الغضب

الغضب

بقلم القس عماد عبد المسيح

 

قايين : اسم سامي معناه [حداد] اشتغل عندما كبر بالزراعة وصار [عَامِلاً فِي الأَرْضِ] (تك٤: ٢) وقدم قُربانا لله من أثمار الأرض ، بينما قدم أخوه هابيل من أبكار غنمه ومن سمانها. فقبل الرب قربان هابيل ورفض قربان قايين فاغتاظ قايين جداً (تك ٤ :  ٤ و٥ ) أما سبب رفض قربان قايين وقبول قربان هابيل فيرجعه رسول العبرانيين إلي الإيمان" بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ ِللهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ ‍قَايِينَ. فيه شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ. وبه، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ! "(العبرانيين ١١:‏٤)

قايين من الشخصيات الغريبة الأطوار في الكتاب المقدس رغم أن ما كتب عنه قليل جداً فعندما ولد قايين قالت حواء  "اقْتَنَيْتُ رَجُلاً مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ " (تك 4 : 1) فقد رأت أن الله يعوض تعب البرية في وجود مولود يعتمد عليه ولكن خاب هذا الأمل لأن كان اتجاه قايين نحو الأرض وغلاتها ومحاصيلها ، وعندما أراد أن يقدم لله تقدمة قدمها من نتاج الأرض وثمارها وهذا ما لم يُقبل لدي الرب ، وعندما فهم قايين ذلك لم يتجه إلي الصواب لكنه اتجه إلي الغيظ وحب الانتقام .

تعريف الغيظ :  الغيظ في قاموس المعاني يعني : صوت الغليان ، " وحمله علي الغيظ وأغضبه أشد الغضب " فالحالة التي كان عليها قايين في مستوي عالي جداً من الحالة النفسية السيئة في الوقت الذي رفض الله تقدمة قايين ، وهذه الحالة تقود الإنسان إلي عدة أمور سلبية يجب أن ندركها كي نعلم ما هو مقدار ومستوي الغيظ الذي وصل إليه قايين " فَقَالَ الرَّبُّ لِ‍قَايِينَ: "لِمَاذَا اغْتَظْتَ؟ وَلِمَاذَا سَقَطَ وَجْهُكَ؟ " ( التكوين ٤:‏٦ ) وكانت النتيجة أن قايين قام علي هابيل وقتله وعندما سأله الرب عن أخيه قال "لاَ أَعْلَمُ! أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟" ( التكوين ٤:‏٩ ) إنها إجابة تعني أنه لا يراني أحد وعندما أدرك أن الله يراه قدم اعتذار له قائلاً: ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ." (التكوين ٤:‏١٣ ) فسامحه الله " وَجَعَلَ الرَّبُّ لِ‍قَايِينَ عَلاَمَةً لِكَيْ لاَ يَقْتُلَهُ كُلُّ مَنْ وَجَدَهُ " (التكوين ٤:‏١٥ )

الغضب ظاهرة دائمة لكل عصر فكلما مرت الأيام ستجد أن بركان الغضب يزداد يوماً بعد يوم فإذا نظرت للتاريخ الكتابي أو الاجتماعي ستجد تاريخ للغضب بدأ من بداية الخليقة مع قايين وإلي يومنا هذا ، فدائماً يرتبط الغضب بالعنف والاعتداءات والإساءات والمناوشات والتشاجر ، إن لم نسيطر علي الغضب تكون الخسائر فادحة ولا نستطيع إصلاح ما أفسدناه بغضبنا فلم يستطع قايين أن يعوض بقتله هابيل فالخسارة كانت كبيرة والندم كان شديداً .

تعريف الغضب : هو شعور بعدم الرضا يتجه إلي شخص أو إلي شئ ترافقه رغبة بإزالة أسباب عدم الراحة ، الغضب ميل فطري يواجه به الإنسان أشياء أو أشخاص لا يستريح إليها ولا يقبلها ، من هنا نري أن الغيظ هو الغضب الشديد فقد اغتاظ قايين وغضب أشد الغضب وهذا يرجع إلي أن حساباته تجاه الله حسابات خاطئة وإدراكه لمقاصد الله كانت غير واضحة ، لذلك تعامل مع هابيل بعنف شديد لدرجة القتل ولأنه غير مدرك أبعاد الغضب حذره الله من الخطيئة (تك٤: ٦ و٧) فقد ظن قايين أن هابيل سيأخذ الصدارة في علاقته بالله ، وبالتالي اتجه نحو الغضب والغيظ  فقتل هابيل ليكون هو في المركز الأول لأنهم أخان لا ثالث لهم . 

يقولوا علماء النفس أن الغضب عاطفة "  Emotion " وشعور " Feeling " فالغضب في حد ذاته ليس شراً ولا خطية لأن العاطفة ليست شراً وليست خيراً والشعور كذلك فعندما تتحول العاطفة إلي سلوك " Behavior " يكون هنا التقييم نحو الصواب والخطأ ، عندما غضب قايين "فهذا حقه" لكن أن يتحول الغضب إلي "غيظ" بمعني سلوك فهنا الشر الخطية الأمر الرديء لذلك حذره الله كي يرجع عن هذه النوايا السيئة، لكنه لم يستجيب وارتكب أول جريمة في تاريخ البشرية ، الغضب لا ينتج إلا من خلال مجموعة مشاعر غير مريحة قد يكون سبب المشاعر الغير المريحة أشخاص تسببوا في ذلك أو عوامل خارجية أو بعض الأفكار الغير مدروسة جيداً يتبناها الشخص ويبني عليها حسابات وتوقعات وتأتي النتائج عكس ما كان يرغب فتكون النتيجة الغضب ، وربما الغضب الشديد المصاحب له الغيظ فيبدأ بسلوك غير مرضي كما فعل قايين فقد تبني فكرة أن الله سيرضي عن تقدمته ، لذلك عندما خانته توقعاته كان رد الفعل عنيفاً

       قال الدكتور القس صموئيل حبيب: " ما أشد تفاهة الشخص الذي لا يغضب بل إن الطفل الذي لا يعاند أبداً ولا يغضب أبداً طفل غبي وبليد ، فالغضب دخيل علي إنسان سوي يعيش لأهداف له شخصيته وله رغباته الذاتية وإرادته المستقلة" قال الوحي: "اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ " اف ٤ : ٢٦

أسباب الغضب :

عوامل عادية : مثل انقطاع التيار الكهربائي أو تعطيل شبكة الانترنت أو التليفون المحمول أو تأخر القطار أو ازدحام مترو الأنفاق أو تأخره كل هذه العوامل الخارجة عن إرادة الإنسان يمكنها أن تصيبه بالغضب ولكنه غضب مؤقت  ، عندما يزول السبب يزول معه الغضب هذا النوع من الغضب يمكن أن يكون للفرد أو للمجموعة سواء كانوا هيئة أو مؤسسة أو جهة حكومية .

أتذكر في عام 2011 أثناء ثورة الغضب علي نظام الرئيس السابق مبارك حيث شعارات " الشعب يريد إسقاط النظام " و " ارحل .. ارحل " كان الشباب يتواصلون من خلال الشبكة العنكبوتية " الإنترنت " علي تويتر والفيسبوك فلم تجد الحكومة وسيلة إلا أنها منعت شبكة الإنترنت عن العمل علي مستوي الجمهورية وشبكات المحمول أيضاً  للمحاولة من نزع روح الغضب الموجودة بالشارع المصري ، ولكن بلا جدوى ، بل زاد الأمر غضب ولم يجد الرئيس مبارك مفر إلا أن يتنحي عن الحكم ويتركه للجيش ليدير شئون البلاد ، فالفرد يمكنه الغضب وأيضاً الشعب ، وكذلك الهيئات والمؤسسات ، فالغضب لا يشتعل وحده ، فلابد من وجود عوامل تساعد علي اشتعال الغضب .

عوامل اجتماعية :

مثل موت احد الأقارب أو قرار نقل موظف من مكان إلي مكان وهكذا من مثل هذه الأمور أو تدخل احد أفراد العائلة في حياة الزوجان أيضاً أنه غضب مؤقت فبزوال السبب زال معه الغضب ، أتت لي سيدة في العقد الخامس من العمر تشكي بسبب تدخل زوجة ابنها في شئونها الخاصة ولأجل هذا الأمر تسببت في عدة مشاكل كانت نهايتها من الطرفين بكاء هستيري مع صداع واعوجاج في الفم وثقل في العينين ، لدرجة أن كل طرف كان يأتي باللوم علي الآخر ، فلم أجد حلاً إلا أن افصلهم بعيداً عن بعض لحين الهدوء النفسي والقدرة علي الإستماع للإرشاد والنصيحة وبالفعل تم هذا ، فشفيت الأم لسبب خضوعها ولكن رفضت زوجة الابن للخضوع ، وتشبثت برأيها وظلت بعيدة لذلك تشعر بالمرارة الداخلية ، والشعور بالغيظ المستمر .

إن الغيظ والغضب إن تملكا الإنسان كانت العواقب وخيمة فلم يتمالك قاييين نفسه فقتل أخيه لذلك يقول الكتاب " اَلْبَطِيءُ الْغَضَبِ خَيْرٌ مِنَ الْجَبَّارِ، وَ‍مَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ مَدِينَةً. " ( الأمثال ١٦:‏٣٢ ) يحتاج الإنسان إلي هذا فلم يقل الكتاب "امنعوا الغضب " لكنه قال : " ابطيئ الغضب " دائما الغاضب يحتاج إلي مشورة ويحتاج لمن يثنيه عن غضبه وهذا ما فعله الله مع قايين ، إذ قال له : " إِنْ أَحْسَنْتَ أَفَلاَ رَفْعٌ؟ وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ فَعِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ ‍رَابِضَةٌ، وَإِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا " ( التكوين ٤:‏٧ ) ولكنه لم يسود عليها ، ورفض النصيحة والمشورة .

عوامل اقتصادية :

هذا العامل من العوامل المهمة ولا سيما عندما يكون للدولة دور في تدني الحالة الاقتصادية فيصاب الإنسان بنوبات غضب قد تظهر في بعض سلوكياته تجاه من حوله العاملين معه ، وكذلك من يخسر في تجارة أو صفقة فالشعور بالغضب ناتج عن عدم الإرتياح لما يدور من حوله حيث اعتبر نفسه طرف من الأطراف فيشعر بالأسي وإن زاد التفكير والتمعن في الأمر زادت المرارة والشعور بالإعياء ، ويصاحبه الشعور بصداع أو بقئ مستمر أو إسهال وإن ترك نفسه للشعور بالحزن نتيجة غضبه ، قد يصاب الإنسان بداء السكري أو الضغط المرتفع من اجل ذلك يجب علي الإنسان أن ينعزل فورا عن مسببات الغضب حتى وإن اضطر إلي غلق جميع الأبواب والقنوات التي تنقل له الجديد من الأخبار أو أن يكلف أخر بمتابعة الجديد لحين ظهور أمراً جديداً مفرحاً إلي أن يبدأ الإنسان في ممارسة حياته الطبيعة مرة أخري .

في الآونة الأخيرة من الأعوام التي بعد ثورة 2011 بسبب الأحداث المتكررة من المظاهرات وبسبب تولي رئيس دولة ليس بالخبرة الكافية لإدارة شئون البلاد واتخاذ قرارات والرجوع فيها أدي هذا إلي تدني الحالة الإقتصادية وارتفاع الدولار وانخفاض قيمة الجنيه المصري ، هذا جعل حالة من الغضب بين جموع الشعب المصري وازدياد المظاهرات المتكررة التي لا نري لها نهاية ، مظاهرات وقرارات خاطئة وهكذا ، ولكن شكرا لله فقد حدث تغيير وتم انتخاب رئيس جديد والي الان الإمور في تحسن كبير ومختلف

عوامل شخصية :

العوامل الشخصية ترتبط دائماً بمستوي التعليم والفهم والإدراك كلما زاد الفهم زادت قوة الاحتمال ليس التعليم وحده ولكن يحتاج الإنسان المتعلم أن يفهم ويدرك أبعاد الأمور فيستطيع أن يضع أعذاراً مقنعه لشخصه ولمن حوله ، فمثلاً : إن أُسيئ إلي إنسان أو جرحت كرامته يتضايق ويغضب ، ولكن إن أدرك أن قيمته لا توجد في مدح أو زم الآخرين فلن يغضب ، ويستطيع أن يأخذ موقف إرادي ليستطيع أن يوصل فكره واحتجاجه لمن صدر منه الإساءة ، لأن الغضب إن امتلك إنسان تجده يتصرف تصرفات خارجة عن إرادته ، مثل "الصوت العالي أو الضرب أو القتل كما في موقف قايين عندما قتل هابيل ".

قد يكون أحد الأطراف ضحية للحالة المزاجية للطرف الآخر فقد يتعرض الزوج مثلاً إلى بعض الضغوط في العمل ويعود للمنزل به شحنة غضب ، ولا يجد وسيلة لتفريغ ما بداخله إلا في زوجته ، فيحدث إشعال الغضب من أقل كلمة ، مما يجعل البيت بالكامل كتلة من الغضب ، أو من خلال أن الزوجة عندما ترى زوجها في حالة مزاجية غير جيدة فهذا الشعور ينعكس عليها وجدانياً لأنها تحب أن تراه دائماً سعيداً وفى حالة جيدة. فإن الزوجة أيضاً باستطاعتها جعل البيت إما سماءاً مملوءة بالملائكة أو ناراً تحرق كل من بداخلها ، بل ومسئوليتها قد تكون أكبر من الزوج لأنها باستطاعتها إمتصاص غضب زوجها حينما يغضب وبالتالي فإن بيدها مفاتيح هدوئها وهدوء زوجها، وبإستطاعتها استخدام هذه المفاتيح إن أرادت

علاج الغضب

وقفت أمام هذه الآية : " لكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ. وَلأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَانِ " ( يو 2 : 24 ) وشعرت بأن الرب يريد أن يقول لي شئ ، المسيح لم يأتمن من آمنوا به حتى تلاميذه المقربين، فلم يُعبر لهم عن ما بداخله من أحاسيس أو مشاعر ، فكل الأسرار الداخلية الخاصة به كإنسان لم يأتمن أحداً عليها ، وظل ما بداخله كما هو محفوظ داخله ، لأنه يعلم ما في الإنسان ، فالإنسان يأتي عليه يوم ولا يستطيع أن يكون كاتم أسرار وفي ذات الوقت إمكانية الإنسان ضعيفة ، فهو قد أعطي للإنسان صفراً ( zero ) ، لم يكن الصفر zero لشخصية الإنسان ، ولكنها لعدم انتظار أي شئ منه ، فعندما تستأمن شخصاً علي سر أو شئ ، فأنت تنتظر منه ما يلي :

- عدم إفشاء ما يعرفه عنك .

- أن يتعامل معك كما تتعامل أنت معه .

- أن يعطي لك كما أعطيت له .

للتوضيح أقول أن النفس البشرية عندما تعطي محبة لإنسان فهي تنتظر مقابل هذه المحبة بمحبة مماثلة ، وبهذا أنت قد استأمنت الآخر علي ما أعطيته ، فإن تقدمت لمجاملة شخص ، فأنت أيضاً تنتظر منه ردها في مناسبة مماثلة هكذا الأمر ، فالمسيح لم يأتمن أحد ، أي أنه لم ينتظر من أحد شيء ، فهو قدم محبة ورعاية وشفاء ولم ينتظر من احد شئ ، فإن أقدمت علي محبة من أحبك فأنت المستفيد وإن لم تبدأ فأنت الخاسر . لذلك أُقدِم لك رسم توضيحي يظهر ما يجب أن تعطيه للآخر ، وما يجب أن تنتظر منه ، إذا وضعت أرقام من صفر إلي مائة في خط مستقيم ، وبالمقابل خط آخر له نفس الأرقام بطريقة عكسية ، بحيث يكون الصفر في الخط الأول مقابله مائة في الخط الثاني ، وهكذا الرقم العاشر في الخط الأول مقابله تسعون في الخط الثاني إلي آخر الأرقام في الخطين كما يلي : -

   أنا.      0     10    20    30   40    50   60  70  80  90  100

الآخر    100  90   80   70   60    50    40  30  20   10   0

إذا نظرنا إلي الرسم سنجد الآتي : كي أكون أنا ( 100% ) يجب أن يكون الآخر ( 0 %) كي تكون حالتي النفسية سوية وغير معقدة ولا يوجد بها حفر نفسية ( مز ٥٧:‏٦ ) أو مكان للغضب يجب عليَّ أن أعطي للآخر (0 % ) انتظار مقابل ما أصنعه به ، فقد أُعطي للأخر ( 100 % ) حب وعطاء واهتمام  ورعاية وخدمات ولكن بالمقابل لا أنتظر منه إلا ( 0 % ) مما أقدمه له ، وبالتالي لا تكن في داخل نفسيتي أي مشاكل أو أي حفر نفسية ، فالحفر النفسية هي التي يصنعها الآخرين في حياتي مستخدمين مستوي درجة الانتظار فإن انتظرت منهم ( 20% ) فستكون حالتي النفسية عرضة لتكون (80 %) إن لم يفعل الآخر ما انتظر أن يفعله بي أو معي أو لي ، وبالتالي سأكون عرضة لتكون داخل نفسيتي حفر نفسية كثيرة بمقدار وكم علاقاتي مع الآخرين .

المسيح لم يأتمن أحد علي نفسه ، أي أنه كان له الاكتفاء الذاتي داخل نفسه ، فلم يحتاج محبة من الآخرين فهو قادر علي أن يعطي الآخرين 100% محبة ولا يحتاج من أحد ، فهو قادر علي أن يكون في اكتفاء ذاتي هذا ما يريده الرب منا أن نحب الآخرين من خلال قلوبنا بالروح القدس ( رومية ٥:‏٥ ) " وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا".‏ فنستطيع أن نعطي بدون أن ننتظر فإن قدمنا المحبة من خلال النفس البشرية فهي تنتظر المقابل ، ولكن إن قدمنا للآخر من خلال أرواحنا بالاتحاد بالروح القدس ، فهنا نستطيع أن نعطي ونحن لنا في داخلنا نفس المقدار في أرواحنا دون أن ينقص منَّا شيئاً .

ما يصل لنا من وسائل الإعلام في موضوع المحبة أن نحب من النظرة الأولي ونقدم لمن نحبه محبة وإن لم نجد منه ما نريد فتتحول داخلنا هذه المحبة إلي بغضة كما أحب أمنون ثامار (صموئيل الثاني ١٣:‏١٥ ) فتحولت المحبة. لأنها محبة نفسانية وليست محبة من أرواحنا المرتبطة بالروح القدس ، فإن كنت تريد أن تحب ، تعال أولاً واجلس مع الرب لتمتلئ بالروح القدس ، وحينئذٍ يقود روحك لتُعطي محبة للآخر دون انتظار مقابل.

أيضا ما يسبب الغضب هو أن ننتظر من الآخرين مقداراً من العشم فإن لم يقوم الآخر بعمل ما نعشم به فتكون المشكلة هي غضب ، والسبب هو مقدار العشم والانتظار من الآخرين لأجل ذلك أناشدك أخي العزيز أن لا تنتظر من الآخر إلا ( 0 % ) عشم ومحبة وعطاء ولكن أنت أعطي للآخر ( 100 % ) محبة دون انتظار وعلي قدر المستطاع. 

في يوم من الأيام قدم داود لنابال خدمة الدفاع عن غنمه من قطّاعين الطرق دون مقابل (  صموئيل الأول ٢٥ ) وعندما طلب داود من نابال خدمة رفض أن يعطيه فاغتاظ داود وشرع في قتله لولا ابيجايل زوجة نابال ، فعندما انتظر داود مقابل خدمة قدمها كانت النتيجة شروع في قتل ، هكذا يعوزنا الوقت إن تكلمنا عن مواقف لرجال الله انتظروا من الآخرين ما قدموه من خدمات ـ أناشد كل زوجين أن يقدم الأول للآخر عطايا دون مقابل وهكذا كل صديقين فستكون النهاية مؤمنون بلا مشاكل نفسية . 

       يرتبط الغضب بمشاعر الغيرة ، والغيرة ليس لها أي حدود فهي يمكنها أن تكون قاتلة ، فقد غضب إخوة يوسف واغتاظوا وحنقوا في قلوبهم هذا دفعهم أن يقوموا بمهمة إلقائه في البئر ثم بيعه كالعبيد ليتخلصوا منه ، لأجل ذلك أدعوا كل إنسان أن يهدم من حياته كل حصون للغيرة لأنها قاسية جداً (نشيد الانشاد ٨:‏٦ ) ويجب أن لا يكون لها مكان في حياتنا .

من الخطأ كبت الغضب ، بل يجب أن يوجد متنفس للغضب فقد قال الدكتور القس صموئيل حبيب : " الكبت هو حفظ الغطاء لإناء ملئ بالغليان من الداخل . فالغليان الذي ينشأ عن الغضب ، يحتاج للتنفس عنه ..... المشاعر المكبوتة قد تتحول لارتفاع في ضغط الدم... كما أنها قد تتحول إلي السكري، أو إلي مشكلات جنسية... فمن يحاول أن يخفي غضبه  يدفن غضبه في أعماقه ، مما قد ينفجر داخله ، وأحياناً يتسبب عنه سكتة قلبية أو أضراراً أخري . " لذلك أحبائي الكبت من أخطر المشاكل النفسية التي تؤذي صاحبها ، لذلك يجب علي من يشعر بهذه المشاعر أن يجعل لنفسه متنفساً ، مثل الخروج أو قطع ورقة ، أو كسر إناء ( هذا في حالات الغضب والكبت الشديد وليس دائما ).

جلست معي شابة فوق العشرين من العمر تشكي جرح عميق من أحد أقاربها حيث اعتدى عليها بالضرب، وكانت غاضبة جداً فلاحظت انفعالها الشديد، وعدم سماعها للإرشادات التي أقدمها لها فصمّت. فصمتت وقالت : ماذا ؟ أمسكت بورقة بيضاء وقلت لها : من فضلك اقطعي هذه الورقة كيفما تريدين من أحجام . فأمسكّت الورقة وقطعتها بعصبية ، ثم جمعتهما بعصبية شديدة . فقلت لها : من فضلِك القيهما في سهلة المهملات ففعلت ، وعادت هادئة الأعصاب ، فأكملت معها المشورة ، فقبلت بكل هدوء .

الذي حدث أنني فرغت كمية الغضب في شئ ليس له قيمة مرتفعة ، لأستطيع أن أواصل المشورة والنصح ، ولحل المشكلة التي كادت أن تنفجر بداخلها ، فالكبت يحول مشاعر الغضب علي الغير إلي النفس ، وبذلك تكون النتيجة وخيمة وليست في صالح أي طرف من الأطراف . التنفث يجب أن يكون بأسلوب موضوعي، فقد يتنفث إنسان عن الكبت في العمل أو مع العاملين أو في أسرته ، هذا تصرف خاطئ مضر للغير ، فالتنفث لابد أن يكون بإسلوب موضوعي .

إن واجهت أمراً أغضبك كثيراً وتريد أن تتفاداه ، عليك بأن تَعد من 1 إلي 10 قبل التصرف ، أما إن كان الغضب شديداً فيمكنك أن تزيد الرقم علي قدر المستطاع ، لأن هذا يساعد علي تغيير الموضوع داخل ذهنك فينشغل لبضع ثواني في أمر مختلف دون الانفصال عن الواقع ، ومعاودة البت في الموضوع بعقلانية وإرادة كاملة ، لأن القرارات التي تؤخذ وقت الغضب دائما قرارات خارج الإرادة ، ويتم الندم عليها فيما بعد ، لذلك يقول كاتب المزمور: " كُفَّ عَنِ ‍الْغَضَبِ، وَاتْرُكِ السَّخَطَ، وَلاَ تَغَرْ لِفِعْلِ الشَّرِّ، ( المزامير ٣٧:‏٨ ) إن استطاع الإنسان أن يكف عن الغضب فقد صار فَهّيما ، لأن: " اَلسَّرِيعُ ‍الْغَضَبِ يَعْمَلُ بِالْحَمَقِ. " ( الأمثال ١٤:‏١٧ ) وأيضاً: " بَطِيءُ ‍الْغَضَبِ كَثِيرُ الْفَهْمِ، " ( الأمثال ١٤:‏٢٩ )

يجب علي الإنسان أن لا يكون سريع الغضب ، بل ليدرب نفسه علي أن يكون بطئ الغضب ، يُقال أن شخصاً عندما كان يغضب يضم شفتيه ويطرق برأسه إلي الأرض ويلوذ بالصمت دقائق طويلة ، لا أعلم كيف كان يفعل هذا لكنه كان ينجح في حل مشكلة الغضب لديه ، وقالوا عن نابليون كان يجول أرض الغرفة ذهاباً وإياباً ، وآخرين منهم من كان يقهقه قهقهة عالية ، وآخر كان يرفع نظره إلي السماء ويتمتم بصلاة قصيرة كي لا يغضب ، فالصلاة هنا من العوامل الهامة التي تساعد الإنسان علي الهدوء والتحكم في الأعصاب وانضباط النفس .

من هنا أحبائي يجب أن ندرك أن الغضب إحساس طبيعي يختبره كل إنسان فيجب أن نتعلم كيف نتعامل معه بحكمة لأن الغضب أيضاً منحة من الله  بها نستطيع أن نواجه الأشياء الخاطئة أو المخاطر فالغضب قوة محايدة يمكننا استخدامها بشكل صحيح ويمكننا استخدامها أيضا بشكل غير صحيح فتكون الخسارة بقدر كمية الغضب فالغضب يولّد الشجاعة ويقهر الخوف لأنه عاطفة من العواطف الكامنة في الشعور الداخلي لشخصية الإنسان فالغضب ليس له سن معين فهو يبدأ منذ الطفولة ويستمر طول العمر .

درجات الغضب :

للغضب درجات متناقضة لفريقين من النتائج ، إما غضب معبر عنه ، أو غضب مكتوم داخل النفس

فالغضب المعبر عنه يبدأ بـ النقد ثم الإدانة و التعبير ثم العنف وجرح شعور الآخرين ثم لاهانة والحقد والخصام إلي التهديد والضرب ثم القتل ،

أما الغضب الداخلي يبدأ بـ كتم الأمر أو الصمت ثم الإشمئزاز وعدم الغفران أو التسامح ثم الضيق والمرارة إلي الإحباط و البكاء ثم الخصام والحقد إلي الكراهية والمرض والانتحار .

يوجد من هم في درجة من درجات الغضب فإن كنت تعبر عن غضبك بالخصام فإن زاد الأمر سوءً، فأنت علي استعداد أن تأخذ طريقك إما إلي الانتحار أو القتل، فأين أنت الآن ؟ من اجل ذلك يقول الكتاب عن عبد الرب : " وَعَبْدُ الرَّبِّ لاَ يَجِبُ أَنْ ‍يُخَاصِمَ، بَلْ يَكُونُ مُتَرَفِّقًا بِالْجَمِيعِ، صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ، صَبُورًا عَلَى الْمَشَقَّاتِ " ( تيموثاوس الثانية ٢:‏٢٤ )

  أكرر وأقول " لا يجب .. لا يجب .. لا يجب أن يخاصم " لآن الخصام يكمن داخل جدار سميك من الغضبِ، فالمسيح صاحب مبدأ عدم المخاصمة " لاَ ‍يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. " ( متى ١٢:‏١٩ ) وهذا دليل علي الهدوء النفسي الذي كان للمسيح ، لآن طريق الغضب الخاطئ لم يأخذه المسيح اطلاقاً .

عندما قلب المسيح موائد الصيارفة والباعة (متى12:21، مر15:11، لو45:19) كان هذا غضب مقدس فلم يمس إنسانا لا بكلمة ولا بضربة سياط ، ثم إن خطايانا وآثامنا تغضب الرب ( رو18:1) ، فغضب الرب من اجل التصحيح فهو نافعا وللبنيان ، إلا إذا سلك الإنسان نحو العصيان الكامل وسلك نحو الشر بغلاظة قلب فهنا يتحرك الرب كقاضيا عادلا .

العوامل الخارجة عن السيطرة التي تصدر من الآخرين تدفع الإنسان للغضب لذلك نحن غير مطالبين بتغيير الآخرين أو بتغير الظروف لأنه من الصعب لكننا مطالبين بالسيطرة علي عواطفنا فلا نغضب ولا نكتم غضبنا بل لنبتعد قليلاً عن مصادر الغضب حتي يعبر " هَلُمَّ يَا شَعْبِي ادْخُلْ مَخَادِعَكَ، وَأَغْلِقْ أَبْوَابَكَ خَلْفَكَ. اخْتَبِئْ نَحْوَ لُحَيْظَةٍ حَتَّى يَعْبُرَ ‍الْغَضَبُ. " ( إشعياء ٢٦:‏٢٠ ) وعندما يعبر الغضب نستطيع أن نسيطر علي الظروف أو العوامل ونغيرها ، لكن أثناء الغضب لا نستطيع أن نغير شيئاً.

لم يغير الرب شيئاً من قايين لأنه كان يسير نحو الغضب المعبر عنه بالقتل فقد حذره الرب لكنه لم يستجيب ، وكانت النتيجة من النتائج التي لا يمكن تصحيحها أو الندم عنها فالندم لم يعيد هابيل إلي الوجود لكنه فقد أخيه إلي مدي الحياة .

تكلمنا عن عوامل الغضب فكانت عوامل اقتصادية وإجتماعية وشخصية ، هذه العوامل لا تعمل إلا عن طريق الإسلوب التراكمي بمعني أن موقف يليه موقف يليه موقف يدفع الإنسان الي الغصب ، لكن إن تعاملنا مع المواقف بإنفرادية ، أي أن كل موقف نتعامل معه منفرداً كي نجاوب علي الأسئلة التي يثيرها العقل الباطن ( التحليل ) تجاه مواقف الغير ، هنا نستطيع علي أن نكون في هدوء نفسي دون أن ندخل في المشاكل النفسية للغضب .

يوجد أشخاص بطبعهم انانيين ، يصنعون الأشياء والإمور من أجل أنفسهم فقط ، ( كالاطفال في تمسكهم بالأشياء - حب الإمتلاك ) وبالتالي لديهم استعداد ان يدمروا كل شيئ لا يوجدون فيه ، لذلك يجب الحذر من هؤلاء والتعامل معم بحذر شديد ، لأنك لا تستطيع ان تغير من طبعهم إلا أن تحرر المواقع منهم وبالتالي تستطيع ان تغير  وتعمل علي الإصلاح وتعمل للأفضل ، مع مراعاة أن تكون غير ظالم او هاضم لحق الغير .

عندما يمتلك الجائع خبزاً تجده لا ينظر لغيره إلا بعد الشبع ، أما في الإمور الزمنية عندما يمتلك المتعطش للسلطة السلطة فلا يتركها إلا عند موته أو خلعه وهكذا المتعطش للمال والجاه والغني والمركز وغيرها من إمور العالم ، وهذه الإمور تجعل الاخرين يشعرون بالظلم ، لأن الجالس علي الكرسي لا يتركه ويهضم حق الأخرين دورة بعد الأخري وهكذا من يسعون من اجل المناصب والمراكز .

اكتب هذه الكلمات لأقول لكل من يشعر بالظلم اصبر فإلهك له في الموت مخارج ويستطيع ان ينصف ويصلح ويعالج ، فقط إرفع يدك لله وهو الوحيد القادر أن يعمل لخيرك ولخير حياتك

في تعريف الغضب تكلمنا عن أنه شعور بعدم الرضا يتجه إلي شخص أو إلي شئ ترافقه رغبة بإزالة أسباب عدم الراحة ، كما تكلمنا عن أن الغضب هو ميل فطري يواجه به الإنسان أشياء أو أشخاص لا يستريح إليها ولا يقبلها ، مع أن الغضب مرتبط بالمشاعر وهو ميل طبيعي به يعبر الإنسان عن عدم الرضا ولكنه ايضا قد يقود صاحبه للموت أو لإرتكاب جريمة في حقه وحق غيره ، لذلك وجب علينا ان نسيطر علي انفسنا ولا يكون موقفنا عبارة عن ردود أفعال ، بل لنكن في حُلم وتاني لنستطيع ان نتعامل مع من حولنا .

       هرب يعقوب لخاله لابان خوفا من مستوي وعمق الغضب لدي عيسوا فاشارة اليه رفقة بالإبتعاد ومع مرور الوقت قد يحدث شفاء " حَتَّى يَرْتَدَّ غَضَبُ أَخِيكَ عَنْكَ، وَيَنْسَى مَا صَنَعْتَ بِهِ. ثُمَّ أُرْسِلُ فَآخُذُكَ مِنْ هُنَاكَ. لِمَاذَا أُعْدَمُ اثْنَيْكُمَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؟". (تك ٢٧ : ٤٥) ولكن ظل غضب عيسوا   ولم ينسي ما فعله يعقوب ولم يسامحه إلا بعد مقابلة الرب مع يعقوب وصارعه حتي طلوع الفجر ، فمن خلال هذا كانت بركة الله علي يعقوب فكانت إموره سلسة .

الغضب الشديد يقود الإنسان الي خسارة كبيره له ولنسله ، فقد يحدث بسبب الغضب إنقسام وتفتت لكيان الوحدة والترابط " شِمْعُونُ وَلاَوِي أَخَوَانِ، آلاَتُ ظُلْمٍ سُيُوفُهُمَا. فِي مَجْلِسِهِمَا لاَ تَدْخُلُ نَفْسِي. بِمَجْمَعِهِمَا لاَ تَتَّحِدُ كَرَامَتِي. لأَنَّهُمَا فِي غَضَبِهِمَا قَتَلاَ إِنْسَانًا، وَفِي رِضَاهُمَا عَرْقَبَا ثَوْرًا. مَلْعُونٌ غَضَبُهُمَا فَإِنَّهُ شَدِيدٌ، وَسَخَطُهُمَا فَإِنَّهُ قَاسٍ. أُقَسِّمُهُمَا فِي يَعْقُوبَ، وَأُفَرِّقُهُمَا فِي إِسْرَائِيلَ.( تك ٤٩ : ٥ - ٧ ) الإنسان الغضوب ويتعامل مع الأخرين بالظلم ولا يُفرق بين الصالح والطالح في غضبه يتعامل معه الله بنفس الطريقة ومع نسله أيضاً لأن روح الغضب يكون متمكن من سلسال نسبه .

 يوجد عند الرب غضب وهذا الغضب لا يعمل إلا في أجواء من القضاء الإلهي ، بمعني أنه غضب شرعي وقانوني ، أيضا بمعني أنه يشبه غضب القاضي عند إصدار حكمه علي مجرم بحسب القانون والشرع ، هكذا الله فليس به غضب عشوائي كبني البشر ، فهو في ذاته ليس غضوب بل بطيئ الغضب " فَاجْتَازَ الرَّبُّ قُدَّامَهُ، وَنَادَى الرَّبُّ: "الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. " (خر ٣٤ : ٦) اليس هذا يجعلنا ندرك ان الله عظيم ، غضبه علي سدوم وعمورة قانونياً وليس عشوائياً ، غضبه علي اهل نينوي قانونياً ورفع الغضب عنهم أيضا بطريقة قانونية ، فالغصب الإلهي يرتبط بتوبة المخطيئ بعد انذاره عدد من المرات ، فهو ليس إله عشوائي فهو منظم ويسير بمبادئ وقوانين روحية .

إن إستطاع المؤمن ان يكون بطيئ الغضب ويسير بمبادئ فقد صار عظيما ، فلا يكن غضبك باطلاً لئلا تدخل تحت إدانة  " وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، ....... (مت ٥ : ٢٢) فالشخص البطيئ الغضب يحرر نفسه من الغضب الباطل ، ويترك لله فرصة للتدخل والغضب الإلهي "  لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ:"لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ. (رو ١٢ : ١٩) أترك للرب الفرصة ليفعل ما هو صالح وتحرك أنت بنعمة الله في كل إمورك وخدمتك لأن غضبك يعيق البر الالهي " لأَنَّ غَضَبَ الإِنْسَانِ لاَ يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ. (يع ١ : ٢٠) حتي وإن كنت علي حق ، فيناشدنا الرسول أن نترك الغضب جانبا "  وَأَمَّا الآنَ فَاطْرَحُوا عَنْكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا الْكُلَّ: الْغَضَبَ، السَّخَطَ، الْخُبْثَ، التَّجْدِيفَ، الْكَلاَمَ الْقَبِيحَ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ. (كو ٣ : ٨) إن صار المؤمن في هذا المستوي فقد صار في خدمة العلي وفي طريق صنع البر الالهي .

يقولوا علماء النفس أن الغضب عاطفة "  Emotion " وشعور " Feeling " فالغضب في حد ذاته ليس شراً ولا خطية لأن العاطفة ليست شراً وليست خيراً والشعور كذلك فعندما تتحول العاطفة إلي سلوك " Behavior " يكون هنا التقييم نحو الصواب والخطأ .

أخي عندما ينتابك شعور بعدم الرضا علي أمر معين فهذا عادي جداً وليس بـ شر ، ثم ينتابك شعور بالغيظ والغضب أيضاً فليس شراً ، ولكن أن يتحول هذا الي رد فعل أو تصرف يقودك للعنف ورجم الأخرين هنا الشر وهنا الخطية .

عندما سقطت إمرأة في ذات الفعل نالت عدم الرضا من المجتمع المحيط بها - وهذا طبيعي - وعندما اتوا بها أمام المسيح ليحكم ضدها كما في الناموس - هذا طبيعي - ولكن أن يكونوا هم قضاة عليها بطريقة غير قانونية أو شرعية ويمسكون بحجارة ليرجموها بدون محاكمة شرعية فهذا هو الشر بعينه ، كونك تغضب هذا حقك ، أو تدفع الشخص المغضوب عليه للقضاء وأنت علي حق هذا حقك .

أوقات كثيرة يكون الظالم رئيس في العمل ويتحرك بطريقة لا تستطيع أن تأخذ عليه شيئاً ، ماعليك إلا الصلاة والصبر لحين أن يتدخل الله لحل هذا الأمر ، لأن الله ليس صامتاً فهو يتحرك نحو الشخص بإعطاءه فرص للعدول والرجوع ، وسيأتي الوقت الذي فيه يتحرك ويُحرك الإمور لينصفك ويعوض لك ، فقد صمت مردخاي لحين التدخل الالهي لحفظه ورفع رأسه وإكرامه ، يجب أن تعلم أن الظلم كالظلام ليس له اقدام فمن يسير فيه يوماً لابد أن يسقط . 

 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس