الاستقلال النفسي



_________________________

 الاستقلال النفسي

بقلم القس عماد عبد المسيح

أحياناً كثيرة يرتبط الإنسان بأشياء أو أشخاص ويكون الارتباط شديداً ومتعلقا وجدانياً ونفسياً بهم كما في قصة يوسف فقد ارتبطت نفسيته بوالديه وبقميصه الملون وبإخوته وبأحلامه ، كان يشعر بقيمته وسطهم ولذلك لم يتخيل يوماً أن أحلامه لن تتحقق أو إخوته يوما سيقتلونه أو يبيعوه عبداً فهي تخيلات لا وجود لها عنده اطلاقاً أو أنه يوما سيسلب وسيُنزع منه قميصه ، كل هذه المخاوف لم تكن واردة في مخيلات يوسف ولم تكن له فيها رواسب نفسية لذلك لنا في قصة يوسف درساً رائعا حول الإستقلالية النفسية ومعناها وكيف نعيشها .

قصة يوسف 

يوسف اسم عبري معناه [يزيد] بكر يعقوب من زوجته راحيل والحادي عشر من أولاد يعقوب الاثني عشر سمته أمه بهذا الاسم لاعتقادها بأن الله سيرزقها ابنا آخر  " وَذَكَرَ اللهُ رَاحِيلَ، وَسَمِعَ لَهَا اللهُ وَفَتَحَ رَحِمَهَا،‏ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتِ ابْنًا فَقَالَتْ: "قَدْ نَزَعَ اللهُ عَارِي".‏ وَدَعَتِ اسْمَهُ "يُوسُفَ" قَائِلَةً: "يَزِيدُنِي الرَّبُّ ابْنًا آخَرَ".‏(تك٣٠: ٢٢-٢٤  ( حياة يوسف لها بداية رائعة بداية مميزة من الله ومن أبويه فمنذ ولادته وهو محبوب من الأم ومن الأب ، وإن كانت المحبة بَركة فهي أيضاً يمكن أن تكون نقمة فهو مميز دون إخوته فقد أهداه أبوه قميصاً ملوناً وهو في سن السابعة عشر الأمر الذي لم يحدث مع باقي إخوته ، وأيضا كان يوسف مميزاً من الله لأن أحلامه تعلن انه سيكون عظيماً وسيسجد له بنو أمه " وَحَلُمَ يُوسُفُ حُلْمًا وَأَخْبَرَ إِخْوَتَهُ، فَازْدَادُوا أَيْضًا بُغْضًا لَهُ .... قَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ: "أَلَعَلَّكَ تَمْلِكُ عَلَيْنَا مُلْكًا أَمْ تَتَسَلَّطُ عَلَيْنَا تَسَلُّطًا؟" وَازْدَادُوا أَيْضًا بُغْضًا لَهُ مِنْ أَجْلِ أَحْلاَمِهِ وَمِنْ أَجْلِ كَلاَمِهِ... " (التكوين ٣٧ : ٥ - ٢٤  ( وبعد  أن سرد حلماً آخر" فَانْتَهَرَهُ أَبُوهُ " ولكن أبوه حفظ الأمر داخله ثم أرسله يوما ليفتقد سلامة إخوته وسلامة الغنم "  فَلَمَّا أَبْصَرُوهُ مِنْ بَعِيدٍ، قَبْلَمَا اقْتَرَبَ إِلَيْهِمِ، احْتَالُوا لَهُ لِيُمِيتُوهُ.‏ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: " هُوَذَا هذَا صَاحِبُ الأَحْلاَمِ قَادِمٌ.‏فَالآنَ هَلُمَّ نَقْتُلْهُ وَنَطْرَحْهُ فِي إِحْدَى الآبَارِ وَنَقُولُ: وَحْشٌ رَدِيءٌ أَكَلَهُ. فَنَرَى مَاذَا تَكُونُ أَحْلاَمُهُ " 

رأوبين أنقذه من أيديهم ، فخلعوا عن يوسف قميصه الملون الَّذِي عَلَيْهِ،‏ وَأَخَذُوهُ وَطَرَحُوهُ فِي الْبِئْرِ. وَأَمَّا الْبِئْرُ فَكَانَتْ فَارِغَةً لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ ، ثم باعوه إلى قافلة إسماعيلية كانت في طريقها إلى مصر الذين أهدوه إلى فوطيفار قائد حرس فرعون ، فظهرت مقدرة العبد الشاب فوكله فوطيفار على كل بيته ولكن عندما اتهمته امرأة فوطيفار ظلما ألقي في السجن سنوات وهناك أكتسب ثقة السجان فوكله على جميع المسجونين. وقد منحه الله قدرة على تفسير أحلام رئيس السقاة ورئيس الخبازين عند فرعوناً. وقد كانا في السجن. وتحقق تفسيره لأحلامهما، وبعد سنتين حلم فرعون حلمين ولم يتمكن أحد من تفسيرهما ثم رئيس سقاة فرعون الذي أعيد إلى وظيفته تذكر يوسف وأخبر الملك عما حدث له في السجن فأحضر يوسف وفسر حلمي فرعون (تك٤١ : ٩ - ١٣ و٢٥ – ٣٦ ) فأصبح يوسف في وظيفته هذه من الرؤساء في الدولة وثانياً في الرتبة بعد فرعون (تك٤١: ٣٩-٤٤). وكان يوسف حينئذ في الثلاثين من عمره (تك٤١: ٤٦). وقد هذبته التجارب وصقلته الآلام لمدة ثلاثة عشر عاما وقد أعطاه فرعون أسنات زوجة وكانت أسنات من أسرة كهنوتية  في "أون" أو "عين شمس" وذهب أخوة يوسف إلى مصر لشراء حنطة ولم يعرفوا يوسف أما هو فعرفهم وبعد أن خضعوا له تحققت أحلامه التي جرت عليه متاعب كثيرة في بادئ الأمر، فالاستقلالية هي التي تمنح العزة والكرامة للإنسان، ويستطيع تجديد حياته دائمًا

تعريف الاستقلالية : تُعد الاستقلالية من السمات الرئيسة في شخصية الفرد لأنها تشكل مجموعة من الصفات الخلاقة كالشجاعة والأقدام والجراءة والصبر والمجازفة , إذ أن الاستقلالية تُعد قيمة اجتماعية عليا يشجع عليها المجتمع ويحاولون تنميتها وقد لاقى مفهوم الاستقلالية اهتمام العلوم الاجتماعية لأنه أحد قيمه العليا واهتمام السياسيين ، لأنه يمثل قوة الفكر في مواجهة الأفكار المضادة والتبعية ، فأي شخص أو عمل أو مؤسسة لا تحمل في كيانها الاستقلالية يصير الشخص عبدا لا حرا لآن الاستقلالية تعطي الحرية الكاملة وتجعل الإنسان أو المؤسسة قادرة عن التعبير عن ذاتها . 

الاستقلالية في قاموس المعاني: اسم مؤنَّث منسوب إلى استقلال : " انتشرت الحركات الاستقلاليّة في القرن العشرين ".  هي مصدر صناعيّ من استقلال:  حقّ فرد أو جهاز أو جماعة في تنظيم شئونها الداخليّة بحرِّيَّة مطلقة دون التأثُّر بعامل خارجيّ “ تمّ ترسيخ مبدأ استقلاليّة القضاء / الجامعات ".  ، وهي حال بلدة تفرّدت بحكم نفسها ولكن ليست لها السّيادة الكاملة على الأرض "نال حزب الله استقلالية كبيرة في الجنوب اللبنانيّ وما حدث في جمهورية الشِّيشان استقلاليّة وليس استقلالاً" وهي نزعة رامية إلى الانعتاق السياسيّ والاقتصاديّ " حاولت بعض الدول دعم النزعة الاستقلاليّة في تايوان ". وهي  تمركُز حول الذات وعزلة ونفور من الآخر "  بعد حرب الخليج الثانية اتَّجهت الدول العربيّة إلى الاستقلاليّة والانعزاليّة  " .

 الشخصية الاعتمادية

الاستقلالية النفسية هي دائما عكس ما يعرف بالشخصية الاعتمادية التي تميل إلى الاعتماد على الآخرين للحصول على ما تريد سواء كان ذلك شعوريًا أو لا شعوريًا ودائما الشخصية الاعتمادية تتجه في اعتمادها علي الآخرين لاشعورياً فهي غير عابئة بأي مسئولية تقع على كاهلها شعوريًا أو تنفيذيًا. 

الشخصية الاعتمادية تغلق أبواب التربية الذاتية تجاهها فلا تريد أن تتقدم إلي ما هو جديد دون أن تُدفع من الآخرين فالشخصيات الغير مستقلة تبحث عن القوة في الآخرين ودائمًا تستجدى العواطف بالمذلة والهوان لضعفها واعتمادها على مِنح الآخرين حتى في العواطف فهي تخاف من الحرية حينما تُمنح لها لأنها لم تتعود على أن تكون صاحبة قرارها فقرارها دائمًا بيد غيرها مثلها مثل الأطفال لآن الأطفال اعتماديين لأبعد درجة فكلما تحررت الشخصية من كل صور الاعتماد على الغير والتبعية له أصبحت مستقلة لأنها هنا هي التي تؤثر في غيرها 


كان يوسف في بداية حياته شخصية اعتمادية لأنه عندما كان طفلاً كان اعتمادياً ولم ينفصل عن أبوه يعقوب لأنه ابن الغالية ( راحيل ) التي ماتت في مولودها الثاني ، فاستمر يوسف اعتمادياً ومرتبطاً بكل ما تمتلك يده ولا سيما أنه فقد حنان الأم فكان التعويض مضاعف من الأب  ، عندما أهداه أبوه القميص الملون صار بالنسبة له قيمة لأنه يصير مختلف عن غيره ، فالقميص الملون إشارة إلي المكانة الاجتماعية والقيمة الذاتية بين طبقات المجتمع التي تعيش حوله ، القميص في حد ذاته قيمة ارتبطت نفسه بها ولأنه بدون خبرة حياتية لم يدرك أن هذا الإرتباط يوما سيكون سبب شقاء نفسي وآلام نفسية .

 يشير " أيزنك H.J.Eysenck " في كتابه " أبعاد الشخصية 1947 " أن للشخصية أربعة قطاعات رئيسية : القطاع المعرفي ( الذكاء  ) ـ  والقطاع النزوعي ( الخلق  ) ـ  والقطاع الوجداني ( المزاج  ) ـ  والقطاع البدني ( التكوين  ) كل هذه القطاعات يجب أن تنموا داخل الإنسان ويتفاعل معها فلا يجوز أن القطاع البدني ينموا ويصير القطاع المعرفي كما هو ، فكما ينمو البدن لابد أن ينموا القطاع المعرفي وهكذا القطاع النزوعي الذي يعطي للإنسان المقدرة علي الابتكار والقطاع الوجداني الذي يمتلك المشاعر والأحاسيس فيمكنه أن يجعل الإنسان فرحا أو مكتئباً فلابد من نمو جميع القطاعات معاً ، فالقطاع المعرفي هو المسئول عن مستوي الذكاء والخبرة وهكذا يوسف كان قطاع البدن حسب سنه السابع عشر قطاع جيد ، والقطاع النزوعي تم تركيزه في الأحلام والأمنيات ، واستخدمه الله ليُعده نفسياً وذهنياً ليكون رجلا عظيما ، لكنه لم يدرك هذا ، لأن القطاع المعرفي كان بسيطاً وبالتالي عندما واجه الحقد والغيرة من إخوته كان رد فعل القطاع الوجداني بكل تأكيد مشاعر خوف وحزن وانزعاج، فقد واجه الموت، لم يجد قطاع الوجدان إجابة لدي القطاع المعرفي علي السؤال : لماذا كل هذا ؟ ولماذا يحدث معي كل هذا ؟ بكل تأكيد ابتدأ يصرخ بكلمات داخل البئر قائلاً : " أنا أخوكم! " لكن ليس من مجيب ، وعندما أخرجوه من البئر جاءته الصاعقة الكبرى " بيع عبداً " حقيقةً مأساة بعد أن كان ابناً حرا يرتدي القميص الملون صار بلا قميص أي بلا مكانة اجتماعية وبيع عبداً أي صار بلا قيمة أو هدف فلم يعد حرا فقد أبوه خسر إخوته فقد نفسه .

لم يتعلم أن يستقل نفسياَ عن الأشخاص والأشياء لم يتعلم كيف يسير بين إخوته ومع أبوه ويكون كيانا مستقلاً لا ينفصل عنهم بدنياً ولا معرفيا ولا نزوعياً بل يستقل عنهم وجدانياً أي لا يرتبط بهم عاطفيا ، فلا ينتظر منهم التقدير والحب والإهتمام ، كان يعيش طبيعياً مثل كل البشر العاديين فعندما واجه الكراهية وعدم المحبة والحقد والقسوة كانت علي نفسيته قاسية للغاية . 

الإستقلالية النفسية :  الاستقلالية النفسية مرتكزة عليها ثلاث نقاط أساسيه هما: 

( الأنا الأعلي Super Ego ) سوبر إيجو  ـ   ( الهو ld ) أي دي  ـ   ( الأنا Ego ) إيجو الشرح القادم يحدث داخل العقل الباطن لكل إنسان ، لذلك يجب التركيز وقرأته أكثر من مرة للإستيعاب . 

( الأنا الاعلي   Super Ego)  هي اسميَّ سمات الشخصية ، فيها يستطيع الإنسان أن يكون متزن بين " الأنا " و " ألهو " وهنا قمة الاستقلالية ، ( الأنا Ego  ) تريد أن تتلذذ بـ " ألهو " دون النظر لمتطلباته  ، وتريد أن تكون في كامل الأنانية ،  ( ألهو  Id  ) يمكن أن يكون الشخص الآخر ( الأخ ، الأب ، الصديق ، الابن ، ......  ) ويمكن أن يكون الماضي الخاص به ويمكن أيضا أن تكون الأشياء والممتلكات الخاصة به ، عندما يريد  ( الأناEgo   ) أن تتلذذ بالآخر وليكن الابن " ( ألهو Id  ) دون النظر لاحتياجاته ، يكون الصراع بين  ( الأنا  Ego ) والـ ( ألهو  id ) لإثبات الوجود فتصير العلاقة مضطربة ، أيضاً عندما يريد الماضي ( ألهو  Id  ) العودة ليسيطر علي  ( الأناEgo   ) وعلي الأنا الأعلى ( Super Ego  ) يكون الصراع شديدا للاستقلالية  

لنطبق هذا علي يوسف لنري كيف كان ( الأنا ـ وألهو ـ والانا الاعلي )  يعملان وكيف استقل نفسيا واستطاع أن يتغلب علي الماضي. ( الهو ـ id ) عندما كان يوسف في بيت أبيه كانت  ( الأنا Ego  ) لها وجودها فقد كان يشعر بالأمان في ظل وجود الأب والإمكانيات والأحلام فقد كانت ( الأنا Ego  ) تتلذذ بالآخرين ألهو Id   دون أن تنظر لاحتياجاتهم العاطفية والنفسية ، فعندما حلم حلماً ذهب مسرعا لإخوته وأبيه ليحكي لهم حلمه لأن ( الأنا ) تريد أن تتلذذ بـ فرحتهم له ، فالحلم ( ألهوId   ) أعطي لذة للـ ( الأنا Ego  ) ولكنه لم يتمتع باللذة لأنه سمع ما لا يرضيه من إخوته ومن أبيه ، أيضاً عندما كان يرتدي القميص الملون ( ألهو Id ) كانت ( الأنا Ego  ) تتلذذ لسبب الجمال أو( الشياكة ) التي كانت تشعر بها ، فعندما أخذ منه مصدر اللذة ( القميص الملون ) كانت النتيجة آلاماً مبرحة داخل النفس والأكثر من هذا كله أن ( الأنا Ego  ) مع ( الأنا الاعلي Super Ego  ) التي لم تستقل بعد اُلقوا في بئر مظلم وبيع عبدا ، يا لها من آلام نفسية قاسيه اجتاز فيها يوسف اختبرت ( الأنا Ego  ) ليوسف قساوة من إخوته ما بعدها قساوة يا له من جرحٍ شفاءه صعب للغاية ، دمرت عواطفه تجاههم فمن يعالجهُ ، كما انه ارتكزت مشاعر سلبيه في اللاشعور واللاوعي  ( العقل الباطن ) هذه المشاعر كفيلة بأن تنزع سلامه الداخلي وهدوء نفسه ، دمرت ( الأنا Ego  ) وأضيف للـ ( ألهو Id" ) ماضي مؤلم وتاريخ محزن مَن يداويه ؟ فوق هذا أضيفت لحياته أزمة جديدة وهي :  

الشعور بالوحدة النفسية : 

كتبت " الجوهرة بنت عبد القادر" في بحثها  " أن الشعور بالوحدة النفسية هو شعور بالنبذ والعزلة والرفض وإحساسه بعدم كفاءته إلي جانب شعوره بعدم الثقة في نفسه وعدم تقدير الآخرين لآرائه وانعدام القدرة لديه علي الإرتباط العاطفي والاجتماعي " هذه هي حالة يوسف فقد شعر بالنبذ عندما انتهروه بسبب الحلم، وتم عزله من دائرة مجتمعه عندما نزعوا عنه القميص الملون، واختبر الشعور بالرفض عندما اُلقي داخل البئر، وفقد الثقة في نفسه لأنه بيعَ عبد، وانه بلا كفاءة لآن كفاءته لغيره. لسيده المبيع له ولأنه عبد فلن يعتد أحد بآرائه ولن يستطيع أن يرتبط عاطفياً بمن يحب لأن نفسه ليست ملكه حتى الارتباط العاطفي نحو المجتمع ليس له الحق فيه لأنه عبد ، يا له من شعور مرير اجتاز فيه يوسف  دمرت ( الأنا Ego  ) وحرم من ( ألهو Id  ) وصار في صراع نفسي ليستعيد ( الأنا الأعلى Super Ego  ) فهل يستطيع ؟ استعادة السوبر ايجو ـ الأنا الاعلي Super Ego 

الاستقلالية النفسية : 

أخذه الاسماعليين وأهدوه عبدا لفوطيفار بمصر ووكل علي كل بيت المصري ، ولأن يوسف أمين مع إلهه أعطاه الله نعمة في عين فوطيفار وترك في يده كل شئ بالبيت وصار رئيس للعبيد ، هنا ابتدأ يشعر باسترداد جزء من مكانته فالشعور بأنه رئيس للعبيد يعطي له شعور بالأمان لأنه غريب في وطن ليس وطنه وبيتاً ليس بيته ، ولأنه رئيس العبيد كان يرتدي ثياباً مختلفة عن باقي العبيد قميص مختلف للتمييز كونه رئيس عبيد وهذا يعيد علي ذاكرته قميص أبيه الملون لكنه في هذه المرة لم يرتبط عاطفيا أو نفسيا بالقميص لآن في المرة الأولي هذا الإرتباط جعل جرح في نفسيته لأنهم انتزعوا منه القميص بلا رحمة لذلك استطاع هذه المرة أن يترك القميص بكل سهولة فالمسيطر هنا ليس ( الأنا Ego  ) بل ( الأنا الاعلي Super Ego  ) هي التي سيطرت علي الموقف ، فعندما أرادت امرأة فوطيفار أن تخطئ معه استطاع بكل سهولة أن يترك لها القميص ويجري بعيدا دون أن يهتم بالعواقب ، لأنه في المرة الأولي نُزع منه القميص بدون رضاه ولكن هذه المرة استطاع بنفسه أن يترك لها القميص ، هنا ابتدأ يوسف يستقل نفسياً عن الأشخاص والأشياء فلم يرتبط بامرأة فوطيفار ولم يتمسك بالمنصب لأنه استعاد (Super Ego   ) عرف كيف يستقل نفسياً دخل السجن مستقل نفسياً ، من اجل ذلك خرج من السجن إلي الملك ولم يتمسك بمستوي منصبه فاستطاع أن يستعيد ( الأنا Ego ) و ( ألهو Id ) من خلال ( الأنا الأعلى Super Ego ) وصار مستقل نفسيا وهذا جعله قادر علي أن يسامح إخوته ويرعاهم ليوم وفاته . 

  الشخص المستقل نفسياً يستطيع أن يتعامل مع الآخرين دون أن يكون في داخله أي نوع من المواقف تجاههم ، ما يجعلنا نأخذ مواقف أننا نركز في معاملتنا علي ( الأنا Ego  ) وبالتالي لا نقبل نقد الآخرين ولا نقبل أخطائهم فنبتعد عنهم لأننا لا نأخذ ما نريده سواء كان اهتمام أو تقدير . 

توجد مشكلة في بعض المؤمنين أنه عندما ينضم احدهم إلي كنيسة ولا يجد اهتمام ينتظره تكون النتيجة قيامه بالبحث عن كنيسة أخري ، وينتقل من كنيسة إلي كنيسة ، هذا يرجع إلي أن ( الأنا Ego ) تعمل بكفاءة ، إما أن يستقل نفسياً أي انه ركز علي ( الأنا الأعلى Super Ego ) فسيعطي للآخرين اهتمام وتقدير دون أن ينتظر من الآخر ( ألهو Id ) أي تقدير أو رد الجميل وبالتالي إن كان متواجد بكنيسة سيستمر بها مهما إن تغيرت الظروف أو تغير الأشخاص . 

المستقل نفسياً قادر علي رعاية إخوته كما كان يوسف في ارض مصر ، فقد سامحهم ، واهتم برعايتهم ولم يتعامل معهم كما تعاملوا معه مع انه كان بمقدوره أن يفعل بهم كيفما يشاء ولكنه لم يفعل ذلك هذا لآن الله قد عالجه من التركيز علي ( الأنا Ego ) واستطاع أن يتعامل ويركز علي ( الأنا الأعلى Super Ego ) استطاع أن يكون شخصية مختلفة تعيش دون أن تعتمد علي الآخرين . 

الطريق الوحيد الذي لإبليس :

تفكير إبليس دائماً داخل نطاق المادة والأشياء الملموسة التي من خلالها يضغط علي البشر ليكسروا مبادئهم الحميدة أو يكسروا مبادئ الله في حياتهم ، هذا هو الطريق الوحيد الذي يستخدمه إبليس مع بني البشر ، قد تختلف الأساليب ولكن لن تبعد عن هذا الطريق الوحيد ، فقد قال الرسول بولس : " ...... لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ. " ( 2كو 2 : 11 ) فهدف إبليس دائما هي أن نبتعد عن الله ، وأفكاره دائما تَستخدم طريقا واحداً وهو الطريق الملموس والمحسوس ، فيأتي للقديس مجاهدا ليسقطه في النجاسة من خلال الجنس أو ... الخ ، ويأتي للمستقيم محاولا وضعه في دوائر الانحراف وعدم الأمانة من خلال المال أو الجنس أو السلطة أو ... الخ 

استطاع إبليس أن يخرج ادم وحواء من دائرة البراءة والنقاء في عصيان الله من خلال شجرة محسوسة وملموسة فأفسد أذهانهم " وَلكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا خَدَعَتِ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا، هكَذَا تُفْسَدُ أَذْهَانُكُمْ عَنِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ.  " ( 2كو 11 : 3 ) لن يستطيع إبليس أن يدخل إلي الإنسان إلا من خلال أشياء محبوبة للقلب وتكون ملموسة ومحسوسة ومدركة بحسب الحواس الخمسة ( النظر ـ الشم ـ اللمس ـ التذوق ـ السمع ) ليدمر النفس البشرية لأنه لا يستطيع أن يصل إلي دائرة النفس والروح إلا من خلال الجسد بالحواس الخمسة التي ترتبط بالعقل الذي يغذي النفس البشرية ويؤثر في الروح ، من أجل ذلك يقول الرب " مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ. " ( مت 11 : 15 )  فالله أيضا يستخدم كل ما هو ملموس ليصل إلينا ، كالكلمة المكتوبة أو المنطوقة لننظر ونسمع ونقترب إليه فنحيا .

حاول إبليس أن يدخل علي حياة أيوب من خلال كل ما كان يمتلكه ، وما هو محبب لديه ، أراد إبليس أن ينزع أمان أيوب في الممتلكات ويفقده كل ما هو عزيز كالبنين والبنات ، لأنه لا يملك طريق أخر غير طريق المادة الملموسة والمحسوسة لنترك مبادئنا الكتابية آو مبادئ الله الطبيعية التي في حياتنا " وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ». فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ». ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ." ( أي 1 : 11 ، 12  ) 

إن تعلق الإنسان تجاه الأشياء الفانية الزائلة خاطئ جدا ، فكل ما هو ملموس ومحسوس فهو زائل ، حتى جسد الإنسان زائل "  عَرِّفْنِي يَا رَبُّ نِهَايَتِي وَمِقْدَارَ أَيَّامِي كَمْ هِيَ، فَأَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا ‍زَائِلٌ. " ( مز 39 : 4 ) فكل ما هو أرضي ( من الأرض ) فهو زائل " ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا ‍الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ. " ( جا 2 : 11 ) من اجل هذا قال المسيح لنا "  اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْ‍بَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّذِي يُعْطِيكُمُ ابْنُ الإِنْسَانِ، لأَنَّ هذَا اللهُ الآبُ قَدْ خَتَمَهُ. " (  يوحنا ٦:‏٢٧ ) فعندما ننظر إلي ما هو سماوي نغلق علي إبليس فرص كثيرة فلا يستطيع أن يتدخل في حياتنا ، ليس هذا معناه ان نترك العالم ومقتنياته ، بل لتكن قلوبنا غير متعلقة به ، وليكن هدف حياتنا هو للسمائيات وليس للأرضيات. فاستخدم الملموس والمحسوس لتكنز لك كنزا في السماء " بَلِ ‍اكنزوا‍ لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ، " (  متى ٦:‏٢٠ ) 

إن إبليس يستخدم الملموس والمحسوس لتدميرك ، والله يستخدم الملموس والمحسوس ليصل إليك ويبنيك ، وأنت استخدم المحسوس والملموس لتكنز لك كنز في السماء التي لا تراها بعد ، فهذا هو الإيمان الذي كان للآباء مثل إبراهيم واسحق ويعقوب وأيوب وغيرهم ، فهم لم يروا المدينة السماوية ولكنهم أمنوا بها ، فيكتب عنهم الوحي ويسجل للتاريخ قائلاً : " فِي الإِيمَانِ مَاتَ هؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ ‍نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ. " (  العبرانيين ١١:‏١٣) فهل أنت هكذا ؟ . المؤمن المستقل نفسيا لا يجد ابليس داخله ما يربطه او يخرجه ليتعبه ، لذلك الإستقلالية النفسية تسد الباب امام ابليس في حربه ضدنا ، فهل انت في مستوي الـ سوبر ايجوا أم ايجو 

الإنسان المستقل نفسياً لا يرتبط نفسياً بأي شيئ مهما إن كان ، أي أنه يعيش حياة الإستقلالية ، فهو قادر أن يترك الغالي من أحل الأغلي ، لأن إبليس يبحث داخلنا عن ما هو غالي عندنا ليحاربنا من خلاله ، فقد كان إسحاق غالي علي قلب إبراهيم ، فهو الإبن الوحيد من إمرأة شبابه سارة ، ولكنه أيضا لم يتعلق به نفسياً ، استطاع أن يفصل بين التعلق بالله والتعلق بالبشر والأشياء حتي إن كانوا اسرتي فالرب أولاً ، فالغالي يملكه العالي لذلك رده " فَقَالَ: "لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي". (تك ٢٢ : ١٢ ) ياله من أمرُ رائع ، استقلال نفسي من ابراهيم وشعور طيب من الله " وَقَالَ: "بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، (تك ٢٢ : ١٦ ، ١٧  ) الذي لا تتعلق به عن الله يُعطي لك بكثرة ، وما تتمسك فيه عن الله يؤخذ منك ولا يرد ، فلا تتمسك بما هو ذائل ، فالبشر ذائلون والممتلكات ذائلة ، والمناصب والكراسي زائلة ، حتي السلطة والنفوذ ذائلان ، الحياة التي نعيشها في كيانها الذائل يصير كذبة إن تمسكنا بها ، لأنك في الأبدية لا تحصد شيئاً ، لكن إن تركنا الكل ولم نتمسك به ولم نحارب بعض من أجله سنحصد في الأبدية كنزاً لا يفني ولا يضمحل ، فالمتمسك بكماله وبأدبه لا يتزعزع ويُثبتْ " تَمَسَّكْ بِالأَدَبِ، لاَ تَرْخِهِ. احْفَظْهُ فَإِنَّهُ هُوَ حَيَاتُكَ. (أم ٤ : ١٣ ) 

الله لا ينظر لمن هو فقير او غني ، صاحب جاه وسلطة ونفوذ أو بسيط ، فإنه ينظر داخل الإنسان عن الحق والعدل والمتمسك بالوصية الالهية والسير بأمانة وبلا شر " هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: "احْفَظُوا الْحَقَّ وَأَجْرُوا الْعَدْلَ. لأَنَّهُ قَرِيبٌ مَجِيءُ خَلاَصِي وَاسْتِعْلاَنُ بِرِّي. طُوبَى لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَعْمَلُ هذَا، وَلابْنِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِهِ، الْحَافِظِ السَّبْتَ لِئَلاَّ يُنَجِّسَهُ، وَالْحَافِظِ يَدَهُ مِنْ كُلِّ عَمَلِ شَرّ". (إش ٥٦ : ١ ، ٢ ) فعيش أخي المؤمن ولا ترتبط نفسياً بما هو زمني لئلا تُدمَر زمنياً وأبدياً ، أي تخسر هنا ما تمسكت به وحاربت من أجله ، وتخسر هناك في الأبدية فلا تحصل علي أجرة أو مكافئة أو إكليلاً ، فعش مستقلاً نفسياً . 

عزيزي  ..  كي تكون مستقل نفسيا يجب أن تدرك أنك الأفضل لدي الرب ، فالأفضلية لمن له الأفضلية لدي الله ، والأفضل عند الله هو من يصنع مرضاته " مَنْ يَطْلُبُ الْخَيْرَ يَلْتَمِسُ الرِّضَا، وَمَنْ يَطْلُبُ الشَّرَّ فَالشَّرُّ يَأْتِيهِ. (أم ١١ : ٢٧) ومن يلتمس الرضا يجعله الله مرضي من الجميع ومكرم "اِسْمَعْنَا يَا سَيِّدِي. أَنْتَ رَئِيسٌ مِنَ اللهِ بَيْنَنَا. فِي أَفْضَلِ قُبُورِنَا ادْفِنْ مَيْتَكَ، لاَ يَمْنَعُ أَحَدٌ مِنَّا قَبْرَهُ عَنْكَ حَتَّى لاَ تَدْفِنَ مَيْتَكَ" ( التكوين ٢٣ : ٦  ) فقد كرم ابراهيم لانه في حالة الرضا من الله والناس ، هذا ما إختبره يوسف مع فرعون " أَرْضُ مِصْرَ قُدَّامَكَ. فِي أَفْضَلِ الأَرْضِ أَسْكِنْ أَبَاكَ وَإِخْوَتَكَ، لِيَسْكُنُوا فِي أَرْضِ جَاسَانَ. وَإِنْ عَلِمْتَ أَنَّهُ يُوجَدُ بَيْنَهُمْ ذَوُو قُدْرَةٍ، فَاجْعَلْهُمْ رُؤَسَاءَ مَوَاشٍ عَلَى الَّتِي لِي" ( التكوين ٤٧ : ٦ ) وهذا ما حدث " فَأَسْكَنَ يُوسُفُ أَبَاهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَعْطَاهُمْ مُلْكًا فِي أَرْضِ مِصْرَ، فِي أَفْضَلِ الأَرْضِ، فِي أَرْضِ رَعَمْسِيسَ كَمَا أَمَرَ فِرْعَوْنُ. " ( التكوين ٤٧ : ١١ ) عندما يتنسم الرب تنسمات الرضا ، يجعل الإنسان في دائرة المجد والإستخدام ويجعل الأعداء مسالمين وكرماء "  إِذَا أَرْضَتِ الرَّبَّ طُرُقُ إِنْسَانٍ، جَعَلَ أَعْدَاءَهُ أَيْضًا يُسَالِمُونَهُ. (أم ١٦ : ٧) فانت من تجعل نفسك الأفضل لأن الله قدمك لتكون الأفضل بمجيئه ومات بدل عنك وَفَضَّلكْ " ..... وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ. (يو ١٠ : ١٠) فقد بدأ الله وجعلك الأفضل فإحتفظ بهذا ولا تتنازل عنه بأي ثمن . 

المؤمن الحقيقي الذي يريد أن يكون الأفضل يجب علي ان ينزع التحزب والعُجْب في أن نقدم بعضنا لبعض أفضل من أنفسنا " لاَ شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. ( فيلبى ٢ : ٣ ) حتي وإن كان ليس بالمستوي الإجتماعي المرموق ، ما علينا إلا أن نقبل بعضنا بعض " لاَ كَعَبْدٍ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ أَفْضَلَ مِنْ عَبْدٍ: أَخًا مَحْبُوبًا، وَلاَ سِيَّمَا إِلَيَّ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ إِلَيْكَ فِي الْجَسَدِ وَالرَّبِّ جَمِيعًا! " (  فليمون ١ : ١٦  ) 

انت بإيمانك بالمسيح صرت من المفضلين لدي الرب " وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. (يو ١ : ١٢) فانت مقبول لانك بإيمانك بالمسيح صرت إبنا لله لذلك صرت مقبول عنده  ، المؤمن لا يحتاج إلا أن يسير في مستوي الرضا الإلهي من خلال أعمال البر والإستماع الجيد للرب من خلال كلمته وصوته في خدامه " فَقَالَ صَمُوئِيلُ: "هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ. ( صموئيل الاول ١٥ : ٢٢ ) هذا لأن معاملات الله مع اولادة هي علاقة حب وترابط ورحمة وحياة تسبيح " لأَنَّ رَحْمَتَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَيَاةِ. شَفَتَايَ تُسَبِّحَانِكَ. ( المزامير ٦٣ : ٣ ) الرحمة قد تعمل من خلال التوبة ومن خلال الذبيخة.

الذبيحة لها أهميتها في كلمة الله ( العهد القديم ) لذلك جاء المسيح الذبيح الأعظم ليرضي الأب ويفتح باب الرحمة لنا بدون أن نقدم ذبائح ، ايضا نري ان مبدأ الله في العهد القديم والعهد الجديد ايضاً هو العدل والحق افضل من الذبيحة " فِعْلُ الْعَدْلِ وَالْحَقِّ أَفْضَلُ عِنْدَ الرَّبِّ مِنَ الذَّبِيحَةِ. ( الامثال ٢١ : ٣  ) محبة القريب كالنفس ليست علي حساب النفس بل تأتي من خلال الرضا والسماح دون الإحساس بظلم النفس من أجل الأخرين ، بمعني أن تعطي  الأخرين بحسب المقدرة والطاقة ، كذلك في محبتك لله لم يطلب منك أن تحبه فوق القدرة بل بكل القدرة ، اي في حدود مقدرتك "  وَمَحَبَّتُهُ مِنْ كُلِّ الْقَلْبِ، وَمِنْ كُلِّ الْفَهْمِ، وَمِنْ كُلِّ النَّفْسِ، وَمِنْ كُلِّ الْقُدْرَةِ، وَمَحَبَّةُ الْقَرِيبِ كَالنَّفْسِ، هِيَ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ".( مرقس ١٢ : ٣٣ ) لذلك نجد نفوس تعطي لله كثيرا جدا ونفوس تعطي لله القليل ، فتقدير الله لعطائك ليس بحسب الكثرة بل بقياس القدرة المتاحة للإنسان ، اعطت المرأة الفلسين وقال عنهاالمسيح أنها أعطت كل معيشتها ولم يقل أنها أعطت فوق مستوي معيشتها ، الله لا يطلب منك ما لا قدرة لك فيه ، ولكنه يكلب ان تتعامل معه من خلال القدرة المتاحة ، هكذا في تعاملاتك مع الأخرين  ، إن معرفتك بأهميتك وقيمتك عند الرب يساعدك علي الإستقلالية النفسية ، فقيمة الإنسان تستمد من قيمته وأهميته لدي الله ، لأن الإنسان البعيد عن الله وقد استطاع أن يستقل نفسيا تجده تحت ضغط نفسي رهيب ليحفظ توازنه في علاقاته مع الأخرين . 

المؤمن الحقيقي يمتلك مبادئ روحية تجعله قادر علي السير بليونة مع الأخرين ومع نفسه ومع الله وبالتالي لا يُحُمل بضغوط نفسىة  ، أما المؤمن أو الخاطي البعيد عن كلمة الله فهو بعيد عن المبادئ الكتابية التي تساعده علي أن يستقل نفسيا دون أن يُضْغط نفسيا  ، كان للمسيح ضغوط مِنْ مَنْ حوله  هذه الضغوط كانت خارجية " مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟ (إش ٥٣ : ٨) فالضغوط التي من الخارج تختلف عن الضغوط التي من الداخل ( داخل النفس ) لأن الضغوط الداخلية تدمر الكيان النفسي ، أما التي من الخارج تزول بزوال السبب ، أما الداخلية فتبقي طويلاً والشفاء منها صعب .

ليس جميع المؤمنين ينالون من الله تصحيح أخطائهم لأنهم مُفضلين ، ولكن من ينال تصحيح لأخطاءه ولا يخسر شيئاً بل يعوض ويكرم هو المؤمن الحامل في قلبه المسيرة الإلهية والعمل الإلهي ، فعندما يخطيئ يتدخل الله لإنقاذه حتي لو أدي الأمر لموت من يقف ضده أو يعطل مسيرة الله الروحية في حياته  " مَرْكَبَاتُ فِرْعَوْنَ وَجَيْشُهُ أَلْقَاهُمَا فِي الْبَحْرِ، فَغَرِقَ أَفْضَلُ جُنُودِهِ الْمَرْكَبِيَّةِ فِي بَحْرِ سُوفَ ( الخروج ١٥ : ٤ ) لماذا ؟ لا لأن إبراهيم مميز في شخصه عن غيره بل لأنه يحمل إمور الله في حياته ، لذلك صار مميز وصار المفضل .

الله لا يحابي الوجوه فـ الكل عنده واحد ، فهو يقدم المحبة للكل دون تمييز ، ولكن الأفضلية هنا ليست مرتبطة بمحبة أكثر لشخص دون الأخر ، فمحبة الله ثابته ولن تتغير ، بل إن الأفضلية مرتبطة بدرجة إهتمام الشخص لإمور الله عن اهتمامه بإمور النفس والعالم  ، كان شاول مضطهد الكنيسة وقاتل لأفرادها ، ولأنه كان يفعل هذا بقلب محب لله ، لذلك صار مفضلا لله وترأي له وساعده علي تغيير مسار حياته من مضطهد للكنيسة لمتالم من أجل الكنيسة وعمل الله " أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا. وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل فِي عَدَمِ إِيمَانٍ. (١تيمو ١ : ١٣) إن الله يعلم خبايا القلوب وقادر علي تصحيح المسار لكل جاهل للطريق ولكل مؤمن لديه غيره خاطئة لله ولعمله . 

هذه الدراسة ساعدتني كي اكون فاهم إمور الله ومحدد أين أقف لأستطيع أن أكون مستقلا نفسيا لا بجهل بل بفهم وادراك ، فهل تشاركني هذا . 👉

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس