الحروب الروحية

 


الحروب الروحية

بقلم القس عماد عبد المسيح


الحروب الروحية تحتاج لمؤمنين أصحاب استنارة غير عادية ، ومعرفة كتابية جيدة ، لأن إبليس خداع وماكر وسياسي قديم ( مخدرم ) فإن لم يكون المؤمن من الفاهمين سيكون من الشاكين والمتزمرين ، فالحياة حرب إما منتصر أو مهزوم حتي في الحياة العملية الطبيعية تجد الإنسان في صراع مع أشياء كثيرة كـ لقمة العيش ، و كـ الإستقرار والحرية ، وكـ الحق والعدل و ...... الخ.  كل هذه مواضيع يعيشها الإنسان دائماً بصفة طبيعية لأنها طريقة حياة ، فنحن كمؤمنين لا نصارع من اجل لقمة العيش ولكننا نعلم أن الخير والرحمة يتبعاننا كل أيام حياتنا ، لذلك لا نُحارِب من أجل الطعام والعمل لأن الرب يهتم بنا وعينه علينا نهارا وليلاً .


الحروب النفسية :

  الحروب الروحية ليست فقط بين الشيطان والمؤمن بل هي أيضاً بين الروح والنفس ، فالنفس البشرية تركيبتها معقدة جداً ، ولأنه غير مدركها إدراكاً كاملاً تجده مُستغل بسببها من الناس ومن إبليس ، ففهم الإنسان نفسه جيداً يساعده علي الحياة الهادئة المطمئنة وبالتالي لا يتبقي له إلا نوع واحد من الحروب الروحية ألا وهي ما بين نفسه وإبليس .

  بني قورح يعبرون عن الإنحناء النفسي بقولهم : " لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟ وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ ارْتَجِي اللهَ، لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ، لأَجْلِ خَلاَصِ وَجْهِهِ. (مز ٤٢ : ٥) فالإنحناء النفسي ناتج من معاملات الأخرين معهم ، فإن لم يتفاهموا الواقع ويترجمونه جيداً سيعتريهم الهم أو الغم ويدخلون في دوامات نفسية سيئة قد تستمر معهم العمر كله ، فيتحولون من أشخاص أسوياء وقراء جيدين للأحداث لأشخاص شاكي متزمرين ناقمين علي الظروف والأحوال ، لذلك يِعودون مرة ثانية ويقولون " يَا إِلهِي، نَفْسِي مُنْحَنِيَةٌ فِيَّ، لِذلِكَ أَذْكُرُكَ مِنْ أَرْضِ الأُرْدُنِّ وَجِبَالِ حَرْمُونَ، مِنْ جَبَلِ مِصْعَرَ. (مز ٤٢ : ٦) فأرض الأردن بالنسبة لهم أرض الغربة ، وجبل حَرْمُونَ جبل مرتفع جدا ويُقال أنه هو جبل التجلي الذي تجلي فيه الرب بسوع وتغيرت هيئته ، هذا الجبل هو جبل الإرتفاع الذي يجب علي المؤمن أن يكون ثابت فيه ، نراه منحني ، وبجوار جبل حَرْمُونَ جبل أخر صغير يسمي جبل مِصْعَرَ ، وكأنه يريد أن يقول أن سبب انحنائي هو أنني من المكانة المرتفعة وحياة الإرتفاع ،تقع عيني لما هو اسفل ليس هذا فقط ولكنني موجود في الأردن أرض الغربة مرتفع روحيا ولكن سبب انحنائي أنظر لمكان منخفض ، فقد تكون في الإرتفاع وفي نفس الوقت نفسك منحنية لأنك تنظر للأركان المنخفضة فتحارب من خلالها ، لذلك لا تنظر لما هو ليس في مستواك .


  في العلاقات الروحية مع الرب تجد غمر من النكبات ينادي غمر اخر ليزيدك انحناءً " غَمْرٌ يُنَادِي غَمْرًا عِنْدَ صَوْتِ مَيَازِيبِكَ. كُلُّ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ طَمَتْ عَلَيَّ. (مز ٤٢ : ٧) فمع وجود الغمر لا تنظر للتيارات التي قد تشعر أنها عائق وفوق كاهلك ، فالرب لا يأتي بتيارات عاكسة للمساعدة الروحية ، فحياة عدم الفهم يقود للإنحناء وإتهام الرب بما لا يجب نسبه اليه ، لذلك حياة الصلاة والتسبيح للرب يفك الحياة الروحية " بِالنَّهَارِ يُوصِي الرَّبُّ رَحْمَتَهُ، وَبِاللَّيْلِ تَسْبِيحُهُ عِنْدِي صَلاَةٌ لإِلهِ حَيَاتِي. (مز ٤٢ : ٨) فحياة عدم الفهم للحروب الروحية يُشعِر المؤمن بأنه منسي " أَقُولُ ِللهِ صَخْرَتِي: "لِمَاذَا نَسِيتَنِي؟ لِمَاذَا أَذْهَبُ حَزِينًا مِنْ مُضَايَقَةِ الْعَدُوِّ؟ ". (مز ٤٢ : ٩) فالشعور بأن العدو له الفرصة الكاملة لمضايقتي يجعلني أنسب للرب ما هو علي خلاف الحقيقة فإنه شعور كاذب  


كي ترتفع فوق تيارات وغمر إبليس الذي من خلال الناس الذين يشعرون المؤمن بالظلم ، علي المؤمن أن يكون نهارا وليلا بجوار النبع الروحي " بِالنَّهَارِ يُوصِي الرَّبُّ رَحْمَتَهُ، وَبِاللَّيْلِ تَسْبِيحُهُ عِنْدِي صَلاَةٌ لإِلهِ حَيَاتِي. (مز ٤٢ : ٨) فالليل والنهار يكون المؤمن أمام الرب فتتحول دموعه الحزينة الي دموع مناجاة للرب فتصير للفرح والبهجة والنصرة ، وعندما ترواده أفكار تتلخص في اسئلة  " أَقُولُ ِللهِ صَخْرَتِي: "لِمَاذَا نَسِيتَنِي؟ لِمَاذَا أَذْهَبُ حَزِينًا مِنْ مُضَايَقَةِ الْعَدُوِّ؟ ". (مز ٤٢ : ٩) فلا يجب المؤمن نسيان أنه يوجه أسئلة لإله صخرته ، فالرب لا ينسي المؤمن إطلاقاً " إِنْ نَسِيتُكِ يَا أُورُشَلِيمُ، تَنْسَى يَمِينِي! (مز ١٣٧ : ٥) فالرب لا ينسي المؤمن إطلاقاً ، فما هي إلا مشاعر بعيدة عن الحقيقة الروحية ، فقد تنسي الأم اولادها ولكن الرب لا يمكن أن ينسي ابناءه " "هَلْ تَنْسَى الْمَرْأَةُ رَضِيعَهَا فَلاَ تَرْحَمَ ابْنَ بَطْنِهَا؟ حَتَّى هؤُلاَءِ يَنْسَيْنَ، وَأَنَا لاَ أَنْسَاكِ. (إش ٤٩ : ١٥) فالرب لا ولم ولن ينسي احداً علي الإطلاق مهما كان وبالأخص ابناءه وخدامه والفاعلين أمره ومشيئته 


 إن مناجاة النفس يقود الإنسان إلي روح المسكنة والإحساس بالظلم ، ولكن مناجاة الرب في وقت إيمان بأنه المخلص ورافع النفس من كل الاحاسيس السلبية والشعور بالظلم من الأخرين " لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟ وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ تَرَجَّيِاللهَ، لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ، خَلاَصَ وَجْهِي وَإِلهِي. (مز ٤٢ : ١١) هذا يجعل المؤمن مرتفعاً فوق كل الحروب الروحية التي يفعلها ابليس والنفوس المستغلة منه ، لذلك اخي الغالي لا تضع قلبك علي كل الكلام ، فقط اهتم بكلمة الرب علي حياتك فإنه شفاء وعلاج لنفسيتك .


 مصارعات الحياة : 

  كتبت في مقدمة الموضوع أن الإنسان في صراع مع لقمة العيش وإن كانت حقيقة ولكن مع المؤمنين الخير يتبعاننا ، " إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، وَأَسْكُنُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ إِلَى مَدَى الأَيَّامِ. (مز ٢٣ : ٦) لذلك لا يجب أن ننشغل بالحرب من أجل لقمة العيش فلا يجب أن تكون مشغولياتنا ، لأنها عندما تكون كذلك ستكون أول إهتمامات إبليس ليحاربنا فيها لننشغل عن الرب ، فالرب وعد أن لا ننشغل بما هو أرضي بل ننشغل بما هو سماوي " لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. (مت ٦ : ٣٣) فوعد الرب لنا هو في كل يوم بالبركة فهو مسدد الاحتياجات فسير أخي المؤمن وأنت في طريق الإستخدام لأن الرب متكفل بك دائما والي الأبد .


 مصارعات الناس : 

  يحيط بنا عدد ليس بقليل من البشر كالأخوة والأصدقاء والمعارف وغيرهم ... الخ. كل فرد من هؤلاء لهم أفكارهم وادمغتهم فيعاملوننا بحسب رؤيتهم هم ، لذلك يستخدمهم إبليس كيفما شاء وبالطريقة التي يراها مناسبه ، فكل البشر خطائين حتي الملائكة اخطأوا ، فهم بالمقارنة بالله ليسوا في الكمال المطلق والكمال في الملائكة يظهر في درجة الطاعة الكاملة لله ، أما بني البشر فأخطائهم تفوق الوصف ، لذلك إدراك إبليس لهذه الحقيقة واستغلالها في دفع البشر للسقوط المستمر يجعل فرص الحروب الروحة كثيرة ومتكررة ، فالطاعة لله يلزمها تواضع ومحبة مضحية وباذلة بعيدة عن دائرة الذات والأنا " كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ، لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ، (1بط ١ : ١٤) فطاعة الكلمة ونزع روح الكبرياء يعطي لنا فرص للنجاح والمجد الروحي.


  من الذات والأنا يصدر الكبرياء ومحبة النفس ، هنا مركز الصراعات التي تقود للتدخل الشيطاني والحروب الروحية ، فمركز الإنتصار يكمن في محبة الرب والطاعة لكلمته ، ومحبة القريب كالنفس " وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى. وَثَانِيَةٌ مِثْلُهَا هِيَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. لَيْسَ وَصِيَّةٌ أُخْرَى أَعْظَمَ مِنْ هَاتَيْنِ". (مر ١٢ : ٣٠ ، ٣١) إن تم هذا فلن يكون حروب روحية ولن تكون مصارعات .


  عمل إبليس الدائم يريد دمج المشاعر السلبية داخل حياتنا فلا نستطيع ان نفكر إلا في أنفسنا فقط ، فقد نفعل كما فعلت راحيل ، فقد نظرت لما في يد ليئة من أبناء وشعرت بأنها أقل منها ، فصارت في مصارعات حول الإنجاب " فَقَالَتْ رَاحِيلُ: "مُصَارَعَاتِ اللهِ قَدْ صَارَعْتُ أُخْتِي وَغَلَبْتُ". فَدَعَتِ اسْمَهُ "نَفْتَالِي". (تك ٣٠ : ٨) فالشعور السلبي بانها أقل منها وغير مُمَيّزة كليئة اختها جعلها في صراع مستمر ، هذا الصراع إستمر في حياة الشعب وصار كرمز لحياة الشعور الدائم بالإحتياج للبنين والخوف عليهم " " هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: صَوْتٌ سُمِعَ فِي الرَّامَةِ، نَوْحٌ، بُكَاءٌ مُرٌّ. رَاحِيلُ تَبْكِي عَلَى أَوْلاَدِهَا، وَتَأْبَى أَنْ تَتَعَزَّى عَنْ أَوْلاَدِهَا لأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ. (إر ٣١ : ١٥) لأن الحل ليس البكاء والنوح بل الرجاء " هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: امْنَعِي صَوْتَكِ عَنِ الْبُكَاءِ، وَعَيْنَيْكِ عَنِ الدُّمُوعِ، لأَنَّهُ يُوجَدُ جَزَاءٌ لِعَمَلِكِ، يَقُولُ الرَّبُّ. فَيَرْجِعُونَ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ. (إر ٣١ : ١٦) نعم يوجد رجاء ويوجد جزاء ورد المسلوب وتعويض الهي لكل مشاعرنا السلبية ، لذلك لا نعطي مكاناً للمشاعر السلبية التي قد تغرقنا في دوائر الذات والأنا ، فقط ليكن لنا رجاء لننال كل ما نريد نواله " وَيُوجَدُ رَجَاءٌ لآخِرَتِكِ، يَقُولُ الرَّبُّ. فَيَرْجعُ الأَبْنَاءُ إِلَى تُخُمِهِمْ. (إر ٣١ : ١٧) فلا نعطي مجال لتأصيل المشاعر السلبية الناتجة من تحليل للواقع ، بل لنرتمي في حضن الرب فنمتليئ رجاء وشفاء وشعور بالراحة والسلام فيرحل عنا إبليس "  فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. (أف ٦ : ١٢) هذه المصارعات تنتهي إن علمنا أن هدف إبليس هو اغراقنا في إمور الحياة فـ لنستيقظ ولا نجهل طرقه و أفكاره .


 إفهم اخيك : 

 عدم فهم بعضنا بعض كمؤمنين يفتح مجال واسع جداً لإبليس في تفتيت العمل الروحي والترابط المقدس سواء كان بين زوجين أو بين خدام الرب بالكنيسة أو بين الأسرة الواحدة ، سوء الفهم يعمل علي زراعة مشاعر الفشل والإحباط وعدم الرضا والغضب لأن هذا معناه روح الفشل ، والرب يناشدنا أن لا نفشل " فَلاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ. (غل ٦ : ٩) ربما ينتابك الإحساس بالفشل هذا أمر عادي جداً ولكن أن يتملكك فهذا غير طبيعي ، لذلك عندما تصاب بإحساس سلبي لا تتبناه ، ربما يسير معك فترة زمنية قد تطول لإسبوع ، فليكن هكذا وكفي لأن إسبوع مليئ بأحاسيس سلبية أمر خطير جداً ، قد يتأصل داخلك فلا تستطيع أن تفصله عنك ، فيتحول ويصير جزء منك ، لذلك إن إستطعت أن تنطفض منه سريعاً ، فتكون قد فعلت الصواب لأن " لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ. (2تيمو ١ : ٧) 


  فالخضوع والطاعة والمحبة من الأركان المريحة في العلاقات ، لأنهما مستوي ذهن عالٍ جداً " لِذلِكَ مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ صَاحِينَ، فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. (1بط ١ : ١٣) فعندما تتمنطق أذهاننا بـ الخضوع بعضنا لبعض والطاعة دون النظر لذواتنا والأنا والمحبة التي تُظهر طاعتنا وخضوعنا هنا نكون قد فعلنا مشيئة الله في حياتنا وجعلنا خدماتنا مثمرة ، فنكون مختلفين عن أهل العالم " كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ، لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ، (1بط ١ : ١٤) لان أهل العالم يسيرون بحسب شهواتهم وملزاتهم ورغائبهم الخاصة ، ضاربين بعرض الحائط كل ما هو ثمين وفي دائرة الروح ، اما نحن المؤمنين فنكون مختلفين في شهواتنا وفي كل سيرة " بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. (1بط ١ : ١٥) 


 اللوم والنقد والإدانة فيهما صراع وفقدان المسحة الروحية والشعور بالضيق والألم ، لأنهما يُوجهان سهم فعال علي دائرة النفس التي هي مفتاح التواصل الإجتماعي ، فالإنسان لا يري روح الاخر ولكنه يري التركيبة النفسية التي قد تعكس شيئاً عن روح الأخر أو لا يري إلا بعض العُقد النفسية التي يعكسها كل طرف علي الأخر ، في قلب كل إنسان مثالية للإمور ، فعندما يري الأخر يسير بعيداً عن هذه المثالية يبدأ ظهور اللوم والإدانة أو النقد ، لذلك يجب علينا أن نصلح حال الأخرين دون أن نشير بإصبعنا علي أوجاع أو أخطاء الأخرين ، لأنهم لن يفهمونا بل سينفعلون غضباً لأنهم شعروا بأن ميثاليتهم الخاصة التي يعيشون بها قد جُرحت ، وبالتالي ينفروننا أو يبتعدون عنا أو ننفرهم ونبتعد عنهم .


 لكل إنسان فكره الخاص في بساطة قلب أو في مكر ودهاء ، في الحالتين هو مجرد طريقة تفكير ، عندما نعلم أن من نتعامل معهم بسطاء وأصحاب قلوب بيضاء نقية فقرر عدم الإبتعاد عنهم مهما كانت أخطائهم ، لأنهم أولاً وأخيراً يتمنون الخير لنا حتي ولو علي حساب حياتهم الخاصة ، لذلك لا تعطي لإبليس مجال ليلعب بأفكارك مع مثل هؤلاء ، أما من تتعامل معهم وتجدهم في مكر ودهاء واستغلالهم لك ، عليك ان تبتعد من الإقتراب اليهم  او اختصارهم إن كانوا في دائرتك ، أما عن الخصام وترك خدمتك فهذا هو نجاح إبليس في حرب روحية علي ذهنك ، لذلك عليك ان تفصل بين اقوال وافعال الناس وبين خدمتك ورؤيتك لعمل الله كي لا تُحارب .


 سأل المسيح تلاميذه يوماً قائلاً لهم : " ... "مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا؟" (مر ٨ : ٢٧) فقالوا له : " فَأَجَابُوا:"يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ. وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا. وَآخَرُونَ: وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ". (مر ٨ : ٢٨) هنا لم يُبالي لأن التعبيرات التي تصفه وليست في المستوي لا يبالي بها ولا بقائلها ، لكنه اهتم بأفضل أقوال تصدر من تلاميذه " فَقَالَ لَهُمْ:"وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟" فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ:"أَنْتَ الْمَسِيحُ!" (مر ٨ : ٢٩) هذا يعطينا فهماً أن لا تتبني ما يُقال عنك أقل من الحقيقي ، بل إهتم بما يقال عنك ويكون في دائرة الحق ، مع مراعاة تصحيح الصورة داخلك وفي الأخرين علي قدر المستطاع لأنك لن تقدر أن تجعل صورتك واحدة في نظر الناس ، لأن كل شخص يراك بمنظوره هو ، فيوجد من رأي المسيح مجرد نبي ، وأخرين إيليا النبي عاد للحياة مرة أخري وو... لكن عليك أخي العزيز أن تدرك أنك يجب أن تكون فيما للرب وليس فيما للناس . 


 وقت المشاكل واستغلاله : 

 يقف العالم في مشاكله مع ثلاثة مستويات من طرق التفكير إذا تملكت الزمام دُمر كل شيئ وهما :

 ١ -  روح العبيد 

 ٢ -  روح الأحمق ( الغبي ) 

٣ -  روح الشنيعة ( المراة الكريهه ) 

" تَحْتَ ثَلاَثَةٍ تَضْطَرِبُ الأَرْضُ، ........ : تَحْتَ عَبْدٍ إِذَا مَلَكَ، وَأَحْمَقَ إِذَا شَبعَ خُبْزًا، تَحْتَ شَنِيعَةٍ إِذَا تَزَوَّجَتْ، وَأَمَةٍ إِذَا وَرَثَتْ سَيِّدَتَهَا. (أم ٣٠ : ٢١ - ٢٣) في مستوي العبيد ستري روح العبودية تعمل فلن يكون سوي في مستوي تفكيره ومعاملاته مع النفوس ولن يرتقي بمن ملك عليهم ، والأحمق لأنه غبي ستراه يفعل لأجل نفسه فقط ولن يفيد من حوله ، والمراة الشنيعة أي الكريهة ستجدها حاقدة علي من حولها ولن تكون كريمة ، الثلاث مستويات إن إجتمعوا في دلة دمروها ، وفي كنيسة افسدوها وفي عائلة شتتوها ، روح العبيد تختلف عن روح البنين ، فالأبناء لهم أسرار الملكوت ، أما العبيد فليس لهم ، لذلك ستري المؤمنون الروحانيون يصطدمون بكل من هو جسداني له روح العبيد أو الغباء أو الشنيعة  أو الثلاثة معاً ، ابتعد عن مثل هؤلاء لانهم لن يفيدوك كثيراً إلا إذا تتلمذوا وقبلوا التغيير .


البشر في كل العالم لديهم مشاكل كثيرة ، كأفراد في الأسرة وكأفراد في العمل أو في أماكن السكن ، هذه المشاكل تؤثر علي الحالة النفسية للإنسان فتجعله قلق متوتر  ، هذا يجعل مستوي ذهنه في حالة من التشويش وبالتالي يصعب عليه التركيز في معظم الجوانب الإجتماعية والروحية أيضاً ، وهنا يتدخل إبليس مستغلاً هذا ليضع المؤمن في دائرة من الغم والضيق والافكار السلبية فيتحول عن الخدمة والعمل الإلهي ، لذلك كن سريع البديهه لتستطيع أن تخرج سريعاً من هذه الدائرة لتواصل خدمتك .


  للخروح سريعاً من دائرة القلق والمشاكل ليس بحلها أو تجاهلها بل بتغيير طريقة التفكير فيها ، والذي لا تستطيع تغييره اليوم عليك تجاهله لفترة لحين ظهور جديد فيه ، هذا بجانب أمر مهم جداً وهو الإقتراب للرب وترك همك ومشاكلك لديه " فِي ضِيقِي دَعَوْتُ الرَّبَّ، وَإِلَى إِلهِي صَرَخْتُ، فَسَمِعَ مِنْ هَيْكَلِهِ صَوْتِي، وَصُرَاخِي قُدَّامَهُ دَخَلَ أُذُنَيْهِ. (مز ١٨ : ٦) فالإيمان بأنه سمع الصلاة والصراخ يساعد كثيراً في إزالة الكرب والهم سريعاً فتشعر بالرحب والوسع "   أَخْرَجَنِي إِلَى الرُّحْبِ. خَلَّصَنِي لأَنَّهُ سُرَّ بِي. (مز ١٨ : ١٩) الرحب ليس المكان الفسيح بل الإتساع في دائرة النفسْ ، فلا تشعر بضيق الصدور ولا بخنقة نّفس لأن " مَعَ الرَّحِيمِ تَكُونُ رَحِيمًا. مَعَ الرَّجُلِ الْكَامِلِ تَكُونُ كَامِلاً. (مز ١٨ : ٢٥) فالخط الإلهي هو أن يكون رفيق لك في كل ظروفك مهما كانت احوالك ، فقط إتكل عليه وثق بأنه قادر علي تغير مسار الأحداث من أجل رفعتك ومن أجل سلامتك .


 الهدوء والسلام  هو الهدف الإلهي للنفس البشرية ، فالرب لايريدنا في أي نوع من أنواع الصراعات ، ولكن لأنه يوجد بعض من هم في كبرياء أنفسهم فتجد الصراعات قائمة فقد كان التلاميذ هكذا يوماً "  وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ أَيْضًا مُشَاجَرَةٌ مَنْ مِنْهُمْ يُظَنُّ أَنَّهُ يَكُونُ أَكْبَرَ. (لو ٢٢ : ٢٤) لذلك كانوا يحتاجون للتقويم والتعليم ، وهذا ما فعله المسيح " وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَيْسَ هكَذَا، بَلِ الْكَبِيرُ فِيكُمْ لِيَكُنْ كَالأَصْغَرِ، وَالْمُتَقَدِّمُ كَالْخَادِمِ. (لو ٢٢ : ٢٦) فعندما نتحلي بروح الخدمة وتقديم الأخر ليكون الأفضل ستنتهي الصراعات ولا يكون مجال للحروب الروحية ، لذلك فلتعلم أن الرب يريد السلام لأولاده " سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ. (يو ١٤ : ٢٧) فليكن شعار حياتك السلام والهدوء الداخلي والإبتعاد عن أماكن الصراعات فتتمتع بحياة هادئة مطمئنة .


 التجربة المباشرة : 

  تجربة المسيح من إبليس فريدة من نوعها ولن تُكرر لأن المسيح أُصعد من الروح اي أنه أُعطيت الفرصة كاملة لإبليس "  ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. (مت ٤ : ١) هذه كانت قيادة من الروح القدس ليمنح إبليس أعظم فرصة لن تتكرر في حياته مرة ثانية ، أصعد يسوع ليجرب كونه أدم الأخير " هكَذَا مَكْتُوبٌ أَيْضًا:"صَارَ آدَمُ، الإِنْسَانُ الأَوَّلُ، نَفْسًا حَيَّةً، وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحًا مُحْيِيًا". (1كو ١٥ : ٤٥) فأدم الأول جرب وسقط في التجربة وطرد من الجنة وسقط معه كل الجنس البشري " مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ. (رو ٥ : ١٢) فمن خلال ادم الأول جُلب الخطية والموت للعالم بسبب سقوطه في التجربة الشيطانية ، لكن في المسيح صارة الحياة من نصيب كل من يقبله مخلص ويؤمن به ، لذلك جُرب يسوع من إبليس ولم يقدر إبليس علي هذيمته .


  عندما يحدث حرب روحية مباشرة علي حياة خادم امين للرب ، يجب أن يُدرك أن ترك إبليس له ترك مؤقت وإنه سيُتوج بنخبة ملائكية للمعونة والخدمة "  ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ. (مت ٤ : ١١) ليس الأمر فقد مرتبط بالمسيح كونه متجسداً بل هو لكل اولاد الرب الامناء ، لانهم أرواح خادمة لكل المؤمنين " أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!. (عب ١ : ١٤) فخدمتهم متاحة لنا نحن في هذه الأيام فعندما تقدم خدمة لله مرتبطة بالمشيئة ستجدهم حولك وبكثافة ، وعندما تخرج من تجربة أنت منتصر فيها ستجدهم حولك للتشجيع ( Encouragement ) والمساندة ، حتي وإن لم تشعر بهم فهم موجودون .


 وقف دانيال يطلب طلب مرتبط بمشيئة الرب فجاءت الملائكة لتقدم الرد من الله ، فتحركت الجيوش السمائية جبرائيل وميخائيل ضد مادي وفارس الجيوش الإبليسية لتحقيق طلبة دانيال ( دا ١٠ ) فعندما تتقدم في خدمة السيد له كل المجد ستجد تحركات شيطانية يوازيها أو يفوقها تحركات ملائكية للمساندة ( Support ) والرفعة .


 إبليس وزراعة الأفكار : 

 يقف إبليس دائما ليكون المعطل للمشيئة والعمل الإلهي ، لذلك تجده لا يعمل علي ضياع الوقت ، فهو مُستّثمِر كل وقت لخدمة أغراضه الدنيئة لتعطيل عمل الله في حياتنا ، لان إبليس يزرع وسط المؤمنين زوان ليضمن استمرارية مقاومته للعمل الإلهي  " وَالْعَدُوُّ الَّذِي زَرَعَهُ هُوَ إِبْلِيسُ. وَالْحَصَادُ هُوَ انْقِضَاءُ الْعَالَمِ. وَالْحَصَّادُونَ هُمُ الْمَلاَئِكَةُ. (مت ١٣ : ٣٩) فلن تستطيع أخي المؤمن أن تنزع الزوان من حولك لأن في نزعه قد يدمر أخرين من الحنطة ، فنموهما معاً سيكون ليوم النهاية ، فقط لتكن أفكار قلبك بحسب مشيئة الرب ليوم الحصاد الأخير لتنال مجد من الرب " دَعُوهُمَا يَنْمِيَانِ كِلاَهُمَا مَعًا إِلَى الْحَصَادِ، وَفِي وَقْتِ الْحَصَادِ أَقُولُ لِلْحَصَّادِينَ: اجْمَعُوا أَوَّلاً الزَّوَانَ وَاحْزِمُوهُ حُزَمًا لِيُحْرَقَ، وَأَمَّا الْحِنْطَةَ فَاجْمَعُوهَا إِلَى مَخْزَني". (مت ١٣ : ٣٠) يوم الحصاد هو اليوم الفارق ( difference )  في حياة الجميع ، حتي أفكار القلوب سنحاسب عليها ، فكل فكر لم نهدمه سيُخسرنا الكثير في الأبدية فلنهدم ونستأسر افكارنا كي لا تأسرنا " هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ، (2كو ١٠ : ٥) فليس فقط الزوان هم النفوس التي لها شكل الإيمان في وسط جماعة الرب ، بل أيضاً كل فكر داخلنا لا يرتبط بفكر الرب فهو زواناً وإبليس له فيه شيئاً يتحرك من خلاله تجاهنا ليدمرنا أو يستخدمنا في تدمير غيرنا ، لذلك فلنطرد كل أفكار داخلنا وننقيه ( purification ) جيداً لنكون في سلام كامل بلا هم أو غم أو مثل ذلك . 


 زراعة الأفكار قد تأتي من داخلك وقد يزرعها أخرون فيك ، لذلك ما عليك إلا أن ترفض كل فكر قد يقودك لمنطقة مظلمة ، ليس غريباً أن ينتابك أفكاراً من حين لأخر ( عادي - natural ) لكن أن تتبني الأفكار وتصير واقع مترجم في حياتك فهذا الغير عادي ويجب أن تتأكد من كل فكر هل يناسب مرحلة حياتي أم يعيق ، هذا كي لا تكون الأفكار سبب تغيير جذري ليس في صالح حياتي .


 وقف إيليا النبي أمام رسالة أرسلتها إمرأة " فَأَرْسَلَتْ إِيزَابَلُ رَسُولاً إِلَى إِيلِيَّا تَقُولُ: "هكَذَا تَفْعَلُ الآلِهَةُ وَهكَذَا تَزِيدُ، إِنْ لَمْ أَجْعَلْ نَفْسَكَ كَنَفْسِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَحْوِ هذَا الْوَقْتِ غَدًا". (1مل ١٩ : ٢)  إنها مجرد رسالة مع رسول ، الرسالة تحمل فكرة وهي ستموت غداً ، كلمة تبناها إيليا جعلته  " ثُمَّ سَارَ فِي الْبَرِّيَّةِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، حَتَّى أَتَى وَجَلَسَ تَحْتَ رَتَمَةٍ وَطَلَبَ الْمَوْتَ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ: "قَدْ كَفَى الآنَ يَا رَبُّ. خُذْ نَفْسِي لأَنِّي لَسْتُ خَيْرًا مِنْ آبَائِي". (1مل ١٩ : ٤)   عندما تبني فكرة وتأصلت في حياته ، وطلب الموت لنفسه وإنهاء خدمته علي الأرض ، كانت النتيجة أن الرب استجاب له وجعله يمسح اليشع نيابة عنه "  ..... وَامْسَحْ أَلِيشَعَ بْنَ شَافَاطَ مِنْ آبَلَ مَحُولَةَ نَبِيًّا عِوَضًا عَنْكَ. (1مل ١٩ : ١٦) لماذا كل هذا ؟ إنها حرب ، فقد تكون عملاقاً وصاحب قامة روحية وتهزمك فكرة إن تبنتها لذلك عليك صنع ( برفكشن - purification - تنقية ) لكل أفكارك فتنتصر وتستمر خدمتك للنهاية التي بحسب فكر الله .


 الحروب الروحية والسهر : 

  حياة السهر والإستيقاظ من أهم ما يميز المؤمنين الغالبين والفاهمين عن غيرهم من المؤمنين الذين لا يبالون بمعرفة الحق الكتابي ، يعلمنا الرب ان يكون في سهر مستمر لإننا لا نعلم ميعاد مجيئ المسيح " "اِسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ. (مت ٢٤ : ٤٢) فالسهر ليس من أجل الإنتصار في الحرب الروحية فقط بل من أجل الإستعداد الدائم لمجيئ المسيح ، فالسهر الروحي يعمل دائماً علي رفع كل روح حزن او ضيق و إكتئاب " فَقَالَ لَهُمْ:"نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي". (مت ٢٦ : ٣٨) فليس الهدف رفع الحزن بل حياة الإستعداد الدائم الذي يعمل علي رفع كل ما هو سلبي في حياتنا ، لذلك لا تسعي لرفع أحزانك بل تواجد دائماً في أماكن الخدمة والحضور الإلهي والإستخدام ستكون في رفعة القدير ومجد المسيح وتُحفظ من التجارب الشيطانية " اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ". (مت ٢٦ : ٤١) 

                        

  حياة السهر ليس في الليل فقط بل هي حياة مستمرة من الصحو الروحي في الصباح الباكر وفي نصف الليل وفي المساء وفي الصباح " اِسْهَرُوا إِذًا، لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَأْتِي رَبُّ الْبَيْتِ، أَمَسَاءً، أَمْ نِصْفَ اللَّيْلِ، أَمْ صِيَاحَ الدِّيكِ، أَمْ صَبَاحًا. (مر ١٣ : ٣٥) فهي حياة الإستعداد الدائم ، لذلك يلخصها الرب في كلمة واحدة إذ يقول " وَمَا أَقُولُهُ لَكُمْ أَقُولُهُ لِلْجَمِيعِ: اسْهَرُوا". (مر ١٣ : ٣٧) كلمة اسهروا في الإنحليزية ( Watch ) وتعني ( راقب ) وتأتي في اليوناني ( γρηγορεύω - جرايجوريو - grēgoreuō ) وتعني ( اليقظة ) هذا هو حال المؤمنين الذي يجب ان يكونوا فيه .


 حياة السهر واليقظة الروحية تمنح المؤمن فرصة للنجاة من الضيقة التي تكلم عنها الرب "  اِسْهَرُوا إِذًا وَتَضَرَّعُوا فِي كُلِّ حِينٍ، لِكَيْ تُحْسَبُوا أَهْلاً لِلنَّجَاةِ مِنْ جَمِيعِ هذَا الْمُزْمِعِ أَنْ يَكُونَ، وَتَقِفُوا قُدَّامَ ابْنِ الإِنْسَانِ". (لو ٢١ : ٣٦) فكن يقظ اخي المؤمن ، فحياة القظة الروحية هي حياة المعرفة القوية لكلمة الرب وبدونها لا نجاة " اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. (1بط ٥ : ٨) إبتلاع إبليس للمؤمنين يكمن في زراعة الأفكار والتعاليم المغلوطة والغير كتابية ، كلمة يَبْتَلِعُهُ ( devour ) وتعني يفترس ( καταπίνω ) وتنطق ( katapinō - كاتابينو ) وتعني ( التهام - ابتلاع ) هذا هو هدف إبليس من الحروب الروحية وهي بحث شيطاني للإنفراد بمؤمن منعزل عن إخوته لإفتراسه ، فإن كنت تريد أن تكون في الحفظ والبركة الروحية لا تنفصل عن إخوتك المؤمنين مهما كانت الأحوال .


 تعلية الأسوار حفظ وحماية : 

  مؤمن بلا اسوار عُرضة لوجود الدم في بيته أو في حياته " إِذَا بَنَيْتَ بَيْتًا جَدِيدًا، فَاعْمَلْ حَائِطًا لِسَطْحِكَ لِئَلاَّ تَجْلِبَ دَمًا عَلَى بَيْتِكَ إِذَا سَقَطَ عَنْهُ سَاقِطٌ. (تث ٢٢ : ٨) فالحياة الروحية ليست منفردة  بل هي حياة الشركة والتواصل ، لذلك يحتاج دائماً لتعلية الأسوار لئلا يسقط ساقط فُيُحسب دماً علي صاحب البيت ، فالاسور الروحية العالية هي التعليم العالي المرتفع الذي يصنع حماية لمتبنيه فبدون التعليم يصير الخادم او القسيس او الكاهن كالبيت الذي بلا أسوار عندما يتسلقه إنسان يكون عرضة للكسر أو للموت ، فالخادم ليس فقط مجرد مؤمن عادي بل من خلاله يعرف الكثيرون الرب ويتبعونه في خطواتهم ، فإن لم يكن متعلماً الكلمة وله حياة القداسة والسلوك المرضي فيكون كالبيت الذي بلا أسوار 


  الأسوار العالية التي للحماية ليست فقط هي التعليم الكتابية بل أيضاً الطاعة للكلمة المقدسة ، فالتعليم الذي بلا طاعة يصنع بيتاً هشاً يسهُل إختراقه من العدو ويسهل هزيمة من فيه ، فعندما سار عخان ابن كرمي في طريق العصيان وعدم الطاعة كانت النتيجة انهزام وسقوط " فَقَالَ الرَّبُّ لِيَشُوعَ: "قُمْ! لِمَاذَا أَنْتَ سَاقِطٌ عَلَى وَجْهِكَ؟ (يش ٧ : ١٠) فسقوط يشوع علي وجهه علامة الإنكسار ومرارة النفس ، فأظهر الرب ليشوع مقدار الخيانة وكسر العهد لذلك كانت النتيجة كسرة للجميع من الخائن عخان الي القائد يشوع " قَدْ أَخْطَأَ إِسْرَائِيلُ، بَلْ تَعَدَّوْا عَهْدِي الَّذِي أَمَرْتُهُمْ بِهِ، بَلْ أَخَذُوا مِنَ الْحَرَامِ، بَلْ سَرَقُوا، بَلْ أَنْكَرُوا، بَلْ وَضَعُوا فِي أَمْتِعَتِهِمْ. (يش ٧ : ١١) البيت ككل ( الكنيسة - الأسرة .... الخ ) يحتاج لمعرفة الكلمة وطاعتها ليكونوا في الحماية 


مسئولية الإنسان في أن يكون تحت التعليم الكتابي والطاعة لها تجعله في حماية الرب ، أيضاً الرب الهنا إله عظيم لا يريد اولاده في حالة السقوط بل يريدهم في كامل القوة والرفعة " اَلرَّبُّ حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ. (مز ١٤٥ : ٨) فالرحمة والحنان أبواب لكل مؤمن ساقط فيرفعه ويعضده لأن الإنسان عمل يديه والفداء صناعته لكل من يؤمن لذلك يقدم الرحمة والحنان " الرَّبُّ صَالِحٌ لِلْكُلِّ، وَمَرَاحِمُهُ عَلَى كُلِّ أَعْمَالِهِ. (مز ١٤٥ : ٩) فعندما تجد الرب يتعامل مع الساقط ليرفعه لا تتعجب لأن الرحمة والحنان أبواب تعمل دائماً من اجل هؤلاء " اَلرَّبُّ عَاضِدٌ كُلَّ السَّاقِطِينَ، وَمُقَوِّمٌ كُلَّ الْمُنْحَنِينَ. (مز ١٤٥ : ١٤) هذا هو العمل الإلهي الخاص جدا لكل مؤمن ، فالإهتمام والرعاية التي من الرب هما الملجأ الأساسي لكل مؤمن " أَعْيُنُ الْكُلِّ إِيَّاكَ تَتَرَجَّى، وَأَنْتَ تُعْطِيهِمْ طَعَامَهُمْ فِي حِينِهِ. (مز ١٤٥ : ١٥) فإن كانت للإنسان مسئولية فللرب أيضاً الرعاية والإهتمام كأب يرعي اولاده وقريب منهم " الرَّبُّ قَرِيبٌ لِكُلِّ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ، الَّذِينَ يَدْعُونَهُ بِالْحَقِّ. (مز ١٤٥ : ١٨) لذلك لا تخف عندما تشعر بانك سقطت ، فقم وإبدأ من جديد لأن الرب الهك موجود لرفعتك ولمعونتك ولتقل " لاَ تَشْمَتِي بِي يَا عَدُوَّتِي، إِذَا سَقَطْتُ أَقُومُ. إِذَا جَلَسْتُ فِي الظُّلْمَةِ فَالرَّبُّ نُورٌ لِي. (مي ٧ : ٨)


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس