الجمع والتكويم

الجمع والتكويم

بقلم القس عماد عبد المسيح


معظم المؤمنون يتجهون لفلسفة الجمع والتكويم في الحياة ، فالجمع في حد ذاته والتكويم ليس بشر أو خطية ، ولكن عندما يكون الهدف في الحياة هو السعي وراء هذه الفلسفة ، ينتهي بالمؤمن لمستوي الموت الروحي .

إن فلسفة الجمع والتكويم كمثيلتها في السعي نحو لقمة العيش ، فمن هو فقير أو صاحب دخل متوسط ، يسعي دائما لكسب لقمة العيش ، ولأن الحياة في غلاء مستمر والدخل بسيط ، فتجد من يعمل نهاراً وليلاً لتحسين المعيشة ، فيدخل هذا المؤمن في دوامة المشغولية ، مثيله كمن يسعي ليجمع ويكوم وينشغل عن الحياة الروحية ، إن كليهما نصيبهم للموت الروحي ، الموت الروحي ليس الهلاك الأبدي بل هو عدم الوجود في الدوائر الروحية كالخدمة والكنيسة وغيرهما من المسيرات الروحية ، لأنك تجده دائماً في دوائر المشغولية والإنشغال.

الله يريدنا دائماً في أحسن حال ونكون في مستوي من الحياة في الرغد والغني المستمر ، ولكن أن تكون طريقة الحياة هي أن نقضي عمرنا في لقمة العيش والجمع والتكويم فهذا جرمٌ في حق انفسنا ، يقول سليمان الحكيم أن من يسعي ليجمع ويكوم في الحياة الدنيا باطل " لأَنَّهُ يُؤْتِي الإِنْسَانَ الصَّالِحَ قُدَّامَهُ حِكْمَةً وَمَعْرِفَةً وَفَرَحًا، أَمَّا الْخَاطِئُ فَيُعْطِيهِ شُغْلَ الْجَمْعِ وَالتَّكْوِيمِ، لِيُعْطِيَ لِلصَّالِحِ قُدَّامَ اللهِ. هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ. " (جا ٢ : ٢٦) فمن ينشغل بمنطق الجمع أو التكويم فهو مخدوع لأنه تجاهل ونسيّ أن الحياة الدنيا حياة مؤقته وانه يجب أن يكون هدفنا أولاً السعي للجمع والتكويم للحياة الأبدية ، وإن سنحت لنا الحياة والفرص للجمع والتكويم فأهلاً بها ، وإن كانت الحياة لم تسنح لذلك فلا ضرر ، يكفي أن يكون إهتمامي لما هو فوق .

الله في العهد القديم شرع لشعبه عيد يسمي عيد الجمع " وَعِيدَ الْحَصَادِ أَبْكَارِ غَلاَّتِكَ الَّتِي تَزْرَعُ فِي الْحَقْلِ. وَعِيدَ الْجَمْعِ فِي نِهَايَةِ السَّنَةِ عِنْدَمَا تَجْمَعُ غَلاَّتِكَ مِنَ الْحَقْلِ. " (خر ٢٣ : ١٦) وهذا العيد هو في وقت الحصاد ( الجمع والتكويم ) فالفلاح لا تجده في الحقل نهاراً وليلاً ، لكنك تجده في الحقل وقت النهار عندما يكون إحتياج لشيئ يفعله ، وباقي الوقت في علاقة مع اسرته والهه من صلوات وتقديم ذبائح للرب تكفيراً عن خطاياه ، ويسعي دائما كي يرضي الرب ، فلا عجب في أن الرب يشرع عيد ويسميه عيد الجمع ، هذا لأن الرب يريد شعبه في الإرتفاع دائماً ، ولا يريده مديوناً للغير .

للمؤمن مجد السما لا مجد الآرضيات فلا تسعي كثيرا وتهمل ما للسماويات " وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلاً قَائِلاً:"إِنْسَانٌ غَنِيٌّ أَخْصَبَتْ كُورَتُهُ، فَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ قَائِلاً: مَاذَا أَعْمَلُ، لأَنْ لَيْسَ لِي مَوْضِعٌ أَجْمَعُ فِيهِ أَثْمَارِي؟ وَقَالَ: أَعْمَلُ هذَا: أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَّلاَتِي وَخَيْرَاتِي، وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي! فَقَالَ لَهُ اللهُ: يَاغَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟ هكَذَا الَّذِي يَكْنِزُ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ هُوَ غَنِيًّا ِللهِ" وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ:"مِنْ أَجْلِ هذَا أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ، وَلاَ لِلْجَسَدِ بِمَا تَلْبَسُونَ. اَلْحَيَاةُ أَفْضَلُ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلُ مِنَ اللِّبَاسِ. ( لو ١٢ : ١٥ - ٢٣ ) هذا الغني لم يفكر في ابديته ، أو في الإمور التي تهم الرب والحياة الروحية ، لكنه اهتم بالجمع والتكويم ، فخسر نفسه لأن " اَلْحَيَاةُ أَفْضَلُ مِنَ الطَّعَامِ " الحياة الأبدية أفضل من الحياة الزمنية .

اهتمامنا بما هو سماوي احياناً يدفع الإنسان لترك كل ما هو غالٍ وثمين من مال وعقارات وأهل وأقارب ، من إجل أن يكسب أبديته " فَأَجَابَ بُطْرُسُ حِينَئِذٍ وَقَالَ لَهُ:"هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟" فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:"الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَبِعْتُمُونِي، فِي التَّجْدِيدِ، مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ  إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ. (مت ١٩ :٢٧ ، ٢٨ ) فكل مستوي من الترك له مستوي زمني وابدي " وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي، يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ. (مت ١٩ : ٢٩) فلتهتم بعمل الرب أكثر من إهتمامك بإمورك الخاصة

ما نسعي اليه في حياتنا لن يخرج بعيدا عن : ـ زمني جسداني  ـ ابدي روحاني ، فقد يفعل إثنان نفس الشيئ ، الأول بدافع شخصي لذاته ، والثاني بدافع روحي لمجد الله ، فيكون تقدير الله للثاني أفضل من تقديره للأول ، وبالتالي الأول يكنز للزمنيات ، أما الثاني فيكنز للروحيات ، اوقات كثيرة لا نهتم بما هو سماوي لأن الطبيعة البشرية طبيعة ساقطة ، فلا يهتم الٱنسان إلا بكل ما هو منظور وملموس ومحسوس

من الإمور الملموسة والمحسوسة :   حضور الاجتماعات  ـ الإقتراب للأماكن التي يظن الإنسان أنها مقدسة بهدف التبارك   ـ  قرأة كلمة الله والمواظبة عليها  ، حتي الأعمال المرتبطة بالزمنيان تدخل من ضمن الإمور الملموسة والمحسوسة كجمع المال والصداقات والتنزهات ووو... الخ  ، كل ما ذكر ليس خطية ولكن ، يجب أن نعرف أن الله لا يُقدِر ما نعمل إلا من خلال اتجاه القلب ، فقد يلتف الشعب حول الرب ولكن بإتجاه قلب نفسي أو لأهداف اجتماعية ، فيفقد المؤمن مستوي الجمع والتكويم للأبدية

التفاف الشعب حول الرب ليس معناه إهتمام بما هو سماوي ، لأن تقدير الله لمن هم حوله مرتبط بإتجاه القلب وليس بعدد المرات التي اجتمعت فيها به سواء كان في زيارات أو إجتماعات روحية فقد إجتمع الشعب حول الرب وهتفوا  " أوصنا اوصنا  " ( يو ١٢ : ١٢ - ١٨ ) لا لشخصه بل لسبب صنيعه معهم واقامة لعازر لذلك عند أول محك تركوه وقالوا " اصلبه اصلبه " قد نلتف حول الرب لأنه صنع معنا مفتخرا وهذا ليس خطأ " نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً. (1يو ٤ : ١٩)  ولكن الله يريدنا أن نجتمع معه ونلتف حوله لأننا نحبه فقط لشخصه .

بكل تأكيد تجميع ثروة للأولاد مهم ولكن لا يجب أن يكون هو أساس الحياة والهدف ، ففي سيري مع الرب وفي خدمته أصنع لملكوت الله وهذا هو الهدف وبجانب هذا يتم صنع ما للحياة الزمنية " لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ "  ( مت ٦ : ٣٣ ) الرب لن يترك أولاده الفاعلين مرضاته " وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي، لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ". (يو ٨ : ٢٩) فالمسيح وضع لنا المفتاح الأساسي للمعية الإلهية والسنده الروحية وهي مرضاة الرب والمقابل الإهتمام وعدم الترك ، الإهتمام بالغد يدخل الإنسان في دائرة المشغولية " فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ."  ( مت ٦ : ٣٤ ) فما نراه أن المؤمنين حتي بما فيهم بعض الخدام يكون اهتمامهم أولا بما هو لمستقبل حياتهم واولادهم زمنيا ، ويكون هذا علي حساب ما لملكوت الله ، ولكن يجب أن يكون الإهتمام أولاً لملكوت الله حتي ولو علي حساب الزمنيات وثق أن الله لن يترك الأمناء ولا أولادهم .

اعرف رجل لله عظيم ترك ميراثه لطمع اخيه فيه ولاموه كثيرين ولكنه لم يبالي ، فكانت النتيجة النهائية أن ابناء اخيه اخذوا كل شيئ من ابيهم وتركوه في غرفة من البوص والجريد ليوم وفاته ، واولاده منقسمين ومتخالفين الي هذا اليوم ولم يختبروا معرفة الرب الي الأن، أما رجل الله فقد باركه الرب ولم يتركه فقد عاش مكرم ليوم وفاته ولم يترك اولاده في عوز ، ويختبروا كل يوم تسديد احتياجاتهم هذا غير أنهم أولاد لله وفي مستوي خدام رائعين ، الفارق كبير بين من يهتم بما هو فوق ومن يهتم بما هو أرضي ، أصلي أن رجال الله وابناء الرب ينظرون الي ما هو سماوي ويكون بأنه لن يتركهم في عوز واحتياج ، فهو لم يترك دانيال ولا الفتيان الثلاثة ولا داود النبي ولا اي من رجال الله الذين اهتموا بالرب وخدمته ولن يتركك

الإبن المبارك صنع للإنسان أمرا عظيما بأنه أخلي نفسه أخذا صورة عبد " لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. (في ٢ : ٧) لماذا هذا الإخلاء ؟ لأن لديه هدف عظيم اسمه " الإنسان " وفداءه " وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. (في ٢ : ٨) لم يستخسر من اجلنا نفسه " كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ". (مت ٢٠ : ٢٨) هل هذا كافي كي نجعل أنفسنا له " وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلِلْمَسِيحِ، وَالْمَسِيحُ ِللهِ. (1كو ٣ : ٢٣) ولا نجعل انفسنا للمال والمشغوليات " لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ. (١تيمو ٦ : ١٠) لا اقصد أن نبتعد كليا عن جمع المال ولكن نبتعد عن أن يكون هذا هدفنا

هل عندك استعداد أن تتخلي عن مقعدك في المجتمع الكنسي من أجل أخيك او من اجل عمل الله ؟ هل عندك استعداد أن تدفع مبلغ كبير من المال لبناء بيت للرب ( مبني كنيسة ) ؟ كثيرا نتمسك بالزمنيات أكثر من الروحيات وهنا الخطورة

احبائي الاعزاء

انا أعلم أن الدراسة في كلمة الله مهمة جدا جدا وجميعا نحتاج لها ، يوجد بعض المواضيع قد تكون معروفة للجميع أو للبعض ، ولكن من المهم أن ندرسها معاً ونكون في استعداد لنعيشها ، لذلك نحن نشجع بعضنا البعض ، موضوع الجمع والتكويم ليس بخطية ، فهو الطبيعي للحياة ، ولكن عندما يتحول الهدف بعيدا عن الله فتكون الخسارة الأبدية عظيمة ، فيجب ان نفرق بين الحياة الأبدية التي للمؤمنين ، والمجد والاكاليل التي لهم ، فالحياة الأبدية هي لكل من يؤمن ، أما المجد والاجرة والاكاليل لكل مجتهد وباحث وعامل في كرم الرب ، اهتمامنا بإمور العالم والزمنيات يخسرنا الجعالة " أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ، وَلكِنَّ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجَعَالَةَ؟ هكَذَا ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا. (1كو ٩ : ٢٤) مهم جدا " ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا. " فهل كل المؤمنون يركضون لينالوا الجعالة ، فالجعالة ليست الحياة الأبدية بل الإكليل والمجد والأجرة " وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَمَّا أُولئِكَ فَلِكَيْ يَأْخُذُوا إِكْلِيلاً يَفْنَى، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِكْلِيلاً لاَ يَفْنَى. (1كو ٩ : ٢٥) فمن يريد أن ينال الجعالة يضبط نفسه في كل شيئ .. اكرر .. في كل شيئ

اصلي لكل مؤمن أن يكون في مستوي المجد والرفعة الروحية فينال هنا كرامة وهناك مجد ابدي واجرة واكليل لا يفني ، عندما نريد أن نتكلم عن مستويات للجمع والتكويم فما علينا إلا أن نتكلم عن جمع وتكويم في مستوي الملكوت ، ففي عالم التجارة والأعمال الألف و الباء فيها العلاقات السليمة والصيت الحسن ، هكذا في عالم الملكوت العلاقات السليمة والصيت الحسن ، فبدونهما يخسر المؤمن ما أراد تكويمه في الأبدية .

تشويه الصورة الروحية للمؤمنين يخدم إبليس خدمة عمره ، لأنه يريد تدمير كل ما هو للملكوت ، فقد حاول فعل هذا مع المسيح في بداية خدمته " فَلَمَّا نَظَرَ الْفَرِّيسِيُّونَ قَالُوا لِتَلاَمِيذِهِ:"لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُمْ مَعَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ؟" (مت ٩ : ١١) هدف ابليس أن يظهر المسيح أمام الرأي العام أنه خاطيئ " جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ. وَالْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَا". (مت ١١ : ١٩) ما يفعله إبليس هو درب من الهراء وما زال يسلك نفس المسلك محاولا تشويه الكنيسة من خلال بعض المؤمنين الضعفاء المتحولين من مستوي العمل للملكوت الي مستوي العمل للنفس والذات ، فيحدثون إنقسامات وتحزبات ، خاسرين مستوي ابدي من الكنوز الروحية التي دعانا اليها الرب " بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ، (مت ٦ : ٢٠)

لم يستطع ابليس ان يفعل شيئا للمسيح ، ولم يستطع أن يُمسك عليه علة واحدة " مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي؟ (يو ٨ : ٤٦) فالمعطل الكبير الذي يقف أمام النفوس هو العلل والأخطاء التي تصدر من المؤمنين بعضهم مع بعض ، أما المسيح فقد كان قدوس بل عيب وبلا شر وبلا خطية " لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ (عب ٧ : ٢٦) وهذا هو فخرنا ، يريد الله مؤمنون يسلكون وهدفهم الاول والأخير " ملكوت الله " وليس " ملكوت انفسهم " فليحفظ الرب شعبه وليكونوا في ملء مشيئته .

اعزائي الكرام .. ندخل معا لأخر مرحلة من مراحل الجمع والتكويم التي هي :

الجمع والتكويم ومرحلة المسحة

رأينا أن الجمع والتكويم ليس بخطية ولكن انشغالنا به بعيدا عن مشيئة الله يجعلنا خاسرين في مستوي الأبدية ، وكما شرحنا انه يوجد فرق بين الحياة الأبدية والمجد العتيد ، فالحياةالابدية هي لكل المؤمنين علي حساب دم المسيح ، أما المجد العتيد مرتبط بحياةالمؤمن والخدمات التي قدمها والإستشهاد الذي حدث له ، كلٍ له مجده بحسب مستوي واتجاه قلب مقدمه .

اعظم نظام جمع وتكويم هو النظام السماوي ، فالنظام الأرضي به سوس وصدأ وسارقون يسرقون ( مت ٦ : ١٩ ) أما النظام السماوي فمحفوظ لنا مهما طالت بنا المدة الزمنية علي الأرض ، وعند وصولنا نجده ولا نخاف عليه من السرقة وليس له عمر افتراضي يستنذف فيه .

المسحة الالهية التي يمسح الله بها أولاده وخدامه لا تقوم علي مستوي الشخص بل علي مستوي الدعوة الالهية ، وهذه الدعوة تهب لنا الفرصة لنخدم الرب ونكنز كنوز ابدية ، ففي العهد القديم كان هارون له سقطات كبيرة جدا ، مثلا : صنعه عجل من ذهب ليعبده الشعب ( خر ٣٢ : ٢٤ ) كما انه تكلم مع مريم علي موسي ( العدد ١٢ : ١ ) ورغم هذا يتصدر كي يكون أول رئيس كهنة في تاريخ شعب الله ( لا ٨ : ١ - ٧ ) لا عن استحقاق شخصي بل لأن الدعوة التي كلف بها قد قبلها ليسير مسيرة الهية مع موسي لخلاص شعب الله من العبودية ( خر ٤ : ٢٧ ) فلم يبخل عليه الرب كي يعطي له فرصة عمره ليمسحه ليكهن امامه لشعب قد اختاره الرب ، متغاضيا عن أخطاء كانت قادره علي هدم خدمته وضياع مستوياه ، ولكن الرب عظيم يمنح المؤمن فرص ليكنز لنفسه كنوزا ابديه .

جاء المسيح ليجعل المؤمنين به لهم نفس المستوي الذي لكهنوت يهوذا الذي تصدره هارون ولكن علي مستوي كهنوت ملك صادق الذي يتصدره المسيح ( عب ٥ : ٦ ) وقد جعلنا الرب جميعا في هذا المستوي لنكهن بعضنا من اجل بعض ( رؤ ١ : ٦ ) هذا ليفتح لنا الرب المجال ويهب لنا الفرصة لنكنز كنوزاً ابدية .. فشكرا للرب



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس