الشفاعة في مستواها اللاهوتي

 


الشفاعة

في مستواها اللاهوتي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقلم القس

عماد عبد المسيح عطية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشفاعة في مستواها اللاهوتي

 

الشفاعة في كلمة الله لها ابعاد تفوق ابعاد الصلاة ومناجاة المقربين لله حسب فكر من يؤمن بشفاعة القديسين ، العالم يبحث عن من يقربهم لله ويسمع لمنجاتهم وانينهم واحتياجاتهم ، لذلك أوجدو لهم أناس سريعي الندهه واقوياء في الإستجابة ، فيعيشون ولهم شعور بأنهم محاطين بسحابة لا تنتهي من الشفعاء الذين يشفعون لهم عند اله السماء .

لا اقصد في كلماتي مهاجمة إيمان أحد  ولكن أريد في هذه الدراسة أن القي الضوء علي الشفاعة كمستوي لاهوتي يختص بالثالوث وليس من حق أي من كان أن ينال شرف هذا اللقب إلا الله المثلث الأقانيم ، وإن كان الله قد تمني أن يكون بين البشر من يكون شفيعاً ولكنه لم يجد .

يجب أن نفرق بين الصلاة والشفاعة لأنهما متشابهان في الكثير من المكانة والواقع الروحي لهما ، فالشفيع هو من يقف أمام الله الأب ، ويجب أن يكون فيه نفس الطبيعة الإلهية والمستوي ، فهل يوجد من البشر من يساوي الله الأب في طبيعته إلا إقنوم الإبن والروح القدس .

دور المؤمنين ليس الشفاعة بل الصلاة وطلب الرب من أجل أنفسنا وبعضنا البعض ، وهذا لا يُعتبر شفاعة بل صلاة ، فعندما نخلط بين الصلاة والشفاعة فنحن نسير في طريق ليس بحسب الحق الكتابي ، فالصلاة هي لمساندة بعضنا البعض " اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّلاَتِ، وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ، لِكَيْ تُشْفَوْا. طَلِبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا. (يع ٥ : ١٦) اما الشفاعة فهي أخذ مكان الشخص أمام الأب علي حساب ما قدمه الشفيع لأجل المتشفع من اجله ، لذلك لا يوجد أحد من البشر قدم شيئاً يرضي الأب من أجل ان يتشفع من أجل الاخرين ، لذلك لا يوجد من له الحق في نوال إمتياز أن يكون شفيع إلا الروح القدس وإقنوم الإبن ، لانهما بذلا أنفسهما من أجل شعبهم  

 

كلمة صَلُّوا ـpray  باليونانيةεὔχομαι  وتنطقeuchomai  ـ يوكوماي   ، وتعني ارغب ـ اتمني ـ أصلي .

أما كلمة طَلِبَةُ ـprayer  باليونانيةδέησις  وتنطقdeēsis  ـ دياسيس وتعني صلاة ـ طلب ـ دعاء

فتكون صيغة الأية كما يلي " اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّلاَتِ، صَلُّوا ( وتمنوا - إرغبوا ) بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ، لِكَيْ تُشْفَوْا. طَلِبَةُ ( صلاة - دعاء ) الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا. (يع ٥ : ١٦) فالأية ليست بمعني التشفع بل الصلاة الدعاء التمني بعضنا لأجل بعض ، ولأن الله أب فهو محب ورحيم وسامع الصلاة ، ثم لنلاحظ أن الاية تخص المؤمنين الاحياء علي الأرض وليس لمن إنتقل للمجد الأبدي ، فالمؤمنين الذين في الأرض لهم واقع روحي يختلف عن من إنتقل للمجد الأبدي لأن الذين إنتقلوا لهم واقع روحي يختلف ، فهم اليوم مستريحين من أتعاب الحياة وألامها ، وسياتي اليوم الذي ننضم نحن إليهم ونكون كذلك سواء بالانتقال أو بالإختطاف علي سحاب لمجد في مجيئ المسيح الثاني.

الله يريد أن يخرج من قلب البشر مّن يكون شفيعاً لأجل شعب الرب ، ولكنه بحث فلم يجد " فَرَأَى أَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانٌ، وَتَحَيَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ شَفِيعٌ. فَخَلَّصَتْ ذِرَاعُهُ لِنَفْسِهِ، وَبِرُّهُ هُوَ عَضَدَهُ. (إش ٥٩ : ١٦) فالطبيعي الذي يجب أن يكون وسط شعب الرب شفيع ، ولكن الله بحث فتحير لانه لم يجد ، لأن الشفيع يجب أن يمتلك ما يقدمه أمام الله لأجل المتشفع من أجله .

كلمة شفيعintercessor  في العبري פּגע وتنطق pâga  ـ باوجا وتعني توسط ـ تشفع ، من اعمال الشفيع أن يخلص ، فبحث الرب في العهد القديم علي مخلص ولم يجد فجاء بنفسه ليكون شفيعاً عن شعبه " فَخَلَّصَتْ ذِرَاعُهُ لِنَفْسِهِ، وَبِرُّهُ هُوَ عَضَدَهُ. " فالرب يريد من أولاده أن يكونوا في مستوي الشفيع ولكنه لم يجد .

 

 - الشفاعة ومحدودية الشفيع :

الشفاعة والصلاة كلمتان مترادفتان فلكل منهما نفس الخصائص ولكن ما يفرق بينهما هو التوظيف بالإضافة لبعض المعطيات ، فهما يشتركان في نوع الطلبات والاحتياجات ولكن توظيفهما يسير بحسب إتجاه قلب المتشفع ، وهنا يأتي السؤال : هل عندما يتشفع أحدٍ ما هل يستجيب الرب ؟

الإنسان محدود سواء كان في هذا العالم أو في الأبدية لذلك لن يكون في مقدرة أي من كان أن يكون شفيع لكل العالم في كل وقت إلا إذا كان إلهاً ، إن الغير محدودين في تعاملاتهم هما الرب يسوع المسيح والروح القدس .

وقف إرميا يوماً أمام الرب يصلي متشفعاً أمام الرب من أجل الشعب فقال له الرب "  وَأَنْتَ فَلاَ تُصَلِّ لأَجْلِ هذَا الشَّعْبِ وَلاَ تَرْفَعْ لأَجْلِهِمْ دُعَاءً وَلاَ صَلاَةً، وَلاَ تُلِحَّ عَلَيَّ لأَنِّي لاَ أَسْمَعُك. (إر ٧ : ١٦) فعندما وضع نفسه في مقام الشفيع رفضت شفاعته ، لأن الشعب كان في ضلال محق " الأَبْنَاءُ يَلْتَقِطُونَ حَطَبًا، وَالآبَاءُ يُوقِدُونَ النَّارَ، وَالنِّسَاءُ يَعْجِنَّ الْعَجِينَ، لِيَصْنَعْنَ كَعْكًا لِمَلِكَةِ السَّمَاوَاتِ، وَلِسَكْبِ سَكَائِبَ لآلِهَةٍ أُخْرَى لِكَيْْ يُغِيظُونِي. (إر ٧ : ١٨) نعم وقف إرميا متشفعاً ولكن للاسف لم تستجاب شفاعته ، فكانت شفاعته عبارة عن صلاة ومناجاة فقط ، قد تستجاب أو لا وهذا يتوقف علي حالة المتشفع من أجله وليس من أجل الشفيع الذي من البشر.

* قال الله لإرميا اربعة كلمات :

فَلاَ تُصَلِّ - وَلاَ تَرْفَعْ - وَلاَ دُعَاءً - وَلاَ صَلاَةً

- فَلاَ تُصَلِّ pray  ـ في العبري פּלל وتنطق pâlal  بايلال وتعني تشفع توسط فقد كان الشعب مخطيئ ولا يوجد شفيع من أجله يرحم الرب شعبه ، فلم يستطيع إرميا رغم محاولته لذلك أن يحرك دائرة الرحمة تجاه مذنبين بخطايا الزنا الروحي بعبادتهم الهة غريبة .

 

- وَلاَ تَرْفَعْ neither lift up  في العبري נסה נשׂא وتنطق nâśâ' nâsâh  ـ ناسا وتعني يرفع - يحمل ، فقد كان إرميا في صلاته يحمل ذنب إخوته باكياً cry أمام الرب وطالباً المغفرة والعفو ، ولكن الله لم يستجب لان ليس لإرميا حساب يقدمه لسداد دين الأخرين ، كالمسيح الذي سدد الدين بدم نفسه ، لذلك لم يستطيع إرميا أن ينال إستجابة لشفاعته ، وتوقفت الشفاعة بحسب حالة المتشفع من أجلهم رغم انه رفع بكاء.

- لا دُعَاء nor prayer  في العبري תּפלּה وتنطق tephillâh  تيفيلوا وتعني صلاة - دعاء ، فما كان يفعله إرميا رأه الرب صلاة للرحمة وهذا دور الشفيع ، فطلب الرحمة والمغفرة من عمل الشفيع ، فإن لم يكن للشفيع رصيد للاخرين فلن تقبل شفاعته ، لذلك لا يوجد رصيد إلا في الرب نفسه ، فعندما يأتي المخطيئ بنفسه للرب سيجد رصيد من الرحمة لدي الرب ، أما الأخرين الذين يطلبون الرحمة والمغفرة للأخرين كشفاعة ، ما هي إلا صلاة أمام الله حتي وإن أخذت مستوي الشفاعة في هدفها .

- لا صَلاَةً intercession  وتترجم تشفع  في العبري פּגע وتنطقpâga  باوجا وتعني توسط ـ تشفع ، وهنا نري رؤية الرب لصلاة إرميا ، فقد كانت بالفعل تشفع ولإنها بلا رصيد يُقبل فلم يجد الشعب رحمة ، لأن الشعب لم يأتي تائباً ، فإن كانت شفاعته متزامنه مع توبتهم فستستجاب ، أما لعدم توبتهم ولأنه بلا رصيد لاجلهم فلم تقبل شفاعته ، فلكل مؤمن زيت في مصابيحه ، وهذا الزيت لا يكفي إلا له فقط "  فَقَالَتِ الْجَاهِلاَتُ لِلْحَكِيمَاتِ: أَعْطِينَنَا مِنْ زَيْتِكُنَّ فَإِنَّ مَصَابِيحَنَا تَنْطَفِئُ.فَأَجَابَتِ الْحَكِيمَاتُ قَائِلاتٍ: لَعَلَّهُ لاَ يَكْفِي لَنَا وَلَكُنَّ، بَلِ اذْهَبْنَ إِلَى الْبَاعَةِ وَابْتَعْنَ لَكُنَّ. (مت٢٥: ٨-٩) فالبشر محدودون في كل تفاصيل حياتهم الروحية والنفسية والجسدية ، فأفعالهم هي لهم بنتائجها ، ولن يستطيع إنسان أن يقدم أعمالاً أو أفعالاً بالنيابة عن الأخرين ، فالذي يستطيع أن يفعل هذا هو الإبن المبارك شخص المسيح وهو الوسيط والشفيع الوحيد  ، فلا يوجد من إستطاع أن يكون وسيطاً أو شفيعاً بين الله والناس لأنه لن يستطيع أحد أن يبذل نفسه من أجل الأخرين إلا الروح القدس وإقنوم الإبن .

 

الشفاعة عمل إلهي له رؤيا  :

الشفاعة ليست مجرد صلوات تقدم بل هي عمل روحي له رؤيا واضحة عن المتشفع من أجله أو من أجلهم ، فالذي يمتلك الرؤيا الكاملة هو القادر أن يكون شفيع ، فمن هو الشخص الذي يحمل الرؤيا الكاملة ليكون شفيع ؟

كلمة شفيعintercession  وتترجم تشفع ، في العبري פּגע وتنطق pâga باوجا وتعني توسط ـ تشفع ، فكأن كل من يطلب الرب من أجل إمور تخص الأخرين أو تخص شعب الرب فهذه تصير صورة من صور التشفع ، الذي من ضمنها التوسل للرب ليرجع عن حمو غضبه أو قراره تجاه شعب ما أو شخص " فَإِنْ كَانُوا أَنْبِيَاءَ، وَإِنْ كَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ مَعَهُمْ، فَلْيَتَوَسَّلُوا إِلَى رَبِّ الْجُنُودِ لِكَيْ لاَ تَذْهَبَ إِلَى بَابِلَ الآنِيَةُ الْبَاقِيَةُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ وَبَيْتِ مَلِكِ يَهُوذَا وَفِي أُورُشَلِيمَ. (إر ٢٧ : ١٨) كلمة فَلْيَتَوَسَّلُوا intercession في العبريpâga  التي تعني تشفع ـ توسط ، والسؤال: هل فعلوا الأنبياء هكذا ؟ أبداً لم يفعلوا ، وإن كانوا قد فعلوا هذا فلن يقبل الرب لهم ، ليس لأنهم لا يحق لهم أن يتشفعوا بل لأنهم يتشفعون لشعب إستنذف رصيد الرحمة تجاههم لسبب عدم توبتهم وعنادهم ورقابهم الصلبة ، فإن لم يقدموا توبة فلن تُقبل الصلوات أو التشفعات .

يوجد في سفر إرميا أيضاً صور من التشفع ولكنها ليست أمام الله بل أمام الملك " وَلكِنَّ أَلْنَاثَانَ وَدَلاَيَا وَجَمَرْيَا تَرَجَّوْا الْمَلِكَ أَنْ لاَ يُحْرِقَ الدَّرْجَ فَلَمْ يَسْمَعْ لَهُمْ. (إر ٣٦ : ٢٥) كلمة ترجوا جاءت في اللغة الانجليزية intercession  وفي العبرية pâga  وهذا معناة أن التشفع له جانبان مهمان جداً هو الترجِ كما في  (إر ٣٦ : ٢٥) والتوسل كما في (إر ٢٧ : ١٨) وبالرغم من هاتين الصورتين فلم يستجاب سواء من الله أو الملك ، إرميا صلي صلوات تشفع والانبياء وضعوا في إختبار بالتشفع ، كل هذه الصور إعتبرها الرب طلبات قد يُنظر لها او قد لا ينُظر لها ، حتي أَلْنَاثَانَ وَدَلاَيَا وَجَمَرْيَا ترجوا الملك وهذا الترجي قد يُقبل أو لا يُقبل ، اما في الشفاعة التي لها ثمن فلابد أن تُقبل ولن تُرفض .

الشفيع لكي يكون شفيعاً يجب أولاً أن يكون فاحص كل شيئ الداخل والخارج لكل شيئ ، لأن وقت الشفاعة لابد أن تتفق رؤية الشفيع مع رؤية الله في المتشفع لأجله كي يستجيب ، وفي كل الأحوال لا تتفق رؤية إنسان مع رؤية الله إلا نادراً ، ففي الصور التي درسناها لم نجد إرميا في دائرة فحص كامل لشعب الرب ، لذلك لم تتفق رؤيته مع رؤية الله ، وبالتالي لم ينال إستجابة رغم أنه تشفع باكياً من أجل شعب الرب .

الذي يفحص الدواخل وله رؤيا كاملة عن من يتشفع لأجلهم هو الروح القدس " وَكَذلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا، لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا.وَلكِنَّ الَّذِي يَفْحَصُ الْقُلُوبَ يَعْلَمُ مَا هُوَ اهْتِمَامُ الرُّوحِ، لأَنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يَشْفَعُ فِي الْقِدِّيسِينَ. (رو٨: ٢٦-٢٧) كلمة يشفع بالانجليزي هي نفس الكلمة التي في العهد القديم intercession وفي اليونانية ὑπερεντυγχάνω وتنطق huperentugchanō وتعني شفيع - يتدخل لصالح  ، فالروح القدس له الحق بالتدخل لصالحنا والتشفع من أجلنا ، لأن له الإستطاعة علي فحص الدواخل والقلوب ، لذلك لا يوجد أي من البشر له نفس الواقع الروحي ليشفع وليكون شفيعاً ، ما يقدمونه البشر من صور للتشفعات ما هي إلا صلوات مركزة وهادفة تخص المتشفع لأجلهم ، فلكل حالة واقع لا يقوي علي معرفته إنسان ، ولأن الروح القدس له المقدر أن يفحص الاعماق لذلك يحق ان يكون شفيعاً .

الشفيع لكي يكون شفيعاً عليه أيضاً أن يكون مقرباً للأب ،  لذلك مّن مِن البشر مُقرباً للأب ليقف أمامه ، لا يوجد علي الإطلاق أحداً يستطيع أن يكون أمام الأب ليتشفع غير المسيح " مَنْ هُوَ الَّذِي يَدِينُ؟ اَلْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي مَاتَ، بَلْ بِالْحَرِيِّ قَامَ أَيْضًا، الَّذِي هُوَ أَيْضًا عَنْ يَمِينِ اللهِ، الَّذِي أَيْضًا يَشْفَعُ فِينَا. (رو ٨ : ٣٤) لا يوجد أحد حول الأب إلا الإبن ولذلك لا يوجد شفيع واحد لا من البشر علي الأرض ولا من الذين انتقلوا من هذا العالم ، لأن من شروط الشفيع أنه يستطيع أن يقف أمام الأب ، وأن يكون له المقدرة علي فحص الإنسان وتكون الرؤيا كاملة لديه ، ولذلك لا يصلح أحداً إلا المسيح والروح القدس ، فهم واحد في اللاهوت مع الأب ولذلك لهم حق الوقوف امام الأب للشفاعة من أجل المذنبين لإعطائهم فرص وهذه الفرص تكون علي حساب الثمن المدفوع عنهما من المتشفع ، فما هو الثمن الذي يعطي حق الشفاعة للمتشفع .

 

من هو القادر علي دفع الثمن ليكون شفيعاً ؟

الشفيع ليس مجرد شخص مصلي ولكنه شخص ذو مواصفات خاصة ، لأن الخلط بين الشفاعة الكفارية ( المدفوعة الثمن ) والشفاعة التوسلية كبير جداً .

الشفاعة التوسلية ما هي إلا صلوات تقدم وإن كان البعض يسميها شفاعة ، لكنها مجرد صلوات لها شكل الشفاعة لأنها تحمل داخلها ثلاث كلمات مرتبطة بالشفاعة  وهما : التوسل - الترجي _ الصلاة .

أما الشفاعة الكفارية فلا يوجد فيها شيئاً من هذا إلا التوسط من أجل الأخرين علي حساب مدفوع الثمن ، لذلك ما يقدمه الثالوث من شفاعة هو حقاً شفاعة ، إن ما يقدمه البشر من صلوات ما هي إلا صلاة مهما كانت مستواها ، فالشفاعة التوسلية هي ما نقدمه في تكريسنا بالصوم والصلاة من أجل انفسنا ومن أجل الاخرين .

السكب هو الثمن الذي قدمه المسيح من أجل الأخرين "  لِذلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ. (إش ٥٣ : ١٢) كلمة وَشَفَعَ هي نفس الكلمة intercession  وفي العبرية pâga صار المسيح له الحق أن يقف أمام الأب ليشفع علي حساب دمه ، فعندما يطلب من الأب أن يتركها هذه السنة ويعطي لها فرصة أخري يستجيب الأب دون رفض ، لأن ثمن الرحمة قد دُفع في المسيح بدمه ، أما صلاتنا التي تأخذ مكانة شفاعة تُرفع لله طلبات قد تتفق مع مشيئة الله فستستجاب ، وقد لا تتفق فترفض ، فإن كان للمتشفع ( المصلي ) رؤيا كاملة بالروح القدس واعطي مجال للروح يصلي فيه ، تصير هذه الصلوات محمولة بقوة الروح القدس فتستجاب .

كلمة إنه سكبpoured  وتعني صب - سكب ، وفي العبري ערה وتنطق ârâh  ارا ، وتعني : عارياً - جعل نفسه عارياً ، فالمسيح سكب نفسه للموت أي جعل نفسه مكشوف لينال منه الموت من أجل العالم ، لذلك يحق له وبجداره أن يكون شفيعاً ، فالشفاعة هنا مقام روحي لا يحق لمن لم يدفع ثمن ليحتل هذا المركز السامي ، فليس من حق اي من كان أن ينال لقب شفيع ، لا يحق لأحد أن ينال لقب شفيع المستحيلات أو شفيعي الخاص إلا إقنوم الإبن وإقنوم الروح القدس.

المؤمن يستطيع أن يقدم صلاة لها قوة وتاثير الشفاعة ولكنها علي حساب المسيح الذي دفع الثمن ، وهذه الصلاة التي نقدمها ليست شفاعة بالمعني الكفاري كمقام ولكنها شفاعة توسل وترجي ومناجاة فهي صلاة ، فيسمعها الرب وإذا قُبلت يقف المسيح نيابة عنا أمام الأب يطلب ما نطلبه فيكون لنا ، هذا إن توافرت الرؤيا بيننا وبين المسيح الذي هو إقنوم الإبن الجالس عن يمين الأب ، هذا ما أعلنته كلمة الله إذ تقول : " فَأَطْلُبُ أَوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ، أَنْ تُقَامَ طَلِبَاتٌ وَصَلَوَاتٌ وَابْتِهَالاَتٌ وَتَشَكُّرَاتٌ لأَجْلِ جَمِيعِ النَّاسِ، (١تيمو ٢ : ١) فالصلوات هي كلمات تحكي لله ما نعاني منه من الناس ، أما الابتهالات تحتوي علي طلبات تخص الأخرين وهذا مستوي من مستويات الشفاعة وليست للشفاعة ذاتها ، أما التشكرات فهي لسان الشكر والحمد لأجل جميع الناس .

الشفاعة هنا في كلمة : ابْتِهَالاَتٌ intercession  جاءت في اليوناني : ἔντευξις   وتنطق  enteuxis انتيفاكسس وتعني : مقابلة - دعاء - صلاة ، هذا معناه أن المؤمن عندما يصلي ويقدم ابتهالات فليس المقصود هنا شفاعة كمستوي أو مقام بل كلمات ترجي ومناجاة لأجل جميع الناس "  لأَجْلِ الْمُلُوكِ وَجَمِيعِ الَّذِينَ هُمْ فِي مَنْصِبٍ، لِكَيْ نَقْضِيَ حَيَاةً مُطْمَئِنَّةً هَادِئَةً فِي كُلِّ تَقْوَى وَوَقَارٍ، (١تيمو ٢ : ٢) هذا الأمر ينال قبول ورضي عند المسيح " لأَنَّ هذَا حَسَنٌ وَمَقْبُولٌ لَدَى مُخَلِّصِنَا اللهِ، (١تيمو ٢ : ٣) لأن في صلواتنا من أجل جميع الناس يصير اتفاق واتحاد في الرؤيا المرتبطة بإرادة الأب " الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ. (١تيمو ٢ : ٤) وهنا يأتي دور المسيح في مقام بهي كشفيع وكوسيط " لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، (١تيمو ٢ : ٥) ففي صلاة المؤمنين لم يراهم الرب شفعاء بل مصلين بكلمات الشفاعة ليتحرك الإبن المبارك كوسيط وشفيع.

كلمة وَسِيطٌmediator  وباليونانية μεσίτης  وتنطقmesitēs ميسويتس  وتعني : الذي يتدخل بين إثنين ، فمن يستطيع أن يكون في هذا المقام إلا الإبن المبارك ، فالشفيع وسيط بين الأب والإنسان ، ولا يحق لأي إنسان أن يحتل هذا المقام ، فعندما ننسب لأي إنسان مهما إن كان لقب شفيع فنحن نجعله في مقام الأقانيم الذين هم واحد في الأب ولهم حق الشفاعة بأن يقفوا نيابة عنا أمام الأب

إقنوم الإبن المبارك يعمل في مقام الشفيع في السماء وداخلنا أيضاً " فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ. (عب ٧ : ٢٥)

كلمة لِيَشْفَعَintercession  باليونانيةἐντυγχάνω  وتنطق entugchanō  إنتجشانو وتعني : التعامل مع - تصالح ، هذا هو دور المسيح داخلنا ، فهو يمنحنا دائماً الشعور بالمصالحة وتعامل الرب داخلنا فنكون دائماً في حالة رضي الأب ، وذلك لمسول الإبن أمام الأب دائماً ، فمن من البشر كفؤ لياخذ مقام ليس مقامه ومكانة ليست مكانته ، من هو كفؤ في الارض أو في الفردوس لينال شرف أن يكون شفيع ، دعونا ننظر لإقنوم الإبن والروح القدس لأنهما وحدهما لهم حق أن يكونوا في هذا المقام .

الروح القدس ودوره كشفيع :

الشفاعة مقام ومستوي لاهوتي لا يعتليه غير الله بأقانيمه الثلاثة ،  الأب مصدر القرار الإلهي والإبن الشفيع الذي دفع الثمن دمه عندما تجسد ، والروح القدس الذي سكب نفسه لأجل الكنيسة ، هؤلاء الإثنان أمام الأب يشفعان من أجلنا ، فمن يلقب نفسه أو يقبل لقب الشفيع يكون قد تساوي مع الله وحاشا لله أن يكون لأحد هذا المقام وهذا المستوي ، فالشفاعة مستوي للاهوت لا يكون لغير الله.

المؤمن الذي يصلي بكلمات تشفع فهو في الأول والأخير يصلي وحسب رؤية الله في ثالوثه المبارك يقرر قبول كلمات الصلاة او رفضها ، لذلك تم رفض صلوات إرميا وغيرهم من رجال الله وقد يقبل صلوات البعض الاخر ليس لعجز في المصلي بل قد يكون العجز في حالة المصلي من أجلهم  ، بالطبع نتكلم عن مؤمنين مصلين موجودين في عالمنا ولم ينتقلوا للعالم الأخر ، فهم وحدهم الذين لهم حق الصلاة والطلبة اما المنتقلون فليس لهم صلوات بل لهم الراحة في مكان انتظار في تعزية مستمرة وفرح أبدي .

الروح القدس شفيع المؤمنين في وسط العالم المضطرب المنزعج فهو المعزي " وَكَذلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا، لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا. (رو ٨ : ٢٦)

كلمة يَشْفَعُintercession  باليونانيةὑπερεντυγχάνω  وتنطق huperentugchanō  برنتخانو وتعني  يشفع - يتدخل لصالح .

الروح القدس له الحق بالتدخل لصالحنا والتشفع من أجلنا ، لأن له الإستطاعة علي فحص الدواخل والقلوب ، لذلك لا يوجد أي من البشر له نفس الواقع الروحي ليشفع وليكون شفيعاً .

من يلجأ لغير المسيح والروح القدس لينال منهم شفاعة فهو يسلك طريق باطل ليس له اي سند كتابي ، لأن الذي يشفع يكون له المقدرة لفحص الأعماق ، ومن ذا الذي له المقدرة لفعل هذا إلا الأقانيم الثلاثة ، فالروح القدس يفحص القلوب " وَلكِنَّ الَّذِي يَفْحَصُ الْقُلُوبَ يَعْلَمُ مَا هُوَ اهْتِمَامُ الرُّوحِ، لأَنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يَشْفَعُ فِي الْقِدِّيسِينَ. (رو ٨ : ٢٧)

كلمة يَشْفَعُ هي نفس الكلمةintercession  باليونانيةἐντυγχάνω وتنطقentugchanō   إنتغانو وتعني  يشفع - يتدخل لصالح .

الروح القدس له الحق أن ينطق فينا بكلمات شفاعة يسمعها الإبن ويسمعها الأب مباشرة فيستجيبها بحسب الرؤيا التي للروح القدس الذي نطق بها في داخلنا بكلمات السنة يسميها الكتاب بِأَنَّاتٍ لا ينطق بها " وَكَذلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا، لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا. (رو ٨ : ٢٦) فدور الروح القدس يعمل داخلنا ودور الإبن المبارك أمام الأب ، وهنا تصير الأجواء الروحية التي لنا مغطاة في السماء وعلي الأرض ولسنا في إحتياج لشفعاء ياخذون دور الاقانيم في حياتنا ، المؤمنين هم مساندين حياتنا بصلواتهم وكلماتهم التشفعية التي يرفعونها لله ، وإن كانوا يسيرون في طريق التشفع ولكن لا يجب أن نطلق عليهم شفعاء ، وكانهم يعتلون مركز ليس لهم ، بل هم مصلون أولاً وأخيراً ، فالصلاة قد تكون شفاعية ولكنهم ليسوا بشفعاء

الروح القدس دفع نفسه ثمن كما دفع المسيح نفسه ثمن " لأَنِّي أَسْكُبُ مَاءً عَلَى الْعَطْشَانِ، وَسُيُولاً عَلَى الْيَابِسَةِ. أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى نَسْلِكَ وَبَرَكَتِي عَلَى ذُرِّيَّتِكَ. (إش ٤٤ : ٣)

كلمة أَسْكُبُ رُوحِيpour   وتعني يسكب وبالعبرية יצק وتنطق yâtsaq  يادساك وتعني سكب - بذل ـ نفذ .

كما بذل المسيح نفسه هكذا بذل الروح القدس ذاته لأجل الكنيسة " وَيَكُونُ بَعْدَ ذلِكَ أَنِّي أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَحْلَمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى. (يؤ ٢ : ٢٨)

كلمة أَسْكُبُ pour  بالعبري שׁפך وتنطق shâphak  شافاك وتعني : سكب - بذل نفسه - نفذ .

عندما انسكب الروح القدس علي التلاميذ يوم الخمسين هنا بذل نفسه ، أعطي الروح القدس ذاته لأجل الكنيسة ، لذلك يحق للروح القدس وبجدارة وقد استخدم الوحي في للعهد الجديد نفس الأية التي في يوئيل " وَعَلَى عَبِيدِي أَيْضًا وَإِمَائِي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ فَيَتَنَبَّأُونَ. (أع ٢ : ١٨)

كلمة أَسْكُبُ في اليوناني ἐκχέω ἐκχύνω  وتنطق ekcheō ekchunō  اكشيو اكشينو وتعني صب - سكب .

 وهنا نري أن إنسكاب الروح القدس ما هو إلا ثمن دفعه من أجل إمتداد للكنيسة وتحقيق مشيئة الأب في ملكوته ، فعندما يتشفع فشفاعته مقبولة

تزييل مهم عن ما سبق :

تكلمنا عن شفاعة إرميا النبي في بداية الدراسة ، وتكلمنا عن بعض الأنبياء في دائرة الإختبار بالشفاعة أيضاً في سفر ارميا ، ثم وضحنا الفرق بين الشفاعة التوسلية والكفارية ، وأن الشفاعة الكفارية تخص الله المثلث الأقانيم ،اما الشفاعة التوسلية فهي تخص نوع من الصلوات لبعض المؤمنين الأحياء علي الأرض فقط ، وانها مهما كانت فهي صلاة لها خط تشفعي ، ولكن الله يراها صلوات قد تقبل وقد ترفض ، ثم اوضحنا انه لا يجوز اطلاقاً إعطاء لقب شفيع لغير المسيح والروح القدس ، لاننا عندما نلقب شخصاً بالشفيع فنحن نؤلهه ، ولكن يجوز أن نقول عن نوع من انواع الصلاة انها شفاعة ، وفي اثناء الدراسة تم توضيح الثمن الذي قدمه المسيح والثمن الذي قدمه الروح القدس ، وعندما يتشفعان فهم يتشفعان علي حساب الثمن المدفوع من كل منهما نحونا ، لذلك تكون شفاعتهم وساطة ولا تحتوي علي ترجي أو صلاة أو توسل ، لانهما عكس البشر في طريقة تقديم الصلوات كشفاعة .

شفاعة بعض رجال الله :

إيليا النبي هل تشفع ؟ وتشفع لمن ؟ إن الكتاب المقدس يذكر كلمة شفاعة عن صلوات إيليا عندما توسل إلي الله عندما قال : " فَقَالَ: "قَدْ غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ، لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ، وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَا". (1مل ١٩ : ١٠) فنري للوهلة الأولي انها شكاية لله ، ولكن الرسول بولس قال أن إيليا تشفع عن بي اسرائيل حينما قال عبارة توسل " لَمْ يَرْفُضِ اللهُ شَعْبَهُ الَّذِي سَبَقَ فَعَرَفَهُ. أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ فِي إِيلِيَّا؟ كَيْفَ يَتَوَسَّلُ إِلَى اللهِ ضِدَّ إِسْرَائِيلَ قَائِلاً:"يَارَبُّ، قَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ وَهَدَمُوا مَذَابِحَكَ، وَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي!".لكِنْ مَاذَا يَقُولُ لَهُ الْوَحْيُ؟ "أَبْقَيْتُ لِنَفْسِي سَبْعَةَ آلاَفِ رَجُل لَمْ يُحْنُوا رُكْبَةً لِبَعْل". (رو١١: ٢-٤)

كلمة يتوسلintercession  بالعبريἐντυγχάνω  وتنطق entugchanō   انتنغانو وتعني يشفع - يتدخل لصالح .

 فهو لم يكن متزمراً بل كانت له رؤيا ناقصة وغير مكتملة ، لذلك كان يتوسل وكانت اجابة الرب له أن للرب شهود سَبْعَةَ آلاَفِ رَجُل لَمْ يُحْنُوا رُكْبَةً لِبَعْل ، ولذلك كان توسله يراه الرب شفاعة ولكن الرب صحح له المعلومات الروحية التي لم يراها ، وعندما طلب أن يأخذ الرب نفسه استجاب له الرب ولكن بطريقه الرب وليس بطريقة إيليا ، أما عن كلماته النارية المستجابة فهي مرتبطة بمستوي دعوة الله له ، لذلك كان يُدرك مستوي هذه الدعوة ،وكان يستخدمها لخدمة الرب وامتداد ملكوته ، فلم يكن إيليا يوماً شفيعاً بل كان رجلاً محباً للرب ولشعبه فاستخدمه الرب لمجده ، وإيليا من جانبه كان خاضعاً لله .

موسي النبي هل تشفع عن بني اسرائيل ؟ إن النبي موسي عندما كان يتكلم مع الله فكانت مرتبطة بمستوي الدعوة الإلهية الخاصة به ، فقد كانت للإستخدام الإلهي وليس للتشفع " فَقَالَ مُوسَى: "هَا أَنَا أَخْرُجُ مِنْ لَدُنْكَ وَأُصَلِّي إِلَى الرَّبِّ، فَتَرْتَفِعُ الذُّبَّانُ عَنْ فِرْعَوْنَ وَعَبِيدِهِ وَشَعْبِهِ غَدًا. وَلكِنْ لاَ يَعُدْ فِرْعَوْنُ يُخَاتِلُ حَتَّى لاَ يُطْلِقَ الشَّعْبَ لِيَذْبَحَ لِلرَّبِّ". (خر ٨ : ٢٩)

كلمة وَأُصَلِّيwill intreat  في العبري עתר وتنطق âthar  اثار ، وتعني صلاة - التماس - توسل .

كما شرحنا إنها صلوات لها واقع روحي في مستوي التشفع ، ولكنها صلوات! لأن الشفاعة تكون أمام الأب. أما علي غير ذلك فهي صلوات ، وللتأكيد اقول أن موسي لم يكن شفيعاً بل قدم صلوات شفاعة ( توسل ) وبحسب واقعها الروحي قد تستجاب أو تُرفض . ( الواقع الروحي هنا هي الدعوة الإلهية لموسي ) هكذا في جميع صلوات موسي وكل رجال الله الأفاضل فلم يكن فيهم من يستحق أن يعتلي مقام الشفيع .

وقف موسي أمام الرب ( إقنوم الإبن ) وتضرع اليه "  فَتَضَرَّعَ مُوسَى أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِهِ، وَقَالَ: "لِمَاذَا يَا رَبُّ يَحْمَى غَضَبُكَ عَلَى شَعْبِكَ الَّذِي أَخْرَجْتَهُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ بِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ وَيَدٍ شَدِيدَةٍ؟ (خر ٣٢ : ١١) كلمة وتضرع - besought  بالعبري חלה وتنطق châlâh  وتعني : توسل - دعاء - تسول - صار مريضاً ، وهذا معناة أن مستوي الصلاة يرتقي لمستوي الشفاعة ، فاستجاب الرب وابقي علي شعب الرب " فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ. (خر ٣٢ : ١٤) ولكن الرب أعلن قضاءه علي كل الجيل الخارج من ارض مصر وماتوا جميعاً ما عدا كالب ويشوع ، حتي موسي نفسه لم يدخل ارض الموعد .

أبونا ابراهيم وتشفعه ؟

أحبائي .. علي نفس النهج الذي رُسم في سطور هذه الفصول والعناوين نري أن ما قدمه أبونا إبراهيم صلوات أو توسل من أجل لوط ومن أجل مدينة قد يكون فيها عشرة أفراد أبرار أو اتقياء ، هذا التوسل في مستوي شفاعة مبني علي روح الرافة ، ولكنه فاقد الرؤيا الكاملة عن شعب تغلغل فيه الفساد والشر من الساس للراس ، لذلك لم يستجيب الرب لينجي المدينة ، ليس لأن صلوات أبونا إبراهيم غير مستجيبة بل لأن المدينة لا يوجد فيها واحد من شعبها يجعل الرب يترأف عليها ، لذلك أهلك المدينة وتم نجاة لوط من أجل أبونا إبراهيم ، وَقَالَ الرَّبُّ: " إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ، وَخَطِيَّتُهُمْ قَدْ عَظُمَتْ جِدًّا. (تك ١٨ : ٢٠)

كلمة صُرَاخَ جاءت في الانجليزيةcry  وتعني بكاء في العبرية זעקה זעק وتنطق za‛aq ze‛âqâh  وتعني بكاء - احتجاج ، وهذا ليس إلا ضوضاء وازعاج وصل للرب في عرشه ، فجاء ليخبر أبونا إبراهيم عن القضاء الإلهي " أَنْزِلُ وَأَرَى هَلْ فَعَلُوا بِالتَّمَامِ حَسَبَ صُرَاخِهَا الآتِي إِلَيَّ، وَإِلاَّ فَأَعْلَمُ". (تك ١٨ : ٢١) ثم ابتدأ أبونا إبراهيم فالتوسل من أجل سدوم "  فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: "أَفَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ؟ (تك ١٨ : ٢٣) الي اخر القصة نري أن الرب وعد ابراهيم أنه إن وجد عشرة من الأبرار في سدوم فلن يهلكها " فَقَالَ: "لاَ يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ هذِهِ الْمَرَّةَ فَقَطْ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ". فَقَالَ: "لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ". (تك ١٨ : ٣٢) فلم يذكر الكتاب مصطلح تشفع في هذا الجزء ، لكننا نري الطريقة التي تكلم بها مع الرب هي التوسل ، وعلي رغم من هذا لم يرحم سدوم وعمورة واهلكهم ، ليس لأن توسل أبونا إبراهيم مرفوض بل لأن شعب سدوم فاقد روح التوبة والرجوع للرب ، هذا بالإضافة أن الرؤيا الغير مكتملة عن شعب سدوم وعمورة لذلك لم يكون أبونا إبراهيم شفيعاً ، بل عندما وُضع في موضع رأي أن يتكلم مع إله السماء عن شعب يحتاج لمن يتوسل من أجلهم فلم يتأخر ، وهذا إمتياز روحي رائع ولكنه مؤقت لأنه يرتبط بحالة معينة في وقت معين ولم يتكرر في حياة ابراهيم مرة أخري .

هل الذين  سبقونا يتشفعون  ؟

بعض الطوائف تؤمن بان كل القديسن والشهداء لهم مكانتهم كشفعاء عنا في السماء ( لا أقصد مهاجمة او نقد ) ولكن بحسب كلمة الله نري أنه لا يوجد أية أو قصة تفيد بان المؤمنين المنتقلين ينالون شرف أن يكونوا شفعاء ، فالذين يرقدون في الرب يستريحون من كل شيء " وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً لِي: "اكْتُبْ: طُوبَى لِلأَمْوَاتِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فِي الرَّبِّ مُنْذُ الآنَ". "نَعَمْ" يَقُولُ الرُّوحُ: "لِكَيْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ أَتْعَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ". (رؤ ١٤ : ١٣) فالمؤمنين المنتقلين من عالم الأتعاب يكونون في راحة دائمة وسلام غير عادي ، لذلك هم لا يجاهدون في صلواتهم ولا يتشفعون ، وهذا واضح في النفوس التي تحت المذبح " وَلَمَّا فَتَحَ الْخَتْمَ الْخَامِسَ، رَأَيْتُ تَحْتَ الْمَذْبَحِ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ الشَّهَادَةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُمْ،وَصَرَخُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلِينَ:"حَتَّى مَتَى أَيُّهَا السَّيِّدُ الْقُدُّوسُ وَالْحَقُّ، لاَ تَقْضِي وَتَنْتَقِمُ لِدِمَائِنَا مِنَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ؟" (رؤ٦: ٩-١٠)

كلمة وَصَرَخُوا cried  وتعني بكاء ، وفي اليوناني κράζω وتنطق krazō -  كرازو وتعني البكاء بصوت عالٍ - صرخة الإنتقام ، فهم لا يشفعون بل يطلبون للإنتقام وهذا ليس بشفاعة

الشفعاء الوحيدون هما المسيح الذي هو إقنوم الإبن والروح القدس الذي هو روح الله ، ولا يوجد في الأرض أو في السماء غيرهما لهم حق نوال هذا اللقب وهذا المقام ، لا من البشر ولا من الملائكة ، ولكن يجوز للمؤمنين الذين علي قيد الحياة ولم ينتقلوا من العالم أن يتشفعون بصلواتهم التي هي عبارة عن توسل وترجي ، وإن تم إستجابة الصلاة ، فهذا لا يعطيهم حق أن يلقبوا بشفعاء

يبقي شيئاً مهماً أن الاية التي تقول : " يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآب ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. (1يو ٢ : ١) هذه الاية تجمع الإقنومين معاً عند شفاعتهما عنا لدي الآب

كلمة شفيع advocate  في الانجليزية ترجمت محامي ، وفي اليونانية παράκλητος  جاءت باراكليت أي الروح القدس ، فتصير الأية هكذا : " يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا الروح القدس عِنْدَ الآب ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. " فالإقنومين يملأن الأجواء السمائية ولا يجوز أن يقاسمهما اخر في هذا المقام .

من يلجأ لغير المسيح والروح القدس في أمر الشفاعة يسير في طريق غير كتابي ، لأنه بذلك يساوي الشفعاء بالمسيح وبالروح القدس ، عندما ظهر موسي وإيليا علي جبل التجلي ، المنظر أبهر بطرس فبتلقائية قال " وَفِيمَا هُمَا يُفَارِقَانِهِ قَالَ بُطْرُسُ لِيَسُوعَ: "يَامُعَلِّمُ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا. فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةً، وَلِمُوسَى وَاحِدَةً، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً". وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ. (لو ٩ : ٣٣)

فلم توافقه السماء وارسلت سحابة اخذتهم من المشهد ولم يبقي إلا يسوع وحده " وَصَارَ صَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً:"هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا".وَلَمَّا كَانَ الصَّوْتُ وُجِدَ يَسُوعُ وَحْدَهُ، وَأَمَّا هُمْ فَسَكَتُوا وَلَمْ يُخْبِرُوا أَحَدًا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَبْصَرُوهُ. (لو٩: ٣٥-٣٦) فمساواة الأفاضل القديسين بالمسيح وبالروح القدس من أخطر التعاليم التي يرفضها الرب ، فليكن الرب وحده مركز حياتك ولا يساويه أحد ، فهو حي وموجود وقال " وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ". آمِينَ. (مت ٢٨ : ٢٠) وجوده معنا يكفي ولا نحتاج لغيره ليمثلنا أمام الأب ليتشفع لنا .

 

 

أناشدك أن تقرأ هذه الدراسة مرة أخرى وبتمعن لانها في غاية الأهمية ، واصلي من أجل كل قارئ قرأ هذه الدراسة ، أصلي أن تكون لمجد اسم المسيح دائماً ، وإن كانت هذه الدراسة أحدثت تغيير في حياتك فيشرفني مراسلتك لنا للمتابعة والرب يباركك .

 

 


 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس