بطريرك العهد القديم وفوبيا الخوف
بطريرك العهد القديم وفوبيا الخوف
بقلم القس عماد عبد المسيح
ومعنى أبرام [الأب الرفيع] أو [الأب المكرم] ومعنى إبراهيم [أبو رهام] أي [أَبُو جُمْهُورٍ] (تك١٧: ٥) تزوج من ساراي وكانت أخته بنت أبيه وليست بنت أمه كما نعرف ذلك من ( تك٢٠: ١٢ ) لن أتكلم عن حياة أبونا إبراهيم بالتفصيل لآن هذا ليس موضوعنا ، إن أردت قراءة قصة حياة إبراهيم كما وردت في سفر التكوين اقرأ هذه الشواهد ( ١١ - ٢٥ ) ولكنني سأتناول بعض المواقف المرتبطة بشخصيته وسلوكه لتحليلها نفسياً لنكتشف ما هي المشاكل النفسية التي كانت تواجه أبونا إبراهيم ، وكيف تغلب عليها؟ .
شروع في قتل :
لأبونا إبراهيم مواقف رائعة نتعلم منها الكثير والكثير فعندما كبر إسحاق أراد الرب أن يمتحن إبراهيم فأمره بأن يذهب إلى أرض المُريا ويصعد ابنه محرقة هناك. وإذ كان على وشك تقديمه ذبيحة ناداه ملاك الرب قائلا " لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئا " فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبشٌ وراءه ممسكا في الغابة بقرنيه فأخذ إبراهيم الكبش وأصعده محرقة عوضا عن ابنه وبعد ذلك ذهبا معا إلى بئر سبع (تك٢٢: ١-١٩) انه موقف من المواقف لا يستطيع إنسان أن يفعل مثل هذا الأمر اليوم ليس فقط لأن المجتمع يجرم مثل هذا فيعتبره شروع في قتل ولكن أيضاً لآن رؤية إبراهيم لله ومعاملته معه رؤيا خاصة ومعاملة خاصة فلكل إنسان تقي يبحث عن الحق معاملة من الله تختلف عن الآخر ، تكلم إليه الله ليترك أرضه وعشيرته وبيت أبيه ويذهب إلي ارض لا يعلمها فاستجاب للنداء وخرج وهو لا يعلم إلي أين يذهب ، فالمعاملات الخاصة التي من الله أعطت لأبونا إبراهيم أن يكون شخصية مختلفة عن من حوله من أمم يعبدون الأصنام ، فقد عرف إبراهيم الله عن قرب في أحلامه ومن خلال الرؤى لذلك استطاع أن يطيع الرب في تقديم ابنه ذبيحة ، فالأمم كانوا يقدمون الغالي لألهتهم فعندما امتحن الله إبراهيم اثبت له انه لا يوجد اغلي من إلهه الذي سمع صوته ودعاه لمسيرة خاصة مختلفة عن مسيرات وأهداف الأمم
أنواع الشخصيات :
شخصية مثل هذه تحتاج إلي دراسة ويعوزنا الوقت لنكتب ولا تكفي الأقلام للكتابة عن شخصية مثل شخصية أبونا إبراهيم فالشخصيات أنواع فتوجد شخصية "محبوبة" وأخري "عدوانية" وأخري "جذابة" ، وأخري "ضعيفة" ، ويوجد من "لا شخصية له" ، أو من "له شخصيات متعددة" أنواع كثيرة لذلك عندما نتكلم عن شخصية من الشخصيات الكتابية يجب أن نتوخى الحذر ، لأننا لا نملك معلومات غير التي وردت لنا في كلمة الله لذلك نحتاج إلي تدقيق فيما نقول .
" كلمة " Personality " بالإنجليزية تعني "شخصية" وهي مأخوذة من " Persona " برسونا في اللاتينية القديمة ويعني " القناع " ولقد ارتبط هذا اللفظ بالمسرح اليوناني القديم ، إذ إعتاد ممثلو اليونان والرومان في العصور القديمة ارتداء أقنعة علي وجوههم لكي يعطوا انطباعاً عن الدور الذي يقومون بتمثيله ، وفي الوقت نفسه لكي يجعلوا من الصعب التعرف علي الشخصيات التي تقوم بهذا الدور" فالشخصية هي الغطاء الظاهر الذي يختفي وراءه الشخصية الحقيقية ، ومع مرور الزمن أُُطلق لفظ برسونا علي الأشخاص عامة ، وربما كان ذلك علي أساس أن " الدنيا مسرح كبير " وأن الناس جميعاً ممثلين علي مسرح الحياة .
فالشخصية يمكن أن ننظر إليها من عدة زوايا ، فيمكننا نراها الفرد العادي الذي يسير بيننا ، فقد كان أبونا إبراهيم يسير بين جيله ، ويعيش كباقي الناس يأكل ويعمل ويحارب وينتصر ويحزن فهو فرد في المجتمع يعيش ولا يختلف عن الآخرين في كونه إنسان ، وأيضا يمكننا أن نري الشخصية ما هي إلا مجموعة صفات ، وهذه الصفات هي ما يحرس عليها الفرد بأن يظهر بعضها ويخفي البعض فإن كان حليماً نراه دائما يثني علي هذه الصفة ويريدها أن تكون ظاهرة لأنها تعطي للفرد قيمة مجتمعية والقيمة المجتمعية ما هي إلا صفات لشخصية أخري في الفرد .
إن نظرنا إلي أبونا إبراهيم نجده اختبر أن يكون شخصية فريدة في تكوينها الداخلي فهو من له إيمان يختلف عن باقي جنسه لأنه يتعامل مع اله حي اله يختلف عن آلهة الأمم فصار إبراهيم شخصية مختلفة فهو مختلف داخلياً وظاهرياً لكنه له الطبيعة الإنسانية فالإنسان بطبعه اجتماعي لذلك نراه مشاركا المجتمع المحيط به وله مبادئ يتعامل بها مع الآخرين ، فعندما ماتت سارة دفنها إبراهيم في قبر في مغارة مكفيلة التي اشتراها من بني حث ( تك 23 ) في حين أنها عرضت عليه مجانا لكنه أصر علي أن يشتريها فهو كإنسان طبيعي اجتماعي يعيش بمبادئ ويريد تطبيقها مهما كانت الظروف أو المناسبات .
العوامل المكونة للشخصية :
الشخصية تتكون من خلال عدة عوامل منها العوامل الوراثية كالتأثيرات الداخلية من أجهزة الجسم كالجهاز العصبي والتكوين الغددي للفرد والجينات وعوامل خارجية كالبيئية المحيطة فقد تعامل الله مع إبراهيم من خلال عوامل خارجية بأن اسمعه صوته تكلم إليه أخذه إلي مكان خالي وأراه نجوم السماء ورمل البحر وأعطاه وعد بنسل لا يعد من الكثرة فتعامل الله معه من خلال العوامل الخارجية جعله شخصية مختلفة عن بني جنسه ولكنه كإنسان له طبيعة إنسانية اجتماعي فلم ينفصل أو ينعزل ففي كل رحلاته كان يتقابل مع ملوك وأمراء وشخصيات هامة في المجتمعات فكان يتعامل مع الجميع بحسب الطبيعة الإنسانية كفرد في المجتمع .
لا نملك تحليل شخصية أبونا إبراهيم في دائرة العوامل الداخلية لأننا لا نملك معلومات التغيرات الفسيولوجية لشخصية أبونا إبراهيم وعلاقة جسم الإنسان بسلوكه وأثر الجهاز العصبي والغدد الصماء على السلوك الإنساني والشخصية والأمراض النفسية والانفعالات المصاحبة للدوافع لكننا نستطيع أن نحلل شخصية أبونا إبراهيم من خلال ما ذكر في كلمة الله عنه من مواقف وانفعالات .
أنواع الشخصيات وتعاملها مع المواقف :
تعرض أبونا إبراهيم لموقف شجار بين عبيده وعبيد لوط فأظهر إبراهيم شخصيته القوية القادرة علي الاستقلالية فاستطاع أن يخير لوط بين الذهاب يميناً أو يساراً ولا تكن مخاصمة بينهم ، هذا لتفادي أي نوع من الغضب أو الخسائر الناجمة عن ذلك ، إن أي سلوك يحتاج لعوامل متداخلة لتحقيقه ، فعملية التنفس مثلاً تحتاج لوجود رئتين داخليتين ، وهواء خارجي ، وبهذه العوامل يتم بها تحقيق عملية التنفس ، هكذا المواقف التي يمر بها الإنسان تُشكل الشخصية لأن الشخصية ليست مستقلة عن العوامل البيئية المحيطة به ، فيوجد من يمرون بمواقف فيكون أصحاب الشخصيات الآتية :
المنسحبون : هم من يواجهون المواقف بالإنسحاب والإبتعاد عن الأمر لحين الهدوء والتعامل من جديد ، فهم لا يحبون النقاش والجدال ويخافون من الخسائر
الموقفيون : مثل الأطفال يعبرون عن فرحهم بمرحهم الواضح وبشدة ، ويعبرون عن حزنهم بشدة كلٍ حسب الموقف المباشر وكأنهم لا يملكون عوامل داخلية للتفاعل المناسب المتزن
الخالقون: أي أنهم يخلقون مواقف وظروف مثل الحفلات والاجتماعات ليجد السرور واللذة نتيجة المواقف التي أوجدها ليجد ذاته ويحقق شخصيته
المتزنون : هم الذين يفكرون بالمنطق ويعطون كل موقف حجمه الطبيعي دون التعالي في الأمر ودون التقليل من أهمية المواقف ، فهم يتعلمون من كل المواقف والأحداث فمثل هؤلاء ناضجين الشخصية لسبب كثرة تحليلهم ليتعلموا فلا يتم تخزين المواقف في العقل الباطن دون تحليل منطقي وإيجابي لكل سؤال فلا يصابون بتعب نفسي مفاجئ ، لأنهم في درجة النضوج الذهني لإدراكه الكامل للمواقف وبالتالي تجد أن الجهاز الحركي لديهم يعمل باتزان كامل وتناسق ، لآن من يعانون من عدم اتزان في شخصيتهم ، تجدهم في انفعالات حركية غير طبيعية ، فمن حركة العينين واليدين تستطيع أن تدرك مدي اتزان شخصية الإنسان .
أبونا إبراهيم له مواقف انسحابية مثل انسحابه من مواجهة أسباب الشجار بين رعاة لوط ورعاة إبراهيم فقد توصل للاستقلالية بعيداً عن ابن أخيهِ لوط ، فنحن لا نعرِف الحوار الدائر وقتها لكننا نعلم أنه خَيرَّ لوط بالابتعاد كي يستمد إبراهيم سلامه وهدوءه ويسير طريقه بدون مؤثرات خارجية تُعيق مسيرتهُ مع اللهِ ، هنا إبراهيم استخدم الشخصية المنسحبة وفي ذات الوقت كان مُتزن في قراراته فقد كان يَعرف ما يقوله ويقرره لأنه لم يندم مرة عن قرار ابتعاد لوط عنه فهذا الاتزان يرينا كيفَ كانت الشخصية وقتها فقدْ كان يجمعُ بينَ الشخصية المنسحبة والشخصية المتزنة .
الله لا يغير الشخصيات :
لنلاحظ أن معاملات الله مع إبراهيم لم تغير من شخصية إبراهيم لكنها جعلته يغير من نظرته للمواقف فيستخدم الأشكال المتنوعة للشخصية في التعامل مع المواقف فيوجد موقف يحتاج إلي شخصية انسحابية لذلك يجب استخدامها ويوجد موقف يحتاج إلي معاملة مباشرة وتفاعل مباشر فنتعامل كذلك ، وأيضاً يوجد موقف يحتاج إلي أن نكون خالقون مبدعون فنستعمل إمكانياتنا لخلق المواقف التي تساعدنا لحل بعض المواقف الأخرى ، كما أننا نحتاج أيضا أن نكون متزنين في شخصياتنا لنستطيع أن نتعامل مع الآخرين دون أن يعكسوا علينا الآثار السلبية من شخصياتهم فقد كان ولاء إبراهيم لله ولاءً عظيماً فوق كل اعتبارات تكون ، فالطرق الكثيرة التي توقع الله من إبراهيم أن يظهر طاعته فيها قد فعلها ، ولذلك أيضاً وضع الله أمام إبراهيم بركات ووعود له بأن يكون امة عظيمة ، ووعده بأرض الموعد وبالاسم العظيم أن يكون بركة لكل شعوب الأرض .
من يظن أن الله يغير الشخصيات فهو لا يدرك أبعاد ذلك فالله لا يغير في الشخصيات لأنه إن فعل كذلك فقد جعله مسيرا لا مخيراً وبالتالي يكون قد استخدمه مثل الدُمية التي لا تستطيع أن تقرر من تكون وما عليه يجب أن تصير لذلك الله جعل إمكانية التغير متاحة للإنسان نفسه " وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ." (رومية ١٢:٢) فالتغير يحتاج إلي إنسان دائما يضع داخله كل ما هو جديد من أفكار ودراسات ومعلومات وأبحاث فكل من لا يسعي للتغير فستبقي شخصيته كما هي .
المعرفة التي عرفها إبراهيم عن الله جعلت ذهنه متجدداً ، لذلك استطاع أن يكون شخصية مختلفة عن باقي الأمم وأن يكون مؤثر في الجيل الثاني والثالث من نسله اسحق ويعقوب ، فقد امن إبراهيم بالإله الواحد مالك السماء والأرض " فَقَالَ أَبْرَامُ لِمَلِكِ سَدُومَ: "رَفَعْتُ يَدِي إِلَى الرَّبِّ الإِلهِ الْعَلِيِّ مَالِكِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ آخُذَنَّ لاَ خَيْطًا وَلاَ شِرَاكَ نَعْل وَلاَ مِنْ كُلِّ مَا هُوَ لَكَ، فَلاَ تَقُولُ: أَنَا أَغْنَيْتُ أَبْرَامَ" (تك١٤: ٢٢ ، 23 ) فقد استطاع أن يحدد طريقة التعامل مع الآخرين أثناء خوض الحروب فلم يتعامل كما يقول العرف السائد وقتئذٍ فقد تعامل بمبدأ أن الله هو الذي يغني لأنه مالك السماء والأرض
أيضاً في اختيار شريكة الحياة لإبنه اسحق لم يرد أن يناسب الأمم بل أراد أن يناسب أهله وعشيرته ، الذين يعلمون هدف خروجه من أرضه ومن بيت أبيه ، فقال لخادمه " فَأَسْتَحْلِفَكَ بِالرَّبِّ إِلهِ السَّمَاءِ وَإِلهِ الأَرْضِ أَنْ لاَ تَأْخُذَ زَوْجَةً لابْنِي مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ أَنَا سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ، " ( تك ٢٤ : ٣ ) هنا لم نجد إبراهيم شخصية انسحابية بل شخصية متزنة لأنه يدرك أبعاد المواقف فأتخذ القرار السليم والتوقيت السليم فلم يجعل ابنه في نير متخالف بل اختار له التي تستطيع أن تسير معه المسيرة كما سارت سارة معه ، فالشخصية المتزنة تستطيع أن تُعطي قرارات صائبة وحكيمة .
تجدد ذهن إبراهيم في معرفته بان الله هو ديان الأمم وكل الأرض " ثُمَّ الأُمَّةُ الَّتِي يُسْتَعْبَدُونَ لَهَا أَنَا أَدِينُهَا، وَبَعْدَ ذلِكَ يَخْرُجُونَ بِأَمْلاَكٍ جَزِيلَةٍ. " ( تك١٥: ١٤ ) كون إبراهيم يعرف أن الله هو الديان فهذا يجعله يتعامل مع الآخرين ويدرك أن الله يراه فكما انه يدين الآخرين سيحاسبه ، وبالتالي يتعامل مع الله بنفس المبدأ فيطلب من اجل سدوم وعمورة " حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ، أَنْ تُمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ، فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟" ( تك ١٨: ٢٥) إيمان إبراهيم بالله جعله شخصية فريدة في نوعها وسط جيل معوج فعلم أن لله " كل قوات الطبيعة طوع أمره ولا يستحيل عليه شيء (تك١٨: ١٤، ١٩: ٢٤،٢٠: ١٧ و١٨) وهو الإله العلي المرتفع (تك١٤: ٢٢) وهو سرمدي أبدي (تك٢١: ٣٣) ولم يكن الله لإبراهيم الإله الواحد فحسب بل كانت لإبراهيم معه علاقة شخصية وشركة روحية قوية (تك٢٤: ١٤) ولذلك نال إبراهيم لقب [خَليِل الله] الذي ذكر في الكتاب ثلاث مرات : " أَلَسْتَ أَنْتَ إِلهَنَا الَّذِي طَرَدْتَ سُكَّانَ هذِهِ الأَرْضِ مِنْ أَمَامِ شَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ وَأَعْطَيْتَهَا لِنَسْلِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِكَ إِلَى الأَبَدِ؟ " (٢ أخ ٢٠: ٧، ) و" وَأَمَّا أَنْتَ يَا إِسْرَائِيلُ عَبْدِي، يَا يَعْقُوبُ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي، " ( إش٤١: ٨ ) و" وَتَمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ:"فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا" وَدُعِيَ خَلِيلَ اللهِ." ( يع٢: ٢٣ ) .
تشكيل الشخصية :
تشكيل الشخصية ينبع من المعرفة الجيدة والقوية بالله ، فقد عرف إبراهيم إلهه وأنه يختلف عن باقي الآلهة " كان آباء إبراهيم يعبدون آلهة غير الرب (يش٢٤: ٢ و١٤) فكانوا في أور الكلدانيين يعبدون آلهة كثيرة وبنوع خاص [نانار] إله القمر وزوجته [ننجال] وكان في أور على مرتفعة عالية بناء يشبه الهرم يسمى باللغة البابلية [زجوراة] وفوق [الزجوراة] معبد للإله [نانار] " فكانت ألهه لا تعرف العدل وغيرها من الصفات التي تجعل الشعوب الأممية أيضا غير عادلين و ظالمين لكنهم كانوا يعبدون ألهه لا تسمع ولا تتكلم فقد كان إبراهيم شخصية مختلفة عن باقي الأمم فقد
عرف الله :
عرف الله العادل : (تك١٨: ٢٥) البار : (تك١٨: ١٩) وقد آمن إبراهيم أن الله يطلب من البشر أن يتصفوا بالصفات الخلقية التي لله " لأَنِّي عَرَفْتُهُ لِكَيْ يُوصِيَ بَنِيهِ وَبَيْتَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَحْفَظُوا طَرِيقَ الرَّبِّ، لِيَعْمَلُوا بِرًّا وَعَدْلاً، لِكَيْ يَأْتِيَ الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ " ( تك ١٨: ١٩) استجابة إبراهيم لهذا المطلب في حد ذاته تشكيل للشخصية لتكون متزنة ، التي لا تضطرب أو تقلق ، عندما تكون في الحق وتسير فيه دائماً .
أختبر إبراهيم أن الله يتعامل مع محبيه بلطف وحق: اللطف والحق " وَقَالَ: "مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ الَّذِي لَمْ يَمْنَعْ لُطْفَهُ وَحَقَّهُ عَنْ سَيِّدِي. إِذْ كُنْتُ أَنَا فِي الطَّرِيقِ، هَدَانِي الرَّبُّ إِلَى بَيْتِ إِخْوَةِ سَيِّدِي". (تك٢٤: ٢٧) جميع هذه الصفات عندما تدرك فهي قادرة علي تغيير شخصية أي إنسان .
أختبر انه الحكمة والرحمة " فَقَالَ لَهُ اللهُ فِي الْحُلْمِ: "أَنَا أَيْضًا عَلِمْتُ أَنَّكَ بِسَلاَمَةِ قَلْبِكَ فَعَلْتَ هذَا. وَأَنَا أَيْضًا أَمْسَكْتُكَ عَنْ أَنْ تُخْطِئَ إِلَيَّ، لِذلِكَ لَمْ أَدَعْكَ تَمَسُّهَا." ( تك٢٠: ٦) وقد أعلن الله ذاته لإبراهيم في الرؤى والأحلام (تك١٥: ١، ٢٠: ٣)
أيضا قد عرف إبراهيم أن الله يستطيع الظهور في شكل إنسان أو في شخص ملاك الرب " وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرِّ النَّهَارِ، " (تك ١٨: 1 ) و " وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: "يَا إِبْرَاهِيمُ!". فَقَالَ: "هأَنَذَا". " ( تك ٢٢: ١)
فقد كان تعامل الله مع إبراهيم بطريقة واضحة ملموسة محسوسة لذلك كانت شخصيته قادرة علي التمييز والمعرفة القادرة علي إدراك الأمور فلا عجب أن نراه يسير نحو تقديم ابنه لله ، لآن معاملة الله معه ليست بالألغاز أو بالشفرات لأجل هذا حيثما سكن إبراهيم كان يقيم مذبحا للرب ويدعو باسمه " وَظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ: "لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ". فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ.، ثُمَّ نَقَلَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى الْجَبَلِ شَرْقِيَّ بَيْتِ إِيل وَنَصَبَ خَيْمَتَهُ. وَلَهُ بَيْتُ إِيلَ مِنَ الْمَغْرِبِ وَعَايُ مِنَ الْمَشْرِقِ. فبني هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ وَدَعَا بِاسْمِ الرَّبِّ. " (تك١٢: ٧ و٨ ). هنا نجد شخصية إبراهيم فهي شخصية قوية، اختبرت الله بطرق كثيرة ومتنوعة عرفت الله معرفة عن قرب فدعي خليل الله، والسؤال الهام: هل هذه الشخصية القوية لم تمر بمشاكل وأزمات نفسية ؟ نعم فهو إنسان وبكل تأكيد مر بمشاكل نفسية بل وأزمات أيضا.
إبراهيم وفوبيا الخوف :
الخوف انفعال طبيعي وعادي يشعر به جميع الناس في الظروف والمواقف التي تهدد الإنسان بالخطر " ولا يستمر هذا الخوف مدة طويلة فبزوال الشعور بالخطر يزول الخوف أما عندما يتكرر الخوف من نفس النوع مرة أخري فيعني أن هذا الإنسان يحتاج إلي مواجهة مخاوفه المتكررة ، ليتم شفاءه ومعالجته لآن مخاوفه مخاوف مرضية فيتصور شيئاً ربما لا يحدث ، ويخاف منه ، وعندما تتكرر نفس الظروف تجده يكرر نفس الأمر ويتصرف نفس التصرف الذي كثيرا ما يلام الإنسان بسببه .
اتصلت بي فتاة في العقد الثاني من العمر ، تعاني من عدم المقدرة علي النهوض من الفراش في صباح اليوم ، والديها ذهبوا بها لدكتور عظام فأفادهم أنها تحتاج لدكتور مخ وأعصاب ، وطلبت أن احضر إليهم بالمنزل وعندما ذهبت وجدتها لا تستطيع تحريك القدم اليسرى وتعاني من آلام خلف الركبة وبطول القدم مع أنها تشعر بأطراف قدميها ، عرفت منها سبب هذا أن والدها وأخيها تشاجرا معاً مشاجرة عنيفة وأنها صرخت في وجههم بشدة لكنهم لم يستجيبا لها وفي الثالثة فجرا لم تستطيع النهوض من الفراش فأسرعوا بها للدكتور .
قلت لها : اسمعي أختي أنتي تحتاجين لشئ واحد يجب أن تعلميه وهو أن بداخلك مخاوف علي والدك وأخيك ، لذلك صدر من اللاوعي صوت لجهازك العصبي بالتوتر للفت انتباههم إليك ، والكف عن فعل ما يفعلونه وكانت النتيجة ما أنت عليه الآن .
قالت: ما هو الحل ؟ قلت لها : يجب أن يصدر صوت أعلي من الشعور إلي اللاشعور ليلاشي الصوت الذي خرج منه ، قالت : كيف أصدره ؟ قلت لها : صلي معي صلاة بها غفران لوالدك وأخيك وان يباركهم الله ، ثم قولي بصوت عالٍ " سأقوم وأنهض لأنه لا يوجد بي شئ " وبالفعل قالت هذا وأمسكت يدها وقلت لها : في اسم المسيح قومي وبالفعل قامت وتحركت وسارت علي قدميها وزال الألم فمجدنا الرب .
عندما يحدث داخل العقل الباطن مخاوف يصدر في الوعي عدة أوامر علي شكل أعراض أو سلوكيات ، فما حدث مع هذه الفتاة أن عقلها الباطن أصدر أوامر للجهاز العصبي لسبب مخاوف داخليه ، قد تكون هذه المخاوف حقيقية أو وهمية ، لذلك يجب رفض هذه المخاوف مهما إن كانت لأنها أصوات مزعجة للنفس وتبديلها بأصوات أخري لتغذية العقل الباطن ، فيصدر أوامر للشفاء أو لإزالة الأعراض المصاحبة نتيجة المخاوف الكامنة داخل النفس البشرية .
ما حدث مع أبونا إبراهيم إقره في : " ( تك 12 : 10 ـ 20 ) انحدار إبرام " إبراهيم " إلي مصر كان انحداراً اضطراري بسبب الجوع الذي كان في الأرض كان يسير إبرام سيراً جيدا وممتازاً ولا يوجد أي مقدمات لما سيفعله فجأة حدث في العقل الباطن خوف انه " الخوف من أن يُقتل " ظن أن نهايته قربت ، إن لم يكن من المجاعة سيكون من المصريين ، هذا أدي إلي سلوك غير حميد وغير مرضي ، لذلك قال عن زوجته أنها أخته ولأن الخوف شديد وامتلك الوجدان والكيان الداخلي لم يستطع أن يتراجع عن فعلته ونتائجها المريرة علي النفس أيضاً وعندما شارك زوجته انتقل لها هذا الشعور أيضاً فوافقته أن تشاركه هذه اللعبة المدمرة للعلاقة الأسرية والمدمرة للأحلام والوعود التي أخذها من الرب انه شعور مرير جدا ، أظن انه كان يري أن كل ما بحوله من آمال وتاريخ في هذا الوقت القصير لأنه استجاب لصوت الرب وخرج ومعه والده وابن أخيه لوط ، ما حدث داخل إبراهيم في ذلك الوقت انفجار نفسي لكل الوعود التي سمعها ولا سيما انه في بداية الرحلة ، فكان وعد الرب له من البداية " فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ " ( تك 12 : 2 ، 3 ) ، لولا تدخل الله في الأمر لصار لإبراهيم بيتاً محطماً ووعودا لن تتحقق ، ولكن لأن الله أمين ويعلم ضعفات الإنسان وانه من تراب ، فهو الذي يأتي حتى ولو في الهزيع الرابع لينجي .
الحرب الروحية علي النفس :
أحيانا الأفكار التي تخرج من العقل الباطن مصدرها إبليس فهو يأتي بأفكار ليدمر كل صوت رائع من الله وكل وعود لمستقبل مشرق وكل خدمة ومسيرة إلهية، فعندما يستجيب الإنسان للأفكار التي تراود النفس وتتمالك منه ، يستجيب العقل وتحدث تحركات جسدية لتتميم الأمر ولولا التدخلات الإلهية التي يصنعها الله من اجلنا كان زماننا في حالة من الفشل واليأس لأن هذا ما يريده إبليس فهو يريد تدمير كل الوعود السماوية الداخلية التي تملأ النفس ، من اجل ذلك لا تعطي لإبليس مكاناً .
عندما هاجت الرياح والعواصف خاف التلاميذ فارتبط الواقع المنظور بالمستقبل الغير منظور ، فعندما يترجم ما بينهم سيكون الموت غرقاً وهنا تأتي الإشارة من العقل الباطن بالخوف ، ولكن عندما رآهم الله ووجد أن كل محاولاتهم باءت بالفشل أتي بالحل ووضع داخلهم الكلمة التي تهزم شيطان الخوف ، وهي " الإيمان " فقال لهم : " ما بالكم خائفين يا قليلي الإيمان ثم قام و انتهر الرياح و البحر فصار هدوء عظيم (متى 8 : 26) الهدوء المرئي بالعين المجردة يعطي للعقل الباطن المنزعج والخائف هدوءً وسلاماً .
تكرار الخوف دليل علي عقدة نفسية :
عندما يتأصل الخوف داخل النفس البشرية ، وتتكرر الظروف يتكرر معها الخوف وتظهر نفس الأعراض السابقة ويتكرر الفعل فأنواع الفوبيا ( الخوف الشديد ) كما يلي :
الخوف من المساحات الخالية أو الخلاء الواسع الفسيح ، الخوف من الأماكن والمناطق المرتفعة ، الخوف من القطط ، الخوف من الماء ، الخوف من البرق ، الخوف من الجراثيم والبكتيريا ، الخوف من الرعد ، الخوف من المناطق المغلقة ، الخوف من الكلاب ، الخوف من الشياطين والأرواح الشريرة ، الخوف من الزواحف ( أفاعي، عقارب، صراصير، سحالي ) وغيرهما من المخاوف
فقد خرج أبونا إبراهيم وترك أهله وعشيرته ، وهذا يولد نوع من عدم الأمان ، حيث أنه يسير في صحراء واسعة ، ويتعرض للمخاطر دائما من بعض الزواحف ، أو من بعض الحيوانات المفترسة ، لذلك كان لإبراهيم عدد كبير من العبيد ، لآن السير في البرية دون أي ضمانات ، يصيب الإنسان بالخوف ، لذلك فكرة أن الموت جائز أو متاح فالخطر الذي كان يملأ قلب إبراهيم ليس الحيوانات ولا الزواحف ، ولكن الأمم الذين لا يعرفون الله وبالتالي هم بلا مبادئ فعندما يقترب من مدينة لها ملك يخاف ويبدأ في فوبيا الخوف وتكون النتيجة تكرار الأمر كما في ( تك 12 ) و ( تك 20 ) فيصاب بالقلق والخوف وفي هذا قال ايزاك. م . ماركس " إن كلمة خوف " fear " تأتي من الكلمة الانجليزية القديمة " faer" التي تعني كارثة أو خطر مباغتين ، وتأتي كلمة قلق " anxious " من الكلمة اللاتينية " anxius " وتعني متكدر البال حول أمر غير محقق في المستقبل ، فهي مرتبطة بأصل معناه : يضغط بشدة أو يختنق " اعتقد أن ما حدث مع أبونا إبراهيم انه ضغط بشدة عند دخوله مصر ( تك 12 ) وتكرر الأمر عند دخوله جرار ( تك 20 ) فعند كل موقف متكرر يحدث لأبونا إبراهيم " انكشس anxious " قلق وخوف من رهب الموت .
كتب دارون " Darwin " وصفا دقيقا للخوف : " إن الإنسان الخائف يقف في أول الأمر مثل تمثال لا يتحرك ولا يتنفس.. ويدق القلب بسرعة وبقوة ... وتصبح البشرة في الحال شاحبة .. ويتصبب العرق في الحال من البشرة، ويصبح سطح البشرة حينئذٍ باردة.. وكذلك يتصبب الشعر فوق البشرة .. وترتجف العضلات الخارجية ... ومع النشاط المضطرب للقلب، يسرع التنفس... ويصبح الفم جافاً .. إن أحد الأعراض الأكثر وضوحاً هو ارتعاش جميع عضلات البدن، وإن ذلك كثيراً ما يشاهد أولا من الشفتين " وعندما يصبح الخوف اشد ، فإننا نبدأ في تسميته رهبة ، ويستمر دارون في وصفه : " ويدق القلب بشدة أو قد يفشل في عمله فينشأ عن ذلك إغماء ، ويحدث شحوب الموت ، ويحدث التنفس بمشقة ، وتتسع فتحتا الأنف ... ويحدث بلع في الحلق، وتجحظ العيون .. وتتصلب العضلات .. وعندما يشتد الخوف ويصل إلي درجة متطرفة ، تصدر صيحة الرهبة المفزعة ، وتظهر علي البشرة حبات كبيرة من العرق ، وتسترخي جميع عضلات البدن ويتبع ذلك استرخاء تام ، وتضعف القوي العقلية ، وتتأثر الأمعاء ، وتتوقف العضلات القابضة علي العمل ، ولم تعد بعد تحتفظ بمحتويات البدن " دائماً الرهب الشديد " Intense fear " يعالج من خلال العلاج السلوكي لأنها أمراض نفسية خفية ، وإن أكثر أحد أنواع العلاج السلوكي المستخدمة في علاج المرض هي العلاج بالمواجهة ، يكون على المريض وبصحبة الطبيب المعالج بالتعرض للموقف أو الظروف المؤدية للهلع والذعر الشديد، وذلك بشكل منتظم بحيث تؤدي هذه المواجهة أو بالأحرى سلسلة المواجهات هذه إلى زوال تدريجي لمشاعر الخوف والهلع المرتبطة برؤية الشئ أو التعرض للأشياء والمواقف التي كانت تسبب قبل العلاج ، الذعر والخوف والهلع الشديد للمريض.
دعوة للراحة :
احبائي مهما كانت الظروف التي خُزِنت في العقل الباطن ، فالرب يقدم الدعوة للراحة فيقول : تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. (مت ١١ : ٢٨) فالمتحير والمتعب من مخاوف الحياة أو من شدة التفكير في ما لا حل له بالنسبة لنا ، ما علينا إلا أن نأتي للرب مريح التعابي ، فالرب عندما يجد المؤمن في طريق اللا عودة أو في طريقٍ مسدود ، بحرٌ من الأمام وعدوٌ من الخلف وفي الداخل مستطعفين ، يأتي الرب للمساندة والإتكال فيخلصنا من الأعداء ومن المستطعفين ويبارك حياتنا " كَيْفَ لاَقَاكَ فِي الطَّرِيقِ وَقَطَعَ مِنْ مُؤَخَّرِكَ كُلَّ الْمُسْتَضْعِفِينَ وَرَاءَكَ، وَأَنْتَ كَلِيلٌ وَمُتْعَبٌ، وَلَمْ يَخَفِ اللهَ. (تث ٢٥ : ١٨) فكان وسط شعب الرب نفوس مستطعفة لا تقوي علي التحمل ولا علي المسير ، فمثل هؤلاء ليس علينا إلا أن الله يُخلِصنا منهم لأنهم يُضعِفونَّ عزيمتنا .
نعم أحبائي إن كل ما يضعفنا يجب أن يستأصّل من حياتنا ، فقد استُأصِلَ تارح بموته و لوط بإنفصاله هو وعبيده من حياة ابراهيم ، وأستأصلت سدوم وعمورة من حياة لوط ، دون أن يكون ظلم من الله علي تارح أو لوط أو سدوم وعمورة ، فكل منهما كانوا في طريق الخروج من حياة بعضهما البعض بسبب حياتهم أو تصرفاتهم ، فتارح نري فيه عوامل الشيخوخة ، ولوط لسبب العبيد الغير أسوياء وإختياره الغير صائب لسدوم ، وسدوم وعمورة لسبب الشرور والقضاء الإلهي ، فلا تتعجب فالأيام وأخطاء الأخرين تُستخدم لخير الأمناء ولصالح العمل الإلهي ، فكن أميناً واحمل عمل الله داخلك ، سيكون لك صمام الامان وسط عيوبك ووسط أخطائك ، فيعالجها الله ويباركك ويُصلح الله كل شيئ من أجل الهدف الإلهي الأسمي في ملكوت الله .
من هو في مشيئة الله رجل الله :
داود النبي رجل في مشيئة الله لذلك بدد الله مخاوفه رغم الخسارة التي لحقت به تجاه ذلك ، فقد خسر أمنون لسبب خطيته مع ثامار ، وخسر أبشالوم لسبب عداؤه لوالده وغيرهم ، لكن هذه الخسارة ما هي إلا أركان ضعيفة روحياً حول داود ، فلذلك كان من السهل ابعادهم من دائرة داود لإستكمال المسيرة ، ارادة الله أن يكون داود واسرته في كامل المشيئة والعمل الإلهي ، ولكن لسبب الطمع أو الشهوة أو .... يخسر أحدهم التواجد في مشيئة الله ، وبالتالي إن صار معطلاً لعمل الله فسيقطع من امام العمل الالهي لإستمراريته .
لكن لسبب بعض الأخطاء في حياة داود دخلت الاخطاء لحياة ابناءه ومُشيريه الذين تركوه وساروا وراء ابشالوم " وَقَالَ أَخِيتُوفَلُ لأَبْشَالُومَ: "دَعْنِي أَنْتَخِبُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَجُل وَأَقُومُ وَأَسْعَى وَرَاءَ دَاوُدَ هذِهِ اللَّيْلَةَ، فَآتِيَ عَلَيْهِ وَهُوَ مُتْعَبٌ وَمُرْتَخِي الْيَدَيْنِ فَأُزْعِجُهُ، فَيَهْرُبَ كُلُّ الشَّعْبِ الَّذِي مَعَهُ، وَأَضْرِبُ الْمَلِكَ وَحْدَهُ. وَأَرُدَّ جَمِيعَ الشَّعْبِ إِلَيْكَ. كَرُجُوعِ الْجَمِيعِ هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي تَطْلُبُهُ، فَيَكُونُ كُلُّ الشَّعْبِ فِي سَلاَمٍ". فَحَسُنَ الأَمْرُ فِي عَيْنَيْ أَبْشَالُومَ وَأَعْيُنِ جَمِيعِ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ. ( ٢صم ١٧ : ١ - ٤ ) ولكن ابشالوم سار في في معاداته لداود ابيه وبالتالي يصير معادياً للمسيرة الالهية فقُطع ، الراحة التي لنا في المسيح هي أن نعرف فكر الرب ونسير لمجده في حياتنا دائما ً، فننال كل ما هو لخيرنا ولمجد الله فينا فيزول كل حمل وتعب ، ونُبادل الله فيحمل احمالنا ونحمل نحن حمله لأن حمله أخف من احمالنا " فَإِنَّ هذِهِ هِيَ مَحَبَّةُ اللهِ: أَنْ نَحْفَظَ وَصَايَاهُ. وَوَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً، (1يو ٥ : ٣) ففي حملها تجد مياه راحة وشبع دائم " فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. (مز ٢٣ : ٢) فلا تترك مكانك وخدمك ولتعرف أن الرب يحبك .
عذاب الخوف وشدته :
سأل يوماً أحد الشباب شيخاً قائلاً له : " في منظر علي النت رأيت صورة لناس يتساقطون في نار عظيمة ومنذ ذلك الوقت وأنا أشعر بالخوف الشديد جدا جداً من عذاب الله ونار يوم القيامة... وأصبح عندي ضيق شديد ولم تعد لحياتي طعم ",, ولكن إجابة الشيخ له بأن يمارس الرياضة والعبادة ولا يخاف ، فتعجبت لأنه لم يعطي له وصفاً ليبدد الخوف ، فالمخاوف أنواع وكل نوع له واقعه في عقل الخائف ، فالخوف من الظلام مرتبط بالصور الأفلام والقصص المرعبة المُخزنة داخل العقل الباطن ، فَانٍ الْخَوْف هو تَرْكُ الأفكار الإيجابية الَّذِيْ مِنْ الْعَقْلِ وتبني الأفكار والصور السلبية المخزنة به ، فمشاهدة صورة أناس تسقط في قلب النار حرك داخل هذا الإنسان عدم يقينية حياته الأبدية ، فالرجاء المُعطي من الله يهب الإنسان سلام داخلي " وَلْيَمْلأْكُمْ إِلهُ الرَّجَاءِ كُلَّ سُرُورٍ وَسَلاَمٍ فِي الإِيمَانِ، لِتَزْدَادُوا فِي الرَّجَاءِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ. (رو ١٥ : ١٣) فمن يمتلك الرجاء يمتلك الفرح والسلام والإيمان ، لذلك أين الخوف ؟ فالخوف من المصير الأبدي مرتبط بعدم الرجاء ، لأن الله لا يريد شعب يأمل في الله ، بل شعب يؤمن إيمان يقيني بأن له حياة ابدية ، فضمان فالحياة الأبدية تمنح المؤمن سلام وراحة ، فيستطيع أن يستمتع بالحياة بلا خوف .
الخوف الطبيعي وامتلاكه لنا :
توجد بعض المخاوف الطبيعية التي تمنح الإنسان فرصة لطلب النجاة ، فإن شاهد كلباً مفترساً أمامه فماذا يفعل ؟ هل سيرحب به ويسير متجاهل وجوده ؟ أم ينتابه شعور طبيعي بالخوف ، وهذا الشعور هو منبه ليدفعك للتصرف التصرف المناسب للنجاة أو لتحذير الناس بالخطر المحيط بهم ، هكذا كانوا التلاميذ في أعماق البحر خافوا لدرجة الصراخ " فَلَمَّا أَبْصَرَهُ التَّلاَمِيذُ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ اضْطَرَبُوا قَائِلِينَ:"إِنَّهُ خَيَالٌ". وَمِنَ الْخَوْفِ صَرَخُوا! (مت ١٤ : ٢٦) فالمشكلة ليست في الخوف بل أن يمتلكنا الخوف فنكون معذبين
ابونا ابراهيم كان ينتابه مخاوف من الموت ، فعندما يقترب من مكان فيه خطورة علي حياته يتصرف التصرف الذي يراه بانه الحل الأساسي لنجاته ، هكذا كان اسحق وهكذا كان يعقوب ، حتي داود النبي كان له نصيب في الخوف " لأَنِّي سَمِعْتُ مَذَمَّةً مِنْ كَثِيرِينَ. الْخَوْفُ مُسْتَدِيرٌ بِي بِمُؤَامَرَتِهِمْ مَعًا عَلَيَّ. تَفَكَّرُوا فِي أَخْذِ نَفْسِي. (مز ٣١ : ١٣) فداود كان يحمل السلاح ومعه ٤٠٠ رجل ذو بأس وكان غضبه شديد جدا (1صم ٢٥ : ٢٢) لذلك لا نعطي للخوف مكان لأنه إن إمتلك شخصاً جعل منه أداة للتدمير ، فإن لم يدمر الغير لنجاة نفسه فقد يدمر نفسه .
النظرة الكتابية للحياة :
العالم الذي نعيش فيه قد وضع في الشرير " نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ اللهِ، وَالْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ. (1يو ٥ : ١٩) لذلك ستستمر العداوة قائمة الي مجيئ ربنا ومخلصنا علي سحاب المجد ، لان ما يمتلكه العالم طرق ليست في دائرة المشيئة الإلهية " لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ. (1يو ٢ : ١٦) فمن يتبعهما سيحصد من ثمارهما ، وثمارهما الموت عن الله " .... أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ؟ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِلْعَالَمِ، فَقَدْ صَارَ عَدُوًّا ِللهِ. (يع ٤ : ٤) فهل نعيش بعيدا عن العالم ؟ بكل تأكيد لا ، فنحن في العالم موضوعين كي نصير ملحا "أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ، ِ. (مت ٥ : ١٣) ونوراً " أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. (مت ٥ : ١٤) وكانت صلاة المسبح للأب من أجلنا أن نبقي في العالم ولكن محفوظين " لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ. (يو ١٧ : ١٥) فلولا هذه الصلاة المفعلة لدي الأب لأصبحنا في العدم وفي اللا وجود ، ولكن شكراً لله من أجل صلاة قوية وكلمات فعالة ولها تأثيرها في عالم الروح من احلنا ، لذلك وعد الرب لنا أن لا نخاف "لاَ تَخَفْ، أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ، لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ. (لو ١٢ : ٣٢) فليس الهدف حياة مطمئنة فقط بل سلام وإمان ، حتي في وقت الزوابع والمشاكل التي يصنعها عدو الخير " لاَ تَخَفِ الْبَتَّةَ مِمَّا أَنْتَ عَتِيدٌ أَنْ تَتَأَلَّمَ بِهِ. هُوَذَا إِبْلِيسُ مُزْمِعٌ أَنْ يُلْقِيَ بَعْضًا مِنْكُمْ فِي السِّجْنِ لِكَيْ تُجَرَّبُوا، وَيَكُونَ لَكُمْ ضِيْقٌ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ. (رؤ ٢ : ١٠) فقط علي المؤمن أن يكون أميناً للنهاية ، فإن خسر حياته الأرضية فله حياة سماوية مكللة ، فالحياة الزمنية حياة مؤقتة لا يجب أن نضع ثِقلنا عليها ، بل لنكون ناظرين الي المدينة الباقية السماوية التي تنزع من قلوبنا كل خوف ، لأن الضيق الذي في العالم ينشيئ أمامه مجد ابدي " لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا. (2كو ٤ : ١٧) فطبيعة العالم حزن وقلق وضيق واضطراب ، فكل هذا إن إستخدمه إبليس ضد اولاد الرب يجعل رصيد مجدنا في الأبدية عالً وله ثِقَلَ، فكن مطمئناً لانه لن يتركك فهو معك م البداية الي النهاية .

تعليقات
إرسال تعليق