مفهوم الرحمة والحق كتابيا
مفهوم الرحمة والحق كتابيا
بقلم القس عماد عبد المسيح
يري البعض أن الرحمة والحق يفعلهما الله مجانا دون دفع أي ثمن ، ويجب أيضا علي الإنسان أن يقدمهما للآخرين مجاناً ، ولكن في الحقيقة انه لا يوجد أي شئ في هذا العالم يعطي مجانا ، فإن حصلت مثلاً علي هدية مجانية من صديق فقد دفع هو ثمنها ، هكذا في هذه الحياة كل شئ له مقابل أو ثمن يُدفع من اجله ، الرحمة لا تُعطي إلا إذا دُفع ثمنها ، وثمنها هو الحق ، لذلك علينا أن نعرف معني الكلمتان الرحمة والحق .
الرحمة :
كلمة تحتوي داخلها علي كلمات أخري تتبعها وتجسدها مثل : الغفران ـ التسامح ـ العطاء لمن لا يستحق في وقت احتياج ـ إعادة علاقة مقطوعة وبنائها من جديد ، أتت في الإنجليزية " mercy " وفي اللغة العبرية " חסד " وتنطق " chêsêd " وتأتي بمعني " رحمة - لطف - عمل خير " وفي اليونانية " ἔλεος " وتنطق " eleos " وتعني " رحمة - لطف - عمل حسن " وهذا يعني أنه عندما يُصنع عمل خير او تصرف تجاه الأخرين بـ لطف فتترجم امام الله رحمة .
قالوا عن الرحمة : " حسب قاموس المعاني والمعجم الوسيط = الخيرُ والنعمةُ . "
الحق :
كلمة تحتوي داخلها علي كلمات تتبعها وتجسدها مثل : العدل ـ الاستقامة ـ الأمانة ـ البر ـ إعلان الحقيقة المجردة من كل زائف ـ كلمة الله ـ المسيح هو الحق ذاته ، أتت في الإنجليزية " truth " وفي اللغة العبرية " אמת " وتنطق " emeth " وتأتي بمعني " الحقيقة - الإستقرار " وفي اليونانية " ἀλήθεια " وتنطق " alētheia " وتعني " الحقيقة - الصراحة "
قالوا عن الحق : " حسب قاموس المعاني = الثابت بلا شَكٍّ ." ... ايضا : الرحمة منحة من الله يتم دفع ثمنها من خلال الحق
من المعاني السابقة ناتي إلي شيئاً مهما نتفق عليه وهو : أن لا رحمة مجانية ، فلابد من دفع ثمن ، فالرحمة هي ان يصنع لك خيراً أو لطفاً وهذا لا يتم علي عثم بل علي حق ، والحق هو الحقيقة والصراحة والإستقرار ، فلا رحمة لمن هو غير مستقر علي فهم ما يريد رحمة فيه ، ولا رحمة لمن لا صراحة ووضوح له ، ولا رحمة لمن هو بعيد عن الحقيقة ، فمن عرف الحقيقة قادر علي ان ينال من الحقيقة التي عرفها رحمة أو عملاً حسناً ، ومن عاش في الصراحة والوضوح سيكون قادر أن ينال من خلالها رحمة ، وكذلك من وجد مستقرا لكل ما هو في دائرة الإنزعاج إستطاع أن يتمتع بالرحمة .
يسأل سائل كيف هي منحة ويدفع فيها ثمن ؟ أجيب بمثل : عندما تعطي الطالب منحة كالسفر لدولة مثل أوروبا أو أمريكا لدراسة نسأل ونقول ما هي شروط هذه المنحة ، نسمع الإجابة : أن يكون الطالب متفوق والأول علي الجمهورية وبالتالي فهو يستحق المنحة . هكذا في أمور الملكوت لا يستحق الرحمة إلا لمن سار حسب الشروط المطلوبة التي حسب كلمة الله .
من شروط نوال الرحمة : السير بأمانة واستقامة قلب وحفظ الوصايا : رأي سليمان أن الله فعل رحمة بداود عندما أعطاه ابنا يجلس علي كرسي المملكة " فَقَالَ سُلَيْمَانُ: «إِنَّكَ قَدْ فَعَلْتَ مَعَ عَبْدِكَ دَاوُدَ أَبِي رَحْمَةً عَظِيمَةً حَسْبَمَا سَارَ أَمَامَكَ بِأَمَانَةٍ وَبِرّ وَاسْتِقَامَةِ قَلْبٍ مَعَكَ، فَحَفِظْتَ لَهُ هذِهِ الرَّحْمَةَ الْعَظِيمَةَ وَأَعْطَيْتَهُ ابْنًا يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّهِ كَهذَا الْيَوْمِ." ( ١ مل ٣ : ٦ ) فقد كان من الممكن ان يُفقد كرسي المُلك من داود ومن نسله ، ولكن استمر من داود الي سليمان ، والسؤال التالي : هل استمر الكرسي من سليمان لإبنه ، أقول : لم يستمر بالشكل الذي تركه سليمان ، وهذا لأن سليمان لم يسلك في المستوي الذي سلك فيه داود ، لذلك قسمت المملكة في عهد رحبعام إبنه .
هذه الرحمة كانت حسب الأمانة التي سار بها داود ، والأمانة هي من الكلمات التي تجسد الحق ، لأن الأمين هو الذي يحفظ الحق ، كما كان موسي فقد قال الله عنه انه " أمين في كل بيتي " ( عدد ١٢ : ٧ ) فالأمانة تعطي للإنسان رحمة فيستمر ذكره من جيل إلي جيل ، وهذا كان الوعد والقانون الكتابي " إِذَا حَفِظَ بَنُوكَ طَرِيقَهُمْ وَسَلَكُوا أَمَامِي بِالأَمَانَةِ مِنْ كُلِّ قُلُوبِهِمْ وَكُلِّ أَنْفُسِهِمْ، قَالَ لاَ يُعْدَمُ لَكَ رَجُلٌ عَنْ كُرْسِيِّ إِسْرَائِيلَ." ( ١ مل ٢ : ٤ ) وهذا ما قاله الله أيضا لسليمان " وَأَنْتَ إِنْ سَلَكْتَ أَمَامِي كَمَا سَلَكَ دَاوُدُ أَبُوكَ بِسَلاَمَةِ قَلْبٍ وَاسْتِقَامَةٍ، وَعَمِلْتَ حَسَبَ كُلِّ مَا أَوْصَيْتُكَ وَحَفِظْتَ فَرَائِضِي وَأَحْكَامِي، فَإِنِّي أُقِيمُ كُرْسِيَّ مُلْكِكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ إِلَى الأَبَدِ كَمَا كَلَّمْتُ دَاوُدَ أَبَاكَ قَائِلاً: لاَ يُعْدَمُ لَكَ رَجُلٌ عَنْ كُرْسِيِّ إِسْرَائِيلَ. " ( ١ مل ٩ : ٤ ، ٥ ) إن الله يحفظ عهده ورحمته للسائرين بالحق " وَقَالَ: «أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ، لَيْسَ إِلهٌ مِثْلَكَ فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَلاَ عَلَى الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ، حَافِظُ الْعَهْدِ وَالرَّحْمَةِ لِعَبِيدِكَ السَّائِرِينَ أَمَامَكَ بِكُلِّ قُلُوبِهِمْ." ( ١ مل ٨ : ٢٣ ) القانون الإلهي لنوال المنحة الإلهية يجب أن لا نغفلهما في حياتنا التي وهي السير في الحق ، لأن العهد هو تجسيد للحق ، فمن يعيش في العهد فهو يتمتع بالحق ( الحقيقة - والإستقرار ) أما من يكون خارج العهد فهو خارج الحق وبالتالي يخرج خارج الرحمة ، فالرب حافظ العهد والرحمة .
لاحظ معي أن الأمانة تجسيد للحق ، والعهد تجسيد للحق والإثنان يعطوا للإنسان مستوي من مستويات الرحمة ، أيضاً حفظ الوصايا ( كلمة الله ) هو تجسيد للحق في حياتك وهذا أيضاً يمنحك رحمة .
الرحمة والحق خطان متلازمان
يعلمنا الكتاب أن الرحمة لا تعمل إلا داخل مستوي من مستويات الحق ، كما رأينا في داود وسليمان وغيرهم الذين اختبروا السير بالحق من خلال الأمانة واستقامة القلب ( الاتجاه السليم للقلب أو النوايا الحسنة للقلب ) فالرحمة والحق خطان متلازمان دائماً وإلي الأبد .فإن كنت تريد رحمة عليك السلوك بحسب القانون الإلهي من خلال كلمة الله الحية الباقية إلي الأبد .
الإنسان حُكم عليه بالموت بسبب الخطية " مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ" . ( رو ٥ : ١٢ ) ولكننا رحمنا عندما دفع ثمنها المسيح بجسده علي الصليب فمات وقام وأعطانا حياة أبدية " فَإِذًا كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ، هكَذَا بِبِرّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ. " ( رو ٥ : ١٨ ) فبالمسيح صار لنا حق أن ننال الرحمة ، فقد دفع ثمنها وصارت هبة مجانية لكل من يقبلها ، لذلك نستطيع أن نغنى ونقول مع كاتب المزمور " الرَّحْمَةُ وَالْحَقُّ الْتَقَيَا. الْبِرُّ وَالسَّلاَمُ تَلاَثَمَا. الْحَقُّ مِنَ الأَرْضِ يَنْبُتُ، وَالْبِرُّ مِنَ السَّمَاءِ يَطَّلِعُ." ( مز ٨٥ : ١٠ ، ١١ ) فالحق نبت من الأرض بالتجسد ، والبر أتى لنا من السماء في المسيح ، فمن يؤمن بالتجسد وبالفداء ينال بر الله الذي لنا في المسيح يسوع ، وننال هذا الحق الذي أعلنه الرسول بولس قائلاً : " مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِمَجْدِ اللهِ وَحَمْدِهِ." ( فيلبي ١ : ١١ ) فالرحمة والحق التقيا في المسيح لأنه هو الطريق للاب وهو الحق الذي من خلاله ننال الرحمة " قَالَ .. يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى ألآب إِلاَّ بِي. " (يو ١٤ : ٦ ) .
مستوي الرحمة الذي نريده من الأب ليس بالهين أو بالطريق السهل ، فثمنه غالي جداً لا يقوي عليه إنسان مهما إن كان ، لذلك كان لابد من مبادر يقدر ان يضع حلاً يرضي الله ، فمن هذا الذي يرضي الله ، لابد أن يكون في مستوي الله ، وحاشا لله أن يساوية احداً ، لذلك قام هو بنفسه من خلال إقنوم الإبن بأخذ مكاننا ليعطي لله العدل وننال نحن الرحمة .
العدل :
العدل يجسد الحق أمامنا ، فمن يبحث عنه ينال من جعبته الرحمة ، فالعدل كلمة ذو حدين فقد تهب رحمةً وقد تمنح قصاصاً ، فالعدل والحق والرحمة يعملان داخل - القضاء الإلهي - أتت في الإنجليزية " Justice " تعني " عدالة " وفي اللغة العبرية " צדקה " وتنطق " tsedâqâh " وتأتي بمعني " العدل - البر " وفي اليونانية " δικαιοσύνη " وتنطق " dikaiosunē " وتعني " العدل - البر النزاهة - الفضيلة - صواب - صحة الشعور والتفكير "
أية كمثال : " لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ، بِرَجُل قَدْ عَيَّنَهُ، مُقَدِّمًا لِلْجَمِيعِ إِيمَانًا إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ". (أع ١٧ : ٣١) فكلمة العدل هنا ( righteousness ) وتعني ( البر ) وفي اليوناني ( δικαιοσύνη ) وتعني ( وتعني " العدل - البر النزاهة - الفضيلة - صواب - صحة الشعور والتفكير ) فالله سيدين المسكونة بالنزاهة والفضيلة وبمشاعر وتفكير سليم وصحيح ، وهذا كله يعني بالعدل وبالحق ، وبالتالي يكون إعطاء الحق لمستحقيه عمل خير وهذا من باب الرحمة أو القصاص ، هذا بحسب الأمر والموقف الموجود للحكم فيه، الرحمة والحق خطان متلازمان يسيران معاً لتحقيق إرادة الله ، لأن الله يسير بنظام وترتيب وقوانين تخدم مشيئته لذلك نحتاج لنعرف الأتي :
معادلتان مهمان يجب أن ندركهما
الله يعمل من خلال قوانين إلهية ومعادلات مهمة يجب أن يدركها المؤمن ، فلكي يختبر الإنسان قدرة زراع الرب في حياته يحتاج إلي أن يكون للرب قاعدة كرسيه في حياته ، هذا قانون معادلة يجب أن توجد .
العدل + الحق = قاعدة كرسي الله
العدل هو تجسيد للحق ، فعندما يتواجدا في دولة أو كنيسة أو مؤسسة أو أسرة ، ستختبر زراع الرب القديرة وتنال الرحمة ومشتقاتها فتنال بركات روحية ومادية ، التي تأتي من خلال المعادلة الثانية التي هي :
الرحمة + الأمانة = سلوك أمام الله
الأمانة هي تجسيد للحق ، فالأمانة هي سلوك مرضي أمام الله ، يفتح أفاق روحية فيجعل المؤمن قادر علي الهتاف والفرح الحقيقي المقبول لدي الله وهذا ما اختبره كاتب المزمور" لَكَ ذِرَاعُ الْقُدْرَةِ. قَوِيَّةٌ يَدُكَ. مُرْتَفِعَةٌ يَمِينُكَ الْعَدْلُ وَالْحَقُّ قَاعِدَةُ كُرْسِيِّكَ. الرَّحْمَةُ وَالأَمَانَةُ تَتَقَدَّمَانِ أَمَامَ وَجْهِكَ. طُوبَى لِلشَّعْبِ الْعَارِفِينَ الْهُتَافَ. يَا رَبُّ، بِنُورِ وَجْهِكَ يَسْلُكُونَ. " ( مز ٨٩ : ١٣ - ١٥ ) من أجل هذا أوصانا الوحي : " لاَ تَدَعِ الرَّحْمَةَ وَالْحَقَّ يَتْرُكَانِكَ. تَقَلَّدْهُمَا عَلَى عُنُقِكَ. اُكْتُبْهُمَا عَلَى لَوْحِ قَلْبِكَ،" ( ام ٣ : ٣ ) فهل لك هذا
المسيح هو الرحمة والحق والحياة الأبدية :
من يقبل المسيح فقد قبل الحق وله الرحمة بالحياة الأبدية ، لذلك تعمل الرحمة دون نقاش ، فكما قلنا أن الرحمة لا تعمل إلا في أجواء من الحق ، والحياة الأبدية عطية من الله دفع ثمنها المسيح " لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا." ( يو 1 : 17 ) فاقبل المسيح وأمن به تنال الرحمة لأنه هو الحق " قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى ألآب إِلاَّ بِي." ( يو 14 : 6 ) لا يوجد طريق أخر تنال منه الرحمة إلا أن تقبل الحق ، والحق هو في المسيح يسوع ، فهو الطريق وهو الحق ، ومن يقبله ينال حياة أبدية .
كلمة الله والمسيح هما الحق وبهما الحرية التي هي الرحمة للمستوي الأبدي
الحرية هي تجسيد للرحمة الممنوحة لنا من خلال قبولنا للحق ، فالآن إليك دعوة المسيح التي قالها لكل من قبله " وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ " ( يو 8 : 32 ) كلمة يحرركم فأتت في الإنجليزية " free " تعني " حُر " وفي اليونانية " ἐλευθερόω " وتنطق " eleutheroō " وتعني " حُر - مجانا - معفي من " كلمة الحق تكلمنا عنها بمعني الحقيقة أو الصراحة ، وتأتي أيضا في الأية بمعني معرفة الواقع ( كون الواقع حقيقة ) فالمؤمن الذي يعرف واقعة أي أنه يترجم حقيقة الإمور بطريقة صحيحة لا يُقيد بقيود نفسية أو بمشاعر سلبية ، فالحقيقة التي تعلنها الأية لليهود في ذلك الوقت ( أيام المسيح ) أنهم لا يرتبطون بخطايا الوثنيين لأن لهم الكلمة ( التوراة ) التي تعلن لهم الحقيقة ( الواقع الروحي المترجم في علاقة مع الله محررة من الخطية ) وهذا الإختلاف الحقيقي الذي يجهلوه يجعلهم عبيد للخطية ( الخطية التي يفعلها الوثنيون ويفعلونها ) لذلك قال لهم " أَجابَهُمْ يَسُوعُ:"الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ. (يو ٨ : ٣٤)
معرفة الواقع الروحي لكل إمور حياتي يدفعني للحرية وعدم الدخول في تصرفات تدينني اخلاقياً ، فقد يحدث تصرف من اخرين يدفعني للتصرف الخاطئ ، وبالتالي صار واقع حياتي مداناً أو ملوماً ، هنا لا استطيع أن أكون حراً ( مفكوكاً - معفي من الخطأ ) إلا إن قرأت واقعي جيداً وعرفت أني تشاركت في أعمال الخطاة بتصرفي هذا ، معرفة هذه الحقيقة والإقرار بها والرجوع والتوبة عنها يُدخلني في دائرة الحق والرحمة فأُحرر .
قال الرب لليهود في نفس الإصحاح : " فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا. (يو ٨ : ٣٦) فقبول الإبن ( المسيح في لاهوته - إقنوم الإبن ) يمنح الإنسان حرية ، لأن المسيح هو الحق ( هو الحقيقة ) هو الذي يحرر من سلطان إبليس ويحرر من انتساب الإنسان كإبن لإبليس " أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ. (يو ٨ : ٤٤) هذا هو خط إبليس والإنسان بالطبيعة يعيش فيما للجسد وفيما للخطية ، لذلك يحتاج الإنسان أن يدرك الحقيقة ، أن يؤمن بالمسيح ليصير إبنا لله ، فيستطيع ان يقبل كلام الله فيحرر ، فالحرية تجسيد للرحمة في حياة المؤمنين .
الحق يحرر من القيود ومن ربط إبليس ويعطي للإنسان استطاعة أن يسير في مخافة الرب ويزرع الكلمة في حياته فيحصد ثمرا هنا وفي الأبدية أيضا " إِنْ بَقِيَ عَمَلُ أَحَدٍ قَدْ بَنَاهُ عَلَيْهِ فَسَيَأْخُذُ أُجْرَةً." ( 1كو 3 : 14 ) فالأعمال التي تُعمل يجب أن تكون من خلال كلمة الله " لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا. " ( أف 2 : 1 ) لننال أجرة وإكليل " قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ،وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا." ( 2تي 4 : 7 ، 8 ) فالأجرة والأكاليل ما هي إلا نتائج السلوك في مخافة الرب ( السلوك في الحق ) وبالتالي ينال المؤمن رحمة ، فينال الحياة الأبدية بإيمانه بالمسيح ، وينال الأجرة والأكاليل والمكانة الأبدية بحسب جهاده وسلوكه المقدس والمرضي أمام الله " طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ «إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» الَّذِي وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ." ( يع 1 : 2 )
من اجل هذا نري سباعية الغالبين التي في سفر الرؤيا فكل غالب له مستوي مع غالبين أمثاله ، فيوجد غالبون يأكلون من شجرة الحياة ( رؤ2 : 7 ) ، وغالبون لا يؤذيهم الموت الثاني ( رؤ 2 : 11 ) ، وغالبون لهم المن المخفي وحصاة بيضاء واسم جديد لا يعرفه احد رؤ 2 : 17 ، وغالبون يلبسون ثياب بيض ويعترف المسيح بهم أمام الأب ( رؤ 3 : 5 ) ، وغالبون يكونون أعمدة في هيكل الله وعليهم اسم الأب واسم المدينة واسم المسيح الجديد ( رؤ 3 : 12 ) ، وغالبون يجلسون مع المسيح في عرشه ( رؤ 3 : 21 ) ، وغالبون يرثون كل شئ ( رؤ 21 : 7 ) كل هؤلاء مستويات من مؤمنون عاشوا في الحق ولم يحبوا حياتهم حتى الموت .... فهل أنت منهم ؟
ما يحدث في هذه الحياة ، أن المؤمنون يركزون علي العطايا الإلهية التي أعطاها لنا الله مجاناً كالخلاص والفداء ورُحِمنا بغفران الخطايا بدم المسيح ، نعم إنها مجانية لكنها مستوفاة الثمن من خلال المسيح ، فإقنوم الإبن هو الحق منذ الأزل ، وهو خالق العالمين لذلك أعطي رحمة للإنسان بناءً علي كونه الخالق ، ومن هنا ... ومن هذا المنطلق يستطيع الإنسان أن يتقدم للخالق وينال رحمة علي حساب إقنوم الإبن فهو دائماً موضع سرور الآب ومنبع الرضا الإلهي منذ الأزل ، فكل رحمة لها ثمنها ، فغفران الخطايا ثمنها ذبيحة تقدم نيابة عن الإنسان في العهد القديم ، وعلي حساب دم المسيح في العهد الجديد ، لذلك لنا في المسيح كل البركات الروحية مدفوعة الثمن ، ولكن يجب أن أوفي الشروط لنوال الرحمة .
المثال الأول :
الخلاص مثلاً : للأب حق عند الإنسان والإنسان مذنب ويجب أن يدفع الثمن ، فهو عاجز لأن الذبيحة الحيوانية عاجزة أن تكون أبدية ، فهي وقتية لذلك دفع الثمن المسيح ولكن بشرط القبول " وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. (يو ١ : ١٢) إذا الرحمة جاهزة علي حساب الحق المدفوع بشرط الإيمان بهذا والقبول ، إن توافر الشرط وجدة الرحمة المرتبطة بالخلاص الأبدي ، كذلك الغفران .
المثال الثاني :
البركات الروحية والبركات الزمنية لها حق مطالب به الإنسان وهو السير في الحق بعد نوال الرحمة المرتبطة بالخلاص وغفران الخطايا ، والسير في الحق تجسده الإستقامة والأمانة وحفظ كلمة الله " اِحْفَظْ وَاسْمَعْ جَمِيعَ هذِهِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا لِكَيْ يَكُونَ لَكَ وَلأَوْلاَدِكَ مِنْ بَعْدِكَ خَيْرٌ إِلَى الأَبَدِ، إِذَا عَمِلْتَ الصَّالِحَ وَالْحَقَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ إِلهِكَ. (تث ١٢ : ٢٨) فكان شعب العهد القديم شرط الإيمان بالله وتقديم الذبيحة الدموية نيابة عن ثمن خطاياة لينال الإنسان الحق ويرحم فيسلك في استقامة القلب لينال البركات الروحية والزمنية أيضاً ، وفي العهد الجديد أيضاً نفس الخط وهو الإيمان بالله في المسيح يسوع والإعتماد الكلي علي ذبيحة المسيح ، والسلوك المقدس وبالأمانة لنوال البركات الإلهية التي لنا في المسيح ، فالبركات هي تجسيد للرحمة ، والأمانة والإستقامة تجسبد للحق ، وهنا يحدث رضا لقلب الله فيرحم ويبارك .
المثال الثالث :
الحماية او رفع الغضب : كان وما زال الغضب الإلهي ناتج لسبب الشر الكثير سواء كان جماعي أو فردي ، فقد ينتج عن الغضب الإلهي تدخلات من إبليس لسبب إنخفاض مستوي الحماية نتيجة الشر أو الخطية العمد ، لذلك لزم لرفع الإستعباد أو الأسر أو التدخلات الإبلبسية علي حياة المؤمنين ، كان يلزم السير بحسب الحق ( بكل المصطلحات التي تجسده ) فينال المؤمن رحمة وحماية ورد للمسلوب " وَلاَ يَلْتَصِقْ بِيَدِكَ شَيْءٌ مِنَ الْمُحَرَّمِ، لِكَيْ يَرْجعَ الرَّبُّ مِنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ، وَيُعْطِيَكَ رَحْمَةً. يَرْحَمُكَ وَيُكَثِّرُكَ كَمَا حَلَفَ لآبَائِكَ، إِذَا سَمِعْتَ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْفَظَ جَمِيعَ وَصَايَاهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ، لِتَعْمَلَ الْحَقَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ إِلهِكَ. ( تث ١٣ : ١٧ ، ١٨ ) أحبائي مبادئ وقوانين الله لم تتغير فهي أزلية أبدية فيه لأنه هو كذلك فكل مبادئه لن تنتهي ، فلا تضع رأسك في التراب وتتكل علي العمل الخلاصي فقط ، امين فأنت نلت الخلاص ولك ضمان الحياة الأبدية ، ولكن البركات الزمنية والأبدية لها شروط يجب أن تستوفي وإلا ستكون خاسر كثيرا .
أما بخصوص الظلم الموجود رغم الأمانة التي للمؤمن وقد يصل الظلم لمنتهاه بالقتل العمد لشخص أو طفل بريئ ، فأين الرحمة رغم الثمن المدفوع في السلوك بالحق ؟ اقول أن المعاملات الإلهية مع الإنسان قادرة علي التعويض لمن ظلم أرضيا فسيكرم أبدياً ، ونسله سيحصدون البركات الكثيرة ، بحسب سلوكهم أيضا ، فستكون البركات مضاعفة بركات الأباء علي الأبناء والبركات المرتبطة بالشخص نفسه ، فقد بارك الرب سليمان من أجل دأود ومن اجل حياة سليمان الاولي وطلبه الحكمة ، ولكن لأنه لم يكن في مستوي داود ابيه فقسمت المملكة في ايام رحبعام ايضا لسبب عدم حكمة رحبعام ، فلم يدُم الكرسي لرحبعام علي كل المملكة .
ايضاً يوحنا المعمدان كان في استقامة وامانة ونبي عظيم ولكنه دفع رقبته لسبب ملك اُعجب برقص رقاصة ، فظُلم يوحنا ولكن له مكانة ابدية رائعة ، فيوجد من ينال رحمة هنا في العالم الحاضر ويوجد من ينال التعويض في العالم الأتي في الأبدية ، هذا بحسب الحكمة الإلهية ، فمثلاً نري في بداية الكنيسة قتل يعقوب وتم حبس بطرس ليقدم للموت اليوم التالي ، وجاء الملاك وأخرجه من السجن بمعجزة ، فهل بطرس أفضل من يعقوب ، كلا ، فالإثنان لهم مستوي رائع في المشيئة الإلهية ، فسينال يعقوب تعويض في الأبدية عن هذا الظلم ، ونال بطرس رحمة هنا في الأرض في هذا الموقف ، ولكنه أيضا استشهد في روما في نهاية خدمته الموكل من أجلها .
الحق خط يعانده الظُلم والشر ، فأوقات نري صوت الشر أعلي من صوت الحق ، فلا تتعجب فلك اله في السماء قادر علي التعويض الإلهي هنا أو في الأبدية أو هنا وفي الأبدية أيضاً ، فيوجد اله يُقيم الواقع بحسب الحكمة الإلهية ويمنح الرحمة والبركات والتعويضات بحسب رؤيته الصحيحة ، فهو ليس بظالم " لأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَالِمٍ حَتَّى يَنْسَى عَمَلَكُمْ وَتَعَبَ الْمَحَبَّةِ الَّتِي أَظْهَرْتُمُوهَا نَحْوَ اسْمِهِ، إِذْ قَدْ خَدَمْتُمُ الْقِدِّيسِينَ وَتَخْدِمُونَهُمْ. (عب ٦ : ١٠) فكل امر له تقييم لدي الرب ، فإتكل عليه فهو اله عظيم .
ارتباط الرحمة بالعهد :
العهد كلمة تجسد الحق فمن يدخل في عهدٍ فقد دخل في الحق، ويستطيع ان يتمتع بالرحمة التي يحتويها العهد، كلمة العهد في الإنجليزي العهد القديم " covenant " وتعني ( ميثاق ) وفي العبرية ( בּרית ) وتنطق ( berı̂yth ) وتعني ( تحالف ، ميثاق ، دستور ، اتفاق ، مرسوم ) اما كلمة العهد في الإنجليزي في العهد الجديد ( Testament ) وتعني ( الوصيّة ) وفي اليوناني ( διαθήκη ) وتنطق ( diathēkē ) وتعني ( عهد ، شهادة ، تصرف ، ترتيب ) ومما سبق نستطيع أن نلخص المعاني كما يلي " عهد ، ميثاق ، تحالف ، دستور ، اتفاق ، مرسوم ، شهادة ، تصرف ، ترتيب " كل هذه المعاني تجسد كلمة عهد ، فمن يتعامل بإحدي هذه المعاني فهو في نطاق العهد .
فمثلاً : عندما يوجَّد حربا بين دولتين ويتفقا علي مُعاهدة سلام ( ميثاق سلام ، أو مرسوم ) ، فيدخُلان في عهدٍ معاً فيتمتع شعب الدولتينِ بالحريةِ والرخاء والسلام وهم تجسيدٌ للرحمة .
ايضاً عندما يُوجد عهد مصالحة " ميثاق ، ترتيب جديد ، إتفاق " بين الإنسان والله ، وهذا العهد الذي هو تجسيد للحق فيكون واقعه هو العدل الإلهي الذي استوفي حقه بدفع المسيح الثمن بدمهِ ليَّمنح كل مؤمن به الغفران والحياة الأبدية التي هما تجسيد للرحمة .
لذلك أحبائي لا رحمة بلا عهد ولا عهد بلا عدل ولا عدل بلا حق ، ولا حق ضاع منه الحقيقة وظهر الباطل والضلال ، يصلي نحميا معترفا عن زمن ضاع منه الحق وذهبت الرحمة في سَّفرٍ فيقول : " وَالآنَ يَا إِلهَنَا، الإِلهَ الْعَظِيمَ الْجَبَّارَ الْمَخُوفَ، حَافِظَ الْعَهْدِ وَالرَّحْمَةِ، لاَ تَصْغُرْ لَدَيْكَ كُلُّ الْمَشَقَّاتِ الَّتِي أَصَابَتْنَا نَحْنُ وَمُلُوكَنَا وَرُؤَسَاءَنَا وَكَهَنَتَنَا وَأَنْبِيَاءَنَا وَآبَاءَنَا وَكُلَّ شَعْبِكَ، مِنْ أَيَّامِ مُلُوكِ أَشُّورَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ. وَأَنْتَ بَارٌّ فِي كُلِّ مَا أَتَى عَلَيْنَا لأَنَّكَ عَمِلْتَ بِالْحَقِّ، وَنَحْنُ أَذْنَبْنَا. وَمُلُوكُنَا وَرُؤَسَاؤُنَا وَكَهَنَتُنَا وَآبَاؤُنَا لَمْ يَعْمَلُوا شَرِيعَتَكَ، وَلاَ أَصْغَوْا إِلَى وَصَايَاكَ وَشَهَادَاتِكَ الَّتِي أَشْهَدْتَهَا عَلَيْهِمْ. ( نح ٩ : ٣٢ - ٣٤ ) فإن اختفي الحق وتلاشت الرحمة ودخل الإنسان في معمعة المشاكل والتدخلات الإبليسية ، فلا تفشل لأن العهد ثابت والرحمة قائمة في الله ، عند وقت رجوعك اليه أو التجائك نحوه ستجده فاتح ذراعيه ليمنحك رحمة من لدنه ، وعلي هذا الإيمان كان يصلي نحميا لأنه كان يعلم أن الله لا يحفظ الغضب للأبد ولكنه يُسر بالرحمة " مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ وَصَافِحٌ عَنِ الذَّنْبِ لِبَقِيَّةِ مِيرَاثِهِ! لاَ يَحْفَظُ إِلَى الأَبَدِ غَضَبَهُ، فَإِنَّهُ يُسَرُّ بِالرَّأْفَةِ. يَعُودُ يَرْحَمُنَا، يَدُوسُ آثَامَنَا، وَتُطْرَحُ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ جَمِيعُ خَطَايَاهُمْ. (مي ٧ : ١٨ ، ١٩) فعلي هذا الأساس اقترب للرب فهو الهٌ رحيم .
كلمة الله هي عهد او ميثاق أو دستور قائم وحق ، فمن يتمسك به ينال منه نصيباً كبيرا من الرحمة ، فهو ممتليئ وعود وبركات وحقائق روحية غير عادية ، فلا تهمل دراسة الكلمة واعكف عليها نهارا وليلاً ، فهي السراج المنير " سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي." (مز ١١٩ : ١٠٥) فأصلي من كل قلبي أن يفتح الرب الشهية لقرأة الكلمة ودراستها
وسائط الحق التي تقود للرحمة :
كما عرفنا أحبائي أن الحق له ما يجسده مثل : العدل ـ الاستقامة ـ الأمانة ـ الصدق - البر - الإيمان - إعلان الحقيقة المجردة من كل زائف ـ كلمة الله ـ اما المسيح فهو الحق ذاته ، هذه الحقائق ثابتة في الله ولن تتغير فالله عادل ومستقيم وبار وصادق و.... الخ . كل هذا عندما يفعله الإنسان يدخل في مستويات من الحق ، وبالتالي تبدأ الرحمة في العمل .
في كل تجسيد للحق رحمة خاصة به
المسيح في تجسده : هو تجسيد للحق الإلهي المرتبط بالرحمة الإلهية للحياة الأبدية ، فكل من يؤمن به ينال بإسمه حياة أبدية " مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ. (يو ٣ : ١٦) فالإيمان أيضاً تجسيد للحق داخل القلب فيفتح القلب لله ( الإيمان يأخذ الحق ويضعه في القلب ) فيتعامل معه الروح القدس الذي هو روح الحق : " وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. (يو ١٦ : ١٣) فالإيمان هو الوسيط العقلي والقلبي الذي يفتح القلب للحقائق الكتابية ( كلمة الله ) فيعمل من خلالها الروح القدس فيجدد القلب ويضمن الحياة الأبدية للمؤمن التي هي تجسيد للرحمة .
العدل : هو تجسيد للحق ، فمن يسير بموجبه ينال رحمة مرتبطة به التي هي بركات روحية أو مادية " الْعَدْلَ الْعَدْلَ تَتَّبعُ، لِكَيْ تَحْيَا وَتَمْتَلِكَ الأَرْضَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ. (تث ١٦ : ٢٠) فالحياة والإمتلاك بركات تجسد الرحمة ، فالإنسان الذي يفعل الظلم ولا يسير في نطاق العدل يفقد كثيراً من وجوده في دائرة البركات ومستوي الحياة التي يجب أن يكون عليها.
يجب أحبائي نعرف أن القضاء الإلهي يعمل في دائرة الحق لذلك يستخدم كل ما هو للحق من مصطلحات تجسده " وَهُوَ يَقْضِي لِلْمَسْكُونَةِ بِالْعَدْلِ. يَدِينُ الشُّعُوبَ بِالاسْتِقَامَةِ. (مز ٩ : ٨) فالعدل تجسيد للحق والإستقامة تجسيد للحق ، وهما يعملان مع القضاء الإلهي ،( القضاء الإلهي يستخدمهما كشهود علي الإنسان ) فكل تصرفات بني البشر تدخل تحت نطاق القضاء الإلهي ، فيحكم علي بني البشر بحسب سلوكهم وحياتهم وارتباطهم بالحق من عدمه ، فإن توافقت سلوك إنسان بحسب الحق الإلهي فالقضاء الإلهي يحكم ببره ( البر في الحياة العملية يختلف عن البر الذي نناله في إيماننا بالمسيح لنوال الحياة الأبدية ) فالبر المرتبط بالسلوك يهب الإنسان قامة إجتماعية رائعة ومستوي روحي صحيح وبركات زمنية وأبدية رائعة إذا كان مؤمنا وله ضمان حياته الأبدية ، أما إذا كان متديناً او غير مؤمناً فسينال بركات زمنية ارضية فحسب .
الحق والرحمة والقضاء الإلهي يعملان في دائرة الروح ولهم التأثير في عالم المادة والجسد ، فالحق مستوي روحي تعلنه المبادئ الإلهية في كلمة الله فالسلوك فيهما يمنح الإنسان بركاتهما ، والإبتعاد عنهما يفتح المجال لما هو ضدهما وهما : الظلم ، والادانة والخصام والقتل " وَأَيْضًا رَأَيْتُ تَحْتَ الشَّمْسِ: موضع الْحَقِّ هُنَاكَ الظُّلْمُ، وَمَوْضِعَ الْعَدْلِ هُنَاكَ الْجَوْرُ! (جا ٣ : ١٦) فالظلم عكس الحق ، والجور ( ظلم - الميل بعدم عدل ) عكس العدل ، فيحل الظلام وعدم السلام " "لاَ يَعْلَمُونَ وَلاَ يَفْهَمُونَ. فِي الظُّلْمَةِ يَتَمَشَّوْنَ. تَتَزَعْزَعُ كُلُّ أُسُسِ الأَرْضِ. (مز ٨٢ : ٥) الظلمة تحمل داخلها كل ما هو عكس الحق وبالتالي يتلاشي كل ما هو في الرحمة كالسلام وما هو في الحق كالإستقرار " تَتَزَعْزَعُ كُلُّ أُسُسِ الأَرْض " لذلك فلا تترك الحق والرحمة " لاَ تَدَعِ الرَّحْمَةَ وَالْحَقَّ يَتْرُكَانِكَ. تَقَلَّدْهُمَا عَلَى عُنُقِكَ. اُكْتُبْهُمَا عَلَى لَوْحِ قَلْبِكَ،" ( ام ٣ : ٣ ).
أحبائي في المسيح يريد إبليس دائماً إسقاط المبادئ الكتابية كالحق والبر والرحمة والصلاح ، وإن نجح في هذا ، يبدأ في نشر مبادئه الفاسدة ، فتعُم الفوضي والظلم والظلام ، فكن حريص كل الحرص كي لا تقع فريسة لإبليس فيستخدمك لصالحه كلما أراد .
أول مبدأ يريد أن يسقطه هو الصدق فينشر الكذب ، فيقف العدل من بعيد وينشر الجور والميل نحو عدم العدل ونشر الظلم ، وبالتالي يرجع الحق للوراء ولا نشعر بوجوده ، وإذا دعونا الإستقامة ( الصلاح ) للدخول لبلدنا أو حياتنا فلن تدخل " وَقَدِ ارْتَدَّ الْحَقُّ ( الحُكم - judgment ) إِلَى الْوَرَاءِ، وَالْعَدْلُ ( justice - العدالة ) يَقِفُ بَعِيدًا. لأَنَّ الصِّدْقَ ( truth - الحقيقة ) سَقَطَ فِي الشَّارِعِ، وَالاسْتِقَامَة ( equity - الإنصاف ) َ لاَ تَسْتَطِيعُ الدُّخُولَ. (إش ٥٩ : ١٤) كل هذا يستطيع فعله إبليس إن نجح في إسقاط الصدق ، لذلك تمسك بالصدق مهما كلفك الأمر ، لأنه بوابة الحق ومفتاح العدل وحياة للإستقامة ، فالإستقامة هنا تعني الإنصاف الذي يعني تنفيذ الحكم لإقامة العدل ( الحق ) التكلم بالصدق وقول الحقيقة يعطي للعدل مجراه وللإستقامة طريق للحكم ( judgment ) وللإنصاف مكان .
الرحمة تفتخر علي الحُكم :
يقول الرسول يعقوب عن المؤمنين الذين هم قادرون علي تقييم الإمور ويعيشون بلا محاباة ، فلا يعطون تقديراً للغني عن الفقير كونه غنياً ، فإن فعلوا ذلك يكونون في حُكم الله ( قضاة أفكار شريرة ) فيقول لهم : " فَهَلْ لاَ تَرْتَابُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَتَصِيرُونَ قُضَاةَ أَفْكَارٍ شِرِّيرَةٍ؟ (يع ٢ : ٤) فيُعلم المؤمنين درساً " اسْمَعُوا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ: أَمَا اخْتَارَ اللهُ فُقَرَاءَ هذَا الْعَالَمِ أَغْنِيَاءَ فِي الإِيمَانِ، وَوَرَثَةَ الْمَلَكُوتِ الَّذِي وَعَدَ بِهِ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ؟ (يع ٢ : ٥) فالرب ليس عنده محاباة ، فهو يعامل الكل بالعدل فيقول : " لأَنَّ الْحُكْمَ ( judgment ) هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ ( mercy ) لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً، وَالرَّحْمَةُ تَفْتَخِرُ ( rejoices against - تفرح ضد ) عَلَى الْحُكْمِ. (يع ٢ : ١٣) فالرحمة ممتلئة روح فرح وإبتهاج ، اعطيك مثالاً : اعط فقيرا نقوداً وأنظر لوجهه ماذا يكون ؟ ابتسامة فرح وبمقدار عطائك بمقدار ابتهاجه ، فعندما تتعامل في حياتك أو في كنيستك مع الفقير كما مع الغني ، فأنت تتعامل مع الرحمة فستتمتع بالفرح والإبتهاج
عندما تتعامل بالرحمة من خلال الإمور التي تجسدها كالـ الغفران و التسامح و العطاء لمن لا يستحق في وقت احتياج و إعادة علاقة مقطوعة وبنائها من جديد ، فأنت تسير في دائرة الأعمال الحسنة التي تُظهر إيمانك " هكَذَا الإِيمَانُ أَيْضًا، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ، مَيِّتٌ فِي ذَاتِهِ. (يع ٢ : ١٧) اي أن الذي يُظهر إيماني ويجعله حياً في نظر الناس هو أعمال الرحمة ، فإن لم يكن له أعمال الرحمة يكون الإيمان ميت في ذاته ايضاً في نظر الناس ، فالأية التي تقول : " مَا الْمَنْفَعَةُ يَا إِخْوَتِي إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ لَهُ إِيمَانًا وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أَعْمَالٌ، هَلْ يَقْدِرُ الإِيمَانُ أَنْ يُخَلِّصَهُ؟ (يع ٢ : ١٤) كلمة ( يُخَلِّصَهُ في الإنجليزية أتت save وتعني حفظ وبنفس المعني في اليونانية حفظ σώζω ) وهنا نفهم أن الرحمة تعمل في دائرة الحماية للإنسان ، فليس المقصود بكلمة يُخَلِّصَهُ " أي الخلاص من الخطية " بل الحماية والشفاء ، فأعمال الرحمة تحفظ وتشفي ، ومن يبتعد عن أعمال الرحمة فهو معرض لتدخلات إبليس في حياة الإنسان ، لذلك حسب الأية نري ان أعمال الرحمة تساعد علي الشفاء والحماية .
الرأفة : كلمة أتت في الانجليزية ( merciful ) وتعني ( رؤوف ) وفي اليونانية ( ἐλεήμων ) وتنطق ( eleēmōn ) وتعني ( رؤوف - تسامح ) الاية التي قالها المسيح " طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ. (مت ٥ : ٧) كلمة : لِلرُّحَمَاءِ : جاءت ( merciful ) وكلمة : رحمة : ( mercy ) فتكون الاية هكذا :" طُوبَى للرؤفاء ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ. " فالرافة والتسامح تجسيد للرحمة ، فالرب لأنه رحيم فيحب الرحماء ، هكذا كلمة شفقة التي اتت في العبري ( חמלה ) وتنطق ( chemlâh ) وفي الٱنجليزية ( merciful ) التي تعني ( رأفة ) ، هذا نجده في شفقة الرب علي لوط " وَلَمَّا تَوَانَى، أَمْسَكَ الرَّجُلاَنِ بِيَدِهِ وَبِيَدِ امْرَأَتِهِ وَبِيَدِ ابْنَتَيْهِ، لِشَفَقَةِ الرَّبِّ عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَاهُ وَوَضَعَاهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ. (تك ١٩ : ١٦) فالرب كان رؤوف وشفوق ورحيم علي لوط ، ويريدنا الرب أن نكون هكذا ، فعمل الخير يدخل تحت بند الرافة والشفقة ، فعندما أشفق علي أولادي واترأف عليهم فأنا أدخل في الرحمة وافتح مجال لحياتي بالبركة ، رغم أن لوط خسر ممتلكاته وزوجته وخسر أداب بناته لأنهم انجبوا منه ولدان ، لكنه أيضاً يستطيع أن يغني ويقول مع إرميا : " إِنَّهُ مِنْ إِحْسَانَاتِ الرَّبِّ أَنَّنَا لَمْ نَفْنَ، لأَنَّ مَرَاحِمَهُ لاَ تَزُولُ. (مرا ٣ : ٢٢) فكلمة ( إِحْسَانَاتِ ) اتت في الانجليزي ( mercies ) وتترجم رحمة واتت في العبرية ( חסד ) وتنطق ( chêsêd ) وتترجم ( نعمة ) وكلمة ( مَرَاحِمَهُ ) أتت بمعني الرأفات ( compassions ) فتكون الاية كما يلي : " إِنَّهُ مِنْ نِعّمْ الرَّبِّ أَنَّنَا لَمْ نَفْنَ ، لأَنَّ رأفاته لاَ تَزُولُ. " فالإحسانات الإلهية ما هي إلا مراحمه معنا وهذا لأن في داخل الرحمة رأفات دائمة لا تنتهي ، فمهما كانت خسارتك فإعلم أنها أيضاً تُعد من مراحمه .

تعليقات
إرسال تعليق