علم الحدود
عِلم الحدود
بقلم القس عماد عبد المسيح
مقدمة
الحدود دائماً للحماية داخلياً ، وتعطي كيان لكل ما بداخل الحدود ، فدولة بلا حدود تسقط منها الهيبة والسلطان والسيادة ، فللحدود أهمية قصوي ولا يجب أن تُهمّل ، وإن لم تحدد بقوانين فستسقط معالم الدولة ، فللحدود أهمية في حياة الإنسانية ، فكل من أسقط من حوله الحدود داخليا وخارجيا صار عرضة لكل ناهب وسارق ومتعدي ، فالحدود المرتبطة بالإنسان تجعل حياته في أمان وسلام ، أما من أخرق الحدود وترك من يدخل يدخل ، فقد صارت حياة الإنسان عرضة لكل تعب ودمار .
الإنسان في كيانه يحتاج أن يرسم حدوده بنفسه ، ففي علاقاته مع الأخرين يحتاج لحدود ، في الحياة الزوجية وفي علاقة الأباء بالأبناء والأبناء بالأباء ومع الأصداق ، فلكل شيئ يجب أن يوضع له حدود ، فالحدود في الحياة الزوجية لها مقاييس مختلفه عن باقي الحدود ، لذلك نحناج أن نكون في عِلمٍ ودراسة جيدة للأبعاد الروحية والنفسية والجسدية في جميع نواحي حياتنا .
الحدود مستوي من مستويات الأخلاق :
لكل انسان حدودا تماما مثل الدول ، انظر حولك هل توجد دولة بلا حدود ، فكل دولة تُلزم من حولها بالتعامل بحسب المقاييس الأخلاقية بين الشعوب وبعضها ، فلا يصح التعدي ، لأن التعدي علي شبر واحد هو تعدي علي الدولة بجملتها ، فالحدود خط أحمر ، قال احدهم " للأخلاق حد متى تجاوزته صارت عدواناً ، ومتى قصرت عنه كان نقصاً ومهانة " فالأخلاق كيان يرسم للبشرية الحدود التي يقف عندها كل طرف ، فالأخلاق لها مقاييس مختلفة بحسب المفاهيم والثقافات ، فالأخلاق و المبادئ شيئاً واحداً يفرق بينهما الجمود في حرفية المبدأ والحياة في مستوي تطبيقه ، فعندما تعرف المبادئ تستطيع أن تعيشها من خلال ثقافتك الأخلاقية ، فالأخلاق هي التي تترجم المبادئ وتجسدها في عالم المادة ، فبدون الأخلاق تسقط المبادئ .
جاء في معجم المعاني أن " المَبْدَأ : مُعْتَقَد ؛ قاعدة أخلاقيّة أو عقيدة " فالمبادئ هي القوانين التي تشكل ثقافة الشخص ، والأخلاق تشكل حياة الشخص العملية ، فالسارق يعلم أن السرقة شر وأن الأمانة مبدأ خَّير ، وهذه المعرفة لا تمنعه من السرقة إلا أذا تحلي بالأخلاق ، التي من خلالها يجسد المبادئ .
يوجد فرق بين : المبدأ - القيم - الأخلاق
اولاً : المبدأ : هو الفكر الأساسي الذي تبنى عليه الأفكار ، فالمبادئ مثل : الحق ، الرحمة ، الحرية ، العدل ، الصدق ، الامانة ، الوفاء ..... الخ
هي تصورات توضيحية داخل الإنسان لتوجيه السلوك ، فمن خلال معرفتي بقيمة المبدأ استطيع أن أقبل أو أرفض ، فالقيم مثل : الحرية الشخصية ، الإستقلال الذاتي ، المواطنة ، الإنتماء .... الخ
ثالثاً: الأخلاق : مجموعه من القيم ، فالأخلاق مثل : الالتزام بالمواعيد ، الاعتزار عن الخطأ ، احترام الترتيب الإداري ..... الخ.
الذي يجعل الحدود مخترقة شيئاً مهماً جداً وهو { المعاشرات الردية } فللأخلاق حدود ، وإفساد الأخلاق هو خرق للحدود " لا تَضِلُّوا: "فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأخْلاقَ الْجَيِّدَة " ) ١كو ١٥: ٣٣ ( فالإختيار الجيد للأصدقاء يحفظ الإنسان سالماً ، لأن كل صديق يُطلب منه أن يكون صاحب ذوقا صالحاً " ذَوْقًا صَالِحًا وَمَعْرِفَةً عَلِّمْنِي، لأنِّي بِوَصَايَاكَ آمَنْتُ ( مز ١١٩ : ٦٦ ( فهل تلتزم بالأخلاق فانت تقدر القيم وتجسد المبادئ .
الحدود الانسانية :
ان كلا منا يجلس في منتصف ثلاث دوائر غير مرئية تحيط به لاتسمح باختراقها إلا لمن نحبهم فقط , وننزعج اذا اقتحم علينا حياتنا أو دوائرنا اشخاص غير مرغوب فيهم.
مثال :
انك لوكنت جالسا على شاطيء البحر الخالي من البشر تراقب غروب الشمس وتتأمل صوت الرياح وجمال المنظر ، لماذا تضيق وتتوتر اذا اقترب منك احد الغرباء وجلس جوارك بمترين او ثلاثة ؟ وبرغم انه لم يقتحم هدوءك بالكلام فانك تضيق به وتقول انه اقتحم عزلتك في حين انه في الحقيقة لم يقتحم سوى احدى الدوائر الثلاث التي تحتفظ بها لاحبائك واقرب الناس اليك .
** الدائرة الأولى : تسمي المنطقة الحميمة
** الدائرة الثانية : اطار الصداقة والزمالة
** الدائرة الثالثة : تسمي المنطقة العامة
** الدائرة الأولى :
تسمي المنطقة الحميمة ـ منطقة المشاعر الفياضة ، تبعد حوالي نصف متر عن جسد الانسان اي بإمتداد الساعد ، وإن صارت اشد حمية تكون مسافة قبضة اليد ، وهذه الدائرة تحدد بـ المنطقة الحميمة ـ التى تحيط باجسادنا مباشرة لانسمح بدخولها لغير الاحباب واقرب الاقرباء ، وعندما نحتضن من نحب زوجاً أو آماً أو إبناً ..الخ تندمج دائرتانا الحميمتين ونصبح مركزاً في دائرة واحدة تجمعنا .. وهذه المنطقة هي منطقة المشاعر الفياضة .. إن دخل أحداً لهذه الدائرة التي تختص بأسرتنا فلنعلم أنه دخول سينتهي يوماً إذا طرأ أي تغيرات في التواصل والعلاقات ، فالأخرين لسبب بعض تصرفاتهم وسلوكهم نحونا تدفعنا نحوه لنحبه ونقربه الينا فيصير وكأنه من أفراد الأسرة وينال تواصل حميم ، هذا أمر قد يكون في شكل جيد ، ولكن لنعلم أن لديه ايضاً أسخاص اخرين كأسرته مثلاً ، في دائرته الحميمة يأخذون أولوياته ، فلذلك لن نجده بكامل كيانه لنا كما نجد الأحباء افراد اسرتنا ، فسيأتي يوما نجده بعيدا أو غير مهتم وبالتالي ستبرد محبتنا نحوه نوعا ما ، ويعود للدائرة التي كان فيها ، أو قد يبتعد أكثر من ذلك ، لأن الإخوة الشرعية ودرجة القرابة التي من الدرحة الأولي هي من العوامل التي تعزز الدائرة الأولي ، حتي وإن ابتعد عنا الأخ أو الأب أو ... فسيظل يعتلي نفس مستوي الدرجة الحميمة ، ففي وقت عودته الينا سيأخذ مكانته عملياً وظاهرياً .
هذه الدائرة استطاع يوحنا الحبيب أن يدخل فيها " فَالْتَفَتَ بُطْرُسُ وَنَظَرَ التِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ يَتْبَعُهُ، وَهُوَ أَيْضًا الَّذِي اتَّكَأَ عَلَى صَدْرِهِ وَقْتَ الْعَشَاءِ، وَقَالَ:"يَا سَيِّدُ، مَنْ هُوَ الَّذِي يُسَلِّمُكَ ؟ " ( يو ٢١ : ٢٠ ( فهي دائرة العواطف والمشاعر والتعبيرات الفياضة تجاه من نحب ، فمن أخذ مستوي الدائرة الأولي سيكون قد اعتلي مكانة داخلنا تجعله يعرف اسرار حياتنا وكل ما يختص بنا ، وهذا ما وصل اليه يوحنا الحبيب ، فقد عرف الكثير من اسرار الملكوت ، ورأي ما يختص بنهاية الزمان ، وعرف ما يدور في قلب الرب وأعلنه لنا ، كذلك معظم الأنبياء والرسل وبعض من خدام الرب الأفاضل الذين استطاعوا أن يدخلوا لدائرة الرب الحميمة ، فلن نتمتع بدوائر حميمة إلا إذا أدخلنا الأخرين الي دائرتنا
أما عندما نكره بشدة! نحاول اقتحام دائرة الخصم لالغاء وجوده ونفوذه , مثلما يحدث في المشاجرات والقتال المتلاحم ، التي تنتهي بالخصام الذي يجعل القريب بعيد أو في طي النسيان وخارج دوائرنا الخاصة ، هذا ما فعله إخوات يوسف بيوسف " فَلَمَّا أَبْصَرُوهُ مِنْ بَعِيدٍ، قَبْلَمَا اقْتَرَبَ إِلَيْهِمِ، احْتَالُوا لَهُ لِيُمِيتُوهُ ) تك ٣٧ : ١٨ ( يوسف الأخ الشقيق القريب صار خارج الدوائر الثلاثة واعتبروه في طي النسيان ، فهم اقتحموا خصوصياته الخاصة وحرموه من التمتع بالإقتراب اليهم والي والده يعقوب ، عندما باعوه عبداً واعتبروه مات وانتهي أمره ، ولكن في يوما عادوا اليه وأدخلهم مرة ثانية للدائرة الحميمة فهم إخوته ، فهذه الدائرة من أقوي الدوائر فهي متأصلة داخل النفس وفي أعماق الروح ، فلن يستطيع الإنسان أن يُخرِج من فيها بسهولة .
في الدائرة الأولي يمكننا ان نكون في علاقة مع الرب ، فتجد مؤمنين قريبين من الرب واخرين بعيدين ، فموسي كان أقرب للرب من باقي الشعب " فَوَقَفَ الشَّعْبُ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَمَّا مُوسَى فَاقْتَرَبَ إِلَى الضَّبَابِ حَيْثُ كَانَ اللهُ " ( خر ٢٠ : ٢١ ( فكلما اقتربنا نحو الله وكلمته كلما شعرنا بنبض قلبه واحاسيسه ومشاعره الفياضة وامتلئنا حبا له ولأبناءه المؤمنين ، فالدائرة الأولي عندما تكون في وضعها الروحي والصحيح كلما كانت قانونية وقوية العطاء ، فالرب فاتح أحضانه لكل من يريد أن يقترب منه ، فهو لن يطرد كل من يلجأ ويقترب اليه " كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا. ( يو ٦ : ٣٧ ( فلا تتراجع في أن ترتمي في حضنه دائماً ، فهو يريد أن يقترب اليك ليريحك ويفك نفسك فهل تدعوه ليفعل هذا " اقْتَرِبْ إِلَى نَفْسِي. فُكَّهَا. بِسَبَبِ أَعْدَائِي افْدِنِي ( مز ٦٩ : ١٨ ( فعندما يزداد تعبك وحيرتك وتكون في استعداد للفهم والمعرفة ، يقترب اليك ويمشي معك " وَفِيمَا هُمَا يَتَكَلَّمَانِ وَيَتَحَاوَرَانِ، اقْتَرَبَ إِلَيْهِمَا يَسُوعُ نَفْسُهُ وَكَانَ يَمْشِي مَعَهُمَا ( لو ٢٤ : ١٥ ( ليس هذا فقط بل ايضاً عندما تطلب منه أن يمكث معك سيفعل لأنه يحبك ويريد أن يغيرك ويريحك من كل جهة " فَأَلْزَمَاهُ قَائِلَيْنِ:"امْكُثْ مَعَنَا، لأَنَّهُ نَحْوُ الْمَسَاءِ وَقَدْ مَالَ النَّهَارُ". فَدَخَلَ لِيَمْكُثَ مَعَهُمَا ) لو ٢٤ : ٢٩ ( فالمستوي الاول أو الدائرة الأولي مهمة جدا جدا لحياتنا في علاقاتنا مع الرب ومع الاخرين أيضاً .
في المستوي الاول لا يحق لأي طرف مهما إن كان أن يقترب للأخر دون أن يفتح له ويسمح بالدخول ، فليس لأنك زوج او زوجة فتقتحم حياة الطرف الأخر تحت بند أننا زوجان ) انا الراجل ومن حقي التدخل .... أو... أنا زوجته ومن حقي .... ) الحق الوحيد هو أن تكونا متفاهمان ولا يتعدي الواحد علي الاخر ، لأن في التعدي خرق لكل المستويات وكل الدوائر ، فمثلاً تريد الزوجة أن تدرس دراسة في عِلم ما ، ويقف الزوج معطل ومتداخلاً في مستوي قرارتها ولاغياً لشخصيتها ، فتدخل الزوج او الزوجة بعضهما نحو بعض يجب أن يكون بحسب الإدراكات الفكرية والروحية وتهدف لخير الأخر وبكل الحب والتفاهم مع مراعاة ابعاد روح سي السيد ، فرغم أن المسيح هو رب الأرباب وملك الملوك لكنه لا يتدخل في حياتنا دون أن نأذن له ونقبل دخوله " هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي ) رؤ ٣ : ٢٠ ( فهو الزوج للكنيسة وفي ذات الوقت لا يتعامل بدون رغبة الكنيسة والمؤمنين ، إحترام الأسرة بعضها لبعض مبني علي معرفة المبادئ والقيم والإخلاق التي تدفع الأسرة للسلوك في الدائرة الاولي دون مشاكل أو صراع ، أما إن لم يلتزم طرف من الأطراف بالمبادئ الأخلاقية فسيواجة مشاكل من باقي الأطراف لوقف النزيف في العلاقة نتيجة التعدي .
في العالم البعيد عن الله نري تحكمات الاقوي تسيطر علي الأضعف ، فالرجل لسبب تكوينه البنياني ، وعطاء المجتمع له حرية واسعة ليفعل ما يشاء ، بكل تأكيد في حدود الأدب والأخلاق المجتمعية والدينية ، تراه يسيطر علي زوجته بالقول أو بالفعل ، فمن يهين زوجته بالضرب فهو متعدي علي إنسانيتها وخارق للحدود ، فجسد الرجل والمرأة من أجل بعضهما البعض ليكونا شركاء في الجسد الواحد بكل الإحترام المتبادل ، كذلك الأبناء في علاقاتهم مع والديهم يجب أن يكون الإحترام هو البند الأساسي في التواصل ، هذا ليس معناة أن يعيش كل منهما بعيدا عن الأخر بل معناة أن يكون باب الثقة مفتوح لمصراعيه وباب الشفافية والوضوح مفتوح لنهايته وبالتالي سيكون جو الأسرة مريح ، فالأسئلة الكثيرة تجعل الأخر في ضيق ويشعر بالخناق ، والصمت الكثير يجعل الأخر غير واضح المعالم ويحيطه هالة من الغموض ، لذلك كن واضحاً صريحاً ولا تكن متداخلاً إلا في حدود مكانتك كأب أو كأم أو ابناء ، فلكل واحد حدوده التي يجب أن يحترم الأخر فيها ولا يخترقها
** الدائرة الثانية:
وهي اوسع من الدائرة الاولى وتبعد حوالي متر وربع عن اجسادنا اي بامتداد الذراع بكامله. وهذه الدائرة تحدد إطار الصداقة مع الذين نتعامل معهم من الاصدقاء والأقارب الذين هم خارج الأسرة ، في هذه المنطقة أو الدائرة تسمح المسافة بالمصافحة واللمس البعيد والمخاطبة والرؤية الشاملة ، فالحدود تُعطي هيبة وتقدير لواضعها ، وتمنح سلاما وكرامة لحافظها ، هكذا في نطاق العلاقات بين الإصدقاء وزملاء العمل ، فالتواصل بهم ثانوي لأنك لا تضمن دوام العشرة ، لذلك لا يجب أن يدخل الصديق دائرة الأسرة ويكشف كل ما فيها من إمور وتصرفات وخصوصيات ، فحدوده خارج دائرة الأسرة ، وإن تدخل دون إذن فصار متطفلاً وكاسر الحدود ، وفي حالة تدخله لابد أن يكون للضرورة القصوي وحسب المساحة المحددة له ، وعليه ان يحترم عدم إجابة بعض الأسئلة التي طرحها في تعاملاته التي دعي من اجلها .
توجد علاقات حميمة كما في الدائرة الأولي كالتي بين موسي والرب ، ولكن يوجد شعب لم يستطع علي أن يكون فيها فاختار أن يكون خارجها فصار في الدائرة الثانية فوضع له الرب حدودا في الوقت الحميم بين موسي والرب " وَتُقِيمُ لِلشَّعْبِ حُدُودًا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، قَائِلاً: احْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْعَدُوا إِلَى الْجَبَلِ أَوْ تَمَسُّوا طَرَفَهُ.كُلُّ مَنْ يَمَسُّ الْجَبَلَ يُقْتَلُ قَتْلاً ) " خر ١٩ : ١٢ ( ففي إحترام الحدود نجاة من الموت ، فالحدود وضعها الرب هنا لأن العلاقة الحميمة لها مُريديها ومحبيها والساعين نحوها ، فعلاقاتنا مع الله يجب أن تتعدي كل الحدود والحواجز ، فندخل الي عمق الله بالروح القدس الساكن فينا فننال الحب والدفئ الروحي والهدوء النفسي ، ويستخدمنا الرب لمجد اسمه فنكون في الإرتفاع فقط .
الحدود في هذه الدائرة الثانية تتكون من الصداقات والتواصل الذي يكون عن قرب ولكن بدون تدخل في الإمور الشخصية ، فمن حولك تحبهم وتقدرهم وتتعامل معهم بكل الإحترام المتبادل لأن العلاقات إن كسرت في هذه المرحلة لن يُمكنك استعاداتها كما كانت ، لأن العلاقة الحميمة غائبة عنها فما هي إلا علاقة لا ترتقي فوق مستوي الصداقة حتي وإن اخذت وضع أكبر من الوضع الطبيعي لها .
الذي يساعد علي كسر العلاقات والمستويات والأبعاد الحدودية هو الكبرياء ، فالكبرياء أكبر المعوقات التي تجعل وضع الحدود غير مريح ، لان في الكبرياء خرق للإحترام وتقدير الأخر ، ففيه تقليل من شأن الأخر ، هذا يعتبره الأخر مهانة وبالتالي يضع حدوداً سميكة كي لا يتعامل مع الأخر علي قدر المستطاع ، فيبتعد عن المتكبر لأنه كسر مستوي العلاقات والتواصل السليم .
المتكبر ستجد علاقة الله معه بعيدة ، فقد يحاول أن يقترب الي الله ولكن الله يضع له حدوداً لسبب عدم التوبة عن الكبرياء " لأَنَّ الرَّبَّ عَال وَيَرَى الْمُتَوَاضِعَ، أَمَّا الْمُتَكَبِّرُ فَيَعْرِفُهُ مِنْ بَعِيدٍ ) المزامير ١٣٨ : 6 ) فالمتكبر في نظر الله من المستهزئين ، وهذه النوعية يبعدها الله عن دائرته الحميمة " اَلْمُنْتَفِخُ الْمُتَكَبِّرُ اسْمُهُ "مُسْتَهْزِئٌ"، عَامِلٌ بِفَيَضَانِ الْكِبْرِيَاءِ ( الامثال ٢١ : ٢٤ ( لذلك يريدنا الرب أن نكون متواضعين ولنا حياة المحبة للأخرين فالمتعالٍ مبغوض من قبل الرب " مَخَافَةُ الرَّبِّ بُغْضُ الشَّرِّ. الْكِبْرِيَاءَ وَالتَّعَظُّمَ وَطَرِيقَ الشَّرِّ وَفَمَ الأَكَاذِيبِ أَبْغَضْتُ " ( الامثال ٨ : ١٣ ) هذا لأن المتكبر أناني بطبعه ولا يريد الخير للأخرين إلا إذا كانت له استفادة من التواصل أو المشاركة ، فالمتكبر سيأتي عليه يوما يسقط ومن هو متواضع سينال مجداً من الرب " كِبْرِيَاءُ الإِنْسَانِ تَضَعُهُ، وَالْوَضِيعُ الرُّوحِ يَنَالُ مَجْدًا ( الامثال ٢٩ : ٢٣ ( حياة التواضع تملأ الإنسان نعمة أما المتكبر فيقاومه الله " وَلكِنَّهُ يُعْطِي نِعْمَةً أَعْظَمَ. لِذلِكَ يَقُولُ:"يُقَاوِمُ اللهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً " ( يع ٤ : ٦ ( فإن كان الكبرياء يدفعنا بعيدا بعيدا عن دائرة الله ، فالتواضع يقربنا داخل دائرة الله ، فهل تصلي للرب بأن يملأك تواضعاً ووداعة ، كي يكون الإنسان صاحب كرامة يجب عليه أن لا يخترق الحدود لئلا يصير مهاناً ، فلأنه صديق فعليه أن يلتزم بأداب المعاملة في علاقته مع اصدقائه .
** الدائرة الثالثة :
تسمي هذه المنطقة بالمنطقة العامة : وهي أوسع الثلاثة حيث تبعد عن الجسم بعد المتر والربع الخاصة بالدائرة الثانية ، فقد تصل لأربع امتار وهذه الدائرة تمثل المنطقة الاجتماعية التي تشمل من يحيطون بنا في حفل صغير مثلا ونتعامل فيها مع الغرباء ، أو مع الأقرباء الذين هم خارج الدائرتان الحميمة ودائرة الأصدقاء ، في الدائرة الثالثة يقع مايسمى ـ بالمنطقة العامة ـ يتواجد الناس حولنا في الشارع أو الأسواق بدون أن يثيروا ادنى اهتمام ، او نقابل قريب لنا ليس لنا معه تواصل عن قرب ( فقد يكون ابن عم او ابن خال ويعيش بعيدا أو لا يهتم بالتواصل معه ) فيتحول من الدائرة الثانية التي كان يجب أن يكون فيها الي الثالثة .
لو تأملنا الناس في الأماكن العامة مثل الحدائق وعربات القطار نرى بشكل عملي كيف يحول الناس الحدود الوهمية لتلك الدوائر إلى حدود فعلية باستعمال الحقائب أو الملابس وحتى الصحف يضعونها بجوارهم أو يحيطون أنفسهم بها وكانها الاسلاك الشائكة الاجتماعية التي تمنع الاغراب من الدخول في المياه الاقليمية أو الحدود التي نرسمها ونحددها لنا تلك ملحوظة تظهر اكثر لدى المرأة ، اذا تم التعامل فيها يتم بشكل عابر بالاشارة كالتلويح بالسلام عبر الطريق ، واذا حدث أن اقتحم غرباء مناطقنا ودوائرنا الخاصة لاسباب خارجة عن ارادتنا ، مثل التواجد بالمصاعد مثلا - في هذه الحالة نحاول ايجاد حواجز واسلاكاً شائكة وذلك بتحاشي التقاء النظرات والصمت والاطراق لاسفل أو النظر لأعلى واذا زاد الازدحام قد نضطر لعقد اليدين فوق الصدر او إحتضان الحقائب لصنع الحواجز
في قصة يعقوب ومقابلته لأخيه عيسوا وشعوره بالخطر تجده وضع من هو أقرب لقلبه بمسافة بعيدة عن الخطر عن الذين يحتلوا الدائرة الثانية والثالثة " وَوَضَعَ الْجَارِيَتَيْنِ وَأَوْلاَدَهُمَا أَوَّلاً، وَلَيْئَةَ وَأَوْلاَدَهَا وَرَاءَهُمْ، وَرَاحِيلَ وَيُوسُفَ أَخِيرًا ) تك ٣٣ : ٢ ( أما هو فتقدم أمامهم لينال عطف اخيه والسماح له بالدخول في الدائرة الأولي " وَأَمَّا هُوَ فَاجْتَازَهُمْ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ حَتَّى اقْتَرَبَ إِلَى أَخِيهِ) تك ٣٣ : ٣ ( وبالفعل نجح يعقوب ودخل لدائرة إخيه في المستوي الحميمي " فَرَكَضَ عِيسُو لِلِقَائِهِ وَعَانَقَهُ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ، وَبَكَيَا " تك ٣٣ : ٤ ( فالدوائر الثلاثة لكل دائرة لها أوقاتها ولها المبادئ والقيم التي تقود اليه .
يستخدم الناس هذه الدائرة ببساطة عندما يكون أحد الشخصين في درجة اجتماعية أو وظيفية أعلى بكثير من الآخر أما عندما يقترب الاقل من الاعلى فانه يحرص على ألا يتعدى حدود هذه الدائرة ولايدخل في المنطقة الشخصية والعكس صحيح فالأعلى قد يدخل إلى منطقة الصداقة للأقل منه في درجة علوه مثال على ذلك : عندما يعطي الجندي التمام لضابط في رتبة أعلى نجده يحافظ على مسافة ولا يتخطاها وإلا سيعاقب ، أو بمعني أخر تجده حريص علي عدم تخطي الحدود التي يجب أن يقف عندها ، فالحرص علي وجود المسافات بين جميع الأطراف تعتبر الميزة الظاهر في هذه الدائرة
للحرص حد :
الحرص صفة نفسانية قد يكون ايجابيا أو سلبيا ، إذا صار الحِرص من اجل هدف إمور الدُّنيا وتحصيل المال والثروة والملذّات دون الإهتمام بما هو روحي صار سلبيا أمّا إذا وقع في طريق الخير، كالحِرص على العلم والمودة الأخوية ومحبة الأخرين وخدمتهم فإنّه يكون ايجابيا .
في هذه الدائرة كل فرد مستقل بذاته ، ولا يريد تدخل أحد بأي صورة من الصور ، فمن بجوارك لا تعرفه ، فهو زميل الطريق لحين وصوله لمحطة الوصول ، فهو لا يعنيه من تكون وما هي اولوياتك او مشاكلك ، ولا يهتم بما يؤرقك ، مع العلم بأنك إن تدخلت في ما يخصه دون دعوة منه فيصير هذا خرق للحدود ، فكل من في هذه الدائرة يضع حدودا جسدية وفكرية ولا يسعده تدخلك المفاجيئ دون إذن بالمحادثة أو الخوار ، هذا علي عكس الرب في علاقته بنا أو علاقتنا به ، فهو ليس زميل الطريق أو زميل الدراسة بل هو رفيق الحياة بجملتها ، فهو الرب خالقك الذي يسعده التواصل معه لأنه يسير معك في الطريق وفي كل الحياة .
الرب في العهد القديم كان حريصا علي أن يكون للشعب أبعاد روحية وحدودا يقف عندها في تعاملاتهم معه " أَوْصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: قُرْبَانِي، طَعَامِي مَعَ وَقَائِدِي رَائِحَةُ سَرُورِي، تَحْرِصُونَ أَنْ تُقَرِّبُوهُ لِي فِي وَقْتِهِ. ( العدد ٢٨: ٢ ( فالحرص في التعامل أمرا مهما جدا في صنع الحدود بين أي طرف من الأطراف سواء كانت روحية أو جسدية ، ففي العلاقات يجب أن ندرك أننا نتعامل مع عالم له قوانينه وانظمته وتقاليده ، فإن لم نحرص علي إحترامها فنكون حسب العُرف تخطينا الحدود ، فالمعرفة تزيد الانسان فهما وحرصا وكرامة وتجعله مقبول من الغير " ذُو الْمَعْرِفَةِ يُبْقِي كَلاَمَهُ، وَذُو الْفَهْمِ وَقُورُ الرُّوحِ " ( الامثال ١٧ : ٢٧( فبدون البحث والدراسة يصير الإنسان علي هامش العلاقات ( يبقي علي الحدود ) فبمقدار عمق المعرفة وحفظ الوصايا بمقدار التواصل العميق " كُلُّ الْكَلاَمِ الَّذِي أُوصِيكُمْ بِهِ احْرِصُوا لِتَعْمَلُوهُ. لاَ تَزِدْ عَلَيْهِ وَلاَ تُنَقِّصْ مِنْهُ. " ( التثنية ١٢ : ٣٢ ( هذا لأن الله يريد مؤمنين يدخلون معه في تواصل حميم كما كان يوحنا الحبيب ، أو بطرس ويعقوب ويوحنا .
ففي العلاقات التي من المستوي الثالث ، علاقات الجيرة والزمالة او القرابة عن بعد ، يضع الرب في العهد القديم حدودا لمن يقتل جاره سهوا دون أن يقصد وصار ت مطالبة دم ،اوصي الرب بعمل مدن تسمي مدن الملجأ فيلجأ القاتل داخلها ، فلا يُسفك دمه لانه دخل في داخل مدن الملجأ " وَلكِنْ إِنْ خَرَجَ الْقَاتِلُ مِنْ حُدُودِ مَدِينَةِ مَلْجَئِهِ الَّتِي هَرَب َإِلَيْهَا ، وَجَدَهُ وَلِيُّ الدَّمِ خَارِجَ حُدُودِ مَدِينَةِ مَلْجَئِهِ، وَقَتَلَ وَلِيُّ الدَّمِ الْقَاتِلَ، فَلَيْسَ لَهُ دَمٌ، ( العدد ٣٥ : ٢٧ ) فنجاة القاتل دون عمدٍ له فرصة للنجاة داخل حدود مدن الملجأ ، وفي حالة خروجه ووجده ولي الدم وقتله فلا يُطلب دمه لانه خرج خارج الحدود فالحرص الشديد مطلوب في حالة العلاقات المكسورة ، ففي الحرص نجاة من الموت فلا يوجد خروج من مدن الملجأ الا في حالة الغفران من الطرف الأخر ، فالعلاقات المكسورة لا يمكن استعاداتها إلا من خلال الغفران والصلح وعودة المحبة مرة اخري لعلاقات الجيرة او الزمالة.
في العلاقات مع الأقرباء لا يجب أن يكون الإنسان كثير التواجد لزيارة الأقرباء كي لا تنال نصيب من البغضة " اِجْعَلْ رِجْلَكَ عَزِيزَةً فِي بَيْتِ قَرِيبِكَ، لِئَلاَّ يَمَلَّ مِنْكَ فَيُبْغِضَكَ. ( الامثال ٢٥:١٧ ) فليكن لك حدود من الوقت والمسافات كي تكون عزيزا ومحبوبا ومطلوبا ، فالتطفل علي الأخرين بالتواجد الكثير دون أن تكون مطلوبا او مدعواً يجعلك تصنع انزعاجاً ولا تكون هادئاً " وَأَنْ تَحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ، وَتُمَارِسُوا أُمُورَكُمُ الْخَاصَّةَ، وَتَشْتَغِلُوا بِأَيْدِيكُمْ أَنْتُمْ كَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ " ( تسالونيكى الاولى ٤:١١ )
حدود الطبع والتعامل مع الغضب :
طبع الانسان مرتبط بمعطيات المجتمع من البداية وهو جنين الي أخر يوم في حياته ، فقد تكون الام اجتازت في ظروف مؤلمة جعلتها عصبية او مكتئبة أو إثناء الطفولة وجد الطفل في بيئة صوتها عالً أو أباء مستوي تعاملاتهم يتسم بالأنانية ومحبة النفس ، وبالتالي تجد طباع الشخص بحسب معطيات مجتمعه وبيئته ، فهو من خلال طباعه يرد علي اسئلة مجتمعه بالطريقة التي تعطي الإحساس بالأمان ، فقد يكسب الأخرين من خلال طباعه وقد يخسر الجميع .
الإنسان ذو الطبع العاطفي الهادي ، وجد في بيئة متحابة ومتأنسة ، وكل فرد له استطاعة أن يضحي ويقدم الغالي للأخر ، أما صاحب الطبع العصبي الغضوب فقد يكون وجد في جو من الأصوات العالية أو له بعض الأفكار الغير سوية التي يجب أن يُقَوّم ويُعدل فيها ، او قد يكون مر بتجربة افقدته الامان ، فتجده عصبي ويعامل الأخرين بحرص وبحساب ويحلل كل التصرفات الصادرة من الأخرين نحوه .
هل يمكن تغير الطباع ، بكل تأكيد نعم ، فإن تغيرت الاحداث والأماكن والأجواء تغيرت الطبائع ، فيوجد فرق بين الطبع والتطبع ، فالطباع تتكون من مبادئ تأصلت داخل النفس وصارت لها أوقات وسنين ، أما التطبع فهو تغيير الشكل مع تغيير الاحداث ، وعندما تعود الاحداث مرة اخري تجده تصرف تلقائياً بحسب طباعه المتأصلة داخله ، ولتغيير الطباع يجب علي الشخص أن يقترب لمبادئ كلمة الله ويصلي للرب كثيراً ويبتعد عن كل شر وشبه شر " الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا، ) أف ٢ :٣ ) ولكن بالإيمان بالله يتغير الشخص ومع مرور الوقت ستجد الإنسان قد تأصل فيه المبادئ الالهية ، لانه بإيمانه بالرب اخذ طبيعة جديدة بطباع جديدة حلت محل الطباع القديمة " اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ " ( 2بط ١ : ٤) فالطبيعة الالهية ينالها المؤمن فيتغير لأنه صار شريك الروح القدس" لأَنَّ الَّذِينَ اسْتُنِيرُوا مَرَّةً، وَذَاقُوا الْمَوْهِبَةَ السَّمَاوِيَّةَ وَصَارُوا شُرَكَاءَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، ) عب ٦ : ٤ ) فلا تستمع لأقوال العالم بأن طباع الإنسان لا يمكن أن تتغير ، هذا لأن العالم لا يعرف الله ولا يعرف الطبيعة الجديدة التي ينالها الإنسان بإيمانه بالرب وبعمل المسيح الفدائي " لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لَيْسَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الْخَلِيقَةُ الْجَدِيدَةُ. ( غل ٦ : ١٥) فما عليك إلا أن تتحد بالرب وتدخل في الدائرةالحميمة التي للرب فتتمتع بطبيعة جديدة هادئة وبطباع مختلفة عن طباع قديمة في انساننا العتيق ، فالإنسان العتيق قد صلب مع الاهواء والشهوات " عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ، كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّةِ " ( رو ٦ : ٦ ( فالطباع القديمة تقوظ الإنسان لما لا يريد فعله ، لذلك في المسيح لنا الطباع الجديدة القادرة أن تهزب النفس والجسد أيضا " إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا ( 2كو ٥ : ١٧ ( فالسؤال : هل انت في المسيح أم خارجه ؟ فإن كنت خارجه فلا تشتكي ، بل اذهب لاحضان الرب واقبله مخلص شخصي وادرس كلمة الله التي قادرة علي تغيير حياتك بجملتها فتختبر ارادة الله في حياتك " وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ ( رو ١٢ : ٢ ) من هنا يستطيع الإنسان أن يتعامل مع كل ما هو من معطيات العالم كالخطية والعادات السيئة والتصرفات السلبية والغضب .
التعامل مع الغضب بالطبيعة الجديدة :
الغضب هو إنفعال نفسي له تأثير جسدي فهو يعمل علي زيادة في معدل ضربات القلب وضغط الدم، ومستويات الادرينالين والنورادرينالين ، لذلك يعلمنا الرب في كلمته " كُفَّ عَنِ الْغَضَبِ، وَاتْرُكِ السَّخَطَ، وَلاَ تَغَرْ لِفِعْلِ الشَّرِّ، " ( المزامير ٣٧ : ٨( فالغضب الغير حميد لا يريده الرب لأنه دائرة الأغبياء ، فمن يبطئ في غضبه يُدعي فهيماً "بَطِيءُ الْغَضَبِ كَثِيرُ الْفَهْمِ، وَقَصِيرُ الرُّوحِ مُعَلِّي الْحَمَقِ. ( الامثال ١٤:٢٩ ( فلا تسرع في الغضب وعندما تُسأل تقول " انا طبعي كدا " لا يوجد ما يسمي أنا طبعي كدا ، فالطبع نتيجة حاصل تحصيل ، فلن يكون الإنسان غضوباً إلا عندما ينال مقداراً من المعاملة الغير مرغوبة لدية ، أو توقع نتيجة مختلفة عن نتيجة الأحداث ، وفي هذا يقول الوحي الالهي " لأَنَّ عَصْرَ اللَّبَنِ يُخْرِجُ جُبْنًا، وَعَصْرَ الأَنْفِ يُخْرِجُ دَمًا، وَعَصْرَ الْغَضَبِ يُخْرِجُ خِصَامًا. ( الامثال ٣٠ : ٣٣ ) فمن يتبني روح الغضب يتبني أيضاً روح الخصام ، فليكن القراة للأحداث جيدة ليستطيع الإنسان أن يأخذ طريق الفهم افضل من طريق الغباء " لاَ تُسْرِعْ بِرُوحِكَ إِلَى الْغَضَبِ، لأَنَّ الْغَضَبَ يَسْتَقِرُّ فِي حِضْنِ الْجُهَّالِ. ( الجامعة ٧ : ٩ ( لذلك يعلمنا الرسول بولس أن الغضب خطية كخطية الخبث والكلام الفبيح فمن يكون غضوب دون قرأة جيدة للأحداث فهو يفعل شرا لا يريده الرب " وَأَمَّا الآنَ فَاطْرَحُوا عَنْكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا الْكُلَّ: الْغَضَبَ، السَّخَطَ، الْخُبْثَ، التَّجْدِيفَ، الْكَلاَمَ الْقَبِيحَ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ. ( كولوسى ٣ : ٨ ) فالغضب يقود للدمار وتكسير الأشياء الي أخر النتائج المرتبطة بالغضب ، لذلك يقول الرسول يعقوب " إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ، ( يعقوب ١ : ١٩ ) فيصير حكيما ً
مكتوب عن الله أنه بطئ الغضب " فَاجْتَازَ الرَّبُّ قُدَّامَهُ، وَنَادَى الرَّبُّ: "الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. ) الخروج ٣٤ : ٦ ( لماذا ؟ لان الله يتعامل بتقديم الخير فقط مرة وإثنين و١٠٠ واكثر من هذا ، ولكن عندما يجد الإنسان استجابته لعطاء الله منعدمة ، بل بتلعكس ، يري الإنسان متمسك بالعناد وبالشر وبالخطية ، فبعد الإنظار كثيراً يبدأ الله في الغضب ، فالغضب ليس الطريق الأساسي لدي الله ، لان الغضب الالهي قانوني ( مرتبط بالقضاء الالهي ) أي أنه حُكم قضائي وليس رد فعل عن أحداث .
العدل وحدود الحرية :
الحدود يتمركز حول مركازان اساسيان وهما العدل والحرية ، فالعدل هو اساس كل الحدود وضابطه ، والحرية ليست مطلقة فالذي يحكمها هو العدل الكامن بقوانينه داخل الإنسان ، فالذي يضبط الإنسان ويجعله يحترم الأخر هذا القانون " وَكَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ هكَذَا ( لو ٦ : ٣١) فالحرية موجودة ولكنها مشروطة ومحكومة باحترام الأخر وعدم التدخل بدون إذن فأنا لي حرية أن أفعل ما أشاء ولكن ليس لي أن اتعدي الحدود الخاصة لي ولغيري ، لأنها متمركزة في ثلاث محاور مهمة وهما :
** الحدود الجسدية
** الحدود النفسية
** الحدود الروحية
الحدود الجسدية : تكلمنا عنها في الثلاث دوائر أو المسافات الثلاثة وهما :
** الدائرة الأولى : تسمي المنطقة الحميمة
** الدائرة الثانية : اطار الصداقة والزمالة
** الدائرة الثالثة : تسمي المنطقة العامة
بكل تأكيد لن اتطرق اليهم مرة ثانية ولكن أضيف شيئاً مهما وهو أن ابعاد وحدود جسدي يصنع واقع لابد ادراكه ، فإن لم احترمه يصير قوة مدمرة قد تصل للموت فمن العدل أن أعرف القوانين الخاصة بي وبعض مناطق القوة والضعف لأستطيع التعامل مع جسدي ، فمثلاً : الجسد المريض بالسكر يجب أن يدرك صاحبه ابعاد هذا الأمر ويتعامل بحرفنة وادراك ليستطيع ان يكون سالماً ، فالإهمال قد يؤدي لمشاكل كبيرة نحن في غني عنها ، هكذا ايضا في تعاملنا مع الاخرين ، فلكل أخر جسد يجب أن يُحترم أبعاده ولا يتخطي أحد الحدود سواء بالنظرات أو اللمسات أو استغلال الأخر ليفعل شيئا يصعب عليه فعله ، بل يجب أن يحترم الاخر بحسب المبادئ الاجتماعية والدينية ، فكسر الحدود تحت بند الحرية يصير هذا درب من دروب الظلم والابتعاد عن العدل أو المنطق العام سواء كان دينياً أو إجتماعياً .
الحدود النفسية : هي من اصعب الدوائر التي يحتاج أن يسعي الإنسان ليأخذ فيها دراسة ليستطيع أن يتعامل مع نفسه ومع الأخرين أيضاً ، لأن ما نصنعه مع الأخرين في البُعد الجسدي أو من خلال الحواس الخمسة ، يُسجل في اللاوعي ( العقل الباطن ) ويؤثر علي الأخر ويتحول داخله لتصرفات كرد فعل قد تدمره او تدمر مجتمعه بحسب مستوي وحدود علاقاته ، فالتربية النفسية والاهتمام بدوائر النفس وترجمة الأحداث لخدمة النفس لتصير سوية أمر في غايةالأهمية ، فقد يكون الشخص بسبب الذل او العبودية يتحول من إنسان سوي إلي إنيان يمتليئ بصغر النفس " فَكَلَّمَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ هكَذَا، وَلكِنْ لَمْ يَسْمَعُوا لِمُوسَى مِنْ صِغَرِ النَّفْسِ، وَمِنَ الْعُبُودِيَّةِ الْقَاسِيَةِ) خر ٦ : 9 ) فكل من يشعر بمشاعر سلبية يجب أن يرفض هذه المشاعر ويسعي لمشير قادر أن يساعده في العبور من هذه المرحلة ، فالمشاكل النفسية تعوق المؤمن للوصول للاهداف الالهية ، فكل الشعب الذي قظ اصيب بصغر النفس لم يدخل أرض الموعد إلا إثنان يشوع وكالب اللذان تحليا بالشجاعة والإيمان وقالوا : " لكِنْ كَالِبُ أَنْصَتَ الشَّعْبَ إِلَى مُوسَى وَقَالَ: "إِنَّنَا نَصْعَدُ وَنَمْتَلِكُهَا لأَنَّنَا قَادِرُونَ عَلَيْهَا " ( عد ١٣ : ٣٠ ( وبالفعل امتلكوا الأرض ودخل الشعب الواثق ، أما من قد اصيب بصغر النفس ماتوا في البرية " ( فَنَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا لِعَدَمِ الإِيمَان " ( عب ٣ : ١٩ (
الحدود الروحية : توجد جوانب روحية في الحياة يجب أن تُدرك وتفهم ، كسر للحدود ، ويفتح ثغرة روحية ليدخل ابليس ويدمر البركة من حياتنا ، فالجانب الروحي له قوانينه العادلة ، كالعطاء والعشور ومسئوليتك تجاه عمل الرب وامتداد ملكوت الرب ، فلسبب المشغولية وغلاء المعيشة صار إهمال كثير في هذه الإمور ، لذلك بدافع من الرب اكتب هذا وليس لي اي غرض أكثر من إنه تعليم مهم للغاية فكنيستك لها حق عندك وخادمك وكل من تعرف أنه خدمة الرب إن سلكت نحوهم بدافع من الروح القدس فقد فعلت ما يريده الرب ، وإن أهملت هذا فأنت قد اخرقت الحدود التي يجب أن تحافظ عليها .
قد يخدمك أحد في أمر روحي ، فمن العدل ايضاً أن تخدمه في دائرة الجسديات أو الماديات " ...لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الأُمَمُ قَدِ اشْتَرَكُوا فِي رُوحِيَّاتِهِمْ، يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْدِمُوهُمْ فِي الْجَسَدِيَّاتِ أَيْضًا " ( 1كو ٩ : ٢٧ ( فليس من الطبيعي أن تكون سلبياً تجاه من يخدمك روحياً سواء كانت كنيستك او قسيسك ، فانت مديون للرب من خلالهم ، فهذه أبعاد يجب أن تدرك ، وهذا يجب أن يكون بروح المحبة والتقدير " وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئًا ( 1كو ١٣ :٣ ( فعدم الإهتمام بهذا يجعل المؤمن سلبياً وغير روحياً ، فالخادم لن يطلب ، لأنه إن طلب يصير قد تعدي الحدود ، والمخدوم إن لم يُعطي فقد كسر القانون الروحي وخرج خارج دائرة العدل ، لان القانون السماوي العادل يجب ان يُحترم الذي هو " هكَذَا أَيْضًا أَمَرَ الرَّبُّ: أَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَ بِالإِنْجِيلِ، مِنَ الإِنْجِيلِ يَعِيشُونَ " ( 1كو ٩ : ١٤ ( هذا تعليم يجب ان يُدرك ويُفهم ويُعلم به ، هيا إبدأ بفعل هذا تجاه كنيستك وقسيسك أو من تشعر تجاهه بمسئولية روحية من خلال هذا الجانب فتكون قد دخلت في دائرة العدل الالهي لأنك إحترمت القوانين الالهية ، لا تنظر لقسيس كنيستك بقياس حالته المادية الحالية ، فقد يكون غني أو مقتدر مادياً ، فتمتنع عن عطاءه فتكون قد كسرت الجانب الروحي في العطاء.
حكي لي أحد الخدام المقتدرين مادياً ، أنه ذهب يوماً لخدمة في بلدٍ ما ، ولم يكرمه أحد لأنهم يعلمون أنه غني ، لكنه في هذا الوقت كان قد فقد حافظة نقوده ، فوقف بجانب الطريق يصلي للرب ، فكيف سيصل بيته ؟ فجاءت اليه إمرأة عجوز تمشي بخطوات سريعة نوعا ما وتلوح بيدها له ، فإقترب اليها فاعطته مبلغ من المال قائلة له : كنت مترددة أن أعطي لك لعلمي بأنك لست محتاجاً للقليل الذي بين يدي ، ولكن الرب وبخني قائلاً لي : هذا خادمي وليس لك ان تمنعي بركتي عنه ، فلا تنظرين لواقع تعرفينه ، إذهبي الأن وقدمي له ما تثقل قلبك به ، لأنك عندما تُعطي فأنتي تعطي لإمتداد كلمتي وانتشارها من خلاله ، وبالفعل فعلت .
احبائي هذا تعليم يجب أن يُدرك ويفهم ليكون سبب بركة لعمل الله فقد ترددت في كتابة هذه السطور ، ولكن الرب وبخني ايضاً لأن هذا تعليم يجب أن يفهم ويدرك ، فالإهتمام بالأخر في الجوانب الروحية والنفسية والجسدية مهم أيضاً ، فلا تُهمل هذا وإحترم هذا في نفسك وفي الأخرين أيضاً فتنال بركة من الله ليست بقليلة ، فهو اله المجد والكرامة .

تعليقات
إرسال تعليق