كفارة المسيح والواقع المُعاش

 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كفارة المسيح والواقع المُعاش

بقلم

القس عماد عبد المسيح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


 

كفارة المسيح والواقع المُعاش

يعيش البعض في هذا العالم بالطول والعرض في التعاملات اليومية بين معاملات ايجابية وسلبية صادرة منه وحادثة من الغير ، ويعيش في دائرة الغفران المطلق ظاناً منه أن هذا حقه دون أن يُبدي أسفاً أو ندماً أو توبة ، ويستند علي كفارة المسيح فلا يبالي ببعض الخطايا أو الأخطاء ، وقد يتعدي علي حقوق الغير دون مبالاة بمشاعر وأحاسيس الأخرين ، وكأنه يمتلك الحق المطلق ، فَّيُصدِر أوامره وتعليماته ، وعلي صغار النفوس للخضوع والخنوع دون جدال ودون نقاش ، فهو من أصحاب السيادة والغبطة ، هو من أصحاب الفكر والتعليم ، ومن يخرجون عن طاعته يُحكم عليهم بالتمرد والكبرياء ، وللأسف لا يدري أن الكبرياء يملئه فيخاصِم أو يُحاكِم من يخالفه ، ويكون سعيد الحظ مّن يسانده ويوافقه .

إن من يفهم فهماً خاطئاً في كفارة المسيح هو من يستعملها كغطاء لخطاياه ولأخطائه ، لأنه يعتقد أن المسيح قد كفر عن جميع ذنوبة وخطاياه وأخطاءه الحاضرة والمستقبلية ، وأنه صار مغفور الإثم ، ولذلك يتحرك في هذا العالم بعشوائية فكره وليس بترتيب كلمة الله ، فيُعثِر مّن حوله ويُتعب من يخالفه ويستغل من هو أضعف منه ولا يُبالي ، أنه يتعامل مع كفارة المسيح لستر أخطاءه هو امام نفسه فلا يراها ، أما أخطاء الأخرين فيستخدمها ويستغلها أفضل إستغلال إلا إذا خضع الأخر له دن جدال ودون نقاش ، وكأنه يعيش زمن الماضي المُظلم في صقوك الغفران ، فأعطي لنفسه صك غفران خطاياه فلا يتأسف أو يعتذر ، ويطلب من الأخرين ما لا يفعله هو ، فأخطاء الأخرين في حقه جرمٌ كبير وأخطاءه هو في الأخرين للأسف يؤمن أنها حق شرعي فلا يبالي بغيره .

إن كفارة المسيح للجميع " وَهُوَ كَفَّارَةٌ ...ْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ .... ( 1يو ٢ : ٢) ولكنها لا تُفعل دون قبول المسيح والإيمان به والتوبة القلبية الحقيقية ، فالكل أخطأ والكل يحتاج للكفارة ، ولكنها تحتاج للإيمان " إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ،مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيح ِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ.لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ. (رو٣: ٢٣-٢٦) فقد كُفِرَ عن العالم ولكن لا تفعيل للكفارة بدون توبة حقيقية وإيمان حقيقي والهدف إظهار بر الله فينا في الزمان الحاضر من خلال سلوكنا بحسب كلمة الله وليس بحسب عشوائية تفكيرنا ، فعشوائية التفكير تقود الإنسان للكبرياء والخصام وعدم الإعتذار وعدم الغفران ، أما ترتيب كلمة الله تقود المخطيئ للتوبة وللإعتذار وقت الخطأ وطلب الصفح كلاً من الأخر وللأخر " وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. ( مت ٦ : ١٢ ) فكلاً من المخطيئ والمخطيئ في حقه يقومان بالغفران بعضهما البعض ، ويكون هذا علي حساب كفارة المسيح

في العهد القديم كانت الكفارة تُبني علي ثمن يُدفع ولن يتم التكفير بلا ثمن " وَتُقَدِّمُ ثَوْرَ خَطِيَّةٍ كُلَّ يَوْمٍ لأَجْلِ الْكَفَّارَةِ. وَتُطَهِّرُ الْمَذْبَحَ بِتَكْفِيرِكَ عَلَيْهِ، وَتَمْسَحُهُ لِتَقْدِيسِهِ. ( خر ٢٩ : ٣٦ ) فالكفارة تطهِر وتُقدِس ولن يكون تطهير أو تقديس بدون ثمن ، فكان يوجد يوم سنوي للكفارة محفل مقدس ويوماً مخصصاً " أَمَّا الْعَاشِرُ مِنْ هذَا الشَّهْرِ السَّابعِ، فَهُوَ يَوْمُ الْكَفَّارَةِ. مَحْفَلاً مُقَدَّسًا يَكُونُ لَكُمْ. تُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ وَتُقَرِّبُونَ وَقُودًا لِلرَّبِّ. عَمَلاً مَا لاَ تَعْمَلُوا فِي هذَا الْيَوْمِ عَيْنِهِ، لأَنَّهُ يَوْمُ كَفَّارَةٍ لِلتَّكْفِيرِ عَنْكُمْ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكُم ( لا ٢٣ : ٢٧ ، ٢٨ ) ( لا ٢٥ : ٩ ) فقد كان كل الشعب يجتمع تحت مظلة محفل الكفارة ، كل الشعب معاً تُكسّر فيها الطبقية ويذوب فيها الخصام وتُبطل النزاعات ويجتمع الشعب لمحفل يوم الكفارة ، فإن كان الشعب قديماً يعيش يوماً سنوياً للتطهير والتقديس ، فها نحن اليوم نعيش حياتنا كلها بفاعلية كفارة المسيح " وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا. ( 1يو ٢ : ٢) ولكن بشرط اعتذارنا ( اعترافنا بعضنا لبعض ) بأخطائنا ونغفر بعضنا لبعض لنعيش في بركات الكفارة

الكفارة طريق معاملات الله لشعبه :

رسم الله لشعبه في العهد القديم طريق المعاملات الإلهية ليستطيع الشعب أن يتواصل مع المبادئ الإلهية ، وهذا الطريق هو الكفارة ، فللكفارة مستوايين متوازيين

الأول مستوي البدلية ( ثمن الكفارة )

الثاني مستوي العطية ( بركات الكفارة )

فالبدلية تكمُن في الثمن المدفوع كبديل عن الواقع المعاش وأقرار بالخطأ والإعتراف بالخطية ، فيقدم طالب الغفران والتقديس ثمن لإرضاء الله ، فيقدم ثور خطية لاجل الكفارة ليدخل الي المستوي الثاني مستوي العطية وهو المسحة والتقديس " وَتُقَدِّمُ ثَوْرَ خَطِيَّةٍ كُلَّ يَوْمٍ لأَجْلِ الْكَفَّارَةِ. وَتُطَهِّرُ الْمَذْبَحَ بِتَكْفِيرِكَ عَلَيْهِ، وَتَمْسَحُهُ لِتَقْدِيسِهِ. ( خر ٢٩ : ٣٦ ) مع العلم بأن ليس الثور ثمن المسحة والتقديس بل بذبحه يفتح باب الرضا الإلهي فينال طالب الكفارة بركاتها من مسحة وتقديس وتطهير وغفران الخطايا ، حقيقي الأمر مُكلِف جدا ، فكل يوم يُقّدِم الكاهن ذبيحة الخطية لينال الشعب تطهيراً لخطاياه .

بمجيئ المسيح صار الأمر مختلف ، فقد قدم المسيح نفسه كفارة عن خطايانا مرة واحدة ليكون بديلاً عنا فقد صار و في مستوي البدلية ليصير كفارة نيابة عنا لننال نحن المستوي الثاني مستوي العطية مجاناً بالإيمان بعمل المسيح الكفاري " وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا. ( 1يو ٢ : ٢) بموت المسيح علي الصليب فُتِحَ الباب أمام كل العالم لنوال بركات الكفارة التي عملها المسيح بنفسه ليصنع واقعاً جديداً يُعاش بقوة الروح القدس وبروح المسيح ، فالأب أحبنا اولاً لذلك قَّدم إبنه الوحيد ليصير كفارة من أجلنا " فِي هذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا. (1يو ٤ : ١٠) هذا هو عُمق محبة الأب ، تقديم إبنهِ نيابةً عنا ليقدم لنا تطهيراً أبدياً ، لذلك لا نحتاج الي ذبيحة خطية بديلة عنا ، فقد جُعل المسيح ذبيحة خطية بدلاً عنا لننال نحن بره ( رو ٣ : ٢٥)  لذلك يستطيع المؤمن أن يعيش في دائرة ملكوت الله وفي مستوي بره ، وينال من الرضا الإلهي خيرات في هذا الزمان ويعيش في البركات الإلهية " لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. (مت ٦ : ٣٣) فملكوت الله فُتح بدم العهد الجديد وبره قائم الي الأبد " كَمَا هُوَ مَكْتُوب ٌ: " فَرَّقَ. أَعْطَى الْمَسَاكِينَ. بِرُّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ". ( 2كو ٩ : ٩) الملكوت فُتح ببر الهنا لذلك لنا بركات واستخدامات وعطايا ومنح ومستوي الملكوت ، فكل مؤمن يستطيع أن يتمتع بالمستوي الثاني مستوي العطية بكفارة المسيح فينال عطايا الملكوت بدون أن يدفع ثمن لأن ثمن البدلية في المستوي الأول دفعه المسيح علي الصليب

من عطايا وبركات المستوي الثاني للكفارة هو التقديس والتطهير ، وهذا يدخل في دائرة الإرادة الإلهية " لأَنَّ هذِهِ هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: قَدَاسَتُكُمْ. أَنْ تَمْتَنِعُوا عَنِ الزِّنَا، ....... لأَنَّ اللهَ لَمْ يَدْعُنَا لِلنَّجَاسَةِ بَلْ فِي الْقَدَاسَةِ. ( 1تس٤ : ٣ ، ٧ ) فالدعوة الإلهية لنا لها مقياس إرادة الله التي تجعلنا في مستوي التطهير والنقاء والقداسة ، فلسنا نحتاج لدفع شيئاً أو فِعل أمراً غير أننا نؤمن ونقبل هذا العمل ونعيش فيه لننال تفعيله في حياتنا ، إن كفارة المسيح تدفعنا نحو واقع يُعاش فننال العطايا الروحية ، لأننا إن سلكنا بخلاف ارادة الله فلن تُفعل فينا عطايا المستوي الثاني الذي بكفارة المسيح ، فإن رأيت مؤمناً لا يسير في حياة القداسة فإعلم أنه يتجاهل المستوي الأول في كفارة المسيح أو يستغله فكرياً لصالحه ليسير حسب أهواء قلبه ليكسب بضعة مكاسب زمنية فيصير متعثراً ويُعثِر كثيرين ، مثل هؤلاء الإبتعاد عنهم غنيمة لأنهم إعاقة لعمل الرب ولبركات الكفارة ، فستجدهم يفعلون ما يفعلونه دون خجل أو كسوف وكأنه حق لهم ، ويعتقدون أن من يقف في طريقهم هو المخطيئ وعديم المباديئ ، فلنبتعد بعيدا عن مثل هؤلاء عملاً بقول الرسول بولس " وَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تُلاَحِظُوا الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الشِّقَاقَاتِ وَالْعَثَرَاتِ، خِلاَفًا لِلتَّعْلِيمِ الَّذِي تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ.لأَنَّ مِثْلَ هؤُلاَءِ لاَ يَخْدِمُونَ رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ بَلْ بُطُونَهُمْ. وَبِالْكَلاَمِ الطَّيِّبِ وَالأَقْوَالِ الْحَسَنَةِ يَخْدَعُونَ قُلُوبَ السُّلَمَاءِ. ( رو١٦ : ١٧ – ١٨ ) فليبارك الرب شعبه ويحفظهم من أمثال هؤلاء لأنهم في زمن النهاية سيكونون كثيرين ، فالعاقل هو من يسير بحسب الحق بكلمة الله حتي وإن لم يجد قوت يومه ، ولكن الرب لن يترك الأمناء ، فسيكافئهم زمنياً وأبدياً ، فكن أميناً واخدم سيدك بدون خوف

فضة الكفارة وعمل النعمة الإلهي :

وقت تعداد الشعب كان يُقدم تقدمة تدخل خدمة خيمة الإجتماع " مِنِ ابْنِ عِشْرِينَ سَنَةً فَصَاعِدًا يُعْطِي تَقْدِمَةً لِلرَّبِّ "  هذه التقدمة تُسمى " فِدْيَةَ نَفْسِهِ لِلرَّبِّ " لئلا يصاب بالوبأ وتكون عبارة عن " نِصْفُ الشَّاقِلِ بِشَاقِلِ الْقُدْسِ. الشَّاقِلُ هُوَ عِشْرُونَ جِيرَةً. نِصْفُ الشَّاقِلِ تَقْدِمَةً لِلرَّبِّ. " الغني والفقير لهما نفس القيمة لأنها قيمة كفارة وليس تقدمة عطاء ، فلا يجوز أن تكون بحسب الأهواء الشخصية " اَلْغَنِيُّ لاَ يُكَثِّرُ وَالْفَقِيرُ لاَ يُقَلِّلُ " لأنها تقدمة قيمة فداء -  كفارة " لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ". (خر ٣٠ : ١٢ - ١٦ ) وهذا معناة أن كل شخص فوق العشرين سنة يقدم نصف شاقل القدس ، او ١٠ جيرة لأن الشاقل يساوي ٢٠ جيرة  ، فكل فرد في اسرائيل يدفع ١٠ جيرة ، او ٢٠ حبة قمح التي هي وزن الجيرة ، إنه ثمن بسيط يقدر عليه كل فئة المجتمع الإسرائيلي في ذلك الوقت ، هذا الرقم البسيط مع الالاف المتقدمة للعطاء يعمل كمية من المعادن والمبالغ تستخدم في خيمة الإجتماع .

قيمة الكفارة عن كل شخص كانت من أجل إعلان التبعية لإلوهيم يهوة الإله الحي ، وإعلان مستوي بر الله في شعبه ، هذا البر هو من صميم عمل النعمة لإلهية ، فنصف الشاقل المقدم من الفضة إعلان للفداء المجاني بالنعمة ، فالـ ١٠ جيرة مبلغ زهيد جداً نظير ما يقدمه عمل الكفارة في شعب الرب ، هذا يرينا أن النعمة الإلهية متواجده وقائمة وفعالة في العهد القديم ، فتقدمة نصف الشاقل تُفعِل الحماية وقت مهمة تعداد الشعب " إِذَا أَخَذْتَ كَمِّيَّةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِحَسَبِ الْمَعْدُودِينَ مِنْهُمْ، يُعْطُونَ كُلُّ وَاحِدٍ فِدْيَةَ نَفْسِهِ لِلرَّبِّ عِنْدَمَا تَعُدُّهُمْ، لِئَلاَّ يَصِيرَ فِيهِمْ وَبَأٌ عِنْدَمَا تَعُدُّهُمْ. (خر ٣٠ : ١٢) فتعداد الشعب مهمة روحية تحتاج لحماية الهية ، ولكل حماية مستوي من التعاملات المتبادلة بين السماء والأرض ، فوقت تعداد الشعب يُقدم الشعب تقدمة نصف الشاقل من الفضة إعلان للكفارة لتتحرك الأجواء السمائية لحماية شعب الرب ومباركة هذا التعداد

فضة الكفارة ليست هي الذبيحة التي تُكفر عن الشعب ، ولكنها الثمن الذي يُقدمه الشعب ليشتري الكاهن الذبيحة التي يقدمها عن الشعب كله ، فقد كان يُقدم الكاهن ذبيحة صباحية وذبيحة مسائية " الْخَرُوفُ الْوَاحِدُ تُقَدِّمُهُ صَبَاحًا، وَالْخَرُوفُ الثَّانِي تُقَدِّمُهُ فِي الْعَشِيَّةِ. (خر ٢٩ : ٣٩) وأيضاً " وَالْخَرُوفُ الثَّانِي تُقَدِّمُهُ فِي الْعَشِيَّةِ. مِثْلَ تَقْدِمَةِ الصَّبَاحِ وَسَكِيبِهِ تَصْنَعُ لَهُ. رَائِحَةُ سَرُورٍ، وَقُودٌ لِلرَّبِّ. (خر ٢٩ : ٤١) لذلك من ضمن عمل فضة الكفارة إعطاء الإمكانية لكهنة الرب تقديم ذبيحة الكفارة عن الشعب دون أن يكون علي الشعب حِمل مالي أو اقتصادي تجاه عمل الكفارة ، فأساس الكفارة مبني علي عمل النعمة الإلهي في العهد القديم بشكل مادي وملموس في تقديمات وعطاءات يتفاعل بها الشعب ليُحرك العمل الروحي والبركات الروحية في حياتهم ، فمنظومة العهد القديم مبنية علي المبادرات المتبادلة بين الله الإنسان ، فالرب من جهته يقدم بركات ونعمة وبر وغفران وفداء ، وعلي الشعب المبادرة بتفعيلها من خلال تقديمات وعطايا وعبادة وسجود ، هذا هو الحال دائماً فنحن أيضاً في العهد الجديد لنا عند الأب عطايا وهبات وبركات فّعَلها المسيح بدمه لننال نحن بالإيمان به كل البركات السماوية "  مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ، (أف ١ : ٣) وهذا مبني علي أساس عمل النعمة ولا يُفعل بدون الإيمان الحقيقي ، فالمسيح مات وقام من بين الأموات وصار عن يمين الأب " الَّذِي عَمِلَهُ فِي الْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ، ( أف ١ : ٢٠ ) وبالإيمان به يتم تفعيل عمل النعمة الإلهية ويضعنا في ذات المستوي روحياً " وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، ( أف ٢ : ٦ ) فالعمل الإلهي يحتاج لمبادرات ، فمن جهة الله لم يبخل بأي مبادرة ، فقد فعل كل شيئ ، أما من جهتنا نحن فيجب أن نبادر بالإيمان وإعلان انتمائنا له من خلال عبادتنا وخدمتنا وكرازاتنا ومشاركتنا بالعطاء والتقدمات .

المبادرات الروحية أبواب لتفعيل البركات الإلهية :

يوجد أبواب أساسية للبركات الإلهية وهما :

١ - النعمة       ٢ - الفداء.    ٣ - الكفارة   ٤ – الخلاص

يوجد ابواب كمبادرات للتفاعلات الروحية :

١ - الإيمان    ٢ -  العبادة.    ٣ - الكرازة  

من الجانب الإلهي تم عمل كل ما هو مطلوب من الله لفعله وعمله تجاه بني البشر ، ليكون للمؤمن فرصة لنوال البركات الإليهة ، وهذه الابواب الأساسية جميعها تحتاج لمبادرات لتفعيلها في الحياة ، فما تم انجازه من الله قائم وموجود ويسهُل نواله ، ولكن يجب علي طالب البركات تتميم التفعيلات لنوالها .

النعمة : في تعريفها المتداول والمعروف في المجتمع المسيحي أنها : " عطية مجانية لمن لا يستحقها " وبصيغة اخري " عطية ببلاش لإنسان مايستحقهاش "  ولكن في الحقيقة أنه لا توجد عطية مجانية علي الإطلاق ، فكل العطايا هبات مدفوع ثمنها مقدماً ولن ينالها إلا مّن أدركها ، فالنعمة تعني ان تكون حُلو في عيني واهب العطايا فتنال من عطاياه دون أن تدفع ثمن فالثمن قد دفع بدم المسيح ، فحتي روح التضرعات التي ستكون لشعب الرب في نهاية الزمان مبنية علي الثمن المدفوع بالفداء وهو دم المسيح  " وَأُفِيضُ عَلَى بَيْتِ دَاوُدَ وَعَلَى سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ رُوحَ النِّعْمَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ، وَيَكُونُونَ فِي مَرَارَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ هُوَ فِي مَرَارَةٍ عَلَى بِكْرِهِ. (زك ١٢ : ١٠) فالطعنة التي طعنوه بها هي من ضمن ثمن روح النعمة والتضرعات ، فلكي تكون حُلو في عيني صاحب الكرم يجب أن تعترف بكل اعماله التي عملها وهذا الإعتراف يُسمي الإيمان ، فالإيمان يكون دائماً علي سبيل النعمة فيُحرك بركات الوعد لكل جيل يؤمن ، وهذا ما حدث مع ابونا ابراهيم " لِهذَا هُوَ مِنَ الإِيمَانِ، كَيْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ النِّعْمَةِ، لِيَكُونَ الْوَعْدُ وَطِيدًا لِجَمِيعِ النَّسْلِ. لَيْسَ لِمَنْ هُوَ مِنَ النَّامُوسِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا لِمَنْ هُوَ مِنْ إِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي هُوَ أَبٌ لِجَمِيعِنَا. (رو ٤ : ١٦) قد كان إيمان أبونا إبراهيم نموذج لكل جيل يؤمن من بعده ، فقد نال الشعب نعمة الوعد بإيمانهم كما كان لأبونا إبراهيم ، فالإيمان يُفعِل عمل النعمة فتنال حلاوة في عين صاحب الكّرم ، فالنعمة تم دفع ثمن وجودها لتكون عطية مجاية وهذا الثمن كان في :

الفداء : هو العمل الإلهي الذي يُفّعِل عمل النعمة ، فلا نعمة بدون فداء ولا خلاص بدونهما " الَّذِي بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ، إِلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ، وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ. (رو ٥ : ٢) فمن جانب الله ممتليئ نعم وأتم الفداء ، ومن الجانب البشري يحتاج الإنسان للإيمان ليدخل لهذه النعمة فيتفاعل معه الفداء ويُنتج ما يُسمي بالخلاص ( ضمان الحياة الأبدية ) مع العلم أن النعمة في الله متواجدة بلا حدود فليس الفداء أوجدها بل الفداء يُفّعِلها من أجلنا فننال الخلاص " ... الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ، سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ! (رو ٥ : ١٧) لذلك جاء المسيح متجسداً وهذا من صميم عمل النعمة ليدفع ثمن تفعيلها بالفداء والفداء هو ثمن خلاصنا والخلاص لا يُفّعَل في حياتنا بدون الإيمان والإيمان هو نتيجة الكراز والتبشير والتعليم ، إنها منظومة متكاملة ومتداخلة فيما بينها ، وعلي الإنسان معرفة هذا وإدراكه .

الكفارة : هي الغطاء الإلهي الذي يفتح للمؤمن جميع البركات الإلهية لأنه الكّفّر الذي تم به غطاء وستر كل خطايانا أمام الله الأب بالفداء بدم المسيح " الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. (رو ٣ : ٢٥) لذلك ينال الإنسان من خلالها الرضا والقبول الإلهي لأن كفارة المسيح هي غطاء للعالم أجمع أمام الأب " وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا. (1يو ٢ : ٢) ولكنها تُفعل كل ما لنا في المسيح يسوع

الخلاص : هو صك الغفران الإلهي الذي يناله الإنسان بالإيمان بدم المسيح ولن يكون لنا فيه إلا بالإعتراف به وقبوله وتصديقه ، ولا نحتاج لفعل شيئ لنوال الخلاص غير الإيمان بالمسيح يسوع وحده  " وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ". ( أع ٤ : ١٢ ) فالخلاص ينال بالمعرفة الإيمانية وغفران الخطايا دون ان نضع وسائل أخري لغفران الخطايا لنوال الخلاص " لِتُعْطِيَ شَعْبَهُ مَعْرِفَةَ الْخَلاَصِ بِمَغْفِرَةِ خَطَايَاهُمْ، ( لو ١ : ٧٧ ) فالمعرفة التي تولد الإيمان تمنح المؤمن صك غفران أبدي ، فلسنا نحتاج لمدعمات تُسنِد تتميم عمل الخلص ، فالخلاص قد تم بالفداء وما علينا إلا قبوله ، وهنا يأتي دور التبشير والكرازة والارسالية العظمي والتكليف الإلهي ، فكل مؤمن عليه تكليف الهي لتوصيل رسالة الخلاص للأخرين لينالوا المعرفة الإيمانية أن الله لم يجعلنا للغضب بل للخلاص" لأَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْنَا لِلْغَضَبِ، بَلْ لاقْتِنَاءِ الْخَلاَصِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، ( 1تس ٥ : ٩ ) بعد كل هذا لا يصح أن يعيش المؤمن بعيداً عن الحق ، بل بسلوك مقدس يليق بالمنظومة الروحية التي نحن فيها مقيمون .

الحياة بسلوك مقدس باب للبركات الإلهية :

إن الإتكال علي النعمة الغنية وعمل الكفارة  والغفران الناتج من الفداء أمر رائع يُنعِش الحياة الروحية ويدفع المؤمن للسلوك نحو حياة القداسة بقوة فيعيش المؤمن كلمات الأية التي تقول " فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيلِ، (في ١ : ٢٧) تنطق في اليونانيةμόνον  مونونmonon  وتعني فقط ، وهذا  معناه أن الرب يريدنا أن لا نعيش إلا بحسب كلمة الله ، فلا يوجد بديل أخر " فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، " وهذا يدفع المؤمنين ليكونوا في جهادهم بروح واحدة ونفس واحدة لهدف إيمان البشارة ، البشارة التي هي العمل الإلهي لفداء البشرية والكفارة عن الخطية وغفران الخطايا وفتح باب الحياة الأبدية بالإيمان ، فحياة المؤمنين لا يجب أن تكون بعيدة عن هذا الحق بسلوك مقدس وفي خدمة كلمة الله وبشارة الإنجيل .

إن من يتكل علي عمل الرب في غفران الخطايا ويعيش بحسب أهواء قلبه وملزات نفسه دون أن يلاحظها فيكون سبب عثرة للأخرين ولا يُبالي ، يكون قد ارتكب جرما كبيراً في حق الرب وكلمته ، لأنه ليس معني الكفارة أن يسير الإنسان بحسب ذاته ويرتكب أخطاء ظاناً منه أن النعمة الغنية سَتّارة والدم المبارك يغفر وليس من حق أي من كان مراجعته ، إن من يسير في هذا الخط يكون قد ارتكب جرماً في حق نفسه وفي حق من حوله وفي حق الرب ، لأن الكفارة لها ثمن لابد أن يُدفع ( وقد دفعه المسيح ) والكفار لها مبادرات عملية لابد أن تُعمل لتفعيل بركاتها ونتائجها ، وهذه المبادرات تكمُن داخل حياة المؤمن بجملته في سلوكه وحتي في همساته  ، فلا يجب أن يكون قائد أو خادم أو مسئول ويعيش بطريقتين ( بوجهين ) وجه داخل بيته وعمله وعلاقاته ووجه داخل كنيسته وخدمته ، إن المؤمن الذي غطته الكفاره يجب أن يتمتع بها وتكون قد غيرته داخلياً وخارجياً ، داخل بيته وخارج بيته ، داخل كنيسته في خدمته وخارجها أيضاً ، والذي يساعد المؤمن علي أن يكون في سلوكه بحسب الحق هو أن يدرس كلمة الحق ويكون متعلماً وملاحظاً نفسه دائماً .

إن إرتباط المؤمن بأخيه ومشاركته كيان الجسد الواحد روحياً ، يحتاج أن يُقدم الكثير من أجل هذا الجسد ، فكما يقدم يمكنه أن يأخذ  " وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا. (أع ٤ : ٣٢) إننا اليوم لا نجد مثل هذا في كنائسنا ووسط مجتمعنا الكنسي ، فكل واحد له إمكانياته ولا يهب من ما يملك لإخوته ، فخوفاً من المعايرة صار كلٍ داخل ذاته متقوقع الفقير فقير والغني في حاله ، ومّن يمتلك فاقد الرؤيا والأهدف الروحية! ومن له رؤيا وهدف روحي ليس معه ليتمم خدمته! ولأن المنظومة الروحية داخل جماعة الله ليست مترابطة معاً فمن معه إمكانيات مادية منفصل بعيداً عن مّن معه أهداف روحية ، وبالتالي يصير تأخر في خدمة الرب ، هذا بخلاف من هم في احتياج ويجدوا صعوبة داخل جماعة الله لينال ما يريده في تسديد أعوازه وإحتياجاته .

كانت الكنيسة لها الشهادة بقوة عظيمة لأن الجميع كان يبيعون ما يمتلكون ويضعونه عند أرجل الرُسل  فقد كانت الخدمة مسددة الأعواز وأنفس المؤمنين لهم كل احتياجاتهم " وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ، (أع ٤ : ٣٣) الجميع كان له تسديد احتياجاته والخدمة كانت عظيمة جداً " إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجًا، لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُول أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ، وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ، فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ. (أع ٤ : ٣٤ ، ٣٥) فهل الكنيسة اليوم تستطيع أن تفعل هذا فتصير فوق دائرة العوز ، أم سيظهر جشع بعض القادة اصحاب الأنفس الضعيفة وتبتلع ما يُقدّم ، إن عمل الله اليوم يحتاج أن يكون بين أيدي أمينة مُحبة لعمل الرب أكثر من أنفسها ، بكل تأكيد لا أتهم قادة اليوم بالجشع لأن فيهم الأمناء لكن اقدم لنا جميعاً ما اصلي من أجله لأراه يتم في جيلي في اسم المسيح .

الكفارة والأعمال الصالحة :

الاعمال الصالحة تفتح أبواب البركات الروحية التي بالكفارة والفداء ، أما الخلاص ودخول السماء ل يُبني علي الاعمال الصالحة ولكنه يُبنيّ علي العمل الإلهي الذي بالفداء بالمسيح والإيمان به لأن في المعتقد الكتابي " الصالحات لا تُذهبن السيئات " فالسيئات تُغفر بدم الذبيحة وهذا قد تم في المسيح مرة واحدة والي الأبد " وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُول، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا. (عب ٩ : ١٢) فالاعمال الصالحة لها واقع محدود مهما علا شئنها وعظمت قيمتها ، فالإنسان محدود ومفعول الأعمال الصادره منه محدود ، أما الحق الإلهي المطلوب من الإنسان غير محدود ، فالخطية موجهه ضد الله لذلك الثمن المدفوع من أجلها سيكون ثمناً كبيراً لا يستطيع عليه الإنسان ، فهل يصح أن نُقدم بعض أعمالنا الصالحة لتُكفر عن أعمالنا الخاطئة ؟ فأعمالنا القاصرة المحدودة لن تَصلُح للرضى الإلهي لأن الله أكبر من كل الأعمال الصالحة لكل الكون .

الأعمال الصالحة التي نقدمها لله ليست تفضلاً منا عليه بل واجب علينا والتقصير فيه يستجوب العقاب فالرب سيحاسبنا ليس فقط من أجل أخطائنا التي فعلناها والصالح الذي قدمناه بل أيصاً علي الصالح الذي لم نفعله " فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ. (يع ٤ : ١٧) فيوجد فئة من البشر رأوا مريضاً محتاجاً ولم تحن أحشاءهم داخلهم ولم يزوروه أو عطشانا ًولم يسقوه ( مت ٢٥ :   ٤١ - ٤٣ ) فكل الأعمال الصالحة واجب روحي مطلوب منا وليس باباً للتكفير عن خطايانا وأخطائنا " لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ.لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ.لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا. (أف٢: ٨-١٠) فلا تعتمد علي أعمالك لتكفر عن سيئاتك بل اتكل علي دم المسيح وحده القاظر أن يغفر ذنوبك ويمنحك خلاصاً

إن أعمالنا التي نعملها يسميها الكتاب " أَعْمَالِ بِرِّنَا، " يعتبرها الله " كَثَوْبِ عِدَّةٍ " أي لا تصلح لشيئ " وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا، وَقَدْ ذَبُلْنَا كَوَرَقَةٍ، وَآثَامُنَا كَرِيحٍ تَحْمِلُنَا. (إش ٦٤ : ٦) فكيف نقدم أعمالنا الصالحة اعمال برنا لتكون تكفيراً عن خطايانا ، ياللأسف علي من ينادي بالدخول للسماء بالأعمال وأن أعمالنا تفتح أبواب السماء ، أين هذا في كلمة الله ؟ إن خلاصنا مبني علي أساس فداء المسبح لنا ، وهذا قائم منذ الأزل وقد تم لنا بالتجسد ويكون فينا بالإيمان " الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ، ( 2تيمو ١ : ٩ ) لذلك لا يجب ان نقف أمام الله فاردين أجنحة أعمالنا بل مقدمين في سلوكنا قوة دم المسيح التي وهبت لنا بالنعمة الغنية المقدرة أن نقف أمام الرب علي حساب الفداء والكفارة التي صنعها الإبن بنفسه ، وهذا ما يعطي لنا أن نتقدم دائما لعرش النعمة ليس عن تقوي وبر فينا ولكن عن حق ممنوح لنا ببر النسيح وعمل صليبه " فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ. (عب ٤ : ١٦)

 






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس