الأسوار والهروب النفسي
الأسوار والهروب النفسي
بقلم القس عماد عبد المسيح
كل إنسان علي وجه البسيطة حوله أسوار لا يريد الإستمرار فيها ، فقد تكون أسوار أُسرية أو دينية أو سياسية أو إقتصادية ، وغيرها من الأسوار التي يريد الإنسان أن يتحرر منها ، وإن لم يستطع فيحاول الهروب علي قدر المستطاع ، الشعور بالأسوار دائماً يبدأ في النفس ، وعند الشعور بها يبدأ الإنسان بالهروب النفسي أولاً ، وإن تطور يتحول إلي هروب بالجسد والكيان النفسي للشخص الذي يشعر بالأسر داخل الأسوار.
اسوار حول الحالة النفسية :
الأسوار المرتبطة بالحالة النفسية للإنسان ما هي إلا قيود فكرية أو بدنية تمثل ضغطاً ذهنياً وعدم راحة وعدم شعور بالأمان ، فقد كانت هاجر المصرية في كنف سارة التي أذلتها حتي هربت من أمام وجهاها فقد هربت بقرار إرادي : " فَقَالَ أَبْرَامُ لِسَارَايَ: "هُوَذَا جَارِيَتُكِ فِي يَدِكِ. افْعَلِي بِهَا مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْكِ". فَأَذَلَّتْهَا سَارَايُ، فَهَرَبت مِنْ وَجْهِهَا." ( التكوين ١٦:٦ ) فالذُل شعور نفسي سلبي ، ينتج عن طريق معاملة الإنسان للإنسان ، فلا تستغرب من تصرفات بعض المؤمنين ومعاملاتهم مع بني جنسهم وانسبائهم وزملائهم
أيضاً يعقوب هرب من لدن لابان لأنه حسب انه سيأخذ منه كل شيئ ولن يُقّدِر تعبه " فَسَمِعَ كَلاَمَ بَنِي لاَبَانَ قَائِلِينَ: "أَخَذَ يَعْقُوبُ كُلَّ مَا كَانَ لأَبِينَا، وَمِمَّا لأَبِينَا صَنَعَ كُلَّ هذَا الْمَجْدِ". وَنَظَرَ يَعْقُوبُ وَجْهَ لاَبَانَ وَإِذَا هُوَ لَيْسَ مَعَهُ كَأَمْسِ وَأَوَّلَ مِنْ أَمْسِ. (تك ٣١ : ١ ، ٢) هرب يعقوب دون أن يخبر لابان بشيئ " وَخَدَعَ يَعْقُوبُ قَلْبَ لاَبَانَ الأَرَامِيِّ إِذْ لَمْ يُخْبِرْهُ بِأَنَّهُ هَارِبٌ. فَهَرَبَ هُوَ وَكُلُّ مَا كَانَ لَهُ، وَقَامَ وَعَبَرَ النَّهْرَ وَجَعَلَ وَجْهَهُ نَحْوَ جَبَلِ جِلْعَادَ. (تك ٣١ : ٢٠ - ٢١ ) فذهب لابان وراء يعقوب " فَأُخْبِرَ لاَبَانُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ بِأَنَّ يَعْقُوبَ قَدْ هَرَب :٢٧ لِمَاذَا هَرَبتَ خُفْيَةً وَخَدَعْتَنِي وَلَمْ تُخْبِرْنِي حَتَّى أُشَيِّعَكَ بِالْفَرَحِ وَالأَغَانِيِّ، بِالدُّفِّ وَالْعُودِ، " ( التكوين ٣١:٢٢ ) فالإحساس بوجود اسوار يُنشط داخل الإنسان الرغبة في الهروب ، فلكل إنسان طاقة للإحتمال ، ولكن في النهاية إن لم تُهدم الأسوار فسيتولد إحساس بالهروب
يوسف هرب من سور النجاسة من أمام زوجة فوطيفار : " فَأَمْسَكَتْهُ بِثَوْبِهِ قَائِلَةً: "اضْطَجعْ مَعِي!". فَتَرَكَ ثَوْبَهُ فِي يَدِهَا وَهَرَبَ وَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ." ( التكوين ٣٩:١٢ ) فللخطية سور يحجب الرؤيا الروحية للمؤمن فلا يري إمور الله ويخرج خارج المشيئة الإلهية ، فهروب يوسف حفظ حالته الروحية أمام نفسه وأمام إلهه وأمام عالم الروح ، فأخذ شهرةً وصار من الصديقين " أَمَّا الصِّدِّيقُ فَيَسْتَمْسِكُ بِطَرِيقِهِ، وَالطَّاهِرُ الْيَدَيْنِ يَزْدَادُ قُوَّةً. (أي ١٧ : ٩)
موسي هرب من سور فرعون وسجنه بقرار ارادي : " فَسَمِعَ فِرْعَوْنُ هذَا الأَمْرَ، فَطَلَبَ أَنْ يَقْتُلَ مُوسَى. فَهَرَبَ مُوسَى مِنْ وَجْهِ فِرْعَوْنَ وَسَكَنَ فِي أَرْضِ مِدْيَانَ، وَجَلَسَ عِنْدَ الْبِئْرِ." ( الخروج ٢:١٥ ) فهروب موسي كان له أفضل من إتهامه بالخيانة والموت ، فهرب موسي من أجل حياته
الهروب النفسي :
قد يكون إرادياً أو لا إرادياً ويرافق الإنسان في جميع مراحله العمرية ، ويستلزم الإنسان هروباً من المكان وترك الكل ليشعر بالراحة والأمان الداخلي ، هروب هاجر كان قراراً إرادياً للنجاة من الذل والمهانة ، وهروب يعقوب كذلك ، أما هروب يوسف فقد كان ما بين الإرادي الواعي وبين الإنفعالي كرد فعل للمبادئ الساكنة داخله ، فلأن مبادئه حياة القداسة فعندما أتت النجاسة اليه كان رد الفعل الطبيعي هو الهروب مهما كانت العواقب ، أما موسي فكان هروبة فرصة للنجاة من براثن وأنياب فرعون ، أيضاً هرب موسي من أمام العصا التي صارت حية ، وهذا الهروب ليس إراديا بل صادر من العقل اللاواعي كرد فعل لما رأه أمامه هذا لإبقاء نفسه حيةٌ ، فبعقله الواعي إرادياً قرر الهروب بعيدا عن الحدود المصرية كي لا تطيله يد فرعون ، اما في هروبه من العصا التي صارت حيه فهو هروب لا إرادي ، انه هروب انفعالي كرد فعل طبيعي ، في كل الأحوال فالهروب أمر طبيعي لينال الإنسان استقلاليته ، ولا سيما عندما يكون الهروب مرتبط بأمر كتابي كالقداسة وغيرها من المبادئ الكتابية ، اما حياة الإستسلام للواقع المرير فهذا هو الغير طبيعي .
هروب بقرار الغير :
عندما ينتاب الإنسان عدم الشعور بالخطر ، لا يتحرك نحو نجاة نفسه ، فالنجاة والهروب يأتي من خلال القراءة الجيدة للأحداث المحيطة ، فيدرك الإنسان مقدار ومستوي الأسوار التي تحيط به ، فيستطيع أن يقرر ، وإن لم يفهم الإمور هنا يحتاج لمن يقرر بالنيابة عنه ليدفعه بعيداً عن الخطر
لوط هرب من اسوار سدوم بقرار غيره : " وَكَانَ لَمَّا أَخْرَجَاهُمْ إِلَى خَارِجٍ أَنَّهُ قَالَ: "اهْرُب لِحَيَاتِكَ. لاَ تَنْظُرْ إِلَى وَرَائِكَ، وَلاَ تَقِفْ فِي كُلِّ الدَّائِرَةِ. اهْرُب إِلَى الْجَبَلِ لِئَلاَّ تَهْلِكَ"............. :١٩ هُوَذَا عَبْدُكَ قَدْ وَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ، وَعَظَّمْتَ لُطْفَكَ الَّذِي صَنَعْتَ إِلَيَّ بِاسْتِبْقَاءِ نَفْسِي، وَأَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَهْرُب إِلَى الْجَبَلِ لَعَلَّ الشَّرَّ يُدْرِكُنِي فَأَمُوتَ. :٢٠ هُوَذَا الْمَدِينَةُ هذِهِ قَرِيبَةٌ لِلْهَرَب إِلَيْهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ. أَهْرُب إِلَى هُنَاكَ. أَلَيْسَتْ هِيَ صَغِيرَةً؟ فَتَحْيَا نَفْسِي" .......... :٢٢ أَسْرِعِ اهْرُب إِلَى هُنَاكَ لأَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا حَتَّى تَجِيءَ إِلَى هُنَاكَ". لِذلِكَ دُعِيَ اسْمُ الْمَدِينَةِ "صُوغَرَ". ( تك ١٩ : ١٧ - ٢٠ ) إحتاج لوط لمن يقرأ له أحداث قد تدمره وتدمر ممتلكاته ، وبالفعل أرسل له الله ملاكان ليدفعانه بعيداً عن منطقة الخطر ، فلم تكن عيونه مفتوحة لمعرفة اهم التطورات الروحية في عالم الروح للإمور الحادثة لمنطقته ، فما أحلي أن تكون عيوننا مفتوحة وحياتنا في ملء المشيئة الإلهية .
اسوار الخوف انتابت رفقة أم عيسوا فقالت لإبنها يعقوب أن يهرب من وجه اخيه ، فهرب يعقوب بقرار رفقة هرب ليكسر حاجز الخوف ، ولكنه لا يعلم أن حاجز الخوف لا يُكسر بالهروب بل بالمواجهه ، فقد وجهت يعقوب التوجيه الخاطئ وهو الهروب ، هذا لأنها تعلم أن عيسوا رجل صيد وقد يكون قاسي في غضبه ، فكانت نصيحتها له بالهروب حتي يعبر وقت الغضب " فَالآنَ يَا ابْنِي اسْمَعْ لِقَوْلِي، وَقُمِ اهْرُب إِلَى أَخِي لاَبَانَ إِلَى حَارَانَ ، وَأَقِمْ عِنْدَهُ أَيَّامًا قَلِيلَةً حَتَّى يَرْتَدَّ سُخْطَ أَخِيكَ. (تك ٢٧ : ٤٣ ، ٤٤) هذا دفعه ليقيم سنين كثيرة بعيداً عن والديه ، وهذا جعله يسعي ليُكّوِنْ نفسه بالعمل والجهد ويعيش حياته علي قدر المستطاع.
اسوار المشغولية تحتاج أن تُكسَّر ، فإن نسيَّ الإنسان وإنشغل عن أهم الأهداف الروحية فسيقوم الله بتذكيره ، فالهدف ليس أن نعيش الحياة بعيداً عن المسئولية الروحية والتكليف الإلهي منشغلين بإمور الحياة ، لذلك جاء الرب ليُذكِر يعقوب بالرجوع حيث بداية السُلم في بيت ايل حيث الرؤيا والحلم ، لكي يبدأ الله معه المسيرة الروحية التي كانت علي قلبه وخرج من بيت أبيه من أجلها " ثُمَّ قَالَ اللهُ لِيَعْقُوبَ: "قُمِ اصْعَدْ إِلَى بَيْتَ إِيلَ وَأَقِمْ هُنَاكَ، وَاصْنَعْ هُنَاكَ مَذْبَحًا ِللهِ الَّذِي ظَهَرَ لَكَ حِينَ هَرَبتَ مِنْ وَجْهِ عِيسُو أَخِيكَ".( تك ٣٥ : ١ ) وبالفعل كسر كل الأسوار وخرج هارباً من وجه لابان وذهب الي بيت إيل " وَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا، وَدَعَا الْمَكَانَ "إِيلَ بَيْتِ إِيلَ" لأَنَّهُ هُنَاكَ ظَهَرَ لَهُ اللهُ حِينَ هَرَبَ مِنْ وَجْهِ أَخِيهِ. ( تك ٣٥ : ٧ )
عندما تكون المسئولية أكبر من الإنسان ويحتاج لدعم الهي ليكسر التقاليد والعادات والأنظمة ويتزوج من عذراء حامل وهذا الحمل هو من الروح القدس وتلد ابناً ويُسمي يسوع ، ولكن التيار أعلي من مستوي رجل كيوسف " وَبَعْدَمَا انْصَرَفُوا، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُف فِي حُلْمٍ قَائِلاً:"قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ". ( متى ٢ : ١٣ ) هروب يوسف بالصبي كان بدافع وبتكليف الهي من أجل عمل الرب ، فعندما تشعر بأن المسئولية أكبر منك ، فلا تخف ، فقط إتكل علي الرب وثق بأنه يساندك .
الخطية وأسوار الأعداء :
يوجد فرق بين الهروب من سور الخطية والهروب بسبب سور الخطية ، فالخطية تدفع الإنسان في دائرة الأعداء فيحاط بالمخاوف ورائحة الموت ، فلا يكون أمامه إلا الإستسلام أو الهروب إن كان ممكناً
هروب وليس مطارد : " وَإِنْ رَفَضْتُمْ فَرَائِضِي وَكَرِهَتْ أَنْفُسُكُمْ أَحْكَامِي، فَمَا عَمِلْتُمْ كُلَّ وَصَايَايَ، بَلْ نَكَثْتُمْ مِيثَاقِي، ....... وَأَجْعَلُ وَجْهِي ضِدَّكُمْ فَتَنْهَزِمُونَ أَمَامَ أَعْدَائِكُمْ، وَيَتَسَلَّطُ عَلَيْكُمْ مُبْغِضُوكُمْ، وَتَهْرُبونَ وَلَيْسَ مَنْ يَطْرُدُكُمْ. ...... وَالْبَاقُونَ مِنْكُمْ أُلْقِي الْجَبَانَةَ فِي قُلُوبِهِمْ فِي أَرَاضِي أَعْدَائِهِمْ، فَيَهْزِمُهُمْ صَوْتُ وَرَقَةٍ مُنْدَفِعَةٍ، فَيَهْرُبُونَ كَالْهَرَبِ مِنَ السَّيْفِ، وَيَسْقُطُونَ وَلَيْسَ طَارِدٌ. ( لا ٢٦ : ١٥ ، ١٧ ، ٣٦ ) مصدر الأمان والهدوء النفسي يكمن في معرفة كلمة الله والسلوك في فرائض الرب ، فالبعد عن الله وعن كلمته يصنع انزعاجاً داخلياً وخوف دائم ، لذلك أناشدك أن تبدأ في دراسة الكلمة ومعرفة الحق الكتابي فتمتليئ قوة وسلاماً وهدوءً ، فإن صنع لك إبليس أزمنة شيطانية ، فستكون في أمان لأن الكلمة المقدسة تُعلن لنا دائما أفكاره " لِئَلاَّ يَطْمَعَ فِينَا الشَّيْطَانُ، لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ. (2كو ٢ : ١١) فمعرفة أفكار إبليس لن تخرج خارج كلمة الله لأنها ضده وكلمة الله لها فاعليتها .
لا تتشبه بالأشرار : طبيعة الخطية لا تعطي أماناً ، أنظر للسارق إثناء وبعد السرقة متخوف لئلا يُمسَّك ، هكذا الزاني وهكذا سارق النظرات الغير نقية وغيرها من الخطايا فـ " اَلشِّرِّيرُ يَهْرُبُ وَلاَ طَارِدَ، أَمَّا الصِّدِّيقُونَ فَكَشِبْل ثَبِيتٍ." ( أم ٢٨ : ١ ) فالمؤمن لم يأخذ مصل مناعي ضد الخطية ولكنه أخذ طبيعة جديدة يستطيع أن يعيش بها ضد الطبيعة القديمة ، فـ الجديدة لم تُلغي القديمة ، ولكن بها صار للإنسان القدرة علي التواصل بالرب وبروحه القدوس .
الطبيعة القديمة تورث الغضب : " الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا، (أف ٢ : ٣) فمن يسير بها ستكون نهايته الغضب ، بالنسبة للأشرار غضب دُنيا وأخرة ( كمثل سدوم وعمورة ) أما المؤمنون فالغضب الإلهي يرتبط بالدنيا ، أما الأخرة فسيخسر الأجرة والأكاليل والمكانة الروحية ( مستوي المجد ) هنا وفي الأبدية أيضاً ، أما هو فله حياة أبدية " إِنِ احْتَرَقَ عَمَلُ أَحَدٍ فَسَيَخْسَرُ، وَأَمَّا هُوَ فَسَيَخْلُصُ، وَلكِنْ كَمَا بِنَارٍ. (1كو ٣ : ١٥)
الطبيعة الجديدة تورث أكاليل وتيجان ومجد أبدي : " اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ. (2بط ١ : ٤) فالطبيعة الجديدة تُسمي " الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ " التي بها نستطيع أن نتواصل بإله السماء وبالإعلانات الإلهية كلمة ( الطَّبِيعَةِ ) في الانجليزي ( nature ) وتعني ( صبغة ) وفي اليوناني ( φύσις ) وتنطق ( phusis - فوسيس ) وتعني ( الخصائص الطبيعية ) هنا نفهم انه صار للمؤمن طبيعة خاصة لا توجد عند الغير مؤمن بها يستطيع أن يمجد الله ، وعلي المؤمن التركيز إما علي الطبيعة الالهية المعطاة للمؤمن أو علي الطبيعة القديمة التي تدفع المؤمن ليفعل ما لا يريد فعله " فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ، وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ. ....... فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ، فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ أَنَّهُ حَسَنٌ. (رو ٧ : ١٤ ، ١٦ ، ١٧) أي أن المؤمن الذي يعيش بالطبيعة القديمة يصادق الناموس بأنه جيد وأن الأنسان بطبيعته فاسد ، فالناموس يظهر فساد الخليقة القديمة لذلك قال الرسول في بداية الإصحاح هذه الحقيقة " إِذًا يَا إِخْوَتِي أَنْتُمْ أَيْضًا قَدْ مُتُّمْ لِلنَّامُوسِ بِجَسَدِ الْمَسِيحِ، لِكَيْ تَصِيرُوا لآخَرَ، لِلَّذِي قَدْ أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لِنُثْمِرَ ِللهِ. (رو ٧ : ٤) فالرسول من بداية الإصحاح يُقر بأن الطبيعة الجديدة هي القادرة علي الإثمار ، فعندما يتحد المؤمن بالطبيعة الجديدة يثمر ، وعندما يُركز علي الطبيعة القديمة سيسقط داخل اسوار الخطية فلا يستطيع أن يعيش في بر لمسيح العملي فيصرخ ويقول " وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟ (رو ٧ : ٢٤) فأصلي من كل قلبي أن نهرب من الطبيعة القديمة ونهدم اسوارها ونتحد بالطبيعة الجديدة القادرة أن تبارك حياتنا .
مخابئ للحماية والبركة :
الأسوار التي تصنعها الخطية داخل أنفسنا ليست مغلقة أو كاملة الإرتفاع أو ليس بها ثغرات للهروب منها أو هدمها ، فالخطية ليس عمل الهي فيكون كاملاً ، ولكنه صناعة شيطانية ، وكل أعمال الشيطان ناقصة وليس فيها كمالاً ، لذلك من السهل أن نترك الخطية ونهدمها ونهرب منها ، يوجد فرق في تعاملنا تجاه الخطية وتجاه إبليس ، فالعدو إبليس نقاومه " فَاخْضَعُوا ِللهِ. قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ." ( يعقوب ٤ : ٧ ) لأننا لا نهابه ولا نخافه لأن مكانه الوحيد تحت الأقدام " هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَانًا لِتَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُوِّ، وَلاَ يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ. (لو ١٠ : ١٩) فهو المهزوم .
أما الخطية فنهرب منها ولا نتعامل معها ولا نحاورها ولا نقف أمامها ، بل نعطي لها ظهورنا ونهرب لأحضان الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالصَّبْرَ وَالْوَدَاعَة وَالسَّلاَمَْ والقَلْبٍ نَقِيٍّ. ، فنشعر بالتعويض الإلهي " وَأَمَّا أَنْتَ يَا إِنْسَانَ اللهِ فَاهْرُبْ مِنْ هذَا، وَاتْبَعِ الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالصَّبْرَ وَالْوَدَاعَةَ" ( ١تي ٦ : ١١ ) فكل هذه ما هي إلا مخابئ للحماية والبركة " أَمَّا الشَّهَوَاتُ الشَّبَابِيَّةُ فَاهْرُبْ مِنْهَا، وَاتْبَعِ الْبِرَّ وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالسَّلاَمَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الرَّبَّ مِنْ قَلْبٍ نَقِيٍّ.( ٢تي ٢ : ٢٢ ) إن الدوافع التي تدفع المؤمن ليهرب من الخطية أو يهدم كل حصونها هي مخابئ الحماية والبركة " الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالصَّبْرَ وَالْوَدَاعَة وَالسَّلاَمَْ والقَلْبٍ نَقِيٍّ." لذلك دعونا نتكلم عن بعض هذه المخابئ كالبر والتقوي والايمان والمحبة ، فإن تواجدوا صار للسلام والصبر والوداعة مكان وتواجد ، وظهر نقاء القلب .
كلمة البر : " في الإنجليزية ( righteousness ) في اليوناني ( δικαιοσύνη ) وتنطق ( dikaiosunē - ديكايسون ) وتعني ( البر ، النقاء في الحياة ، صحة التفكير في الشعور ) - ( ارجع لدراسة ثمر الروح ) فللبر بركات روحية ومجد أبدي وهذه تَمنح المؤمن القوة لهدم الحِصون الشيطانية المرتبطة ببعض العادات والخطايا البعيدة عن مصدر كلمة الله ، فيصير المؤمن في حياة التقوي .
كلمة َالتَّقْوَى : في الانجليزية ( godliness ) بمعني ( ورع - تقوي - صلاح ) وفي اليوناني ( εὐσέβεια ) وتنطق ( eusebeia - يوسبيا ) وتعني ( القداسة - التقوي ) فحياة القداسة تمنح المؤمن فرصة ليُظهِر مستوي الإيمان العملي الذي يُعطي للمؤمن فرصة لهدم كل الأسوار المرتبطة بالخطية ، هذه الاسوار تكمن داخل النفس البشرية التي تمنع المؤمن من المشاركة في عمل الله وخدمته لأن الخطية تجعل المؤمن بعيد عن الحرارة الروحية ، فالتقوي ماهي إلا حياة القداسة بالتدقيق ، وتعمل علي إظهار مستوي البر الروحي والإيمان .
كلمة الإيمان : في الانجليزية ( faith ) وفي اليوناني ( πίστις ) وتنطق ( pistis - بستس ) وتعني ( اقتناع - تصديق ) والإيمان مستويات لكل أمر مستواه ، فالإيمان الخلاصي يتساوي فيه الرسول مع المؤمن البسيط " سِمْعَانُ بُطْرُسُ عَبْدُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَرَسُولُهُ، إِلَى الَّذِينَ نَالُوا مَعَنَا إِيمَانًا ثَمِينًا مُسَاوِيًا لَنَا، بِبِرِّ إِلهِنَا وَالْمُخَلِّصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: (2بط ١ : ١) فهو إيمان مرتبط بالعمل الكفاري الذي صنعه المسيح علي الصليب ، أما الإيمان المعجزي فهو مرتبط بالمواقف والإحتياجات كإيمان قائد المئة الذي شهد عنه المسيح قائلاً : " ....... اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا! (مت ٨ : ١٠ ) فعمق التصديق والإقتناع والفهم عميق لدرجة أنه يُحرك قلب الرب فيصنع المعجزة دون اي نوع من التأخير او التأجيل " ثُمَّ قَالَ يَسُوعُ لِقَائِدِ الْمِئَةِ: "اذْهَبْ، وَكَمَا آمَنْتَ لِيَكُنْ لَكَ". فَبَرَأَ غُلاَمُهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ. (مت ٨ : ١٣) اما الإيمان المرتبط بحياة البر والقداسة ( التقوي ) فهو إيمان يُحرك المبادئ الكتابية الساكنة داخل المؤمن وهذا ما اعلنه الرسول يعقوب" هكَذَا الإِيمَانُ أَيْضًا، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ، مَيِّتٌ فِي ذَاتِهِ. (يع ٢ : ١٧) ليس المقصود هنا الإيمان الخلاصي ولا الإيمان المعجزي بل الإيمان الذي يُظهِر البر والقداسة والتقوي ، التي تَّظهر للجميع وتترجم بأنها محبة .
كلمة المحبة : في الانجليزية ( love ) وفي اليوناني ( ἀγάπη ) وتنطق ( agapē - اغابي ) وتعني ( حب - محبة - عشق - مودة ) دائماً المحبة تعمل علي حفظ الإنسان من الخطأ تجاه من يُحب ، ودائمأً يعمل علي أن تكون صورته حسنة ونقية أمام محبوبة ، وأن يقدم دائماً الغالي للمحبوب دون إنتظار من الأخر شيئاً ، هذا النوع من المحبة الذي قدمه المسيح للعالم " لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. (يو ٣ : ١٦) وهذا ما يريدنا الله أن نكون عليه في علاقاتنا بعضنا مع بعض " وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعضُكُمْ بَعْضًا. (يو ١٣ : ٣٤) فالمحبة مخبأ عظيم للحماية والبركة ، فبدونه لا يكون للبر والسلوك المقدس أي وجود أو عمل وبالتالي لن يكون قداسة والتقوي أي واقع عملي ، وهكذا لن يُترجم الإيمان العملي أمام الناس ، فإن سقطت المحبة سقط كل شيئ .
مما سبق نري أن المخابئ التي للحماية تعمل في داخلنا إن منحناها الفرصة وتم تركيزنا عليها في علاقاتنا بها ، فنكون دائماً في الإرتفاع وفي مستوي البركة والإستخدام والمسحة الدائمة اصلي لشعب الرب بالبركة .
اهم سور هو مجد الرب :
ما تعمله الخطية في وضع الأسوار النفسية ، فإنها تقذف علي المؤمنين احاسيس غير سوية ، فتضع المؤمن في دائرة الإحساس بالفشل وأنه لا يستحق أن يكون خادما لله ، وبالتالي يفقد ثقته الروحية الدافعة للعمل الإلهي ، فتبرد محبته ويصير مؤمناً خاملاً لا يقوي علي الحركة والخدمة لذلك يناشدنا الرسول قائلاً : " وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ. (٢كو ٣ : ١٨) مِنْ أَجْلِ ذلِكَ، إِذْ لَنَا هذِهِ الْخِدْمَةُ كَمَا رُحِمْنَا لاَ نَفْشَلُ، بَلْ قَدْ رَفَضْنَا خَفَايَا الْخِزْيِ، غَيْرَ سَالِكِينَ فِي مَكْرٍ، وَلاَ غَاشِّينَ كَلِمَةَ اللهِ، بَلْ بِإِظْهَارِ الْحَقِّ، مَادِحِينَ أَنْفُسَنَا لَدَى ضَمِيرِ كُلِّ إِنْسَانٍ قُدَّامَ اللهِ. ( ٢كو ٤ : ١ ، ٢ ) أُأكد القول " إِذْ لَنَا هذِهِ الْخِدْمَةُ كَمَا رُحِمْنَا لاَ نَفْشَلُ " نعم لا نفشل ، فلنرفض كل أحاسيس سلبية وليست بحسب مسيئة الله ، ولننظر لمجد الرب المكشوف أمامنا من خلال كلمته المقدسة
عندما تنظر لمجد الرب تمتلئ قوة ورفعة ومعرفة ، فعندما اضاء مجد الرب للرعاة إزدادوا معرفة وفهما " وَإِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ، فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا. فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ:"لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ. (لو ٢ : ٩ - ١١) فعندما يعلن مجد الرب في حياتك تمتليئ ادراكاً وتكون في حماية هذا المجد .
عندما تواجد تابوت الله الذي هو رمز الحضور الإلهي وسط شعب الله كانت فرصة للحماية وهروب الاعداء ، فالحضور الإلهي يمنح حماية للمؤمن من السقوط في براثن الخطية والشر وفرصة لكسر القيود وهدم كل الاسوار التي صُنعت من الزمن الماضي لحياتنا " وَعِنْدَ ارْتِحَالِ التَّابُوتِ كَانَ مُوسَى يَقُولُ: "قُمْ يَا رَبُّ، فَلْتَتَبَدَّدْ أَعْدَاؤُكَ وَيَهْرُبْ مُبْغِضُوكَ مِنْ أَمَامِكَ". ( عد ١٠ : ٣٥ ) لذلك اناشد كل المؤمنين أن يكونوا دائما في دائرة الحضور الالهي ، الذي يتواجد في حياة كل مؤمن نقي القلب الذي لا يتمسك بالخطية أو الحق السلبي كالتار وخصام من يعاديه ، وليس في قلبه ضغينة تجاه أحد ، ومتمسك بحياة الغفران الدائم ، فمثل هؤلاء هم أصحاب الحضور الإلهي الدائم ، في أي وقت تتعامل معهم تتمتع بالسلام والهدوء النفسي ، فهم مؤمنون بلا أسوار إثم وشر وخطية ، فيقوم الله بنفسه لنقاء حياتهم وانصافهم من كل مبغضيهم " يَقُومُ اللهُ. يَتَبَدَّدُ أَعْدَاؤُهُ وَيَهْرُبُ مُبْغِضُوهُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِهِ. ( مز ٦٨ : ١ ) ويقول ايضاً " وَأَنَا، يَقُولُ الرَّبُّ، أَكُونُ لَهَا سُورَ نَارٍ مِنْ حَوْلِهَا، وَأَكُونُ مَجْدًا فِي وَسَطِهَا. ( زكريا ٢ : ٥ )
يستخدم الله الأشياء لصناعة الأسوار : عندما يتمتع الشعب بالحضور الإلهي يستخدم الله الأشياء للحماية والنجاة ، فقد استخدم الرب :
الماء :
عندما صرخ الشعب أمام الرب ليرسل لهم منقذ ، فأرسل لهم الرب موسي الذي كان يحمل الحضور الإلهي وإستخدمه الرب لخروج الشعب من أسوار العبودية ، وإخراجهم إلي البرية الذي عندما اراد فرعون اللحاق بهم صُدِمَّ بسور من الماء وغرق " فَدَخَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ عَلَى الْيَابِسَةِ، وَالْمَاءُ سُورٌ لَهُمْ عَنْ يَمِينِهِمْ وَعَنْ يَسَارِهِمْ. ( خر ١٤ : ٢٢ ) فقد صنع لهم الرب ما لا يتخيلونه أو يتوقعونه ، لذلك فلنعلم أن اله الهنا معنا وسيباركنا ويقوم بحمايتنا ، فما علينا فقط ألا أن نحتفظ بالحضور الإلهي لننال كل أنواع الحماية ، ونعطي للرب الفرصة ليصنع لنا هكذا .
البشر :
الله يريد الشعب والمؤمنين اسوار ضد العدو إبليس ، فلا يستطيع أن يخترقنا لأن لنا المنقذ والمخلص ، وأن يكون لنا هذا الوعد " وَأَجْعَلُكَ لِهذَا الشَّعْبِ سُورَ نُحَاسٍ حَصِينًا، فَيُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ، لأَنِّي مَعَكَ لأُخَلِّصَكَ وَأُنْقِذَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ. ( إرميا ١٥ : ٢٠ ) فالوعد الالهي ليس بأن يساعدنا الرب لنكون في حماية الرب وكلمته ، لكنه يستخدمنا لنكون سور وحماية لأنفسنا بأنفسنا ، ليس عن مقدرة ذاتية أو قدسية خاصة ، بل كما يقول كاتب المزمور " لأَنِّي بِكَ اقْتَحَمْتُ جَيْشًا. بِإِلهِي تَسَوَّرْتُ أَسْوَارًا.( مز ١٨ : ٢٩ ) فالبشر يُستخدمون ليكونوا في دائرة المشيئة الالهية ويكونوا حماية بعضهم لبعض .
صناعة الأسوار :
احبائي .. لكل أمر في الحياة اسوار تُصنع داخل النفس البشرية ، سواء كانت إيجابية أو سلبية ، روحية أو جسدية ، فالنفس البشرية تشبه السفنجة التي تمتص كل سائل يلتصق بها ، وعندما يتم الضغط عليها تُخرج ما بداخلها من سوائل ، أيضاً النفس تسجل كل شيئ يمر أمامها دون تفرقة كالكاميرا الفيديو ، فكما يستخدم الإنسان التسجيلات وقتما يشاء ، هكذا النفس البشرية بالعقل الباطن يستخدم ما بداخله وقتما يشاء ، مع الفارق لأن العقل الباطن يسمي العقل الغير واعي ، لذلك يَّخرج منه المواقف بلا تحكم شخصي منه ، فيدفع الإنسان لفعل ما لا يريد فعله ، ما يعطل المؤمن هي كل الجوانب السلبية أو المظلمة التي في حياة الإنسان ، لذلك يحتاج الإنسان إلي ملء النفس بالكلمة المقدسة القادرة علي مساعدة المؤمن علي حفظ نفسه من السقوط داخل الأسوار .
الهتاف يُسقِط أسوار من حياتنا :
صوت الترنم والهتاف والموسيقي يُسقِط من حياتنا أسوار لا نستطيع هدمها أو زحزحتها من حولنا ، وقف يشوع أمام أسوار أريحا عاجزاً عن إختراقها ، فما عليه إلا أنه رفع قلبه لله متضرعاً ليلهمه الحلول ، فسمع صوت الرب قائلاً : " فَقَالَ الرَّبُّ لِيَشُوعَ: "انْظُرْ. قَدْ دَفَعْتُ بِيَدِكَ أَرِيحَا وَمَلِكَهَا، جَبَابِرَةَ الْبَأْسِ. تَدُورُونَ دَائِرَةَ الْمَدِينَةِ، جَمِيعُ رِجَالِ الْحَرْبِ. حَوْلَ الْمَدِينَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً. هكَذَا تَفْعَلُونَ سِتَّةَ أَيَّامٍ. وَسَبْعَةُ كَهَنَةٍ يَحْمِلُونَ أَبْوَاقَ الْهُتَافِ السَّبْعَةَ أَمَامَ التَّابُوتِ. وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ تَدُورُونَ دَائِرَةَ الْمَدِينَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَالْكَهَنَةُ يَضْرِبُونَ بِالأَبْوَاقِ. وَيَكُونُ عِنْدَ امْتِدَادِ صَوْتِ قَرْنِ الْهُتَافِ، عِنْدَ اسْتِمَاعِكُمْ صَوْتَ الْبُوقِ، أَنَّ جَمِيعَ الشَّعْبِ يَهْتِفُ هُتَافًا عَظِيمًا، فَيَسْقُطُ سُورُ الْمَدِينَةِ فِي مَكَانِهِ، وَيَصْعَدُ الشَّعْبُ كُلُّ رَجُل مَعَ وَجْهِهِ". ( يش ٦ : ٢ - ٥ ) فلن نمتلك الأراضي التي إمتلكها إبليس وامتلكتها الخطية بدون تسبيح ، فعندما هتف الشعب بالبوق سقطت الأسوار وإمتلك الشعب الأرض " فَهَتَفَ الشَّعْبُ وَضَرَبُوا بِالأَبْوَاقِ. وَكَانَ حِينَ سَمِعَ الشَّعْبُ صَوْتَ الْبُوقِ أَنَّ الشَّعْبَ هَتَفَ هُتَافًا عَظِيمًا، فَسَقَطَ السُّورُ فِي مَكَانِهِ، وَصَعِدَ الشَّعْبُ إِلَى الْمَدِينَةِ كُلُّ رَجُل مَعَ وَجْهِهِ، وَأَخَذُوا الْمَدِينَةَ. (يش ٦ : ٢٠) بكل المقاييس هي معجزة كبيرة جداً ، السور لم يُهدم ، بل سقط في مكانه ، ففُتح الطريق أمام شعب الرب للإمتلاك ، فلا تترك اماكن الهتاف والفرح السماوي ، لأنها أماكن للتحرير والإستخدام .
قبل الهتاف والبوق كان لشعب الرب وقفة مع الرب في التضرع والصلاة وسماع صوت الرب وخضوع الشعب ليشوع فكانت النصرة والإنتصار والإمتلاك ، فكل جانب من الجوانب الروحية يحتاجها المؤمن ويحتاجها شعب الرب فالصلاة والتعليم والتسبيح والهتاف والموسيقي ، جميعهم أدوات روحية ومساعدة لحياة الرفعة والإنتصار .
لهدم الأسوار التي داخل النفس يحتاج المؤمن لوقت من التسبيح والهتاف أمام الرب ، فلكي تسقط الأسوار استمر الشعب في اللف والدوران طول الإسبوع وفي اليوم السابع كان المجهود اعمق وأشد وقوي ، لذلك استطاعوا أن يُسقِطوا السور
لا تعطي لعقلك الباطن فرصة لتخزين محتويات او أحداث يستخدمها ليُخرج ضيق ، إكتئاب ، قلق ، حزن ، خوف ، لأن كل هذه ما هي إلا أسوار تحجب البركة ، الحماية ، الفرح ، السلام ، الهدوء النفسي ، وكل هذا يؤثر علي حياة الخدمة والإستخدام ، ويُضعِف المسحة فلا يكون لها فرصة للظهور ، لذلك لا تعطي لإبليس الفرصة ليستخدم الماضي المُخزّن داخلك لإطفاء اللمعة الروحية والحرارة الروحية فتفقدها ، لأن إبليس يعلم جيداً أن مقارنة الماضي بالحاضر يجعل المستقبل غير مشرق ، لذلك الرب علم شعبه ويعلمنا من خلال كلمته أن نتنبأ علي القادم سيكون أفضل من الأول ، فقال الرب للشعب " مَنِ الْبَاقِي فِيكُمُ الَّذِي رَأَى هذَا الْبَيْتَ فِي مَجْدِهِ الأَوَّلِ؟ وَكَيْفَ تَنْظُرُونَهُ الآنَ؟ أَمَا هُوَ فِي أَعْيُنِكُمْ كَلاَ شَيْءٍ! (حج ٢ : ٣) هذه حالة مقارنة واستخدام الصورة المخزنة داخل النفس البشرية واستخدامها لإعلان أن الحاضر أقل بكثير جداً من الأول وبالتالي لا وجود لمستقبل مشرق في ظل الحاضر ، ولكن الرب يعلن لشعبه ما هو خارج نطاق العقل الباطن ، ويَّخرج بالشعب لما هو قادم فيقول : " مَجْدُ هذَا الْبَيْتِ الأَخِيرِ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ مَجْدِ الأَوَّلِ، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. وَفِي هذَا الْمَكَانِ أُعْطِي السَّلاَمَ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ". (حج ٢ : ٩) فتعال معي صديقي الغالي الأن وأعلن أن مستقبل حياتك سيكون أفضل بكثير من الماضي لأن الهك اله عظيم لن يتركك ولن يُهملك .

تعليقات
إرسال تعليق