السلوكيات في رسالة فليمون

 


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السلوكيات في رسالة فليمون

بقلم 

القس عماد عبد المسيح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


السلوكيات في رسالة فليمون

رسالة فليمون كتبها الرسول بولس خلال سنة ٦٢ في رومية وهي رسالة مقدمة لشخص فليمون من أجل أُنِسِيمُسَ العبد ، وهي من الرسائل الشيقة جداً الغنية بالأفكار الكتابية والروحية ، وبها الكثير من المبادئ والمفاهيم السلوكية التي تُشكل المؤمن الحقيقي ليشابه سيده ، فإن كان أُنِسِيمُسَ بدأ حياته كعبد في المستوي الإجتماعي لكنه بالإيمان بالمسيح إرتقي لمستوي أخاً محبوباً بل خادماً أميناً  .

تتلخص الرسالة أن أُنِسِيمُسَ العبد الذي يعمل عند سيده فليمون وبسبب إختلاس شيئاً ثميناً أو مبلغاً من المال تم اداعه بالسجن ، تقابل أُنِسِيمُسَ مع بولس الرسول في وقّبل المسيح فتغير ، فأرسل الرسول بولس إلي فليمون برسالة ليقبله من جديد ليس كعبد بل كأخاً محبوباً ، يالها من مباديئ رائعة وضعها الوحي المقدس من خلال الرسول بولس ليسطر طريق الحرية لإنهاء تجارة الرقيق فبالإيمان بالمسيح يصير لا فرق بين عبد أو حر ويصيران الإثنان واحداً في المسيح  ، فقبل أن يقبل أُنِسِيمُسَ الرب كان عبداً عند سيده ، وبعد قبوله للمسيح والإيمان به صار أخاً محبوباً " لاَ كَعَبْدٍ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ أَفْضَلَ مِنْ عَبْدٍ: أَخًا مَحْبُوبًا، وَلاَ سِيَّمَا إِلَيَّ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ إِلَيْكَ فِي الْجَسَدِ وَالرَّبِّ جَمِيعًا! (فل ١ : ١٦) إن المنطق الطبيعي المتعارف عليه أن العبد المُشترىّ لا يستطيع اطلاقاً أن يصير حراً إلا في عيد الخمسين ( عند اليهود ولأبناء جنسهم - أما عند الأمم يظل عبداً طول العمر ) يطلقه سيده فيُعتق ويصير حراً ، وبقبول أُنِسِيمُسَ للرب صارت معاملات سيده فليمون معه ترقي لمستوى الإخوة ولا يُعامل فيما بعد معاملة العبيد .

* قرأة كتابية :

بُولُسُ، أَسِيرُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَتِيمُوثَاوُسُ الأَخُ، إِلَى فِلِيمُونَ الْمَحْبُوبِ وَالْعَامِلِ مَعَنَا، وَإِلَى أَبْفِيَّةَ الْمَحْبُوبَةِ، وَأَرْخِبُّسَ الْمُتَجَنِّدِ مَعَنَا، وَإِلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِكَ:  نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. ( فل ١ : ١ - ٣ )

يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَبَفْرَاسُ الْمَأْسُورُ مَعِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، وَمَرْقُسُ، وَأَرِسْتَرْخُسُ، وَدِيمَاسُ، وَلُوقَا الْعَامِلُونَ مَعِي. نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ رُوحِكُمْ. آمِينَ. ( فل ١ : ٢٣ - ٢٥ )

* كاتب الرسالة :

بُولُسُ الرسول  : كاتب هذه الرسالة التي نحن بصددها ، كان قبل الإيمان يُسمى شاول : اسم عبري معناه "سئل من الله - أو مطلوب "  ، تغير إسمه لبولس Paul "  في اليوناني Παῦλος  وتنطق Paulos  بولس - بالوس ومعناه  صغير ، ليكون رسولاً مدعوا من الرب " وَأَمَّا شَاوُلُ، الَّذِي هُوَ بُولُسُ ...، فَامْتَلأَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ ..... (أع ١٣ : ٩) كتب الرسول بولس ١٤ رسالة نسردها هنا بتواريخ كتابتها ( بحسب قاموس الكتاب المقدس )

          إلى أهل تسالونيكي الأولى والثانية في سنة ٥٢ و٥٣م في كورنثوس ، إلى أهل غلاطية في سنة ٥٦-٥٧م في أفسس ، إلى أهل كورنثوس الأولى والثانية في سنة ٥٧ و٥٨م في أفسس ومكدونية ، إلى أهل رومية في سنة ٥٨م في كورنثوس ، إلى أهل كولوسي وأفسس وفيلبي وفليمون سنة ٦١-٦٣م في رومية ، إلى العبرانيين سنة ٦٤م من إيطاليا ، تيموثاوس الأولى وتيطس بين سنة ٦٤م وسنة ٦٦م من مكدونية ، تيموثاوس الثانية سنة ٦٧ م من رومية ، ثم استشهد بولس سنة ٦٧ أو ٦٨ م.

* الأشخاص المذكورين بالرسالة : 

       ١ - بولس الرسول وتم التعريف به في العنوان السابق ، اعتبر نفسه أسير prisoner المسيح  of Jesus Christ  وجاءت في اليوناني δέσμιος  وتنطق desmios - ديسميوس وتعني الأسير - السجين ، وقد استخدم كونه أسير وكونه كبير سناً في المستوي شيخاً ، طلب من فليمون أن يسامح أنسيمس " مِنْ أَجْلِ الْمَحَبَّةِ، أَطْلُبُ بِالْحَرِيِّ­ إِذْ أَنَا إِنْسَانٌ هكَذَا نَظِيرُ بُولُسَ الشَّيْخِ، وَالآنَ أَسِيرُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَيْضًا ­، أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي، ( فل ١ : ٩ ، ١٠ ) فكلمة اسير - سجين δέσμιος - desmios  لقب يُشرِف بولس فيعيشه كل يوم دون ملل أو كسل فهو الرجل الذي وهب نفسه للمسيح وخدمته ، فدخوله السجن لم يعتبر نفسه سجين مذلول بل في سجنه هذا خدمة يقدمها للرب مهما كانت تكلفتها النفسية والزمنية ، فهو لم يُحاكم لأنه مُجرم بل لأنه مُبشر كارز بيسوع المسيح وسجنه هذا وسام علي صدره وتاج علي رأسه يفتخر به ويعلن كونه سجين - أسير بكل فخر وبكل شرف كجندي صالح ليسوع المسيح ، هكذا المؤمن  والخادم الحقيقي قد وهب نفسه للسيد فيخدم دون أن يّحسب الخسائر التي سينالها جراء خدمته الأمينة ، فالرب وخدمته هي أولاً وباقي الإمور الزمنية نفاية وبلا قيمة " بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ، (في ٣ : ٨) لذلك ستري جميع من ارتبط ببولس له نفس الروح ونفس الإتجاه ، لديهم استعداد ليخدموا الرب مهما كات التكلفة .

       ٢ - تِيمُوثَاوُسُ: Timothy  اسم يوناني Τιμόθεος وينطق Timotheos معناه " عابد الله - honouring God "  رفيق بولس ومساعده، وتحمل الكثير اثناء خدمته مع بولس الرسول ، تِيمُوثَاوُسُ هو الخادم الذي لم يكل من التعلم ودراسة التعاليم التي نشأ بها منذ الطفولية  " وَأَنَّكَ مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ، بِالإِيمَانِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. ( 2تيمو ٣ : ١٥) واستمر في هذا وتتلمذ علي يدي الرسول بولس ، لذلك نراه من خلال الرسائل التي كتبها الرسول بولس وخصصها لإبنه الروحي تِيمُوثَاوُسُ ، نراه إبناً مُطيعاً للحق الكتابي للنهاية .

        ٣ - فليمون :  Philemon باليوناني Φιλήμων معناه " مُحِبْ - محبوب beloved -  وتعني أيضاً one who kisses - واحد القبلات  " وهو أحد المؤمنين فى كنيسة كولوسى، آمن على يدى بولس ، لذلك تكلم اليه بروح الإبوة الروحية أن يقبل أُنِسِيمُسَ في نظير المديونية المتبادلة بين بُولُسَ وفليمون " أَنَا بُولُسَ ..... حَتَّى لاَ أَقُولُ لَكَ إِنَّكَ مَدْيُونٌ لِي بِنَفْسِكَ أَيْضًا. (فل ١ : ١٩)  التقى ببولس فى أفسس ومكث معه ثلاث سنوات هناك ، وهو من  أغنياء كولوسى بدليل اقتنائه عبيد، وكان بمنزله كنيسة يجتمع فيهـاالمؤمنون " .... الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِكَ: (فل ١ : ٢) لم يصير الغني عائق في حياة فليمون بل استخدمة لدعم الخدمة في حياة بولس ، وفتح بيته بالكامل ليكون مكاناً لخدمة الرب ولراحة رجال الله الأتقياء وخدام الكلمة ، فصار بيته للرب ، هذه الأيام يحتاج خدام الرب لنفوس تُكرِس إمكانياتها لخدمة الرب وخدام الكلمة من أجل إمتداد ملكوت الله ،  ياليت بيوتنا تتحول لكنائس تضيف الغرباء ويُعلن فيها اسم المسيح ، فقد كان فليمون محبوباً من الجميع ودوداً ، وكان مضيفًا للغرباء وطلب منه بولس أن يجهـز لـه مكانًـاللمبيت فى منزله " وَمَعَ هذَا، أَعْدِدْ لِي أَيْضًا مَنْزِلاً، لأَنِّي أَرْجُو أَنَّنِي بِصَلَوَاتِكُمْ سَأُوهَبُ لَكُمْ. (فل ١ : ٢٢)

          ٤ -  أَبْفِيَّةَ Apphia : جاءت باليوناني Ἀπφία  معني اسمها " التعزيز - مثمرة fruitful "  هى زوجة فليمون " وَإِلَى أَبْفِيَّةَ الْمَحْبُوبَةِ، وَأَرْخِبُّسَ الْمُتَجَنِّدِ مَعَنَا، وَإِلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِكَ: (فل ١ : ٢) من الرائع أن الزوجة في حياتها تكون تعزيز دائم لزوجها وتكون في حياتها مثمرة ، فـ أَبْفِيَّةَ إمرأة فاضلة كراعوث الذي شهد لها الجميع " ......  لأَنَّ جَمِيعَ أَبْوَابِ شَعْبِي تَعْلَمُ أَنَّكِ امْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ. (را ٣ : ١١) إن شهادة الجميع لها أهميتها في حياة المرأة الفاضلة التي تعيش برؤيا خدمة الملكوت السماوي وليس الملكوت الزمني ، فالشهادة الجيدة من الأخرين تمنح دفعة للأمام وقوة للإستمرارية  ، فالزجة الفاضلة تساعد الزوج المؤمن ليسير في خدمة الرب بلا توقف وبلا عوائق لأنها مريحة ومتفاهمة وبها يثق قلب زوجها " بِهَا يَثِقُ قَلْبُ زَوْجِهَا فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى غَنِيمَةٍ. (أم ٣١ : ١١) فهي زوجة تمنح ثقة في اسرتها ويبادلها زوجها نفس الثقة ، فهي إمرأة تسير في الحياة لرفعة كل من يتعامل معها ، إمرأة تبتعد عن الغيرة والشك لأنهما يدمران الحياة الزوجية ، إمرأة تتعامل بالمنطق وبالفهم وبالحوار الهادي دون أن تستنذف طاقة من أمامها ، إن الزوجة الفاضلة لا تُقدر بثمن ، إن وجدت شيئ علي زوجها فلتقدِم الحكمة والكلمة الطيبة كنصيحة لا كـ لوم وإدانة لأن الهدف لديها هو إستقامة حياتها الزوجية وأمان زوجها وبناء بيتها .

 

يتكلم الكتاب عن المرأة الفاضلة أنها توضع علي الرأس كالتاج " اَلْمَرْأَةُ الْفَاضِلَةُ تَاجٌ لِبَعْلِهَا. (أم ١٢ : ٤) حتي وإن كان زوجها لا يستحقها ، فقد كانت أبيجايل تاج جميل علي رأس نابال رغم أنه كان أحمق في كل تصرفاته ، ولا يحسب نفقات المستقبل الناتجة من كلمات فمه في الحاضر ، فنابال لا يبالي من نتائج وخيمة قد تحدث له ولعائلته جراء كلمة أطلقها ، فقد كانت ابيجايل المرأة الحكيمة نحو زوجها وبيتها واستطاعت أن تمتص غضب داود وتُثنيه عن فعلته التي نوي أن يفعلها ببيت نابال ، فالمرأة الفاضله ثمنها لا يُقدر بـ مال أو بـ ذهب أو بـ لآلئ  " اِمْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ مَنْ يَجِدُهَا؟ لأَنَّ ثَمَنَهَا يَفُوقُ اللآلِئَ. (أم ٣١ : ١٠) هذه هي أَبْفِيَّةَ وكل إمرأة محبة لكلمة الله وللتعليم ولخدمة الرب وخلاص النفوس وأمينة لبيتها ، أَبْفِيَّةَ لم تكن يوماً عائق في حياة فليمون بل كانت تعزيز ومثمرة .

          ٥ - أَرْخِبُّسَ Archippus  : وباليونانيἌρχιππος  هو ابن فليمون ومعني اسمه " المتسلط على الفرسmaster of the horse "  وهو خادم كنيسة كولوسى وارسل الرسول بولس في رسالته سلام وتشجيع ليستمر في الخدمة ويتممها بلا تراخي أو توقف  " وَقُولُوا لأَرْخِبُّسَ:"انْظُرْ إِلَى الْخِدْمَةِ الَّتِي قَبِلْتَهَا فِي الرَّبِّ لِكَيْ تُتَمِّمَهَا". (كو ٤ : ١٧) من الرائع أن يكون بيت فليمون بيت الخدمة وبيت انتاج مثمر لملكوت الله ، فـ أَرْخِبُّسَ نتاج خدمة بولس الرسول وحياة أبوه فليمون وتعزيز أمه أَبْفِيَّةَ ، أصلي أن يكون في كل بيت إبنا. كـ أَرْخِبُّسَ ، بكل تأكيد كان إبناً مميزاً داخل أسرة مميزة .

تكلم الرسول بولس لـ أَرْخِبُّسَ أن يتمم الخدمة والعمل الإلهي مهما كانت الصعاب التي تواجهه في خدمته ، فالخدام الحقيقيين تواجههم صعاب من الداخل ومن الخارج ، لأن الشر منتشر في كل مكان ، وعندما يدخل كنيسة الله أناس فاسدي الذهن يُتعِبون الأمناء والخدام الشرفاء والأفاضل ، إن أَرْخِبُّسَ رجل أميناً كـ تَرِيفَيْنَا وَتَرِيفُوسَا وبَرْسِيسَ واللذينَّ تعبوا في خدمة الرب وخدمة المؤمنين  " سَلِّمُوا عَلَى تَرِيفَيْنَا وَتَرِيفُوسَا التَّاعِبَتَيْنِ فِي الرَّبِّ. سَلِّمُوا عَلَى بَرْسِيسَ الْمَحْبُوبَةِ الَّتِي تَعِبَتْ كَثِيرًا فِي الرَّبِّ. (رو ١٦ : ١٢) أيضاً يشهد الرسول بولس ليس عن هؤلاء فقط بل أيضاً عن نفسه التي تعبت كثيراً " وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي. (1كو ١٥ : ١٠) فلنتكل علي نعمة الرب حتي وإن كان حولنا أشرار في الخارج أو الداخل فالصبر والإحتمال يقدرهم الرب جداً ، فالرب قدر هذا في ملاك كنيسة أفسس " وَقَدِ احْتَمَلْتَ وَلَكَ صَبْرٌ، وَتَعِبْتَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي وَلَمْ تَكِلَّ. (رؤ ٢ : ٣) فـ لنكون كـ أَرْخِبُّسَ نتمم الخدمة مهما كانت الصعاب .

          ٦ - أُنِسِيمُس Onesimus : وباليوناني Ὀνήσιμος إسم يوناني معناه " نافع - مربح - مفيد - profitable or useful "  وهو كان عبد لـ فليمون ، قبل الإيمان كان سارقاً وغير أميناً ، وبعد الإيمان صار نافعاً ومفيداً ، ويقول التقليد أن أُنِسِيمُس أصبح فيما بعد أسقف بيرية وأنه مات شهيدا ( قاموس الكتاب المقدس ) وقال عنه موقع الانبا تكلا  " وبعد استشهاد القديس بولس قبض عليه حاكم رومية ونفاه إلى إحدى الجزائر فمكث هناك يُعلِّم ويعمِّد أهل الجزيرة، ولما حضر الحاكم إلى تلك الجزيرة ووجده يرشد الناس إلى الإيمان بالسيد المسيح ضربه ضربًا موجعًا ثم كسر ساقيه فتنيح بسلام. " هذا هو انسيمس العبد الذي سرق سيده ، ولكنه بالمسيح صار الرجل الأمين الذي إعتمد عليه الرب ووكله علي خدمة عظيمة ورعاية شعب الرب الي أخر يوم في حياته ولم يهاب الموت.

٧ - أَبَفْرَاسُ Epaphras : اسم يونانيἘπαφρᾶς  وتنطقEpaphras  معناه " الحسن المنظرlovely "  وكان خادما في كنائس كولوسي ولاودكية وهيرابوليس فكان العامل الرئيسي في تأسيس هذه الكنائس ، اطلق عليه الرسول بولس القاباً تدل علي عمق المحبة المتبادلة بينهم ، القاب كـ  - العبد الحبيب ، وهذا معناه أنه متشبه بسيده " اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ. (يو ١٣ : ١٦ ) ولقب أيضاً بـ - خادم أمين للمسيح ، وهذا دليل أنه عظيماً كقول المسيح " فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا، (مت ٢٠ : ٢٦) ولقب أيضا بـ عبد للمسيح ، وهذا دليل علي أنه حُر في دائرة سلوكه ودائرة تعاليمه وليس مستعبداً لشيئ " لأَنَّ مَنْ دُعِيَ فِي الرَّبِّ وَهُوَ عَبْدٌ، فَهُوَ عَتِيقُ الرَّبِّ. كَذلِكَ أَيْضًا الْحُرُّ الْمَدْعُوُّ هُوَ عَبْدٌ لِلْمَسِيحِ. (1كو ٧ : ٢٢) وهو الذي حمل إلى الرسول بولس في السجن أخبارا طيبة عن كنيسة كولوسي (كو ١ : ٧) ، (كو ٤ : ١٢) ، (فل ١ : ٢٣)

٨ - مَرْقُسُ Marcus  : في اليوناني Μάρκος وتنطقMarkos  وتعني المدافع defense ، وهو اسم لاتيني ويعني - مطرقة - ليس واضح هل هو الرسول مرقس أم شخص أخر ، مع العلم أن معظم المفسرين اتفقوا علي أنه مارمرقس الانجيلي لعدة اسباب :

          - أن مرقس نسيب برنابا وكانا معا في خدمة بولس  " يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ أَرِسْتَرْخُسُ الْمَأْسُورُ مَعِي، وَمَرْقُسُ ابْنُ أُخْتِ بَرْنَابَا، الَّذِي أَخَذْتُمْ لأَجْلِهِ وَصَايَا. إِنْ أَتَى إِلَيْكُمْ فَاقْبَلُوهُ. (كو ٤ : ١٠) إن ارتباط برنابا بـ مرقس أمراً في غاية الأهمية لأنهما سيكونان سبب رفعة بعضهما البعض وسبب تشجع كلاً منهما للأخر للإستمرارية في خدمة الرب .

          - أنه رافق بولس في رحلته التبشيرية الأولي هو وبرنابا نسيبه " وَرَجَعَ بَرْنَابَا وَشَاوُلُ مِنْ أُورُشَلِيمَ بَعْدَ مَا كَمَّلاَ الْخِدْمَةَ، وَأَخَذَا مَعَهُمَا يُوحَنَّا الْمُلَقَّبَ مَرْقُسَ. (أع ١٢ : ٢٥) ولكنه لم يُكمل معهم الرحلة " ثُمَّ أَقْلَعَ مِنْ بَافُوسَ بُولُسُ وَمَنْ مَعَهُ وَأَتَوْا إِلَى بَرْجَةِ بَمْفِيلِيَّةَ. وَأَمَّا يُوحَنَّا فَفَارَقَهُمْ وَرَجَعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ. (أع ١٣ : ١٣) وهذا كان سبب الخلاف بين برنابا وبولس لأن. برنابا اراد أن يأخذ مرقس فرفض بولس " ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ قَالَ بُولُسُ لِبَرْنَابَا:"لِنَرْجِعْ وَنَفْتَقِدْ إِخْوَتَنَا فِي كُلِّ مَدِينَةٍ نَادَيْنَا فِيهَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ، كَيْفَ هُمْ".فَأَشَارَ بَرْنَابَا أَنْ يَأْخُذَا مَعَهُمَا أَيْضًا يُوحَنَّا الَّذِي يُدْعَى مَرْقُسَ،وَأَمَّا بُولُسُ فَكَانَ يَسْتَحْسِنُ أَنَّ الَّذِي فَارَقَهُمَا مِنْ بَمْفِيلِيَّةَ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمَا لِلْعَمَلِ، لاَ يَأْخُذَانِهِ مَعَهُمَا.فَحَصَلَ بَيْنَهُمَا مُشَاجَرَةٌ حَتَّى فَارَقَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ. وَبَرْنَابَا أَخَذَ مَرْقُسَ وَسَافَرَ فِي الْبَحْرِ إِلَى قُبْرُسَ. (أع١٥: ٣٦-٣٩) رغم الخلاف الناشيئ بينهما لكنه لم يثنيهما عن الإستمرارية في خدمة الرب ، فبعد ذلك تصالح مع بولس ورافقه إلى رومية " يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ أَرِسْتَرْخُسُ الْمَأْسُورُ مَعِي، وَمَرْقُسُ ابْنُ أُخْتِ بَرْنَابَا، الَّذِي أَخَذْتُمْ لأَجْلِهِ وَصَايَا. إِنْ أَتَى إِلَيْكُمْ فَاقْبَلُوهُ. (كو ٤ : ١٠) و " وَمَرْقُسُ، وَأَرِسْتَرْخُسُ، وَدِيمَاسُ، وَلُوقَا الْعَامِلُونَ مَعِي. (فل ١ : ٢٤ ) لتكن أحبائي خدمة الرب وعمله له الأولوية في حيتنا فتذوب كل فوارق نفسية وكل خلافت فرية ونتحد معاً لخدمة الرب وخلاص النفوس.

٩ - أَرِسْتَرْخُسُ Aristarchus : وفي اليونانيἈρίσταρχος  وتعني أفضل حاكم - the best ruler ، وهو من السبعون تلميذ ، رافق بولس في الرحلة التبشيرية الثالثة ، وذاق من تعب الخدمة كما بولس لأن كان رفيق له " فَامْتَلأَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا اضْطِرَابًا، وَانْدَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى الْمَشْهَدِ خَاطِفِينَ مَعَهُمْ غَايُوسَ وَأَرِسْتَرْخُسَ الْمَكِدُونِيَّيْنِ، رَفِيقَيْ بُولُسَ فِي السَّفَرِ. (أع ١٩ : ٢٩) ، (أع ٢٠ : ٤) ، (أع ٢٧ : ٢) فتعب الخدمة يصير هيناً نظير نفس تخلص وتعرف الرب ، فإلتصاق رجال ببولس علي قلبهم خدمة الرب أمر في غاية الأهمية ، ولا سيما معرفتهم بمخاطر الخدمة التي قد تصل بهم للسجن بل الي الموت والإستشهاد  " يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ أَرِسْتَرْخُسُ الْمَأْسُورُ مَعِي، وَمَرْقُسُ ابْنُ أُخْتِ بَرْنَابَا، الَّذِي أَخَذْتُمْ لأَجْلِهِ وَصَايَا. إِنْ أَتَى إِلَيْكُمْ فَاقْبَلُوهُ. (كو ٤ : ١٠) فالرسول بولس في كل رسائلة تجده يفتخر بكل من حوله وملتصق به " وَمَرْقُسُ، وَأَرِسْتَرْخُسُ، وَدِيمَاسُ، وَلُوقَا الْعَامِلُونَ مَعِي. (فل ١ : ٢٤) فهم فريق الخدمة وفريق العمل الروحي وانتمائهم لبولس وارتباطهم به شديداً لذلك كانت خدمتهم مثمرة ، لذلك أناشد كل مؤمن ألا ينفصل عن من التصق بهم وإرتبط بخدمة معاً ليتمموا ويُكملوا خدمتهم لتثمر لمجد الله.

 ١٠ - َدِيمَاسُ Demas : في اليوناني Δημᾶς، ومعني اسمه حاكم الشعب - governor of the people ، وللأسف لم يكون في كامل المسئولية لإرتباطه بإمور العالم أكثر من إمور الله ، قد كان أحد زملاء بولس في خدمته. وقد أرسل سلامه من رومية إلى الكولوسيين وإلى فِلِيمُونَ " يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ لُوقَا الطَّبِيبُ الْحَبِيبُ، وَدِيمَاسُ. (كو ٤ : ١٤) ، " وَمَرْقُسُ، وَأَرِسْتَرْخُسُ، وَدِيمَاسُ، وَلُوقَا الْعَامِلُونَ مَعِي. (فل ١ : ٢٤) ثم من بعد ذلك هجر الرسول لأنه لم يود أن يحتمل الألم والاضطهاد فذهب إلى تسالونيكي " لأَنَّ دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ وَذَهَبَ إِلَى تَسَالُونِيكِي، وَكِرِيسْكِيسَ إِلَى غَلاَطِيَّةَ، وَتِيطُسَ إِلَى دَلْمَاطِيَّةَ. (2تيمو ٤ : ١٠) إن ديماس لم يترك الإيمان لكنه ترك مسيرته مع الرسول بولس لأنها مليئة بالأخطار والخسائر الزمنية ، فمن يريد ان يسير علي نهج بولس الرسول عليه بيع كل ما هو في دائرة العالم والزمنيات ليعيش في هدمة الرب بكل قوة وبكامل الإستخدام ، ويكون مُهيأ لدفع ثمن الجهاد والخدمة .

 ١١ - وَلُوقَا Lucas  : في اليوناني Λουκᾶς  وتحمل معني عطاء النور  _ light-giving ، لُوقَا اسم لاتيني وهو صديق بولس ورفيقه ولقبه بـ الطَّبِيبُ الْحَبِيبُ " يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ لُوقَا الطَّبِيبُ الْحَبِيبُ، وَدِيمَاسُ. (كو ٤ : ١٤) ووصف أيضاً بـ الْعَامِلِ مَعَنَا " وَمَرْقُسُ، وَأَرِسْتَرْخُسُ، وَدِيمَاسُ، وَلُوقَا الْعَامِلُونَ مَعِي. (فل ١ : ٢٤) وكان رفيق لبولس في كل أحوال الخدمة ونافع كشهادة الرسول بولس عن مرقس الذي طلب من تيموثاوس احضاره معه " لُوقَا وَحْدَهُ مَعِي. خُذْ مَرْقُسَ وَأَحْضِرْهُ مَعَكَ لأَنَّهُ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ. (2تيمو ٤ : ١١) لوقا يُسرد من ضمن فريق الخدمة الإمناء كـ أُورْبَانُوسَ وإِسْتَاخِيسَ (رو ١٦ : ٩) وكـ تِيمُوثَاوُسُ وَلُوكِيُوسُ وَيَاسُونُ وَسُوسِيبَاتْرُسُ انسباء الرسول بولس. (رو ١٦ : ٢١) وكـ أَبَفْرُودِتُسَ الذي وصفه أنه رسول لاهل فيلبي (في ٢ : ٢٥) وكـ فِلِيمُونَ (فل ١ : ١)

إن مجموعة الخدمة المميزة جداً يكونون سبب دافع كبير لخدام الرب ، فكل خادم حوله رجال ونساء أو أسرة منتمين له وأمناء ومساندين فليشكر الرب من أجلهم ويسأل عنهم ويُحافظ عليهم بجواره علي قدر المستطاع ، ولا يتخلي عن أحد بل يدعوا الجميع للمشاركة معه ويعود للسؤال عن من تركه يوماً كما سأل الرسول بولس عن مرقس الذي تركه يوماً ويحاول مع أمثال ديماس لئلا يُبتلع من العالم ، إن المشاركين في خدمتك ومتقبلين صعابها ومتفهمين لطبيعة خدمتك هم شركاء أفاضل وثمنهم يفوق اللالئ .

* قرأة كتابية :

أَشْكُرُ إِلهِي كُلَّ حِينٍ ذَاكِرًا إِيَّاكَ فِي صَلَوَاتِي، سَامِعًا بِمَحَبَّتِكَ، وَالإِيمَانِ الَّذِي لَكَ نَحْوَ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَلِجَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، لِكَيْ تَكُونَ شَرِكَةُ إِيمَانِكَ فَعَّالَةً فِي مَعْرِفَةِ كُلِّ الصَّلاَحِ الَّذِي فِيكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ. لأَنَّ لَنَا فَرَحًا كَثِيرًا وَتَعْزِيَةً بِسَبَبِ مَحَبَّتِكَ، لأَنَّ أَحْشَاءَ الْقِدِّيسِينَ قَدِ اسْتَرَاحَتْ بِكَ أَيُّهَا الأَخُ. ( فل ١ : ٤ - ٧ )

* شَرِكَةُ الإِيمَانَ الفَعَّالَة :

يبدأ الرسول بولس مع فليمون بكلمات المديح والثناء والشكر لله من أجل عدة إمور إيجابية يراها الرسول بولس في حياة فليمون ، المحبة ، الإيمان ذو الإتجاهين نحو الرب يسوع ونحو القديسين التي تنتج ما يُسمي بشركة الإيمان المتمركز علي ركيزة الصلاح ، وهذا يقود من يتعامل مع فليمون للشعور بالفرح والراحة .

كلمة المحبةlove  التي استخدمها الرسول بولس نحو فليمون جاءت في اليوناني ἀγάπη  وتنطق ἀγάπη - أغابي وتعني : الحب الأخوي والمودة وحسن النية والمحبة ، وتستخدم حب العطاء دون انتظار مقابل ، عطاء بنية صالحة ليست مغرضة ، إن الحياة ما بين المؤمنين تحتاج لهذا النوع من الحب ، إن أستخدم هذا النوع من الحب في كنائسنا وبيوتنا وفي جميع علاقاتنا فلن نجد ما يُعكر صفاء حياتنا ، بل ستجد إرتباط قوي بدون مشاكل بين المؤمنين بعضهم ببعض ، إن المحبة التي في قلب فليمون ممزوجة بالإيمان نحو الرب والمؤمنين ، وهذا معناه أنها محبة عاملة.

كلمة الإيمانfaith  التي استخدمها الرسول تأتي في اليوناني πίστις  وتنطق pistis  وتعني الثقة - الإيمان - الإخلاص ، وهذا معناه أن المحبة المرتبطة بالإيمان هي ذو اتجاهين إتجاه ثقة في الرب وثقة في المؤمنين المحيطين بفليمون ، الإيمان يجعل فليمون صاحب رؤيا وهدف نحو من يتعامل معهم بالمحبة ، فهدف تقديم المحبة هو مجد الرب وامتدا ملكوته ، لذلك يقول الرسول له " وَالإِيمَانِ الَّذِي لَكَ نَحْوَ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَلِجَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ "  أي الثقة والإخلاص نحو الرب والمؤمنين امتياز تمتاز به أيها الأخ فليمون ، فالإيمان نحو الرب يسوع مرتبط برسالة الإنجيل في خلاص النفوس ، والإيمان نحو الْقِدِّيسِينَ مرتبط بهدف رفعة من يتعامل معهم وهذا يقودنا الي مصطلح مهم جدا وهو : " شَرِكَةُ الإِيمَانَ الفَعَّالَة "

شَرِكَةُ الإِيمَانَ الفَعَّالَة communication of thy faith جاءت في اليوناني κοινωνία  وتنطقkoinōnia  وتعني اتصالات - مجتمع ، أي أن إتصالات الإيمان الفعالة أو مجتمع الإيمان الفعال هذا يصنعه فليمون في عاقاته مع من حوله ، فالمؤمن القريب من الحق الكتابي وله حياة الملء بالروح يستطيع ان يصنع شركة إيمان فعالة مع المحيطين به ، أي أنه لا يُعثِر ولا يتعثر ، بل قادر علي احتضان نفوس أمثال أُنِسِيمُس ، أما المؤمنين اللذين هم في دائرة عدم الملء تراهم نفسانيون في تعاملاتهم يقبلون نفوس دون نفوس ويتفاعلون مع من هم مُريحين لهم فقط ، وينفرون من هم بغير المستوي ، إن فليمون رجلاً حكيماً مؤمناً حقيقياً قدر أن يقدم محبة أغابي وإيمان عمل لدرجة الشركة الفعالة بهدف ربح النفوس وامتداد ملكوت الرب ، هذه الشركة الفعالة متمركزة علي ركيزة الصلاح

كلمة الصلاح the acknowledging  تترجم الإعتراف ، وجاءت في اليوناني ἐπίγνωσις  وتنطقepignōsis  وتعني الإعتراف ، فتصير الأية هكذا "  لِكَيْ تَكُونَ شَرِكَةُ إِيمَانِكَ فَعَّالَةً فِي مَعْرِفَةِ كُلِّ ٱلصَّلَاح (  الإعتراف المبني علي المعرفة  )  ٱلَّذِي فِيكُمْ لِأَجْلِ ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ. " وهذا يعني أن شركة الإيمان تُبني في دائرة الإعتراف بالمسيح وبكل الإيمانيات التي يصنع من خلالها فليمون علاقاته وتواصله في شركة الإيمان ، فتواصلنا معاً يجب ان يُبني علي ايماننا بالمسيح وبمبادئه الكتابية هذا هو " مَعْرِفَةِ كُلِّ ٱلصَّلَاح " العلاقات لا يجب ان تُبني علي كل ما هو نفسي بل علي كل ما هو روحي في المسيح من خلال المبادئ الكتابية والإيمانية فتظهر المحبة اغابي والإيمان اي الثقة والإخلاص بكل التواصل الفعال المعترف به في إيمانياتنا بيسوع المسيح ومبادئه وتعاليمه ، وهذا يقود المؤمنين الي الفرح وأحشاء مستريحة

كلمة فرحjoy  جاءت في اليونانيχάρις  وتنطق charis وتعني نعمةgrace ، فتكون الأية هكذا " لأَنَّ لَنَا فَرَحًا ( نعمة )  كَثِيرًا وَتَعْزِيَةً بِسَبَبِ مَحَبَّتِكَ، " فالمحبة والإيمان الاخلاص وشركة الايمان والصلاح يعملون من خلال النعمة التي يراها كل من يتعامل مع فليمون ، التي تقود الي راحة داخلية لجميع المؤمنين المحيطين بفليمون " لأَنَّ أَحْشَاءَ الْقِدِّيسِينَ قَدِ اسْتَرَاحَتْ بِكَ أَيُّهَا الأَخُ. (فل ١ : ٧) وكلمة استراحتsaints  تاتي بمعني انتعشت ، وجاءت في اليوناني ἀναπαύω  وتنطق anapauō  وتعني راحة - هدوء ، فلن يستريح احشاء المؤمنين نحونا بدون النعمة ولن ننال نعمة بدون إيمان حقيقي بالمسيح وبتعاليمه ، فالسؤال هل أنت سبب راحة لمن حولك أم سبب انزعاج ؟ اترك اجابة السؤال لك

* قرأة كتابية :

لِذلِكَ، وَإِنْ كَانَ لِي بِالْمَسِيحِ ثِقَةٌ كَثِيرَةٌ أَنْ آمُرَكَ بِمَا يَلِيقُ،مِنْ أَجْلِ الْمَحَبَّةِ، أَطْلُبُ بِالْحَرِيِّ­ إِذْ أَنَا إِنْسَانٌ هكَذَا نَظِيرُ بُولُسَ الشَّيْخِ، وَالآنَ أَسِيرُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَيْضًا ­أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي،الَّذِي كَانَ قَبْلاً غَيْرَ نَافِعٍ لَكَ، وَلكِنَّهُ الآنَ نَافِعٌ لَكَ وَلِي،الَّذِي رَدَدْتُهُ. فَاقْبَلْهُ، الَّذِي هُوَ أَحْشَائِي. (فل١: ٨-١٢)

* الأوامر في حدود المقام الروحي :

عندما يصل مؤمن لمقام روحي في الرب يصير نحو من حوله قيمة روحية يُسمع لها  ، فكل ما يّصدُر منه يصير مقبولاً ، لأن المُقيم داخل المقام الروحي يحمل في جوانبه تعاليم ، وكل من حوله يصيروا كيانات روحية قادرة علي التأثير الفعال في كل مّن حولهم ، بالإضافة الي أنه عندما يكون لهذا المؤمن مقام إجتماعي كـ شيخ كبير في السن ، أو صاحب حكمة كـ مشير أو مُعلِم تجد لكلماته واقع فعال في جميع من يؤمنون به ، فقد كان الرسول بولس صاحب هذا المقام في حياة فليمون ، فهو رسول يسوع المسيح ، وشيخاً ، وأسير ( سجين ) يسوع المسيح ، ومُعلم ، وآب روحي لفليمون وزوجته أَبْفِيَّةَ وإبنه أَرْخِبُّسَ ، ولذلك رأي أن له الحق الروحي في ان يُصدِر أوامر تمنح فرص روحية لفليمون ولأُنِسِيمُس العبد لذلك كتب يقول له " لِذلِكَ، وَإِنْ كَانَ لِي بِالْمَسِيحِ ثِقَةٌ كَثِيرَةٌ أَنْ آمُرَكَ بِمَا يَلِيقُ،مِنْ أَجْلِ الْمَحَبَّةِ، أَطْلُبُ بِالْحَرِيِّ­ إِذْ أَنَا إِنْسَانٌ هكَذَا نَظِيرُ بُولُسَ الشَّيْخِ، وَالآنَ أَسِيرُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَيْضًا " فالأوامر التي تصدر من الأباء الروحيين يجب أن تكون فيما يليق ، بمعني أنها لا تُلغي شخصية المتلقي ، ولا يكون أوامر  تحت تهديد بالحرمان والشلح والطرد ، بل تكون أوامر لصالح المتلقي وترك له كامل الحرية في الطاعة بالقبول أو الرفض دون خوف .

كلمة يَلِيقconvenient  وتترجم مناسب ، فالأمر يجب أن يكون مناسب للمتلقي ومريح ومتاح ، فالأوامر المزعجة دائماً تصنع انشقاق وإنقسام ، لذلك الرسول بولس قدم لفليمون الأمر بطريقة مريحة ومناسبة ، فالكلمة جاءت في اليوناني ἀνήκω وتنطقanēkō  وتعني مناسب - مريح - لائق ، اي أنه في التنفيذ يكون لك كامل الحرية بقبول الأمر أو رفضه ، يارجال الله الأفاضل ياكهنة العلي يخدام الرب أيها الأباء الروحيين ليكون لكم الرسول بولس قدوة ولا تصدرون أوامر تكون ثقلاً علي شعب الرب ،بل ترفقوا بهم وليكن كلامكم مملحاً وصالحاً ومناسباً .

الطلب الذي قدمه الرسول بولس يخص رجل كان يعمل عبداً وصار سارقاً وهارباً من وجه سيده فليمون ، أُنِسِيمُسَ تقابل مع الرسول بولس وتغير من أُنِسِيمُسَ العبد السارق الي أُنِسِيمُسَ الأخ النافع ، صار أُنِسِيمُسَ أخاً يفتخر به بولس الرسول ويُطلق عليه لقب إبناً مولوداً " وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي " ويطلق عليه لقبا أخر " هُوَ أَحْشَائِي " فصار أُنِسِيمُسَ الرجل الذي يملأ قلب وكيان بولس الرسول ، إن الطلب والأمر يخص الجانب الروحي ، فهو يكمن في حياة الغفران الذي يملأ قلب فليمون تجاه أُنِسِيمُس " أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي،الَّذِي كَانَ قَبْلاً غَيْرَ نَافِعٍ لَكَ، وَلكِنَّهُ الآنَ نَافِعٌ لَكَ وَلِي،الَّذِي رَدَدْتُهُ. فَاقْبَلْهُ، الَّذِي هُوَ أَحْشَائِي." هل نستطيع اليوم أن نقبل بعضنا بعضاً ولا ننظر لماضي غفره المسيح بدمه ؟ هل نستطيع أن نعطي فرصة أخري لكل من أساء في حقنا ؟ فقد كان طلب الرسول بولس من فليمون أن يقبل رجلاً عبداً سارقاً هارباً ليس كـ هكذا ، بل كإبناً لله وأخاً نافعاً لفليمون وللرسول بولس ولخدمة العلي ، تغير أُنِسِيمُسَ وصار خادماً ومات شهيداً من أجل كلمة الله " ويقول التقليد أن أُنِسِيمُس أصبح فيما بعد أسقف بيرية وأنه مات شهيدا ( قاموس الكتاب المقدس ) " فصار نافعاً لأخر يوم في حياته ، عاش أميناً حراً خادماً محباً لعمل الله ، ويرجع الفضل للرب الذي حرك الرسول بولس نحو أُنِسِيمُس ، وحرك فليمون ليغفر ويتبنياه ليُخرج منه رجلاً يُعتمد عليه .

* قرأة كتابية :

الَّذِي كُنْتُ أَشَاءُ أَنْ أُمْسِكَهُ عِنْدِي لِكَيْ يَخْدِمَنِي عِوَضًا عَنْكَ فِي قُيُودِ الإِنْجِيلِ ،وَلكِنْ بِدُونِ رَأْيِكَ لَمْ أُرِدْ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا، لِكَيْ لاَ يَكُونَ خَيْرُكَ كَأَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الاضْطِرَارِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الاخْتِيَارِ. (فل١: ١٣-١٤)

* المؤمن البسيط والفُرس المتاحة في خدمة الرب،:

عندما يؤمن شخص بسيط يكون فرصة كبيرة لخدمة الرب لأنه كلما كانت الحياة بسيطة كلما كان الإرتباط بالأشياء وبالممتلكات وبالمراكز غير متوفر ، وبالتالي يسهل علي الإنسان خدمة الرب ، فالتعلق بالحياة الدنيا ومباهجها يُعيق المسيرة الإلهية والعمل الإلهي وخدمة الرب ، فالأمر ليس بحسب الإمكانيات بل بحسب الدافع والرؤيا والهدف ، فقد تكون الرؤيا عالية وعظيمة ولكن الإمكانيات ضعيفة ، فلا تتذمر ، فقط اخدم بما هو متاح كما كان يخدم الرسول بولس  ، فقد كان يخدم بلا إمكانيات ونجحت خدمته ، فتقديرات الرب لا يقيسها بحسب إمكانياتك بل بحسب أمانتك ، فقد كان للمسيح رؤيا بناء كنيسته ولم يراها تتحفق إثناء وجوده علي الأرض ولكنها بُنيت وصار لها وجود وسُمع صوتها في كل المسكونة ، هكذا اخدم فقط علي لا علي قدر الرؤيا فتُصدم بل اخدم الرؤيا علي قدر الإمكانيات ، وأترك للرب تحقيقها وتتميمها كما يري .

استطاع الرسول بولس خدمة الرب بكامل قوته ، فقد فرغ نفسه بالكامل لخدمة الرب فلا يخاف علي سلطة زمنية أو سلطة كنسية ، فليس له كرسي ديني يخاف زواله وليس له مبني أو هيئة ومراكز يخاف خسارتها ، ولم يكون عضواً بلجنة تنفيذية بكنيسة أو رئيس هيئة أو مؤسسة ، فقد كان متفرغ تماماً لخدمة الرب ، هكذا صار أُنِسِيمُسَ بعد أن قبل الرب ، ليس له شيئ يخاف عليه لذلك قال لـ فليون " كُنْتُ أَشَاءُ أَنْ أُمْسِكَهُ عِنْدِي لِكَيْ يَخْدِمَنِي عِوَضًا عَنْكَ فِي قُيُودِ الإِنْجِيلِ " يرافق بولس لأنهما متشابهان في التفرغ التام لخدمة الرب وليس لهم ارتباطات أو حتي تعاقدات في عمل أو تجارة ما ، فكون المؤمن مرتبط بعمل أو تجارة أو أمرٍ ما ليس خطية أو شر ، ولكن لن تكون تحركاته بحرية كاملة بل ستكون بحسب التقدير النفسي والإجتماعي للإرتباطات والتعاملات الحياتية ، فعلي سبيل المثال ، فليمون مرتبط بمكان وبيت واسرة وعمل وعبيد و... وعلي الرغم فاتح بيته كنيسة ،وهذا يضعه تحت مسائلة من القانون في ذلك الوقت ، وعلي الرغم لم يبالي بل استمر في خدمة الرب علي قدر المستطاع هو وأَبْفِيَّةَ وأَرْخِبُّسَ ، ولكنهم ليسو كـ بولس ولن يكونوا كـ أُنِسِيمُسَ الذي رجع لبيت فليمون مؤمناً بل وخادماً أميناً ،وأيضا. لن يكون ديماس كـ أُنِسِيمُسَ أو كـ بولس ، فـ ديماس " أحب العالم الحاضر " أي أنه ارتبط بـ أسرة أو بـ مركز أو عمل او ..... إنشغل بإموره الحاضرة وإهتم بها أكثر من خدمة الرب ، فترك خدمته مع الرسول بولس واكتفي بخدمة الرب علي قدر المستوي الإجتماعي المتاح

أبدي الرسول بولس إهتمامه بأن يحتفظ بـ أُنِسِيمُسَ ولكن بعد موافقة فليمون في حالة التخلي عنه " وَلكِنْ بِدُونِ رَأْيِكَ لَمْ أُرِدْ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا " إن إحترام المبادئ والقيم والتقدير بين المؤمنين بعضهم لبعض من أهم لغة التواصل ، بالإضافة إلي الشعور الرائع لدي أُنِسِيمُسَ بأن يوجد من يهتم به وبمستقبله ليُصلِح ما قد فُسِد ، فإهتمام الرسول بولس بـ أُنِسِيمُسَ يمنح الثبات له ليظل في دائرة الإيمان حتي أن صار خادم كنيسة بيرية ، فالإهتمام بالمؤمنبن يمنح الثبات ، فقد كان إهتمام الرسول بولس بزيارة المؤمنين هي لثباتهم " لأَنِّي مُشْتَاقٌ أَنْ أَرَاكُمْ، لِكَيْ أَمْنَحَكُمْ هِبَةً رُوحِيَّةً لِثَبَاتِكُمْ، (رو ١ : ١١) بكل تأكيد الزيارات الروحية بعضنا لبعض ليس من أجل الحوارات السياسية أو الإجتماعية أو من أجل النقاشات الغير بناءه بل يكون أساس حوارها المسيح وكلمته المقدسىة ليُحدث ثباتاً روحياً " فَأَنْتُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ قَدْ سَبَقْتُمْ فَعَرَفْتُمُ، احْتَرِسُوا مِنْ أَنْ تَنْقَادُوا بِضَلاَلِ الأَرْدِيَاءِ، فَتَسْقُطُوا مِنْ ثَبَاتِكُمْ. (2بط ٣ : ١٧) الإنقياد وراء مشورة حمقاء بعيدة عن مشيئة الرب تقود المؤمن لطريق بعيد عن عمل الرب والإكتفاء بخدمة الرب داخل الوسط الإجتماعي المتاح ، إن احترام الأخرين وعدم التعدي علي حقوقهم وعندما نكون أصحاب رأي ومشورة وفكر ، لا يجب أن نُصدر أوامر نعادي بها من لم يخضع لنا ، بل نضع تعليماتنا وارشداتنا كرأي حتي وإن كان في صيغة الأمر ونترك للأخر حرية الإختيار ، هذا هو الإسلوب والطريقة التي تعامل بها الرسل بولس مع فليمون  " لِكَيْ لاَ يَكُونَ خَيْرُكَ كَأَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الاضْطِرَارِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الاخْتِيَارِ " ياخدام الرب ... يا أساقفة الخدمة .... ياكهنة العلي .... يا.... كل من يعتلي خدمة قيادية وله من النفوس لرعايتهم ، لا تُصدِروا قوانين وأحكام وأوامر ثقيلة علي كاهل شعب الرب لئلا يتعثروا في الطريق ، بل ليكن الرسول بولس قدوة لكم من أجل ثبات المؤمنين وربح النفوس .

* قرأة كتابية :

لأَنَّهُ رُبَّمَا لأَجْلِ هذَا افْتَرَقَ عَنْكَ إِلَى سَاعَةٍ، لِكَيْ يَكُونَ لَكَ إِلَى الأَبَدِ،لاَ كَعَبْدٍ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ أَفْضَلَ مِنْ عَبْدٍ: أَخًا مَحْبُوبًا، وَلاَ سِيَّمَا إِلَيَّ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ إِلَيْكَ فِي الْجَسَدِ وَالرَّبِّ جَمِيعًا!فَإِنْ كُنْتَ تَحْسِبُنِي شَرِيكًا، فَاقْبَلْهُ نَظِيرِي. (فل١: ١٥-١٧)

* روح الحرية والإحساس بالعبودية :

إفترق أُنِسِيمُسَ عن فليون من أجل حفنة من المال أو قطعة ذهب أو .....الخ. وظن أن بهروبة سيكون في حرية من قيد عبوديته ،ولكن السرقة جعلته أكثر عبودية ولم يذق طعم الحرية ، إلا عندما تقابل مع المسيح فتغيرت حياته وصار أخاً محبوباً " لاَ كَعَبْدٍ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ أَفْضَلَ مِنْ عَبْدٍ: أَخًا مَحْبُوبًا " صار هكذا في عين الرب والرسول بولس وصار فليمون في دعوة لذلك " فَكَمْ بِالْحَرِيِّ إِلَيْكَ فِي الْجَسَدِ وَالرَّبِّ جَمِيعًا! " أُنِسِيمُسَ تحولت حياته تغيرت ١٨٠ درجة فصار حراً وخادماً أميناً.

العبودية إحساس مرير يظل الشخص عبد الي نهاية العُمر أو الي أن يرحمه سيده ويطلقه ، فقد كان لتجارة الرقيق وجود بقوة قبل الميلاد حتي أوائل القرن التاسع عشر  ، ففي العهد القديم أيام أبونا إبراهيم كانت تجارة العبيد لها وجود فقد كان له عبيد تم إهداءه من مصر  " فَصَنَعَ إِلَى أَبْرَامَ خَيْرًا بِسَبَبِهَا، وَصَارَ لَهُ غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَعَبِيدٌ وَإِمَاءٌ وَأُتُنٌ وَجِمَالٌ. (تك ١٢ : ١٦) وهكذا صنع معه ابيمالك " فَأَخَذَ أَبِيمَالِكُ غَنَمًا وَبَقَرًا وَعَبِيدًا وَإِمَاءً وَأَعْطَاهَا لإِبْرَاهِيمَ، وَرَدَّ إِلَيْهِ سَارَةَ امْرَأَتَهُ. (تك ٢٠ : ١٤) المقصود هنا أن تجارة العبيد كانت متاحة فكانوا موجودين بمصر وفي منطقة العراق لأبيمالك في مدينته جرار ، وهكذا أيضا كان لإسحق ابنه عبيد لدرجة أن الْفِلِسْطِينِيُّونَ حسدوه " فَتَعَاظَمَ الرَّجُلُ وَكَانَ يَتَزَايَدُ فِي التَّعَاظُمِ حَتَّى صَارَ عَظِيمًا جِدًّا.فَكَانَ لَهُ مَوَاشٍ مِنَ الْغَنَمِ وَمَوَاشٍ مِنَ الْبَقَرِ وَعَبِيدٌ كَثِيرُونَ. فَحَسَدَهُ الْفِلِسْطِينِيُّونَ. (تك٢٦: ١٣-١٤)

كانت لتجارة العبيد سوق ونظام مُتبع عالمياً وكأي تجارة يحدث فيها السرقة والتعدي علي حقوق الغير ، فقد تعدي إخوة يوسف علي يوسف فسرقوه وباعوه عبداً " فَقَالَ يَهُوذَا لإِخْوَتِهِ: "مَا الْفَائِدَةُ أَنْ نَقْتُلَ أَخَانَا وَنُخْفِيَ دَمَهُ؟تَعَالَوْا فَنَبِيعَهُ لِلإِسْمَاعِيلِيِّينَ، وَلاَ تَكُنْ أَيْدِينَا عَلَيْهِ لأَنَّهُ أَخُونَا وَلَحْمُنَا". فَسَمِعَ لَهُ إِخْوَتُهُ.وَاجْتَازَ رِجَالٌ مِدْيَانِيُّونَ تُجَّارٌ، فَسَحَبُوا يُوسُفَ وَأَصْعَدُوهُ مِنَ الْبِئْرِ، وَبَاعُوا يُوسُفَ لِلإِسْمَاعِيلِيِّينَ بِعِشْرِينَ مِنَ الْفِضَّةِ. فَأَتَوْا بِيُوسُفَ إِلَى مِصْرَ. (تك٣٧: ٢٦-٢٨) وبيع مرة أخري من الْمِدْيَانِيُّونَ الي مِصْرَ " وَأَمَّا الْمِدْيَانِيُّونَ فَبَاعُوهُ فِي مِصْرَ لِفُوطِيفَارَ خَصِيِّ فِرْعَوْنَ، رَئِيسِ الشُّرَطِ. (تك ٣٧ : ٣٦) فالعبد بكل تأكيد كان حراً قبل أن يُباع عبداً أو إبن لأب سُرق وصار عبداً وبالتالي يصير إبن العبد عبداً ويظل عبداً ليوم الفكاك ، كان العبيد يُستخدّمون في إثراء أسيادهم ، فيُستغَلوا في الزراعة وفي حفر الأبار وغيرها من الأعمال " فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا وَدَعَا بِاسْمِ الرَّبِّ. وَنَصَبَ هُنَاكَ خَيْمَتَهُ، وَحَفَرَ هُنَاكَ عَبِيدُ إِسْحَاقَ بِئْرًا. (تك ٢٦ : ٢٥) هكذا كان حال العبيد ، فالعبد مثله مثل أي ممتلكات سيده ليس له ميراث ولا إمتلاك وليس له حق العمل بأجر ، وعندما يقتله سيده لا يؤخذ بحقه فهو عاش عبد ومات عبد .

اوصي الرسول بولس فليمون من أجل أُنِسِيمُسَ أن لا يكون عبداً فيما بعد بل أخاً محبوباً اليس في هذا عمل للنعمة أن يُعطي الرب نعمة للعبد في عّين سيده ليعامله معاملة الأحرار وليس العبيد  ، هكذا كان حال كل بعيد عن المسيح ، فقد كنا عبيد للخطية ولإبليس ولكن بإيماننا بالمسيح تم فكاكنا وإطلاق أنفسنا لنصير أحرار  " فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا. (يو ٨ : ٣٦) إن الرب منذ القديم لا يُشجع تجارة العبيد بل فك نيرهم واطلاقهم أحرار ، وهذا العمل ينال من الرب أجر الصوم ونتيجته "  أَلَيْسَ هذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ. (إش ٥٨ : ٦) ففك نير العبودية من العبيد مهمة روحية تنال رضي الرب ، ولا يرتضي أنه بعد فك نير العبودية من نفس يعود سيدها بإسترجاعها مرة اخري ، فقد كان هذا الفعل ينال من الرب عدم الرضي ويُسبب لهذا السيد أمراض وأوبئة لأنه بعد أن تم استدعاء روح الفكاك والحرية يتم استدعاء روح العبودية وإزلال النفس " أَنْ يُطْلِقَ كُلُّ وَاحِدٍ عَبْدَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ أَمَتَهُ الْعِبْرَانِيَّ وَالْعِبْرَانِيَّةَ حُرَّيْنِ، حَتَّى لاَ يَسْتَعْبِدَهُمَا، أَيْ أَخَوَيْهِ الْيَهُودِيَّيْنِ، أَحَدٌ.وَلكِنَّهُمْ عَادُوا بَعْدَ ذلِكَ فَأَرْجَعُوا الْعَبِيدَ وَالإِمَاءَ الَّذِينَ أَطْلَقُوهُمْ أَحْرَارًا، وَأَخْضَعُوهُمْ عَبِيدًا وَإِمَاءً.ثُمَّ عُدْتُمْ وَدَنَّسْتُمُ اسْمِي وَأَرْجَعْتُمْ كُلُّ وَاحِدٍ عَبْدَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَمَتَهُ الَّذِينَ أَطْلَقْتُمُوهُمْ أَحْرَارًا لأَنْفُسِهِمْ، وَأَخْضَعْتُمُوهُمْ لِيَكُونُوا لَكُمْ عَبِيدًا وَإِمَاءً.لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: أَنْتُمْ لَمْ تَسْمَعُوا لِي لِتُنَادُوا بِالْعِتْقِ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى أَخِيهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ إِلَى صَاحِبِهِ. هأَنَذَا أُنَادِي لَكُمْ بِالْعِتْقِ، يَقُولُ الرَّبُّ، لِلسَّيْفِ وَالْوَبَإِ وَالْجُوعِ، وَأَجْعَلُكُمْ قَلَقًا لِكُلِّ مَمَالِكِ الأَرْضِ. (إر٣٤: ٩، ١١، ١٦-١٧) ففكرة أن يصير الخر عبداً فكرة ليست مقبولة لدي الرب ، فتجارة العبيد كان أمراً ليس بحسب فكر الله ، ولم يخلق الرب الإنسان ليكون عبداً ولو لساعة واحده ، فهو قد خلقه حراً ، ولكن بسبب الفكر الشرير والقلب النجيس للإنسان  يصير تحت نير العبودية ، وهذا يحتاج لروح المسبح لينال من الرب الحرية الكاملة ، فمن يعرف المسبح لن يكون عبدا ولا يرتضي أن يستخدم أخيه ليكون عبداً له ، فمن ذاق طعم روح الحرية الحقيقية في المسيح لن يريد روح العبودية لغيره .

* قرأة كتابية :

فَإِنْ كُنْتَ تَحْسِبُنِي شَرِيكًا، فَاقْبَلْهُ نَظِيرِي. ثُمَّ إِنْ كَانَ قَدْ ظَلَمَكَ بِشَيْءٍ، أَوْ لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاحْسِبْ ذلِكَ عَلَيَّ.أَنَا بُولُسَ كَتَبْتُ بِيَدِي: أَنَا أُوفِي. حَتَّى لاَ أَقُولُ لَكَ إِنَّكَ مَدْيُونٌ لِي بِنَفْسِكَ أَيْضًا. (فل١: ١٧-١٩)

* الظلم والدّين أبواب للهدم : 

يضع الرسول بولس معادلة ترابط روحي أمام فليمون ، أنه كما أن بولس الرسول + فليمون واسرته + أخرين  = ترابط في مشيئة الهية لخدمة الرب وامتداد ملكوته ، يلزم فليمون بقبول أُنِسِيمُسَ " فَإِنْ كُنْتَ تَحْسِبُنِي شَرِيكًا، فَاقْبَلْهُ نَظِيرِي. " اما عن الفوارق الاجتماعية فقد تلاشت في المسيح فلن يكون العبد عبداً بعد ولن يعامل معاملة العبيد ، فالعبد صار أخاً محبوباً ، وديونه يحملها أحباءه في المسيح " ثُمَّ إِنْ كَانَ قَدْ ظَلَمَكَ بِشَيْءٍ، أَوْ لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاحْسِبْ ذلِكَ عَلَيَّ.أَنَا بُولُسَ كَتَبْتُ بِيَدِي: أَنَا أُوفِي. " هل يوجد اليوم هذه الروح ان نري من هو مديون من إخوتنا ونضع أنفسنا مكانه ونعمل علي تسديد أعوازه ، إننا نحتاج لروح المسيح التي في بولس ، إن الرسول بولس بكلمته هذه يُعالج أُنِسِيمُس من الاحساس بالخجل ويعالجَ فليمون من الإحساس بالظلم ، وهذه هي المعادلة أن يُحسب فليمون وأُنِسِيمُس في شراكة وترابط روحي بعضهم ببعض ويعملون من أجل إستمرارية هذه العلاقة كي تستمر خدمة الرب بينهم، واقول بدون خجل لأن هذا تعليم يحب أن يُعرف وسط شعب الرب ، هل يوجد من يُدعم خدام الرب من أجل استمرارية انتشار كلمة الله التي في فمهم ؟ هل يوجد من يُضحي لبناء كنيسة او اجتماع ؟ نحتاج في مثل هذه الأيام لنفوس شركاء كـ فليمون مع بولس .

الإحساس بالظلم من اصعب الألام النفسية التي تنتاب الإنسان ، ولذك لا يجب أن يستسلم لها الإنسان ، فـ أُنِسِيمُسَ بسرقته لفليمون ظلمه ، وقد أدرك السول بولس هذا فقال له " إِنْ كَانَ قَدْ ظَلَمَكَ بِشَيْءٍ، أَوْ لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاحْسِبْ ذلِكَ عَلَيَّ.أَنَا بُولُسَ كَتَبْتُ بِيَدِي: أَنَا أُوفِي " هذا الشغور يولد رغبة بالانتقام أو رغبة بالرحيل والابتعاد ، فهل كان فليمون يشعر بهذا ربما ، فقد دَّخَل أُنِسِيمُسَ الحبس وتقابل مع بولس الرسول فتغيىر وصار ابناً لله " أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي، (فل ١ : ١٠) إن الشعور بالظلم يدفع الإنسان للإنتقام أو البحث عن الحق المسلوب وهذا حق ، فالشعور بالظلم يجعل الأنسان يشعر بالعجز والألم ولا سيما عندما يكون الظالم حبيب او قريب ، لم يفرق الأمر تجاه أُنِسِيمُسَ لدي فليمون فهو مجرد عبد ، ولكن بعد ان تعرف أُنِسِيمُسَ بالرب صار الوضع مختلف .

كلمة ظَلَمَكَ wronged جاءت في اليونانيἀδικέω  وتنطق adikeō أديكيو وتعني ظلم - خطيئة ، وتستخدم لمن تصرف تصرف شرير تجاه أخرين ، يقف الرسول بولس موقف المحامي المدافع عن أُنِسِيمُسَ ليُقبل من جديد لدي فليمون ليس كعبد بل كأخ ، ويقبل الرسول بولس أن يكون مُسدد كل دّين ليرفع عن أُنِسِيمُسَ وعن فليمون كل حرج ، فالدّين حُسب علي بولس ، هذا يذكرنا بـ الرب يسوع الذي رفع الحرج عنا بموته علي الصليب ودفع الدّين عنا " إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ. (رو ٨ : ١) فالمؤمنين لا يوجد عليهم دين لذلك عليهم السلوك لمجد الرب باقي أيام حياتهم ، لأنهم كـ أُنِسِيمُسَ الذي ابعد عن فليون ولكن بسبب بولس حصل أُنِسِيمُسَ علي مستوي الإقتراب لـ فليمون ، وهذا ما صرنا فيه بالمسيح ،فقد كنا بعيدين عن الآب صرنا قريين بدفع الدن عنا بدم المسيح " وَلكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً بَعِيدِينَ، صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ. (أف ٢ : ١٣) كنا قبل الإيمان في دائرة الظلم ، وكان علينا حكُم قضائي بالموت ولكن الرب بدم نفسه دفع الدين عنا ووفي ما علينا من ديون وصرنا في المسيح  احباء  " لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي. (يو ١٥ : ١٥) فقد تغير حالنا وواقعنا السماوي كما تغير حال وواقع أُنِسِيمُسَ بعد الإيمان ، فقول الرسول بولس " أَنَا أُوفِي I do  " أي أفعل وجاءت في اليونانيλέγω  وتنطقlegō  ليجو وتعني أقول ، وبها تأكيد علي أن كلمته مؤكدة في تسديد الدين 

قال بولس الرسول لـ فليمون " إِنَّكَ مَدْيُونٌ لِي بِنَفْسِكَ أَيْضًا " وهنا نري دائرة العشم الروحي ما بين بولس وفليمون ، فـ فليون مديون بنفسه لبولس ، لأن فليمون أمن بالرب علي يد بولس ، وهذا ليس معايرة أو تعالي بل لغة تواصل بين إثنين أحباء يخدمون معا الرب ويخدمون بعضهم البعض ، فليس عجب في أن يُصرِح الرسول بولس أن فليمون مديون بنفسه للرسول ، ولذلك طلب مسامحة أُنِسِيمُسَ أمر في غاية السهولة والأهمية لأنه يُظهِر مقدار المحبة والإرتباط الروحي بينهم ، هكذا أحباء الرب نحن مديونون للرب بحياتنا لأننا وُلدنا ثانيةً بعمل المسيح الكفاري ، ولذلك أمر غفراننا ومسامحتا بعضنا لبعض واجب روحي وليس فضل بعضنا علي بعض ، فالفضل كله صنعه المسيح من أجلنا علي الصليب ، لذلك لنغفر دون أن نُشعِر الأخرين بأننا صنعنا فيهم جميلة وفضل ليس لهم حق فيه ، حتي وإن كان كذلك فالفضل قد دفعه قبلاً الرب .

* قرأة كتابية :

نَعَمْ أَيُّهَا الأَخُ، لِيَكُنْ لِي فَرَحٌ بِكَ فِي الرَّبِّ. أَرِحْ أَحْشَائِي فِي الرَّبِّ.إِذْ أَنَا وَاثِقٌ بِإِطَاعَتِكَ، كَتَبْتُ إِلَيْكَ، عَالِمًا أَنَّكَ تَفْعَلُ أَيْضًا أَكْثَرَ مِمَّا أَقُولُ. (فل١: ٢٠-٢١)

المؤمنين بعضهم لبعض يصدرون طاقة من الفرح والمتعة وحالة من التميز في دائرة الروح " لِيَكُنْ لِي فَرَحٌ بِكَ فِي الرَّب " فوجود المؤمنين بنفس واحدة في الإجتماع أو في لقاء روحي يمنح طاقة إيجابية من المتعة والتميز والفرح ، هكذا ترجمة كلمة فرح في اليوناني ,  كلمة ليكن لي فرح have joy :  جاءت في اللغة اليوناني ὀνίνημι  وتنطق oninēmi وتعني متعة - ميزة - فرح ،  فارتباطنا كمؤمنين ببعض في الرب يمنح للنفس فرح مقدس ومتعة مقدسة ، تجعل المؤمنين مُطيعين بعضهم لبعض ويعملون من أجل إسعاد الكل دون ملل وبلا تراخي ، لذلك يطلب الرسول بولس من فليمون قائلاً " أَرِحْ أَحْشَائِي فِي الرَّبِّ " كلمة " أَرِحْrefresh  أَحْشَائِي " أي إنعيش أَحْشَائِي. وجاءت في اليوناني ἀναπαύω وتنطقanapauō  وتعني ارح ماتبقي ، فمن دوائر المتعة الروحية أن تجد من يتعاملون معك كشركاء خدمة مُطيعين ويعملون من أجل انعاش وراحة داخلك روحياً ونفسياً ، فالإجتماعات المفككة نفسياً تراها مفككة روحياً ولن تجد فيها تمتع ولا فرح حقيقي بل ستجد نقد من الكل وعلي الكل ، يحتوي كل شيئ وكل شخص ، فدعونا نرتبط ببعض روحياً ولا ننظر للاخطاء والزلات بل نعمل علي رفعة بعضنا البعض وإراحتها .

فالإنعاش أو الراحة جاءت بمعني الفرج كما في عظة بطرس يوم الخمسين " فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ (refreshing  وجاءت في اليوناني ἀνάψυξις  وتنطقanapsuxis -  وتعني فرج ، انعاشمِنْ وَجْهِ الرَّبِّ. (أع ٣ : ١٩) فاوقات الفرج هي اوقات الراحة الروحية والنفسية التي تأتي من عند الرب وهذا يحدث من خلال التوبة والرجوع للرب ، وهذا ما حدث مع أُنِسِيمُسَ فتوبته ورجوعه للرب منح راحة كبيرة لبولس الرسول ، ولذلك أراد إكمال الفرح والراحة والتمتع الروحي من خلال فليمون عند قبوله أُنِسِيمُسَ " أَنَا وَاثِقٌ بِإِطَاعَتِكَ، كَتَبْتُ إِلَيْكَ، عَالِمًا أَنَّكَ تَفْعَلُ أَيْضًا أَكْثَرَ مِمَّا أَقُولُ. " وهنا قمة الفرح والمتعة والسلام والراحة التي تكون بين شركاء الخدمة الواحدة .

يخاطب الرسول بولس فليمون في العدد ٧ " لأَنَّ لَنَا فَرَحًا كَثِيرًا وَتَعْزِيَةً بِسَبَبِ مَحَبَّتِكَ، لأَنَّ أَحْشَاءَ الْقِدِّيسِينَ قَدِ اسْتَرَاحَتْ بِكَ أَيُّهَا الأَخُ. (فل ١ : ٧) وكلمة استراحت هي نفس الكلمة التي استخدمها في العدد ٢٠ وهي نفس الكلمة التي استخدمها عن بيت أُنِيسِيفُورُسَ  " لِيُعْطِ الرَّبُّ رَحْمَةً لِبَيْتِ أُنِيسِيفُورُسَ، لأَنَّهُ مِرَارًا كَثِيرَةً أَرَاحَنِي وَلَمْ يَخْجَلْ بِسِلْسِلَتِي، (2تيمو ١ : ١٦) فـ أُنِيسِيفُورُسَ إسم يوناني ومعناه " من يأتي بالنفع"  خدم في كنيسة أفسس ، هذا الرجل مع أهل بيته عملوا علي راحة الرسول بولس فقد كانوا شركاء خدمة كما كان فليمون ، فليبارك الرب كل من عمل علي راحة خدام الرب وصاروا شركاء خدمة ، وساعدوا علي امتداد كلمة الله وخدمة الملكوت ، فعمل الرب في كل جيل وفي كل زمن يحتاج لشركاء خدمة مضحيين ومحبين ويهتمون بقديسي العلي .

* قرأة كتابية :

وَمَعَ هذَا، أَعْدِدْ لِي أَيْضًا مَنْزِلاً، لأَنِّي أَرْجُو أَنَّنِي بِصَلَوَاتِكُمْ سَأُوهَبُ لَكُمْ. (فل ١ : ٢٢)

* الشراكة الروحية والثقة الممزوجة بالمحبة:

الترابط القوي بين بولس الرسول وفليمون يجعل اسلوب الخطابة بينهم ممتليئ بالثقة المتزايدة ، لا أقول العشم المتزايد بل الثقة ، لأن في العشم تمني وقد يستجيب الطرف الأخر وقد لا يستجيب ، أما في الثقة المتبادلة في شريك الخدمة يجعله يقول كلمات بصيغة الأوامر الممزوجة بالمحبة فيقول له " أَعْدِدْ لِي أَيْضًا مَنْزِلا " وهذا مبني علي الثقة الواضحة بينهما عندما قال " لِذلِكَ، وَإِنْ كَانَ لِي بِالْمَسِيحِ ثِقَةٌ كَثِيرَةٌ أَنْ آمُرَكَ بِمَا يَلِيقُ، (فل ١ : ٨) هذه الثقة الممزوجة بالمحبة واضحة عندما قال : " مِنْ أَجْلِ الْمَحَبَّةِ، أَطْلُبُ ...(فل ١ : ٩) هذه الثقة الممزوجة بالمحبة مبنية علي مستوي الشراكة الروحية التي بينهم فتصير الأوامر طلبات قابلة للتنفيذ وممكنة مهما كانت صعوبتها " فَإِنْ كُنْتَ تَحْسِبُنِي شَرِيكًا، فَاقْبَلْهُ نَظِيرِي. (فل ١ : ١٧) ترابط واضح ومهم بين شريكي خدمة واحدة بهدف امتداد ملكوت المسيح وخدمته .

نحتاج في هذه الأيام نفوس يصير بينهم شراكة روحية فيغيب فيها العناد والتعصب ، ويستقر فيها الحب والمودة والتسامح والغفران ، وتمتليئ بالعطاء والكرم ، وتصل لمستوي التضحية بلا ندم ، وتكون رؤية الطرف الأخر منحة من الله وعطية لا يجب فقدانها والعمل علي حفظ مستوي الترابط والمودة "  لأَنِّي أَرْجُو أَنَّنِي بِصَلَوَاتِكُمْ سَأُوهَبُ لَكُمْ. " إن إدراك الرسول بولس بمستوي إشتياق فليمون لرؤيته جعله يُعّبر في خطابه أن بمجيئه إليهم مستوي من العطاء الإلهي المتبادل بينهم ، فيصير وقت مكوث بولس لدي فليمون هبة من الرب مقبولة مهما كانت المدة ، فالمدة التي يمكثها الرسول بولس في أي بلد قد تصل لأكثر من سنة هذا لبعد المسافات وعدم سهولة التنقل ، فعلي سبيل المثال في كُورِنْثُوسَ " فَأَقَامَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ يُعَلِّمُ بَيْنَهُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. (أع ١٨ : ١١) الأمر بخلاف اليوم فاليوم يصل الشخص لأبعد مكان في ساعات بالقطار أو بالطائرة فيستطيع  الشخص أن ينجز عمله أو خدمته في أقل وقت وبأسرع ما يُمكن ثم يعود ، حتي الإستضافة لم تكن كما في أيام الرسول بولس ، فالمشغولية بحسب الإمكانيات ، فأجهزة التواصل اليوم جعلت أي شخص يستطيع أن يصل للأخر في ذات اللحظة بالصوت والصورة بدون مجهود وبلا تكليفات تُذكر ، هذا مع أنه إمتياز مهم جداً ولكنه جعل من الشراكة الروحية والثقة الممزوجة بالمحبة غير متفاعلة كما ينبغي ، لأن مابين الإثنين أجهزة الكترونية وزمن يسير بسرعة الصاروخ ووقت ممتليئ بالمشغولية والتمركز بجانب الأخر قل جداً .

هذا بالإضافة الي التمركز داخل الكنيسة الواحدة والمواظبة في حضور الإجتماعات أمر في غاية الصعوبة ، فبسبب سهولة التنقل لأي مكان مهما كان بُعد المسافة جعل الإنتماء والتمركز في الإحتماعات أمر ليس ذات أهمية ، فتجد المؤمن قادر علي الوصول لأي إجتماع والتنقل بينهم متاح ، فيترك اجتماعه القريب من منزله ليكون في مكان أخر ، ويُغير كنيسته كما يشاء وفي اي وقت وبالتالي لن يصنع شراكة روحية طويلة المدي ، بل ستجد الشراكة التي تُصنع قابلة للإنفصال بعد مدة زمنية قصيرة ويتم تغيير الشراكة بحسب الراحة الفسية المتقلبة ، فالشراكة الروحية يجب أن تعمل بحسب مستوي الروح وتُبني علي كلمة الله ويكون هدفها خدمة العلي وليس التمتع الوقتي بعضنا ببعض فقط ، لا يكون الهدف من التجمع لقضاء وقت طيب معاً . بل ليصير الهدف هو خدمة الرب وبناء بعضنا البعض .

الكنائس في القري درجة الترابط والشراكة الروحية أفضل من المدن ، بشرط وجود مؤمنين أتقياء ، فبحلول الليل تجد وسائل التنقل قليلة او معدومة وستجد كل كنيسة ممتلئة بشعبها وبخدامها ، أما في المدن ستجد شعب متبادل الحضور من مكان لمكان وليس له التمركز وليس له الشراكة الروحية ، ومن له حياة الشراكة الروحية عدد قليل جدا ويعمل ابليس علي تفتيته بقدر الإمكان ، لذلك اطلب من الرب اليوم أن يتمركز شعب الرب كلٍ في كنيسته ويرتبط بإخوته ويصنع معهم شراكة روحية تتأصل يوم بعد يوم بالثقة الممزوجة بالمحبة التي تجعل من خدمة الرب قوة للإستمرارية والنجاح .

* قرأة كتابية :

يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَبَفْرَاسُ الْمَأْسُورُ مَعِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ،وَمَرْقُسُ، وَأَرِسْتَرْخُسُ، وَدِيمَاسُ، وَلُوقَا الْعَامِلُونَ مَعِي.نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ رُوحِكُمْ. آمِينَ. (فل١: ٢٣-٢٥)

* أهمية السلام والبركة الرسولية :

معظم هذه الأسماء تكلمنا عنها في بداية دراستنا لرسالة فليمون ، فرسائل بولس لا تخلوا من السلامات والبركة الرسولية ، وكثيرين من القراء يتركونها ولا يقرأونها أو لا يرون لها أهمية في كلمة الله ولا سيما أن الأسماء صعبة النطق وبعضهم أناس ليسوا معروفون ، ولكن ذكر أسماء رجال أتقياء خدموا الرب وكانوا في شراكة روحية مع الرسول بولس يصير من أهم ما يميز رسائل الرسول بولس لانه بهذا تم تخليد أسمائهم في اعظم كتاب في الوجود لأنهم يستحقون ذلك ان يُخلد اسمائهم بجوار بولس الرسول وتخليد بعض ما قاموا به ، فهم كانوا شركاء خدمة ومعاونين ، والتاريخ يشهد عن أنهم صاروا رجال كلمة واساقفة حملوا مسيرة الحق في زمن الرسول وبعد رحيله أيضاً ، وهذا يعلمنا أنه عندما يوجد في زمننا خدام أجلاء ومعلمين موهوبون فلنتمسك بالإقتراب اليهم ومساندتهم وعمل شراكة روحية معهم ، ونعمل علي تسديد إحتياجاتهم لأجل إمتداد كلمة الله من خلالهم .

يوجد مع الرسول بولس من رافقه في السجن كـ أَبَفْرَاسُ ، وكان خادما في كنائس كولوسي ولاودكية وهيرابوليس فكان العامل الرئيسي في تأسيس هذه الكنائس ، فلم يكن أَبَفْرَاسُ اسما فقط ، اراد الرسول بولس تخليده ولكنه كان رجل الساعة في دائرة خدمته ، إن زمننا اليوم يحتاج مثل أَبَفْرَاسُ له قلب الخادم المحب والمُقدِر لخدمة رجل الله بولس وبكل تأكيد كان أيضا رجل نال حب ورضي من حوله وكان له شركاء خدمة .

ايضاً من ضمن من رافق الرسول بولس في السجن شخص يسمي أَنْدَرُونِكُوسَ ، اسم يوناني معناه "قاهر الرجال" وكان اسم أحد أقرباء الرسول بولس، وكان في السجن معه. وقد قبل المسيحية قبل بولس وذهب إلى روما وقد أرسل الرسول تحياته إليه وإن كنا نعرف القليل عنهم ولكننا نقف أمام أسمائهم بتبجيل وبكل إحترام وتقدير لأنهم لم يحبوا حياتهم حتي الموت ويقول التقليد أن أَنْدَرُونِكُوسَ صار أسقفًا علي بنوتياس.

          وكذلك َيُونِيَاسَ اسم لاتيني ربما كان مختصر "يونيانوس" وهو يهودي متنصر في رومية ونسيب بولس المأسور معه. وقد عرف المسيح وآمن به قبل بولس ويقول التقليد أنه كان من ضمن مّن قبل الروح القدس مع التلاميذ، وتحمل شدائد كثيرة أثناء كرازته بالإيمان المسيحي " سَلِّمُوا عَلَى أَنْدَرُونِكُوسَ وَيُونِيَاسَ نَسِيبَيَّ، الْمَأْسُورَيْنِ مَعِي، اللَّذَيْنِ هُمَا مَشْهُورَانِ بَيْنَ الرُّسُلِ، وَقَدْ كَانَا فِي الْمَسِيحِ قَبْلِي. (رو ١٦ : ٧)

ايضاً أَرِسْتَرْخُسُ يقول عنه الرسول بولس كلمة ممتلئة شرف وإمتياز " الْمَأْسُورُ مَعِي " أَرِسْتَرْخُسُ  تعني أفضل حاكم - the best ruler ، وهو من السبعون تلميذ ، رافق بولس في الرحلة التبشيرية الثالثة ، وذاق من تعب الخدمة كما بولس لأنه كان رفيق له " يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ أَرِسْتَرْخُسُ الْمَأْسُورُ مَعِي، ... (كو ٤ : ١٠) و ( فل ١ : ٢٤ ) مثل هؤلاء الرجال العظماء الأشداء التي بنيت علي حياتهم الكنيسة وعلي إيمانهم بالمسيح وكلمته ، فقد كانت كرازتهم بقوة وبلا خوف من سجن أو تعذيب أو موت ، هؤلاء لا يسعنا إلا أن نشكر الله من أجلهم ، ونصلي أن يكون لشعب الرب اليوم رجال مثل هؤلاء لهم حياة التضحية ومحبة المسيح أكثر من محبة النفس .

* قرأة كتابية :

نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ رُوحِكُمْ. آمِينَ. (فل ١ : ٢٥)

* البركة الرسولية ومضمونها وأهميتها :

يختم الرسول بولس والرسول يوحنا أيضا (رؤ ٢٢ : ٢١) في بعض رسائلهم وأقوالهم ببركة طلب النعمة لكل من يقرأ الرسالة ولمن وجهت لهم الرسالة ، فبعد أن تكلم الرسول بولس مع فليمون ختم رسالته بطلب النعمة أن تكون مع أسرة فليمون ، وكلمة نِعْمَةُ grace  وجاءت في اليونانيχάρις  وتنطق charis  وتعني نعمة ، وتحمل معني ان يمتليئ المؤمن بالفرح والسرور والصلاح وجمال المنظر والتأثير على النفوس ، اي ليمتلئوا بنعمة جذب تظهر في حياتهم ويراها كل من يتعامل معهم ، وبحسب مضمون الرسالة يكون توجه طلب النعمة بحسب روح الرسالة ، فعندما يتكلم الرسول مثلاً عن سحق الشيطان تحت أرجلنا ثم يطلب نعمة ربنا يسوع ، يصير النعمة المقصودة تهدف للإنتصار والغلبة " وَإِلهُ السَّلاَمِ سَيَسْحَقُ الشَّيْطَانَ تَحْتَ أَرْجُلِكُمْ سَرِيعًا. نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَكُمْ. آمِينَ. (رو ١٦ : ٢٠) وعندما تكون طلب النعمة يصاحبها سلامات تصير النعمة المقصودة للفرح والسرور لرؤية الوجة طلقاً " يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ تِيمُوثَاوُسُ الْعَامِلُ مَعِي، وَلُوكِيُوسُ وَ..... . نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ. (رو١٦: ٢١، ٢٤) فبحسب اتجاه روح الرسالة أو المقطع او الأية يكون إتجاه طلب النعمة والبركة الرسولية .

البركة الرسولية التي تستخدم في كل الكنائس والطوائف هي الموجودة في رسالة كورونثوس الثانية " نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ. (2كو ١٣ : ١٤) وتحمل ثلاث طلبات أو بركات وهما :

 ١ – النعمة : grace    ـ  χάρις  وتنطق charis وتعني نعمة ، وتحمل معني ان يمتليئ المؤمن بالفرح والسرور والصلاح وجمال المنظر والتأثير على النفوس .

٢ - المحبةthe love - ἀγάπη -  تنطق agapē  وتعني محبة بازلة مضحية دون إنتظار مقابل

٣ - الشركة : the communion  وتعني تواصل - κοινωνία  وتترجم مجتمع وتنطق koinōnia

 والثلاثة مرتبطين بالثالوث بحسب ترتيب الاية :

١ - الإبن :   Jesus Christ ـ   Χριστός وتنطق  Christos

٢ - الآب : θεός - theos    والمقصود به الله الآب بحسب اللغة اليونانية

٣- الروح القدس : the Holy Spirit - ἅγιος  وتنطق hagios

فالنعمة مرتبطة بالمسبح كونه إبن الله في دائرة اللاهوت وجاء متجسداً ليملأ كل من يؤمن به من النعمة التي يُمنح من خلالها جميع العطايا الإلهية  لذلك يقول : " وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا، وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ. (يو ١ : ١٦) فكل النعم هي في المسيح لذلك نجد الرسول بولس دائما يطلب نعمة المسيح تكون مع كل من يوجه اليهم الرسالة "  نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ رُوحِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ. آمِينَ. (غل ٦ : ١٨)(في ٤ : ٢٣) (1تس ٥ : ٢٨) (2تس ٣ : ١٨) (فل ١ : ٢٥) فكل من يرتبط بالمسيح ويسير بروحه يستطيع ان ينال من بركات النعمة .

أما المحبة فتجدها في روح البذل والعطاء الذي قدمه الأب بالإبن " اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟ (رو ٨ : ٣٢) فبالنعمة وهب لنا في المسيح كل شيئ ، وصار كل هذا بالمحبة الباذلة التي قدمت لنا من الإب بالإبن ، ولذلك نري تجسيد المحبة واضح جداً لنا في كلمة الله " لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. ( يو ٣ : ١٦ ) فبدون هذه المحبة لن نجد تجسيد لعمل الفداء واروح النعمة التي بالمسيح " وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا. ( رو  ٥ : ٨ ) المحبة التي في قلب الآب من نوع " أغابي - ἀγάπη - agapē "  التي هي عطاء بدون انتظار مقابل ، لذلك الرسول بولس في رسالته يُذّكِر قارئيه بنعمة المسيح ومحبة الأب التي لا يجب أن تغيب عن أذهاننا أو عقولنا بل وتكون هدف في كرازتنا .

أما شركة الروح القدس فتعني المجتمع الخاص بالروح القدس ، الشركة التي يصنعها الروح القدس ، وتعني العلاقة الحميمة التي يصنعها الروح القدس في نفوس المؤمنين في إرتباطهم بالنعمة التي في الإبن والمحبة التي في الأب ، فالذي يعمل علي تفعيل هذا فينا هو الروح القدس ، فهذه الشركة قدمت لنا من الأب في المسيح بالروح القدس لذلك يقول المؤمن الفاهم " شَاكِرِينَ الآبَ الَّذِي أَهَّلَنَا لِشَرِكَةِ مِيرَاثِ الْقِدِّيسِينَ فِي النُّورِ، (كو ١ : ١٢) فالشركة التي يصنعها الروح القدس داخلنا تمنحنا لنكون في علاقة حميمة مع الأب والإبن وأيضاً مع إخوتنا في المسيح ، وهذا هو المجتمع الخاص والتواصل الذي بالروح القدس " وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ. (1يو ١ : ٧) فهل نستطيع ان نبارك بعضنا بعض بهذ البركة الرسولية التي تحتوي علي النعمة والمحبة والشركة ، ونظل متذكرين هذا العمل فنكرز به ونخبر به بعضنا البعض ولنحافظ علي روح المسيح في الشركة الروحية التي لن تنتهي الي الأبد والي مجيي ستستمر في الأبدية أيضا.

 

 






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس