المسحة والسلطان وصناعة الشرفاء
المسحة والسلطان وصناعة الشرفاء
بقلم القس عماد عبد المسيح
المسحة والسلطان كلمتان مغرياتان لكل كيان قبل الرب مخلص الإنسان ، لانهما يعطيان مجداً وكرامة واستخدام ، لا يوجد مؤمن لا يطلب أو يتمني المسحة والسلطان ، السلطان ممنوح لكل المؤمنين ، اما المسحة فهي مرتبطة بحياة الخدمة المكرسة ، ومرتبطة بالدعوة الخاصة لرجال الله ، كالأنبياء والرسل وبعض خدام الرب المدعوين دعوة خاصة ، فالسعي وراء طلب السلطان أمراً ليس صحيحا ، بل اسعي لطلب المسحة لإظهار السلطان الممنوح لك .
تفعيل السلطان لفئة دون الأخري :
يقول الرب في كلمته " وَالْمَمْلَكَةُ وَالسُّلْطَانُ وَعَظَمَةُ الْمَمْلَكَةِ تَحْتَ كُلِّ السَّمَاءِ تُعْطَي لِشَعْبِ قِدِّيسِي الْعَلِيِّ. مَلَكُوتُهُ مَلَكُوتٌ اَبَدِيٌّ، وَجَمِيعُ السَّلاَطِينِ اِيَّاهُ يَعْبُدُونَ وَيُطِيعُونَ. (دان ٧ : ٢٧) فشعب قديسي العلي له عظمة المملكة والسلطان ، فمن يعيش في أقل من هذا فهو مؤمن مسكين غير مدرك للمستويات الروحية التي له في المسيح .
دعونا أحبائي نحلل الأية لغوياً لندرك أعماق القصد الإلهي ، فكل كلمة لها في اللغة معني أعمق من المعني في الترجمة العربية وحتي الإنجليزية ، فالكلمات الأتية " الْمَمْلَكَةُ ، َالسُّلْطَانُ ، قِدِّيسِي " . ستوضح المعني العميق :
كلمة وَالْمَمْلَكَةُ في الإنجليزي ( kingdom ) بمعني ( مملكة - ملكوت ) وفي العبريى ( מלכוּ ) وتنطق ( malkû - مالكو ) وتعني ( عهد - المملكة الملوك - السلطة )
كلمة السُّلْطَانُ في الإنجليزي ( dominion ) بمعني ( سيادة - سلطان ) وفي العبريى ( שׁלטן ) بمعني ( sholṭân ) وتنطق ( شولتان ) وتعني ( السيطرة - والسيادة ) "
كلمة قِدِّيسِي في الإنجليزي ( saints ) بمعني ( قديس - تقي ) وفي العبريى ( קדּישׁ ) وتنطق ( qaddı̂ysh - قاديش ) وتعني ( مقدسة - منفصلة )
أي أن الأمر يخص شعب الرب المكرس منهم ، فمن هو في مستوي التكريس والتخصيص سيكون في مستوي المسحة المحركة للسلطان الإلهي الممنوح في المؤمنين لذلك نستطيع أن نفهم الأية كما يلي : " السلطة والسيادة وَعَظَمَةُ السلطة تَحْتَ كُلِّ السَّمَاءِ تُعْطَي لِشَعْبِ مكرسي الْعَلِيِّ. " فالسلطان هنا يعني أن تكون زمام الإمور في يد أبناء الرب المكرسين ، أما غير المكرسين فليس لهم هذه السيادة ، فلا يستطيعون أن يتحكموا في كثير من الإمور ، لذلك كي يكون للسلطان فاعلية يجب علي المؤمن أن يكون مكرس للرب ، هكذا تترجم كلمة " قديسي العلي " إن كانت خلفية دانيال كونه وزيراً في مملكة بابل فيشعر بأنه أُعطي له من الله سيادة وسلطان وشعور بعظمة المملكة في الوقت الذي يجب أن يكون فيها أسير حرب في بلد غريب ، فشعوره بالرفعة الإلهية أمر يجعله ممنوناً وسعيداً بمعية الله ، فيقول حقيقة روحية ، أن كل من هم مخصصين لله سيشعرون بالسيادة والسلطان مهما كانت الظروف .
حدود السيادة :
السيادة والسلطان لا يستخدمان للأهواء الشخصية ، بل لما يخدم ملكوت الله والعمل الإلهي والمسيرة الإلهية ، فعندما يُمنح شخص سلطاناً فهو لخدمة من أعطاه السلطان ، ففي النظام الملكي يكون الملك صاحب السلطان ويمنح سلطاناً لمن يشاء ولمن يراهُ قادر علي خدمته ، أما في النظام الجمهوري فالشعب صاحب السلطان ويمنحه لمن يري أنه قادر علي خدمته ، أما في النظام الإلهي فالسلطان من الله لخدمة الله وكنيسته ، لكن علي كنيسته أن تستخدم هذا السلطان في خدمة الرب ، فعندما اعطي الرب للتلاميذ سلطانا ، أعطي لهم أن يخدموه " ثُمَّ دَعَا تَلاَمِيذَهُ الاثْنَيْ عَشَرَ وَاَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا عَلَي اَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ حَتَّي يُخْرِجُوهَا، وَيَشْفُوا كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ. (مت ١٠ : ١) فالأمر يحتاج نفوس تسلم الكل للرب .
عندما يُمنح الإنسان سلطاناً فهو قد مُنح حرية التحرك في نطاق هذا السلطان ، فالسلطان المعطي يحتاج هيبة مانحه لتفعيل هذا السلطان ، وبدون هذه الهيبة لا يكون للسلطان فاعلية ، فالمسحة الإلهية ما هي إلا هيبة الله علي المؤمن لتفعيل السلطان ويكون له ظهور وتأثير واضح ، فقد كان الرب له كل المجد ممسوح من الأب لعمل إلهي ، لذلك كانت تعاليمه بسلطان " فَبُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ لاَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ. (مر ١ : ٢٢) وكما فهمنا ان كلمة سلطان تعني سيطرة وسيادة ، فكان للمسيح سيادة علي تعاليمه فيتكلم في الوقت المناسب بالكلمات المناسبة ليأتي بالتأثير ، فالمسحة تهب مقدرة روحية لمعرفة الوقت المناسب لمعرفة السحابة الإلهية ، فقد كان المسيح ممسوح " اَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَاَبْغَضْتَ الاِثْمَ. مِنْ اَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ اِلهُكَ بِزَيْتِ الابْتِهَاجِ اَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ". (عب ١ : ٩) وقال أيضا " "رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لاَنَّهُ مَسَحَنِي لاُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، اَرْسَلَنِي لاَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لاُنَادِيَ لِلْمَاْسُورِينَ بِالاِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَاُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، (لو ٤ : ١٨) فالمسحة تستطيع أن تري وقت الشفاء ووقت الحرية من الاسر ، وتقوم بالسلطان للشفاء والإطلاق والحرية ، فما هم إلا أدوات لإطلاق مفهوم المسحة الروحية .
الهيبة ودورها في تفعيل السلطان :
للموت سلطان وهيبة علي كل من لم يؤمن بالمسيح مخلص ، فالمسيح استطاع أن يكسر الموت ويهزمه بالقيامة ليكسر سيادته علي مؤمنيه " عَالِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يَمُوتُ أَيْضًا. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْدُ. : كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً ِللهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا ......... : إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ، ( رو ٦ : ٩ - ١٢ ) فقيامة المسيح من الاموات أعطي للموت ضُعف في السيطرة والسيادة ، فلا يقوي علي المسيح ثانيةً ولا علي اتباع المسيح ، فكلمة يَسُودُ في الإنجليزي ( dominion ) بمعني ( سيادة - سلطان ) وفي اليوناني ( κυριεύω ) وتنطق ( kurieuō - كورييو ) وتعني ( السيطرة - ممارسة سيادة ) " فقد صار الموت بالنسبة للمؤمنين مكسب روحي غير عادي للعبور من عالم الجسد لعالم الروح والذهاب لمكان الراحة لحين مجيئ المسيح ثانيةً علي سحاب المجد .
كلمة سلطان جاءت أيضاً في الإنجليزي ( authority ) وفي اليوناني ( ἐξουσία ) وتنطق ( exousia - اكسوسيا ) وتعني ( حرية في ادارة الإمور - سلطة - تفويض - قوة - سيطرة ) أي السلطة علي إدارة الشئون الداخلية ، هذا ما قالوه رؤساء الكهنة للمسيح " وَلَمَّا جَاءَ اِلَي الْهَيْكَلِ تَقَدَّمَ اِلَيْهِ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْب وَهُوَ يُعَلِّمُ، قَائِلِينَ:"بِاَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟ وَمَنْ اَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ؟" (مت ٢١ : ٢٣) فمن لدية التعليم فهو لدية حرية تفويض سلطة ويستطيع علي إدارة الإمور الخاصة جداً .
السلطان في الربط والحل :
فالسلطان ليس كلمة تستخدم للجمال والشياكة للمؤمن ، بل هو قوة واستخدام ومجد ، فالمتعلم في ملكوت الله هو صاحب سيادة قادر علي مساندة ومعونة الأخرين " أَعْطَانِي السَّيِّدُ الرَّبُّ لِسَانَ الْمُتَعَلِّمِينَ لأَعْرِفَ أَنْ أُغِيثَ الْمُعْيِيَ بِكَلِمَةٍ. يُوقِظُ كُلَّ صَبَاحٍ لِي أُذُنًا، لأَسْمَعَ كَالْمُتَعَلِّمِينَ. (إش ٥٠ : ٤) فعندما يقول : " أُغِيثَ الْمُعْيِيَ بِكَلِمَةٍ. " اتت كلمة ( بِكَلِمَةٍ ) في الإنجليزي ( word ) وفي العبري ( דּבר ) وتنطق ( dâbâr - دابار ) وتعني ( كلمة تختص بالكلمات النبوية ، وتستخدم في التكوين للخلق ) فالمسيح يمتلك لسان المتعلمين وكلماتة تخلق معونة وإغاثة للمعيي ( weary ) اي المنهك المكتئب .
هذه الكلمة ( word - دابار - dâbâr ) في العبرية توازيها كلمة ( λόγος - لوجوس - logos ) في اليونانية " فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَة ( logos ) ، وَالْكَلِمَةُ ( logos ) كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَة ( logos ) اللهَ. (يو ١ : ١) فلوجوس هي الكلمة المنطوقة والمكتوبة ، هكذا ( dâbâr - دابار ) في العهد القديم ، فللكلمة سلطان وسيادة وقادرة علي الربط والحل " اَلْحَقَّ اَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَي الاَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَي الاَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ. (مت ١٨ : ١٨) فللكلمة قوة للتحرير وقوة للأسر ، وكثيرا يرتبط الكلام بقوة للتحرك والأفعال ،وهذا ما أراد إبليس أن يفعله مع المسيح " وَقَالَ لَهُ اِبْلِيسُ:"لَكَ اُعْطِي هذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ، لاَنَّهُ اِلَيَّ قَدْ دُفِعَ، وَاَنَا اُعْطِيهِ لِمَنْ اُرِيدُ. فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي يَكُونُ لَكَ الْجَمِيعُ". (لو ٤ : ٧) فبدأ إبليس بالكلام ليحوله إلي فعل من جانب المسيح وبالتالي يكون قادر علي أسره وربطه ، لذلك إستخدم المسيح الكلمة المكتوبة ونطق بها ليهزم إبليس " فَأَجَابَهُ يَسُوعُ وَقَالَ:"اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! إِنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ". (لو ٤ : ٨) فإستخدام الكلمة المكتوبة تمنح مستخدميها وناطقيها سلطاناً للفك والتحرير ، السلطان الحقيقي ليس في الممتلكات والمال والاشياء ، والمستويات الإجتماعية ، بل في قوة الكلمة وتأثيرها ، فإبليس دائماً خداع يوهم الجميع بأنه قادر علي العطاء والمنحة ، ولكنه يُعطي لكي يؤسر تابعية والخاضعين لأقواله .
المسيح أخذ لسان المتعلمين ليساند المنهكين والمتعبين والمكتئبين بكلمة ، هكذا يريدنا الله أن نسير علي نفس المنهاج ونستخدم اللوجوس في فك النفوس ، فلا نكون فقط طالبين كلمة من الرب للشفاء " فَاَجَابَ قَائِدُ الْمِئَةِ وَقَالَ:"يَا سَيِّدُ، لَسْتُ مُسْتَحِقًّا اَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي، لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَقَطْ فَيَبْرَاَ غُلاَمِي. (مت ٨ : ٨) ولكن ليكن لنا قوة الكلمة الفاعلة والمغيرة " فَاِنَّ كَلِمَةَ ( λόγος - لوجوس - logos ) الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَاَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ، " (1كو ١ : ١٨) فليس الصليب الذي من الخشب ولا الفضة ولا الذهب ، بل كلمة الصليب ، ففي الكلمة سلطان ، قوة ، سيادة ، تحرير من الأسر .
سلطان قوة الكلمة :
قوة الكلمة الفاعلة لها سلطان للثبات والنقاء " أَنْتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكَلاَمِ ( λόγος - لوجوس - logos ) الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ. (يو ١٥ : ٣) فلا تستهين بقوة الكلمة وسلطانها ، فيقول الرب " إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كَلاَمِي فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ. (يو ١٥ : ٧) كلمة كلامي في الإنجليزي ( words ) وفي اليوناني ( ῥῆμα ) وتنطق ( rhēma - روهيما ) وتعني ( الفعل - فعلي ) وهنا ندرك أن قوة الكلمة الفاعلة هي التي تعطي ثبات لذلك نستطيع أن نقرأ الأية هكذا " إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كَلاَمِي ( فعل الكلمة ) فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ. " ففعل الكلمة هو سلطان الكلمة في سامعيها .
اضيف هنا شيئاً مهما وهو أننا مخلوقين علي صورة الله " فَخَلَقَ اللهُ الاِنْسَانَ عَلَي صُورَتِهِ. عَلَي صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَاُنْثَي خَلَقَهُمْ. (تك ١ : ٢٧) لذلك كما أن قوة الكلمة التي في الله لها فاعليتها ، هكذا قوة الكلمة التي ننطقها لها فاعليتها .
مستوي فاعلية الكلمة :
قوة الكلمة المنطوقة لها تأثيرها وكما شرحنا أن قوة الكلمة في الله لها سلطانها ، هكذا قوة الكلمة التي نقولها نحن لها سلطانها ، سواء كانت سلبية أو إيجابية ، سواء كان مفعولها في عالم الروح قوي أو ضعيف .
تأثير الكلمة في عالم الروح يصير قوياً بمستوي أهمية الشخص بالنسبة للأرواح سواء كانت ملائكة أو أرواح شريرة ، فليس كل مؤمن كلماته لها تأثير وسلطان في عالم الروح ، وليس كل خاطي أيضاً له تأثير في عالم الروح الشرير ، فتوجد مواصفات لتكون للشخص وكلمته سلطان وتأثير .
كان موسي مقتدراً في الأقوال والأعمال " فَتَهَذَّبَ مُوسَي بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ، وَكَانَ مُقْتَدِرًا فِي الاَقْوَالِ وَالاَعْمَالِ." (أع ٧ : ٢٢) فمستوي التهذيب والتعليم يفتح الأفاق ويعطي فرصة للإدراكات الروحية والفكرية ، فلا أقصد التعليم الدراسي الإجتماعي فقط ، فمع أهميته جداً جداً ، لكني أتكلم عن فاعلية التعليم الروحي ، فرغم أن موسي تعلم وتهذب بكل حكمة المصريين ، لكن لزم الامر أن يذهب للبرية لرعاية الغنم مدة اربعين سنة ، لم يفعل الله معه هذا لغسيل المخ ، بل ليأخذ ثقافة جديدة تختلف عن ثقافة المصربين ، فعند عودته يكون قادر علي إخراج شعب الله للبرية ، فلن يفلح في هذا إلا شخص صار خبرة في العلاقة مع الصحراء والشمس الحارقة ، فالثقافة التي يفعلها الله مع الشخصيات الخاصة يكون لها مفعولها وقوتها وتمنح المؤمن ثقة في النفس للسير في دروب العمل الإلهي دون خوف أو تردد ، فلم نجد يوماً موسي متردد في مسيرته مع شعب الله وخدمته لهم ، حتي في وقت تعبه والامه بسبب تقلبات الأمزجة التي للشعب وطلبهم لحمة في البرية فقال موسي للرب " أَلَعَلِّي حَبِلْتُ بِجَمِيعِ هذَا الشَّعْبِ؟ أَوْ لَعَلِّي وَلَدْتُهُ، حَتَّى تَقُولَ لِي احْمِلْهُ فِي حِضْنِكَ كَمَا يَحْمِلُ الْمُرَبِّي الرَّضِيعَ، إِلَى الأَرْضِ الَّتِي حَلَفْتَ لآبَائِهِ؟ (عد ١١ : ١٢) فهو لم يتزمر بل يعلن أن حِمل وثِقَّل هذا الشعب أمرٌ ثَّقيل وصعب للغاية لأنهم يطلبون من موسي ما لا طاقه له فيه " مِنْ أَيْنَ لِي لَحْمٌ حَتَّى أُعْطِيَ جَمِيعَ هذَا الشَّعْبِ؟ لأَنَّهُمْ يَبْكُونَ عَلَيَّ قَائِلِينَ: أَعْطِنَا لَحْمًا لِنَأْكُلَ. (عد ١١ : ١٣) لذلك قال الرب له أن يحمع سبعون شيخ من شيوخ اسرائيل " في (عد ١١ : ١٧) لاحظ قول الرب " وَآخُذَ مِنَ الرُّوحِ الَّذِي عَلَيْكَ وَأَضَعَ عَلَيْهِمْ " أي روح ؟ يأتي بمعني ( روح النبوة - الروح القدس - الحيوية وقوة الشجاعة ) في الإنجليزي ( spirit ) وفي العبري ( רוּח ) و تنطق ( rûach - روأَّك ) وهنا نري المسحة التي علي موسي يمكن أن ينال منها الأخرين العاملين والمشاركين مع من عليه الدعوة الإلهية ، فإن رافقت شخص ممسوح " أي عليه دعوة من الله " فإعلم أنك ستنال من نفس نوع المسحة التي عليه لإستكمال وتتميم المسيرة الروحية والعمل الإلهي .
السلطان الإلهي والخدمة الملائكية :
لكل دعوة روحية خدمة ملائكية للمساندة وللحروب الروحية الغير مرئية ، فالملائكة لا تتحرك بدون أن تأخذ الأوامر من خالق الكون الذي يتحرك لإجلنا فيأمر الملائكة لتحارب حروبنا وتطهر الأجواء الروحية من اجل نجاح الدعوة الإلهية والخدمة المكلف بها رجال الله حول العالم ، فلا تخلوا خِدمةٌ من خِدمة الملائكة لها " باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه. باركوا الرب ياجميع جنوده خدامه العاملين مرضاته." ( مز ١٠٣ : ٢٠ ، ٢١ ) فكلمة ( أمره ) جاءت في الانجليزي ( commandments - وصاياه ) وفي العبري ( דּבר - dâbâr - دابار ) وكلمة ( كلامه ) جاءت في الانجليزي ( word ) وفي العبري ( דּבר - dâbâr - دابار ) وتعني ( كلمة تختص بالكلمات النبوية ، واستخدمت للخلق ) وهذا معناه أن التكليف الذي للملائكة لن يقل عن التكليف الذي للمؤمن والخادم فجميعهم اخذوا ( دابار ) أخذوا كلمة نبوية - أمر إلهي ، والأوامر الإلهي يتم تفعيلها في الأرض من خلال خدام أمناء ولهم أشواق للمسير في التكليف الإلهي دون ملل أو كلل ، وهنا يتحرك الله تجاه الملائكة ليصدر نفس التكليف للمساعدة وخدمة خدام الرب المكلفين بمهام خاصة من اجل ملكوت الله .
فالملائكة موجودون لخدمة الله بأربعة طرق :
- أن يباركوا الرب . ( باركوا الرب يا ملائكته )
- أن ينفذوا وصايا الله . ( الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه )
- أن يلتفتوا وينتبهوا إلى صوت كلمة الله. ( الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه )
- أن يخدموا أولاد الله " أليس جميعهم أرواحا خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص " ( عب ١ : ١٤ )
- أن يفعلوا مرضاة الله . ( العاملين مرضاته)
فالملائكة تعمل في اجواء من الروح القدس ، لان مهمتهم تجاه الله كما ذكرت ((( أن يباركوا الرب - أن ينفذوا وصايا الله - أن يلتفتوا وينتبهوا إلى صوت كلمة الله - أن يفعلوا مرضاة الله ))) فلن يخدموا إلا للمؤمنين لأنه ساكن فيهم الروح القدس وممتلئون به ، فعندما يُكلَّفون يمتَلئون فتظهر المسحة التي تُحرك الملائكة نحو الخدمة ، فيستفاد المؤمن بخدمة الملائكة ( عب ١ : ١٤ ) فهم يُحَالون حول المؤمنون الحقيقيون " ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم" ( مز ٣٤ : ٧ ) الملائكة لا تخدم الاشرار لكنهم يخدمون المؤمنين إيماناً حقيقياً ، الذين سلموا قلبهم للرب وضمنوا حياتهم الابدية ولهم خدمة الله العلي والذين أيضاً لهم دعوة خاصة في ملكوت الله ، فعندما يُضعَفون لأي سبب تجد الملائكة تسرع لإنقاذهم ولمعونتهم والدفاع عنهم
هذا ما حدث مع إيليا النبي عندما هرب من وجه إيزابل وخارت قواة " وإذا بملاك قد مسَّه وقال قم وكل. فتطلّع وإذا كعكة رضف وكوز ماء عند رأسه فأكل وشرب ثم رجع فاضطجع. ثم عاد ملاك الرب ثانية فمسّه وقال قم وكل. لأن المسافة كثيرة عليك. فقام وأكل وشرب وسار بقوة تلك الأكلة أربعين نهاراً وأربعين ليلة إلى جبل الله حوريب ودخل المغارة وبات فيها" ( ٢مل ١٩ : ٥ - ٨ ) فقد جاء الملاك لمعونة إيليا .
ونري ايضا حزقيا عندما هدده من ملك اشور وحاصروا المدينة صلي حزقيا واشعياء النبي فارسل الرب ملاكا وقتل مئة ألف وخمسة وثمانين ألفاً " ( ١مل ١٩ : ٣٥ - ٣٦ ) عمل الملائكة هو من اجل المؤمنين وانقاذهم والمحاربة عنهم وفك اسْرُهُمْ .
حدث أيضاً مع بطرس عندما سجنه هيرودس واراد ان يقطع رأسه كما قطع رأس يعقوب " "وإذا ملاك الرب أقبل ونور أضاء في البيت فضرب جنب بطرس وأيقظه قائلاً قم عاجلاً فسقطت السلستان من يديه وقال له الملاك تمنطق والبس نعليك. ففعل هكذا فقال له البس رداءك واتبعني. فخرج يتبعه. وكان لا يعلم أن الذي جرى بواسطة الملاك هو حقيقي بل يظن أنه ينظر رؤيا. فجازا المحرس الأول والثاني وأتيا إلى باب الحديد الذي يؤدي إلى المدينة فانفتح لهما من ذاته فخرجا وتقدَّما زقاقاً واحداً وللوقت فارقه الملاك. فقال بطرس وهو قد رجع إلى نفسه الآن علمت يقيناً أن الرب أرسل ملاكه وأنقذني من يد هيرودس" (أعمال 7:12-11) نري خدمة الملائكة ظاهرة ايضا في حياة بولس الرسول "وَلَكِنِّي الآنَ أَدْعُوكُمْ لِتَطْمَئِنُّوا، فَلَنْ يَفْقِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ حَيَاتَهُ. وَلَكِنَّ السَّفِينَةَ وَحْدَهَا سَتَتَحَطَّمُ فَقَدْ ظَهَرَ لِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ مَلاَكٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ الَّذِي أَنَا لَهُ وَإِيَّاهُ أَخْدِمُ وَقَالَ لِي: لاَ تَخَفْ يَا بُولُسُ! فَلاَبُدَّ أَنْ تَمْثُلَ أَمَامَ الْقَيْصَرِ. وَقَدْ وَهَبَكَ اللهُ حَيَاةَ جَمِيعِ الْمُسَافِرِينَ مَعَكَ فَاطْمَئِنُّوا أَيُّهَا الرِّجَالُ، لأَنِّي أُومِنُ بِاللهِ وَبِأَنَّ مَا قَالَهُ لِي سَيَتِمُّ " ( اع ٢٧ : ٢٢ - ٢٥ )
فالخدمة الملائكية تخدم المكلفين والممسوحين بالروح القدس للمهام الروحية ، حتي الذين لم يُدعَّونْ ودعوا أنفسهم ، فلوط لم يدعوه الرب ليسير مع إبراهيم مسيرته الروحية ، لكنه ٱختار هذا بكامل إرادته ، وسار في المسيرة مع ابراهيم ، فرافقته المسحة حتي وقت ضعفه ، وخدمته الملائكة " فمد الرجلان ايديهما و ادخلا لوطا اليهما الى البيت و اغلقا الباب ، و اما الرجال الذين على باب البيت فضرباهم بالعمى من الصغير الى الكبير فعجزوا عن ان يجدوا الباب ( تك ١٩ : ١٠ ، ١١ )
كل هذه الشواهد تعلن حقيقة ان السلطان الإلهي يعمل في المؤمنين الذين لهم السلطان الممنوح بقبول المسيح " وَاَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَاَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا اَنْ يَصِيرُوا اَوْلاَدَ اللهِ، اَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. (يو ١ : ١٢) فسلطان البنوية سلطان عام للخروج من قبضة ابلبس ولكن سلطان الخدمة والغلبة ليس منفردا عن سلطان البنوية لأن سلطان البنوية مفعل ضد مملكة ابليس " هَا اَنَا اُعْطِيكُمْ سُلْطَانًا لِتَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُوِّ، وَلاَ يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ. (لو ١٠ : ١٩) فكل مؤمن له أن يدوس علي الحية القديمة إبليس وجنودة بسلطان البنوية لله ، ولكن يحتاج الأمر للمسحة الإلهية التي من خلالها تُجنَّد الملائكة لمساندة وخِدمة أولاد الله المُفعلين ضد مملكة إبليس وبالتالي تصير كلماتهم سيف وقوة وسيادة علي مملكة الظلمة ، لذلك دعونا نعرف معني كلمة مسحة في كلمة الله لندرك المستوي الروحي لإمور الله ، فنعيش في رفعة العلي .
المَسَحة الإلهية :
أول من بدأ أمر المسحة في العهد القديم هو يعقوب ، عندما صب زيت علي العمود عندما راي سلم وملائكة الله صاعدة ونازلة ، فقال الرب له " اَنَا اِلهُ بَيْتِ اِيلَ حَيْثُ مَسَحْتَ عَمُودًا، حَيْثُ نَذَرْتَ لِي نَذْرًا. الانَ قُمِ اخْرُجْ مِنْ هذِهِ الاَرْضِ وَارْجعْ اِلَي اَرْضِ مِيلاَدِكَ". (تك ٣١ : ١٣) كلمة ( مَسَحْتَ ) في الإنجليزي ( anointedst ) وفي العبري ( משׁח ) وتنطق ( mâshach - موشاك ) وتعني ( تمسح - تكرس ) فما صنعه يعقوب أنه خصص عمودا يُعلن من خلاله أن هذا المكان مكرس للرب ، فعندما نخصص بعض الأشياء ونكرسها للرب - نمسحها للرب تتبارك وتتقدس ، فالأشياء نحن نُكرسها للرب أما الأشخاص يُكرسها الرب ، وللتكريس وسائل ، فالأشياء والاشخاص في العهد القديم تُكرس بزيت أو دهن يسمي دهن المسحة كإعلان ظاهر أمام الرب وجميع الأرواح والناس ( خر ٢٥ : ٦ - خر ٢٩ : ٧ - خر ٣٠ : ٢٦ - خر ٤٠ : ٩ )أما المسحة التي ترافق المؤمن في خدمته فهي مرتبطة بالكلمة ( דּבר - dâbâr - دابار ) أو ( λόγος - لوجوس - logos ) وهذه الكلمة تصدر من الرب للإنسان من خلال الدعوة الخاصة وتقوم علي اساس قوة وعمل الروح القدس كدعوة الله لإبراهيم ترافقها مسحة خاصة تفتح الأفاق الروحية لتعامل الملائكة معه لتخدم مسيرة الله في حياته ، هكذا في حياة باقي الأنبياء والرسل .
المسيح يتكلم عنه الوحي أن الأب مَسَحه ليظهر مستويات البر والفرح وإعلان مجد الأب في شخص المسيح " اَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَاَبْغَضْتَ الاِثْمَ، مِنْ اَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ اِلهُكَ بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ اَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ." ( مز ٤٥ : ٧ ) فكلمة ( مَسَحَكَ ) هي نفس كلمة ( משׁח - mâshach - موشاك ) التي تعلن التخصيص والتكريس من أجل عمل الهي خاص ، أصلي من كل قلبي أن يكون أنت وأنا في دائرة هذا المستوي الرائع لمجد الله ، وأن يجدنا كما وجد داود " وَجَدْتُ دَاوُدَ عَبْدِي. بِدُهْنِ قُدْسِي مَسَحْتُهُ." ( مز ٨٩ : ٢٠ ) وهي نفس كلمة ( موشاك ) من هنا نري أن الله يهمه جداً أمر مُسَّحَائِهِ " قَائِلاً: "لاَ تَمَسُّوا مُسَحَائِي، وَلاَ تُسِيئُوا اِلَي اَنْبِيَائِي".( مز ١٠٥ : ١٥ ) لأنهم يحملون مسحة الروح القدس من أحل عمل الله ، فإحترامهم وتقديرهم أمر مُلزَّم لكل شعب الله ، ليس لذات الأنبياء بل لذات الله ومجده .
معني أخر لكلمة مسحت :
تأتي بمعني ثبث ، فالمسحة للتثبيت ، اي لتأصيل الشخص وتثبيت الدعوة علي حياته ، لعمل ملكوت الله "اَمَّا اَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَي صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي" ( مز ٢ : ٦ ) في هذه الاية كلمة مسحت ( נסך ) وتنطق ( nâsak - نوساك ) وتعني مسحت او ثبت ) فتفهم الاية هكذا " اَمَّا اَنَا فَقَدْ ثَبَتُ مَلِكِي عَلَي صِهْيَوْنَ " فتثبيت الدعوة علي الشخص والشخص علي المكان أمرٌ مهم جداً لعمل الله ، لأن إبليس دائماً يخطط لإزالة المدعو من مكانه ، أو تعطيل وصوله ليوقف ويعيق العمل الإلهي " لِذلِكَ اَرَدْنَا اَنْ نَاْتِيَ اِلَيْكُمْ اَنَا بُولُسَ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ. وَاِنَّمَا عَاقَنَا الشَّيْطَانُ. (1تس ٢ : ١٨) فالإعاقة التي يستخدمها الشيطان قد توجد في مسئول كنسي أو إجتماعي أو سياسي أو أشياء كالرياح والعواصف وموج البحار ..... الخ.
من أروع ما يصنعه الرب مع اولادة أن يمنح لهم معونة خاصة تساندهم في خدمتهم وحياتهم ، فالسلطان بصفة عامة ممنوح للجميع ، ولكن لإظهاره والتفاعل معه يحتاج المؤمن دائماً لحياة الملء بالروح والإستمرارية في التواجد دائماً أمام الرب في الصلاة والصوم وشركة المؤمنين ، فبدونهما يفقد المؤمن مستوي المسحة الروحية التي ترافق المؤمن من أجل الخدمة .
السلطان الإلهي يرافق المؤمن من أجل حياته الروحية ورفعتها ، فهو له الحق أن يستمتع بالحماية والبركات التي له في المسيح ومن ضمنها السلطان ، أما المسحة الروحية فهي ترافق الخادم من أجل عمل ملكوت الله وحياة الخدمة والعمل الإلهي ، فليعلم كل خادم مدعوا من الله للخدمة ، أو دّعي نفسه أو مدعوا من الناس ، فليعلم أنه في خدمة الرب ، وبالتالي فلكل خدمة مستوي من المسحة ، فكل من يقترب لخدمة من الخدمات الروحية ينال من أجلها مستوي من المسحة .
تقدم أخي المؤمن نحو الخدمة التي تري أن وجودك فيها أمر ملزِم ، فلا تتواني أو تتأخر أو تتراجع وتنتظر صوت الهي ، بل تقدم بكل جرأة وثقة بأن إلهك سيمنحك مسحة خاصة من أجل هذه المبادرة التي بادرت بها من أجل ملكوت الله ، بشرط أن لا تتعدي علي حقوق الغير ، أو تعطيل الإنسيابية الروحية للعمل ، أي أنك تري العمل يسير بتدخل إلهي فلا تتدخل من ذاتك لئلا تُقتَحم كما إقتُحِم " عُزَّةُ " عندما " .... مَدَّ ... يَدَهُ إِلَى تَابُوتِ اللهِ وَأَمْسَكَهُ، لأَنَّ الثِّيرَانَ انْشَمَصَتْ. فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى عُزَّةَ، وَضَرَبَهُ اللهُ هُنَاكَ لأَجْلِ غَفَلِهِ، فَمَاتَ هُنَاكَ لَدَى تَابُوتِ اللهِ. ( ٢ صم ٦ : ٦ ، ٧) فالتدخل في إمور الله التي تسير بعمل إلهي يُعرض الإنسان لمخاطر ولخسائر ، أترك مَسَحة الله تعمل في النفوس والاشياء دون أن تتدخل بطريق الجسد ، فعندما تكون أنت في رفعة روحية يستخدم الله مبادراتك في عمل الهي رائع فتحسب لك في مستوي الروح فتُبارك ، فقد بارك الرب بيت عوبيد لسبب أنه إستقبل التابوت في بيته ، في الوقت الذي خاف منه داود الملك بسبب موت عُزَّةُ " وَبَقِيَ تَابُوتُ الرَّبِّ فِي بَيْتِ عُوبِيدَ أَدُومَ الْجَتِّيِّ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ. وَبَارَكَ الرَّبُّ عُوبِيدَ أَدُومَ وَكُلَّ بَيْتِهِ. (2صم ٦ : ١١) فكونك تتابع العمل الالهي وتترك الامر يسير بإنسيابية حتي يستقر في حياتك أو بيتك أو كنيستك فستتبارك وتنال من المسحة الروحية الكثير والكثير ، فالبركات الإلهية مرتبطة بالمسحة الروحية ومجد الرب علي الحياة .
- حدود السلطان في نطاق المسحة :
السلطان الإلهي الخاص بالله سلطان مُطْلق وبلا حدود ولكنه يعمل بنظام المبادئ والقوانين الإلهية ، فمبادئه لا تُحِده ولا تغير الطبيعة الإلهية المطلقة " اَنَا الاَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، الاَوَّلُ وَالاخِرُ". (رؤ ٢٢ : ١٣) فهو مُطْلق في كل شيئ ، في اختياراته وفي صفاته وفي مبادئه وقوانينه
أما الإنسان يعيش في نطاق العمل الإلهي العام ( General work ) ، والعمل الإلهي الخاص ( Special work ) الخليقة لا تتمتع باعمال الله بصفة مطلقة بل بصفة مشروطة ، فالإنسان يتمتع بسلطان الله بشروط ، إن توافرت فيه الشروط يستطيع أن يتمتع بكل الأعمال الإلهية ، وإن لم تتوافر سيخسر الكثير والكثير .
- العمل الإلهي العام : ( General work )
العمل العام يحتوي العالم كله فيستطيع الإنسان أن يعيش داخله ويستخدمه بحسب النطاق الممنوح له من الله ، وهذا تجده في قوانين الطبيعة والمبادئ العامة ، فالإنسان عندما إكتشف قانون الجاذبية استطاع أن يتعامل معه ، وكذلك في الطيران والزرع والحصاد " لاَ تَضِلُّوا! اَللهُ لاَ يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَاِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الاِنْسَانُ اِيَّاهُ يَحْصُدُ اَيْضًا. (غل ٦ : ٧) وغيرهما من القوانين ، فالقوانين الطبيعية والروحية موجودة سواء كان للإنسان علم بها أم يجهلها فكلما ذاد في العلم والتطور والتقدم كلما ذاد نطاق التمتع بإمور الله ، فالشرط الأساسي هو الفهم والعلم .
- العمل الإلهي الخاص : ( Special work )
ينقسم لقسمين : عمل الهي عام ٢ ( General work 2 ) وعمل إلهي خاص جدا ( Very special work )
- العمل الإلهي العام ٢ : ( General work 2 )
- يخص جميع المؤمنين ويُعطي بالبنوية " وَاَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَاَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا اَنْ يَصِيرُوا اَوْلاَدَ اللهِ، اَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. (يو ١ : ١٢) فبالبنوية يصير المؤمن تحت دائرة الإستخدامات الإلهية بصفة عامة ، فيصير تحت يد الإنسان جميع المستويات الروحية وله حرية استخدامها ولكن بشرط أن نريد " لاَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ اَنْ تُرِيدُوا وَاَنْ تَعْمَلُوا مِنْ اَجْلِ الْمَسَرَّةِ. (في ٢ : ١٣) كلمة الْعَامِلُ في الانجليزي ( ἐνεργέω ) وفي اليوناني ( energeō - انيرجيو ) وكلمة تَعْمَلُوا هي نفس الكلمة اليوناني ( energeō - انيرجيو ) وتعني ( العمل برغبة كاملة ) فنستطيع أن نفهم أن العمل الإلهي في المؤمنين عمل عام يخص الكل ويريد الله أن يفعله ولكن شرط القبول بإرادة كاملة ، فنقول : ارادة كاملة من الله + ارادة كاملة من المؤمن = عمل الهي عام ( General work 2 ) وهذه المعادلة الباب للدخول لـ عمل إلهي خاص جدا ( Very special work )
- عمل إلهي خاص جدا ( Very special work )
- يحتوي مجموعة من المؤمنين الممسوحين من الله والمدعوين دعوة خاصة ، واختيارهم ليس كونهم أفضل من غيرهم ولكن لأنهم دخلوا تحت نطاق السلطان الإلهي الخاص جدا ، وهذا المستوي له مبادئه الخاصة إن تواجد الإنسان فيها ينال من الله دعوة خاصة ، فالعمل الخاص جدا ليس مفصل لأُناس دون غيرهم ، ولكن إن توافرت الشروط ( المبادئ ) توافرت الدعوة والإختيار والبركات.
- إختيار الله لموسي توافر قبلها صراخ الشعب من أجل مُخَلِص "وَحَدَثَ فِي تِلْكَ الاَيَّامِ الْكَثِيرَةِ اَنَّ مَلِكَ مِصْرَ مَاتَ. وَتَنَهَّدَ بَنُو اِسْرَائِيلَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ وَصَرَخُوا، فَصَعِدَ صُرَاخُهُمْ اِلَي اللهِ مِنْ اَجْلِ الْعُبُودِيَّةِ." (خر ٢ : ٢٣) وأمانة اسرة لها قلب مشتاق للخلاص فإختار الرب موسي ( وَذَهَبَ رَجُلٌ مِنْ بَيْتِ لاَوِي وَأَخَذَ بِنْتَ لاَوِي، (خر ٢ : ١) فمن أجل الأباء يختار الله الأبناء ، ومن أجل الأمانة الفردية وأشواق القلب المقدس تعمل حكمة الله في الإختيار والدعوة ، فالحكمة الإلهية تقوم علي تنفيذ المشيئة الإلهية بحسب المبادئ ، فإن توافرت المبادئ في فرد أو شعب ينالوا من بركات العمل الخاص جدا ( Very special work ) .
إختار الله يوسف لينقذ يعقوب وأولاده ، فيعقوب رجل الله الذي جاهد من أجل الحصول علي مسيرة الله في حياته " فَقَالَ: "لاَ يُدْعَي اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ اِسْرَائِيلَ، لاَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ". (تك ٣٢ : ٢٨) ويوسف الإبن المرافق ليعقوب والمحبوب له ، فهو يختلف عن إخوته في مبادئه وفي اشواقه ، ولذلك صارت الفرصة متاحة أمامه ليكون الإبن المختار دون إخوته لإنقاذ العمل الإلهي الخاص بشعب الله الذي في قلب الله بادئاً بابونا إبراهيم مرورا بإسحق ويعقوب للأسباط الي المسيح .
المسحة الإلهية لا تعمل إلا في مستوي العمل إلإلهي الخاص جدا ( Very special work ) لأنها مرتبطة بأعماق الإرادة الإلهية ، كما شرحنا أن المسحة للتثبيت ( נסך ) وتنطق ( nâsak - نوساك ) ، اي لتأصيل الشخص وتثبيت الدعوة علي حياته ، لعمل ملكوت الله "اَمَّا اَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَي صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي" ( مز ٢ : ٦ ) هنا نري عمل الهي خاص ، وهذا يجعلنا ندخل لمستوي من هم شرفاء في نظر الله ؟ فهل كل المؤمنين يُطلق عليهم الشرفاء أم هم نوعية خاصة دون غيرهم ؟
يظن البعض أن جميع المؤمنين شرفاء ! هل حقاً هذا ؟ هل الشرف مستوي روحي أم واقع كل مؤمن ؟ هل بمجرد قبول الإنسان للمسيح يصير من الشرفاء ؟ وهل يوجد إرتباط بينها وبين المسحة ؟ أسئلة كثيرة تدور في أذهان كثيرين ، لأن الواقع الكتابي شيئ وقراءة سلوك المؤمنين قرأة أخري ومختلفة .
صناعة الشرفاء :
الذي يقوم بصناعة مؤمنين شرفاء في مستوي يليق بأبناء الملكوت هو الروح القدس ، فيوجد شرفاء بصناعة بشرية وشرفاء بصناعة الهية ، فالشرفاء يحتاجهم المجتمع العام والمجتمع الكنسي ايضاً ، فالشرفاء ينبغي أن يستمروا شرفاء ولا يفقدون مستواهم فيثمرون لمجد الله ولإمتداد ملكوته .
نظرة المجتمع للشرفاء تختلف عن نظرة الله ، فيوجد شرفاء في نظر الناس ولكنهم ليسوا شرفاء في نظر الله ، كما انه يوجد شرفاء في نظر الله ولكنهم ليسوا في نظر الناس ، هذا لأن صناعة الشرفاء مرتبطة بمبادئ الله ، فالمبادئ الإلهية تَمنَح متبنيها كرامة خاصة ، فالشرفاء قد يكونوا مؤمنين أو غير مؤمنين ، فعلي سبيل المثال : قد تري إنساناً غير مؤمناً بالمسيح ولكنه محباً وكريماً ومؤدباً وصادقاً ويكره الظلم ( تربيه حسنة ) فيُدرَج في قائمة الشرفاء مجتمعياً ، وهكذا في المؤمنون فيكونون من الشرفاء كنسياً ، وقد تري عكس ذلك ، مؤمناً ولكنه غير محباً وغير كريماً و .... الخ. فلا يُدرَج في قائمة الشرفاء .
الشرف واقع روحي ينبع من الداخل :
يتكلم الكتاب عن يعبيص أنه أنبل من إخوته ، وأنه في مجد عنهم " وَكَانَ يَعْبِيصُ أَشْرَفَ مِنْ إِخْوَتِهِ. وَسَمَّتْهُ أُمُّهُ يَعْبِيصَ قَائِلَةً: "لأَنِّي وَلَدْتُهُ بِحُزْنٍ". وَدَعَا يَعْبِيصُ إِلهَ إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: "لَيْتَكَ تُبَارِكُنِي، وَتُوَسِّعُ تُخُومِي، وَتَكُونُ يَدُكَ مَعِي، وَتَحْفَظُنِي مِنَ الشَّرِّ حَتَّى لاَ يُتْعِبُنِي". فَآتَاهُ اللهُ بِمَا سَأَلَ. ( ١أخ ٤ : ٩ ، ١٠ ) هذه الأية في الإنجليزي تترجم " was more honourable " بمعني " كان أكثر الشرفاء " ( honourable ) بمعني ( محترم - جليل - شريف ) وفي العبري ( כּבד כּבד ) وتنطق ( kâbad - كوباد ) وتعني ( شريف - في مجد - نبيل ) فالشرف واقع روحي ينبع من داخل الإنسان فيصير من النُبلاء ،
المقايس الإلهية لصناعة الشرفاء :
مقاييس الناس للنبلاء يختلف عن مقاييس الله ، فمقاييس الناس مرتبط بالمستوي المادي والإجتماعي والديني والسياسي ، فيروهم الناس أنهم من اشراف البلد ، وقد يكون البعض منهم بلا مبادئ ، اما الله فله مقاييس مختلفه ، فالنبيل والشريف هو من إرتبط بمبادئ الله في كلمة الله ، هذه صلاه أَجُورَ فصار من الشرفاء " كَلاَمُ أَجُورَ ابْنِ مُتَّقِيَةِ مَسَّا. وَحْيُ هذَا الرَّجُلِ........ أَبْعِدْ عَنِّي الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ. لاَ تُعْطِنِي فَقْرًا وَلاَ غِنًى. أَطْعِمْنِي خُبْزَ فَرِيضَتِي، لِئَلاَّ أَشْبَعَ وَأَكْفُرَ وَأَقُولَ: "مَنْ هُوَ الرَّبُّ؟" أَوْ لِئَلاَّ أَفْتَقِرَ وَأَسْرِقَ وَأَتَّخِذَ اسْمَ إِلهِي بَاطِلاً. ( أم ٣٠ : ١ ، ٨ ، ٩ )
النبيل الشريف هو من يسير في مستوي ثمر الروح " وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ. (غل ٥ : ٢٣) فبدون هذه المبادئ يخرج الإنسان خارج دائرة الأَشراف ، فقد يكون الإنسان مؤمناً أو خادماً ولكنه غير نبيلاً وليس من الأشراف ، مع ملاحظة أن ثمر الروح يكم داخل ثلاث مستويات وهم : " لاَنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ هُوَ فِي كُلِّ صَلاَحٍ وَبِرّ وَحَقّ. (أف ٥ : ٩) فالمؤمن البعيد عن الصلاح فقد سقط من مستوي الشرفاء ، فالصلاح هو الاستقامة والسلامة من العيب ، جاءت في الإنجليزي ( goodness ) في اليوناني ( ἀγαθωσύνη ) وتنطق ( agathōsunē - اجاثاسيون ) وتعني (الاستقامة - الخير – اللطف ) فهل تسعي لتنال من هذا المستوي ، لتتميم هذه الصفات .
البِرّ = في الإنجليزية ( righteousness ) في اليوناني ( δικαιοσύνη ) وتنطق ( dikaiosunē - ديكايسون ) وتعني ( البر ، النقاء في الحياة ، صحة التفكير في الشعور ) " أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ. " ( المزامير ٤٥ : ٧ ) كلمة ( مَسَحَكَ ) في الإنجليزية ( anointed ) وفي العبرية ( משׁח ) وتنطق ( mâshach - موشاك ) وتعني ( دهنه بزيت ، كرسه ) فمن يسير في النقاء و يكون لديه صحة في الشعور بالتفكير السليم تجاه الأخرين ، ينال من الله مسحة أي مستوي من التكريس والتخصيص ، وهنا نري أن المؤمن الممسوح بمسحة الهية ، يكون في نظر الله من الشرفاء ، لأن المسحة تعمل من خلال البر ، والبر يعمل مع الصلاح والحق .
الحق : في الإنجليزية " truth " وفي اللغة العبرية " אמת " وتنطق " emeth - إميث " وتأتي بمعني " الحقيقة - الإستقرار " وفي اليونانية " ἀλήθεια " وتنطق " alētheia - الوثيا " وتعني " الحقيقة - الصراحة " فمن يعيش في الحق فهو في الصدق ويتمتع بكل المبادئ الإلهية .
الصدق : في الإنجليزية ( truly ) وفي اليونانية ( ἀληθής ) وتنطق ( alēthēs - الياثيس) وتعني ( حقاً - فعلاً - بصدق ) فعندما يقع الصدق في الشارع أو يسقط ولا يكن له مكان ، فتختفي الحقيقة ولا يكون للإستقامة التي هي الصلاح مكاناً ، فتمتنع عن الدخول والتواجد في حياة شعبها " وَقَدِ ارْتَدَّ الْحَقُّ إِلَى الْوَرَاءِ، وَالْعَدْلُ يَقِفُ بَعِيدًا. لأَنَّ الصِّدْقَ سَقَطَ فِي الشَّارِعِ، وَالاسْتِقَامَةَ لاَ تَسْتَطِيعُ الدُّخُولَ. (إش ٥٩ : ١٤)
بدون الصلاح والبر والحق وثمر الروح لا شرفاء ، فليس الشريف هو الكارز أو المبشر او الخادم ، بل كل هؤلاء السالكين في صلاح وبر الله وممتلئين بالحق والصدق والوضوح ، لذلك نجد ان الباحثين في كلمة الله يعتبرهم الله من الشرفاء كالموجودين في بِيرِيَّةَ " وَكَانَ هؤُلاَءِ أَشْرَفَ مِنَ الَّذِينَ فِي تَسَالُونِيكِي، فَقَبِلُوا الْكَلِمَةَ بِكُلِّ نَشَاطٍ فَاحِصِينَ الْكُتُبَ كُلَّ يَوْمٍ: هَلْ هذِهِ الأُمُورُ هكَذَا؟ (أع ١٧ : ١١) فالبحث في كلمة الله ودراسة الكلمة يقود الإنسان ليصير من الشرفاء .
الدعوة والإختيار وصناعة الشرفاء :
الخطة الإلهية أمر ثابت لأنها مرتبطة بالمشيئة الإلهية وكل ما في المشيئة ثوابت لا يجوز النقاش والمجادلة فيها ، أما الدعوة فهي ثابتة كالخطة فمن يقبل ويدخل في نطاقهما يستطيع أن يتمتع بها وبخدمة الرب فينال الإختيار الإلهي ، فالإختيارات الإلهية لتنفيذ الدعوة مرنه لأنها مرتبطة بالحكمة الإلهية التي هي مرنة بطبعها ( اطلب دراسة حكمة مشيئة ارادة الله ) فالمطلوب من كل مؤمن أن يستمر في قبوله إختيارات الله
أحبائي لفهم ما أريد شرحة ، تخيل أن أمامك ثلاثة اشخاص ، الاول اسمه الخطة الإلهية والدعوة ، والإختيار ، فالأول ثابت في وجوده فيكلف الثاني بتنفيذ الخطة ، فيقوم الثاني الذي هو ثابت في وجوده ايضاً بتكليف الشخص الثالث المسمي الإختيار بإختيار الشخصية المناسبة لعرض الدعوة عليه ، فإن قبل الدعوة صار من الشرفاء المرتبطتين بأهل بيت الله " فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ، (أف ٢ : ١٩) فجميع المؤمنون يُحسبون من أهل بيت الله ، هذا يحدث بقول دعوة الخلاص والإيمان بالمسيح يسوع وعمل الفداء ، هذا هو الباب ليصير المؤمن من الشرفاء والنبلاء ، فقد صار مؤهلاً ليكون هكذا ، ثم يبدأ الله بتقديم الخطة الإلهية لخدمة الملكوت فيتحرك الله من خلال الحكمة الإلهية بتقديم الدعوة واختيار المؤمنين الذين قبلوا الدعوة وخُصِصُوا لها ، فثمر الروح يعمل علي اظهار العمل الإلهي في صناعة الشرفاء والنبلاء .
ولزيادة الفهم والتوضيح أقول الأتي :
قبول عمل المسيح الفدائي = الدخول في اهل بيت الله
من أهل بيت الله + قبول دعوة للعمل في ملكوت الله + السلوك بحسب ثمر الروح = مؤمنون شرفاء
من أهل بيت الله + قبول دعوة للعمل في ملكوت الله + السلوك بحسب الصلاح البر الحق + مسحة الروح القدس = مؤمنون شرفاء
مع ملاحظة أن الذي يُثّبت المؤمن ليصير كونه من الشرفاء هو قبول الدعوة وعدم تركها والإستمرار فيها " هَا اَنَا اتِي سَرِيعًا. تَمَسَّكْ بِمَا عِنْدَكَ لِئَلاَّ يَاْخُذَ اَحَدٌ اِكْلِيلَكَ. (رؤ ٣ : ١١) صار يعقوب من الشرفاء والنبلاء في نظر الرب رغم ما كان فيه من بعض الأخطاء ، ولكن لأن إتجاه قلبه نحو الدعوة الإلهية التي لإبراهيم ، في حين أنه من المفترض أن يكون عيسوا هو حامل الدعوة والمسيرة الإلهية ، ولكنه سقط منها والسبب استهتاره واستحقاره للبكورية ، فعندما أراد أن ينال البركة وطلبها بدموع فلم يجدها .
قيس علي ذلك كل إمور الله واختياراته ، فهي مرنة ويبقي كل ما هو في الإرادة والمشيئة ثوابت ، فالإختيار الإلهي شرطة أن تستمر في قبولك للدعوة والسلوك في كل من الصلاح والبر والحق وثمر الروح ومسحة الروح القدس .
الشرفاء والنبلاء استجابة الرب لهم سريعة :
الأنبياء والرسل وكل خادم امين للرب وكل اخ او أخت في أمانة الرب هم من الشرفاء والنبلاء ، فليس الامر مرتبط فمستوي المسئولية بل بمستوي الأمانة والسلوك المقدس وحياة الملء بالروح " فَصَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى إِشَعْيَاءَ قَائِلاً: : "اذْهَبْ وَقُلْ لِحَزَقِيَّا: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ إِلهُ دَاوُدَ أَبِيكَ: قَدْ سَمِعْتُ صَلاَتَكَ. قَدْ رَأَيْتُ دُمُوعَكَ. هأَنَذَا أُضِيفُ إِلَى أَيَّامِكَ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً. " هكذا كان حزقيا من النبلاء ليس لأنه الملك ، بل لانه سار بالأمانة وقلب سليم وفعل الحسني في عيني الرب " فَوَجَّهَ حَزَقِيَّا وَجْهَهُ إِلَى الْحَائِطِ وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ : وَقَالَ: "آهِ يَا رَبُّ، اذْكُرْ كَيْفَ سِرْتُ أَمَامَكَ بِالأَمَانَةِ وَبِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَفَعَلْتُ الْحَسَنَ فِي عَيْنَيْكَ". وَبَكَى حَزَقِيَّا بُكَاءً عَظِيمًا. (إش ٣٨ : ١ - ٥) هكذا نري ايليا النبي من اكثر الشرفاء كيعبيص ، فكما استجاب الله ليعبيص استجابة فورية ، هكذا استجاب الله لإيليا استحابة فورية " وَقَالَ اِيلِيَّا التِّشْبِيُّ مِنْ مُسْتَوْطِنِي جِلْعَادَ لاَخْابَ: "حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ اِلهُ اِسْرَائِيلَ الَّذِي وَقَفْتُ اَمَامَهُ، اِنَّهُ لاَ يَكُونُ طَلٌّ وَلاَ مَطَرٌ فِي هذِهِ السِّنِينَ اِلاَّ عِنْدَ قَوْلِي". (1مل ١٧ : ١) فكان استجابة الرب سريعة جدا له .

تعليقات
إرسال تعليق