القضاء الإلهي

 


القضاء الإلهي


بقلم القس عماد عبد المسيح 


موضوع القضاء الالهي من المواضيع الهامة التي يجب أن تدرس بجدية واهتمام بالغين ، لأن القضاء الالهي يعمل مع دائرة الحكمة الالهية ، لفهم الموضوع جيدا يجب أولاً دراسة الموضوعات الاتية : 

 -  حكمة مشيئة ارادة الله

 -  مستوي السياج الالهي

 -  الأزمنة والأوقات 

عندما يعمل القضاء لالهي يُرفع السياج الالهي  لأن السياج الالهي يعمل وسط أجواء الأزمنة الإلهية التي هي داخل حكمة الله لتحقيق المشيئة الألهية ولتتميم ارادة الله ،   ويعمل من أجل الحق الالهي ، القضاء الإلهي يعمل من أجل تنظيف الأزمنة لإلهية التي في حياة شعب الرب وللنقاء مستخدماً ثلاث طرق وهم : 

 - روح القضاء 

-  روح الإحراق 

-  وعصا القضاء

الحكمة الإلهية تحتوي كل العالم ماضي حاضر مستقبل ، ومن خلالها يصنع الله لنفسه أزمنة الهية ، فالزمن الإلهي في داخله كل معاملات الله مع البشر ، للمؤمنين الأقوياء بركات وتعويضات ورحمة وللضعفاء تأديب،  أما للأشرار فدمار وهلاك وموت ، ولن يحدث هذا إلا من خلال القضاء الإلهي مستخدماً الثلاث طرق سالفة الذكر فعندما يحدث وسط شعب الله أو في العالم نفوس لا تسير في الحق الالهي ويصعد صوت الشر الي الله يبدأ القضاء الإلهي بالعمل مستخدماً روح القضاء وروح الإحراق " إِذَا غَسَلَ السَّيِّدُ قَذَرَ بَنَاتِ صِهْيَوْنَ، وَنَقَّى دَمَ أُورُشَلِيمَ مِنْ وَسَطِهَا بِرُوحِ الْقَضَاءِ وَبِرُوحِ الإِحْرَاقِ،)  إش ٤ : ٤ ( 


 روح القضاء وروح الإحراق : 

  قد يدمرا مدينة كسدوم وعمورة " فأمْطَرَ الرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتًا وَنَارًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ ( تك ١٩ : ٢٤ ( وقد يباركا شعب كيوم الخمسين " وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ  ) أع ٢ : ٣ ( وكالنار التي ظهرت لموسي في البرية من أجل تحرير شعب الرب من العبودية  "وَلَمَّا كَمِلَتْ أَرْبَعُونَ سَنَةً، ظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ فِي بَرِّيَّةِ جَبَلِ سِينَاءَ فِي لَهِيبِ نَارِ عُلَّيْقَةٍ ( أع ٧ : ٣٠  ( فالنار هي روح قضاء جاءت علي مصر أيام موسي ولتحرير شعب مستعبد .


 عصا القضاء الإلهي : 

 تستخدم عصا القضاء الإلهي للتأديب والتقويم من خلال الحروب " وَيَكُونُ كُلُّ مُرُورِ عَصَا الْقَضَاءِ الَّتِي يُنْزِلُهَا الرَّبُّ عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ وَالْعِيدَانِ. وَبِحُرُوبٍ ثَائِرَةٍ يُحَارِبُهُ ) إشعياء ٣٠ : ٣٢  ( في نفس وقت عصا القضاء الالهي يكون علي أنغام الدفوف والأعواد أي أنه توجد رحمة لمن تحت العصا اذا فهم فكر الله ورجع عن طرقه الردية . 

  ليكن في علم كل إنسان أن الله عادل في كل طرقه ولا يرتضي بالظلم "  فَحَقًّا إِنَّ اللهَ لاَ يَفْعَلُ سُوءًا، وَالْقَدِيرَ لاَ يُعَوِّجُ الْقَضَاء  ) أيوب ٣٤ : ١٢ (لذلك من خلال كلمة الله سندرك أن الله لا يُقدَّم القضاء عن الرحمة بل نراه يذكر الرحمة اولاً ويمنح الفرص للبركة والنجاة والرحمة " الْعَدْلُ وَالْحَقُّ قَاعِدَةُ كُرْسِيِّكَ. الرَّحْمَةُ وَالأَمَانَةُ تَتَقَدَّمَانِ أَمَامَ وَجْهِكَ  ( مز ٨٩ : ١٤ ( لأنه اله رحيم طويل الروح وكثير الرحمة .


 التحركات القضائية : 

لله تحركات قضائية مرتبطة بالأزمنة والتوقيتات الإلهية ، فلكل أمة أزمنة خاصة ولكل شخص زمن الهي ولكل العالم زمن أيضاً ، فالله يتحرك في العالم من خلال أزمنه خاصة  ) راجع دراسة الأزمنة الالهية ( فلأجل تحقيق مشيئته وإرادته يصنع الله لنفسه توقيت الهي وزمن الهي يتحرك فيه ، ولكل زمن الهي رجال يصنع بهم الله أزمنته ، وعلي باقي شعب الرب فهم التحركات الالهية والعيش بموجبها فلا يدخلوا تحت طائل القضاء الالهي ، لأن القضاء الالهي يتحرك من أجل تطبيق العدل والحق ، إما للإنصاف والتبرئة والبركة أو لتطبيق القصاص والنقمة 


 القصاص الالهي : 

القصاص قانون من قوانين القضاء الالهي يُستخدم لإعلان العدل الالهي في عالم مليئ بالمتناقضات وعدم الخضوع لكلمة الله ، وهو مخصص لكل مستهزئ ولكل مستبيح  " اَلْقِصَاصُ مُعَدٌّ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ، وَالضَّرْبُ لِظَهْرِ الْجُهَّالِ. ( أم ١٩ : ٢٩ )  فالقصاص قسم من أقسام القضاء الإلهي ، فيوجد من يعيش في خطية أو شر ويدخل في نتيجة طبيعية لحكمة الله في معاملته بالقضاء الالهي ويتذمر " لِمَاذَا يَشْتَكِي الإِنْسَانُ الْحَيُّ، الرَّجُلُ مِنْ قِصَاصِ خَطَايَاهُ؟ ) مرا ٣ : ٣٩(  فرحمة الله ترافق الإنسان لفترة زمنية ( زمن الهي ( ولكن إن لم يفتدي الإنسان الوقت ويتوب سيأتي زمن القصاص الالهي أو القضاء الالهي كما فعل في سدوم وعمورة " وَقَدْ صَارَ عِقَابُ بِنْتِ شَعْبِي أَعْظَمَ مِنْ قِصَاصِ خَطِيَّةِ سَدُومَ الَّتِي انْقَلَبَتْ كَأَنَّهُ فِي لَحْظَةٍ، وَلَمْ تُلْقَ عَلَيْهَا أَيَادٍ ( مرا ٤ : ٦ )  ايضاً العالم نفسه له زمن الهي للخلاص وسياتي اليوم الذي فيه يُستهلك رصيد الرحمة المخصص للعالم في بمرور الوقت ويدخل العالم تحت القضاء الإلهي والقصاص " وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا يَقُولُهُ النَّامُوسُ فَهُوَ يُكَلِّمُ بِهِ الَّذِينَ فِي النَّامُوسِ، لِكَيْ يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ، وَيَصِيرَ كُلُّ الْعَالَمِ تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ اللهِ ( رو ٣ : ١٩)  لذلك اتي المسيح ليعلن زمن رحمة ولكن مازال العالم تحت روح العناد والرفض لكل عمل الهي . 


 الإنتقام الالهي ( النقمة ) : 

يتحرك الله نحو بني البشر من خلال حكمته الالهية طالباً الخلاص لكل فرد ، ولكن الطبيعة الفاسدة التي في الخاطي تجعله يظلم أو يفعل الشر والإثم ، ولا يقدم توبة ورجوع لله فيدخل تحت النقمة " لِيَ النَّقْمَةُ وَالْجَزَاءُ. فِي وَقْتٍ تَزِلُّ أَقْدَامُهُمْ. إِنَّ يَوْمَ هَلاَكِهِمْ قَرِيبٌ وَالْمُهَيَّآتُ لَهُمْ مُسْرِعَةٌ. ( تث ٣٢ : ٣٥ )  فالنقمة هي الرد السريع علي التعدي والظلم الصادر من إنسان أو هيئة أو منظمة أو شعب أو .... الخ .

 سيأتي يوم المعصرة الالهية علي العالم في وقت النهاية وفيها سيستخدم الرب روح النقمة " لأَنَّ يَوْمَ النَّقْمَةِ فِي قَلْبِي، وَسَنَةَ مَفْدِيِّيَّ قَدْ أَتَتْ)  إش ٦٣ : ٤ )  لذلك يحتاج العالم أن يُسرع خطواته نحو الإيمان بالمسيح والإبتعاد عن الظلم والفساد لأن يوم الإنتقام قريب  ، ويوم الإنتقام لا يكون علي الأبرار بل سيكون علي الأشرار من أجل الأبرار ، لأن الشرير في العالم أكل حق البار لذلك يوجد وقت لرد الحقوق وتفعيل روح القضاء " قُولُوا لِخَائِفِي الْقُلُوبِ: "تَشَدَّدُوا لاَ تَخَافُوا. هُوَذَا إِلهُكُمُ. الانْتِقَامُ يَأْتِي. جِزَاءُ اللهِ. هُوَ يَأْتِي وَيُخَلِّصُكُمْ ) إش ٣٥ : ٤ ( ففي الزمن الالهي المخصص للقضاء الالهي وتفعيل قسم الإنتقام سيلبس الله الادوات المستخدمة لإعلان الحق كدرع البر وخوذة الخلاص وثوب الانتقام ورظاء الغيرة  " فَلَبِسَ الْبِرَّ كَدِرْعٍ، وَخُوذَةَ الْخَلاَصِ عَلَى رَأْسِهِ. وَلَبِسَ ثِيَابَ الانْتِقَامِ كَلِبَاسٍ، وَاكْتَسَى بِالْغَيْرَةِ كَرِدَاءٍ ) إش ٥٩ : ١٧ ( فدرع البر ليعلن في عالم الروح انه لن يظلم وخوذة الخلاص لأنه منقذ المظلوم ليخلصه وثياب الانتقام لرد الحق الواجب اتخاذه تجاه المخطئ العنيد الغير تائب ، والغيرة لأعلان الأسباب التي جعلت القضاء الإلهي يعمل ويدخل في جدول الزمن الألهي .  


 لا تنتقموا : 

 اخي المؤمن لا تنتقم لنفسك ) لا تصنع القصاص بنفسك ( بل اتجه نحو القنوات الشرعية التي تعلن فيها الظلم الواقع عليك ، فالقنوات الشرعية هي القضاء الذي في العالم و القضاء الإلهي ، لأن الرب هو المُنصف والقاضي العادل ولن يترك المظلوم الصارخ له "  لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ:"لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ ) رو ١٢ : ١٩ ( فليبارك الرب شعبه.

 

 القضاء يُحمل من بيت الرب :  

  كان رئيس الكهنة يحمل في صدرة القضاء اسماء اسباط بني اسرائيل عند دخوله قدس الأقداس لا ليكون رأشاً علي شعب الرب بل ليكون خادم من أجل الشعب أمام الرب  " فَيَحْمِلُ هَارُونُ أَسْمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي صُدْرَةِ الْقَضَاءِ عَلَى قَلْبِهِ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْقُدْسِ لِلتَّذْكَارِ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا  ) الخروج ٢٨ : ٢٩ ( وهذا ما يريده الرب من كل كاهن او قسيس او خادم أو أسقف أن يحمل اسماء شعب الرب أمام الرب ، فهو من أجلهم وليس فوقهم .

كان الكاهن يلبس أمام الرب صدرة القضاء ليذكر الرب دائماً بأن يَنصِف ويُنقذ شعب الرب من كل المظالم ويخلصهم من اعدائهم ، وأيضاً ليأخذ من الرب النواميس والفروض ليخبر بها شعبه ، فحمل القضاء الالهي أمام الرب مسئولية وتكليف ولا يجب التخلي عنه " حَسَبَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي يُعَلِّمُونَكَ وَالْقَضَاءِ الَّذِي يَقُولُونَهُ لَكَ تَعْمَلُ. لاَ تَحِدْ عَنِ الأَمْرِ الَّذِي يُخْبِرُونَكَ بِهِ يَمِينًا أَوْ شِمَالاً ) تث ١٧ : ١١ ( فالتخلي عن التكليف والمسئولية يجعل شعب الرب مُتَعثِر ، فحمل القضاء يجب أن يكون علي القلب " وَتَجْعَلُ فِي صُدْرَةِ الْقَضَاءِ الأُورِيمَ وَالتُّمِّيمَ لِتَكُونَ عَلَى قَلْبِ هَارُونَ عِنْدَ دُخُولِهِ أَمَامَ الرَّبِّ. فَيَحْمِلُ هَارُونُ قَضَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى قَلْبِهِ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا  ( الخروج ٢٨ : ٣٠ )  لذلك يقول الرسول بطرس : 


أن القضاء من بيت الله 

أي أن الحق والعدل يبدأ من بيت الله " لأَنَّهُ الْوَقْتُ لابْتِدَاءِ الْقَضَاءِ مِنْ بَيْتِ اللهِ. فَإِنْ كَانَ أَوَّلاً مِنَّا، فَمَا هِيَ نِهَايَةُ الَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ اللهِ؟ ) بطرس الاولى ٤ : ١٧ ( فإن كان شعب الرب ليس بحسب المشيئة الالهية فلن تستقيم الحياة الروحية وستتعطل الكرازة وتفقد الكنيسة هيبتها ، فلكي يخرج القضاء من بيت الله يجب أن يرتفع صوت الإيمان والمعرفة الكتابية والسلوك المقدس ، فيصير النجاح والقوة والإستمرارية دائماً من نصيب أفرادها ويغنوا قائلين " كُلُّ آلَةٍ صُوِّرَتْ ضِدَّكِ لاَ تَنْجَحُ، وَكُلُّ لِسَانٍ يَقُومُ عَلَيْكِ فِي الْقَضَاءِ تَحْكُمِينَ عَلَيْهِ. هذَا هُوَ مِيرَاثُ عَبِيدِ الرَّبِّ وَبِرُّهُمْ مِنْ عِنْدِي، يَقُولُ الرَّبُّ. ( إشعياء ٥٤ : ١٧ ) 


 القضاء والقضاة : 

يوجد روح القضاء الذي يرافق القضاة في كل العالم " وَرُوحَ الْقَضَاءِ لِلْجَالِسِ لِلْقَضَاءِ، وَبَأْسًا لِلَّذِينَ يَرُدُّونَ الْحَرْبَ إِلَى الْبَابِ)   إشعياء ٢٨ : ٦ ) فكل القضايا التي يصل أصحابها للحق والعدل كان يتحرك فيها روح القضاء ، هذا لأن القضية كانت في يد قاضي عادل " لاَ تَرْتَكِبُوا جَوْرًا فِي الْقَضَاءِ. لاَ تَأْخُذُوا بِوَجْهِ مِسْكِينٍ وَلاَ تَحْتَرِمْ وَجْهَ كَبِيرٍ. بِالْعَدْلِ تَحْكُمُ لِقَرِيبِكَ ) اللاويين ١٩ : ١٥ ( فروح القضاء يعمل مع كل قاضي يراعي ضميره وله مبادئ وينصف المظلوم مهما كانت مكانته.

  ليس فقط روح القضاء يعمل مع القضاة ولكنه أيضاً يعمل مع كل مسئول يتواصل مع شعب يحتاج لإنصاف وله حقوق ، كالقضاة و الكهنة والرؤساء وغيرهم من المسئولين "إِذَا عَسِرَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فِي الْقَضَاءِ بَيْنَ دَمٍ وَدَمٍ، أَوْ بَيْنَ دَعْوَى وَدَعْوَى، أَوْ بَيْنَ ضَرْبَةٍ وَضَرْبَةٍ مِنْ أُمُورِ الْخُصُومَاتِ فِي أَبْوَابِكَ، فَقُمْ وَاصْعَدْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ، وَاذْهَبْ إِلَى الْكَهَنَةِ اللاَّوِيِّينَ وَإِلَى الْقَاضِي الَّذِي يَكُونُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، وَاسْأَلْ فَيُخْبِرُوكَ بِأَمْرِ الْقَضَاءِ ) التثنية ١٧ : ٨ ، ٩ ( فكل مسئول في مسئولية تجاه من حولهم يفعلون ما يفعلونة ليس لذواتهم بل للرب ، فمن يخدم نفسه بمستوي مسئوليته فقد عوج القضاء " وَقَالَ لِلْقُضَاةِ: "انْظُرُوا مَا أَنْتُمْ فَاعِلُونَ، لأَنَّكُمْ لاَ تَقْضُونَ لِلإِنْسَانِ بَلْ لِلرَّبِّ، وَهُوَ مَعَكُمْ فِي أَمْرِ الْقَضَاءِ ( ٢اخ  ١٩ : ٦ ) لذلك أناشد كل مسئول في مكانه أن يراعي شيئاً واحداً " أنك لست فوق من حولك بل خادم للرب من أجلهم ، وليس لك حق استغلال نفوذك لخدمة نفسك علي حساب الأخرين "  


إن راعي الكاهن أو القسيس الناس وخدمهم بأمانه فهو خادم حقيقي للرب ، هكذا القاضي والرئيس وكل مسئول في المجتمعات الدينية والإجتماعية ، لأن الفاهمون والعارفون بالحقيقة ويتوانون ولا ينصفون سريعاً رغم وضوح الحقيقة ، فهم يجعلون روح القضاء يتحول بعيداً ويحل محله روح الشر الناتج من الإحساس بالظلم " لأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْعَمَلِ الرَّدِيءِ لاَ يُجْرَى سَرِيعًا، فَلِذلِكَ قَدِ امْتَلأَ قَلْبُ بَنِي الْبَشَرِ فِيهِمْ لِفَعْلِ الشَّر ) الجامعة ٨ : ١١ ( فعندما تجد روح تمرد علي من شعر بالظلم وعدم الإنصاف رغم أن الحق ظاهر وكان في استطلعة المسئولين انصاف المظلوم وتوانوا أو تجاهلوا لأجل المحسوبيات ، فهنا يغيب روح القضاء ويحل محله أرواح الشر ، لذلك أصلي أن يكون لروح القضاء وقت ومكانة ليتفعل وسط عالم مليئ بالأنتهازية ومحبة النفس .


القضاء فوق من كان أو يكون:  

القضاء في العالم قد يكون منصف ونزيه وقد يكون ظالم لأن " نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ اللهِ، وَالْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ ( 1يو ٥ : ١٩  ) وعلي الرغم من هذا فالقانون العام سواء طبق أو لم يطبق ، أن القضاء فوق من كان أو يكون " لاَ تَنْظُرُوا إِلَى الْوُجُوهِ فِي الْقَضَاءِ. لِلصَّغِيرِ كَالْكَبِيرِ تَسْمَعُونَ. لاَ تَهَابُوا وَجْهَ إِنْسَانٍ لأَنَّ الْقَضَاءَ ِللهِ. وَالأَمْرُ الَّذِي يَعْسُرُ عَلَيْكُمْ تُقَدِّمُونَهُ إِلَيَّ لأَسْمَعَهُ ( تث ١ : ١٧ ( فهذا المبدأ يصنع العدالة والعدل ، أما إن دخل الفساد فستجد الرشوة ووجودها يجعل الظلم فارد اجنحته بلا منازع " لاَ تُحَرِّفِ الْقَضَاءَ، وَلاَ تَنْظُرْ إِلَى الْوُجُوهِ، وَلاَ تَأْخُذْ رَشْوَةً لأَنَّ الرَّشْوَةَ تُعْمِي أَعْيُنَ الْحُكَمَاءِ وَتُعَوِّجُ كَلاَمَ الصِّدِّيقِين ( تث ١٦ : ١٩ ) فلا تتعجب إن رأيت ظلماً فهذا معناه أن رائحة الرشوة في المجتمع قد افسدته .


 القضاء والتوبة : 

 اما القضاء الإلهي فلا ينفع فيه رشوة أو شيئاً من هذا ، بل التوبة والرجوع الي الله ترفع القضاء الإلهي عن الإنسان ، صدر من قضاء الله علي العالم بالهلاك أيام نوح وتم تنفيذ الأمر لعدم التوبة والرجوع الي الله " فَقَالَ اللهُ لِنُوحٍ: "نِهَايَةُ كُلِّ بَشَرٍ قَدْ أَتَتْ أَمَامِي، لأَنَّ الأَرْضَ امْتَلأَتْ ظُلْمًا مِنْهُمْ. فَهَا أَنَا مُهْلِكُهُمْ مَعَ الأَرْضِ ( تك ٦ : ١٣ )


 القضاء والخضوع : 

 حدث هذا أيضاًفي سدوم وعمورة فلم يتوبا فتحرك القضاء الالهي بروح الإحراق وأهلكه  " لأَنَّنَا مُهْلِكَانِ هذَا الْمَكَانَ، إِذْ قَدْ عَظُمَ صُرَاخُهُمْ أَمَامَ الرَّبِّ، فَأَرْسَلَنَا الرَّبُّ لِنُهْلِكَهُ ) تك ١٩ : ١٣ ( ولان الخطية تعمي صاحبها وتمنحه العناد فلم يخضعوا لصوت التحذير والنجاة  " فَخَرَجَ لُوطٌ وَكَلَّمَ أَصْهَارَهُ الآخِذِينَ بَنَاتِهِ وَقَالَ: "قُومُوا اخْرُجُوا مِنْ هذَا الْمَكَانِ، لأَنَّ الرَّبَّ مُهْلِكٌ الْمَدِينَةَ". فَكَانَ كَمَازِحٍ فِي أَعْيُنِ أَصْهَارِهِ ( تك ١٩ : ١٤ ( فالخضوع لله يمنح الإنسان فرص للنجاة من القضاء الإلهي 


 القضاء والذبيحة : 

الذي كان يعمل مع موسي لإخراج الشعب من العبودية هو روح القضاء الإلهي ، فجاءت الضربات التسعة علي مصر دون ان يتحرك قلب فرعون ، ولكن في ضربة الهلاك والموت ترك الشعب ليخرج من مصر " فَإِنَّ الرَّبَّ يَجْتَازُ لِيَضْرِبَ الْمِصْرِيِّينَ. فَحِينَ يَرَى الدَّمَ عَلَى الْعَتَبَةِ الْعُلْيَا وَالْقَائِمَتَيْنِ يَعْبُرُ الرَّبُّ عَنِ الْبَابِ وَلاَ يَدَعُ الْمُهْلِكَ يَدْخُلُ بُيُوتَكُمْ لِيَضْرِبَ ) خر ١٢ : ٢٣ ( فتحركات الرب بروح القضاء أمراً حتمي لصنع المشيئة الإلهية ، من يُعيق العمل الإلهي سواء عن قصد أو عن غباء فليعلم ان روح القضاء سيتفاعل ولن ينقذ الإنسان إلا الرجوع والتوبة والخضوع للرب وتقديم الذبيحة للتكفير .


 القضاء والتحركات البشرية : 

  عندما يكون الشر صوته مرتفع والخطية صارخة أمام الرب ويغيب روح التوبة والخضوع لله يتحرك القضاء الالهي كما رأينا ، إما بروح الإحراق كسدوم وعمورة ، أو بروح الهلاك كأيام نوح وكما في أض مصر أو بالعصا فتتحرك الشعوب للحروب والدمار والقتل بريح الهلاك " هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا أُوقِظُ عَلَى بَابِلَ وَعَلَى السَّاكِنِينَ فِي وَسْطِ الْقَائِمِينَ عَلَيَّ رِيحًا مُهْلِكَةً ..... لأَنَّ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا لَيْسَا بِمَقْطُوعَيْنِ عَنْ إِلهِهِمَا، عَنْ رَبِّ الْجُنُودِ، وَإِنْ تَكُنْ أَرْضُهُمَا مَلآنَةً إِثْمًا عَلَى قُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ ) إر ٥١ : ١ ، ٥ ( لذلك لا تتعجب عندما تري تحركات بشرية تجاه بعض النفوس الشريرة لإهلاكهم لأن الشرير مهما إن طال به الأمد سيأتي يوما ويسقط الي البوار والفناء " إِنَّهُ لِيَوْمِ الْبَوَارِ يُمْسَكُ الشِّرِّيرُ. لِيَوْمِ السَّخَطِ يُقَادُونَ ) أي ٢١ : ٣  (وهذا أيضاً ما رأه اساف عن الأشرار فقال :  " حَقًّا فِي مَزَالِقَ جَعَلْتَهُمْ. أَسْقَطْتَهُمْ إِلَى الْبَوَارِ ) مز ٧٣ : ١٨( هذا لأن العدل الإلهي يعمل بكل قوة ودون محاباة 


 القضاء يُفعل بسبب العلاقات الغير سليمة : 

العلاقات الغير سليمة تفتح في الأجواء الروحية مجموعة من القيود والأرواح الشريرة التي تجعل لعالم الروح من الملائكة تحركات مكثفة للحفظ والحماية ، ولكن الإستمرار في توطيد العلاقات يجعل المؤمن يبتعد عن مصادر الشبع الروحي وتكثر الأخطاء والعيوب فيتحرك القضاء بالعصا الالهية ، كإفرايم الذي ارتضي أن يسمع وصايا الناس المضادة للحق الكتابي " أَفْرَايِمُ مَظْلُومٌ مَسْحُوقُ الْقَضَاءِ، لأَنَّهُ ارْتَضَى أَنْ يَمْضِيَ وَرَاءَ الْوَصِيَّةِ. لَقَدْ لَحِقَ الضِّيقُ بِإِسْرَائِيلَ، وَسَحَقَهُ الْقَضَاءُ لأَنَّهُ وَطَّدَ الْعَزْمَ عَلَى الْغَوَايَةِ وَرَاءَ الأَوْثَانِ ( هوشع ٥ : ١١  (


 التحركات الالهية التي ضد أرواح الشر تجعل المؤمن المشترك في علاقات غير سوية يلحقه الخسارة كما حدث مع لوط ، فقد وطد العلاقات مع أهل سدوم وعمورة فخسر زوجته وممتلكاته ، حتي انه خسر أداب بناته في علاقاتهم مع أبيهم ، فقد كان يمتلك أغناما وأبقاراً " وَلُوطٌ السَّائِرُ مَعَ أَبْرَامَ، كَانَ لَهُ أَيْضًا غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَخِيَامٌ ) تك ١٣ : ٥ ( أين ذهب كل هذا بعدما أعلن القضاء الإلهي علي سدوم الهلاك بروح الإحراق ، لم يذكر الكتاب أن لوط خرج ومعه شيئاً لأن الملاكان أخرجاه بعجلة " وَلَمَّا تَوَانَى، أَمْسَكَ الرَّجُلاَنِ بِيَدِهِ وَبِيَدِ امْرَأَتِهِ وَبِيَدِ ابْنَتَيْهِ، لِشَفَقَةِ الرَّبِّ عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَاهُ وَوَضَعَاهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ ) تك ١٩ : ١٦ (لذلك اناشد المؤمنين أن يختاروا أماكن تواجدهم علي قدر المستطاع أو أن ينفصلا عن المشاركة في الأعمال الغير مثمرة للحياة الأبدية في علاقات غير سوية ، لأن هذا يفتح خسارة علي المؤمن في وقت القضاء الإلهي .


 ليس فقط الإبتعاد عن الأشرار الذين يدفعونا أكثر من مرة لمشاركتهم فيما يفعلون بل أيضاً عن بعض المؤمنين الذين يسيرون بمناهج ليست بحسب مشيئة الله لأن " خَطَايَا بَعْضِ النَّاسِ وَاضِحَةٌ تَتَقَدَّمُ إِلَى الْقَضَاءِ، وَأَمَّا الْبَعْضُ فَتَتْبَعُهُمْ. كَذلِكَ أَيْضًا الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَاضِحَةٌ، وَالَّتِي هِيَ خِلاَفُ ذلِكَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى. ) تي ٥ : ٢٤ ، ٢٥ ) وفي ترجمة كتاب الحياة تقول " مِنَ النَّاسِ مَنْ تَكُونُ خَطَايَاهُمْ وَاضِحَةً قَبْلَ الْمُحَاكَمَةِ؛ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا تَظْهَرُ خَطَايَاهُمْ إِلَّا بَعْدَ الْمُحَاكَمَةِ. وَقِيَاساً عَلَى ذلِكَ، فَإِنَّ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ تَكُونُ وَاضِحَةً مُسْبَقاً؛ وَالأَعْمَالَ الَّتِي لَيْسَتْ بِصَالِحَةٍ، لَا يُمْكِنُ أَنْ تَظَلَّ مَخْفِيَّةً. " فمن أعمالهم تستطيع أن تكتشف مستوي وجودك في وسطهم ، فليكن لك شعار " .... اهْرُبْ لِحَيَاتِكَ.....  ( تك ١٩ : ١٧)  لأن القانون الالهي يجب أن يكون نصب أعيننا دائماً وهو " لاَ تَضِلُّوا: "فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ ( 1كو ١٥ : ٣٣ ( 


 التمسك بالرب يحمي من القضاء : 

  بكاء الملك يوشياء من أجل غضب الله علي شعب الرب جعل الله يهتم به ويضمه لأبائه دون أن يري ما سيحدث لشعب الرب ، قد لا نستطيع أن نغير القضاء الإلهي علي أمة لسبب شرها ، لكننا نستطيع أن ننال حماية أو معونة الهية كي لا نري قضاء الله علي أمة نحبها ، ليس هذا معناه أن الله سينهي الحياة قبل أوانها ، بل سيؤجل القضاء لحين إنتقال المؤمن الباكي من أجل شعب الرب "  هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا جَالِبٌ شَرًّا عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ وَعَلَى سُكَّانِهِ، كُلَّ كَلاَمِ السِّفْرِ الَّذِي قَرَأَهُ مَلِكُ يَهُوذَا، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ تَرَكُونِي وَأَوْقَدُوا لآلِهَةٍ أُخْرَى لِكَيْ يُغِيظُونِي بِكُلِّ عَمَلِ أَيْدِيهِمْ، فَيَشْتَعِلُ غَضَبِي عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ وَلاَ يَنْطَفِئُ. وَأَمَّا مَلِكُ يَهُوذَا الَّذِي أَرْسَلَكُمْ لِتَسْأَلُوا الرَّبَّ، فَهكَذَا تَقُولُونَ لَهُ: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ مِنْ جِهَةِ الْكَلاَمِ الَّذِي سَمِعْتَ: مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ رَقَّ قَلْبُكَ وَتَوَاضَعْتَ أَمَامَ الرَّبِّ حِينَ سَمِعْتَ مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ وَعَلَى سُكَّانِهِ أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ دَهَشًا وَلَعْنَةً، وَمَزَّقْتَ ثِيَابَكَ وَبَكَيْتَ أَمَامِي. قَدْ سَمِعْتُ أَنَا أَيْضًا، يَقُولُ الرَّبُّ. لِذلِكَ هأَنَذَا أَضُمُّكَ إِلَى آبَائِكَ، فَتُضَمُّ إِلَى قَبْرِكَ بِسَلاَمٍ، وَلاَ تَرَى عَيْنَاكَ كُلَّ الشَّرِّ الَّذِي أَنَا جَالِبُهُ عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ". فَرَدُّوا عَلَى الْمَلِكِ جَوَابًا ( 2مل ٢٢ : ١٦  ٢٠  ( فالشعب الذي يترك الرب ينال من القضاء الالهي نصيباً ، لذلك يجب علي المؤمنون أن يكونوا في سلوك مقدس مدي الحياة ، ولهم حياة التولة المستمرة فعندا يأتي وقت الظلام يكونوا هم في نور ، لأن الرب ينظر بعينه الثاقبة ويكافئ الجميع " لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً ........  زَمْجَرَتْ عَلَيْهِ الأَشْبَالُ. أَطْلَقَتْ صَوْتَهَا وَجَعَلَتْ أَرْضَهُ خَرِبَةً. أُحْرِقَتْ مُدُنُهُ فَلاَ سَاكِن ( إر ٢ : ١٣ – ١٥ ( هذا القضاء الالهي ليس انتقاماً لكنه نتيجة للشر والبعد عن الله ، فهو ليس بظالم فللشر نهاية اليمة وكل من يسير فيه ينال من القضاء الألهي جانب ، فنزع الحماية والسياج كفيل لدخول كل أنواع الدمار والهلاك والموت ، اما السير في طريق الرب والتمسك بمبادئه يعطي للمؤمن الحق في الحماية والحفظ والرعاية الخاصة من اله السماء 

 

 الكمال والحماية  : 

 الكمال يتطلب السير بحسب كلمة الله ، لا يوجد كمال بدون قوانين ترسم ملامحه ، فقد وضع الله القوانين الإلهية لمن يبتغي الكمال " طُوبَى لِلْكَامِلِينَ طَرِيقًا، السَّالِكِينَ فِي شَرِيعَةِ الرَّبِّ ( مز ١١٩ : ١  ( بدون المفهوم الخاص بكلمة الله لا يصير كمالاً وبالتالي ستجد يد الله تعمل من خلال القضاء الإلهي ، وقد تجد يد إبليس مجرِباً ومحارِباً  أو قد تجد يد البشر متداخلة بطريقة تجعل دائرة حياتك ليست بحسب مشيئة الله ، وتشعر بأنك في دائرة لا تنتهي وحالة استنذاف في جميع النواحي ، لذلك ما عليك إلا أن تبحث عن الدوائر الكاملة الغلق سواء في العلاقات أو في الحياة الروحية ، فقد كان المسيح في دوائر مغلقة ، فعند تحركاته كان يسير ومعه التلاميذ المرافقين له نهاراً وليلاً ، لذلك تري محاولة انفراد إبليس به كانت معدومة ، وعندما أراد أن يصل اليه جاءه من خلال بطرس عندما قال له " فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ قَائِلاً:"حَاشَاكَ يَارَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا ( مت ١٦ : ٢٢ ( ولكن المسيح عرفه فانتهره وقال له " فَالْتَفَتَ وَقَالَ لِبُطْرُسَ:"اذْهَبْ عَنِّي يَاشَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا للهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ )  مت ١٦ : ٢٣ ( فالدوائر المغلقة تجعل تدخلات إبليس في الحياة قليلة ومتوقعة .


  عندما يبتعد المؤمن عن المؤمنين وعن كلمة الله ، يشعر بوحدته فيبدأ إبليس بالتحرك تجاهه من خلال الذهن والأفكار النابعة من الداخل كما فعل مع إيليا عندما قال : " فَقَالَ: "قَدْ غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ، لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ، وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَا( 1مل ١٩ : ١٠ ( ولكن كان صوت الرب له " وَقَدْ أَبْقَيْتُ فِي إِسْرَائِيلَ سَبْعَةَ آلاَفٍ، كُلَّ الرُّكَبِ الَّتِي لَمْ تَجْثُ لِلْبَعْلِ وَكُلَّ فَمٍ لَمْ يُقَبِّلْهُ ( 1مل ١٩ : ١٨ ( 


 يحتاح المؤمن دائماً أن يغلق كل دوائر حياته في العلاقات وفي الحياة الخاصة فالأصوات الخارجة بروح إزابل يجب أن تطرد من حياتنا ولا نتبناها لئلا تصير سبب ثغرة روحية لكسر دوائر الكمال في حياتنا وتكون مفتوحة لكل ظنون ولكل فكرة عابرة سبيل ، فكلمة الله والمواعيد الكتابية قادرة علي هدم كل الحصون والظنون التي في حياتنا " إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بَلْ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ. هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ، وَمُسْتَعِدِّينَ لأَنْ نَنْتَقِمَ عَلَى كُلِّ عِصْيَانٍ، مَتَى كَمِلَتْ طَاعَتُكُمْ ( ٢كو ١٠ : ٤ - ٦  ( 


  الكمال في الطاعة مقياسها كلمة الله وهنا نكون قادرون علي غلق الدوائر في العلاقات والأذهان ، لأن كلمة الله هي القادرة علي فعل هذا لأنها تجدد أذهاننا فنختبر قوة الله " وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ ( رو ١٢ : ٢ ( وهذا يجعل المؤمن صاحب ذهن مستنير " مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ، ) أف ١ : ١٨ ( فلتغلق دوائر حياتك لتشعر بالكمال .  


هذا ليس معناة ان نكون منغلقين علي أنفسنا بل أن نكون في علاقات مع الجميع " إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ ( رو ١٢ : ١٨ ( ولكن علينا أن لا نكون في إنفتاح كامل فنعرض كل ما لنا وكل ما نفكر فيه للإخرين دون حساب ، لأننا بهذا نكون قد فتحنا ثغرات لعالم الروح بالتدخل دون مانع ، فإبليس يعلم جيدا أن الكنيسة لا تنمو وسط جيل غير كامل كمال بحسب قلب الله ، لذلك يحاول بكل جهد ونشاط نشر البذور النفسية و الذاتية ، فيتعاملون بعضهم مع بعض بنفسية غير سوية " أَيُّهَا الإِخْوَةُ، لاَ تَكُونُوا أَوْلاَدًا فِي أَذْهَانِكُمْ، بَلْ كُونُوا أَوْلاَدًا فِي الشَّرِّ، وَأَمَّا فِي الأَذْهَانِ فَكُونُوا كَامِلِينَ ( 1كو 14 : 20 ) 


 وقف داود في تواصل مع شاول الملك عندما إحتاج الأمر لذلك وانتصر علي جليات عندما قال  " فَقَالَ دَاوُدُ لِلْفِلِسْطِينِيِّ: "أَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ بِسَيْفٍ وَبِرُمْحٍ وَبِتُرْسٍ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ بِاسْمِ رَبِّ الْجُنُودِ إِلهِ صُفُوفِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ عَيَّرْتَهُمْ ( 1صم ١٧ : ٤٥ ( وبدأت بعدها عداوة بين شاول وداود لأنه شعر بزوال المملكة منه " فَأَشْرَعَ شَاوُلُ الرُّمْحَ وَقَالَ: "أَضْرِبُ دَاوُدَ حَتَّى إِلَى الْحَائِطِ". فَتَحَوَّلَ دَاوُدُ مِنْ أَمَامِهِ مَرَّتَيْنِ ( 1صم ١٨ : ١١ ( وبكل اختصار هرب داود من أمام شاول الي البرية ، خرج من دائرة شاول وارتبط برجال أخرين لهم نفس اقتناعاته وخاضعين له ، فصنع لنفسه دائرة كاملة بعيدة عن دائرة شاول " فَذَهَبَ دَاوُدُ مِنْ هُنَاكَ وَنَجَا إِلَى مَغَارَةِ عَدُلاَّمَ. فَلَمَّا سَمِعَ إِخْوَتُهُ وَجَمِيعُ بَيْتِ أَبِيهِ نَزَلُوا إِلَيْهِ إِلَى هُنَاكَ. وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ كُلُّ رَجُل مُتَضَايِق، وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَكُلُّ رَجُل مُرِّ النَّفْسِ، فَكَانَ عَلَيْهِمْ رَئِيسًا. وَكَانَ مَعَهُ نَحْوُ أَرْبَعِ مِئَةِ رَجُل ( 1صم ٢٢ : ١ ،  2 ) فالإبتعاد عن مصادر الشر أمر مهم جداً لحياة الكمال وغلق دوائر يجب أن تغلق .


 الكمال في الفكر الواحد : 

  عندما تغيب مبادئ كلمة الله من أشخاص يجب علينا تركهم لأنهم سيكونون استغلاليين ومتعبين لدوائرنا وحياتنا ، ليس هذا معناة السلبية بل المواجهه بحكمة القادر علي التغيير ، أما إن كان التيار الشرير أعلي فمن الحمة هو الإبتعاد عن دوائر الشر مهما كانت التكلفة أو الخسائر ، لأن الفكر الواحد يجمعنا من خلال الإيمان بالمبادئ الكتابية ، من يختلف علي مبادئ كلمة الله عندما تقول : " لا تزني " " لا تشتم " " لا تقتل " " لا تحلف " " حب قريبك كنفسك " " أكرم أباك وأمك .. " ...الخ. فمبادئ الله هي التي تجمع أولاد الله معاً ، والحيدان عنها تفرقهم ، فعندا أقرار الإبتعاد عن بعض الناس الذين صاروا في حيدان عن كلمة الله والمبادئ الكتابية بعد محاولة اصلاح دون جدوي ، فيكون فرار الإنفصال أو الإبتعاد هو الحل الأمثل لمثل هذه الحالات " وَلكِنَّنِي أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَقُولُوا جَمِيعُكُمْ قَوْلاً وَاحِدًا، وَلاَ يَكُونَ بَيْنَكُمُ انْشِقَاقَاتٌ، بَلْ كُونُوا كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ، ( ١كو ١ : ١٠  ( ولأنه يوجد من هو بعيد عن المحبة الحقيقية فيصنع خصاماً ويصير أصل مرارة ، فما علينا إلا أن نكون بعيدين لا عن خصام وغضب بل بكل محبة وسلام  " وَعَلَى جَمِيعِ هذِهِ الْبَسُوا الْمَحَبَّةَ الَّتِي هِيَ رِبَاطُ الْكَمَالِ ( كو ٣ : ١٤  ( فليساعدنا الرب انصنع لأنفسنا دوائر روحية كاملة مع نفوس لها قلب الرب وحياة الخدمة الحقيقية .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس