محطات روحية ما بين الأرض والسماء

 



محطات روحية

 ما بين الأرض والسماء

  

بقلم

القس عماد عبد المسيح

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الفهرس

- مقدمة :

-  تشكيل خفي في عتمة الحياة - رحلة الإنسان بين التحديات والتطورات 

١ - محطة الميلاد علي مرحلتين :

- الميلاد بداية رحلة الروح نحو الخلود - ادراكات الميلاد الثاني - العمل الإلهي للولادة من فوق - الشهادة المسيحية - من الميلاد الثاني لختم الروح

٢ - محطة المعمودية بالماء :

- التلمذة مفتاح الدخول للمعمودية - التوبة اولا قبل المعمودية - تأكيد الفكر وتزيله للتأصيل - المعمودية بابتيزما ( تغطيس ) - بالإيمان والتوبة فرح في السماء - المعمودية غسل أم سؤال ضمير صالح

 ٣ - محطة الصليب والقيامة :

- المصالحة مع الله - نتائج عمل الصليب والمصالحة - غفران الخطايا - الشركة مع الله - كسرت العداوة وتمت المصالحة وصنع سلاما - قيامة المسيح ودورها في حياة المؤمن - الحالة قبل القيامة - فترة الحزن والكآبة - الظهور للجميع - في القيامة فرصة للتغيير

٤ - محطة الشهاده والخدمه والثمار الروحيه :

ـ الشهادة الشخصية ومشاركة الايمان- لقاء السامرية -  بولس وسجان فيلبي - الخدمة كعمل يهدف لخلاص النفوس - ارتباط الخدمة والشهادة بثمر الروح - اهمية محطة الشهادة والخدمة وثمر الروح

٥ - محطة ملء الروح القدس وإرشاده :

- التكليف من الروح القدس بعمل خاص ـ التوجيه الحكيم وانتاج الثمار - عمل الروح القدس في مواجهة الشك

٦ ـ خاتمة

مقدمة

 

الوسط الإجتماعي الذي يمر به الإنسان في العلاقات مع العائلة والأصدقاء والزملاء تُشكل قيمنا ومعتقداتنا، وتُنمي مهاراتنا الإجتماعية والعاطفية، وفي المواقف سواء واجهنا نجاحًا أو فشلًا، تحديات أو سهولة، تُشكل هذه المواقف قدرة تحملنا وصبرنا، وتُعلمنا مهارات حلّ المشكلات والتكيف التي في الحياه العمليه التي يمر بها، كالتجارب الحياتية، سواء كانت سعيدة أو حزينة، فهي تُثري خبراتنا وتُوسع مداركنا، وتُشكل نظرتنا للحياة، تكون بمثابة محطات تشكل فيه تشكيلا خفيا، يكتشف بعد مرور الوقت أنها غيرته كثيرا، أو من حوله يكتشفون ذلك، بأنه قد تغير للأفضل فبعض المواقف تساهم في تنمية مهاراتنا واكتساب صفات إيجابية، مثل الصبر، والشجاعة، والمثابرة، والتعاطف، أو للأسوأ بحسب أنواع المحطات التي يمر بها الإنسان وبحسب إستعداده النفسي لإستقبال هذا الواقع الذي يمر به سواء كان واقعا جميلا او مؤلما، فقد تُؤدي بعض المحطات إلى اكتساب صفات سلبية، مثل الخوف، والقلق، والعدوانية، والسلبية، إن رحلة الروح البشرية من الأرض إلى السماء رحلة غنية بالمعنى والإيمان فمن خلالها، نُدرك عظمة الله وحبّه لها فتصبح أقرب إليه، يلعب الإستعداد النفسي دورًا هامًا في كيفية استقبالنا للأحداث وتأثيرها علينا. فالشخص ذو النظرة الإيجابية والمتفائلة، يستطيع تحويل التحديات إلى فرص للنمو والتطور، بينما قد ينهار الشخص ذو النظرة السلبية تحت وطأة الضغوطات، فرحلة الإنسان في الحياة ما هي إلا رحلة اكتشاف الذات والتطور من خلال هذه الرحلة، نتعلم وننمو، ونُصبح أشخاصًا أفضل.

-  تشكيل خفي في عتمة الحياة :

يولد الطفل ويخرج الى الحياه من عالمه المعتم داخل رحم الأم الى الحياة الغامضة داخل رحم الحياة، فهي رحلة الحياة صقل الشخصية عبر تجارب لا حصر لها،  يولد الطفل، حاملا معه ضوءاً خافتاً من عالمٍ غامضٍ عرفه داخل رحم الأم، ثم يخطو خطواته الأولى في رحلة الحياة، رحلةٌ مليئة بالغموض والتحديات، رحلةٌ تصقل شخصيته وتُشكل مستقبله، مع كل تجربةٍ يمر بها الإنسان، تُضاف محطةٌ جديدة إلى مسار حياته، تتراكم هذه المحطات لتُشكل لوحةً فسيفسائيةً ( لوحة فنية مكونة من قطع صغيرة ملونة مرتبة بشكل فني تستخدم في الديكور الداخلي لتزيين الجدران أو الأرضيات، تقنية فنية قديمة قطع صغيرة من الزجاج أو الفخار أو الأحجار لتكوين أشكال ونقوش ) تُجسّد شخصيته، ففي كل موقفٍ وعلاقةٍ، نتعلم وننمو، تاركين وراءنا طبقاتٍ من ذواتنا القديمة، ونكتسب بدلا منها سماتٍ جديدة لم نكن نعرفها عن أنفسنا، يخرج منها بتكوين شخصية إما سويه ناضجة أو مشوهة متعبه، لأنه يخوض في رحلته عبر الحياة تجارب لا حصر لها، كمحطات متعاقبة تشكل شخصيته وتُنير دروب مستقبله. ففي كل موقف وعلاقة، نتعلم وننمو، تاركين وراءنا طبقات من ذواتنا القديمة، ونكتسب بدلا منها سماتٍ جديدة لم نكن نعرفها عن أنفسنا، فمن خلال التحديات، نكتشف قدراتٍ لم نكن نعلم بوجودها، ونُنمّي مهاراتٍ تُساعدنا على المضي قدماً. كما تُعلّمنا التجارب الإيجابية معنى السعادة والامتنان، وتُثري علاقاتنا مع الآخرين، رحلة صقل الشخصية لا تتوقف عند نقطةٍ محددة، فالإنسان كائنٌ متطورٌ بطبعه، يسعى دائماً إلى التعلم والنمو، ومع كل تجربةٍ جديدة، تتغير نظرتنا للحياة ونُصبح أكثر نضجاً ووعياً.

- رحلة الإنسان بين التحديات والتطورات :

التأثيرات الحياتية سواء كانت سريعة أو بطيئة، واضحة أو خفية، تُشكلنا دون أن ندرك أحيانًا. فمع مرور الوقت، نُصبح أشخاصًا مختلفين عما كنا عليه في بداية رحلتنا، قد يلاحظ بعضنا هذا التحول بوضوح، بينما يكتشفه البعض الآخر من خلال نظرة الآخرين لنا أو من خلال تصرفاتنا التي لم تعد كالسابق، وتُعدّ رحلة الروح البشرية من الأرض إلى السماء رحلةً غنيةً بالمعنى والإيماني، من خلالها نُدرك عظمة الله وحبّه لنا، ونُصبح أقرب إليه ففي كل تجربة، نتعلم درسًا جديدًا عن أنفسنا وعن العالم من حولنا، ونُقترب أكثر الي درجة  الكمال المطلوب أن نكون فيه، تحدث هذه التأثيرات نتيجة تراكم الخبرات والتجارب اليومية، قد لا نلاحظها بشكلٍ مباشر، لكنّها تُشكلنا تدريجيًا وتُصبح جزءًا من هويتنا، التأثيرات الواضحة هي تلك التي ندركها بسهولة ونُلاحظها في أنفسنا، قد تكون هذه التأثيرات في طريقة تفكيرنا أو سلوكنا أو مشاعرنا، اما التأثيرات الخفية هي تلك التي يصعب ملاحظتها بشكلٍ مباشر، لكنّها تُؤثر علينا دون أن ندرك، قد تكون هذه التأثيرات في معتقداتنا أو قيمنا أو أفكارنا، لذلك علينا مع كل تجربة، نتعلم درسًا جديدًا عن أنفسنا وعن العالم من حولنا، تُساعدنا هذه الدروس على النمو والتطور كأفراد في - نقاط قوتنا ونقاط ضعفنا - قيمنا ومعتقداتنا - دوافعنا ورغباتنا - احتياجاتنا ومشاعرنا، بالاضافة الي طبيعة الحياة والموت - وعلاقاتنا مع الآخرين - ومسؤولياتنا تجاه المجتمع

تسعى رحلة الروح البشرية إلى الوصول إلى الكمال المنشود، ويتم ذلك من خلال التقرب الي الله، يتحقق ذلك من خلال الإيمان به وطاعته واتباع تعاليمه، ايضا تنمية الذات يتحقق ذلك من خلال التعلم والنمو والتطور في جميع جوانب حياتنا، وخدمة الآخرين يتحقق ذلك من خلال مساعدة المحتاجين ونشر الخير في المجتمع، فالحياة رحلةٌ مليئةٌ بالتحديات والفرص. وتُشكلنا هذه الرحلة وتُصقلنا وتُقربنا من الكمال المنشود.

 إنّ استعدادنا النفسي لتقبل هذه التجارب، سواء كانت جميلة أو مؤلمة، يلعب دورًا هامًا في كيفية تأثيرها على حياتنا فالشخص المُستعدّ للتحديات والمتقبل للحياة بصدرٍ رحب، سيجد في كل تجربة فرصةً للنمو والتطور، أما الشخص المُنكسر والمتشاؤم، فقد يرى في نفس التجارب قسوةً وظلمًا، مما قد يُعيقه عن التقدم والتطور، إنّ رحلة الإنسان في الحياة رحلةٌ مليئةٌ بالتحديات والفرص، رحلةٌ تُشكّلنا وتُنير دروب مستقبلنا، وعلينا أن نكون مُستعدين لتقبل هذه التجارب بصدرٍ رحب، وأن نتعلم منها وننمو من خلالها.

 

  

 ١

 محطة الميلاد علي مرحلتين

 

- الميلاد بداية رحلة الروح نحو الخلود :

يُولد الإنسان مرتين - جسدياً وروحيا، فعن جسديا يجب يطلب من الله دخوله في دائرة ميلاده الروحي، لأن في عدم ميلاد الروح يكون معرض للهلاك الأبدي، فالميلاد الأول يُدخله إلى ( الحياة الدنيا ) فلو إستمر محتفظ فقط بالميلاد الجسدي دون الروحي فلن يكون له مصير إلا العذاب الأبدي لأنه يمتلك فقط الهوية الزمنية، بينما يُدخله الميلاد الثاني إلى ( الحياة الأبدية ) لأن في الميلاد الروحي قصه روحيه يدخل فيها الإنسان كله روحا ونفسا وجسدا في دائرة العلاقة مع الله وبدون الميلاد الثاني الروحي لن يحصل على الهوية السماوية.

يُمثل الميلاد الجسدي بداية رحلة الجسد على الأرض. ففي هذا الحدث جاء بنا الله إلى عالمنا ووهب لنا الحياة، ومنحنا بذرة الإمكانيات لنبدأ رحلة التعلم والنمو ولنكتشف هدفنا ونحقق رسالتنا، قد خلق الله الإنسان كاملا في علاقته مع ذاته ومع شريكة حياته، عندما خلق الله الإنسان كان كاملا بلا خطية، ولكن بالعصيان فقد العلاقة مع الله وفقد الهوية السماوية وإحتاج أن يكون له ولادة جديدة تعيد له العلاقه السماويه بينه وبين الله، هذا الأمر بادر به الله وعالج الموقف مع آدم بالذبيحه " وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لا تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ! (عب ٩ : ٢٢) ومن هنا ابتدأ يصير للإنسان بداية جديدة لحياة جديدة بالذبيحة التي يقدمها، لذلك أتى المسيح وصنع بنفسه تطهيرا لخطايانا وفتح الأبواب السماوية أمام الإنسان بدون ذبيحة حيوانية ليصير هو الذبيح الأعظم من أجلنا، فالإيمان به يدخل الإنسان لدائرة العلاقة مع الله بالميلاد الثاني.

 بالميلاد الثاني دخول إلى الحياة الأبدية " أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:"الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لا يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لا يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ الله. (يو ٣ : ٣) الميلاد الثاني هو الميلاد الحقيقي، هو الميلاد الروحي الذي يفتح أبواب السماء، ويخلق الإنسان من جديد ويصيره خليقة جديدة " إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا ( ٢كو ٥ : ١٧ )  فبدونه يصير الإنسان في دائرة الموت الأبدي - الميلاد الروحي هو مفهوم أساسي في المسيحية يتحدث عن التحول الروحي والخلق الجديد في حياة المؤمن، في هذا السياق نجد أن المسيح يقول: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لا يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لا يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ الله (يوحنا ٣: ٣). هذا يشير إلى أن الدخول إلى ملكوت الله يتطلب ولادة جديدة، ليست جسدية بل روحية، تعني تحولا جوهرياً في الكيان الإنساني،

هذه الولادة الجديدة هي الميلاد الحقيقي الذي يفتح أبواب السماء ويجعل الإنسان خليقة جديدة، هذا يشير إلى أن الميلاد الثاني ليس مجرد تغيير في السلوك أو الفكر، بل هو خلق جديد بالكامل، حيث يتم تجديد الكيان الداخلي للإنسان، فبدون هذا الميلاد الروحي، يبقى الإنسان في دائرة الموت الأبدي، غير قادر على اختبار الحياة الأبدية التي وعد بها المسيح، الميلاد الثاني هو الباب الذي يدخل منه المؤمن إلى حياة جديدة مليئة بالنعمة والحق، حيث يصبح ابنًا لله ويختبر الشركة الحقيقية معه، الميلاد الثاني هو التحول الروحي العميق الذي يجعل الإنسان مستعداً لملكوت الله، وهو الحياة الجديدة التي يهبها المسيح لكل من يؤمن به.

- كيف يتم ويحدث الميلاد الثاني ؟:

 الميلاد الثاني أو الولادة الجديدة مفهوم روحاني يشير إلى تحول جذري في حياة الإنسان يتم بواسطة الروح القدس، هذا ايضا كان سؤال نيقوديموس " كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هذَا؟ (يو ٣ : ٩) كانت إجابة المسيح مرتبطة بالإيمان به " اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لا يُدَانُ، وَالَّذِي لا يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ الله الْوَحِيدِ. وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. (يو٣ : ١٨-١٩) الميلاد الثاني يحدث من خلال إيمان الشخص بالمسيح إيمان كامل، مرتبط بالتجسد والالام والموت والقيامة، الإيمان بالمسيح كنبي فقط، كالإيمان الوراثي الذي لا يفيد، والإيمان بالمسيح العقلي الناتج عن دراسه وتحليل فقط إيمان ناقص ايضا لا يفيد، أما الإيمان القلبي أي أن كل ما في داخل العقل من معلومات ايمانيه عن المسيح تتحول الى داخل القلب وتغيره - هذا هو الميلاد الثاني، هذا بالاضافه الى الطريقة الميكانيكية الروحية التي تحدث في كل من يؤمن مرتبطة بعمل الروح القدس لأنها من فوق عندما قال: " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لا يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لا يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ الله. (يو ٣ : ٣) اذا فالولاده من فوق تعني الإيمان بما صنعه المسيح من أعمال الهية، والايمان بآلامه وموته وقيامته وصعوده أي إيمان كامل بالمسيح وبعمله الفدائي.

 - العمل الإلهي للولادة من فوق :

يوجد خطين اساسيين في عملية الولادة الثانية، الأول هو الماء أي كلمة الله والروح أي الروح القدس " أَجَابَ يَسُوعُ:"الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لا يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لا يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ الله. (يو ٣ : ٥) فيتحول الإنسان من دائرة الجسد الي دائرة الروح، أي أنه في الولادة الجديدة الثانية يمتلك الإنسان قدرة روحية في روحه لإدارة سلوكياته " اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ. (يو ٣ : ٦) فالقادر علي التغيير هو الذي يقوم بعملية الولادة، فكلمة الله حية لذلك فهي قادرة علي تغيير الإنسان وولادته " لأنَّ كَلِمَةَ الله حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ. (عب ٤ : ١٢) فلا يوجد في دائرة الله من يكون قادر علي التغيير وعلي تفعيل قوة الإرادة في حياة الإنسان من دائرة الجسد الي دائرة الروح غير الله في ثالوثه وكلمته الحية، ومن يضيف ثالث غيرهما فقد ( انحرف عن الحق ) لأنه أضاف غيرهما بدون فهم أو معرفة، لذلك يقول الرسول بطرس أن الولادة الثانية تتم من خلال الكلمة المقدسة ( الكتاب المقدس ) " مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لا مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لا يَفْنَى، بِكَلِمَةِ الله الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الأبَدِ. (١بط ١ : ٢٣) لذلك أستطيع أن أقول أن الله هو الأب " اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلا مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلا مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ الله. (يو ١ : ١٣) (١يو ٣ : ٩) وكلمته المقدس هي الأم التي ولدتنا " فَأَجَابَهُ يَسُوعُ قِائِلا:"مَكْتُوبٌ: أَنْ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ الله". (لو ٤ : ٤) فالإنسان الذي ياتي الي الله طالبا تغييره وولادته عليه أن يؤمن بالمسيح ويصدق كلمته المقدسة " كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ الله. وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضًا. (١يو ٥ : ١) وبهذا تلحق والمستوي يكون قد غلب العالم بالايمان " لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الله يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا. (١يو ٥ : ٤) وبالتالي ينال الشهادة

- الشهادة المسيحية :

الشهادة المسيحية من يقرها نال الخلاص ومن يرفضها رفض الخلاص " مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ الله فَعِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ. (١يو ٥ : ١٠) إن هذه الشهادة وجب علي كل مسيحي أن يعرفها ويرددها ويسلك بموجبها إنها إعلان إيمان " وَهذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ:

أَنَّ الله أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ.(١يو ٥ : ١١)

من لا يؤمن بهذه الشهادة فقد إشترك في إهانة الله " مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ الله فَعِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ. مَنْ لا يُصَدِّقُ الله، فَقَدْ جَعَلَهُ كَاذِبًا، لأنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا الله عَنِ ابْنِهِ. (١يو ٥ : ١٠) فهل تؤمن بالشهادة ... إنها تعلن شيئا واحدا - الإيمان بابن الله ( العمل الكامل من تجسده وفداءه وقيامته وصعودة ) والإيمان بقدرته علي التغيير (١يو ٥ : ١٢) وهذا يمنحنا القدرة علي السير قدوما في دائرة الروح " نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الله لا يُخْطِئُ، بَلِ الْمَوْلُودُ مِنَ الله يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لا يَمَسُّهُ. (١يو ٥ : ١٨) فبدون هذا الفهم يصير الإنسان فاقد للاهلية الروحية لأنه لم يؤمن بالشهادة.

 - من الميلاد الثاني لختم الروح :

داخل محطة الميلاد تمتعنا بالتمثيل الجسدي الذي هو بداية رحلة الجسد على الأرض من خلال الميلاد الأول، ولن يكمل أماننا وإيماننا إلا من خلال دخولنا لدائرة الميلاد الثاني الذي يحتوي علي مستوي إيماني بإبن الله وعمله الكفاري والدخول علي دائرة قول الشهادة والإيمان بها، وبعد تمتعنا بما فيها من بركات وايمانيات داخل هذه المسيرة ندخل علي مستوي إدراكي وإختباري رائع لدائرة ختان الروح " وَأَنْتُمْ مَمْلُوؤُونَ فِيهِ، الَّذِي هُوَ رَأْسُ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ. وَبِهِ أَيْضًا خُتِنْتُمْ خِتَانًا غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، بِخَلْعِ جِسْمِ خَطَايَا الْبَشَرِيَّةِ، بِخِتَانِ الْمَسِيحِ. (كو٢ :  ١٠-١١) لاحظ أن الختان المقصود ليس ختان الجسد.

ولمعرفه القصة أو الفكرة علينا الرجوع للعهد القديم وإدراك أن الختان كان عهدا بين الله وابونا إبراهيم من اجل شعب الله فيما بعد، أن يكون هذا الشعب مختونا كلما ولد طفلا يختن وهذا الختان علامه عهد "  هذَا هُوَ عَهْدِي الَّذِي تَحْفَظُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ: يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ، فَتُخْتَنُونَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلاَمَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. (تك١٧ :  ١٠-١١) ولذلك كان الأممي لا يركز في حياته علي الختان فكانوا لا يختنون وسموا بالأغرل، فقد كان اليهودي يميز نفسه عن الأممي بهذا الختان، أما بعد مجيئ المسيح صار التركيز علي ختان الروح .. ختان القلب  وليس الجسد " لَيْسَ الْخِتَانُ شَيْئًا، وَلَيْسَتِ الْغُرْلَةُ شَيْئًا، بَلْ حِفْظُ وَصَايَا الله. (١كو ٧ : ١٩) فتحول إتجاه الفهم من دائرة الجسد الي دائرة الروح.

الرب في العهد الجديد تعامل مع الكنيسه من خلال الروح وختان القلب وليس ختان الجسم، فلو كان الرب يتعامل مع المختومين جسديا فقط ( اليهود ) لكان قد حرم الأمم من الدخول في العهد الجديد، ولكن لسبب أن الباب مفتوح للكل صار الختان ختان القلب وليس ختان الجسد " فَانْدَهَشَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِتَانِ، كُلُّ مَنْ جَاءَ مَعَ بُطْرُسَ، لأنَّ مَوْهِبَةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ قَدِ انْسَكَبَتْ عَلَى الأمَمِ (أع١٠ :  ٤٥-٤٦) ولأن التلاميذ لم يكونوا فاهمين تحركات الروح القدس عاتبوا بطرس " وَلَمَّا صَعِدَ بُطْرُسُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، خَاصَمَهُ الَّذِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِتَانِ، قَائِلِينَ:"إِنَّكَ دَخَلْتَ إِلَى رِجَال ذَوِي غُلْفَةٍ وَأَكَلْتَ مَعَهُمْ". (أع١١ :  ٢-٣) فإبتدا بطرس الرسول يشرح لهم الرؤيا وكيف أن ليس له يد فيما حدث، فإن العمل والفعل هو للروح القدس وليس للبشر، وان الختان ختان القلب وليس الحسد، وهذا المفهوم عرفه بولس الرسول ايضا وأوضحه " فَإِنَّ الْخِتَانَ يَنْفَعُ إِنْ عَمِلْتَ بِالنَّامُوسِ. وَلكِنْ إِنْ كُنْتَ مُتَعَدِّيًا النَّامُوسَ، فَقَدْ صَارَ خِتَانُكَ غُرْلَةً! (رو ٢ : ٢٥) إقرأ (رو٢ :  ٢٥-٢٩) ثم يستطرد القول فيقول "  لأنَّ الله وَاحِدٌ، هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالإيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالإيمَانِ. (رو ٣ : ٣٠) ويعلم أهل غلاطية أن الذي ينفع ليس الختان الجسدي ولا الغرل الجسدية، بل الإيمان العامل بالمحبة " لأنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لا الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلا الْغُرْلَةُ، بَلِ الإيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ. (غلا ٥ : ٦) فكيف اخبارك هل قلبك مختون اي مخصص لله في عهده المبارك ام ما زلت خارج دائرة العهد، ان كنت خارج داىرة العهد فانت تحتاج للميلاد الثاني "  لا بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلادِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، (تى ٣ : ٥) فالان بعد أن تخلص بغسل الميلاد وتجديد الروح تصير في دائره الختان القلبي وداخل دائرهدة ملكوت الله

 

 

٢

محطة المعمودية بالماء

 

جميع الطوائف المسيحية تؤمن بأهمية المعمودية وانها محطة مهمة في حياة الإنسان المسيحي، فتؤمن بعض الطوائف أن بها يولد الإنسان من جديد فهي دفن وقيامة، والبعض الآخر أنها تأتي بعد الإيمان والميلاد الثاني وليس قبله، فهي إعلان إيمان بأن المؤمن قد دفن ( مات ) مع المسيح وقام، لذلك تجد طوائف تركز علي معمودية الأطفال والأخري علي معمودية الكبار من يؤمن يطلب المعمودية، 

- التلمذة مفتاح الدخول للمعمودية :

هل ممكن أن تكون المعموديه مجرد فرض تفرضه الكنيسة على تابعيها، فهي طلب وليست فرضا، وتاتي بعد الايمان والتلمذة " فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ". آمِينَ. (مت٢٨ :  ١٩-٢٠) لاحظ الترتيب، التلمذة أولا ثم المعمودية بالماء، ثم ياتي بعدها التعليم، فالمعمودية لها اهميتها في حياة المؤمن كالتلمذة والتعليم، لان المعمودية ايضا دائرة إيمان لأنه لن يدخل اليها إلا من أمن وصدق أنه بالايمان مات ودفن وقام مع المسيح، فيطلب تطبق هذا عمليا بالمعمودية، فهي تحتاج من يؤمن بها ليسعي نحوها، ويعلن احتياجه بأن يعتمد بمعموديه الماء.

التلمذة هنا تعني دخول الانسان في مراحل الإيمان والفهم ثم بعد ذلك يطلب المعمودية " وَقَالَ لَهُمُ:"اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ. (مر ١٦ : ١٥ ، ١٦). فاهمية الترتيب تجعلنا ندرك أهمية المعمودية أنه للبالغين الذي لهم الإدراك والفهم والمعرفة والإيمان، فالكرازة لأجل الإيمان والتوبة ومغفرة الخطايا " وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ. (لو ٢٤ : ٤٧) ثم يأتي بعدها المعمودية، بالكرازة والإيمان والمعمودية خلاص للنفس البشرية وبدون الإيمان لا خلاص حتي وإن كان قد إعتمد " مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ.  " هذا حق كتابي لابد أن يدركه كل دارس حقيقي للكلمة، ولا يوجد علي عينه قشور المعتقدات التي تحتاج لفحص.

إعتمد سيمون الساحر دون إيمان حقيقي " وَسِيمُونُ أَيْضًا نَفْسُهُ آمَنَ. وَلَمَّا اعْتَمَدَ كَانَ يُلازِمُ فِيلُبُّسَ، " إعتمد لينال مواهب تضاف الي مواهبه الشيطانية فلم يخلص " وَإِذْ رَأَى آيَاتٍ وَقُوَّاتٍ عَظِيمَةً تُجْرَى انْدَهَشَ... (و) قَدَّمَ لَهُمَا دَرَاهِمَ قَائِلا:"أَعْطِيَانِي أَنَا أَيْضًا هذَا السُّلْطَانَ، حَتَّى أَيُّ مَنْ وَضَعْتُ عَلَيْهِ يَدَيَّ يَقْبَلُ الرُّوحَ الْقُدُسَ " فبدل ان ينال خلاصا نال لعنة " فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ:"لِتَكُنْ فِضَّتُكَ مَعَكَ لِلْهَلاكِ، لأنَّكَ ظَنَنْتَ أَنْ تَقْتَنِيَ مَوْهِبَةَ الله بِدَرَاهِمَ! لَيْسَ لَكَ نَصِيبٌ وَلا قُرْعَةٌ فِي هذَا الأمْرِ، لأنَّ قَلْبَكَ لَيْسَ مُسْتَقِيمًا أَمَامَ الله " فلم تنفعه المعمودية التي بلا إيمان حقيقي، فهو يحتاج الي ما قاله الرسول بطرس " فَتُبْ مِنْ شَرِّكَ هذَا، وَاطْلُبْ إِلَى الله عَسَى أَنْ يُغْفَرَ لَكَ فِكْرُ قَلْبِكَ، لأنِّي أَرَاكَ فِي مَرَارَةِ الْمُرِّ وَرِبَاطِ الظُّلْمِ". (أع٨ :  ١٣، ١٨-٢٣) فترتيب المصطلحات مهم جدا .. كما يلي :

كرازة + تلمذة = إيمان. .....ثم ..... إيمان + معمودية = خلاص. ..... ثم ..... خلاص + تعليم = نمو

هذا هو الحق الذي يجب ان يسير فيه كل مسيحي حقيقي، فهل لك هذا ام سيكون التمسك بما تعلمته قديما مستمر ومتاصل؟ راجع ما كتبناه وإقراره من جديد وبتمعن، ليفتح الرب قلبك.

- التوبة اولا قبل المعمودية :

إن التركيز على دائرة المعمودية وحدها كونها موت ودفن وقيامة، دون توبة وإيمان حقيقي امام الله، لا يصير للمعموديه تاثير حقيقي، بل سيكون تاثيرها وهمي، لأن التوبة هي مفتاح الخلاص، والإيمان هو مدخل للحياه الأبديه، فموضوع التوبة قبل المعمودية حجر زاوية في الإيمان المسيحي، فهو الشرط الأساسي لقبول المعمودية، ونجد في سفر أعمال الرسل تأكيدًا واضحًا على هذه الحقيقة، حيث حثّ الرسول بطرس الجموع التي اجتمعت في يوم الخمسين على التوبة والاعتراف بذنوبهم قبل تلقي المعمودية، قائلا " تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. (أع ٢ : ٣٨) فالتوبة قبل المعمودية تمنح الإنسان فرصة لغفران الخطايا، وهي اعترافا صريحا من الإنسان بذنبه، واقرارا عميقا عن بعده عن الله وعن كلمته.

بالتوبه يقترب الإنسان نحو الله فينال منه غفرانا، لأن التوبه هي تخلي عن الخطيه وإعلان الرغبة الصادقة للبدء بحياة جديدة تتوافق مع تعاليم المسيح "  فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ. (أع ٣ : ١٩) وتعطي للإنسان فرصة أن يعلن توجهه نحو الله وإعلان عودته اليه والتمتع بالغفران والرحمة " لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإثْمِ أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ. (إش ٥٥ : ٧) ثم بعد نوال كل هذا يكون قد دخل الي النعمة التي تعطي له فرصة للدخول في دائرة المعمودية فيزداد إيمانا ويكون راسخا، فالمعمودية لابد أن تكون هي ثمر التوبة الحقيقية أمام الله، فلا قيمة للمعمودية بدون توبة صادقة، فهي مجرد طقس خارجي لا يُغيّر حياة الإنسان. فالمعمودية هي ثمرة التوبة ورمزًا للموت عن حياة الخطيئة والقيامة مع المسيح إلى حياة جديدة، فقد إعتمدت الجموع التي آمنت وعُمّدت بعد عظة الرسول بطرس، قد تغيرت حياتها بشكل جذري، " وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ. (أع ٢ : ٤٢) فبالايمان والتوبة والمعمودية يصير الإنسان في كامل الاستعداد للسير كمؤمن مخلص.

الإيمان والتوبة خطوتين أساسيتين على طريق الخلاص. فالإيمان بيسوع المسيح هو إيمان بعمله الفدائي وبقدرته على غفران الخطايا ومنح الحياة الأبدية، بينما تُمثّل التوبة التخلي عن حياة الخطيئة والسير في طريق الله "  إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ. (١يو ١ : ٩) ثم يطلب الدخول لدائرة المعمودية، ولا تنتهي رحلة المؤمن المسيحي عند المعمودية، بل تبدأ رحلة جديدة تتطلب التزامًا وتلمذة مستمرة. فالمسيحي الحقيقي مدعوّ إلى المثابرة في الإيمان، وممارسة المحبة، والعيش وفقًا لتعاليم المسيح، فالتوبة قبل المعمودية هي مفتاح الخلاص ومدخل الحياة الجديدة مع الله. فهي اعتراف بالخطأ، وتخلي عن الخطيئة، وتوجه نحو الله، واستعداد لنيل ملء الروح القدس، إنّ الإيمان والتوبة هما الخطوتان الأساسيتان على طريق الخلاص، بينما تُشكّل حياة التلمذة المستمرة مسيرة المسيحي نحو الكمال الروحي.

- تأكيد الفكر وتزيله للتأصيل :

هذه المحطه التي تاتي بعد محطة الولاده الثاني الذي من خلال الايمان بالمسيح وبكلمته، تصير المعمودية ليست فرضًا تفرضه الكنيسة، بل تأتي بعد الإيمان والتلمذة، ( مت ٢٨ : ١٩ - ٢٠ ) فالتلمذة تعني دخول الإنسان في مراحل الإيمان والفهم، ثم بعد ذلك يطلب المعمودية، أهمية المعمودية تظهر في أنها للبالغين الذين لديهم الإدراك والفهم والإيمان، فهي تأتي بعد الكرازة والتوبة ومغفرة الخطايا ( مر ١٦ : ١٥ ، ١٦ ) فسيمون الساحر تعمّد دون إيمان حقيقي، وكان يلازم فيلبس مشدوهاً بالمعجزات. عرض مالا للحصول على قدرة منح الروح القدس، مما أدى إلى توبيخه من بطرس الذي قال له إن قلبه ليس مستقيماً أمام الله، بطرس نصحه بالتوبة والطلب من الله للمغفرة، فالإيمان الحقيقي يجب أن يسبق المعمودية ليحقق الخلاص، ثم التعليم لتحقيق النمو الروحي. هذا هو النهج الصحيح الذي يجب على كل مسيحي اتباعه.

التوبة تسبق المعمودية لأنها تُعد أساس الخلاص والإيمان المسيحي. بدون التوبة والإيمان الحقيقي بالله، تصبح المعمودية مجرد طقس ظاهري دون تأثير فعلي، التوبة تعني التخلي عن الخطيئة والاعتراف بالذنوب والاقتراب من الله لطلب الغفران ( ١ يو ١ : ٩ ) الكتاب المقدس يؤكد على أهمية التوبة قبل المعمودية، كما حث الرسول بطرس الناس على التوبة قبل اعتمادهم، التوبة تُمثل بداية حياة جديدة تتماشى مع تعاليم المسيح، وهي خطوة أساسية لدخول دائرة المعمودية والإيمان الحقيقي، المعمودية هي ثمرة التوبة الحقيقية ورمز للموت عن حياة الخطيئة والقيامة مع المسيح، مما يؤكد أن الإيمان والتوبة، الخطوتان هما  الأساسيتان على طريق الخلاص، بينما تستمر حياة المسيحي في التلمذة والسعي نحو الكمال الروحي.

- المعمودية بابتيزما ( تغطيس ) :

تسمى المعمودية في اليونانية واللاتينية "بابتيزما" وتعني "تغطيس" أو "صبغة" لذلك فالمعمودية هي إعلان موت وقيامة مع المسيح، إعلان موتنا معه في المعمودية، ودفنا معه وقمنا معه لكي نحيا بحياته.

- بالإيمان والتوبة فرح في السماء :

لاحظ معي ان تعاملات الله مع الانسان تتمركز ليس في الإمور المنظورة والمحسوسة والملموسة ولكن مع الإيمان القلبي وتصديق الحق " أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ. (لو ١٥ : ٧) فالخاطئ التائب هو من يفرح السماء اما من يسعى الى المعموديه لنوال المغفره فلن يحصل على غفران الخطايا لانه ليس بالمعموديه غفران للخطايا، الوحيد الذي كان ينادي بالمعموديه لمغفرة الخطايا هو يوحنا المعمدان "  كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. (مر ١ : ٤)  (لو ٣ : ٣) ولكن عندما جاء المسيح كان ينادي بالتوبه وملكوت الله " مِنْ ذلِكَ الزَّمَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ:"تُوبُوا لأنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ". (مت ٤ : ١٧) (مت ١٠ : ٧) (مر ١ : ١٥) (لو ١٠ : ٩) فالمعموديه في المسيحيه لا ترتبط بغفران الخطايا لأن غفران الخطايا يتم من خلال عمل المسيح الكفاري على عود الصليب وليس بالتغطيس في ماء المعمودية.

 من يسعى لنوال غفران خطاياه في المعمودية بالماء فقد ضل سبيلا، فمعمودية الماء إعلان أن الإنسان قد قبل الإيمان وغفرت خطاياه عندما تاب للرب، كما حدث مع من سمعوا بشارة فيلبس في ما يخص ملكوت الله وعندما صدقوا ( امنوا ) اعتمدوا " وَلكِنْ لَمَّا صَدَّقُوا فِيلُبُّسَ وَهُوَ يُبَشِّرُ بِالأمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ الله وَبِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، اعْتَمَدُوا رِجَالا وَنِسَاءً. (أع ٨ : ١٢) عمل المسيح الكفاري هو المسؤول عن غفران الخطايا يناله الانسان بالتوبه وتصديق الحق والايمان بعمل المسيح الكامل على عود الصليب " لأنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. (مت ٢٦ : ٢٨) وهنا كان يتكلم عن الدم الذي سيسفك وليس عن عصير الكرمة التي كان يناولها لتلاميذه، المسيح في كل تعاليمه كان يركز على عمله الكفاري وليس على تاثير المعموديه بالماء " وَقَالَ لَهُمْ:"هكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ. (لو٢٤ :  ٤٦-٤٧) فمن يريد أن يكون في دائرة الحق عليه أن يقبل الى الإيمان أولا ويعلن هذا بالتوبة، وايضا يطلب معموديه الماء كإعلان إيمان في حياته، وهنا تكتمل المنظومة الروحية للمؤمن الذي آمن إيمانا حقيقيا.

- المعمودية غسل أم سؤال ضمير صالح :

يعتقد البعض أن المعمودية بالماء تغسل الإنسان من خطاياه، فيموت مع المسيح وعندما يخرج من الماء يقوم مغفور الذنوب. لكن الكتاب المقدس لا يدعم هذا الاعتقاد حرفياً. يقدم مثالا من قصة الفلك في أيام نوح، حيث كان الفلك وسيلة للخلاص، بينما كان الماء سبباً لهلاك الأشرار ونجاة المؤمنين بالفلك والماء " فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ. "  فالماء لم يكن وسيلة الخلاص بل كان الفلك الذي حماهم من الهلاك.

المعمودية كما يصفها الرسول بطرس ليست لإزالة الأوساخ الجسدية، بل لسؤال ضمير صالح أمام الله. يقول الكتاب "فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ. الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ. لا إِزَالَةُ وَسَخِ الْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ عَنِ الله، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (1 بطرس 3: 20-21) الخلاص ليس بالماء نفسه، بل بالإيمان بقيامة المسيح وعمله الفدائي. وهذا هو السؤال الذي يحب ان يجاب بضمير صالح، فالمعمودية هنا تعبر عن هذا الإيمان وعن سؤال ضمير صالح أمام الله.

يقول الرسول بولس اننا اولا متنا عن الخطية  "نَحْنُ الَّذِينَ مُتْنَا عَنِ الْخَطِيَّةِ، كَيْفَ نَعِيشُ بَعْدُ فِيهَا؟ " ثم يسرد فكر الموت مع المسيح ايمانيا وكان هذا بواقع عملي عندما قررنا نوال المعمودية " أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، " فعندما آمنا وقررنا العماد فقد قمنا بدفن أنفسنا لنتحد بموته، فالعماد ما هو إلا إقرار موت إرادي " فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، " ولكنه يعلن ان في خروجنا من الماء نكون تحت اقرارنا المسستمر بالعيش الدائم في حياة القيامة " حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ" (رومية 6: 2-5) في خروجنا من الماء نكون في العهد بالحياة الجديدة في المسيح الذي دخلناه بالإيمان. وكما قام المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نحن أيضًا نمضي في "جِدَّةِ الْحَيَاةِ" فالموت للخطيئة ومعموديتنا تمثل موتنا للخطيئة، تمامًا كما مات المسيح على الصليب ليكفر عن خطايانا، والخروج من مياه المعمودية تمثل حياة القيامة التي للمسيح، حياة جديدة، بها يكون لنا القدرة على عيش حياة مقدسة.

 

3

 محطة الصليب والقيامة

 

تُشكّل رحلة الإنسان بين محطات الحياة رحلة روحية عميقة، تبدأ من الميلاد كبداية لرحلة الروح نحو الخلود لا تكتمل بدون الميلاد الثاني، وتمرّ بمحطة المعمودية بالماء كرمز للتلمذة والتوبة وتأكيد الإيمان، في محطة الميلاد الأول بداية الحياة الجسدية، رحلة دنيوية مليئة بالتحديات والتطورات، يصير فيها المؤمن المولود ثانية في دائرة الضمان الأبدي الذي نلناه من العمل الإلهي الذي صنعه الله لأجلنا " لأنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ الله الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأبَدِيَّةُ. (يو ٣ : ١٦) هذا العمل الإلهي يتخلله قرار بالدخول في المعمودية، لإعلان وتأكيد الولادة الجديدة التي نالها الإنسان بالإيمان، ثم يدخل المؤمن الي دائرة ختم الروح الذي هو تأكيد على العهد مع الله، وضمان الخلاص الأبدي، يضاف الي كل هذا حياة التلمذة التي هي مفتاح الدخول للمعمودية عن يقين وفهم وإدراك، لأنها طريق لتعلم تعاليم المسيح وإتباعه، والسير نحو حياة التوبة والحياة الجديدة النقية " إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا. (٢كو ٥ : ١٧) خليقة جديدة بحياة التوبة التي تكون شرط أساسي للمعمودية، لأن بالتوبة تخلي عن الخطايا والتوجه نحو الله.

حياة الميلاد الثاني والمعمودية والتلمذة تركيزها يصير حول الصليب كمحطة دائمة الوجود في حياة المؤمن، قام بها المسيح وقدمها لنا بالآلام والتضحية "  فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِيُصْلَبَ. فَأَخَذُوا يَسُوعَ وَمَضَوْا بِهِ. فَخَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ صَلِيبَهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ "مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ" وَيُقَالُ لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ "جُلْجُثَةُ" (يو١٩ : ١٦-١٧) فهي رحلة المسيح على درب الآلام تجسيدًا للحب والخلاص، فالصليب عمل إلهي تم من خلاله التكفير عن الخطايا، وغسل كل خطايا من يؤمن ويقبل اليه، فالمسيح بموته علي الصليب حمل جميع خطايانا " الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَيُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْبًا خَاصًّا غَيُورًا فِي أَعْمَال حَسَنَةٍ. (تى ٢ : ١٤) وبالقيامة صار الإنتصار على الموت وصار هزيمة للموت وانتصار للحياة، قيامة المسيح من بين الأموات، واقع روحي للرجاء والخلاص الأبدي، وهزيمة اكبر عدو للإنسان المؤمن "  فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأوْلادُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ. (عب٢ :  ١٤-١٥) فكل من أمن بعمل المسيح إنتقل من دائرة العبودية الي دائرة تجديد الحياة الروحية، والوعد بالحياة الجديدة في المسيح.

في محطة الصليب واجه المسيح آلامًا لا مثيل لها، تضحية فائقة من أجل خلاص البشرية، وحمل خطايا العالم وقدم نفسه كفارة عن خطايانا، إنتصر على الموت وفتح أبواب الحياة الأبدية للمؤمنين، بعث بين النفوس واقعا روحيا للرجاء والخلاص الأبدي، وتجديد الحياة الروحية للمؤمنين، ومنحهم وعدًا بحياة جديدة معه، أما في محطة القيامة أشرق فجر جديد على المسيحية، بداية الخلاص الأبدي، وهزم الموت نهائيًا، وفتح أبواب السماء لكل من يؤمن، ومنح الحياة الجديدة تجديدًا روحيًا، وعلي هذا الخط سيكون في يوم الحساب، مكافأة الصالحين ومعاقبة الأشرار

- المصالحة مع الله :

الإنسان بسبب السقوط والخطية الساكنة فيه صار في موقف عداء لله، لان الخطية فصلت الإنسان عن الله، وجعلت علاقة العهد التي أقامها الله مع الإنسان في جنة عدن تنقطع، واختبا ادم من الله " وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ..... (تك٣ :  ٨-١٩) وفي هذا يقول اشعياء النبي "  ... آثَامُكُمْ صَارَتْ فَاصِلَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِلهِكُمْ، وَخَطَايَاكُمْ سَتَرَتْ وَجْهَهُ عَنْكُمْ حَتَّى لا يَسْمَعَ. (إش ٥٩ : ٢) ويقر داود النبي ان الانسان ولد بالخطية ( مز ٥١ : ٥ ) فالجميع مذنب امام الله " ... أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلا وَاحِدٌ. (رو ٣ : ١٠) أصبح الإنسان تحت دينونة الله بسبب عصيانه لأوامره، ودخل الانسان في دائرة اإانفصال عن الله، وفقد الإنسان الشركة والمودة التي كان يتمتع بها مع الله قبل السقوط، أصبح الإنسان يعاني من شعور بالفراغ والوحدة الروحية، واحتاج الي المصالحة.

الصورة قاتمة لأن الخطية دخلت الي العالم من خلال إنسان واحد وهو أدم "  مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ. (رو ٥ : ١٢) وبسبب هذا دخل الموت الي البشرية، وصار انفصال حقيقي في العلاقة بين الانسان والله فصرنا في نظر الله امواتا " وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا،(أف٢ :  ١-٢) فلابد من دفع ثمن الخطية لينال الانسان البراءة ويرفع من عليه الذنب، من يدفع ثمن الخطية والتعدي؟ الخطية لها ثمن، ولا يمكن للإنسان أن يدفعها بنفسه ليس لانها صعبة.. ولكن لأن المعادلة الخاصة بها مستحيلة، الانسان مذنب في حق الله ولذلك من في مستوي الله ليقدم المصالحة ويدفع الثمن ... لا يوجد إلا الله ذاته فليس من يساويه.

من يقوم بالمصالحة؟ لا يستطيع الإنسان أن يصالح نفسه مع الله بمجهوده الخاص، يحتاج إلى وسيط قدوس ليعيد العلاقة بينه وبين الله، جاء المسيح ليحقق المصالحة "  لأنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ الله الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأبَدِيَّةُ. (يو ٣ : ١٦) جاء المسيح متجسدًا ليقوم بدور الوسيط والمُصالِح بين الله والإنسان " وَلكِنَّ الْكُلَّ مِنَ الله، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ، (٢كو ٥ : ١٨) وذلك لأنه إقنوم الإبن ويتمتع بقدرة إلهية لا مثيل لها، وهو واحد مع الله في الجوهر والطبيعة، لذلك دفع ثمن الخطية "  وَلكِنَّ الله بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأجْلِنَا. (رو ٥ : ٨) ( ١يو ٤ : ١٠ ) مات المسيح على الصليب ذبيحة تكفيرية عن خطايا البشرية، سفك دمه القدوس ليغسل خطايا البشر ويُغطيها، نال المجازاة نيابة عنا، بعد موته، قام المسيح من بين الأموات منتصرًا على الموت والشيطان، أثبت انتصاره وقدرته على هزيمة الخطية والموت، وفتح طريق الخلاص للبشرية.

 - نتائج عمل الصليب والمصالحة:

بفضل تضحية المسيح على الصليب، يمكن للإنسان أن ينال المصالحة ذاتها بينه وبين الله:

المصالحة بين الإنسان والله جوهر الإيمان. فالله محبٌّ قدوسٌّ لا يتحمل الخطيئة، بينما الإنسان خاطئٌ بطبعه، منذ فجر التاريخ، عصى آدم وحواء الله بمعصية أكل الثمرة الممنوعة، أدت هذه الخطيئة إلى انقطاع العلاقة المُباشرة بين الله والإنسان، أصبح الإنسان خاضعًا للموت وفقد الشركة مع الله، العدالة الإلهية أن الله عادلٌ لا يمكنه التغاضي عن الخطيئة، لذلك تتطلبت عدالته عقابًا على الخطايا، فقام المسيح بدفع الثمن وفتح باب المصالحة كإعلان الحب الإلهي للبشرية، فالرغم من خطايا الإنسان، لم يتخلّ الله عنه، وبدافع محبته اللانهائية، أراد الله استعادة علاقته مع الانسان، لذلك أرسل المسيح، أرسل الله إبنه الوحيد يسوع المسيح ليُصلح الإنفصال، فعاش حياة بلا خطيئة ومات على الصليب كذبيحة للتكفير عن خطايا البشرية، فبموت المسيح على الصليب هزم الموت ودفع ثمن خطايا البشر، وبقيامته من الموت أثبت انتصاره على الموت والشيطان.

لا تتمّ المصالحة مع الله تلقائيًا يجب على الإنسان أن يؤمن بالمسيح وبتضحيته على الصليب، ويقدم توبة عن خطاياه ويطلب الغفران، فيعيش حياة جديدة وفقًا لتعاليم يسوع المسيح لأن من نتائج المصالحة:

- غفران الخطايا:

عندما يؤمن الإنسان بيسوع المسيح ويتوب عن خطاياه، يغفر الله خطاياه ويمنحه الحياة الأبدية، لقد حمل المسيح على جسده خطايا البشرية على الصليب، مُتيحًا لهم فرصة الحصول على غفرانه الكامل ونيل الخلاص الأبدي. " الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ، (أف ١ : ٧) فبموت المسيح صار لنا فرصة لغفران خطايانا عندما نؤمن به، المسيح قدّم نفسه كذبيحة كفارية لخطايانا. بموته على الصليب، سُفِك دمه ليمحو خطايانا ويُتيح لنا فرصة الغفران، حمل خطايانا على جسده على الصليب. من خلال موته " الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ. لأنَّكُمْ كُنْتُمْ كَخِرَافٍ ضَالَّةٍ، لكِنَّكُمْ رَجَعْتُمُ الآنَ إِلَى رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا. (١بط٢ :  ٢٤-٢٥)  لذلك يُمكننا أن نموت عن الخطيئة ونحيا حياةً بارّة، تشبيه "الخراف الضالة" يُشير إلى حالتنا قبل إيماننا بالمسيح، بينما يُشير "الرّاعي" إلى يسوع الذي يرعانا ويُرشدنا، لذلك نُعبّر عن شكرنا العميق لله على محبته العظيمة التي تجلّت في موت يسوع من أجلنا، ونُؤكّد على أهمية الإيمان بالمسيح كسبيلٍ وحيدٍ للخلاص، ونُقرّر أن نعيش حياةً جديدةً تُمجّد الله وتُظهر ثمار إيماننا.

- الشركة مع الله:

حدث بسبب المصالحة التي تمت بتجسد ابن الله وموته علي الصليب انه تم إستعادة العلاقة المُباشرة بين الإنسان والله، لذلك فالمصالحة مع الله ما هي إلا رحلة إيمان وتغيير، فالإيمان بالمسيح وتضحيته وبعمله الكفاري هو  أساس المصالحة (يوحنا 3: 16) ومفتاحًا لِفتح باب الشركة مع الله - تضحية المسيح على الصليب هي جوهر الشركة (2 كورنثوس 5: 18) وبالتوبة وطلب الغفران بدء رحلة المصالحة " فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ. (أع ٣ : ١٩) فالتوبة تعني الإعتراف بالخطايا والندم عليها، مع الرغبة الصادقة في التغيير، فيستطيع الإنسان أن يكون في دائرة العلاقة مع الله على مستوى النقاء الذي صنعه الله له، فالشركة مع الله هي علاقة عميقة ومستمرة بين المؤمن والله " الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضًا شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. (١يو ١ : ٣) إنها أكثر من مجرد إعتقاد أو شعور، بل هي تجربة حية وفعالة تنعكس في كل جوانب حياة المؤمن، تُبنى الشركة مع الله على أساس الإيمان بالله و قبول يسوع المسيح كمخلص (٢كو ١٣ : ١٤) ثم يسلك المؤمن في الطرق التي يمكن من خلالها أن ينمو في شركته مع الله، منها: الصلاة: التحدث مع الله والتواصل معه، فهي وسيلة للتعبير عن الشكر والطلب والتسبيح. قراءة الكتاب المقدس: قراءة كلام الله والتأمل فيه، هي وسيلة لمعرفة الله وتعاليمه بشكل أفضل. العبادة: المشاركة في اجتماعات الكنيسة للعبادة والتسبيح، هي وسيلة للتواصل مع المؤمنين الآخرين وتشجيعهم. الطاعة: اتباع تعاليم الله في كل مناحي الحياة، هي تعبير عن الحب لله والرغبة في إرضاءه. خدمة الآخرين: استخدام مواهبنا ومهاراتنا لمساعدة المحتاجين، وهي وسيلة للتعبير عن محبتنا لله و محبة القريب. هل أنت مستعد لبدء رحلة الشركة مع الله؟

المصالحة هبة مجانية من الله، لا ينال الإنسان المصالحة مع الله من خلال أعماله، لأنها هبة مجانية من الله تُمنح للإنسان من خلال النعمة ومن خلال إيمانه بالمسيح، هذا المفهوم يتضح في العديد من الآيات في الكتاب المقدس التي تؤكد أن الإنسان لا يمكنه أن ينال الخلاص أو المصالحة من خلال أعماله أو جهده الشخصي، بل من خلال إيمانه بالمسيح، في الرسالة إلى أهل أفسس، يوضح الرسول بولس هذا المفهوم بوضوح " لأنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ الله. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلا يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. (أف٢ :  ٨-٩) وهنا يؤكد بولس أن الخلاص والمصالحة هما عطية من الله، لا يمكن لأي شخص أن ينالهما من خلال أعماله أو مجهوداته الشخصية، لان المسيح قال عن نفسه " ... أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلا بِي. (يو ١٤ : ٦) هذا يعني أن الإيمان بالمسيح هو الطريق الوحيد للمصالحة مع الله. وليس من خلال أعمالنا أو جهدنا الخاص "  لأنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ الله بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ! (رو ٥ : ١٠) الله قد صالحنا بموته إبنه، مما يدل على أن المصالحة هي هبة مجانية تأتي من محبة الله ورحمته العظيمة،  المصالحة مع الله ليست شيئًا يمكننا أن نكسبه من خلال أعمالنا، بل هي هبة مجانية تُمنح لنا بفضل نعمة الله ورحمته، والتي يمكن أن ننالها من خلال إيماننا بيسوع المسيح.

 - كسرت العداوة وتمت المصالحة وصنع سلاما :

لاحظ معي امكانية التعبير الذي يقوله الوحي من خلال الرسول بولس " لأنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ، وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، " فملء اللاهوت الحال في المسيح اعطي للعمل الذي قدمه قيمة ازلية ابدية، لها مفعول وتاثير في كل الخليقة " عَامِلا الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، .. " هذا العمل جعل تغيرا في الواقع، فقد حول الأجنبيين والاعداء مصالحين في الفكر اي مقربين لدي الحق الإلهي " وَأَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلا أَجْنَبِيِّينَ وَأَعْدَاءً فِي الْفِكْرِ، فِي الأعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ، قَدْ صَالَحَكُمُ الآنَ " وهذه المصالحة والتقرب كان علي حساب تقديم نفسه نيابة عنا " قَدْ صَالَحَكُمُ الآن فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ بِالْمَوْتِ، " هذا لكي نقف أمامه بلا لوم ونرفع رؤسنا علي حساب نفسه ويحضرنا لدية معطيا لنا استحقاق علي حسابه " لِيُحْضِرَكُمْ قِدِّيسِينَ وَبِلا لَوْمٍ وَلا شَكْوَى أَمَامَهُ، (كو١ :  ١٩-٢٢) هذا الحق امتياز لا نستحقه، ولكن من اجل محبته صنع الصلح وصنع لنا سلاما " .... مُبْطِلا بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلامًا، (أف ٢ : ١٥) (يو ١٤ : ٢٧) واستطاع أن يقرب الجميع اليهودي والاممي المؤمنين بالمسيح لانهما في المسيح صارا خليقة جديد " لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلا حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. ( غلا ٣ : ٢٨ ) ( ٢كو ٥ : ٥ : ١٧ ) وهذا معناه ان الانسان المؤمن صار بهوية جديدة يعيش بها في عالمه الروحي والمادي مدركا مكانته الجديدة صائرا ابنا لله، هذه المكانة التي تزعج ابليس جدا.

صار للمؤمن واقع جديد فبعد ان كان مديونا لله بقلب نقي وسلوك مرضي وثمن خطاياه التي لا يستطيع تسديده، صنع المسيح بنفسه له قلبا جديدا وواقعا روحيا مختلفا " إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدًّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بِالصَّلِيبِ، ( كو ٢ : ١٤ ) وبالتالي صرنا مصالحون ( رو ٥ : ١٠ ) ولنا خلاصا ثمينا نستمتع به ضد مملكة العدو الذي هو ابليس، فقد تصالحنا مع الله ونلنا برا وصار لنا خدمة المصالحة " وَلكِنَّ الْكُلَّ مِنَ الله، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ، ( ٢كو ٥ : ١٨ ) نستطيع ان نقدم للاخرين هذا الفكر الكتابي والحق الذي لكل انسان يؤمن به " أَيْ إِنَّ الله كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ. ( ٢كو ٥ : ١٩ ) لان الانسان بالطبيعة ابنا للغصب ( أف ٢ : ٣ ) ويحتاج لمعرفة كلمة المصالحة ليؤمن بها وينالها فيصير ابنا لله وضامنا للحياة الأبدية.

يعيش المؤمن في هذا الحق ويتحول من اجنبي عن عهود الموعد ( أف ٢ : ١٢ ) الي شخصا له رجاء واله يستند عليه، ويغني قائلا " كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلا لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، ( أف ١ : ٤ ) وله الثقة بأنه حسب ضمن كنيسته التي " ... يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لا دَنَسَ فِيهَا وَلا غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلا عَيْبٍ. ( أف ٥ : ٢٧ ) هذا حق لابد من قراءته وفهمه والتيمان به ليعيش المؤمن في دائرة الارتفاع كونه ابنا لله وله حقوق البنوية، لقد فتح الصليب الطريق أمام علاقة شخصية حميمة مع الله، مبنية على المحبة والقبول والثقة، والتحرر من الشعور بالذنب لان الصليب هنا يُقدم راحة للنفس المضطربة من عبء الشعور بالذنب، ويُتيح للمؤمنين أن ينالوا حرية حقيقية من قيود الخطيئة "  ... دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلهِ بِلا عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَال مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا الله الْحَيَّ! (عب ٩ : ١٤) فصار للمؤمنين بالمسيح حالة من التجديد الروحي عميق، مُغيرًا أفكارهم ومشاعرهم وسلوكهم ليُصبحوا أكثر شبهاً بالمسيح، متمتعين بالسلام الداخلي الذي يُتيح للمؤمنين أن ينالوا بعمل المسبح وفدائه سلامًا داخليًا عميقًا، ينبع من ثقة راسخة بمحبة الله وغفرانه.

 - قيامة المسيح ودورها في حياة المؤمن :

للصليب قوه عمل إلهي صنعه المسيح بجسده عليه بسفك دمه ليعطي لنا حياه جديدة وغفرانا للخطايا، لانه لا يستطيع الإنسان أن يتمتع بكامل عمل الصليب الا من خلال قيامة المسيح " الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأجْلِ تَبْرِيرِنَا. (رو ٤ : ٢٥) فقيامة المسيح تُعَدُّ من أهم الأحداث في الإيمان المسيحي، فهي تُمثِّل حجر الزاوية الذي يرتكز عليه الإيمان والرجاء للمؤمنين.

- بقيامة المسيح إثبات الألوهية : القيامة تثبت ألوهية المسيح وتحقق نبوءاته عن نفسه، بعودته للحياة بعد الموت، أظهر المسيح قوته وسلطانه على الموت، مما يعزز الإيمان بأنه ابن الله، المسيح بنفسه تنبأ بقيامته من بين الأموات " لأنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإنْسَانِ فِي قَلْب الأرْضِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاثَ لَيَال. (متى ١٢: ٤٠) تعد القيامة من الأحداث المحورية في الإيمان المسيحي، ولها أهمية كبيرة في حياة المؤمنين.

هي دليلا قاطعًا على ألوهية المسيح وصحة رسالته وتعاليمه، إذ بدون القيامة، يكون الإيمان بالإنجيل والرسالة المسيحية مجرد عقيدة فارغة، فالقيامة تثبت أن يسوع هو المسيح الموعود الذي تغلب على الموت، وبالتالي تثبت صحة وعود الله للمؤمنين، لإنها تمنح للمؤمنين رجاءً قويًا في الحياة بعد الموت، فبقيامته من الموت أعطى رجاء لجميع المؤمنين بأنهم أيضًا سيقومون من الموت إلى حياة أبدية، وهذا الرجاء في الحياة الأبدية يمنح المؤمنين قوة وصبرًا في مواجهة تحديات الحياة وصعوباتها، وننتظر المكافأة التي بعد الموت.

- موت وقيامة المسيح عملية خلاصية : تتيح للمؤمنين العيش بحياة جديدة في النعمة. هذه الحياة الجديدة تعني التحرر من خطايا الماضي والعيش بتجديد الروح، فتملأ الانسان بالفضائل المسيحية مثل الحب، العفو، والتواضع، القيامة تعطي المؤمنين قوة روحانية للتغلب على الخطايا والنمو في الإيمان، بالقيامة، وثبات الفهم والمعرفة ان المسيح هو ابن الله حقا " وَتَعَيَّنَ ابْنَ الله بِقُوَّةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ الْقَدَاسَةِ، بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأمْوَاتِ: يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا. (رو ١ : ٤) بقيامة المسيح  من بين الاموات اعلان واضح أن المسيح هو ابن الله، لأنها واحدة من الركائز الأساسية في الإيمان المسيحي.

تعني عبارة "ابن الله" أن المسيح له طبيعة إلهية، وليس مجرد نبي أو رجل حكيم، هذه الطبيعة الإلهية تتضح من خلال أعماله ومعجزاته وتعاليمه، وكذلك من خلال قيامته من بين الأموات، وهو الحدث الذي يؤكد بوضوح قداسته وقوته، المسيح تعيَّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة. هذه القوة تتجلى في قيامته من بين الأموات، مما يثبت أن يسوع ليس مجرد إنسان، بل هو ابن الله الذي له سلطان على الموت والحياة. روح القداسة هنا تشير إلى الروح القدس الذي يعمل في المسيح ويؤكد طبيعته الإلهية، فالقيامة من الأموات الدليل الأقوى على أن المسيح هو ابن الله. القيامة ليست مجرد عودة للحياة بعد الموت، بل هي انتصار على الموت نفسه وإعلان للقدرة الإلهية التي يمتلكها المسيح، فمن خلال قيامته، يظهر المسيح كربٌ للكل، ويثبت أن له القدرة على إعطاء الحياة الأبدية لكل من يؤمن به.

 - الحالة قبل القيامة :

عاش التلاميذ في رعب وخوف من اليهود وأغلقوا الأبواب على أنفسهم " وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذلِكَ الْيَوْمِ،... وَكَانَتِ الأبْوَابُ مُغَلَّقَةً ... لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ لَهُمْ: "سَلامٌ لَكُمْ!" وَلَمَّا قَالَ هذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلامِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ." (يو ٢٠ : ١٩ - ٢٠ ) التلاميذ عاشوا في خوف ورعب بعد صلب يسوع، وأغلقوا الأبواب على أنفسهم خوفًا من اليهود. في هذه الحالة المظلمة والمليئة بالقلق، ظهر يسوع فجأة بينهم وقال لهم: "سَلاَمٌ لَكُمْ!" وأراهم جراحه ليثبت لهم أنه هو، مما جلب الفرح إلى قلوبهم، تظهر هذه اللحظة مدى تأثير حضور يسوع على التلاميذ. فعلى الرغم من خوفهم، كانت كلماته وجراحه دليلًا قويًا على قيامته، مما غيّر حالتهم النفسية من الرعب إلى الفرح، وثبت داخلهم اليقين بانه إبن الله حقا.

- فترة الحزن والكآبة :

من مساء الأربعاء السابق للفصح اليهودي وحتى فجر الأحد، سادت العبوسة والحزن على التلاميذ، خبر موت المسيح سبب اكتئابًا لتابعيه ومحبيه، لكن خبر قيامته أحدث شفاءً نفسيًا وروحيًا وأفراحًا كبيرة. عاد التلميذان إلى أورشليم ليخبروا بقية التلاميذ عن لقاءهم بالمسيح المقام " وَفِيمَا هُمَا يَتَكَلَّمَانِ وَيَتَحَاوَرَانِ، اقْتَرَبَ إِلَيْهِمَا يَسُوعُ نَفْسُهُ وَكَانَ يَمْشِي مَعَهُمَا. وَلكِنْ أُمْسِكَتْ أَعْيُنُهُمَا عَنْ مَعْرِفَتِهِ. فَقَالَ لَهُمَا: "مَا هذَا الْكَلامُ الَّذِي تَتَطَارَحَانِ بِهِ وَأَنْتُمَا مَاشِيَانِ عَابِسَيْنِ؟" (لو ٢٤ : ١٥ - ١٧ ) انتقال التلاميذ من الحزن إلى الفرح يوضح تأثير قيامة يسوع على إيمانهم وحياتهم. خبر القيامة كان بمثابة علاج لآلامهم وأحزانهم، وأعطاهم أملًا جديدًا وقوة لمواصلة الرسالة.

- الظهور للجميع :

يسوع ظهر لجميع التلاميذ ليملأهم فرحًا وثقة وثباتًا برؤية جراحه، أدركوا أنه قام حقًا من بين الأموات " وَلَمَّا قَالَ هذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلامِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ." (يو ٢٠ : ٢٠ ) هذا الظهور يعزز إيمان التلاميذ بقوة القيامة. فرؤية الجراح كانت دليلًا ملموسًا على قيامة يسوع، مما زاد من إيمانهم وثقتهم برسالته ودعوته لهم لنشر البشارة. 

تُظهر هذه القصة الانتقال من الحزن واليأس إلى الفرح والإيمان بعد قيامة يسوع، كانت فترة الثلاثة أيام التي قضوها في حزن وكآبة تجربة صعبة، ولكنها انتهت بفرح كبير وثقة متجددة عندما ظهر يسوع لهم وأكد قيامته. هذه الأحداث تعكس قوة القيامة وأثرها العميق في تغيير حياة التلاميذ وإعطائهم الأمل والقوة لنشر رسالة المسيح للعالم. تظهر القصة أيضًا كيف يمكن للإيمان الحقيقي والصادق أن يغير حياتنا ويجلب لنا الفرح والسلام حتى في أصعب الأوقات.

- في القيامة فرصة للتغيير :

الإيمان يمكن أن يمنحنا السلام والفرح حتى في الأوقات الصعبة. كما حدث مع التلاميذ، الذين تحولوا من الحزن والخوف إلى الفرح بظهور يسوع لهم، حتى في أصعب اللحظات، يمكن للأمل والإيمان أن يغيرا الوضع. قيامة يسوع كانت دليلا على أن الأمور يمكن أن تتحول بشكل جذري، مما يمنحك الأمل في التحسن والتغيير في حياتك، والإيمان بالمعجزات ووجود قوى أعلى يمكن أن يكون مصدر قوة، جراح يسوع التي أظهرها لتلاميذه كانت دليلا قوياً على قيامته، مما يعزز الإيمان بأن الله قادر على تحقيق ما يبدو مستحيلا، السلام الذي جلبه يسوع للتلاميذ في وسط مخاوفهم يمكن أن يكون مصدر إلهام للبحث عن السلام الداخلي، بغض النظر عن الظروف الخارجية. الكلمات "سلام لكم" يمكن أن تكون تذكيراً مستمراً بأهمية البحث عن السكينة والهدوء في الحياة، التلاميذ أغلقوا الأبواب خوفًا من اليهود، لكن حضور يسوع أزال هذا الخوف. هذا يعلمنا أن الإيمان يمكن أن يكون سلاحًا قويًا لمواجهة مخاوفنا والتغلب عليها، أن بعد كل حزن أو كآبة، يمكن أن يأتي الفرح. كإنسان مؤمن، يمكن أن يكون هذا تذكيرًا دائمًا بأن الصبر والإيمان يمكن أن يجلبا الفرح في النهاية، كالتلاميذ بعد رؤيتهم لقيامته شاركوا هذا الخبر مع الآخرين. هذا يدعوك لمشاركة إيمانك وتجاربك الإيجابية مع الآخرين، مما قد يساعدهم ويقوي إيمانهم أيضًا.

 

٤

محطة الشهاده والخدمه والثمار الروحيه

 

يولد الإنسان في هذا العالم ويعيش رحلة، ولا تكتمل إلا من خلال الولادة الثانية وضمان الحياة الأبدية، ويعيش حياة غفران الخطايا من خلال عمل الصليب والفداء الذي تم بالمسيح وقيامته التي أعطت للإنسان رجاء أبديا، فيتبقى له أن يعيش حياة الشهادة المسيحية الحقيقية وخدمة الرب وحياة مسيحية ممتلئة بالثمار الروحية، فالشهادة والخدمة هما جزءان أساسيان من الحياة المسيحية، حيث يعكسان التزام الفرد بالإيمان وعلاقته مع الله ومع المجتمع، الشهادة الشخصية تعني كيفية مشاركة الإيمان بفعالية مع الآخرين من خلال الاختبارات والتجارب الشخصية التي توضح تأثير الإيمان في حياة الفرد، تتضمن الشهادة الشخصية رواية تجارب حقيقية عن كيفية تغيير الإيمان لحياة الناس ودفعهم نحو التحول الإيجابي، إن الشهادة الشخصية تحمل قوة تأثير كبيرة لأنها تأتي من القلب ومن تجارب حقيقية عاشها الفرد، عندما يروي المؤمن تجربته الشخصية مع الإيمان وكيفية تغييره لحياته، فإنها تلمس قلوب المستمعين بشكل أعمق وأكثر صدقًا، القصص الشخصية تجذب الناس وتجعله يميل للاستماع والتفكير بجدية في الرسالة المقدمة، فالشهادة الشخصية تظهر بوضوح كيف يمكن للإيمان أن يقود إلى تغييرات إيجابية وتحولات جذرية في حياة الفرد. من خلال سرد قصص النجاح والتحولات التي حققها الإيمان في حياتهم، فعندما يشارك المؤمنون تجاربهم الشخصية، فإنهم يعززون الثقة بينهم وبين المستمعين. الشهادة الشخصية تفتح قنوات للتواصل الفعال وتخلق جواً من المصداقية والاحترام المتبادل، هذا النوع من المشاركة يساعد في بناء علاقات قوية ومستدامة، مما يسهل على الآخرين قبول الإيمان والتفاعل معه بشكل إيجابي.

اما الخدمة المسيحية فهي تشمل العديد من الأنشطة التي تهدف إلى مساعدة الآخرين وبناء المجتمع، من خلال التطوع والعمل الجماعي في الكنيسة والمجتمع الأوسع. يمكن أن تأخذ الخدمة أشكالًا متعددة، مثل التعليم، والرعاية، والدعم الاجتماعي، مما يعكس الحب المسيحي والاهتمام بالآخرين، فهي تعتمد بشكل كبير على الجهودات التطوعية في العمل الجماعي، من خلال تقديم الوقت والجهد لخدمة الآخرين، يعكس المتطوعون الحب المسيحي ويعملون على بناء مجتمع أقوى وأكثر تماسكًا، فالعمل الجماعي في الكنيسة والمجتمع يسهم في تعزيز الروابط الإجتماعية ويعكس روح العطاء والتعاون التي يدعو إليها المسيح، وهي ليست محصورة في شكل واحد بل تتنوع لتشمل التعليم، الرعاية، والدعم الاجتماعي. التعليم يمكن أن يكون من خلال تعليم الأطفال والشباب، أو تقديم دروس دينية للكبار. الرعاية تشمل زيارة المرضى والمحتاجين، وتقديم المساعدة للمسنين، الدعم الاجتماعي يمكن أن يكون من خلال تنظيم حملات لجمع التبرعات للفقراء والمحتاجين أو تقديم الدعم النفسي والاجتماعي لمن يمرون بأوقات صعبة،  فمن خلال الخدمة يظهر المسيحيون حبهم واهتمامهم بالآخرين، مقتدين بمحبة المسيح للناس، الخدمة تتيح للأفراد فرصة لتطبيق تعاليم المسيح في حياتهم اليومية، وتعزز من شعورهم بالانتماء والهدف، الحب المسيحي ليس مجرد مشاعر، بل هو أفعال ملموسة تهدف إلى تحسين حياة الآخرين وإحداث تغيير إيجابي في المجتمع.

اما الثمار الروحية هي الصفات التي يظهرها المؤمنون نتيجة لعمل الروح القدس في حياتهم، وتشمل المحبة - الفرح - السلام - الصبر - اللطف - طول الاناة - الصلاح - الإيمان - الوداعة - والتعفف، تنمية هذه الثمار في الحياة اليومية تساعد في تعزيز العلاقات الإنسانية وتقديم أمثلة حية على تأثير الإيمان في المجتمع، فتحسين العلاقات مع الآخرين يتأثر بشكل مباشر من خلال إظهار هذه الثمار، مما يؤدي إلى تعزيز السلام والمحبة في المجتمع، بالتسامح، ونشر الإيجابية، مما يعزز الوحدة والتفاهم بين الناس، إن الثمار الروحية مثل المحبة، الفرح، السلام، والصبر تعمل كأدوات فعّالة في تعزيز العلاقات بين الناس. عندما يظهر المؤمنون هذه الصفات في تعاملاتهم اليومية، فإنهم يقدمون أمثلة حية على تأثير الإيمان في حياتهم، مما يعزز الروابط الإنسانية ويساهم في بناء مجتمع أكثر ترابطًا وتفاهمًا، فمن خلال إظهار الثمار الروحية مثل الوداعة والتعفف، يمكن للمؤمنين أن يسهموا في نشر السلام والمحبة في مجتمعهم. هذه الصفات تساعد في تقليل النزاعات وتعزيز التعاون، مما يؤدي إلى وحدة وتفاهم أكبر بين الأفراد من مختلف الخلفيات والمعتقدات، فدور التسامح والإيجابية في نشر ثمار الروح، كالتسامح واللطف هما من الثمار الروحية التي يمكن أن تحدث تغييرًا إيجابيًا كبيرًا في المجتمع، عندما يظهر المؤمنون هذه الصفات، فإنهم ينشرون الإيجابية ويشجعون الآخرين على اتباع نفس النهج، مما يعزز مناخًا من الخير والتفاهم بين الناس، ويشجع على خلق بيئة أكثر تناغمًا وسلامًا.

- الشهادة الشخصية ومشاركة الايمان :

الشهادة الشخصية تعتبر جزءًا أساسيًا من حياة المؤمن المسيحي، وهي طريقة فعالة لمشاركة الإيمان ونقل رسالة الإنجيل إلى الآخرين. من منظور مسيحي، تعتمد الشهادة الشخصية على الصدق والإخلاص والتجارب الحقيقية التي مر بها الشخص، مع الاعتماد على قوة الروح القدس لإلهام وتحفيز الآخرين، أما عن كيفية مشاركة الإيمان مع الآخرين بفعالية علينا العيش بالشهادة " فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (مت ٥ : ١٦) الحياة الأمينة والحقيقية التي يعيشها المؤمن هي شهادة قوية تجذب الآخرين إلى الإيمان، هذا عندما يكون المؤمن شهادة حية بعلاقته السخصية الواضحة أمام نفسه والأخرين ايضا، وقبل مشاركة الإيمان، يمكن للمؤمن أن يصلي طلبًا للإرشاد والقوة من الروح القدس " لا تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى الله. (فى ٤ : ٦) مشاركة المؤمن بإيمانه وإختباراته بدون إرشاد الروح القدس تكون عائق لقبول الإيمان الحقيقي أمام الله من الآخرين.

المؤمن الشاهد بعمل الله في حياته، يلزم عليه أن يكون مؤمن متحلي بالسلوك الحقيقي والتواضع، فعند مشاركة الإيمان، من المهم أن يكون المؤمن متواضعًا ومحبًا، ويستمع إلى الشخص الآخر استماع جيد " إِذًا يَا إِخْوَتِي الأحِبَّاءَ، لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، .. (يع ١ : ١٩) ليس هذا غقط بل ومستخدما لايات الكتاب المقدس كي يكون التركيز علي الرب وكلمته وليس علي الشخص المتكلم او علي البشر مهما كانت درجاتهم الايمانية او الروحية، فمشاركة آيات من الكتاب المقدس يكون وسيلة فعالة لنقل رسالة الإنجيل " كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ الله، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ الله كَامِلا، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ. (٢تى٣ :  ١٦-١٧) المؤمن المشارك بشهادته واختباره يحتاج الى ان يكون في دائرة الحق الكتابي قبل أن يكون مشاركا به

- لقاء السامرية :

هل رايت المسيح في لقاءه مع المراة السامرية،  يتحدث معها عند البئر مكان وجودها، بعد أن عرفت أنه المسيح، تركت جرتها وذهبت إلى المدينة وقالت للناس: "هلموا انظروا إنسانًا قال لي كل ما فعلت. ألعل هذا هو المسيح؟" (يو ٤ : ٢٩ ) نتيجة لشهادتها، "آمن به كثيرون من السامريين بسبب كلام المرأة" (يو ٤ : ٣٩ ) نرى مثالا رائعًا لشهادة المسيح عن نفسه وكيف يمكن لشهادة بسيطة أن تؤدي إلى إيمان الكثيرين، عند حديثه مع المرأة، كشف لها عن معرفته العميقة بحياتها وماضيها، مما جعلها تدرك أنه ليس مجرد إنسان عادي، عندما قالت له المرأة: "أنا أعلم أن المسيح، الذي يُقال له المسيّا، يأتي. فمتى جاء ذاك، يخبرنا بكل شيء." أجابها يسوع: "أنا الذي أُكلمك هو." (يو ٤ : ٢٥ ، ٢٦ ) هذا الكشف الشخصي للمسيح عن هويته كان له تأثير عميق على المرأة، بعد أن تأكدت من هوية يسوع، تركت جرتها وذهبت إلى المدينة لتشارك الآخرين بما سمعته ورأته. كانت شهادتها بسيطة ومباشرة، هذه الشهادة الصادقة والمباشرة أثارت فضول الناس، ودفعهم للخروج لمقابلة يسوع بأنفسهم.

أثرت شهادة المرأة في الكثيرين، هذا يظهر قوة الشهادة الشخصية وكيف يمكن للكلمة الصادقة والبسيطة أن تؤدي إلى تغيير قلوب الناس، بمجرد أن اختبر الناس بأنفسهم تعاليم يسوع، ازدادت إيمانهم وثقتهم به، قائلين: "لسنا بعد بسبب كلامك نؤمن، لأننا نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلّص العالم." (يوحنا 4: 42).المسيح يكشف عن نفسه بطريقة شخصية وحميمية، وكيف أن الشهادة البسيطة والصادقة يمكن أن تكون لها تأثير عظيم في نشر الإيمان وجذب الناس إلى الحقيقة.

محطه الشهادة الشخصية والخدمة محطة مهمة في حياة المؤمن، لأنه لابد أن يدرك أنه بعد أن نال محطة الميلاد الجسدي ومحطة الميلاد الروحي والدخول الي معمودية الماء والتمتع بعمل الفداء، كل هذه المحطات المهمة التي تعطي للمؤمن قفزات روحية ومكانة أبدية، عليه مسىولية محطة مهمة في حياته، هي محطة الشهادة والخدمة وحياة الثمار، فالسامرية بعد نوالها محطة الميلاد الروحي بإيمانها بالمسيح قفزت الي محطة الشهادة بحياتها ودعوة الاخرين ليختبروا ما اختبرته

 -  بولس وسجان فيلبي :  

واحدة من أبرز قصص الشهادة والخدمة التي قام بها بولس، كان بولس وسيلا في السجن في فيلبي بسبب نشرهما للإنجيل، عند منتصف الليل كانا يصليان ويسبحان الله في السجن، وفجأة حدث زلزال عنيف أدى إلى فتح أبواب السجن وانفكاك قيود السجناء، ظن السجان أن السجناء قد هربوا، فكان على وشك أن ينتحر خوفًا من العقاب، لكن بولس ناداه بصوت عالٍ قائلا: " لا تفعل بنفسك شيئًا رديًا لأننا جميعًا هنا (أع ١٦ : ٢٨ )  دهش السجان من ذلك وسأل بولس وسيلا: "يا سيدي، ماذا يجب أن أفعل لأخلص؟" فأجابه بولس قائلا: " آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك" (أع ١٦ : ٣١ ) بفضل شهادة بولس وسيلا وإيمان السجان بكلامهما، آمن السجان وأهل بيته واعتمدوا جميعًا.

 تُظهر هذه القصة أهمية الشهادة والخدمة في حياة المؤمن. بعد أن نال بولس محطة الميلاد الروحي، لم يتوقف عند ذلك بل استمر في شهادة المسيح ودعوة الآخرين ليختبروا نفس النعمة والخلاص. وكما فعلت المرأة السامرية في دعوتها للآخرين، فعل بولس وسيلا نفس الشيء في حياتهما اليومية، ليكونا سببًا في إيمان وخلاص السجان وأسرته، هذه القصة تعلمنا أنه بعد أن نختبر نعمة الله في حياتنا، علينا أن نشارك الآخرين بما اختبرناه، ليتمتعوا هم أيضًا بالخلاص والحياة الأبدية، فبعد المرور بمحطات الميلاد الجسدي والروحي، والدخول إلى المعمودية، والتمتع بعمل الفداء، على المؤمن أن يدرك أهمية محطة الشهادة والخدمة. فهي تمثل مسؤولية كبيرة تتمثل في تقديم شهادة حيّة عن إيمانه ودعوة الآخرين لتجربة نفس النعمة والخلاص، فبولس وسيلا استمرا في الشهادة لله حتى في ظروف صعبة مثل السجن، مما أدى إلى إيمان السجان وأسرته. هذه القصة تبرز أن الإيمان والشهادة يمكن أن يؤثرا بشكل كبير على الآخرين، بعد نوال نعمة الله، من المهم أن يعيش المؤمنون حياتهم بطريقة تكون قدوة للآخرين، كما فعل بولس وسيلا والمرأة السامرية. هذه القدوة تشجع الآخرين على الإيمان والتمتع بالخلاص والحياة الأبدية.

- الخدمة كعمل يهدف لخلاص النفوس :

الحياة المسيحية الحقيقية تشمل مجموعة متنوعة من الأنشطة والجهود التي يقوم بها المؤمنون لخدمة الآخرين والمجتمع، تتنوع هذه الخدمات ويمكن تصنيفها إلى عدة أنواع، كل منها يلعب دورًا مهمًا في تعزيز القيم الايمانية ودعم الأفراد والمجتمعات، فالخدمة الروحية تركزها في التعليم الكتابي للجميع كبار وصغار، وتقديم دروس الكتاب المقدس الهدف منها خلاص النفوس وبنيان المؤمنين، فتنظيم الندوات والمؤتمرات الروحية، مع حياة الصلاة من أجل الآخرين، هذا بالاضافة الي الخدمة الاجتماعية والرعاية الصحية ليس في إنشاء المستشفيات والعيادات الصحية كعمل استثماري، بل من أجل توفير الرعاية الصحية المجانية أو بتكاليف منخفضة جدا، ايضا الهدف منه هو معرفة النفوس للرب المعرفة الإختبارية.

فبسبب انشاء المستشفيات والمدارس ليس بهدف ربح النفوس بل بهدف ربح الفلوس ( المال ) وصلنا لنتيجة واحدة هي غياب روح الخدمة والكرازة والشهادة، فطوبي للرجل الذي يقدم وقته وخدماته لربح النفوس وبنيان المؤمنين، وويل لكل مستغل لإسم الرب ولإسم الخدمة من أجل مكاسب شخصية او ربح قبيح، فالرعاية الإجتماعية تقديم الدعم للمشردين، وكبار السن، والأيتام، والأشخاص ذوي الإعاقة ليس بهدف مشاريع ربحية بل من أجل مشاريع خدمية من الطراز الأول، فدور الخدمة المسيحية في المجتمع هو تعزيز القيم الأخلاقية والروحية، ودعم الأفراد المحتاجين، والعمل على تحسين الظروف المعيشية للجميع، وبناء مجتمع متماسك ومتعاون، يعتمد على مبادئ المحبة والعطاء والتضامن وكل هذا لربح النفوس للرب.

 - ارتباط الخدمة والشهادة بثمر الروح :

ذكر ثمر الروح في كلمه الله تشمل أهم الأمور التي تؤسس مستوي عميق من التواصل مع الاخرين وتبدا بالمحبة مرورا بالفرح النابع من دائرة السلام والصبر، وبالتالي يظهر اللطف مع الاخرين فيظهر الايمان المرتبط بدوائر  الوداعة "  وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلامٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ. (غلا٥ :  ٢٢-٢٣) الوداعة Meekness التي جاءت في اللغة اليونانية Πραΰτης  Praÿtēs وتعني "الوداعة" أو "اللطف". وهي تشير إلى حالة من الهدوء الداخلي والتواضع، حيث يكون الشخص رقيقًا ومتسامحًا مع الآخرين، ويمتلك سلوكًا هادئًا وغير عنيف. في السياق الكتابي، تعتبر الوداعة من ثمر الروح القدس التي تنعكس في سلوك المؤمن وحياته اليومية.

عندما تغيب الوداعة يحل محلها الصلابة  ἀποτομία هي كلمة يونانية تعني القسوة أو الصلابة، تشير إلى الصلابة أو الشدة في السلوك أو المواقف أو في القرارات القانونية، وقد تُستخدم لوصف شخص قاسي غير مرن وصارم، يصل الي القسوة بالمعني القضائي " فَهُوَذَا لُطْفُ الله وَصَرَامَتُهُ: أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا، وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ، إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ، وَإِلا فَأَنْتَ أَيْضًا سَتُقْطَعُ. (رو ١١ : ٢٢) تعني أيضا القوة في تطبيق القانون، ولابد أيضا أن نضع الفرق بين قساوة الإنسان مع اخيه الإنسان والقساوه أو الصرامة أو الشدة التي من الله نتيجة أفعال الإنسان الخاطئة ونتيجة البعد عن الحق الكتابي، فان كان المسيح وديعا ومتواضعا فهو ايضا شديد القوه ويستخدم القساوه أي الصرامة من أجل إستقامة الإنسان

يحتاج الإنسان أن يكون في دائرة الخدمة سالك بالصلاح والإستقامة لكي ياتي بالثمر المطلوب ويكون في دائرة المشيئة الإلهية وخاضعا لما تتطلبه الخدمه من مجهود وتضحية وبذل " فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، ..أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا. بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ. (أف٤ :  ١-٢) عندما يتمتع الشخص بثمر الروح القدس، يصبح أكثر محبة ولطفاً وصبراً وتواضعا، مما يعزز العلاقات الإيجابية مع الآخرين، فالأشخاص الذين يملكون السلام الداخلي والفرح يسهمون في خلق بيئة سليمة ومفرحة حولهم، تظهر الأمانة والوداعة قوة تأثير الإيمان الحقيقي في حياة الفرد وتجذب الآخرين للمسيح.

ثمر الروح في داخلها جوانب أساسية من حياة المؤمن وتلعب دوراً حيوياً في الشهادة للمسيح، الأمانة والوداعة، جزء من ثمر الروح، ولهما أهمية كبيرة، فالأمانة هي الثقة والنزاهة وتعني الإلتزام بالصدق في كل الأمور، عندما يرى الناس شخصًا أمينًا في تعاملاته، يكون لديهم دافع أكبر للإستماع إلى رسالته عن المسيح، والعيش في حياة الاستقامة تعني الثبات في السلوك والأفعال، الشخص الأمين يظهر بوضوح التزامه بالمبادئ المسيحية، مما يجذب الآخرين إلى الإيمان، لذلك فالوداعة تجد داخلها التواضع واللطف وتتجلى في التعامل مع الآخرين، الشخص الوديع يستطيع أن يعبر عن محبته واحترامه للجميع، مما يعكس محبة المسيح لجذب النفوس اليه.

- اهمية محطة الشهادة والخدمة وثمر الروح :

هذه المحطة تناولنا فيها الشهادة الشخصية ومشاركة الإيمان، ففي لقاء السامرية تناول لقاء يسوع مع المرأة السامرية (يو ٤)، حيث كانت الشهادة الشخصية للسامرية عن يسوع سبباً في إيمان الكثيرين من سكان المدينة، هذا التاثير الفعال ليس فقط في هذا الاختبار بل ايضا في اختبار سجان فيلبي، إنها حادثة إيمان بعد شهادته لاعتراف بولس وسيلا بإيمانهم رغم الظروف الصعبة (أع ١٦) لذلك فالشهادة حق روحي يحتاج أن يكون فيه كل مؤمن لأن الخدمة كعمل تهدف لخلاص النفوس، فقد حث بولس الرسول على الخدمة كعمل يهدف لخلاص الآخرين، قائلا "  كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيحِ. (١كو ١١ : ١) فقد كان بولس في كل خدمته وتجواله بين البلاد لربح النفوس، فقد كان مشجعا وبانيا لايملنهم، لان الشهادة والخدمة هي تقديم الدعم الروحي والنفسي والمادي لمن يحتاج، كجزء من رسالة المؤمن في تحقيق مشيئة الله وخلاص النفوس.

ثمر الروح وفقًا لرسالة ( غلا ٥ ) يتجلى فيها ثمر الروح فتحمل معاني ( الحب، الفرح، السلام، الصبر، اللطف، الخير، الإيمان، الوداعة، والتعفف. ) وهذه الصفات يجب تظهر في حياة المؤمن الذي يشارك في الخدمة والشهادة، ولذلك فالخدمة لربح النفوس والشهادة هي نمو الثمار الروحية، حيث يختبر المؤمن نعمة الله فيها في حياته ويعكسها في تعامله مع الآخرين، لذلك نري في حياة التلاميذ بعد حلول الروح القدس في يوم الخمسين ( أع ٢ ) بدأت حياة التلاميذ تتغير بشكل ملحوظ، حيث أظهروا ثمار الروح في تعاملاتهم اليومية وشهاداتهم عن المسيح، واستمر هذا في خدمتهم ففيليبس الشماس  ( أع ٨ ) الذي خدم وشارك الإيمان بفرح وسلام، مما أدى إلى انتشار المسيحية في السامرة وزرع البذور الروحية في حياة الكثيرين.

حياة مشاركة الإيما هي دعوة المؤمنين اليوم لتقديم شهاداتهم الشخصية بصدق وإيمان، مما يعزز الروحانية والنمو الروحي في الكنيسة والمجتمع، وتقديم الخدمة بروح المسيح، مثل دعم الفقراء والمحتاجين، تعليم الأطفال، زيارة المرضى، وتقديم المشورة الروحية ومواجهة التحديات، التي يمكن أن تواجه المؤمنين، تحديات مثل الرفض، الاضطهاد، أو عدم التفهم من الآخرين، لكن فلنعلم ان هذه التحديات تساهم في تقوية الإيمان وتنمية الثمار الروحية - يبارك الله كل من يشهد ويخدم بصدق وإخلاص، حيث يعزز العلاقة معه ويزيد من الفرح والسلام الداخليين، وتشجيع المؤمنين على الالتزام بالشهادة والخدمة بقلوب مخلصة، ساعين دائماً لتحقيق مشيئة الله ونشر ملكوته على الأرض، وطلب قوة الروح القدس لإرشاد المؤمنين في حياتهم اليومية وخدمتهم، حتى يثمروا ثمار الروح ويكونوا نوراً للعالم.

 

 

٥

محطة ملء الروح القدس وإرشاده

 

رأينا أن في الميلاد الثاني تاثير لعمل الروح القدس لأنه هو بداية العمل الإلهي في حياة المؤمن، يتم تجديد الروح والنفس للبدء في رحله جديدة نحو الحياة الأبدية، فبدون الروح القدس لا يحدث ميلاد (يو ٣ : ٥) ثم يدخل الإنسان الى دائرة المعمودية بالماء، الذي فيه يتم دخول المؤمن في شركه ايمانية حقيقية حيث انه يعلن ايمانه أمام الجميع بأنه دفن وقام مع المسيح (رو ٦ : ٤) ثم ياتي دور الروح القدس في الشهادة والخدمة حيث أنه يوجه المؤمنين نفسه في خدمته وشهادته للآخرين ( رو ٨ : ١٤ ) من خلال إرشاد الروح، يتمكن المؤمن من تقديم شهادة حقيقية وفعالة لحياة المسيح وعمله، كما أن ثمر الروح التي ينتجها الروح القدس في حياة المؤمن تعزز من قدرة المؤمن على الخدمة والشهادة بفرح وسلام.

فالروح القدس يعمل اولا في النفس ذاتها ويؤهلها لتسيير قادره على ان تكون في دائره الشهاده والخدمه للاخرين وان يكون المؤمن في دائره ربح النفوس لانه ان لم يسلم نفسه لعمل الروح القدس سيكون صاحب عثره ولن يكون مثمرا في ملكوت الله وفي تسليمه نوال القوة ليستطيع مواجهة الصعاب التي تقابله " لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض" (أع 1: 8)  المؤمن يواجه مشاكل وصعاب في حياته، الصعاب والمشاكل والحروب إما أن تكون سبب بركه له ورفعه من خلال التسليم لعمل الروح القدس فيستلم هذه الامور ويجعلها للخير " ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله، الذين هم مدعوون حسب قصده (رو 8: 28)  أما أن يبتعد المؤمن عن دائرة تأثير الروح القدس في حياته فتشكل فيه الصعاب والمشاكل والحروب وتحوله لشخصية غير سوية روحيا ونفسيا فعندما يدخل لدوائر الخدمة وهو في هذه الأوضاع أو هذه الحالة لا ياتي بالثمر المطلوب بل يكون عثرة لكثيرين.

الروح القدس هو المعزي الذي يمنح المؤمنين القوة في مواجهة التحديات والشدائد. عندما يمر المؤمن بأوقات صعبة، يأتي الروح القدس ليعطيه السلام الداخلي والشجاعة للاستمرار، مما يساعد في رفع معنوياته وإيمانه "  وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ. (يو ١٤ : ٢٦) يعتبر الروح القدس جزءًا أساسيًا من الثالوث المقدس في العقيدة المسيحية، ويُنظر إليه كقوة إلهية تحضر في حياة المؤمنين لتقديم الدعم والإرشاد. عندما يمر المؤمن بأوقات صعبة، هذا يعني أن الروح القدس ليس فقط مصدر تعزية، بل هو أيضًا معلم ومرشد يذكر المؤمنين بتعاليم المسيح ويوجههم في حياتهم الروحية واليومية، لذلك فالامتلاء به امر حتمي ومهم جدا ولا يجب ان يهمل

 - التكليف من الروح القدس بعمل خاص  :

يقوم الروح القدس بعمل إرشاد في حياة المؤمنين وتوجيههم نحو مشيئة الله. برنابا وشاول (بولس) وكيف تم تكليفهما بعمل خاص من خلال إرشاد الروح القدس " وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ، قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ:"أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ". فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأيَادِيَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا. فَهذَانِ إِذْ أُرْسِلا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ انْحَدَرَا إِلَى سَلُوكِيَةَ، وَمِنْ هُنَاكَ سَافَرَا فِي الْبَحْرِ إِلَى قُبْرُسَ. (أع١٣ :  ٢-٤) في بداية النص، نرى أن الرسل كانوا يخدمون الرب ويصومون. هذا يعكس حالتهم الروحية المخلصة والمكرسة لله.

الخدمة والصوم يمثلان استجابةً لطاعة وإيمان عميق، مما يفتح الباب للروح القدس للعمل في حياتهم، وفي وسط هذه الأجواء المقدسة التي صنعوها، قال الروح القدس: «أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْه» نرى كيف أن الروح القدس هو الذي يوجه ويعين الأشخاص لمهمة معينة، الروح القدس ليس فقط مصدر القوة، بل هو أيضًا المرشد الإلهي الذي يكشف خطط الله ويدعو المؤمنين لتحقيقها، لذلك بعد سماع توجيهات الروح القدس، قام الرسل بالصوم والصلاة ووضع الأيادي على برنابا وشاول، هذه الأعمال تمثل تأكيد الكنيسة وتضامنها مع الدعوة التي تم توجيهها من الروح القدس، وضع الأيادي كان عادةً رمزًا للتكريس والبركة والتفويض بالسلطة الروحية " فَهَذَانِ إِذْ أُرْسِلَا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، انْحَدَرَا إِلَى سِلُوكِيَّةَ، وَمِنْ هُنَاكَ سَافَرَا إِلَى قُبْرُسَ." بعد التأكيد والتفويض من الكنيسة.

انطلق برنابا وشاول في رحلتهما التبشيرية. يذكر النص أن الروح القدس هو الذي أرسلهما، مما يؤكد أن العمل التبشيري هو جزء من خطة الله العظمى، فالروح القدس لا يجد مجاله الا في وسط الحياة الروحية النشطة لذلك يجب على المؤمنين أن يكونوا في حالة روحية نشطة ومكرسة، من خلال الصلاة والصوم والخدمة، ليكونوا مستعدين لسماع صوت الروح القدس، وعليهم الاستماع والطاعة، لأنه من المهم أن نكون مفتوحين لسماع توجيهات الروح القدس وأن نطيعها، حتى لو كانت تتطلب منا تغيير خططنا أو التحرك في اتجاه جديد.

ايضا نري التضامن الكنسي، فالكنيسة تلعب دورًا مهمًا في التأكيد والدعم الروحي لأولئك الذين يُدعون لأعمال خاصة. وضع الأيادي والصلاة  والشركة هي عناصر مهمة في هذا التضامن مع التحرك الفوري عندما نسمع دعوة الروح القدس، يجب أن نكون مستعدين للتحرك بسرعة وبثقة، معتمدين على قوته وإرشاده في كل خطوة، ويجب علينا أن نكون دائمًا مستعدين للإستماع، والطاعة، والتحرك وفقًا لإرشاد الروح القدس، مؤكدين أن الله يعمل في حياتنا لتحقيق خطته العظمى.

ـ التوجيه الحكيم وانتاج الثمار :

الروح القدس يعمل كمرشد وموجه للمؤمن في حياته اليومية، يساعده على اتخاذ القرارات الصحيحة التي تتماشى مع إرادة الله، سواء كانت هذه القرارات تتعلق بالحياة الشخصية أو الروحية "  وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ. (يو ١٤ : ٢٦) فإن الروح القدس يوفر الحكمة والفهم اللازمين لتحقيق التميز والنجاح في جميع جوانب الحياة، ويضعها الوحي في سوره قياده روحيه  "  لأنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ الله، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ الله. (رو ٨ : ١٤) وهذا يرجع الى أن الإنسان المنقاد بروح الله لا ينفصل عن دائره العلاقه الالهية مع الله كونه بالايمان إبنا لله بالتبني، يوضح الكتاب المقدس دور الروح القدس كمرشد وموجه في حياة فيلبس ( اع ٨ ) الذي كان يستمع لتوجيهات الروح القدس وينقاد بها، الروح القدس أرسل فيلبس ليلتقي بخصي حبشي كان عائداً من العبادة في أورشليم وكان يقرأ من سفر إشعياء دون فهم. الروح القدس وجه فيلبس للذهاب إلى العربة التي كان الخصي يستقلها، سأله إذا كان يفهم ما يقرأ، قال الخصي: "كيف يمكنني أن أفهم ما لم يرشدني أحد؟" فصعد فيلبس إلى العربة وشرح له النص الذي كان يقرأه من سفر إشعياء، مبيناً له أن النبوة تشير إلى يسوع المسيح، بعدما سمع الخصي الرسالة طلب أن يعتمد، وأخذ فيلبس الخصي إلى الماء وعمَّده، وبعد ذلك، اختطف الروح القدس فيلبس، ووجد نفسه في مدينة أخرى، بينما واصل الخصي طريقه متهللا، نري بوضوح كيفية توجيه الروح القدس للمؤمنين وإرشادهم في حياتهم اليومية، ومساعدتهم على اتخاذ القرارات الصحيحة التي تتماشى مع إرادة الله، الروح القدس هنا يعلم فيلبس أين يذهب وماذا يقول، ويوفر له الحكمة والفهم اللازمين لتحقيق إرادة الله في حياة الخصي الحبشي.

يساهم الروح القدس بشكل فعال في نمو المؤمن الروحي، من خلال العمل الداخلي للروح القدس (غلا٥ :  ٢٢-٢٣) في حياة المؤمن الممتلئ بالروح، والقريب دائما من كلمة الله والذي يسعي دائما للسلوك بحياة التدقيق " وَلْيَمْلأكُمْ إِلهُ الرَّجَاءِ كُلَّ سُرُورٍ وَسَلامٍ فِي الإيمَانِ، لِتَزْدَادُوا فِي الرَّجَاءِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ. (رو ١٥ : ١٣) هذا الملء الروحي يؤدي إلى حياة مثمرة ومليئة بالثمار الروحية التي تعكس صورة المسيح في حياة المؤمن مما يجعله شاهدًا حقيقيًا لإيمان المسيح في العالم "  بِهذَا يَتَمَجَّدُ أَبِي: أَنْ تَأْتُوا بِثَمَرٍ كَثِيرٍ فَتَكُونُونَ تَلامِيذِي. (يو ١٥ : ٨) فبدون التسليم الكامل لعمل الروح القدس يفقد المؤمن مستويات المحد دنيا واخرة، ولتوضيح مفهوم تأثير الروح القدس في نمو المؤمن الروحي كما ذكرت، نري في حلول الروح القدس يوم الخمسين (أع ٢) كانوا جميع التلاميذ مجتمعين في مكان واحد. فجأة، جاء من السماء صوت كريح عاصفة ملأت كل البيت الذي كانوا جالسين فيه. وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم. فامتلأ الجميع من الروح القدس، وبدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا، وكان هناك في أورشليم يهود متدينون من كل أمة تحت السماء، وعندما سمعوا الصوت، اجتمع جمهور كبير وتحيروا لأن كل واحد كان يسمعهم يتكلمون بلغته الخاصة. كانوا مندهشين ومتعجبين، وقالوا: "أليس كل هؤلاء المتكلمين جليليين؟ فكيف نسمع كل واحد منا لغته الخاصة؟ هذا الامر يعكس قوة الروح القدس في تعزيز الشهادة للمسيح ونقل الرسالة بطرق فائقة للطبيعة، مما يؤدي إلى نمو الكنيسة وانتشار الإيمان. كما أن هذا الحدث يظهر أهمية الامتلاء بالروح القدس في حياة المؤمن وقدرته على تحقيق نتائج مذهلة من خلال عمل الروح في حياته.

- عمل الروح القدس في مواجهة الشك:

الشكوك ( لا اقصد بها عدم الايمان ) التساؤلات الروحية هي جزء طبيعي من رحلة الإيمان. يمكن أن تكون هذه الشكوك ( التساؤلات ) محطات لتعمق الفهم وتحقيق النمو الروحي " وَارْحَمُوا الْبَعْضَ مُمَيِّزِينَ، وَخَلِّصُوا الْبَعْضَ بِالْخَوْفِ، مُخْتَطِفِينَ مِنَ النَّارِ، مُبْغِضِينَ حَتَّى الثَّوْبَ الْمُدَنَّسَ مِنَ الْجَسَدِ. (ية١ : ٢٢-٢٣) نجد دعوة مهمة للتعامل مع الشكوك برحمة وتمييز، هنا الشكوك كفرصة للنمو الروحي وتعزيز الإيمان، عندما تجد من في داخله تساؤلات أو شكوك لا تهمل بل تعامل بالرحمه واجب على تساؤلات وشكوك الغير، فمن خلال مواجهة التساؤلات التي بصدق، يمكن للفرد أن يتعمق في دراسة النصوص المقدسة والتأمل في القيم والمعتقدات، الشكوك تدفع المؤمنين إلى البحث عن إجابات وتوجيه أنفسهم نحو فهم أعمق لحقيقة الله وخطته للبشرية، هنا تأتي أهمية الرحمة والتمييز كما ذكر في يهوذا، حيث يمكننا تقديم الدعم والمساعدة لمن يواجهون هذه الشكوك.

أحد أهم الطرق للتعامل مع الشكوك هو التوجه إلى الله بالصلاة وطلب الحكمة، القراءة المتأنية للكتاب المقدس والتأمل في تعاليمه يمكن أن يوفر وضوحًا وإلهامًا، بالإضافة إلى ذلك، يمكن للحديث مع القادة الروحيين والأصدقاء المؤمنين أن يقدم منظورًا مختلفًا ودعمًا نفسيًا، يجب أن نتذكر أن الشكوك ليست دليلا على ضعف الإيمان، بل يمكن أن تكون جزءًا من رحلة النمو الروحي، حيث نبحث بصدق عن الحقيقة ونقترب أكثر من الله، لأن الشكوك التي تبعدنا هي بعيدة عن الاستخدام، اما الشكوك المقترنة بالبحث والتنقيب تمنح الإنسان فرصة لإختبار تأثير وعمل الروح القدس في توثيق المعلومة وازاحة اللبس الموجود.

في رسالة ( يع ١ : ٦ - ٨ ) يتحدث عن أهمية الإيمان والثبات في الحياة الروحية، " وَلكِنْ لِيَطْلُبْ بِإِيمَانٍ غَيْرَ مُرْتَابٍ الْبَتَّةَ، لأنَّ الْمُرْتَابَ يُشْبِهُ مَوْجًا مِنَ الْبَحْرِ تَخْبِطُهُ الرِّيحُ وَتَدْفَعُهُ. فَلا يَظُنَّ ذلِكَ الإنْسَانُ أَنَّهُ يَنَالُ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ. " هذه الآيات تقدم نصيحة ثمينة للمؤمنين حول كيفية طلب الله بثقة وإيمان كامل دون شك أو تردد، فالإيمان والثقة بالله هو أساس العلاقة بين الإنسان والله، الآية تقول: "ولكن ليطلب بإيمان غير مرتاب البتة،." هذه الصورة تعبر عن حالة الإنسان المتردد، الذي يتأرجح بين الشك والإيمان، الرياح التي تدفع الأمواج تعبر عن الشكوك التي قد تجتاح عقل الإنسان، مما يجعله غير ثابت وغير مستقر في إيمانه. الله يدعونا إلى أن نكون ثابتين وواثقين في طلباتنا، معتمدين على قوته وإرادته في حياتنا.

يوجد فرق بين الشكوك كتساؤلات وبين الشكوك في ذات الله وامكانياته، إن عدم الشك في رحمة الله امر في غاية الاهمية لان الشك المباشر في الله وفي رحمته يعيق ويمتع الاستجابة ونوال بركات من فيض النعمة " فلا يظن ذلك الإنسان أنه ينال شيئاً من عند الرب." عندما يشك الإنسان في قدرة الله أو رحمته، فإنه يعطل تدفق النعمة الإلهية في حياته، إن الإيمان الحقيقي يقتضي الثقة الكاملة بأن الله يستمع إلى صلواتنا ويستجيب لها وفق حكمته ومشيئته، لهذا يجب على المؤمن أن يطلب من الله بإيمان كامل، مؤمنا أن الله قادر على تلبية إحتياجاته ورغباته، فالشخص ذو الرأيين هو "متقلقل في جميع طرقه." عدم الثبات في الإيمان ينعكس على جميع جوانب الحياة، الإنسان الذي لا يملك إيماناً ثابتاً سيكون متردداً في قراراته وتصرفاته، مما يجعله غير قادر على التقدم أو تحقيق أهدافه، لذلك يدعو الرسول يعقوب المؤمنين إلى أن يكونوا ذوي رأي واحد وإيمان ثابت، لكي يتمكنوا من العيش بثقة واستقرار، معتمدين على الله في كل خطوة يخطونها، فالحاجة إلى الإيمان الكامل والثقة التامة بالله في حياتنا اليومية، الإيمان الثابت يضمن لنا الاستقرار الروحي والقدرة على مواجهة التحديات بثقة ويقينية.

 

 

 ٦

خاتمة

 

الوسط الاجتماعي والمواقف التي يمر بها الإنسان، سواء كانت سعيدة أو حزينة، تُشكل قيمه ومعتقداته وتُنمي مهاراته الاجتماعية والعاطفية. استعدادنا النفسي لتقبل هذه التجارب، سواء كانت جميلة أو مؤلمة، يلعب دورًا هامًا في كيفية تأثيرها علينا. فالشخص المتفائل يرى في التحديات فرصًا للنمو والتطور، بينما قد يرى الشخص المتشائم في نفس التجارب قسوةً وظلمًا. رحلة الإنسان في الحياة هي رحلة صقل وتطوير الذات، وعلينا أن نكون مستعدين لتقبل هذه التجارب والتعلم منها للنمو والتحسن، لذلك يختاج الانسان الي الولادة الروحية الثانية ضرورية للدخول إلى الحياة الأبدية والابتعاد عن الهلاك الأبدي، حيث يتحول الإنسان إلى خليقة جديدة ويعيد بناء علاقته مع الله. الولادة الثانية تتضمن عنصرين أساسيين " الماء - كلمة الله ، والروح  - الروح القدس " هذا يكون بالولادة الجديدة فيها يتحول الإنسان من دائرة الجسد إلى دائرة الروح، مما يمنحه القدرة على إدارة سلوكياته الروحية بفضل قوة كلمة الله الحية والفعالة، أما ختان الروح في العهد الجديد، يتم التركيز فيه على ختان القلب بدلا من ختان الجسد هذا يعبر عن العهد الروحي الجديد الذي يدخله الإنسان من خلال الإيمان بالمسيح وعمله الفدائي، مما يسمح له بأن يكون جزءاً من ملكوت الله بغض النظر عن كونه يهودياً أو أممياً.

ناتي الي نقطة مهمة حول أهمية المعمودية والتلمذة في المسيحية فجميع الطوائف المسيحية تؤمن بأهمية المعمودية باعتبارها محطة مهمة في حياة الإنسان المسيحي. هناك طوائف ترى أن المعمودية تأتي بعد الإيمان والتلمذة كإعلان إيمان بموت وقيامة المسيح، وتؤكد أن المعمودية ليست فرضاً بل طلباً بعد الإيمان والتلمذة، والتوبة هي الشرط الأساسي لقبول المعمودية، حيث يجب على الإنسان الاعتراف بذنوبه والابتعاد عن الخطيئة قبل تلقي المعمودية. المعمودية بدون توبة صادقة تصبح مجرد طقس خارجي دون تأثير حقيقي على حياة الإنسان، فالمعمودية تأتي بعد الإيمان والتلمذة، حيث تتبع الإيمان والفهم والتوبة، هي للأشخاص الذين لديهم إدراك وإيمان حقيقي، وتأتي بعد الكرازة والتوبة ومغفرة الخطايا. المعمودية في المسيحية لا تغفر الخطايا بذاتها، بل تعبر عن الإيمان وعمل المسيح الفدائي، التوبة تسبق المعمودية وتعد أساس الإيمان والخلاص المسيحي، بدون التوبة والإيمان الحقيقي بالله، تصبح المعمودية طقساً ظاهرياً دون تأثير فعلي، التوبة تعني التخلي عن الخطيئة والاعتراف بالذنوب والاقتراب من الله لطلب الغفران، وهي خطوة أساسية لدخول دائرة المعمودية والإيمان الحقيقي، المعمودية هي إعلان عن التوبة والإيمان وليس عن غسل الخطايا بالماء.

رحلة الإنسان الروحية تبدأ بالميلاد، تتضمن المعمودية، التلمذة، والإيمان بعمل المسيح، وتصل إلى الحياة الأبدية من خلال الصليب والقيامة، فيدخل المؤمن الي دائرة المصالحة مع الله التي تأتي بفضل تضحية المسيح الذي دفع ثمن الخطية بموته على الصليب، مما يتيح للمؤمنين الحصول على الخلاص وتجديد الحياة الروحية، ويتمتع بغفران الخطايا من خلال الإيمان بيسوع المسيح والتوبة عن الخطايا، يغفر الله خطايا الإنسان ويمنحه الحياة الأبدية، لان المسيح قدّم نفسه كذبيحة كفارية، سافكًا دمه على الصليب لمحو خطايا البشرية، مما يمنح المؤمنين فرصة للحصول على غفران كامل وخلاص أبدي، فيصير للمؤمن شركة مع الله لأن تضحية المسيح على الصليب أعادت العلاقة المباشرة بين الإنسان والله، يتم تحقيق المصالحة بالإيمان بالمسيح وطلب الغفران، مما يؤدي إلى حياة جديدة مليئة بالتواصل المستمر مع الله من خلال الصلاة، قراءة الكتاب المقدس، العبادة، الطاعة، وخدمة الآخرين، فالمصالحة هبة مجانية من الله، لا نحصل عليها من خلال الأعمال، بل هي هبة مجانية تُمنح من خلال نعمة الله وإيمان الإنسان بالمسيح، كما ورد في العديد من الآيات ( أف ٢: ٨-٩، يو ١٤: ٦، رو ٥: ١٠) وحدث من خلالها تحقيق السلام وتغيير الهوية لأن عمل المسيح على الصليب أحدث تغييرًا جذريًا في حياة المؤمنين، محولًا إياهم من أعداء وأجانب غرباء إلى مقربين لله، وأعطاهم هوية جديدة في المسيح، مما يتيح لهم العيش بسلام داخلي وخدمة المصالحة ( كو ١: ١٩-٢٢، أف ٢: ١٥، غلا ٣: ٢٨  ) هذا كله يعطي للمؤمن ثيدباتا راسخا ولا سيما أن بالصليب والقيامة إثبات الألوهية المسيح وقوة قيامته، لأنها تثبت ألوهيته وتحقق نبوءاته، حيث بعودته للحياة بعد الموت، يظهر قوته وسلطانه على الموت، هذا الحدث يعد حجر الزاوية في الإيمان المسيحي ويعطي المؤمنين رجاءً قويًا في الحياة الأبدية، مؤكدًا وعود الله وصحة رسالة المسيح، لان فيهما عملية خلاصع وحياة ابدية جديدة في النعمة، متحررين من خطايا الماضي، القيامة تعطي المؤمنين قوة روحانية للتغلب على الخطايا والنمو في الإيمان، وتثبت أن يسوع هو ابن الله الذي له سلطان على الموت والحياة، مما يمنحهم الأمل والسلام في مواجهة تحديات الحياة.

 من الميلاد الي المعمودية والإيمان بالصليب والقيامة نأتي الي الشهادة الشخصية التي تتضمن مشاركة المؤمن لتجارب حياته وتأثير الإيمان عليها، مما يعزز الثقة والمصداقية بين الناس، والشهادة يمكن أن تكون من خلال الخدمة المسيحية التي تشمل الأنشطة التطوعية التي تساعد في بناء المجتمع وتعكس الحب المسيحي، مثل التعليم والرعاية والدعم الإجتماعي، وإظهار ثمر الروح الذي يترك أثرا قويا في المجتمع، الثمار الروحية تشمل صفات مثل المحبة، الفرح، والسلام، وتساهم في تحسين العلاقات الإنسانية وتعزيز الايمان في قلوب النفوس وحياتهم، فإظهار هذه الثمار يساعد في نشر الإيجابية والتسامح، مما يعزز الوحدة والتفاهم بين أفراد المجتمع.

الشهادة الشخصية تعتمد على الصدق والتجارب الحقيقية، بإرشاد الروح القدس، لجذب الآخرين إلى الإيمان، كما نري أمثلة في الكتاب المقدس توضح أهمية الشهادة الشخصية، من نفوس مثل لقاء المسيح مع المرأة السامرية وتغيير حياتها، وإيمان سجان فيلبي بفضل شهادة بولس وسيلا داخل السجن، فالشاهد الحقيقي يشعر باحتياج النفوس ويعمل علي سلامتهم وامانهم ومعرفة الحق الكتابي ولا يهمل خدمة التعليم الروحي ولا يترك الرعاية والدعم الاجتماعي، الذي يكون بهدف جذب النفوس إلى الإيمان بالله، فالخدمة ليست لربح مادي بل لربح النفوس، ويتم هذا بروح المحبة والتضحية، لأن ثمر الروح هو (محبة، فرح، سلام، صبر، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، وتعفف) يجب أن تظهر في حياة المؤمنين، لأن حياة الشهادة والخدمة تعزز الروحانية والنمو الروحي في المجتمع، وتواجه التحديات بروح الإيمان.

ولا نستطيع أن ننسي دور الروح القدس الذي هو بداية العمل الإلهي في حياة المؤمن، حيث يتم تجديد الروح والنفس للبدء في رحلة جديدة نحو الحياة الأبدية،  الروح القدس يعزز قدرة المؤمن على الخدمة والشهادة بفرح وسلام، ويوجهه في خدمته وشهادته للآخرين ويقدم الدعم والإرشاد، وهو المعزي الذي يمنح المؤمنين القوة في مواجهة التحديات والشدائد، وهو الذي يوجه ويعين الأشخاص لمهام معينة، ويساعد المؤمنين على إتخاذ القرارات الصحيحة، و يساهم بشكل فعال في نمو المؤمن الروحي وإنتاج ثمار روحية تعكس صورة المسيح، ويؤدي إلى حياة مثمرة ومليئة بالثمار الروحية، مما يجعل المؤمن شاهدًا حقيقيًا لإيمان المسيح في العالم.

اثناء الشهادة وخدمة الرب في النفوس سنه عمل مع اشخاص لهم من الشكوك التي يجب ان نتعامل معها بروح الرحمة والتمييز، الشكوك الروحية هي جزء طبيعي من رحلة الإيمان ويمكن أن تكون فرصًا للنمو الروحي. يتطلب التعامل مع الشكوك بروح الرحمة والتمييز، مما يساعد الأفراد على التعمق في فهم النصوص المقدسة والقيم الروحية، وانا ادفع الانسان الذي لديه شكوك او تساؤلات الى الإعتماد على الصلاة والتأمل والتوجيه الروحي، من المهم التوجه إلى الله بالصلاة وطلب الحكمة عند مواجهة الشكوك، قراءة الكتاب المقدس بتأنٍ والتأمل في تعاليمه يمكن أن يوفر وضوحًا وإلهامًا، بالإضافة إلى الاستفادة من توجيه القادة الروحيين والأصدقاء المؤمنين، فيستطيع الانسان ان ينال الثبات في الإيمان والثقة بالله، يجب أن يطلب المؤمن من الله بإيمان كامل دون شك أو تردد، لانه يوجد فرق بين الشكوك فضله والشكوك في بعض العقائد والتعليم وهذا يرجع لعدم فهمها الفهم الصحيح او الكامل اما الثقة الكاملة برحمة الله وقدرته فهي تمنح الاستقرار الروحي وتضمن استجابة الصلوات وتحقيق النعم الإلهية، وتفتح ابوابا للفهم والادراك والابتعاد عن الشكوك التي تبعدنا عن الله وتعيق النمو الروحي، بينما الشكوك المقترنة بالبحث والتأمل تعزز الإيمان وتعمقه.

لذلك احباء لنا في الكتاب المقدس امثله كثيره عن شخصيات واجهت الشكوك وتغلبت عليها فموس النبي شك في قدرته على قياده شعب اسرائيل ولكن الله رد عليه بانه سيكون معه يساعده " فَقَالَ مُوسَى لِلهِ: "مَنْ أَنَا حَتَّى أَذْهَبَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَحَتَّى أُخْرِجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ؟" فَقَالَ: "إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ، وَهذِهِ تَكُونُ لَكَ الْعَلامَةُ أَنِّي أَرْسَلْتُكَ: حِينَمَا تُخْرِجُ الشَّعْبَ مِنْ مِصْرَ، تَعْبُدُونَ الله عَلَى هذَا الْجَبَلِ". (خر٣ :  ١١-١٢) الله دائما يحترم الفكر البشري والطريقه التي يضعها الانسان على ذاته، فيتعامل الله لإزاله كل ملابسات فكرية تعيق التقدم الروحي والإستخدام الإلهي للشخص، ففي حالة موسى تفهم الله الواقع  النفسي والعقلي والفكري الذي لموسى، وتعامل معه وأزال شكوكه ليستطيع ان يدخل موسى في دائرة الخدمة بلا خوف

ايضا تعامل الله مع الشكوك التي واجهت توما ويحترم طريقه تفكيره واستجاب للايمان البسيط جدا الذي لن يثبت ان لم يضع يده ويتحسس بنفسه اثار المسامير " .... قَالَ لِتُومَا:"هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلا تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا". أَجَابَ تُومَا وَقَالَ لَهُ:"رَبِّي وَإِلهِي!". قَالَ لَهُ يَسُوعُ:"لأنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا". (يو٢٠ :  ٢٤-٢٩) فالرب هنا لا يترك الإنسان في دائرة شكوكه بل يتعامل مع الانسان على قدر مستواه ليرفعه ويضعه في المكان الذي يجب ان يكون فيه او عليها، هكذا نحن المؤمنين علينا ان نرفع بعضنا بعض من دوائر الشكوك الموجودة في حياتنا دون أن نقلل من قيمة الشخص أو مستوى تفكيره.

هذا أيضا ما يصنعه الروح القدس في علاقته مع المؤمنين، فهو من ضمن أعماله أنه يعين الضعفات ويتعامل في داخلنا بروحه ليستطيع أن يرفعنا من كل شك أو ضعف أو عدم فهم " وَكَذلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا، لأنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لا يُنْطَقُ بِهَا. وَلكِنَّ الَّذِي يَفْحَصُ الْقُلُوبَ يَعْلَمُ مَا هُوَ اهْتِمَامُ الرُّوحِ، لأنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ الله يَشْفَعُ فِي الْقِدِّيسِينَ. (رو٨ :  ٢٦-٢٧) علينا ان نسير على هذا المنهج أو النهج الذي يسير به الله المثلث الاقانم في لاهوته، أنه لا يجرمنا بسبب شكوكنا ولكنه يتعامل معها بكل حب والتقدير.

ختامًا، نجد أن رحلة الإنسان الروحية هي رحلة معقدة ومليئة بالتحديات، تبدأ من الميلاد وتنتهي بالملء الروحي. من خلال هذه المحطات، يمر الإنسان بتجارب متعددة تتراوح بين الميلاد الروحي والمعمودية، وصولا إلى الصليب والقيامة، وأخيرًا الشهادة والخدمة والملء الروحي. كل محطة تضيف بعدًا جديدًا للروحانية، تقود الفرد نحو المصالحة مع الله وتحقيق الخلاص الشخصي. في نهاية هذه الرحلة، يكون الإنسان قد اكتسب فهمًا أعمق للإيمان، وتأكيدًا على أهمية الحياة المسيحية المبنية على الحب، الغفران، والتغيير الروحي.

 





 

 

 

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس