المستوي الإدراكي للنفس



المستوي الإدراكي للنفس


بقلم القس

عماد عبد المسيح عطية

المستوي الإدراكي للنفس

 

يقف الإنسان شامخاً فوق كل الكائنات الغير عاقلة المنظورة والغير منظورة لأن الذي يدركه يقدر أن يتعامل معه ، فلا يوجد فرق بين المعتاد بما هو منظور والإنبهار بما يدركه او بما يكتشفه ، فالمعتاد يتعامل معه الإنسان دون انبهار ،  أما عندما يكتشف كائن غير عاقل لا يراه بالعين المجردة وينبهر به فهذا الإنبهار نابع عن إدراك شيئاً لم يكن في مقدوره رؤيته والتعامل معه ، فالإنبهار مرحلة للإدراك الحسي للاشياء .

الإدراك : مستوي حسي يكمن داخل النفس ويعمل عندما يستخدم الإنسان إحدي الحواس الخمسة او مستخدماً الحواس الخمسة معاً ، حتي في الإمور الإيمانية فهي تبدأ بإحدي الحواس الخمسة ، كالنظر عندما يقرأ فيفهم فيُدرك ، او كالسمع عندما يسمع عظة أو تعليم فيفهم ويدرك فيؤمن ، هكذا في باقي الحواس الخمسة .

يوجد أيضاً في الإدراك مستوي تعامل بين النفس البشرية وروح الإنسان ، هذا الإدراك لا يعتمد علي الحواس الخمسة ، لكنه يعتمد علي الفهم والمعرفة التي بعد الحواس الخمسة ، فالعين تنظر في كتاب ، العقل يقرأ ليفهم ، النفس تُخزِن ، الروح تسموا ، فالسمو مستوي إدراك روحي لكنه لم يتفاعل إلا من خلال القنوات الشرعية التي للإنسان ، حتي في وصول الله للإنسان في احلامه يستخدم العقل الباطن في اخراج صور مخزنة لإستخدامها في العقل الواعي فيراها الجهاز البصري ( الذي هو حاسة النظر ) كفيلم او سيناريو يمكن روايته للأخرين .

استخدم الله الصور المخزنة في العقل الباطن لأبونا يعقوب ، الصور  كسلم طويل جداً وصورة الارض وصورة السماء ثم أضاف الله لعقله الباطن صور الملائكة وصورة الرب ثم استخدم الله الجهاز السمعي ( حاسة السمع  ) فتكلم اليه في الحلم " وَرَأَى حُلْمًا، وَإِذَا سُلَّمٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الأَرْضِ وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ، وَهُوَذَا مَلاَئِكَةُ اللهِ صَاعِدَةٌ وَنَازِلَةٌ عَلَيْهَا.وَهُوَذَا الرَّبُّ وَاقِفٌ عَلَيْهَا، فَقَالَ: "أَنَا الرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ. الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ مُضْطَجِعٌ عَلَيْهَا أُعْطِيهَا لَكَ وَلِنَسْلِكَ. (تك٢٨: ١٢-١٣) كيف يكون هذا ؟ أقول : الأمر لله ليس مستحيل ، ولكن في الاحلام المقدسة تستخدم بعض الحواس وبعض الصور وهذه طبيعة الاحلام ، ويضاف اليها اللمسات الالهية لتوصيل الرسالة السماوية ، فيصل الإنسان لمستوي ادراك معين داخل النفس والروح ، فيستطيع أن يتحرك بكل كيانه تجاه تحقيق الرسالة التي ارسلت اليه .

الإدراك الروحي لإمور الله يتطلب مؤمن كرس حياته لله ، مستخدماً الحواس الخمسة لمجد الرب ، مخزناً في عقله الباطن ( داخل النفس ) كل ما يخدم ملكوت الله ، فالتعليم ودراسة الكلمة والفهم الروحي ما هي إلا صور مخزنة داخل الإنسان ، فيستطيع الرب ان يصل لروح المؤمن من خلال كل الداتا - data  ( البيانات - الحقائق - المعطيات ) المخزنة فتسموا الروح البشىرية وترتفع فوق الجسديات ، فتدرك إمور الله وتصير مهيئة ليستخدمها الروح القدس لمجد الرب

كلما ادرك الانسان الخصائص الطبيعية للأشياء المدركة عقلياً كلما صار يمتلك إمكانيات تخدم ملكوت الله ، وكلما أدرك المعني والرموز التي لها دلالات روحية كلما ادرك إمور الله ، لذلك كان الله في العهد القديم يستخدم إمور حسية للوصول الي ما هو أبعد من ذلك في مستوي الروح ، فقد استخدم المذبح والنار والبخور والذبيحة والهيكل والدم ( دم الذبيحة الحيوانية ) ليُدرك للإنسان ان خطاياه قد غفرت ، إدراك النفس والروح لمستوي الغفران من خلال طقوس منظورة محسوسة ، امراً مهماً استخدمه الرب في العهد القديم ، ولكنه ارتقي بالمؤمنين لمستوي أخر وهو الإيمان من خلال حاسة السمع ( الخبر ) والفهم " قَالَ لَهُ يَسُوعُ:"لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا". (يو ٢٠ : ٢٩) هذا لأن حاسة البصر ( الجهاز البصري ) في تاثيره اقوي من الجهاز السمعي ، فصار الإيمان بالخبر دون تأكيد الجهاز البصري "  إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ. (رو ١٠ : ١٧) فالمؤمن الذي يسمع كلمة الله ( او يقرأها - كوسيلة نقل معلومة ) ويؤمن فله تطويب خاص لأن هذا الإيمان هو مستوي إدراك روحي .

 

صديقي الغالي لا تبخل في استخدام حواسك الخمسة لتخزين إمور تخدم ملكوت الله وابتعد عن كل ما هو لا يخدم ملكو الله داخلك ، قد يستخدم الله كل الداتا -  data  ( البيانات - الحقائق - المعطيات ) وقد يستخدم جزء منها ، فالرب يكافئك ليس من أجل استخدام الكل ، بل من اجل كل ما خُزن داخلك بهدف استخدامه سواء استُخدم كله أو جزء منه ، اقول لك ... ادرس .. اقرأ. ... إعرف ... إفهم ... إخدم ... استمر في دائرة المعرفة لتكون مهيئاً ومستعداً فليس لدي الرب وقت ضائع فهو سيستخدمك بقدر امكانياتك وبقدر تهيئك .

الإدراك وارتباطه بالموجودات :

لا يُمكن إدراك شيئاً ليس له وجود في عالم المادة اولاً وفي عالم الروح ثانياً ، فقد نصدق ( نؤمن ) بوجود شيئاً روحياً لم نراه ولم نحسه ، لانه موجود في كتب لها قدسيتها لدينا ، لذلك يوجد فرق بين الإدراك والتصديق ، فقد نصدق ( نؤمن ) بوجود ما لم نراه ، هذا لأننا نُدرك كتاباً له قدسيته ونؤمن به ونصدقه ، فالكتاب الذي يحتوي علي شرح أو إعلان إمور غير منظورة ، هو الشيئ المُدرك لدينا وهو القناة لإدراكات الروح لما لم يُدركه الجسد والنفس .

النفس البشرية لا تستطيع أن تدرك إمور الغيبيات إلا من خلال بعض الإيمانيات المثبتة لنا في كلمة الله ، فلكل إدراك إحساس يصاحبه ، ولكل إحساس امراً مثيراً ( مُبهر ) يكشف عن الإدراك الحسي ، فلا يوجد إدراك ليس له إحساس ولا يوجد إحساس ليس له مثير ، فعندما تتعرف النفس علي المثير يتوالد الإحساس الذي ينتهي بمستوي الإدراك .

لا تستطيع النفس البشرية أن تستجيب للمُدركات إلا من خلال المُثيرات ( ما يُبهر النفس )  فالبذرة تدفن في الارض وتموت ويخرج منها ساق يُعلن عن وجود حياة ولكن برغم وجود حياة في نبات ماتت بذرته إلا أن الفلاح لا يدرك الحصاد إلا بوجود الثمر ، فالثمر هو الشيئ المبهر ( المُثيرات ) والحصاد هو مستوي الإدراك " وَأَمَّا مَتَى أَدْرَكَ الثَّمَرُ، فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُ الْمِنْجَلَ لأَنَّ الْحَصَادَ قَدْ حَضَرَ". (مر ٤ : ٢٩) فالإدراك لا يتم إلا من خلال مُثيرات كالثمار والنتائج المبهرة والمعاملات الإلهية وبدونهما لا إدراك.

 

إدراك الحصاد مستوي يتمناه كل زارع تعب في حرث الارض ودفن البذار في التربة وسقيها ومتابعتها ، فلن يصل للحصاد دون رؤية الثمر ، لذلك أقول لكل خادم حقيقي تعب في خدمة الرب ولم يصل بعد لمستوي الحصاد ، انه سياتي يوماً يكلل الرب تعب محبتك وبذلك وعطائك لموسم حصاد " هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، يُدْرِكُ الْحَارِثُ الْحَاصِدَ، وَدَائِسُ الْعِنَبِ بَاذِرَ الزَّرْعِ، وَتَقْطُرُ الْجِبَالُ عَصِيرًا، وَتَسِيلُ جَمِيعُ التِّلاَلِ. (عا ٩ : ١٣) فلا تذكر التعب بعد لان في موسم الحصاد يكون عيد للرب ، ستعيش في وقت يسمي بموسم الفرح ، موسم جني الثمار لأن المسيح قام بكل التعب والبذل والتضحية ليحصدوا الخدام فـ " الْحَصَادُ كَثِيرٌ وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ . فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ". (مت ٩ : ٣٨ ، ٣٨ ) المشكلة ليست في كيف نزرع ولكن كيف نحصد ؟! فطريقة حصادنا طريقة خاطئة فتهرب الثمار بعيداً أو قد تداس بالأقدام نتيجة الإهمال .

صار معظم الخدام ( والقساوسة ) مشغوليتهم جمع أكبر عدد من الناس داخل المبني ( الكنيسة ) بطرق ليست صحيحة ، كالشنطة ( شنطة تحتوي علي تموين من الارز والمكرونة والزيت و... الخ )  والمال ( تقدمة شهرية لمن هو مواظب علي الحضور ) فاصبحت الثمار ثمار العطاء المادي وليس ثمار التغيير بكلمة الله ، وبالتالي ستجد الكنيسة العطاءه ممتلئة نفوس ، والكنيسة التي كل تركيزها علي كلمة الله الموجودين بها أقلية ، إن بتصرفات بعض الخدام الذين اتجهوا نحو الارساليات والمباني الفاخمة حولوا اتجاه التغيير بالكلمة الي التغيير بالمال ... أقول ... إن هذا لشر عظيم .

رغم ان المسيح كان عنده صندوق ، ولكن يهوذا كان سارق له ، ولم يهتم الرب بهذا فتركه يتصرف بوكالته ليوم الحساب ، فلم يطعم فقيراً بل كان يهتم بكلمة الرب الخارجة من فمه ، واثناء خدمته أطعمهم من عطائهم ، فعندما أشبع خمسة الاف شخص لم يشتري طعاماً بل من عطاءهم الخمسة ارغفة والسمكتين اطعم الجموع ، فعلي قدر الجموع المستمعة للكلمة وعلي قدر عطائهم يبارك بغني ، لذلك احبائي دعونا كخدام ورعية لا نلجأ للكنيسة ولكلمة الله من أجل تقدمة مادية أو عينية وجذب النفوس بهما ، بل دعونا نخدم الرب من اجل كلمته فقط دون أن يكون اهتمامنا الكم بل الكيف " أَمَا تَقُولُونَ: إِنَّهُ يَكُونُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ثُمَّ يَأْتِي الْحَصَادُ؟ هَا أَنَا أَقُولُ لَكُمُ: ارْفَعُوا أَعْيُنَكُمْ وَانْظُرُوا الْحُقُولَ إِنَّهَا قَدِ ابْيَضَّتْ لِلْحَصَادِ. (يو ٤ : ٣٥) صدقوني أحبائي النفوس عطشة لكلمة الرب ، فلا تهتموا بكيف نجمع المال لجذب النفوس ، بل لنهتم بكيف يتم توصيل كلمة الله لنفوس تحتاجها ، ومن خلال بعضهم البعض يتم تسديد الاحتياجات ، فقبل أن نتعلم الأخذ دعونا نتعلم العطاء أولاً .

الشعب في العهد القديم كان لهم العبادة الطقسية المبنية علي الرموز ، وكانت هذه العبادة مبنية علي العطاء قبل الاخذ ، فقد كان الشعب من أجل الغفران يعطي من نتاج الثروة الحيوانية ، ثم يذبح الكاهن وياكلان الذبيحة معاً ، فقبل أن ينال الغطاء الروحي كان لابد ان يعطي أولاً ، وقبل ان يتغذي بالذبيحة وياكلها كان يبذل من ثمار الثروة الحيوانية ويعطي الذبيخة للرب علي المذبح ، وهنا نجد الإيمان الحقيقي نما داخلهم " فَمَاذَا نَقُولُ؟ إِنَّ الأُمَمَ الَّذِينَ لَمْ يَسْعَوْا فِي أَثَرِ الْبِرِّ أَدْرَكُوا الْبِرَّ، الْبِرَّ الَّذِي بِالإِيمَانِ. (رو ٩ : ٣٠) هذا هو خط الإدراك الذي حصلوا عليه من خلال ادراكهم لما هو أبعد من النظام الطقسي ، فقد اختبروا وادركوا مستوي الإيمان ، لذلك نحن اليوم لا نحتاج نقف أمام كل ما هو ملموس ومحسوس لإراك الإيمان ، ولكن نحن نحتاج لنكو ن داخل مشيئة الرب فيدركنا الإيمان فندركه ونختبره .

التأثير الروحي للإدراك الحسي المؤقت :

يوجد ما يسمي بالإدراك الحسي المؤقت ، أو بمعني أخر  " مدركات مؤقتة إحتياطية " فيها يتم تكوين فرضيات علمية  مؤقته "provisional  " لعالمنا لحين إثباتها أو دحضها ، فخبراتنا في الحياة والقوانين العلمية التي تعلمناها وعرفناها ما هي إلا مُدركات ثابتة للبعض ومؤقته للبعض الأخر ، فالقوانين الثابتة التي لم يظر فيها مستجدات هي القوانين التي عرفها ( اكتشفها )  الإنسان  ولم يحدث فيها تعديل او تحويل الي اليوم ، كقانون الجاذبية وقانون الطاقة " الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم ولكن يمكن تحويلها من صورة لأخرى " وقانون القوة بانواعه " تعرف القوة على أنها مؤثر يؤثر على الأجسام فيسبب تغييرا في حالة الجسم أو اتجاهه أو موضعه أو حركته. " وغيرها من القوانين التي لم تتغير الي الان ، فما عرفناه ولم يتغير فقد ادركناه ،وعلي هذا المقياس يتم قياس كل الثوابت وعمل عليها إمور حسابية لصناعة صناعات وابداع ابداعات وإختراع مخترعات.

أما ما يتم تجديده أو يطرأ عليه تغيرات فهو قد صار لدينا إحتياطي وادراكنا له مؤقت ، هذا لأننا لم نصل فيه لمستوي من الفهم الثابت ولا نستطيع ان نعمل عليه حسابات ولا نخترع مخترعات لأن ادراكنا له غير ثابت فهو إدراك مؤقت إحتياطي لحين صدور المتغيرات المكتشفة ، ففي دراستنا لكلمة الله ايضاً ومفهومنا لقوانينه ومبادئه ، ما هو غير ثابت في مفهومنا فإدراكنا له مؤقت وإحتياطي لحين تكوين صورة نهائية للمبادئ والمعرفة الكتابية .

المعرفة والفهم إستعداد روحي قبل أن يكون إستعداد نفسي وعقلي وفكري ، فالفهم والمعرفة إدراكات روحية من الرب " اُنْظُرْ. قَدْ دَعَوْتُ بَصَلْئِيلَ بْنَ أُورِي بْنَ حُورَ مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا بِاسْمِهِ،وَمَلأْتُهُ مِنْ رُوحِ اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَكُلِّ صَنْعَةٍ،لاخْتِرَاعِ مُخْتَرَعَاتٍ لِيَعْمَلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ، (خر٣١: ٢-٤) فالفهم والمعرفة إمكانيات روحية يضعها الله في ارواحنا ، فعندما نبدأ نحن بالبحث والدراسة يبدأ روح الفهم والمعرفة بالتحرك فينا لإظهار المعرفة والفهم (خر٣٥: ٣٠-٣٥) فمن وضع نفسه في دائرة الدراسة والعمل والحكمة منحه الله فهماً ومعرفة بالروح ، لذلك لا تبخل علي نفسك بالبحث والتنقيب في الدراسة للفهم والمعرفة فسيساندك الروح القدس لانه روح المعرفة والفهم

يوجد في العالم قوانين طبيعية ثابته ، وفي كلمة الله أيضاً قوانين الهية ثابتة يجب علي الدارس اكتشافها ومعرفتها ، فالقوانين الإلهية تعمل سواء كنت تعرفها وتدركها أو لم تعرفها بعد ،  لذلك المطلوب أن تدرس ما اكتشفه العلم من علوم ودراسات علمية علي قدر المستطاع ، كما عليك دراسة كلمة الله ومعرفة مكنوناتها وإمورها وقوانينها الروحية التي تجعلك في مستوي الإدراكات المعرفية والاختبارية ، وفي هذا يقول الرسول بولس أن ما وصل في من ادراكات فهو يحتاج ليدخل للأعماق فيكتشف إمور أخري من الإدراكات " أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، (في ٣ : ١٣) كلمة ( أَدْرَكْتُ ) في الإنجليزية apprehended )  ) وتعني قبضت وفي العبريةκαταλαμβάνω )  ) وتنطق ( katalambanō ـ كاتالامبانو ) وتعني ( استيلاء علي - الوصول - البلوغ ) فالمؤمن له حق روحي ليعيش الـ كاتالامبانو ، فبدونه لن يستطيع المؤمن أن يكون في مستوي المجد الروحي ، لكنه من خلال الدراسة والصلاة يصل المؤمن للمستويات المطلوبة روحياً فيغني قائلاً : " ثَابِتٌ قَلْبِي يَا اَللهُ، ثَابِتٌ قَلْبِي. أُغَنِّي وَأُرَنِّمُ. (مز ٥٧ : ٧ )

السعي دائم والإدراكات مستمرة ، فمستوي من الإدراك يدخلنا لمستوي أخر وهكذا ننتقل من مستوي لمستوي ، فالبحث والتنقيب في الحق الكتابي يجعلنا في بحر من المعرفة ليس له نهاية " لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ. (في ٣ : ١٢) فما ادركناه يجب ان نسلك فيه لأن مستوي الإدراكات عميق ويدخلنا الي إدراكات اخري كمستويات وفهم روحي " وَأَمَّا مَا قَدْ أَدْرَكْنَاهُ، فَلْنَسْلُكْ بِحَسَبِ ذلِكَ الْقَانُونِ عَيْنِهِ، وَنَفْتَكِرْ ذلِكَ عَيْنَهُ. (في ٣ : ١٦) اصلي من كل قلبي أن يصل القارئ العزيز لمستويات روحية في المعرفة والفهم .

الادراكات والارتباط بعوامل ومؤثرات :

كي يصل الإنسان لمستوي إدراكات عالية يحتاج التركيز علي العوامل الداخلية وفهمها فهماً جيدا ً ، العوامل الداخلية تكمن في طريقة استقبال تصرفات الغير  من مواقف واحداث ، هذا بالإصافة الي حالة الأمزجة التي نحن عليها ، لذلك لا يجب ان نركز في حياتنا علي ما هو مرتبط بدائرة النفس بل ليتم التركيز في دائرة الفهم والمعرفة في عقولنا وفي ارواحنا .

عندما يتحد الروح مع أي من عالم الجسد أو النفس أو الإثنان معاً يقودهم لواقع سامي ومرتفع من السلام والأمان مهما كانت الظروف والأحوال ، فالروح دائماً في عطائها مريح ، فعندما يكون تركيزك علي كلمة الله والصلاة وعلي كل ما هو إجابي فأنت تأخذ من الخارج الي داخل الروح ما هو مطمئن ، اما عندما يتم تركيزك علي ما هو سلبي فانت تاخذ علي دائرة النفس ما هو مزعج ، فليكن روحك هي مركز حياتك فتسموا .

العوامل الداخلية بها مثيرات كالمواقف والاشخاص الذين يتعاملون معك بحسب نفسياتهم وحالاتهم فيصنعون المواقف التي تقراها انت بطريقتك فتستقبلها وتخزن داخل النفس ، هذا بالإضافة للمؤثرات الذاتية المرتبطة بالإنسان نفسه من ميول وخبرات سابقة والإحتياجات والرغائب ، كل هذه عوامل داخلية تؤثر علي ادراكنا الجيد للإمور والاحداث والحياة بجملتها ، بالإضافة الي مستوي التفكير الذي يتبني الإيحاءات والتوقعات التي تدفع النفس لتصير في حالة انفعالية ومزاجية غير سوية ، 

اذا اراد الإنسان أن يكون مستريح نفسياً عليه أن يقف بروحه فوق مكان مرتفع ليقرأ الاحداث جيداً دون ان يضع نفسه طرف ( حتي إن كان الأمر يخصه ) فإن إستطاع المرء إخراج نفسه نفسياً من المواقف والأحداث دون ان يكون سلبياً تجاهها ، بمعني أن يعتبر الأحداث تخص أخر وهو يريد مساعدته ، لذلك يصير في تحركاته عقلاني وليس نفساني ، لأن التركيز علي دائرة النفس تجعل الشخص يتحرك من خلال المشاعر والعواطف والأحاسيس التي في الغالب تكون مفرطة أو مقصرة وغير قادرة علي تحديد الهدف ووصفه جيداً .

الإدراك الحقيقي لا يعتمد علي الحواس والمشاعر ، لكنه يعتمد علي الفهم والمعرفة التي لدئرة الروح فيصير المؤمن ثابت ، فالعقل يوجه المعرفة والفهم إما لدائرة النفس أو لدائرة الروح ، لذلك يمكن للروح القدس ان يخاطب روح الإنسان من خلال الفهم والمعرفة ، فمن يصدق أنه يوجد إرتباط بين ايدي موسي المرفوعتان فوق الجبل وإنتصار يشوع علي عماليق تحت الجبل " وَكَانَ إِذَا رَفَعَ مُوسَى يَدَهُ أَنَّ إِسْرَائِيلَ يَغْلِبُ، وَإِذَا خَفَضَ يَدَهُ أَنَّ عَمَالِيقَ يَغْلِبُ.فَلَمَّا صَارَتْ يَدَا مُوسَى ثَقِيلَتَيْنِ، أَخَذَا حَجَرًا وَوَضَعَاهُ تَحْتَهُ فَجَلَسَ عَلَيْهِ. وَدَعَمَ هَارُونُ وَحُورُ يَدَيْهِ، الْوَاحِدُ مِنْ هُنَا وَالآخَرُ مِنْ هُنَاكَ. فَكَانَتْ يَدَاهُ ثَابِتَتَيْنِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ.فَهَزَمَ يَشُوعُ عَمَالِيقَ وَقَوْمَهُ بِحَدِّ السَّيْفِ. (خر١٧: ١١-١٣) إن الإرتباط يصير داخل الإيمان بأن الله يحارب مع يشوع من خلال الدعم الروحي الذي يصنعه موسي برفع يده للرب ، فصارة يدا موسي راية روحية تراها الملائكة لمساندة يشوع في الحرب " أَعْطَيْتَ خَائِفِيكَ رَايَةً تُرْفَعُ لأَجْلِ الْحَقِّ. (مز ٦٠ : ٤) ان اتجه الفهم والعقل تجاه النفس بمساعرها واحاسيسها فلن يحصد يشوع كما حصد من خدمة ملائكبة إثناء حربه ، فالنفس لن تدرك الأبعاد الروحية التي للروح تجاه المواقف والاحداث . 

دع الثوابت الموجودة في كلمة الله تشكل حياتك فتتحول من شخص نفساني الي روحاني ، فالمخاوف تترسب في النفس اما الروح فلا يدرك هذه المخاوف بل باتحاده بكلمة الله يصير قويا. وقادر علي تخطي جميع الأزمات ، فيصير بحسب الحق القائل : "  هَلِّلُويَا. طُوبَى لِلرَّجُلِ الْمُتَّقِي الرَّبَِّ، الْمَسْرُورِ جِدًّا بِوَصَايَاهُ.لاَ يَخْشَى مِنْ خَبَرِ سُوءٍ. قَلْبُهُ ثَابِتٌ مُتَّكِلاً عَلَى الرَّبِّ.قَلْبُهُ مُمَكَّنٌ فَلاَ يَخَافُ حَتَّى يَرَى بِمُضَايِقِيهِ. (مز١١٢: ١، ٧-٨) فالثبات ركيزته العقل مع الروح وليس العقل مع النفس ، فالعقل يحتوي علي المعرفة والفهم والروح يحتوي علي الإدراكات ورؤية الأبعاد والإثنان معاً يقدمان للشخص ذاته مستوي إدراك لا يدركه غيره ، فالتركيز علي كل الثوابت المكتشفة والمعروفة تمنح الإنسان ثباتاً طول الايام " شَهَادَاتُكَ ثَابِتَةٌ جِدًّا. بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ إِلَى طُولِ الأَيَّامِ. (مز ٩٣ : ٥)

الثوابت التي في كلمة الله عند معرفتها تمنح المؤمن إدراكاً ثابتاً لا إدراكاً مؤقتاً ، فالمؤمن له الوصايا والحق الكتابي والمسحة الثابتة " وَأَمَّا أَنْتُمْ فَالْمَسْحَةُ الَّتِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ، بَلْ كَمَا تُعَلِّمُكُمْ هذِهِ الْمَسْحَةُ عَيْنُهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ حَقُّ وَلَيْسَتْ كَذِبًا. كَمَا عَلَّمَتْكُمْ تَثْبُتُونَ فِيهِ. (1يو ٢ : ٢٧) فالمسحة ما هي إلا تأييد الروح القدس داخلياً في حياة المؤمنين ، فيسير المؤمن في هذا العالم واثقاً من أبديته وإيمانه وحياته ،  فلا يحتاج لمن يؤكد له إدراكات لم ينالها ، فقد نال في روحه كل ما هو من الروح القدس لثباته في الإيمان المُدرّك  ، لذلك احبائي دعونا نتقدم للامام نحو كل ما هو ثابت ليكون ادراكاتنا إدراكات تسموا بنا وترتفع .

الإدراك وإمكانية قرأة المستقبل

الإنسان في ادراكاته الروحية والنفسية والعقلية قادر علي قرأة للمستقبل من خلال ارتباط الماضي بالحاضر ، ولا سيما عندما يكون الإنسان تواصل مع الهه وكلمته ، فيستطيع ان يكون في دائرة الإدىاكات التي فوق دائرة الإدىاكات الحسية ، لانها ستكون إدراكات روحية مبنية علي المعروفة المسبقة والاعلانات الإلهية للمؤمن .

وقف ابونا ابراهيم أمام الرب يسمع منه اخبار تخص مدينتي سدوم وعمورة ، وبحسب إدراكات ابونا ابراهيم استطاع أن يتحاور مع الرب ويحاول اثناءه عن فعل هذا الامر ، فأبونا ابراهيم يدرك جيداً مستواه امام الرب وتقديره له " فَقَالَ الرَّبُّ: "هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ،وَإِبْرَاهِيمُ يَكُونُ أُمَّةً كَبِيرَةً وَقَوِيَّةً، وَيَتَبَارَكُ بِهِ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ؟لأَنِّي عَرَفْتُهُ لِكَيْ يُوصِيَ بَنِيهِ وَبَيْتَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَحْفَظُوا طَرِيقَ الرَّبِّ، لِيَعْمَلُوا بِرًّا وَعَدْلاً، لِكَيْ يَأْتِيَ الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ". (تك١٨: ١٧-١٩) فالمستوي الذي يدركه ايوب لدي الرب جعله قادر علي قرأة الأحداث وفهمها فهماً جيداً ، فكانت تعبيرات كلماته هدافة وواضحة " فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: "أَفَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ؟عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ. أَفَتُهْلِكُ الْمَكَانَ وَلاَ تَصْفَحُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الْخَمْسِينَ بَارًّا الَّذِينَ فِيهِ؟حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ، أَنْ تُمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ، فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟" (تك١٨: ٢٣-٢٥) عندما يدرك المؤمن مستواه يستطيع أن يتقدم في صلاته بثقة ويقين ، وعندما يكون مُدرك الهه من خلال المعطيات ( كلمة الله - التعاملات الإلهية الخاصة ) هنا يكون قادر علي ادراك المستوي الخاص به ، لذلك يحتاج المؤمن أن يكون في سعي دائم نحو الثقافة بجيع أنواعها ، لتتسع دائرة الإدراكات الذهنية ، ويكون قادر علي قرأة الأحداث ماضي وحاضر لفهم المستقبل .

ادراك أبونا ابراهيم للعهد الذي بينه وبين الرب جعله صاحب دلال وداخل دائرة الحق ، فلا يخاف من التكلم الي الرب في إمور الحياة العملية والأحكام القضائية ليغيرها الرب ، حقيقة إن مستوي إدراكنا لواقعنا الروحي يمنحنا مقدرة روحية للتقدم والارتفاع ويمنحنا مستوي من الثقة الداخلية .

توجد عهود في العهد القديم كعهود الدم ( تك ١٥ : ١٠ ، ١٧ ) ، ( رو ٩ : ٤ ) وعهود الملح ( عدد ١٨ : ١٩ ) ، ( ٢ أخ ٥ : ١٣ ) ، ( لا ١٣ : ٢ ) كل هذه العهود لها مفعولها في حياة شعب الرب ، وفي حياتنا اذا استخدمها الإنسان مع عالم الجسد وعالم الروح ، فيوجد اليوم من يصنع عهوداً مع الاواح النجسة مستخدمين مبدا العهود ، فمبدأ العهود يستخدمها الله مع البشر ويستخدمه الارواح النجسة مع البشر ويستخدمه البشر مع الارواح النجسة ، وكل هذه مستويات ادراك ، ولكن هذه الإدراكات يوجد فيها الكتابي الذي يتبناه الروح القدس في للمؤمنين ، ويوجد فيها العادي الذي بين البشر بعضهم لبعض ، ويوجد فيها الغير كتابي الذي تتبناه الارواح النجسة ، لذلك كن حريصاً في الإدراكات المرتبطة بالعهود .

حذرنا الرب من التعامل مع السحرة والعرافين والمنجمين واصحاب التوابع " إِنَّ هؤُلاَءِ الأُمَمَ الَّذِينَ تَخْلُفُهُمْ يَسْمَعُونَ لِلْعَائِفِينَ وَالْعَرَّافِينَ. وَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ يَسْمَحْ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هكَذَا. (تث ١٨ : ١٤) فإبتعد عن كل إدراكات سلبية تقودك بعيداً عن الرب وعن خدمته وتجعلك في عدم نقاء ذهني لمعرفة الحقائق كما يريدك الرب أن تكون في معرفتها .

الإدراك والشفافية الروحية : 

ما نتعلمه من كلمة الرب يمنحنا مستوي من الوضوح والشفافية الروحية فنصير مختلفين عن الاخرين لا لجمال فينا ولكن لعمق الحق الكتاب الذي ندركه ، إن إبليس يعلم جيداً أن " نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ. شَهَادَاتُ الرَّبِّ صَادِقَةٌ تُصَيِّرُ الْجَاهِلَ حَكِيمًا. (مز ١٩ : ٧) لذلك يحاول جاهداً خلق ظروف وأحداث مفاجئة لا يقوي عليها فيواكبها خوفاً من السقوط في براثنها فينجرف تحت طائلها ببعض التصرفات التي تخرجه خارج مستوي ادراكه الروحي .

الأحداث المفاجئة التي انتظرت يوسف لم تُثني عزمه ولم تصنع  منه رجلاً حقوداً ذو طبيعة عدوانية ، هذا لانه كان يضع الرب أمامه وكان يُدرك أن الله معه " وَكَانَ الرَّبُّ مَعَ يُوسُفَ فَكَانَ رَجُلاً نَاجِحًا، وَكَانَ فِي بَيْتِ سَيِّدِهِ الْمِصْرِيِّ. (تك ٣٩ : ٢) فالمؤمن الذي وصل لمستويات الإدراك الروحي قادر علي التماسك والسيطرة علي حواسه ومشاعره فلا تتحكم فيه أو تشكله ، لكنه وإن عَّبر عنها بصرخة أو بكاء او شكاية لغيرة ، فهذا امر جائز وصحي جداً ، لكن من المهم أن لا يُحمل رجائه علي الاخرين ، فقد ينساه البشر كما نسيه ساقي الملك " وَإِنَّمَا إِذَا ذَكَرْتَنِي عِنْدَكَ حِينَمَا يَصِيرُ لَكَ خَيْرٌ، تَصْنَعُ إِلَيَّ إِحْسَانًا وَتَذْكُرُنِي لِفِرْعَوْنَ، وَتُخْرِجُنِي مِنْ هذَا الْبَيْتِ.لأَنِّي قَدْ سُرِقْتُ مِنْ أَرْضِ الْعِبْرَانِيِّينَ، وَهُنَا أَيْضًا لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا حَتَّى وَضَعُونِي فِي السِّجْنِ".وَلكِنْ لَمْ يَذْكُرْ رَئِيسُ السُّقَاةِ يُوسُفَ بَلْ نَسِيَهُ. (تك٤٠: ١٤-١٥، ٢٣) أن القوى التي كان يوسف يحملها داخله ليست نفسية بل روحية ، لأنها استطاعت أن ترفع يوسف نفسياً ويكون فوق مشاكله التي فاقت الإدراكات والتوقعات ، فقد كان يوسف غصن مثمر يستقي قوته من عَيْنٍ ونبع الهه ، لذلك عندما ارْتَفَعَتْ أَغْصَانٌ وَرَمَتْهُ وَاضْطَهَدَتْهُ أَرْبَابُ السِّهَام ، فقد كان ثابتاً غير متزعزعاً ، كان متماسكاً بقوة من الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، لذلك نال بركات السماء وبركات الأبوين " يُوسُفُ ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ عَلَى عَيْنٍ. أَغْصَانٌ قَدِ ارْتَفَعَتْ فَوْقَ حَائِطٍ.فَمَرَّرَتْهُ وَرَمَتْهُ وَاضْطَهَدَتْهُ أَرْبَابُ السِّهَامِ.وَلكِنْ ثَبَتَتْ بِمَتَانَةٍ قَوْسُهُ، وَتَشَدَّدَتْ سَوَاعِدُ يَدَيْهِ. مِنْ يَدَيْ عَزِيزِ يَعْقُوبَ، مِنْ هُنَاكَ، مِنَ الرَّاعِي صَخْرِ إِسْرَائِيلَ،مِنْ إِلهِ أَبِيكَ الَّذِي يُعِينُكَ، وَمِنَ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي يُبَارِكُكَ، تَأْتِي بَرَكَاتُ السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَبَرَكَاتُ الْغَمْرِ الرَّابِضِ تَحْتُ. بَرَكَاتُ الثَّدْيَيْنِ وَالرَّحِمِ.بَرَكَاتُ أَبِيكَ فَاقَتْ عَلَى بَرَكَاتِ أَبَوَيَّ. إِلَى مُنْيَةِ الآكَامِ الدَّهْرِيَّةِ تَكُونُ عَلَى رَأْسِ يُوسُفَ، وَعَلَى قِمَّةِ نَذِيرِ إِخْوَتِهِ. (تك٤٩: ٢٢-٢٦)

وصول يوسف للقمة الروحية والعملية يكمن في مستوي الإدراك الاولي في كونه مختلف عن كل جيله الذين لا يعرفون الرب ، هذا الوضع نراه مشابهاً في حياة رجل الله دانيال والفتيان الثلاثة الذين تحدوا كل شيئ من أجل الرب ومبادئه وشريعته " أَمَّا دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ، فَطَلَبَ مِنْ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ أَنْ لاَ يَتَنَجَّسَ.فَقَالَ دَانِيآلُ لِرَئِيسِ السُّقَاةِ الَّذِي وَلاَّهُ رَئِيسُ الْخِصْيَانِ عَلَى دَانِيآلَ وَحَنَنْيَا وَمِيشَائِيلَ وَعَزَرْيَا:"جَرِّبْ عَبِيدَكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. فَلْيُعْطُونَا الْقَطَانِيَّ لِنَأْكُلَ وَمَاءً لِنَشْرَبَ.وَعِنْدَ نِهَايَةِ الْعَشَرَةِ الأَيَّامِ ظَهَرَتْ مَنَاظِرُهُمْ أَحْسَنَ وَأَسْمَنَ لَحْمًا مِنْ كُلِّ الْفِتْيَانِ الآكِلِينَ مِنْ أَطَايِبِ الْمَلِكِ. (دان١: ٨، ١١-١٢، ١٥) إن الإدراك بخطوته الإيمانية الأولي تدفع المؤمن لمستويات نجاح غير مسبوقة ، لذلك نحتاج كمؤمنين أن ندخل لمستويات الفهم الروحي في علاقاتنا بالرب وكلمته فنصير شعب مختلفين عن كل جيلنا ، شعب يعلن ملكوت الله ومجده ، لا تنحني أمام احداث زمنية وقتية لأن حدودها ما بين الافكار والمشاعر ودائرة الجسد ، اما الروح فليس للظروف اي سلطان ، فكن حُر ولا تكبل نفسك فتقيدها " فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا. (يو ٨ : ٣٦) هذا هو مستواك فهل ادركته ؟ .

لاتجعل إبليس يصنع من الأحداث المفاجئة شخصاً غضوباً حقوداً منتقماً بل كن شخصاً مؤمناً مؤدباً لطيفا " وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ. (أف ٤ : ٣٢) هذا المستوي نحتاجه كمؤمنين ، فالعالم المحيط بنا عالم مليء بالخشونة الجارحة ، ويحتاج للمؤمنين اللطفاء القادرين أن يصيروا مجد وجمال لعالم فاقد مستواه الجمالي " والنِّهَايَةُ، كُونُوا جَمِيعًا مُتَّحِدِي الرَّأْيِ بِحِسٍّ وَاحِدٍ، ذَوِي مَحَبَّةٍ أَخَوِيَّةٍ، مُشْفِقِينَ، لُطَفَاءَ، (1بط ٣ : ٨) ليبارك الرب شعبه ليصيروا جمالاً ، فعمل الرب تجاه اولاده أن يبدل اماكن الضعف لقوة والرماد لجمال والنوح لفرح وتعويض عن اليأس بروح تسبيح ليصيروا للتمجيد " لأَجْعَلَ لِنَائِحِي صِهْيَوْنَ، لأُعْطِيَهُمْ جَمَالاً عِوَضًا عَنِ الرَّمَادِ، وَدُهْنَ فَرَحٍ عِوَضًا عَنِ النَّوْحِ، وَرِدَاءَ تَسْبِيحٍ عِوَضًا عَنِ الرُّوحِ الْيَائِسَةِ، فَيُدْعَوْنَ أَشْجَارَ الْبِرِّ، غَرْسَ الرَّبِّ لِلتَّمْجِيدِ. (إش ٦١ : ٣) هذا لأن طبيعة الرب طبيعة الجمال وليس القبح طبيعة " انت أَبْرَعُ جَمَالاً مِنْ بَنِي الْبَشَرِ. انْسَكَبَتِ النِّعْمَةُ عَلَى شَفَتَيْكَ، لِذلِكَ بَارَكَكَ اللهُ إِلَى الأَبَدِ. (مز ٤٥ : ٢)     

اثناء بحثي عن أضداد كلمة نعمة في قاموس المعاني وجدت ٥٢ معني مضاد لكلمة نعمة كالاتي : " البُؤْس ، النَّقْمَة , أَخ , أَخْذٌ , أَذًى , أَذِيَّةٌ , إعْسارٌ , إمْساكٌ , إمْلاقٌ , إِحْتياجٌ , إِحْتِياجٌ , إِدْقاعٌ , إِساءَةٌ , إِقْتِصاد , إِمْلاقٌ , افتقارٌ , افْتقارٌ , بُخْلٌ , تَحْصِيلٌ , تَقَشُّفٌ , تَقْتيرٌ , تَقْتِيرٌ , جَفافٌ , جَنْيٌ , حاجَةٌ , حُزْنٌ , حُصُولٌ , حُصُولٌ على , حِيَازَةٌ , سوءٌ , سُوءٌ , شَرٌّ , شَظَفٌ , شَظْفٌ , شُحٌّ , شِدَّةٌ , ضَرَرٌ , ضُرٌّ , ضِيقٌ , عَمَلٌ سَيِّئٌ , عَوَزٌ , عُسْرٌ , عُقْرٌ , عُقْمٌ , غَمٌّ , فاقَةٌ , فَقْرٌ , كآبَةٌ , كَسْبٌ , كَمَدٌ , نَوالٌ , نَيْلٌ , يَباسٌ " فالرب ضد كل الـ ٥٢ ولا يتبناهم ، لأن من يتبناهم هو إبليس ، يريد أن يقتل كل اماكن الجمال في حياتنا ، لذلك لا تستجيب له ولا تعطي له مكاناً .

الإدراك والراحة النفسي :

يقف للانسان متحيراً أمام المشاكل النفسية التي تجتاح حياته ، فالمواقف السلبية تترسب داخل النفس محدثة متاعب في بعض الأعضاء في الجسد ، ولا يدري كيف يعالج أتعابه ، فالأتعاب تاتي من كثرة الجلوس والفتيان والاعلانات والأعمال ، حتي الخبز اليومي مهما كان مفيد وممتع لكنه يُسمى خبز الأتعاب ، لأنه يأتي بعد مشوار طويل من العمل والجهد " إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ، فَبَاطِلاً يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ. إِنْ لَمْ يَحْفَظِ الرَّبُّ الْمَدِينَةَ، فَبَاطِلاً يَسْهَرُ الْحَارِسُ.بَاطِلٌ هُوَ لَكُمْ أَنْ تُبَكِّرُوا إِلَى الْقِيَامِ، مُؤَخِّرِينَ الْجُلُوسَ، آكِلِينَ خُبْزَ الأَتْعَابِ. لكِنَّهُ يُعْطِي حَبِيبَهُ نَوْمًا. (مز١٢٧: ١-٢) هذه الحياة الباطلة تجلب علي النفس البشريه اتعاب تُخزن في العقل الباطن وتخرج في توقيتات تقود الإنسان لبعض النوبات النفسية.

يستمر التعب النفسي كتعب نفسي لحين اكتشافه ومعالجته ، فمعالجة الأتعاب ( الترسبات ) النفسية يأتي من خلال فضحها للنفس وإعلان أن ما اكتشف من ترسبات صارت بلا أهمية عندي وإن التعب الذي اعاني منه ما هو إلا وهم أنا أرفضه ، لأن السلبيات ما هي إلا قنابل موقوته مخزنة داخل النفس ، مثالها مثال الخطية التي يفعلها الإنسان ، فعندما يقر بها يرحم " مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ. (أم ٢٨ : ١٣) هذا قانون يجب أن يُراعي ، فالخطية من الإمور السلبية التي تحتاج الغفران وتسامح، فيمكن أن نضع مكان كلمة الخطية أي مواقف سلبية مرتسبة داخل النفس فيصير القانون هكذا " مَنْ يَكْتُمُ ..........لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ. " فالإقرار اي الاعتراف ، والترك تعني عدم الإقتراث بها فينال المؤمن الرحمة ( الشفاء )  .

كلمة ( يَكْتُمُ ) في الانجليزي ( covereth) وتعني غطاء وفي العبري ( כּסה ) وتنطق (kâsâh  ـ كوساو  ) وتعني غطاء ـ إخفاء ، وهذا معناه أن إخفاء السلبيات ( التي من ضمها الخطايا) يقود الإنسان الي التعب .

كلمة ( خَطَايَاهُ ) في الانجليزي ( sins ) وتعني خطايا وفي العبري ( פּשׁע ) وتنطق (pesha  ـ بيشا  ) وتعني تعدي ـ تجاوز  ، فالتجاوزات لا يجب إخفائها سواء كانت صادرة من الإنسان ذاته أو من الأخرين ، لأن في إخفائها يقوم العقل الباطن بتبنيها داخلياً لذلك تسبب مشاكل نفسية .

كلمة ( لاَ يَنْجَح ) في الانجليزي ( shall not prosper) وتعني لا يزدهر ، وفي العبري ( צלח ) وتنطق (tsâlêach  ـ تسولاك  ) عدم الازدهار - وعدم النجاح - وعدم الربح ، فجميع الإجابيات اذدهار وربح ونجاح وكل هذه لا تسبب اتعاب نفسية ، اما عندما نضع أداة نفي تصير مشكلة داخل النفس البشريه .

كلمة ( يُرْحَمُ  ) في الانجليزي ( mercy) وتعني رحمة ، وفي العبري ( רחם  ) وتنطق (râcham  ـ راجام  ) وتعني رحمة - شفقة - حب بعمق - مودة       

الاية تاتي بهذا المعني : " من يخفي التجاوزات لا يزدهر ومن يقر بها ويتركها يدرك محبة الله العميقة ويرحم . " فهل تريد ان تدرك محبة الله وتنال شفاء جسدي؟ اقول لك لا تتبني اي تجاوزات صادرة منك او من غيرك ، لا تكتمها داخلك ، قر بها أمام الله وتعهد مع ذاتك أن تتركها اي لا تشتر بها وتتكلم عنها كثيراً ، بل اتركها ولا تكترث لها ، فالأزمات النفسية لا تري سكة ومجال إلا من خلال التجاوزات والأخطاء ، فالرجوع الرب والإقرار والأخطاء يمنح المؤمن سلاماً داخلياً ويقودة لإتخاذ القرارات التي تخدم واقعه الروحي وترفع في الحياة الروحية وتجعله مزدهر  .

الرب يريدنا في دوائر المجد والشفاء والقوى والاستخدام لذلك ادعوك الإنسان لتستخدم هذه الاية المفتاحية التي إن استخدمتها في حياتك ستغيرك وتجعلك مختلفاً في نظرتك علي نفسك وفي نظرتك علي العالم المحيط حولك ، فالعالم قد وضع في الشرير ، وهدف الشرير هو اقتناص النفوس بعيداً عن الرب وعن المسخة الروحية وحياة الإزدهار ، لذلك افرح بالرب وثق بانه يحبك بعمق ومحبته نحوك لن تتغير ، تقدم للأمام وسير في خدمة الرب بكل قلبك لانه محبته ستغمرك .

 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس