المشيئتين ـ هل لله مشيئتين ؟

 


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المشيئتين

هل لله مشيئتين ؟

 

بقلم القس

عماد عبد المسيح عطية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الفهرس

 

* المشيئتين :

* المشيئة الإنسانية التي للمسيح :

* المشيئة الناسوتية وإرتباطها بالمشيئة اللاهوتية :

* المشيئة الإلهية في العهد القديم :

* تحقيق المشيئة موضع سرور الآب :

* المشيئة لإلهية وإرتباطها بنعمة الله : 

 

المشيئتين

في دراسة سابقة بعنوان " حكمة مشيئة إرادة الله " تكلمنا عن الله المثلث الأقانيم له اتحاد في حكمته ومشيئته وإرادته ، وأن إرادة الأب مُعلنة منذ الأزل للإبن الذي هو مشيئة الأب وحكمته ( يمكنك الرجوع للدراسة السابقة ) ولكن في هذه الدراسة الأن سنتناول معاً موضوع المشيئتين ، نعم فـ لله مشيئتين .

فيما سبق تم تعريف المشيئة الإلهية بأنها الإرادة المعلنة وقراراتها ثابتة لا تتغير ولا تتبدل مثلها مثل الإرادة بالتمام ( تم شرح هذا بالتمام ارجع للدراسة )

للأب إرادة ومشيئة ( إرادة معلنة ) يجب أن تتم في عالمنا وفي حياتنا ، فمهما كانت المعوقات فستتم ، ولكن لن يحدث هذا إلا عندما يوجد من يوّفِق مشيئته مع مشيئة الآب ، فمّن من البشر إستطاع أن يوّفِق مشيئته مع مشيئة الآب ، لم يوجد ولا واحد إستطاع أن يكون في هذا المستوي إلا المسيح لأن " لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ.الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ. (رو٣: ١١-١٢) فالجميع لم ينالوا حق معرفة إرادة الله بالكامل لأن الزيغان والفساد في الجميع للركب كلٍ بحسب مقاييس ونوعية زيغانه .

عندما نقول أن لله مشيئتين فيظن القاريء أننا نتكلم عن إلهين منفصليين وكل منهم له مشيئة مختلفة عن الأخر ، بكل تأكيد لم نقصد هذا ، بل لأن الله مثلث الأقانيم فكل أقنوم له مشيئة ، وعندما نتكلم عن مشيئة الأب والإبن فنحن نتكلم عن مشيئتين ، لكنهما غير منفصلتين وغير مندمجتين ولكنهما متحدتين ، فقد قال المسيح " أَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا. كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأَنِّي لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي. ( يو ٥ : ‏٣٠ ) هنا نجد للآب مشيئة وللإبن مشيئة والمشيئتين متحدتين معاً .

يجب أن لا نخلط بين المشيئتين التي للمسيح كإبن الإنسان وكإبن الله ، فالمشيئة التي للمسيح كإبن الإنسان لا تتعارض مع مشيئته كـ إبن الله ، فبالتجسد صار إتحاد بين الطبيعتين ، الطبيعة الناسوتية والطبيعة اللاهوتية ، إتحاد بلا إنفصال ، فنستطيع أن نقول " لاهوته لم يفارق ناسوته ولا لحظة واحدة " هكذا في المشيئة التي للأب والتي للإبن ، فإرادة الأب أعلنت للمسيح ( إقنوم الإبن ) الذي يحمل مشيئة الأب ، التي لم تتعارض إطلاقاً مع المشيئتين الناسوتية واللاهوتية " قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:"طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي ‍أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ. ( يو ٤ : ‏٣٤ ) صار إهتمام الإبن تحقيق أهداف الأب وتتميم إرادته ، فلا يوجد علي وجه البسيطة مثل المسيح حامل الطبيعة اللاهوتية داخله ويسير لتتميم مشيئة الأب دون تردد وبكل الحب والرضي ، لذلك قال " لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي. ( يو ٦ : ‏٣٨ ) فجاء إلي عالمنا وهو مدرك كل الإدراك ماذا يفعل وكيف يسير والي أين يتجه ، فلم يسير يوماً سيراً عشوائياً بل كل شيئ بحسب ترتيب

هذه الإرسالية المتحدة في المشيئتين جعلت ارسالية المسيح اعظم من ارسالية يوحنا " وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي. ( يو ٥ : ‏٣٦ ) كان المسيح يدرك إدراكاً كاملاً لا يحمل ذرة شك داخله ويعرف ، من هو ؟ والي أي مستوي تصل إرسالية الإب له ؟ فإرسالية يوحنا وشهادته كانت من أجل إعداد الطريق للمسيح الذي هو إبن الله ليُفعل ارسالية الأب وسط شعب إختير يوماً لهذا اليوم ، لذلك سأله اليهود هل هو المسيح ؟ فصّرح لهم بما هو أعمق ، أنه المسيح وأعماله هي أعمال الهية وانه والأب واحد " فَاحْتَاطَ بِهِ الْيَهُودُ وَقَالُوا لَهُ: "إِلَى مَتَى تُعَلِّقُ أَنْفُسَنَا؟ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَقُلْ لَنَا جَهْرًا".... أَجَابَهُمْ يَسُوعُ:"إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ. اَلأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا بِاسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي.... أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ". (يو١٠: ٢٤-٢٥، ٣٠) فالإتحاد اللاهوتي في المشيئتين إتحاد أزلي أبدي ( سرمدي ) بين الآب والإبن .

* المشيئة الإنسانية التي للمسيح :

قبل ان نتكلم عن المشيئة الإلهية التي للمسيح ( إقنوم الإبن  ) دعونا ندرس معاً كينونة المشيئة الإنسانية التي للمسيح ، تجسد إقنوم الإبن تجسد كامل فصار إنساناً كاملاً في كل تكوينه وبكامل طبيعته فيجوع ويعطش ويحتاج مكاناً للسكني " فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: "لِلثَّعَالِب أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ". (مت ٨ : ٢٠) ولكن في نفس الوقت له إمكانية الطبيعة اللاهوتية من قوة وسلطان " وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا". حِينَئِذٍ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ:"قُمِ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!" (مت ٩ : ٦) هذا الإتحاد بين الطبيعتين الناسوتية واللاهوتية إتحاد كامل لا نستطيع أن نفرق بينهما ، فالناسوت يجوع ويأكل ويشرب وينام و.... الخ. " جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ. وَالْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَا". (مت ١١ : ١٩) وفي ذات الوقت يستطيع أن يستخدم طبيعته اللاهوتية فيغفر الخطايا ويعلن أنه اله السبت " فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا". (مت ١٢ : ٨) فالمسيح رب السبت لذلك هو أعظم من تقديس يوم السبت، جاء لعالمنا بإرساليه خاصة ليعلن ارادة ومشيئة الأب لذلك هو أعظم من كل شيئ .

المسيح كونه إبن الله وله طبيعته اللاهوتيه له حق إعلانها وإظهارها لأنه أعظم من عظماء العهد القديم كـ : يوحنا المعمدان ويونان وسليمان والهيكل ، فالمقارنة ليست علي الأشخاص فقط بل علي الإرساليات أيضاً .

أعظم من يوحنا المعمدان : اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ. (مت ١١ : ١١) فالمسيح أعظم من إرسالية يوحنا ، لأن يوحنا مرسل ليهيئ الطريق للمسيح أما المسيح فمرسل لإعلان مشيئة الأب " وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي.( يو ٥ : ‏٣٦ ) فعظمة المسيح لا يضاهيها عظمة من أي من كان علي وجه الأرض.

 

أعظم من يونان : رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا! (مت ١٢ : ٤١) فإرسالية يونان وتوبة أهل نينوي كانت محدودة علي شعب في مدينة أما إرسالية المسيح فهي للعالم اجمع " لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. (يو ٣ : ١٦) هذا بالإضافة الي بقاء يونان ثلاثة أيام في بطن الحوت وخروجه لتتميم الارسالية بالكرازة ، أما المسيح فخرج من القبر بعد ثلاثة أيام وتمم لعمل بالقيامة "  لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال. (مت ١٢ : ٤٠) لذلك المسيح أعظم من يونان.

أعظم من سليمان : مَلِكَةُ التَّيْمَنِ سَتَقُومُ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَتَدِينُهُ، لأَنَّهَا أَتَتْ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ لِتَسْمَعَ حِكْمَةَ سُلَيْمَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ ههُنَا! (مت ١٢ : ٤٢) فقد جاءت ملكة سبأ لسليمان لتسمع حكمته أما المسيح فهو حكمة الله وجاء لشعبه ليعرفهم إسم الأب " وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ". (يو ١٧ : ٢٦)

 

أعظم من الهيكل :  " وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ ههُنَا أَعْظَمَ مِنَ الْهَيْكَلِ! (مت ١٢ : ٦) لأن ترتيب إمور الكهنوت والهيكل كان من أجل عمل  الفداء الرمزي وقد جاء المرموز اليه بذاته ، والمرموز اليه أعظم من الرمز ، فقد جاء المسيح الذي قام بعمليه الفداء وهو أعظم من الهيكل. " مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ " (لو ١ : ٦٨) ، (رو ٣ : ٢٤) ، (1كو ١ : ٣٠) ، (أف ١ : ٧) ، (كو ١ : ١٤) ، (عب ٩ : ١٢) ، (عب ٩ : ١٥) فالمسيح أعظم من كل الأشخاص وأعظم من جميع الأشياء .

المسيح في ناسوته كإبن الإنسان سيستمر بهذا اللقب وهذه الطبيعة إلي الأبد ، فقد عاش بيننا متجسداً " وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا. (يو ١ : ١٤) وصعد الي السموات بنفس الطبيعة " وَفِيمَا هُوَ يُبَارِكُهُمُ، انْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. (لو ٢٤ : ٥١) وسيأتي لنهاية الزمان بذات الطبيعة " وَقَالاَ:"أَيُّهَا الرِّجَالُ الْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ". ( أع ١ : ١١ ) ، ( رؤ ١ : ٧ ) فالطبيعه الناسوتية لم تّقِل ولم تنفصل عن الطبيعة اللاهوتية ، فكونه إقنوم الإبن فله ملائكته السامعين لكلمات فمه " يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، (مت ١٣ : ٤١) ، (يو ١ : ٥١) أيضاً  " فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ. (مت ١٦ : ٢٧) ، (مت ١٦ : ٢٨) (مت ٢٤ : ٢٧ ، ٣٠ ٣٧ ، ٣٩ ، ٤٠  ) ، (مت ٢٦ : ٦٤) فالطبيعتين الناسوتية واللاهوتية متحدتين الي الأبد .

* المشيئة الناسوتية وإرتباطها بالمشيئة اللاهوتية :

اتحاد المشيئتين الإنسانية واللاهوتية إتحاد كامل يجعلك تري بأنهما ذائبتان معاً فلا تستطيع أن تفرق بينهما ، ارتباطهما ارتباط متحد في كل شيء ، فمن الجانب الإنساني  طاعة وخضوع كامل للجانب اللاهوتي " وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. (في ٢ : ٨) فطاعة المسيح في دائرة الناسوت واللاهوت جزء لا يتجزأ من إرسالية الأب له ، لأن المسيح بتجسده أخذ واقع مضاهي لواقع أدم  " هكَذَا مَكْتُوبٌ أَيْضًا:"صَارَ آدَمُ، الإِنْسَانُ الأَوَّلُ، نَفْسًا حَيَّةً، وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحًا مُحْيِيًا". (1كو ١٥ : ٤٥) أدم الأول سقط في تجربة إبليس له ولم يُطيع الوصية ، أما أدم الأخير فإنتصر علي إبليس وعلي الخطية وأطاع الأب " لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا. (رو ٥ : ١٩) فمن الجانب اللاهوتي طاعة بالتجسد ، ومن الجانب الناسوتي طاعة لتفعيل الوصية والخضوع لكلمة الله ، فلم ينساق وراء إبليس كأدم الأول ، فادم الأول جاء بالعبودية أما أدم الأخير فأعطي فرصة لمن يقبله ويؤمن به أن يعيش في الحرية " فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا. (يو ٨ : ٣٦) فالطاعة والخضوع جزء من إرسالية الأب للإبن وقد تحققت في المسيح

مشيئة الأب نحو خليقته العاقلة أن يؤمن الجميع ، ومن يؤمن يدخل في دائرة الحفظ وعدم الإتلاف هذا من الجانب الإلهي " وَهذِهِ مَشِيئَةُ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئًا، بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ. ( يو ٦ : ‏٣٩ ) أما من الجانب البشري فعلي كل من أمن أن يسير في دائرة الطاعة لله ولوصاياه وبالتالي سينال الحفظ وعدم الإتلاف ، ليس هذا فقط بل سينال كل مؤمن ميزات أبدية كلٍ بحسب مكانته ، فالتلاميذ ( الرسل ) لهم مستوي دينونة شعب إسرائيل اللذين لم يؤمنوا " فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:"الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَبِعْتُمُونِي، فِي التَّجْدِيدِ، مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ. (مت ١٩ : ٢٨) ، (لو٢٢: ٢٨-٣٠) والمؤمنين لهم إمكانية إدانة العالم ، كيف ؟ وبأي طريقة ؟ لم يذكر الكتاب التفاصيل ولكن المؤكد واليقين أن المؤمنين سَيَدِينُونَ العالم " أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْقِدِّيسِينَ سَيَدِينُونَ الْعَالَمَ؟ فَإِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُدَانُ بِكُمْ، أَفَأَنْتُمْ غَيْرُ مُسْتَأْهِلِينَ لِلْمَحَاكِمِ الصُّغْرَى؟أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا سَنَدِينُ مَلاَئِكَةً؟ فَبِالأَوْلَى أُمُورَ هذِهِ الْحَيَاةِ! (1كو٦: ٢-٣) وشرط أن نكون في هذا المستوي هي الغلبة بطاعة كلمة الله " وَمَنْ يَغْلِبُ وَيَحْفَظُ أَعْمَالِي إِلَى النِّهَايَةِ فَسَأُعْطِيهِ سُلْطَانًا عَلَى الأُمَمِ،فَيَرْعَاهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ، كَمَا تُكْسَرُ آنِيَةٌ مِنْ خَزَفٍ، كَمَا أَخَذْتُ أَنَا أَيْضًا مِنْ عِنْدِ أَبِي، (رؤ٢: ٢٦-٢٧) فحياة الطاعة لله والخضوع يفتح كل البركات الروحية المتاحة لنا في المسيح بطاعته التي أطاعها لإعلان مشيئة الأب .

الطبيعة الناسوتية هي الطبيعة التي يراها البشر ، فلا يستطيعوا إدراك الطبيعة اللاهوتية العاملة بتجسد المسيح إلا من خلال الأعمال والتعليم " أَجَابَهُمْ يَسُوعُ:"إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ. اَلأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا بِاسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي. (يو ١٠ : ٢٥) ، (يو ٥ : ٣٦) فإتحاد المشيئة الإنسانية بالمشيئة اللاهوتية ( اقنوم الإبن ) أظهرت أعمال تتكلم وتعلن أن ما في المسيح من طبيعة لاهوتية فهي متحدة مع مشيئة الأب " وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ، فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ". (يو ١٠ : ٣٨) هذا الإتحاد ( إقنوم الإبن بـ إقنوم الأب ) أظهر دائرة تعاليم وأعمال لم تُسمع ولم تُري من قبل " أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟ الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ. صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ، وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا. ( يو ١٤ : ١٠ ، ١١ ) فقد كانت مشكلة الشعب في القديم ومشاكل كل جيل فهم طبيعة الله بأقانيمه وإتحادهما معاً وإمكانية التجسد والفداء ، لذلك يحتاج الإنسان الي نور روح الله ليستطيع أن يفهم وتفتح بصيرته لمعرفة الحق .

* المشيئة الإلهية في العهد القديم :

عندما ندرس كلمة الله في العهد القديم لن نجد كلمة مشيئة بنفس التعبير الموجود في العهد الجديد ولكننا نجد كلمة أخري وهي " المقاصد - القصد " فـ لله مقاصد الهية يريد تحقيقها في حياتنا ولأجلنا ، ففي العهد القديم لم يكن للإعلان وضوح بنفس الكيفية التي جاء بها المسيح في العهد الجديد ، هيا بنا ندرس معاً لندرك كيف أن المقاصد الالهية هي المشيئة الإلهية في العهد الجديد.

في لإنجليزي كلمة مَشِيئَة جاءتَthe will  وتعني إرادة ، وفي اللغة اليونانية كلمة مشيئة جاءت θέλημα  وتنطقthelēma -  ثيليما ، وتعني : مهمة - مشيئة ، وهذا معناه " ما يريده الله أن نفعله " وكما شرحنا سابقاً أن المشيئة هي ارادة الله المعلنة ، فمن كُشف له إرادة الله فقد حَمل ّمشيئة الله " لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي". (مت ١٢ : ٥٠) لأن في تحقيق مشيئة الله يصير المؤمن في دائرة عائلة الله.

نفس الكلمة التي هي ( مشيئة - the will  ارادة ) في اللغة العبرية جاءت רעוּת وتنطق re‛ûth  ريعوث ، وتعني :  مشيئة - متعة - إرادة ، هذا بحسب ما جاء في سفر عزرا " وَمَهْمَا حَسُنَ عِنْدَكَ وَعِنْدَ إِخْوَتِكَ أَنْ تَعْمَلُوهُ بِبَاقِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، فَحَسَبَ إِرَادَةِ إِلهِكُمْ تَعْمَلُونَهُ. (عز ٧ : ١٨) أو بحسب متعة الهكم تعملون ، ففي تحقيق المقاصد أو المشيئة أو الإرادة الإلهية متعة الهية نصير نحن مشاركون في تحقيقها. 

أما كلمة ( المقاصد - meant it  قصد - من المفترض ) فجاءت في العبري חשׁב وتنطقchâshab  جاشاب وتعني : تفكير - تخطيط ، وهذا معناه أن ما يدور من أحداث فللرب حكمة الهية لتحويلها لخيرنا لتحقيق مشيئة وارادة الله كما حدث مع يوسف عندما فهم هذا فقال لإخوته " أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا، لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ، لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا. (تك ٥٠ : ٢٠) فالمقاصد الإلهية في العهد القديم هي المشيئة الإلهية في العهد الجديد ، ودائما يعملان للخير .

هذا بالإضافة الي ظهورات إقنوم الإبن في العهد القديم لتحقيق مشيئة الله ، فقد كان يظهر تحت إسم ملاك الرب (تك ١٦ : ٧) ، (تك ١٦ : ١٠) " فَدَعَتِ اسْمَ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعَهَا: "أَنْتَ إِيلُ رُئِي". لأَنَّهَا قَالَتْ: "أَههُنَا أَيْضًا رَأَيْتُ بَعْدَ رُؤْيَةٍ؟" (تك ١٦ : ١٣) كلمة ( إِيلُ رُئِي )  إسم من أسماء الله في العهد القديم ، التي تعني ( الرب يري ) فكلمة ( إِيلُ ) في العبري ( אל ) وتعني ( الرب )  وتنطق ( ale  إيل ) أما كلمة ( رُئِي )  في العبرية ( ראי ) وتنطق ( ro-ee   رُئِي ) وتعني ( ينظر - يري ) فإعلان مشيية الله كانت واضحة فالرب ينظر اي يصنع مشيئته في حياتي كيفما يشاء  " فَسَمِعَ اللهُ صَوْتَ الْغُلاَمِ، وَنَادَى مَلاَكُ اللهِ هَاجَرَ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ لَهَا: "مَا لَكِ يَا هَاجَرُ؟ لاَ تَخَافِي، لأَنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ لِصَوْتِ الْغُلاَمِ حَيْثُ هُوَ.  قُومِي احْمِلِي الْغُلاَمَ وَشُدِّي يَدَكِ بِهِ، لأَنِّي سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً عَظِيمَةً" وَفَتَحَ اللهُ عَيْنَيْهَا فَأَبْصَرَتْ بِئْرَ مَاءٍ، فَذَهَبَتْ وَمَلأَتِ الْقِرْبَةَ مَاءً وَسَقَتِ الْغُلاَمَ. (تك ٢١ : ١٧ - ١٩) ملاك الرب في العهد القديم هو إقنوم الإبن لأن الله الأب لم يراه أحد قط " اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ. (يو ١ : ١٨) فالقاعدة الأساسية أن الأب لا يُري إطلاقاً ، وأن من قام بالإخبار هو الإبن ، لذلك من البديهي والطبيعي أن من كان يظهر في العهد القديم هو إقنوم الإبن هو المسيح قبل التجسد ، وحيثما وُجد إقنوم الإبن وجدت مشيئة الأب .

* تحقيق المشيئة موضع سرور الآب :

الإرادة الإلهية مُعلنة للمسيح ولذلك صار هو مشيئة الآب ( المشيئة ذاتها ) والمكلف بتحقيقها في زمن تجسده وبعد صعوده من خلال جسده التي هي الكنيسة ، لذلك يقول الوحي بفم الرسول بولس أن الكنيسة أخضع لها كل شيء " وَأَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ،الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ. (أف١: ٢٢-٢٣) وقد كان الرسول بولس يعلم كيفية وموضع سرور الأب ، ألا وهي الإهتمام بـ جسد المسيح الذي هو الكنيسة " الَّذِي الآنَ أَفْرَحُ فِي آلاَمِي لأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي لأَجْلِ جَسَدِهِ، الَّذِي هُوَ الْكَنِيسَةُ، (كو ١ : ٢٤) فقد كان سرور الإبن في بذل نفسه لأجل شعبه الذي أخرج منها الكنيسة التي هي جسده  ، فقد كان التلاميذ النواة من شعب الرب الذي من خلالهم خرج للأمم وأدخل كل من أمن ليصير من ضمن كنيسة الله ، تحقيق هذا يُسمع صدي داخل السرور الإلهي .

إقنوم الإبن هو مسرة الأب ، فليس تحقيق المشيئة جعل المسيح مسرة الأب بل هو منذ الأزل الي الأبد هو سرور الأب ، فهو : الإبن الوحيد ( يو ١ : ١٨) والإبن الحبيب ( مت ٣ : ١٧) وكل من يؤمن بالإبن نال البنوية  " وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. (يو ١ : ١٢) فكل شخص أمن بالمسيح صار إبناً وهذه البنوية هي قلب الخدمة الإلهية التي قام بها المسيح وسط شعبه " إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ، ( أف ١ : ٥ ) فـ مَسَرَّةِ مَشِيئَة الإبن أن نكون أبناء لله ، لأن ببنويتنا لله نصير في دائرة المشيئة التي لا يعتريها تغيير ، جاء المسيح ليصنع عملاً عظيمً وهو إسترداد شعبه ليكونوا داخل دائرة البنوية ، فالشعب ضل وإبن الإنسان جاء ليسترد كل من يؤمن " لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ. (مت ١٨ : ١١) بادئاً من أورشليم بذاته وصولاً إلي العالم أجمع  من خلال تلاميذه وكل من يؤمن .

البنوة التي لنا بنوية بالتبني بالإيمان بالمسيح الذي صيرنا جسده وهو الرأس ، فكل من يؤمن بالإبن ينال التبني وهذا هو موضع سرور الأب لأنه فيها يري إقنوم الإبن يتحرك وسط العالم من خلال الكنيسة التي بدورها تقوم لإعلان الحق الكتابي  وتحقيق مشيئة الله في العالم ، أن تأتي بشعب كثير لملكوت الله بالكرازة والخدمة وبذل نفسها من أجل الأخرين " بِهذَا قَدْ عَرَفْنَا الْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، فَنَحْنُ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لأَجْلِ الإِخْوَةِ. (1يو ٣ : ١٦) وكلمة " نَضَعَ " في الانجليزي " he laid down  وتعني : وضع أسفل - وضع أقل ، وفي اللغة اليونانية  τίθημι وتنطق : tithēmi تيثامي ، تعني : وضع أقل من اجل خدمة ، هذا الوضع الذي يجب أن تكون عليه الكنيسة أن لا تصير في كبرياء يجعلها فوق البشر فتنظر للناس بإستعلاء بل لتكون في دائرة التواضع فتصير لخدمة النفوس وليس العكس " أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ". (يو ٦ : ٥١) وهذا ليس معناه ان تكون في الدائرة الدونية بل مهما علا الشأن وإرتفع المقام تتعامل مع النفوس بكل التقدير والحب فتقدم خدمة بكل تواضع واتضاع متمثلة في الهها وسيدها الذي جاء ليخدِم وليس ليُخدّم " كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ". (مت ٢٠ : ٢٨)

* المشيئة لإلهية وإرتباطها بنعمة الله : 

المشيئة الإلهية تعمل في أجواء من النعمة الإلهية ، فكلما كثرت النعمة تفاعلت المشيئة ، فعندما تجسد المسيح تجسد وهو في كامل الإمتلاء بالنعمة ( ممتليء نعمة منذ الأزل والي الأبد )  " وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا. (يو ١ : ١٤) وعندما علم تلاميذه وامتلئوا من الروح القدس وجالوا مبشرين وكتب يوحنا إنجيله شهد أن جسد المسيح ( جميع المؤمنين ) إمتلئوا نعمة ليسيروا في تحقيق المشيئة الإلهية " وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا، وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ. (يو ١ : ١٦) هذه النعمة تفتح الأجواء الروحية لتفعيل الكلمة ولجذب النفوس للإيمان بالإنجيل ، لذلك قال الرسول يوحنا أن الناموس أي الشرائع أعطيت لكم من خلال موسي النبي ، ولم تستطيع هذه الشرائع أن تصيركم أبناء ، ولكن هذا الأمر تحقق في المسيح من خلال نعمة الله المخلصة والمغيرة " لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا. (يو ١ : ١٧) .

برغم أن الناموس مقدس ومن يسير علي نهجه سينال من الرب بركات ، ولكنه كان عاجزاً علي خلاص من يتبعه ، وكأنه عاجز بأن يصل بالإنسان لخلاص نفسه "  لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ، فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ، (رو ٨ : ٣) لذلك جاء المسيح بعمل النعمة ليسد عجز الناموس ، فالمؤمن بنعمة المسيح يستطيع أن يعيش الناموس ، من أجل ذلك فليكن الإتكال الكامل ليس علي بر الناموس بل علي بر المسيح بالنعمة المعطاة لنا ، لانه منذ البداية لم يكن الوعد بالحياة مرتبط بالناموس بل بالإيمان " فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الْوَعْدُ لإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْعَالَمِ، بَلْ بِبِرِّ الإِيمَانِ. (رو ٤ : ١٣) .

الإتكال علي الإيمان والنعمة لا يلغي وجود الناموس بل بهما نستطيع أن نحيا الناموس ، فالوعد بالميراث الأبدي مبني علي نعمة المسيح والإيمان به وليس مبني علي عمل الناموس " لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الَّذِينَ مِنَ النَّامُوسِ هُمْ وَرَثَةً، فَقَدْ تَعَطَّلَ الإِيمَانُ وَبَطَلَ الْوَعْدُ: لأَنَّ النَّامُوسَ يُنْشِئُ غَضَبًا، إِذْ حَيْثُ لَيْسَ نَامُوسٌ لَيْسَ أَيْضًا تَعَدٍّ. (رو ٤ : ١٤ ، ١٥ ) فالمبدأ الإلهي مبني علي الإيمان وعمل النعمة بالمسيح يسوع وليس علي أعمال الناموس وهنا يتم تحقيق المشيئة الإلهية بالنعمة وبالإيمان نصير أبناء لله ويكون لنا وعد الميراث بالحياة الأبدية فنعيش بالنعمة لتتميم أعمال الناموس ليعود المجد لله وليس لنا " لِهذَا هُوَ مِنَ الإِيمَانِ، كَيْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ النِّعْمَةِ، لِيَكُونَ الْوَعْدُ وَطِيدًا لِجَمِيعِ النَّسْلِ. لَيْسَ لِمَنْ هُوَ مِنَ النَّامُوسِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا لِمَنْ هُوَ مِنْ إِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي هُوَ أَبٌ لِجَمِيعِنَا. (رو ٤ : ١٦

هنا نصل لقلب العمل الإلهي والمشيئة الإلهية ، مشيئة الآب أن يأتي بأبناء كثيرين لدائرة الملكوت " لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ الْكُلُّ وَبِهِ الْكُلُّ، وَهُوَ آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ، أَنْ يُكَمِّلَ رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ بِالآلاَمِ. (عب ٢ : ١٠) هذه الالام التي ذاقها المسيح من أجلنا هي الام من أجل التكفير عن خطايانا " وَلكِنَّ الَّذِي وُضِعَ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلَّلاً بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ. (عب ٢ : ٩) وبهذا العمل العظيم " التجسد - الفداء - النعمة - الإيمان " يجعل للمؤمن إمتياز بالدخول في مقام المشيئة الإلهية " لأَنَّ الْمُقَدِّسَ وَالْمُقَدَّسِينَ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ، فَلِهذَا السَّبَبِ لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً، (عب ٢ : ١١) فالمقام الالهي هو أن نكون جميعنا واحد ومشتركون في دائرة المشيئة الإلهية ليس علي إتكال الاعمال بل علي اتكال نعمة الله " اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ الله (ِ يو ١ : ١٣ )

- المؤمن صار إبناً لله ليس بطرق ثلاث :

١ - لَيْسَ مِنْ دَمٍ : وهذا أن الإيمان والولادة الجديدة لا يورثان من الأباء .     

٢ - وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ : أن الإنسان لا يملك في جسده القوة ليُحدث في حياته الولادة الجديدة .         

٣ - وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل : والحياة الابدية والايمان لا يعطي من خلال شخص أخر غير المسيح .

الخلاص ليس بواسطة الوالدين بالميراث ولا من ذات وقوة الإنسان ولا من خلال وسيط بشري كالأباء الكهنة والقساوسة والمطارنة والأساقفة ، وليس بوسائط بشرية أو كنسية ، فالخلاص وحده بيسوع المسيح لأنه تحقيق المشيئة الإلهية التي للآب وللإبن ، لذلك يقول " .... بَلْ مِنَ الله (ِ يو ١ : ١٣ ) فإن كنت تتكل علي خلاص نفسك بأعمالك فأنت تجري في سراب ، ولكن إن إلتجأت لعمل النعمة بالإيمان فستحقق في حياتك عمل المشيئة الإلهية .

 

 


 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس