السُمعة الطيبة و التعامل بشرف

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السُمعة الطيبة

و

التعامل بشرف

       

بقلم القس

عماد عبد المسيح عطية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الفهرس

 

* السُمعة إهتمام كل شخص عاقل :

* العوامل المؤثرة علي السُمعة :

أولاً : النشأة

ثانياً : الأصدقاء ودائرة العلاقات وتصرفنا نحوهم :

ثالثاً : الرغبة في الصدارة أو المنصب دون وجه حق :

رابعاً : الطمع والجشع ومحبة المال :

* سمات وعلامات الرياء أو السمعة :

 

السُمعة الطيبة والتعامل بشرف

 

وقفت أمام نفوس لهم شعار يسيرون به مع الجميع وكأنهم يقولون وبلا خجل " إخوننا الأعزاء أحبائنا المقربين الي قلوبنا ، نريد أن نقول لكم شيئاً هاماً وهو : نحن لا يفرق معنا أحد ، لا القريب ولا البعيد ، أنفسنا فقط ، نحن ثم نحن وبس ، تقولوا علينا أنانيين مايفرقش ، تقولوا إنتهازيين مايفرقش ، تعادوننا وتبعدوا عنا مايفرقش ، أهم شيئ نحن وبس "

هذا ماذا تسميه ؟ ....... ! ربما ، ..... ! ربما ، كبرياء وانانية! اكيد ، هل يوجد مثل هؤلاء في زمننا ؟! أقول: نعم يوجد مثل هؤلاء في كل جيل! 

الرجاء عدم اتهامي بأنني أقصد أحداً ، لأنني لا أقصد إلا من تنطبق عليهم هذه الكلمات ، ليس للإدانه بل للتعليم وللإستيقاظ ، لأننا جميعاً في الموازين الي فوق ، لأن كل إنسان له عيوبه وأخطاءه وخطاياه ونقصه وهفواته.  

إن كاتب هذه السطور لا يزيد جمالاً عن أحد وليس هو بصاحب فضل علي أحد ، كاتب هذه السطور إنساناً قد يصيب وقد يُخطيئ ، فهو مثل كل إنسان يحاول أن يكون أفضل من أجل نفسه والرب ومن أجل خدمة الرب ، فالحياة مليئة بالهموم والمشاكل ، ومليئة بالمغريات والسلبيات ، فيها الجمال وفيها نفوس بسيطة تريد أن تعيش ، الحياة فيها من هو إيجابي ومريح ومن هو سلبي ومُتعب ، ومن يسير غالباً ، هذا بمعونة الروح القدس ونعمة المسيح ، لذلك إتكل عليهما فستنال الكرامة  ، عندما ذاق المرنم مرارة العالم  قال : مافيهاش راحة .

" مافيهاش راحة وبهرب منها إليه ربي أعني أغلبها وشدني لية ، بشرب واعطش ولا يرويني واشبع جوعي ولا يرضيني ، بازرع للجسد الاهواء والقى فساد وضياع وفناء

صرخة روحي ومطلبي ليك ، يدبل كل جمال بالقاه وتملّ عينىّ رؤياه ، وتتوه تانى فى كل جديد كله سراب وخداع بيزيد ، حوّل عينى إرفعها إليك ، باجمع وإللى جمعته لمين بانقص بيه من عمرى سنين ، باملك فيه وبيملك فىّ يستعبدنى ويسرق فىّ ، وإنت الكنز وغنايا فيك "

ما يَهِم أي إنسان سّوي " السُمعة والشرف " فيبقي السؤال : هل الله يهتم بي في جانب السُمعة والشرف ؟ وهل في كلمة الله إتجاه نحو السُمعة والشرف ؟ وهل إن إهتم أحدهم بسُمعتهِ وبشرفهِ تصير مسألة كرامة ؟ أم أنه من أجل ذاتي اتنازل عن كرامتي ؟ أم من أجل الله وخدمتهِ لا يُهمني السُمعة والشرف والكرامة؟

سأل المسيح تلاميذه قائلاً : " .... مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟" (مت ١٦ : ١٣) ثم وجه السؤال لتلاميذه قائلاً : " ... وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟... " (مت١٦: ١٣، ١٥) هل كان يسأل عن سُمعته بين الناس وبين تلاميذه ؟ في الحقيقة لا ، لم يكن للمسيح إهتمام لمعرفة مستوي سُمعته بين الناس ، لأنه كان يُدرك قيمة ومقدار ذاته ومستوي سلوكه وحياته ، ولكنه كان يُقيس مدي معرفة وإهتمام تلاميذه به وبحياته أمام أنفسهم ، ليفتح ذهنهم للإهتمام بمعرفته المعرفة الجيدة ولإدراكه كل الإدراك ، فقد كان المسيح يعلم جيداً أنه الكامل القدوس الذي لم يفعل ولا خطية واحدة ، فهو الذي قال : " مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ ......  (يو ٨ : ٤٦) فالكرامة والسُمعة والشرف كانت تسبقه رغم التجريح الذي كان يجرحونه أعداء كل بر وكل صلاح.

* السُمعة إهتمام كل شخص عاقل :

جاء تعريف كلمة السُمعة في المعجم الوسيط : " ما يُسمع من سيط أو ذِكر حسُن أو سيئ "  وهو عبارة عن رأي منتشر في شخص سواء كان حقيقة أو إفتراء ، فالعاقل هو الذي يهتم أن تكون له سُمعة وسيط حسُن ، فالعوامل التي تساعد علي أن يكون المرء صاحب السُمعة الحسنة هي : الأمانة - الصدق - الثقة - القدرة علي الوفاء ، فكلما ارتفعت درجات العوامل المساعدة كلما أخذ نصيباً من السُمعة الطيبة .

السُمعة السيئة هي أكثر الإمور التي تسبب الضرر والخسارة علي الصعيد الإجتماعي والروحي وعلي المستوي الشخصي والعملي ، لأن الكلام السلبي والسيء ينتشر بسرعة فائقة ، فهو كالفيرس والأفة والبكتريا التي تتكاثر مع مرور الوقت وتبقي لمدة طويلة .

في جلسة مع جناب الفاضل القس ناثان جندي الذي كان رئيساً لمجمع كنائس نهضة القداسة ، قال لي عبارة لن أنساها وهي : " الخطأ الواحد - الخطية الواحدة لا ينساها البشر ويتناقلوها مدة من السنين لا تقل عن٥٠ سنة - وإن ذُكرت في مذكرة أو كتاب أو فيديو فستبقي ٥٠ سنة أخري بعد طول عمر وانتشار الكتاب أو الفيديو "

المؤمنون اصحاب السيط الحسُن والسُمعة الطيبة يمجدون الله بطبيعة حياتهم " فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (مت ٥ : ١٦) فالسيط والعمل الحسن يقود الي دائرة المجد والمكافئات الأبدية ، حتي وإن حدث إفتراء من بعض الأشرار ( سواء كانوا خطاة أو مؤمنين لهم افعال سيئة ) سيأتي اليوم الذي هم بأنفسهم يشهدون عن سيرتكم الطيبة " وَأَنْ تَكُونَ سِيرَتُكُمْ بَيْنَ الأُمَمِ حَسَنَةً، لِكَيْ يَكُونُوا، فِي مَا يَفْتَرُونَ عَلَيْكُمْ كَفَاعِلِي شَرّ، يُمَجِّدُونَ اللهَ فِي يَوْمِ الافْتِقَادِ، مِنْ أَجْلِ أَعْمَالِكُمُ الْحَسَنَةِ الَّتِي يُلاَحِظُونَهَا. ( 1بط ٢ : ١٢) فسيرتك وسُمعتك الحسنة لها التقدير والعرفان من الله ولن ينساها إطلاقاً وسيأتي اليوم الذي يُرد الرب فيها إعتبارك ، لذلك لا تيأس ولا تفشل وثق بأن فوق العالي أعلي " إِنْ رَأَيْتَ ظُلْمَ الْفَقِيرِ وَنَزْعَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ فِي الْبِلاَدِ، فَلاَ تَرْتَعْ مِنَ الأَمْرِ، لأَنَّ فَوْقَ الْعَالِي عَالِيًا يُلاَحِظُ، وَالأَعْلَى فَوْقَهُمَا. (جا ٥ : ٨)

إن مدة طول الشر والظلم قصيرة ووجود الإنصاف ورد المسلوب سريعة ، فمهما طالت مدة ظلم الأشرار فسيأتي اليوم الذي تري بنفسك يد الرب المنصفة لأنه " وَيَتَّكِلُ عَلَيْكَ الْعَارِفُونَ اسْمَكَ، لأَنَّكَ لَمْ تَتْرُكْ طَالِبِيكَ يَا رَبُّ. (مز ٩ : ١٠) في وسط المأسي التي كانت علي يوسف كان الرب رفيق رحلته خطوة بخطوة وللنهاية ،  وبالرغم الهروب من تحقيق مشيئة الرب كان الرب مع يونان في كل مرحلة ، فقد تري الإساءة بنفسك وتجتاز فيما لا ترغبه ، ولكن المعونة الإلهية ستظل موجودة لرفعتك فتغني وتبتهج وتفرح وتقول : " لِيَبْتَهِجْ وَيَفْرَحْ بِكَ جَمِيعُ طَالِبِيكَ. لِيَقُلْ أَبَدًا مُحِبُّو خَلاَصِكَ: "يَتَعَظَّمُ الرَّبُّ". (مز ٤٠ : ١٦) نعم ليتعظم الرب .

* العوامل المؤثرة علي السُمعة :

توجد عوامل مساعدة علي السمعة سواء في الجانب السلبي أو الإيجابي ، هذه العوامل يحتاج الإنسان أن يهتم بها ، ليعرف كيف يتعامل معها بحكمة ليرفض منها ما يُرفض ويقبل منها ما يجب أن يُقبل ، فبالطريقة التي تتعامل بها مع العوامل المساعدة ستكون مرثرة علي حياتك في دائرة السُمعة سواء كانت بالسلب أو بالإيجاب .

 أولاً : النشأة :

عامل من العوامل الأساسية المساعدة ، فالنشأة تحتوي علي الظروف المحيطة والقريبة جداّ بالشخص في دائرة المنزل والعمل والأصدقاء والكنيسة ، فكلما كانت هذه الدائرة نقية وواضحة كلما كان الشخص سوي ويحمل سُمعة طيبة ، وكلما كان بها خلل كلما إنطبعىهذا علي سلوك الفرد .

كان أدم وحواء سعداء بوجودهم معاّ ولكن دخل حياتهم مّن لم يكون في الحسبان ، دخل إبليس في صورة الحية بمكر ودهاء ، فخُدعا أدم وحواء وسقطا وإختبئا من وجه الله ، هذا سلوك يحمل سُمعة سلبية ، فبعد أن كان أدم وحواء  بسطاء أنقياء صاروا في دائرة السقوط وعدم الطاعة والخضوع ، والي يومنا هذا عندما نذكر أدم  نتذكر السُمعة السلبية  بالرغم من انجازاته قبل السقوط ، فهو من اعطي إسماً لكل حيوانات الجنة " وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ وَكُلَّ طُيُورِ السَّمَاءِ، فَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا، وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدَمُ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ اسْمُهَا. (تك ٢ : ١٩) وهو صاحب أول إكتشاف أول وأهم إحتياج في حياته وهو الإحتياج لوجود حواء لأنه شعر بإحتياجاته لوجود معينة نظيره " فَدَعَا آدَمُ بِأَسْمَاءٍ جَمِيعَ الْبَهَائِمِ وَطُيُورَ السَّمَاءِ وَجَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ. وَأَمَّا لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجِدْ مُعِينًا نَظِيرَهُ. (تك ٢ : ٢٠) الرب الذي دفع لأدم الحيوانات ليكتشف إحتياجه لوجود معينة ، وعندما إكتشف أدم ذلك لم يتأخر الرب عليه وأعطي له إمرأة جميلة لتصير له معينة " فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا.وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ.فَقَالَ آدَمُ: "هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ". (تك٢: ٢١-٢٣) بالرغم من جمال ما كان فيه وعليه ولكن بسبب سقطة واحدة صار حديث كل العالم في كل جيل والي نهاية الزمان .

النشأة الأولي تدفع الإنسان لطريقة تفكير يُتَرجَمْ لسلوك يمنح سُمعة سلبية أو إيجابية ، إن طريقة المقارنات تدفع الإنسان لمحبة الذات وبغضة الأخ الأفضل في تفكيره ، فقايين أبغض وحقد علي هابيل لسبب أن الرب قبل ذبيحة هابيل ولم يقبل تقدمة قايين ، هذا دفع قايين للسلوك الغير سوي وفعل شر أضاف لحياته سُمعة سلبية مستمرة الي يومنا هذا " وَكَلَّمَ قَايِينُ هَابِيلَ أَخَاهُ. وَحَدَثَ إِذْ كَانَا فِي الْحَقْلِ أَنَّ قَايِينَ قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ. (تك ٤ : ٨) فالنشأة بطريقة إنعزالية والإنفراد بالقرار والإبتعاد عن خبرة الأخرين يمنح الإنسان الفرصة ليتصرف بطريقة خاطئة ، فقد كان قايين مزارغاّ  ولم يجلس ليتعلم من ابيه أدم أو لم يسمع ليفهم ويخضع ، لذلك كان لابد أن يكون له تصرف منعزل عن مّن حوله ، فليس كل من إنعزل سار بطريقة خاطئة بل الانعزالية تمنح المرء فرصة للسلوك بطريقة خاطئة

فقايين يختلف عن توبال الذي كان فناناّ  وقوي البنيان ومعني اسمه " ضرب مطرقة الحداد " الذي صنع الات موسيقية للعزف ونال سُمعة طيبة "  وَصِلَّةُ أَيْضًا وَلَدَتْ تُوبَالَ قَايِينَ الضَّارِبَ كُلَّ آلَةٍ مِنْ نُحَاسٍ وَحَدِيدٍ. وَأُخْتُ تُوبَالَ قَايِينَ نَعْمَةُ. (تك ٤ : ٢٢) فالعازف ليس عازفاً ليسمع نفسه فقط ، بل العازف والفنان يحتاج دائماً للمشاركة والتواجد وسط مجتمعه ومن حوله .

يختلف أيضاً قايين عن شِيثَ أول شخص يدعوا بإسم الرب " وَلِشِيثَ أَيْضًا وُلِدَ ابْنٌ فَدَعَا اسْمَهُ أَنُوشَ. حِينَئِذٍ ابْتُدِئَ أَنْ يُدْعَى بِاسْمِ الرَّبِّ. (تك ٤ : ٢٦) " فكان له السمعة الحسنة .

كذلك أَخْنُوخُ الذي اختطف الي السماء لأنه كان أمينا محبا للرب " وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ بَعْدَ مَا وَلَدَ مَتُوشَالَحَ ثَلاَثَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. (تك ٥ : ٢٢) فالسمعة الحسنة مركزها النشأة ، فالطغاة ماذا ينتجون إلا أولاداّ جبابرة " كَانَ فِي الأَرْضِ طُغَاةٌ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَبَعْدَ ذلِكَ أَيْضًا إِذْ دَخَلَ بَنُو اللهِ عَلَى بَنَاتِ النَّاسِ وَوَلَدْنَ لَهُمْ أَوْلاَدًا، هؤُلاَءِ هُمُ الْجَبَابِرَةُ الَّذِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ ذَوُو اسْمٍ. (تك ٦ : ٤) فليس كل من له إسماّ وسيطاّ هو صاحب السمعة الحسنة ، بل كل من كان أميناً مع إلهه سينال يوما السمعة الحسنة والسيط الحسن ، فيوسف سار في أمانة بالرغم من تلفيق تهمة التعدي علي زوجة فوتيفار ودخوله السجن ، ولكن لأنه تعلم من ابويه ابراهيم الي يعقوب فصار أميناّ ، فرفعه الرب ورد له إسمه وسمعته ، فليساعدنا الرب لننظر الي حياتنا ونغير فيها لنكون للأفضل ولا نيأس .

ثانياً : الأصدقاء ودائرة العلاقات وتصرفنا نحوهم :

يقول الكتاب المقدس أن " لاَ تَضِلُّوا: "فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (1كو ١٥ : ٣٣) المعاشرات الردية ليس فقط في الخطاة والغير مؤمنين بل قد تكون معاشرات ردية داخل نطاق المؤمنين ، فمن لم يتبع السلوك المقدس فقد دخل في نطاقها " أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ، فَاسْلُكُوا فِي فَرَائِضِي وَاحْفَظُوا أَحْكَامِي وَاعْمَلُوا بِهَا، (حز ٢٠ : ١٩) يوجد مؤمنين لم يسيروا في طريق الرب ومبادئة ولذلك يجب أن نُفلتر أصدقائنا ، فمن يتبني مبادئ تخالف تعاليم الرب فلنبتعد عن مثل هؤلاء لأن الرب يطلب منا أن نسلك كأولاد نور " لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ. اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ. (أف ٥ : ٨) هذا ما يجب أن يكون عليه كل شعب الرب في كل جيل ليعود هذا علي الرب بالتمجيد والتعظيم " فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (مت ٥ : ١٦) فإختيار الأصدقاء في دائرة ملكوت الله بدقة يمنح للمؤمن مستوي من السلوك المرضي والسمعة الطيبة .

إهتم الرسول بولس بإبنه الروحي تيطس ليعلمه كلمة الله في سلوك مقدس ليكون قدوة للأخرين في نقاوة وإخلاص إذ قال له : " مُقَدِّمًا نَفْسَكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ قُدْوَةً لِلأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ، وَمُقَدِّمًا فِي التَّعْلِيمِ نَقَاوَةً، وَوَقَارًا، وَإِخْلاَصًا، (تي ٢ : ٧) ثلاث كلمات تحتاج لدراسة وإهتمام ( نَقَاوَةً، وَوَقَارًا، وَإِخْلاَصًا )

النقاوة : هي اتجاه القلب السليم الواضح الغير مرائي " أَغْسِلُ يَدَيَّ فِي النَّقَاوَةِ، فَأَطُوفُ بِمَذْبَحِكَ يَا رَبُّ، (مز ٢٦ : ٦) ، (تك ٢٠ : ٥) ، ، (مز ٧٣ : ١٣) فالمؤمن الذي يتعامل بالنقاء القلبي شخصية مريحة للغاية ولا يحمل ضغينة داخل قلبه برغم الجروح التي جُرح بها من أحبائه ، ليس هذا معناه السلبية وعدم الحزم بل ليعلم نقي القلب أن الشدة والحزم والمطالبة بالحق ليست خطية أو سواد قلب ، فالمسيح برغم نقاوته وبياض حياته الناصع لم يترك حقه ، بل كان يُفحم اليهود بردوده (مت ٤ : ٤) ، (مت ١٢ : ٣٩) ، (مت ١٢ : ٤٨) ،(مت ١٥ : ٣) ، (مت ١٥ : ١٣) ، (يو ١٨ : ٢٣) فالشيئ الوحيد الذي ترك حقه فيه هو الموت نيابةً عنا موت الصليب " وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. (في ٢ : ٨)

الوقار : هو الإحترام والتقدير وهذا يتمركز في مستوي السلوك النقي المرتبط بتعاليم الرب ونوعية المحيطين بنا فيقول الرسول بولس لكنيسة تسالونيكي " وَلاَ طَلَبْنَا مَجْدًا مِنَ النَّاسِ، لاَ مِنْكُمْ وَلاَ مِنْ غَيْرِكُمْ مَعَ أَنَّنَا قَادِرُونَ أَنْ نَكُونَ فِي وَقَارٍ كَرُسُلِ الْمَسِيحِ. (1تس ٢ : ٦) ، (١تيمو ٢ : ٢) ، (١تيمو ٣ : ٤) ، (١تيمو ٣ : ١١) ، (تي ٢ : ٢) فالوقار ينبع من داخل الإنسان وليس بالطلب أو بالأوامر ، وليس بنوعية الملابس التي تميز مرتديها عن غيرهم وتمنح وقاراً ، فالوقار  سلوك شخصي يُترجم أمام الأخرين وقاراً " كَذلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الشَّمَامِسَةُ ذَوِي وَقَارٍ، لاَ ذَوِي لِسَانَيْنِ، غَيْرَ مُولَعِينَ بِالْخَمْرِ الْكَثِيرِ، وَلاَ طَامِعِينَ بِالرِّبْحِ الْقَبِيحِ، (١تيمو ٣ : ٨) فمن يسلك بعيداّ عن الكلمات الاتية سيتمتع بالوقار " ذَوِي لِسَانَيْنِ -   مُولَعِينَ بِالْخَمْرِ الْكَثِيرِ طَامِع بِالرِّبْحِ الْقَبِيحِ  " فمن يتبع هذه المصطلحات لن يكون وقوراً بل سيكون محتقراً من الأخرين مهما علا شأنه .

الإخلاص : هو الأمانة في تقديم العمل والخدمة والتفاني في أن يكون المرء صاحب كلمته ولا يحمل داخله أهداف إستغلالية نحو الأخرين بخبث أو بمكر " إِذًا لِنُعَيِّدْ، لَيْسَ بِخَمِيرَةٍ عَتِيقَةٍ، وَلاَ بِخَمِيرَةِ الشَّرِّ وَالْخُبْثِ، بَلْ بِفَطِيرِ الإِخْلاَصِ وَالْحَقِّ. (1كو ٥ : ٨) فعديم الإخلاص هو الذي يقوم علي استغلال الأخرين لخدمة نفسه ويُحملون الأخرين ضيقاً فوق ضيقهم والاماً فوق الامهم " فَهؤُلاَءِ عَنْ تَحَزُّبٍ يُنَادُونَ بِالْمَسِيحِ لاَ عَنْ إِخْلاَصٍ، ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يُضِيفُونَ إِلَى وُثُقِي ضِيقًا. (في ١ : ١٦) فالتصرف الحسُن تجاه الأخرين وخدمتهم بضمير ، مُستخدمين نعمة الله لا الحكمة الجسدية الماكرة يمنح المؤمن امام ذانه سُمعة حسنة فلا تلومه نفسه علي فعل لم يفعله بل تكون شهادته تجاه ذاته شهادة الإفتخار ، ولا يستطيع أحد أن يشهد بغير ذلك " لأَنَّ فَخْرَنَا هُوَ هذَا: شَهَادَةُ ضَمِيرِنَا أَنَّنَا فِي بَسَاطَةٍ وَإِخْلاَصِ اللهِ، لاَ فِي حِكْمَةٍ جَسَدِيَّةٍ بَلْ فِي نِعْمَةِ اللهِ، تَصَرَّفْنَا فِي الْعَالَمِ، وَلاَ سِيَّمَا مِنْ نَحْوِكُمْ. (2كو ١ : ١٢) ، (2كو ٨ : ٨)  ، (2كو ٢ : ١٧) ، (في ٢ : ٢٠)

السلوك الصحيح نحو من يتحركون تجاهنا هو السلوك بالروح وبالمحبة " وَإِنَّمَا أَقُولُ: اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ. (غل ٥ : ١٦) " وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً. (أف ٥ : ٢) فبدونهما لن ينال الإنسان سُمعة حسنة ، فالمؤمن الذي يكون حريصاً علي بذل نفسه نحو الأخرين في إتجاهين " الْمَحَبَّةِ - الأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ "  سيكون مؤمن حقيقي في نظر الأخرين " وَلْنُلاَحِظْ بَعْضُنَا بَعْضًا لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ، (عب ١٠ : ٢٤) فليساعدنا الرب لنكون في مستوي يليق بمجد الرب وخدمته .

ثالثاً : الرغبة في الصدارة أو المنصب دون وجه حق :

عندما يكون هدف المرء هو الوصول للسلطة فقط دون إعتبار لأي قيم أو مباديء ضارباّ بعرض الحائط كل شيء ناظراً لنفسه فقط فسواء نجح أو سقط سينال سمعة سيئة في كل الأحوال ، وبعد انتهاء مدته أو رحيله فلن يُذكر بالخير حتي وإن كان له إنجازات ، وفي العموم من يجلس فوق المنصب عنوةً لن يكون له إنجازات تُذكر لأنه لن يُحقق إلا رغائبه هو فقط ، لذلك لا تأخذ مكان ليس لك أو لست مؤهلاً له ، فعندما يحتال إنساناً بمكر لينال حق ليس له  فلن يكون له نجاحات تذكر "  الْمُبْطِلِ أَفْكَارَ الْمُحْتَالِينَ، فَلاَ تُجْرِي أَيْدِيهِمْ قَصْدًا. (أي ٥ : ١٢) فالمحتال لن يتمكن  من فعلته إن وجد في زمنه من يقف ليكشف الحق ويتصدي للباطل ، أما إن تمكن المحتال فلن ينجح في منصبه بل سيستنزِف الطاقات والمصادر ويزرع خصومات ليتمكن من الجلوس مطولاً ، لذلك يحتاج المؤمنين ليتكاتفوا بالصلاة لقضاء أيام هادئة مطمئنة " فَأَطْلُبُ أَوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ، أَنْ تُقَامَ طَلِبَاتٌ وَصَلَوَاتٌ وَابْتِهَالاَتٌ وَتَشَكُّرَاتٌ لأَجْلِ جَمِيعِ النَّاسِ، لأَجْلِ الْمُلُوكِ وَجَمِيعِ الَّذِينَ هُمْ فِي مَنْصِبٍ، لِكَيْ نَقْضِيَ حَيَاةً مُطْمَئِنَّةً هَادِئَةً فِي كُلِّ تَقْوَى وَوَقَارٍ( ١تيمو ٢ : ١ ، ٢ )

عندما يجلس شخصاّ علي كرسي أو مركز أو منصب برضا الجميع وبإتفاق سيفعلون معه مثل هذه الإمور " يَأْتُونَ بِاللِّبَاسِ السُّلْطَانِيِّ الَّذِي يَلْبَسُهُ الْمَلِكُ، وَبِالْفَرَسِ الَّذِي يَرْكَبُهُ الْمَلِكُ، وَبِتَاجِ الْمُلْكِ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، (أس ٦ : ٨) مغريات المناصب تُفقد الإنسان هيبته عندما يسعي إليها بمكر وإحتيال ، فمردخاي نال كرامة لأنه لم يسعي يوماً نحوها بل كان سعيه فقط وهو إرضاء الله وتنفيذ وصاياه ، وهذا معناه الهيبة والكرامة وسينال خضوع مِن مّن حوله ، فمن رفع نفسه عنوةً فسيأتي اليوم الذي يَضَعُهُ الرب ، ومن سار في طريق الحق فسيرفعه الرب " وَلكِنَّ اللهَ هُوَ الْقَاضِي. هذَا يَضَعُهُ وَهذَا يَرْفَعُهُ. (مز ٧٥ : ٧) فالإنسان المولع بالمناصب ستكون طبيعة حياته التعلق بالكبرياء ، أما المتعلق بالرب فسمة حياته التواضع ، فسينال من الرب رفعة خاصة وكرامة وحياة " لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. (مز ٩١ : ١٤)

المتعلق بالرب سينال من الرب ( سلطان - هيبة - سلام ) " السُّلْطَانُ وَالْهَيْبَةُ عِنْدَهُ. هُوَ صَانِعُ السَّلاَمِ فِي أَعَالِيهِ. (أي ٢٥ : ٢) فالسلطان : ليس في المراكز بل في قوة الروح والإمتلاء به ، والإقتراب من الرب لأن به ومن خلاله ننال قوة من قوته ومجد من مجده وسلطاناً من سلطانه فنصير كما المسيح " فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هذَا الدَّهْرِ فَقَطْ بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا، (أف ١ : ٢١) فالجائع للسلطة وللسلطان سيفقد مستواه الروحي هنا وفي الأبدية أيضاّ.

الهيبة : تكمن داخل الإرتباط بالرب والتعلق به ، لأن زوال الهيبة تكمن في (  الظلم - المحاباة - الإرتشاء ) إن سلك المرء في هذه الثلاثية سيزول منه الهيبة ، لذلك نري هيبة الرب متفاعلة طول الوقت لأنه عادل واله حق وخالي من طريق الإعوجاج " وَالآنَ لِتَكُنْ هَيْبَةُ الرَّبِّ عَلَيْكُمُ. احْذَرُوا وَافْعَلُوا. لأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ الرَّبِّ إِلهِنَا ظُلْمٌ وَلاَ مُحَابَاةٌ وَلاَ ارْتِشَاءٌ". (2أخ ١٩ : ٧) فمن يظن أن الهيبة  في المراكز فقد صار إضحوكة قوي الظلمة.

أما السلام فمكانه داخل القلب مهما كانت الظروف والأحداث وهو متاح للجميع ولكن لن يُفعل بدون " َذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ، (لا ٧ : ٣٧) في العهد القديم ذبيحة حيوانية وفي الجديد تم بتجسد المسبح وموته النيابي (لو ١ : ٧٩) ، (١تيمو ٣ : ١٦) ، (رو ٥ : ٦) ، (رو ٥ : ٨) فبذبيحة المسيح صُنعَ لنا سلاماّ " أَيِ الْعَدَاوَةَ. مُبْطِلاً بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا، (أف ٢ : ١٥) (إش ٩ : ٦) فالسلام طريق عملي وليس تمني ، فمردخاي كان محبوباً من الجميع ومقبولاً لأنه رجل خير وسلام (أس ١٠ : ٣) ومفتاح السلام هو " الوداعة " فالودعاء لهم عند الرب مكانة " أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلاَمَةِ. (مز ٣٧ : ١١) وطريق السلام هو الإستقامة " يَدْخُلُ السَّلاَمَ. يَسْتَرِيحُونَ فِي مَضَاجِعِهِمِ. السَّالِكُ بِالاسْتِقَامَةِ. (إش ٥٧ : ٢) ، ( أف ٦ : ١٥ ) ، ( 2تيمو ٢ : ٢٢ ) أصلي من كل قلبي لشعب الرب أن يكونوا في ملء المشيئة الإلهية ولتكون عيونهم ممتلئة بالرب فلا ينظرون للعالم ومناصبه سواء كانت إجتماعية أو كنسية ، هذا ليس معناه ترك الحقوق ولكن معناه أن لا نكون مولعين بحب المناصب من أجل المراكز بل لنكون خدام الرب وليس خدام الكراسي ، لأن الرفعة من الرب وليست في المستويات الاجتماعية والكنيسة .

رابعاً : الطمع والجشع ومحبة المال :

الطمع كلمة مقذذة ونافرة ومن يسير بموجبها يتحلي بصفة الغباء ، لأن إدراكات ذهنه لن تكون متمركزة إلا فيما يُشبع رغائبه وتلهفه للجشع ومحبة المال ، فالطمع قوة سلبية مانعة لكل البركات الروحية لأن حياة الإنسان ليست من أمواله لذلك حذرنا المسيح قائلاً " .... َتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَع  .... (لو ١٢ : ١٥) فالطمع خطية مفتاحية لأنها مفتاح لخطايا أخري كالظلم وعدم الاكتفاء مادياً وجنسياً فتجد نفوس تعمل في دائرة النجاسة كـ الدعارة لأنهم فقدوا الحس لسبب الطمع  " اَلَّذِينَ ­إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ­ أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ. (أف ٤ : ١٩) هذا طريق الشر  ليس من سمات أبناء الله ، ولكن الرسول يحذرنا من الطمع لئلا ينقاد أحد لطريق مثل هذا فيطلب الرسول قائلاً " فَأَمِيتُوا أَعْضَاءَكُمُ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ: الزِّنَا، النَّجَاسَةَ، الْهَوَى، الشَّهْوَةَ الرَّدِيَّةَ، الطَّمَعَ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ، (كو ٣ : ٥) فهل يوجد مؤمنون في دائرة الطمع يعيشون ؟ أقول نـعـم ، بسبب الطمع يحرمون إخوتهم من الميراث أو يأخذون أكثر من حقهم بمكر ، فالطمع يقود للمكر والإحتيال والظلم ، لذلك يصف الطماعين اللذين من أولاد إبليس أنهم مملوئين فسق وخداع أولاد لعنة " لَهُمْ عُيُونٌ مَمْلُوَّةٌ فِسْقًا، لاَ تَكُفُّ عَنِ الْخَطِيَّةِ، خَادِعُونَ النُّفُوسَ غَيْرَ الثَّابِتَةِ. لَهُمْ قَلْبٌ مُتَدَرِّبٌ فِي الطَّمَعِ. أَوْلاَدُ اللَّعْنَةِ. (2بط ٢ : ١٤) فلماذا كمؤمنون ننجرف وراء محبة المال او السلوك في طريق الطمع ، فالطماع تاجر أقوال مُصنعة ( ٢بط ٢ : ٣ ) هؤلاء نصيبهم الهلاك .

كان يهوذا يسير في إتجاه محبة المال وحياة الطمع فسلك نحو ظلم الفقراء " قَالَ هذَا لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ، بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقًا، وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ. (يو ١٢ : ٦) فالمال في حد ذاته ليس شر ولكن محبته بنسبة ذائدة تفوق الحدود يصير خطية ويتدرج تحت بند الطمع ، فالطمع هو " مَحَبَّةَ الْمَال " فمن المال يأتي الطعام والكساء والعقارات ويدفع للمناصب والكراسي ، لذلك وصفه الرسول بولس قائلاً أنه " أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ " ويدفع للضلال " لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ. (١تيمو ٦ : ١٠) فالطمع ومحبة المال أوصلت يهوذا لحبل المشنقة لنفسه ( للإنتحار )  وصل لدرجة كره نفسه لأنه لم يستحمل فعلته التي فعلها ببيع سيده ببضعة نقود ، فقد كان يهوذا معدود من ضمن الأشخاص المُعدين ليحملو المسيرة كرسول وكخادم للمسيح ، ولكنه لأجل محبة المال سقط من دائرة العمل الروحي .

يخاطبنا الرسول بولس أن " الخادم - القسيس - الأسقف - الشيخ " يجب أن يعلم ويكون : أن الخدمة والأسقفية دعوة الهية وشهوة إرادية " صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ: إِنِ ابْتَغَى أَحَدٌ الأُسْقُفِيَّةَ، فَيَشْتَهِي عَمَلاً صَالِحًا. (١تيمو ٣ : ١)   

الخادم - الأسقف - القسيس - الشيخ : زوج لإمرأة واحدة  ، بلا لوم ، صاحياً ( غير منساق للإمور الجنسية ) عاقلاً  ومحتشماً ، كريماً ( بيته مفتوح للغرباء ) يقبل التعليم ومتعلماً ليُعلم " فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ، بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، صَاحِيًا، عَاقِلاً، مُحْتَشِمًا، مُضِيفًا لِلْغُرَبَاءِ، صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ، (١تيمو ٣ : ٢)

الاسقف - الخادم - القسيس ، غير مدمن للخمر ليستمر صاحب العقل الواعي الحاضر ، ولا ضراب أي ليس عنيفاً قادر علي إحتواء الجميع ، ومكتفي بما لديه من إمكانيات مادية بعيد عن الطمع ، حليماً أي لطيفاً وله في الإحتمال ، بعيد عن الخصام ، ليس محباً للمال " غَيْرَ مُدْمِنِ الْخَمْرِ، وَلاَ ضَرَّابٍ، وَلاَ طَامِعٍ بِالرِّبْحِ الْقَبِيحِ، بَلْ حَلِيمًا، غَيْرَ مُخَاصِمٍ، وَلاَ مُحِبٍّ لِلْمَالِ، (١تيمو ٣ : ٣)

رعاية الرب لنا واهتمامه بنا دائمة الوجود فلن يهمل ابناءه واحباء قلبه فهو الذي قال ليشوع ومازال يقولها لكل خادم ولكل مؤمن " لاَ يَقِفُ إِنْسَانٌ فِي وَجْهِكَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. كَمَا كُنْتُ مَعَ مُوسَى أَكُونُ مَعَكَ. لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ. (يش ١ : ٥) فمهما ضاقت بك الظروف ووصلت لدرجة الإحتياج فلن يتركك لأنه رفيق الغربة وسائر معك في البرية وسط شدة حرها وفي قصوة برودتها  " وَالرَّبُّ سَائِرٌ أَمَامَكَ. هُوَ يَكُونُ مَعَكَ. لاَ يُهْمِلُكَ وَلاَ يَتْرُكُكَ. لاَ تَخَفْ وَلاَ تَرْتَعِبْ". (تث ٣١ : ٨) لذلك تمتع بدائرة الشكر ودوام علي الصلاة لأجل تسديد الإحتياجات وثق بأنه معين لحياتك و.. " لِتَكُنْ سِيرَتُكُمْ خَالِيَةً مِنْ مَحَبَّةِ الْمَالِ. كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ، لأَنَّهُ قَالَ:"لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ" (عب ١٣ : ٥) فوعود الرب صادقة وأمينة الي الأبد .

* سمات وعلامات الرياء أو السمعة :

من الإمور التي تجعل من الحياة سمعة سيئة هو الرياء بالمديح أو بالذم ، فالرياء عمل من أعمال الجسد ويسميه الكتاب " خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّين " والخمير في كلمة الله إشارة للخطية  " .... أَوَّلاً تَحَرَّزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ الَّذِي هُوَ الرِّيَاءُ، (لو ١٢ : ١) والرياء معناه إظهار عكس ما يُبطِن ، فقد يُبطن المرء بغضة وَيُظهر محبة ، وقد يظهر نشاطاّ أمام مسئول العمل وفي غيابه تجد الكسل والتراخي ، فمن تصرفات الرياء مديح من لا يستحقون من أجل المصلحة ، أو انتظار مديح الأخرين لمزيد من النشاط  ، فالنفوس التي تبحث عن من يمدحهما ويذم في الأخرين هما نفوس ذات سمعة سيئة ، فمن سمات الرياء بالمديح نشاط في العمل ومضاعفة الجهد ، أما إذا كان هناك ذم أو إظهار عيب ما ستجد الكسل والتقصير .

الإيمان عديم الرياء : الرب يريد نفوس تسير في الإيمان العديم الرياء ، أي الإيمان الواضح الذي يقود صاحبه والأخرين لطريق البركة والفهم والإستخدام " إِذْ أَتَذَكَّرُ الإِيمَانَ الْعَدِيمَ الرِّيَاءِ الَّذِي فِيكَ، الَّذِي سَكَنَ أَوَّلاً فِي جَدَّتِكَ لَوْئِيسَ وَأُمِّكَ أَفْنِيكِي، وَلكِنِّي مُوقِنٌ أَنَّهُ فِيكَ أَيْضًا. (2تيمو ١ : ٥) فهذا النوع من الإيمان لا يتكل علي المديح والثناء ، بل يتكل علي فهم المواعيد الإلهية والثبات فيها ، فالإيمان العديم الرياء يسكن في النفوس كما سكن في الجدة لوئيس والأم أفنيكي وبالتالي في تيموثاوس ، إن الإيمان العديم الرياء يعمل علي رفعة صاحبه فتجعله طاهراً نقياً لأنها مرتبطة بالحكمة النَّازِلَةُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، التي جاءت في ( يع ٣ : ١٧ ) الترجمة التفسيرية ما يلي " أَمَّا الْحِكْمَةُ النَّازِلَةُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، فَهِيَ نَقِيَّةٌ طَاهِرَةٌ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ. وَهِيَ أَيْضاً تَدْفَعُ صَاحِبَهَا إِلَى الْمُسَالَمَةِ وَالتَّرَفُّقِ. كَمَا أَنَّهَا مُطَاوِعَةٌ، مَمْلُوءَةٌ بِالرَّحْمَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، مُسْتَقِيمَةٌ: لَا تُمَيِّزُ وَلاَ تَنْحَازُ وَلاَ تُنَافِقُ. " الحكمة - الإيمان عديم الرياء ، يصنعان مؤمن له داخل الحكمة الإلهية "  وَأَمَّا الْحِكْمَةُ الَّتِي مِنْ فَوْقُ فَهِيَ أَوَّلاً طَاهِرَةٌ، ثُمَّ مُسَالِمَةٌ، مُتَرَفِّقَةٌ، مُذْعِنَةٌ، مَمْلُوَّةٌ رَحْمَةً وَأَثْمَارًا صَالِحَةً، عَدِيمَةُ الرَّيْبِ وَالرِّيَاءِ. (يع ٣ : ١٧) الرياء باب يبطل مفعول الإيمان ويبطل مفعول المحبة الأخوية

المحبة عديمة الرياء : هذا ما يجب أن يكون عليه المؤمن " طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ. (1بط ١ : ٢٢) ، (رو ١٢ : ٩) انها المحبة الغير مغرضة ، محبة القلب الطاهر الغير ملوثة بالذات والأنانية ، فلنخدم بعضنا بعض ولنا مشاعر ممتلئة بـ أننا خدام الله وليس أقل من هذا ، فكـ خدام لله فنحن موجودون لرفعة إخوتنا ، لنا حياة الصبر الكثير مهما كانت الضرورات ومهما كانت الضيقات - ولنا حياة الطهارة - وحياة العلم لنستطيع أن ندمر حياة الجهل التي في النفوس - ونظهر للجميع فضيلة الأناة بلطف وهذا بمعونة الروح القدس ، ويجمع الرسول بولس كل هذا في كلمة واحدة فيقول محبة بلا رياء " بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ:فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ،فِي شَدَائِدَ،فِي ضَرُورَاتٍ،فِي ضِيقَاتٍ،فِي طَهَارَةٍ، فِي عِلْمٍ، فِي أَنَاةٍ، فِي لُطْفٍ، فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ، فِي مَحَبَّةٍ بِلاَ رِيَاءٍ، (2كو٦: ٤، ٦)

تتلخص العلاقة بيننا وبين الله والعبادة والإيمان في كلمتين :

ايمان بلا رياء ' أو إيمان عديم الرياء (2تيمو ١ : ٥)

محبة بلا رياء ، أو محبة عديمة الرياء : (1بط ١ : ٢٢) ،

يقولهما الرسول بولس بكل صراحة معلماً إبنه تيموثاوس " وَأَمَّا غَايَةُ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ، وَضَمِيرٍ صَالِحٍ، وَإِيمَانٍ بِلاَ رِيَاءٍ. (١تيمو ١ : ٥) هذا فنكون بلا لوم أمام الآب لأن هذا هدف إختيارنا في المسيح "  كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، (أف ١ : ٤) وعلي المؤمن واجب كل ساعة بل كل دقيقة " فَاطْرَحُوا كُلَّ خُبْثٍ وَكُلَّ مَكْرٍ وَالرِّيَاءَ وَالْحَسَدَ وَكُلَّ مَذَمَّةٍ، (1بط ٢ : ١) ولا نذهب وراء غريزة حب الثناء والمديح ، فكخدام لله نسير بحسب البر وفي القداسة وبإيمان كامل مهما كان صوت الباطل نحونا للتشويه " بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ:فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ،فِي شَدَائِدَ،فِي ضَرُورَاتٍ،فِي ضِيقَاتٍ،بِمَجْدٍ وَهَوَانٍ، بِصِيتٍ رَدِيءٍ وَصِيتٍ حَسَنٍ. كَمُضِلِّينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ، (2كو٦: ٤، ٨) نحن صادقون - في نظر أنفسنا نحن صادقون - واقع حياتنا وايماننا ومحبتنا نحو الأخرين ممتلئة صدق - لا يوجد رياء ولا محبة للذات ، بل بكل ثقة ويقين نخدم الرب في النفوس مهما كانت المتغيرات والتقلبات.

 




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس