع أن ينجي الصديق مهما كانت البلايا " كَثِيرَةٌ هِيَ بَلاَيَا الصِّدِّيقِ، وَمِنْ جَمِيعِهَا يُنَجِّيهِ الرَّبُّ. " ( مز 34 : 19 ) فالبلايا ليست فقط علي المؤمنين ، فهي طبيعة العالم الموضوع في الشرير ، ولكن بصفة خاصة للصديق نجاة لأنه داخل المشيئة الإلهية " لأَنَّهُ يُنَجِّيكَ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِ وَمِنَ الْوَبَإِ الْخَطِرِ.  بِخَوَافِيهِ يُظَلِّلُكَ، وَتَحْتَ أَجْنِحَتِهِ تَحْتَمِي. تُرْسٌ وَمِجَنٌّ حَقُّهُ. لاَ تَخْشَى مِنْ خَوْفِ اللَّيْلِ، وَلاَ مِنْ سَهْمٍ يَطِيرُ فِي النَّهَارِ، وَلاَ مِنْ وَبَإٍ يَسْلُكُ فِي الدُّجَى، وَلاَ مِنْ هَلاَكٍ يُفْسِدُ فِي الظَّهِيرَةِ.  يَسْقُطُ عَنْ جَانِبِكَ أَلْفٌ، وَرِبْوَاتٌ عَنْ يَمِينِكَ. إِلَيْكَ لاَ يَقْرُبُ. " ( مز 19 : 3 ـ 7 ) هذا يرجع لأن الصديق له مبادئ الله داخل قلبه ولا يريد أن يستمر في السقوط وليس في داخله رضي بالضعف " لأَنَّ الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ، أَمَّا الأَشْرَارُ فَيَعْثُرُونَ بِالشَّرِّ. " ( أم 24 : 16 ) فالإنقاذ من التجربة والشدائد هي مسئولية الرب تجاه المؤمنين " يَعْلَمُ الرَّبُّ أَنْ يُنْقِذَ الأَتْقِيَاءَ مِنَ التَّجْرِبَةِ، وَيَحْفَظَ الآثمة إِلَى يَوْمِ الدِّينِ مُعَاقَبِينَ، " ( 2بط 2 : 9 ) فقد أتت شدائد علي يوسف عندما استخدم الشيطان إخوته ولكن الرب علم كيف ينقذ يوسف " فَقَدْ أَرْسَلَنِي اللهُ قُدَّامَكُمْ لِيَجْعَلَ لَكُمْ بَقِيَّةً فِي الأَرْضِ وَلِيَسْتَبْقِيَ لَكُمْ نَجَاةً عَظِيمَةً. " ( تك 45 : 7 ) وفي وقت المجاعة استطاع الله أن يجعل الغربان تعول ايليا " وَكَانَتِ الْغِرْبَانُ تَأْتِي إِلَيْهِ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ صَبَاحًا، وَبِخُبْزٍ وَلَحْمٍ مَسَاءً، وَكَانَ يَشْرَبُ مِنَ النَّهْرِ. " ( 1مل 17 : 6 ) ويستطيع المؤمن أن يقول مع حبقوق : " فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ، وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ، وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِدِ، " ( حب 3 : 17 ) مع كل هذا اليقين الممنوح للمؤمن يستطيع " فَتَعْلَمُ أَنَّ خَيْمَتَكَ آمِنَةٌ، وَتَتَعَهَّدُ مَرْبِضَكَ وَلاَ تَفْقِدُ شَيْئًا " ( أي 5 : 24 ) وتغني مع داود " إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لاَ يَخَافُ قَلْبِي. إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ. " ( مز 27 : 3 )

 اللسان وقوة تأثيره : 

كان يؤمن اليفاز بالحسد وأن اللسان يستطيع أن يأتي بالخراب " مِنْ سَوْطِ اللِّسَانِ تُخْتَبَأُ، فَلاَ تَخَافُ مِنَ الْخَرَابِ إِذَا جَاءَ. " ( أي 5 : 21 ) فالحسد بكلمات اللسان خط واضح في كلمة الله فالمؤمن المتكل علي الرب لا يخاف من سوط اللسان لأن الرب يسترهم بستر وجهه  " تَسْتُرُهُمْ بِسِتْرِ وَجْهِكَ مِنْ مَكَايِدِ النَّاسِ. تُخْفِيهِمْ فِي مَظَلَّةٍ مِنْ مُخَاصَمَةِ الأَلْسُنِ.  " ( مز 31 : 20 ) فالأشرار لسانهم مثل السيف له فاعلية " .......... أَسْنَانُهُمْ أَسِنَّةٌ وَسِهَامٌ، وَلِسَانُهُمْ سَيْفٌ مَاضٍ.  " ( مز 57 : 4 ) فاللسان يستخدمه إبليس كأوامر يتبناها لتنفيذ كل ما هو سلبي فالأشرار يضربون الأبرار بألسنتهم " فَقَالُوا: «هَلُمَّ فَنُفَكِّرُ عَلَى ارميا أَفْكَارًا، لأَنَّ الشَّرِيعَةَ لاَ تَبِيدُ عَنِ الْكَاهِنِ، وَلاَ الْمَشُورَةَ عَنِ الْحَكِيمِ، وَلاَ الْكَلِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ. هَلُمَّ فَنَضْرِبُهُ بِاللِّسَانِ وَلِكُلِّ كَلاَمِهِ لاَ نُصْغِي».  "  ( ار 18 : 18 ) فكثيرين من النفوس تتكلم بكلمات سلبية تجاه بعضهم البعض ولا يدرون أن كلماتهم ما هي إلا سياط في يد إبليس يضرب به كل من توجه إليه كلمات سلبية ، لذلك ما علينا إلا أن نختبئ تحت مظلة القدير للحماية من الكلمات التي كالسهام ولتعلم الكنيسة أن " كُلُّ آلَةٍ صُوِّرَتْ ضِدَّكِ لاَ تَنْجَحُ، وَكُلُّ لِسَانٍ يَقُومُ عَلَيْكِ فِي الْقَضَاءِ تَحْكُمِينَ عَلَيْهِ. هذَا هُوَ مِيرَاثُ عَبِيدِ الرَّبِّ وَبِرُّهُمْ مِنْ عِنْدِي، يَقُولُ الرَّبُّ.  " ( أش 54 : 17 ) وهذا ما أدركه الرسول يعقوب وحذر منه المؤمنين لضبط اللسان " هكَذَا اللِّسَانُ أَيْضًا، هُوَ عُضْوٌ صَغِيرٌ وَيَفْتَخِرُ مُتَعَظِّمًا. هُوَذَا نَارٌ قَلِيلَةٌ، أَيَّ وُقُودٍ تُحْرِقُ؟ فَاللِّسَانُ نَارٌ! عَالَمُ الإِثْمِ. هكَذَا جُعِلَ فِي أَعْضَائِنَا اللِّسَانُ، الَّذِي يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ، وَيُضْرِمُ دَائِرَةَ الْكَوْنِ، وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ. لأَنَّ كُلَّ طَبْعٍ لِلْوُحُوشِ وَالطُّيُورِ وَالزَّحَّافَاتِ وَالْبَحْرِيَّاتِ يُذَلَّلُ، وَقَدْ تَذَلَّلَ لِلطَّبْعِ الْبَشَرِيِّ. وَأَمَّا اللِّسَانُ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُذَلِّلَهُ. هُوَ شَرٌّ لاَ يُضْبَطُ، مَمْلُوٌّ سُمًّا مُمِيتًا.  " ( يع 3 : 5 ) فإن كان اللسان قوة ونار ويستخدمه إبليس ليأخذ أوامر لتنفيذها فالرب أعطي للمؤمنين مصدر الحماية وهو اسم المسيح " اِسْمُ الرَّبِّ بُرْجٌ حَصِينٌ، يَرْكُضُ إِلَيْهِ الصِّدِّيقُ وَيَتَمَنَّعُ. " ( أم 18 : 10 ) فقوة اللسان السلبي يحارب بقوة اللسان الإيجابي والاحتماء في اسم المسيح ، فلا تخشي أي سهام تطير في الدجى لأن عيني الرب هي للحماية والرعاية ويد الرب قادرة علي أن ترفعك فوق كل الأعداء. هللويا

-----------------------------------------------------

الفصل الثامن عشر

ميزان المصائب 

فأجاب أيوب وقال:‏ " ليت كربي (( كربي : الكرب :الغم الذي يستولى علي النفس )) وزن، ومصيبتي رفعت في الموازين جميعها،‏ لأنها الآن أثقل من رمل البحر. من أجل ذلك لغا (( لغا : خاب، بطل، صار ملغى )) كلامي.‏٤لأن سهام القدير في وحمتها (( وحمتها : السن المدبب للسهام )) شاربة روحي. أهوال الله مصطفة ضدي. ( أي 6 : 1 ـ 4 ) 

فكرة أن المصائب هي من الله ( سهام القدير ) فكرة ليست جيدة لأن الله لا يأتي بالمصائب بل الإنسان وخطيته وتدخلات إبليس ، فالإنسان إما أن يدخل في بركات الله أو تأديب الله أو قضاء الله ، فبركات الله تمنح من خلال كلمته ومعرفة مشيئته ، والتأديب يحدث نتيجة عدم الفهم والاستمرارية في الخطية أو التعدي علي الوصية الكتابية ، أما القضاء فهو نتيجة العناد والإثم والفجور الذي بدون توبة ، وفي كل الأحوال الله لا يبدأ بالأهوال أو الكرب أو المصائب .

توجد أهوال طبيعية في العالم فالارتفاع لمكان مرتفع دون حماية كافية تعرض الإنسان للخطر وللأهوال ، والسير بسرعة فائقة الحدود بسيارة في طريق مزدحم يولد الأهوال ، أيضا وقت الشيخوخة يري الإنسان في الطريق أهوال "وَأَيْضًا يَخَافُونَ مِنَ الْعَالِي، وَفِي الطَّرِيقِ أَهْوَالٌ، وَاللَّوْزُ يُزْهِرُ، وَالْجُنْدُبُ يُسْتَثْقَلُ، وَالشَّهْوَةُ تَبْطُلُ. لأَنَّ الإِنْسَانَ ذَاهِبٌ إِلَى بَيْتِهِ الأَبَدِيِّ، وَالنَّادِبُونَ يَطُوفُونَ فِي السُّوقِ. " ( جا 12 : 5 ) .فهذه الأهوال طبيعية ناتجة من خطية أدم فهي أهوال الشيخوخة الموروثة من ادم

توجد أيضا أهوال نتيجة البعد عن قوانين الله وعدم احترامها فيدخل الإنسان في دوامات المشاكل والأتعاب ، ويحاول سماع صوت الله دون جدوى ، فهذا لسبب عدم الفهم الروحي وإدراك أمور الله " سَتَأْتِي مُصِيبَةٌ عَلَى مُصِيبَةٍ، وَيَكُونُ خَبَرٌ عَلَى خَبَرٍ، فَيَطْلُبُونَ رُؤْيَا مِنَ النَّبِيِّ، وَالشَّرِيعَةُ تُبَادُ عَنِ الْكَاهِنِ، وَالْمَشُورَةُ عَنِ الشُّيُوخِ. " ( حز 7 : 62 ) فبكثرة الشر والخطية التي تكون وسط شعب الله ، يأتي وقت تكثر فيه المصائب ولا يجدون مخرجا

كما توجد أهوال نتيجة شكاية إبليس ، وعندما يجد فرصة للدخول علي حياة إنسان يسبب له المتاعب ويشعره بالمصائب والأهوال ، فأيوب كانت المصائب والأهوال نتيجة شكاية إبليس علي حياته ، فلم تكن مصدرها الله كما اعتقد هو وأصدقائه ، فالشعور بالمصائب دون تحديد مصدرها يصيب الإنسان الإحساس بثقل مصائبه " اَلْحَجَرُ ثَقِيلٌ وَالرَّمْلُ ثَقِيلٌ، وَغَضَبُ الْجَاهِلِ أَثْقَلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا. " ( أم 27 : 3 ) لذلك الله لا يريدنا في دائرة الجهال الذين يبحثون عن الحق والحقيقة فيصابون بالحيرة والتعب النفسي لعدم الحصول علي معرفة الحق ، فيدعونا الرب إليه لنستريح " تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. " ( مت 11 : 28 ) فيستطيع الرب أن يريح كل متحير لمعرفة الحق .

ميزان الله :

الله وازن كل الأمور فكل الأشياء لها ميزان عنده فالجبال لها ميزان " مَنْ كَالَ بِكَفِّهِ الْمِيَاهَ، وَقَاسَ السَّمَاوَاتِ بِالشِّبْرِ،  بِالْكَيْلِ تُرَابَ الأَرْضِ، وَوَزَنَ الْجِبَالَ بِالْقَبَّانِ، وَالآكَامَ بِ‍الْمِيزَانِ؟" ( أش 40 : 12 ) لا يستطيع الجبل أن الجبل يزيد حجمه عن ما هو عليه الا بأمره ، فهو المتحكم في كل الأشياء ، أما عند الإنسان فالأمر يختلف ، فلكل روح وقلب ميزان " كُلُّ طُرُقِ الإِنْسَانِ نَقِيَّةٌ فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ، وَالرَّبُّ وَازِنُ الأَرْوَاحِ." ( أم 16 : 2 ) فللإنسان حرية الاختيار والتحرك والأفعال ، ولكن كل هذا يوضع في ميزان وعندما يمتلئ ميزانه للنهاية يأتي وقت التأديب أو المكافئة أو القضاء " إِنْ قُلْتَ: «هُوَذَا لَمْ نَعْرِفْ هذَا»، أَفَلاَ يَفْهَمُ وَازِنُ الْقُلُوبِ؟ وَحَافِظُ نَفْسِكَ أَلاَ يَعْلَمُ؟ فَيَرُدُّ عَلَى الإِنْسَانِ مِثْلَ عَمَلِهِ " ( أم ١٢:٢٤ ) لأن " كُلُّ طُرُقِ الإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةٌ فِي عَيْنَيْهِ، وَالرَّبُّ وَازِنُ الْقُلُوبِ. " ( أم 21 : 2 ) من ميزان الله يظهر كمال الإنسان أو نقصانه ، فقد وزن الملك بَيْلْشَاصَّرُ وجد ناقصا في عيني الله " .... وُزِنْتَ بِالْمَوَازِينِ فَوُجِدْتَ نَاقِصًا. " ( دا 5 : 27 ) لذلك جاء قضاء الله عليه بالموت " أَنَا الرَّبُّ فَاحِصُ الْقَلْبِ مُخْتَبِرُ الْكُلَى لأُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ طُرُقِهِ، حَسَبَ ثَمَرِ أَعْمَالِهِ. " ( أر 17 : 10 ) لا يوجد عند الله ميزان مصائب ، بل ميزان أعمال ، ميزان أرواح ، ميزان قلوب ، فبحسب ما تصنع من أعمال يتم وضع هذا في ميزان العدل الإلهي إما أن توجد كاملا أم ناقصاً ، فليبارك الرب شعبه ليوجدوا أمام الله دائما في كمال كلمته الكاملة التي تصير الجاهل حكيما . 

يحتاج المؤمن عند قرأته لسفر أيوب درجة من التركيز العالي جدا ، لأن به أفكار كثيرة لا تظهر معانيها الحقيقية إلا لمن وضع الحق أمامه وفتش في معني كل كلمة ، فهل لله سهام يوجهها نحو أولاده ، حاشا لله أن يفعل بأولاده سهام التجارب ، فتعبيرات أيوب ابعة من ثقافة جيله ومستوي الألم والمحنة التي أصابته ، فكا لابد أن يعبر عن ألامه بصرخات معبره "  هَلْ يَنْهَقُ الْفَرَا ( الحمار الوحشي ) عَلَى الْعُشْبِ، أَوْ يَخُورُ الثَّوْرُ عَلَى عَلَفِهِ؟ هَلْ يُؤْكَلُ الْمَسِيخُ ( من لا طعم له ولا ملوحة ) بِلاَ مِلْحٍ، أَوْ يُوجَدُ طَعْمٌ فِي مَرَقِ الْبَقْلَةِ؟ (بياض البيضة أو الزلال الأبيض للبيضة ) مَاعَافَتْ نَفْسِي أَنْ تَمَسَّهَا، هذِه صَارَتْ مِثْلَ خُبْزِيَ الْكَرِيهِ!‏ " يَا لَيْتَ طِلْبَتِي تَأْتِي وَيُعْطِينِيَ اللهُ رَجَائِي! أَنْ يَرْضَى اللهُ بِأَنْ يَسْحَقَنِي، وَيُطْلِقَ يَدَهُ فَيَقْطَعَنِي. " ( أي 6 : 5 ـ 9 ) وكأنه يقول : 

لا صراخ بدون سبب :

ينظر أيوب لحقيقة راسخة يعزي بها نفسه لسبب صراخه الدائم من شدة الألم والأوجاع فيتمثل بالحمار الوحشي الذي لا يسمع صوته عند وجود العلف ، فكأنه يقول لمستمعيه لا تستغربوا تأوهاتي وأنيني لأنه لن أصرخ في وقت تكون فيه احتياجاتي مسددة فصراخي دليل علي معاناتي من الألم واحتياجاتي للشهية المفتوحة ، فلا تستغربوا عدم شهيتي للطعام لأنه بلا طعم في جوفي كبياض البيض الذي يؤكل بدون ملح فيصير بلا طعم .

ومن شدة الألم والمعاناة التي يعاني منها أيوب ، كان يطلب من الله أن يضع حدا لها حتي ولو بالموت ، فهو لم يخشي الموت ولكنه كان يتمني الموت ليضع نهاية لكل صرخة .

الصراخ المسموع لدي الرب ثلاث أنواع :

1 ـ صراخ المظلوم والأبرار :

كصراخ شعب الله في العبودية " وَالآنَ هُوَذَا صُرَاخُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَتَى إِلَيَّ، وَرَأَيْتُ أَيْضًا الضِّيقَةَ الَّتِي يُضَايِقُهُمْ بِهَا الْمِصْرِيُّونَ، " ( خر 3 : 9 ) وهذا النوع من الصراخ يستدعي خلاص الله لشعبه ، فالمساكين والمظلومين لهم أذن صاغية لدي الرب " وَيَتَّكِلُ عَلَيْكَ الْعَارِفُونَ اسْمَكَ، لأَنَّكَ لَمْ تَتْرُكْ طَالِبِيكَ يَا رَبُّ..... لأَنَّهُ مُطَالِبٌ بِالدِّمَاءِ. ذَكَرَهُمْ. لَمْ يَنْسَ صُرَاخَ الْمَسَاكِينِ. " ( مز 9 : 10 ، 12 )

2 ـ صراخ الظالم والأشرار :

كسدوم وعمورة " وَقَالَ الرَّبُّ: «إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ، وَخَطِيَّتُهُمْ قَدْ عَظُمَتْ جِدًّا. " ( تك 18 : 20 ) فهذا النوع من الصراخ ما هو إلا ضوضاء فهي تستدعي قضاء الله علي مثل هؤلاء ، وكصراخ شعب مصر بسبب قضاء الله عليهم لعنادهم في عدم إطلاق شعب الله ليعبدوا الرب " وَيَكُونُ صُرَاخٌ عَظِيمٌ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ وَلاَ يَكُونُ مِثْلُهُ أَيْضًا. " ( خر 11 : 6 ) وكما في ( خر 12 : 30 ) " فَقَامَ فِرْعَوْنُ لَيْلاً هُوَ وَكُلُّ عَبِيدِهِ وَجَمِيعُ الْمِصْرِيِّينَ. وَكَانَ صُرَاخٌ عَظِيمٌ فِي مِصْرَ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْتٌ لَيْسَ فِيهِ مَيْتٌ. " فالظلم له صوت يسمعه الله والتعدي علي حقوق الغير له صوت يسمعه الله، كصراخ شعب فلسطين لسرقتهم تابوت الله " وَالنَّاسُ الَّذِينَ لَمْ يَمُوتُوا ضُرِبُوا بِالْبَوَاسِيرِ، فَصَعِدَ صُرَاخُ الْمَدِينَةِ إِلَى السَّمَاءِ. " ( 1صم 5 : 12 )

3 ـ صراخ المجيء بعد انتظار :

سيأتي يوم يسمع فيه صراخ فهو صراخ النهاية ، نهاية ظلم الأشرار ، وهو صراخ لبداية بداية حياة للأبرار ، سيأتي يوما فيه الرب ويُسمع فيه صوت صراخ " فَفِي نِصْفِ اللَّيْلِ صَارَ صُرَاخٌ: هُوَذَا الْعَرِيسُ مُقْبِلٌ، فَاخْرُجْنَ لِلِقَائِهِ! " ( مت 25 : 6 ) يأخذ المؤمنين الي بيت الأب وينهي كل صراخ يسمعه المؤمنين " وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ». " ( رؤ 21 : 4 ) ياله من وقت رائع وعظيم فيه نستريح من أصوات ضوضاء كثيرة ومتاعب الحياة .

-----------------------------------------------

الفصل التاسع عشر

التعزيات المعذبة والمساعدة المطرودة

فَلاَ تَزَالُ تَعْزِيَتِي وَابْتِهَاجِي فِي عَذَابٍ، لاَ يُشْفِقُ: أَنِّي لَمْ أَجْحَدْ كَلاَمَ الْقُدُّوسِ. مَا هِيَ قُوَّتِي حَتَّى أَنْتَظِرَ؟ وَمَا هِيَ نِهَايَتِي حَتَّى أُصَبِّرَ نَفْسِي؟ هَلْ قُوَّتِي قُوَّةُ الْحِجَارَةِ؟ هَلْ لَحْمِي نُحَاسٌ؟ أَلاَ إِنَّهُ لَيْسَتْ فِيَّ مَعُونَتِي، وَالْمُسَاعَدَةُ مَطْرُودَةٌ عَنِّي! ( أي 6 : 10 ـ 13 ) 

الإنسان دائما يريد أن يكون في أتم الصحة والعافية ، وفي تمام الهدوء النفسي ، فهو يسعي كي ينال كل ما هو لخيره سواء كان في المال أو في الذات ، عندما تطرأ علي الإنسان أمورا غير عادية تسلبه الفرحة والبهجة تجده يتحرك بصورة نفسية غير إرادية ليعلن رفضه لها ، فتبدأ تتغير ملامح وجهه ، ويتفوه ببعض الكلمات التي تعطي له نوع من التعويض الداخلي ليستطيع أن يستمر في الحياة لحين الخروج من الأزمة أو الضيقة ، وقف أيوب متحير أمام ضيقته ، فهو لا يعلم من أين أتت له ولماذا ؟! فقد قال : " لَمْ أَجْحَدْ كَلاَمَ الْقُدُّوسِ.  " لم ينكر كلام الله " فهو مؤمن بها ، ويبقي السؤال لماذا كل هذا ؟! . 

التعزية المعذبة : 

قالوا عن التعزية " التعزية هي التسلية والحث على الصبر بوعد الأجر ، والدعاء للميت والمصاب " هذا ما يستطيع الإنسان أن يقدمه ، فيطلب للمتألم الصبر . أو يدعوا الله له كي يخفف ألامه ، بكل تأكيد للمتألم فقط ، لأننا لا نؤمن بالدعاء للأموات ، فبعد الموت لا عمل ينفع ولا دعاء .

أما التعزية المعذبة كما في أيوب " فَلاَ تَزَالُ تَعْزِيَتِي وَابْتِهَاجِي فِي عَذَابٍ، " تأتي نتيجة الحيرة الموجود تجاه أمرين متناقضين ، الأولى هي الثقة في الله المحب ، والثانية في الألم والتجربة المريرة التي لا يعلم مصدرها ، فهل هي من الله المحب ؟ وان كانت منه وهو المحب فلماذا ؟ فعندما ينظر أيوب إلي حياته الماضية يجدها في كمال القصد الإلهي ، وعندما ينظر الي أولاده يجد دفئ المحبة التي كانت لهم ، وأنهم يختلفون عن أبناء الأمم الوثنيين ، فهم مقدسون بتقديم الذبائح لله القدير ، فلماذا ؟ وأين التعزية حيث أنني لست من حجارة " هَلْ قُوَّتِي قُوَّةُ الْحِجَارَةِ؟ هَلْ لَحْمِي نُحَاسٌ؟ "

الله لا يريدنا في حيرة من أمرنا أو من ما يصيبنا لأن العناية الإلهية ما زالت تعمل في كل نواحي حياتنا ، فنحن يجب أن لا نرتبط بمن حولنا ارتباط أبدي بل إن ارتباطنا ما هو إلا وقتي جداً ، فيجب أن نعيش الساعة التي نعيشها مع من حولنا لأنه في وقتٍ سينتهي أو سنفقده ، فممتلكاتنا ليست لنا بل ما هي إلا وسائل نعيش بها في هذه الحياة المؤقتة ، وأولادنا أيضا ليسوا ملكنا بل هم ملك أنفسهم وملك خالقهم ، وسيأتي اليوم الذي يفقد فيه أولاده أو زوجته أو زوجه أو أصدقائه ، فالتعلق بهم يدمر الحياة ويكونون وسائل في يد إبليس ليستخدمهم ضدنا ويستغل ظروف انتقالهم أو بعدهم عنا ، فيصيبنا بالتعزية المعذبة التي تثق في الله وفي نفس الوقت لا نمتلك الإجابة لماذا أخذ منا أولادنا أو زوجاتنا أو أصدقائنا ، فهم ليسوا لنا أو ملكنا ، لذلك يجب أن يكون ارتباطنا بالله وبأنفسنا فقط ، وعلاقاتنا بالآخرين ما هي إلا للتواصل ومساعدة بعضنا بعض . 

    عندما يدرك الإنسان هذا سيعيش في هذا العالم يخدم نفسه والآخرين ولا يسيطر ويتحكم في غيره لأنه لا يمتلكهم ، فأولاده ليسوا ملكاً للآباء والزوجات ليسوا ملكاً للأزواج وهكذا فالإنسان لا يمتلك في هذه الدنيا إلا نفسه وعليه أن يؤمن لها الأبدية ويسعي في العالم ليعيش حياة ميسرة لوقت النهاية .

كان ينظر أيوب لمن حوله بأن عليهم حقوق نحوه ، وهذه الحقوق نابعة من بعض المبادئ التي توجد في الإخوة والصداقة حتى وإن كان الصديق لم يخاف الله " حَقُّ الْمَحْزُونِ مَعْرُوفٌ مِنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ تَرَكَ خَشْيَةَ الْقَدِيرِ " ( أي 6 : 14 ) ففي كل الأحوال يعتبر منطق غير مقبول ، وهذا ما حدث فلم يقفوا معه لا الصديق ولا الأخ " أَمَّا إِخْوَانِي فَقَدْ غَدَرُوا مِثْلَ الْغَدِيرِ " ( أي 6 : 15 ) ليس لأن أيوب لم يخشي القدير ولكن لأنهم لم يكونوا في دائرة المشيئة الإلهية ، فهم مرسلون من إبليس ليستخدمهم لزعزعة إيمان أيوب ، فكان أيوب يدرك جيدا أنه لم يفعل شيئا يستحق عليه كل ما حدث ، فلماذا حدث كل هذا له ، لذلك يقول : " عَلِّمُونِي فَأَنَا أَسْكُتُ، وَفَهِّمُونِي فِي أَيِّ شَيْءٍ ضَلَلْتُ " ( أي 6 : 24 ) كانت التعزية التي يقدمونها أصدقائه بمثابة دائرة عذاب تزيده حيرة وتساءل طالبا منهم برهان عن كل ما يقولونه " مَا أَشَدَّ الْكَلاَمَ الْمُسْتَقِيمَ، وَأَمَّا التَّوْبِيخُ مِنْكُمْ فَعَلَى مَاذَا يُبَرْهِنُ؟ " ( أي 6 : 25 ) فمن الأمور الصعبة أن يجد الإنسان نفسه في ضيق مفاجئي ولا يجد من يسنده ، بل يجد كل من حوله لا يفهمون شيئاً ، ويملئون الجو ضجيجا وكلاماً يائساً " هَلْ تَحْسِبُونَ أَنْ تُوَبِّخُوا كَلِمَاتٍ، وَكَلاَمُ الْيَائِسِ لِلرِّيحِ؟‏ بَلْ تُلْقُونَ عَلَى الْيَتِيمِ، وَتَحْفُرُونَ حُفْرَةً لِصَاحِبِكُمْ " ( أي 6 : 27 ، 27 ) من ردود أيوب نري يد الله القديرة التي حفظت عقله ، فأستطاع أن يوبخ أصدقائه ، ويتمسك بكماله ، فقد كان يميز الأقوال التي قيلت له علي لسان أصدقائه ، وطلب منهم أن يرجعوا عن كل ما قالوه " وَالآنَ تَفَرَّسُوا فِيَّ، فَإِنِّي عَلَى وُجُوهِكُمْ لاَ أَكْذِبُ.‏٢٩اِرْجِعُوا. لاَ يَكُونَنَّ ظُلْمٌ. اِرْجِعُوا أَيْضًا. فِيهِ حَقِّي.‏٣٠هَلْ فِي لِسَانِي ظُلْمٌ، أَمْ حَنَكِي لاَ يُمَيِّزُ فَسَادًا؟‏ " ( أي 6 : 28 ـ 30 ) من اجل ذلك أناشد قارئي العزيز أن يستمر متمسك بكامله وقت التجربة ، فالكمال يقودك إلي بر الأمان ، فبعد كل كلمات أيوب وأصدقاءه تدخل الرب في الإصحاح الثامن والثلاثون ليصحح المفاهيم الخاطئة التي قيلت من الجميع ، ويمد يده ليمنع إبليس عن أيوب ، ويعوض لأيوب أضعاف ما سلب منه ، فيتفوه أيوب بكلماته الشهيرة التي تقول " قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ " ( أي 42 : 2 ) والكلمة الثانية " بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي " ( أي 42 : 5 ) فالمجد للرب لأنه لا يترك أولاده ويعود لينجيهم من يد العدو ، فتمسك بالرب وثق أنه قادر علي الرفعة والتعويض . 

 

---------------------------------------

 سفر ايوب

الكتاب الاول

 الكتابالثاني 

الكتاب الثالث 

 الكتاب الرابع 

الكتاب الخامس 

الكتاب السادس


مع كا مل تحياتي - الي ان نتقابل في الجزء الرابع بمشيىة الرب


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس