انتظر وستري
انتظر وستري
بقلم
القس عماد عبد المسيح
الفهرس
مقدمة
الفصل الاول : الثقة الكاملة :
١ - الثقة في الله
: ـ الله أمين في مواعيده - إيماننا بمواعيد الله هو اختبار للإيمان الشخصي -
الإيمان بمواعيد الله يتطلب الصبر والتسليم - إيماننا بالله يتطلب تركيزًا على مواعيده
لا على الظروف - مواعيد الله هي الأمل الحقيقي.
٢ - الإيمان يسبق التحقيق : ـ اختبار النيابة - تحليل لغوي للأية : الإيمان كحجر
أساس للرجاء - الإيمان كحجر أساس للرجاء -
الإيمان رغم الظروف المستحيلة - الإيمان هو
صمود في الزمن - الإيمان يُحرر من اليأس
٣ - الشك عدو الانتظار : ـ ومن الوجهه العملية - كيف نواجه الشك؟ - الانتظار الإيماني يصنع شيئًا رائعًا
في القلب
٤ - الانتظار في
الكتاب المقدس : ـ الانتظار في الكتاب المقدس - مدرسة الإعداد والاتكال :يوسف - من السجن إلى القصر
: داود - الممسوح الهاربالانتظار وقت إعداد لا إهمال - الإيمان يُختبر بالانتظار -
الانتظار يثمر ثمرًا ناضجًا - في حياتنا اليوم: كيف ننتظر؟ - الانتظار ثقة لا هزيمة
:الانتظار ثقة لا هزيمة
الفصل الثاني : الضمان الحقيقي للثقة :
١ - تحقيق شرط الايمان والطاعة : ـ مجد الله ينتظر من يفتح له الباب - حنّة وسِمعان: أمثلة لجيل يُحقق الشرط
- شرط الوعد في يومنا
٢ - تحقيق شرط الثبات في الكلمة : ـ ما معنى "الثبات في الكلمة"؟
- الثبات شرط لتحقيق وعود الله - الله أمين شرط أن نثبت في كلمته - الثبات في الكلمة
يقود لمعرفة الحق - الثبات دليل على التلمذة الحقيقية - أمانة الله الماضية تشجّعنا
على الثبات - الثبات طريق الحرية
٤ - تحقيق شرط طلب وجه الرب : ـ السلوك في الروح لا في الجسد - مبدأ إلهي لا يُهمل - السلوك بحسب الروح: جوهر
العلاقة مع الله - الجسد يعطّل وعود الله - أولًا: ملامح السلوك بالروح - شركة حيّة
مع الله ـ الامتحان المستمر لما هو مرضي للرب ـ إماتة أعمال الجسد وإظهار ثمر الروح
- ثانيًا: أمثلة كتابية : ـ يوسف في بيت فوطيفار ـ دانيال في بابل ـ بولس الرسول نفسه
- ثالثًا: ثمر السلوك بالروح في واقعنا ـ ضمان القيادة الإلهية ـ اختبار وعود الله
بوضوح ـ استعلان المجد الإلهي
الفصل الثالث - ترجمة
الثقة لأفعال: ـ اله الأزمات، بل إله الحياة - الله ليس إله الأزمات
فقط، بل إله الحياة كلها - قيادة أم مجرد استشارة - الروح القدس مرشدا - القيادة الإلهية
والفخاخ الخفية - فخاخ في التفاصيل: لا تستهين بالبسيط - الاستقلال غير المعلن: صورة
خفية للكبرياء - كيف نتعلم التمييز؟
الفصل الرابع : عدم الاتكال علي المفاهيم البشريه : ـ الفكر البشري محدود - الإيمان يتجاوز التفكير المنطقي - التوجيه الإلهي يتحدى
التفكير البشري - الإتكال البشري والاستعجال - الاتكال البشري يقود إلى الاستعجال - التسليم لله في ما لا نفهمه - الاندفاع يسبق السقوط
- التسرع يجعلنا نندم، لكن الانتظار يثمر سلامًا
كلمة ختامية
حين نخلع حكمة البشر .. نلبس فكر الله
مقدمة
في حياة كل إنسان مؤمن لحظات يقف فيها في منتصف الطريق، بين وعد لم يتحقق
بعد، وواقع يبدو صامتًا. بين صلاة رُفعت ولم يُرَ استجابة، ودمعة نزلت دون تفسير.
لحظات تمتزج فيها الحيرة بالإيمان، والرجاء بالخوف، والتساؤلات بالصمت. هناك، في
منتصف الانتظار، حيث يختبر القلب الإيمان لا بالكلام، بل بالاختيار: هل أثق؟
هل أستسلم؟ هل أتحرك وحدي؟ أم أبقى منتظرًا من لا يُخيّب أبدًا
من ينتظره؟
هذه الدراسة هي رحلة تأمل وصلاة في طريق الانتظار، طريق لا يخلو من الألم،
لكنه أيضًا لا يخلو من المجد. الطريق الذي فيه يقول الله لكل من قلبه موجوع، أو
نفسه متعبة، أو عينيه تترقبان وعدًا: "انتظر... وسترى." حين
نتأمل في كلمة "انتظر"، ندرك أنها ليست مجرد دعوة إلى السكون أو
التأجيل، بل هي دعوة إلهية للدخول في عمق الثقة. الانتظار ليس سلبية، بل هو نوع من
العبادة. هو إعلان ضمني يقول: "يارب، أنا لا أراك الآن، لكني أؤمن أنك
تعمل. لا أفهم طرقك، لكني أعلم أنك صالح."
ولهذا، نبدأ من هذه الرحلة بعنوان: "الثقة الكاملة في الله"
في زمن يشجع الناس فيه على الاعتماد على أنفسهم، وعلى المنطق والتحليل السريع،
يبدو الثقة بالله كأنها خيار خارج المألوف. لكن الإيمان الحقيقي يبدأ من هنا: أن
نثق فيه وفي كلمته، حتى إن بدا كل شيء حولنا يقول العكس، نتعلم معا كيف نؤمن
بوعوده دون أن نشك، وكيف ننظر إلى الوراء فنتذكر أمانته في ماضينا، وكيف نُخضع
قراراتنا له، لا لعقولنا فقط، وكيف نختار ألا نتكل على فهمنا البشري وحده، بل نترك
لله القيادة.
ثم ندخل معا إلى عمق آخر، وهو "الصبر والقبول" لأن الثقة
الحقيقية لا تُختبر إلا في لحظة الانتظار. فأن أثق بالله حين تكون الأمور واضحة
وسهلة، هذا ليس اختبارًا حقيقيًا للإيمان. لكن أن أصبر حين تتأخر الإجابة، أن أقبل
توقيته لا توقيتي، أن أقاوم رغبتي في التسرع، وأن أؤمن أنه يعمل حتى في صمته — هنا
يظهر الإيمان الصلب الذي لا يتزعزع، نسير معا لنحيل عن كيف أواجه الألم وأنا
متمسك بالرجاء؟ كيف أتعامل مع ما اظنه ( البطء الإلهي الظاهري ) دون أن أظن
أن الله نسيني؟ كيف أعيش الصبر لا كعقوبة، بل كامتياز للمؤمن الذي يعرف من
ينتظر؟.
ثم نسير معا نحو "رفض الاتكال على الذات" الانتظار الطويل
أحيانًا يدفع الإنسان إلى التفكير في الاعتماد على نفسه أو على غيره، فيحلّ الثقة
البشرية محل الثقة بالله، ويستبدل الصلاة بالتدبير، وينتقل من الاتكال على الله
إلى صنع النتائج بيده، في هذه الدراسة نتوقف لنقول لا. لا نريد أن نعيش بالإمكانات
البشرية المحدودة. نريد أن نعتمد على قوته، وأن نطلب معونته بالصلاة، وأن نؤمن
بعمل الروح القدس في حياتنا، وأن نرفض أن نستند إلى بشر أو إلى أنفسنا، بل نختار
أن نستند إلى كلمته، التي هي وحدها النور في ظلمة الطريق، والصوت الثابت في ضجيج
القلق.
"انتظر وسترى" ليست مجرد عبارة بل دعوة للحياة في بعد
جديد من العلاقة مع الله. حياة تخرج من رد الفعل، وتدخل إلى الاختبار الإيماني.
حياة لا تُقاس بسرعة الاستجابة، بل بجودة العلاقة مع المُستجيب، عندما تنتظر الله،
أنت لا تنتظر شخصًا بعيدًا أو غير مهتم، بل تنتظر الأب الذي لا يمكن أن ينسى
أولاده، ولا أن يتأخر عنهم، وعندما ترى، سترى أكثر مما كنت تتوقع - سترى حكمته،
سترى توقيته المثالي، سترى عمله الذي أُعدّ في الخفاء، سترى نفسك وقد تغيّرت،
ونضجت، وصارت أقرب لقلبه.
هذه الدراسة كُتبت لكل من هو في منتصف الطريق، لكل من تعب من الاحتمال، لكل
من صلى كثيرًا ولم يرَ، لكل من يتألم بصمت، هي دعوة أن تعبر إلى الإيمان الناضج،
إلى الحياة التي تُبنى على كلمته، وتُروى بالصلاة، وتُثبَّت بالرجاء، وتُكلّل
بالثقة، هي دعوة أن تصغي لصوت الروح يقول لك:
"لا تستعجل، لا تخف، لا تَفشل. انتظر... وسترى."
الفصل الاول
الثقة الكاملة
١ - الثقة في
الله :
الإيمان بمواعيد الله هو حجر الزاوية في حياة كل مؤمن، وهو المحور الذي
يدور حوله كل التأملات في حياة الطاعة والانتظار، كلمة الله تعطينا مواعيد كثيرة،
وهذه المواعيد ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي وعود ثابتة لا تتغير، مهما كانت
الظروف التي يمر بها الإنسان. يَذكر الكتاب في العديد من الأماكن أن الله أمين في
مواعيده، وأنه لا يخلف وعده، بل هو دائمًا يفي بما وعد به.
الله أمين في مواعيده :
الإيمان بمواعيد الله يبدأ من الإيمان بكمال طبيعته. الله ليس كالبشر الذين
يقطعون وعودهم ثم يخلفونها. على العكس، الله يُعرف بأنه الأمين (إيمانُه ثابت، ولا
يتغير)، والكتاب يشير إلى هذه الصفة في العديد من المواضع، في الرسالة إلى
العبرانيين، نجد الوحي يقول: "أمين هو الذي وعد" (عب ١٠ : ٢٣).
هذه الآية تُعتبر دعوة للمؤمنين ليُحافظوا على ثقتهم في الله، حتى في الأوقات التي
قد تبدو فيها وعود الله بعيدة المنال أو غير مرئية، كلمة "أمين"
في العبريَّة هي "אֲמוּנָה" (أَمُونَاه)، والتي تعني "الصدق، الإخلاص،
والوفاء". هذا يؤكد أن الله هو مصدر الأمانة، وبالتالي فإن وعوده هي
وعود يمكن الوثوق بها تمامًا.
هناك فرق بين الكلمة "أمين" التي تستخدم للإشارة إلى صفات
الله، والكلمة "أمين" التي نقولها بعد الصلوات، رغم أنهما
يشتركان في المعنى العام، عندما نقول "الله هو الأمين"، فإننا
نشير إلى صفات الله التي تتسم بالأمانة والوفاء "أمين" (بالعبرية "אֱמוּנָה" أمُوناه أو باليونانية "πίστις"
بيستيس)، فإن هذا يشير إلى طبيعته الثابتة والمستقرة التي لا تتغير. الله
لا يخلف وعده أبدًا وهو موثوق في كل ما يقوله. هو ليس فقط أمينًا في مواعيده، بل
أيضًا في جميع أفعاله وحكمته. هذه الكلمة تُستخدم للإشارة إلى أن الله لا يتغير أو
يتراجع عن وعوده، وأنه دائمًا مخلص وكامل في أفعاله، اما (أمين) بعد
الصلوات فهي إعلان إيماني من المؤمنين بأن ما قيل في الصلاة هو حق وصحيح، هنا تأتي
من اللغة العبرية "אָמֵן" (أمن)،
وتعني "نعم" أو "ليكن كذلك" أو "فليكن".
نحن باستخدام "أمين" نؤكد أن ما تم قوله في الصلاة هو مطابق لإرادة الله
ونعبر عن موافقتنا وإيماننا بأن الله سيستجيب كما يتناسب مع حكمته وأزليته،
فالكلمتان مختلفتين في اليوناني وفي العبري ايضا
إيماننا بمواعيد الله هو اختبار للإيمان الشخصي : نحن نعيش في عالم مليء بالضغوط والشكوك، وفي أوقات كثيرة نجد أن الوعود
التي يذكرها الكتاب المقدس تبدو بعيدة أو مستحيلة التحقيق، لكن الكتاب يعلمنا أن
الله لا يُمكن أن يُخلف وعده، مهما كانت الظروف، إذا نظرنا إلى قصة ابونا إبراهيم
كمثال، نرى كيف كان الله قد وعده بأن يكون له نسل عظيم رغم تقدمه في السن - في
البداية، لم يظهر أي إشارة لعمل الله، بل على العكس، كان الوقت يتأخر وكلما زاد
الانتظار، زادت التحديات، لكن إبراهيم، مع مرور الزمن، كان يُظهر إيمانه بأن الله
سيكون أمينًا في مواعيده، وعد الله لإبراهيم هو أحد أعظم الأمثلة على الثقة في
مواعيد الله، الله وعد إبراهيم أن يكون له نسل عظيم، وأن يبارك به كل الأمم، ولكن
في البداية لم يكن هناك أي دليل مرئي على أن هذا الوعد سيحدث، يذكر الكتاب المقدس
أن إبراهيم كان في سن متقدم، وزوجته سارة كانت عاقرًا. في تلك الظروف المستحيلة،
كان الله يُظهر وفاءه بوعده، في سفر التكوين ١٧ : ٥ -٦ ، قال الله لإبراهيم:
"فأجعلك أبًا لأمم كثيرة، وأثمرك جدًا." إبراهيم لم يصدق حينها،
ولكن في النهاية تحقق الوعد عندما وُلد إسحاق، وهذا كان بداية تنفيذ وعد الله
العظيم، الملاحظة هنا أن الله لم يتأخر في وعوده، بل كان الانتظار اختبارًا لإيمان
إبراهيم في الله.
الإيمان بمواعيد الله يتطلب الصبر والتسليم : في بعض الأحيان، قد يكون الانتظار على وعد الله أمرًا صعبًا، وخاصة عندما
لا نرى أي علامات مرئية تُظهر لنا أنه يعمل. لكن الكتاب يعلمنا أن الله لا يعمل
دائمًا بطريقة فورية كما نرغب، بل أحيانًا يطلب منا الصبر. في العهد القديم، كان
الله يُبشر شعب إسرائيل بالتحرير من العبودية في مصر، وكان هذا الوعد بعيد المنال
جدًا في تلك اللحظات. لكنهم عندما صبروا وأطاعوا، تحقق الوعد، كذلك الحال مع
دانيال الذي صبر وانتظر على وعد الله بالرؤى والإعلانات، وكان إيمانه قويًا في
أوقات الامتحان. أيضًا، نجد أن كلمة "انتظار" في العبرية "קָוָה" (قَواه) تعني "إنتظر بثقة"
أو "ترقب"، ويترجمها البعض بمعنى "إنتظر في ثبات
واطمئنان" وعد الله في العهد الجديد جاء أيضًا ليشجع المؤمنين في زماننا
هذا على الإيمان في مواعيده، يقول " لا يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ
وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا،
وَهُوَ لا يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى
التَّوْبَةِ. (٢بط ٣ : ٩) هذه الآية تؤكد لنا أن الله لا يتأخر في مواعيده،
لكنه يتأنى لأن له خطة أبدية وبرنامج إلهي يعمل وفقه، فحتى عندما نشعر أن الوعد لم
يتحقق بعد، فإن الله لا يتأخر، بل هو يعمل وراء الكواليس.
إيماننا بالله يتطلب تركيزًا على مواعيده لا على الظروف : حينما نضع أعيننا فقط على الظروف التي نمر بها، يمكن أن نبدأ في التشكيك في
مواعيد الله. لكن عندما نرفع أعيننا إلى الله ونتذكر مواعيده، فإن ذلك يعطينا
القوة لمواجهة التحديات. تمامًا كما حدث مع بطرس عندما مشى على الماء باتجاه يسوع.
في البداية، كانت عينيه على يسوع، فكان يمشي على الماء، لكن بمجرد أن ركز على
الرياح العاتية، بدأ يغرق. هكذا نحن، إذا ركزنا على الوعود الإلهية، فإننا قادرون
على الانتظار بكل إيمان وثقة في مواعيد الله.
مواعيد الله هي الأمل الحقيقي : في النهاية، مواعيد الله هي أساس أملنا، الكتاب مليء بوعود تتعلق بالخلاص،
والحياة الأبدية، والعون في وقت الضيق، والسلام في وسط الأزمات. هذه المواعيد ليست
مواعيد بشرية، بل مواعيد إلهية ثابتة لا يمكن أن تتغير. " لأنْ مَهْمَا
كَانَتْ مَوَاعِيدُ الله فَهُوَ فِيهِ "النَّعَمْ" وَفِيهِ
"الآمِينُ"، لِمَجْدِ الله، بِوَاسِطَتِنَا. (٢كو ١ : ٢٠) هذه الآية
تذكرنا أن مواعيد الله، في شخص المسيح، قد تم تحقيقها بالكامل في صليبه وقيامته،
مما يجعلنا نعيش في رجاء أكيد.
هنا، كلمة "الآمِينُ" هي اليونانية "ἀμήν" (أمين)،
وتُستخدم بمعنى "الصدق" أو "الصحة"، وهي تؤكد
حقيقة أن مواعيد الله هي أكيدة وثابتة ولا تتغير. هذه الكلمة في هذا السياق تشير
إلى التأكيد على إتمام وعود الله بكل تأكيد وموثوقية. فكما ذكرنا من قبل،
"أمين" تُستخدم للإشارة إلى الوفاء الكامل من الله لما وعد به، أي أن كل
مواعيد الله التي يطلقها ستكون حقًا في المسيح، وكل ما وعد به الله في المسيح هو
ثابت وصادق، إذن، الكلمة في هذا السياق تدل على الوفاء الكامل والإتمام لمواعيد
الله من خلال المسيح، وتُظهر أن الله يفي بكل ما وعد به عبر المسيح، وأن هذا
الإتمام يكون لِمَجْدِ الله.
علينا أن نتذكر دائمًا أن الله أمين في مواعيده. سواء كنا نواجه انتظارًا
طويلا أو تحديات مريرة، فإن إيماننا بمواعيده هو الذي يثبتنا. فلنصمد بإيمان عميق
ونثق في أن الله سيعمل في الوقت الذي يراه مناسبًا، لأن إلهنا هو "أمين هو
الذي وعد".
٢
الإيمان يسبق
التحقيق
الإيمان هو القوة التي تقودنا في الطريق الذي قد يبدو لنا مليئًا بالتحديات
أو حتى المستحيلات. لكن في جوهره، الإيمان ليس مجرد نظرة إلى المستقبل أو أمل في
أن تتحقق الأمور، بل هو ثقة عميقة في الله وفي وعوده، حتى قبل أن تظهر أي علامات
أو مؤشرات على تحقيق هذه الوعود، هذا هو جوهر الإيمان الذي يعبر عنه قائلا " وَأَمَّا
الإيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإيقَانُ بِأُمُورٍ لا تُرَى. (عب
١١ : ١) الإيمان ليس مرتبطًا بما نراه بعيوننا، بل بما نثق في حدوثه رغم غيابه عن
حواسنا، إننا نؤمن بوجود شيء أفضل، حتى وإن كانت الظروف المحيطة به تشير إلى عكس
ذلك. الإيمان ليس مجرّد أملٍ أو توقعٍ، بل هو ثقة راسخة وثابتة في قلب المؤمن، وهي
الثقة التي تسمح له بأن يظل متمسكًا بوعد الله رغم الوقت الطويل أو الظروف الصعبة.
اختبار النيابة :
في مسيرتنا مع الله، كثيرًا ما نجد أن الإيمان هو الشعلة التي تنير لنا
الطريق وسط ظلام المجهول. قبل أن تأتي الحلول، وقبل أن نلمس أي تدخل واضح، يكون
الإيمان هو صرخة القلب التي تثق في أمانة الله، حتى لو لم تتضح بعد تفاصيل
الإنقاذ. لقد اختبرت هذا المعنى بصورة شخصية في موقف لا يُنسى، كانت فيه الظلمة
حالكة والخطر شديدًا، لدرجة أن السجن كان احتمالًا واقعيًا للغاية إن لم يتدخل
الرب.
كنت أخدم الرب في المجمع ( سكرتيرا ) وذات يوم فوجئت ببلاغ مقدم إلى
النيابة العامة من ( زملاء للاسف ) يتهموننا أنا ورئيس المجمع بانتحال صفة سكرتير
ورئيس، ويدّعي زورًا أن الختم الذي بحوزتنا مزور. المؤلم في الأمر أن هذا البلاغ
كان مدعومًا بأوراق من جهة يُفترض فيها الحياد والنزاهة. ثلاث جلسات تمت دون أن
نُخطر بها، ولم نكن نعلم عن الأمر شيئًا. عرفنا بالصدفة، بل أؤمن أنه كان تدخلًا
إلهيًا مباشرًا، عندما تفوّه محامي الخصم أمام جهة رسمية بأننا أشخاص غير موثوق
بنا لأن ضدنا بلاغًا بالتزوير.
توجهنا للنيابة لنتأكد مما سمعنا، فوجدنا البلاغ فعلا مُقيدًا ضدنا، لكن لم
يُسمح لنا حتى بالإطلاع عليه، مما زاد الحيرة والارتباك. والغريب أن القضية تحولت
من مجرد بلاغ إلى دعوى قضائية، وتم تحديد جلسة للحكم علينا غيابيًا، دون أن نُخطر
رسميًا. لم يكن أمامنا وقت كافٍ، فكل شيء كان يتحرك بسرعة تفوق قدرتنا البشرية على
الاستيعاب أو المواجهة، وسط هذه الدوامة، تمسكنا بالإيمان. لم نفقد الثقة في أن
الرب يرى ويسمع ويعرف. رفعنا شكوى مفصلة إلى النائب العام، مدعّمة بكل الأوراق
التي تثبت شرعية مراكزنا الوظيفية بالمجمع، ووضحنا أن البلاغ كيدي وخالٍ من أي سند
حقيقي. وبأمانة الرب التي لا تسقط أبدًا، صدر حكم النائب العام بوضوح: أنني سكرتير
قانوني، ورئيس المجمع هو الرئيس الفعلي، ولنا الحق الكامل في ممارسة مسؤولياتنا،
ولا توجد شبهة جنائية فيما ورد.
عشنا ما يشبه اختبار دانيال في جب الأسود. لكننا اختبرنا الرب الذي يسد
الأفواه، ويُظهر برّ أولاده. الإيمان كان موجودًا أولا، قبل أن تُكتب سطور
التحقيق، وقبل أن يصدر أي حكم. كنا نثق أن معونة الرب ستأتي، وأن يده لا تقصر
أبدًا عن النجاة. هكذا تعلمت وتأكدت من جديد: الإيمان يسبق التحقيق، لأن الله يعمل
من أجل الذين يحبونه، حتى حين تبدو الأمور كلها ضدهم.
تحليل لغوي للأية :
اولا : الكلمة اليونانية لكلمة " الإيمَانُ - πίστις وتنطق pístis
وتعني الثقة، الاعتماد، الإيمان الراسخ، الإخلاص، واليقين " ومعناها
في الاية " الثقة العميقة التي تدفع إلى العمل والطاعة، وليست مجرد اعتقاد
ذهني " الكلمة هنا توضح أن الإيمان مش مجرد "أمل"، لكن هو قناعة
داخلية بتحقيق ما وعد به الله حتى قبل أن يظهر. الإيمان يسبق التحقيق لأنه
أساس الرجاء والثقة العملية.
ثانيًا: الكلمة اليونانية لكلمة "بِمَا يُرْجَى - ἐλπιζομένων وتنطق
elpizomenon إِلبيدزومينون وهي من كلمة الرجاء ἐλπίς – elpís هي انتظار
شيء جيد قادم قبل ان نراه، الامور المبنية على وعد من الله، مش مجرد أمنية.
فالمقصود في الآية هو "الرجاء الذي يحمل يقينًا" وليس مجرد الأمل
العاطفي.
ثالثًا: الكلمه اليونانيه لكلمة " الإيقان - ἔλεγχος وتنطق élenchos
الكلمة تحمل معنى الإثبات، البرهان، الإقناع العقلي،
أو الدليل المُبكّر قبل الظهور، أحيانًا تُستخدم قانونيًا ككلمة تعني
"الإقناع بالدليل أو الإثبات القاطع"
الفرق بينها وبين الإيمان: الإيمان pístis الثقة الراسخة المبنية على من هو الله - الإيقان élenchos
هو ما ينتج عن الإيمان؛ أي اليقين الداخلي المبني على الثقة، وكأنه دليل داخلي أو
برهان شخصي أن الأمور غير المرئية حقيقية.
ملخص الربط بالموضوع: الآية دي بتقول ببساطة
إن: الإيمان (pístis) هو ثقة شخصية مبنية على الله، تجاه ما يُرجى (elpizómena)
أي ما ننتظره بناءً على وعد إلهي، ويولد داخلنا إيقان (élenchos) يقين
داخلي أو إثبات غير مرئي ثقة أن هذا الموضوع حقيقي وسوف يحدث، حتى قبل ان يتحقق،
هذا معناه أن المؤمن لا يعيش بالإحساس أو الواقع، بل يعيش بثقة عقلية وروحية في
كلام الله، هذا اليقين يجعله يسبق التحقيق بثبات وانتظار، فالإيمان قبل التحقيق هو
مبدأ جوهري في الكتاب المقدس. نرى هذه الحقيقة في العديد من القصص الكتابية التي
تبرز كيف أن الإيمان قد سَبَقَ التحقيقيات الظاهرة. من خلال هذه القصص، نستطيع أن
نرى كيف أن الإيمان هو العنصر المحرك الذي يجعل المستحيل يتحقق - في كثير من
الأحيان، يتطلب الأمر منا أن نثق في الله قبل أن نرى أي علامة أو نتيجة، وقد لا
نرى تحقق الوعد في حياتنا بوضوح إلا بعد وقت طويل، ولكن الثقة بالله تجعلنا نعيش
متوقعين وتحقيقًا للوعود التي وعدنا بها.
الإيمان كحجر أساس للرجاء :
قبل أن نتطرق إلى بعض الأمثلة الكتابية التي توضح هذه الحقيقة، يجب أن نفهم
أن الإيمان هو حجر الأساس الذي يرتكز عليه الرجاء، عندما نثق بالله، نؤمن بما
قاله، حتى وإن لم نرَ بعد نتائج ذلك الوعد في حياتنا، الإيمان يسبق التحقيق لأنه
يشكل أساس الرجاء والثقة في الله، وهذه الثقة لا تأتي من قدرتنا أو ما نراه
بأعيننا، بل من معرفة أننا نعبد إلهًا أمينًا، قادرًا على الوفاء بوعده.
إذا تأملنا في الكتاب المقدس، نجد أن العديد من الشخصيات التي كان إيمانها
يقودها إلى الحصول على وعود الله، قد آمنت قبل أن ترى أي دليل ملموس على أن هذه
الوعود ستتحقق، كابونا إبراهيم وزوجته وعد الله لهما بإنجاب نسل عظيم، سيكون لهم نسل كعدد
النجوم في السماء، ولكن كانت الظروف ضد هذا الوعد، إيمانهما بالله جعلهما يثقان في
الوعد، حتى عندما تأخر الوعد، لم يتزعزع إيمان إبراهيم. " فَهُوَ عَلَى
خِلافِ الرَّجَاءِ، آمَنَ عَلَى الرَّجَاءِ، لِكَيْ يَصِيرَ أَبًا لأمَمٍ
كَثِيرَةٍ، كَمَا قِيلَ:"هكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ". وَإِذْ لَمْ يَكُنْ
ضَعِيفًا فِي الإيمَانِ لَمْ يَعْتَبِرْ جَسَدَهُ وهَوُ قَدْ صَاَرَ ممُاَتاً،
إِذْ كَانَ ابْنَ نَحْوِ مِئَةِ سَنَة وَلا مُمَاتِيَّة مُسْتَودَعِ سَارَةَ. وَلا
بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ الله، بَلْ تَقَوَّى بِالإيمَانِ مُعْطِيًا
مَجْدًا لِلهِ. وَتَيَقَّنَ أَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ هُوَ قَادِرٌ أَنْ يَفْعَلَهُ
أَيْضًا. (رو٤ : ١٨-٢١) إيمان إبراهيم الذي كان أقوى رغم الظروف، والذي جعل
الله يحقق وعده له عندما ولد إسحق.
ونري في حياة موسى النبي في قيادة شعب إسرائيل، كان يقود شعبًا عاش في العبودية وقتما كانوا
يعيشون في مصر، وظروفهم كانت صعبة للغاية، لكن موسى كان يؤمن أن الله سيحقق وعده
لهم بالخروج إلى أرض الميعاد. في البداية، كانت الظروف تبدو عكس ذلك، بل كان الشعب
في قمة اليأس، لكن إيمان موسى بالله أصر على أن الله سيخلصهم في الوقت الذي يراه
مناسبًا، وايضا نري الشعب في سفر يشوع، عندما وعد الله الشعب بأن الأرض الموعودة ستكون لهم، لم تكن الأمور كما
توقعوا. كانت الأرض مليئة بالشعوب القوية، وكان التحدي كبيرًا، لكن الله أمرهم
بالإيمان بأبسط خطوة وهي العبور عبر نهر الأردن. وبالإيمان بما وعد به، استطاعوا
أن يعبروا إلى الأرض الموعودة.
الإيمان رغم الظروف المستحيلة :
الإيمان يسبق التحقيق لأنه يتجاوز الظروف المادية. الله لا يعمل ضمن حدود
ما نراه ونلمسه، في كثير من الأحيان، تكون الظروف المحيطة بعيدة عن أن تُظهر أي
علامات على أن وعود الله ستتحقق. لكن الإيمان يجعلنا نتجاوز الواقع المادي الذي
نراه أمامنا، ونرى يد الله تعمل في الخفاء، نري في شدرخ وميشخ وعبدناغو،
عندما أُلقي بهم في أتون النار. كانت الظروف تشير إلى أنهم سيهلكون في النار، لكن
إيمانهم بالله كان أقوى من أي احتمالات بشرية، فأمنوا أن الله قادر على إنقاذهم
حتى لو لم يروا ذلك في تلك اللحظة. كانت النار تحيط بهم، لكن الله أنقذهم، ( دا ٣ :
١٧ - ١٨ )
الإيمان هو صمود في الزمن :
ما يجعل الإيمان قوياً هو استمراريته عبر الزمن، حتى عندما لا نرى نتائج
فورية، نرى في الكتاب المقدس شخصيات مثل نوح الذي، على الرغم من عدم وجود أي دليل
ملموس على الطوفان، بدأ يبني الفلك بناءً على إيمان بما قاله الله. نرى أن إيمانه
بالله جعله صامدًا في وجه السخرية وفي غموض المستقبل الذي لم يكن يبدو مشرقًا في
ذلك الوقت، في الحياة اليومية علينا تاصيل هذا الواقع الروحي " الإيمان
يسبق التحقيق " عندما نتخذ قرارات بناء على مواعيد الله، حتى عندما لا
نرى تحققات فورية، في الأعمال، في العائلة، في الصحة، قد نواجه تحديات كبيرة لكن
إيماننا بالله يظل العنصر الأهم الذي يقودنا للثقة بأن الله سيفتح الطريق.
الإيمان يُحرر من اليأس :
أحد الأبعاد المهمة للإيمان هو أنه يحررنا من روح اليأس. عندما نعيش في
إيمان، فإننا لا نثق فقط في وعد الله ولكننا نثق في توقيت الله وحكمته. هذه الثقة
تمنحنا القوة لمواجهة الصعوبات بثبات وصبر، فالإيمان يسبق التحقيق لأنه يعتمد على
الثقة في الله وليس على ما نراه بعيوننا. إذا كانت الظروف لا تدعم الإيمان،
فالإيمان هو الذي يرفعنا فوق هذه الظروف ويمنحنا القوة للثبات، الإيمان ليس فقط
اعتقادًا فكريًا أو أملًا، بل هو إعلان وثقة أن الله سوف يحقق مواعيده في الوقت
المناسب، حتى وإن كنا لا نرى النتائج بعد.
في مسيرة الإيمان، يظهر بوضوح أن الإيمان الحقيقي لا يتأثر بالواقع المادي،
بل يتخطاه بثقة عميقة في قدرة الله وأمانته. "الإيمان يسبق التحقيق"
لأنه لا يُبنى على ما نراه أو نلمسه، بل على من نثق فيه، أي الله الحي. هذا
الإيمان يعمل حتى في أصعب الظروف، بل وربما يظهر في أنقى صوره وسط المستحيل، شدرخ
وميشخ وعبدناغو، الذين رفضوا السجود لتمثال نبوخذنصر، رغم أن تهديد الأتون
المحمى بالنار كان واضحًا (دا ٣ : ١٧ - ١٨). هذا هو الإيمان الذي لا ينتظر ضمانًا
بشريًا، بل يتكل على سلطان الله، سواء تدخل أم لا. كانوا محاطين بالنار، لكن
عيونهم لم تكن على النار، بل على من يستطيع إطفاء لهبها، أو السير معهم فيها، ومن
جهة أخرى، الإيمان ليس لحظة، بل صمود عبر الزمن. عندما نقرأ عن نوح، نندهش من
إيمانه الذي صمد عشرات السنين وهو يبني فلكًا لمطر لم يُرَ من قبل. لم تكن هناك
أمطار، ولا أنهار، ولا طوفان يلوح في الأفق، لكن كان هناك كلمة من الله، وقلْب
يصدق هذه الكلمة. هذا هو الإيمان الذي لا يتغذى على المشاهدة، بل على الثقة في من
وعد.
هذا النوع من الإيمان، الصامد رغم تأخر النتائج، هو ما نحتاجه في حياتنا
اليومية. في العمل، في البيت، في المرض، في الانتظار. كل ظرف يبدو معاكسًا هو في
الحقيقة فرصة لتأكيد إيماننا بأن الله لا يُقيد بالمنطق أو الظروف، بل هو يعمل في
الخفاء، ويُنجز في الوقت المعين، الإيمان يحرر من اليأس. لأن اليأس يولد عندما
نُركّز على ما لا يحدث، أما الإيمان فينقل نظرنا إلى من يقدر أن يصنع المعجزة.
وعندما نثق في توقيت الله، حتى إن بدا بعيدًا، نحيا بقوة وسلام. فالإيمان ليس
أمنية، بل ثقة راسخة في الله الأمين الذي لا يُخلف وعده أبدًا.
٣
الشك عدو الانتظار
في حياة الإيمان، قد يبدو الانتظار واحدًا من أصعب الدروس التي يُعلِّمها
الله لأولاده. فالإنسان بطبيعته يميل إلى السرعة، ويريد أن يرى النتيجة بعينيه
فورًا. وعندما يطول الزمن، ويتأخر تحقق الوعد، يتسلل الشك إلى القلب. والشك ليس
مجرد فكرة عابرة، بل هو عدو شرس يهدم الثقة، ويضعف النفس، ويدفع الإنسان للتصرفات
المتسرعة التي تجر وراءها نتائج موجعة، عندما نعود إلى قصة سارة في تكوين ١٦ نرى
هذا الأمر بوضوح. الله وعد إبراهيم بنسل، ولكن مرت السنوات ولم يتحقق الوعد، فدخل
الشك إلى قلب سارة. لم تنكر الوعد، لكنها ظنت أنه لا بد أن يكون هناك طريقة بشرية
لتحقيقه، وهكذا أعطت هاجر جاريتها لزوجها، فأنجبت إسماعيل. لكن هذا القرار، الناتج
عن الشك والتسرع، جلب صراعًا وغيرة وآلامًا على البيت، وظل أثره ممتدًا حتى الآن،
الشك يُشوّه نظرتنا لمواعيد الله. يجعلنا ننظر للزمن وكأنه عدو، وللتأخير وكأنه
فشل إلهي. لكنه في الحقيقة يستخدم كإختبار للإيمان - فالله لا يتأخر أبدًا، لكنه
دائمًا يعمل في توقيت هو الأفضل لنا. عندما نشك .. كأننا نقول إن الله غير قادر،
أو غير أمين، أو غير مدرك لاحتياجنا. وهذا يهدم أساس الثقة.
الكتاب المقدس يعلمنا أن الإيمان الحقيقي لا يكتفي بالتصديق، بل بالصبر "
... مُتَمَثِّلِينَ بِالَّذِينَ بِالإيمَانِ وَالأنَاةِ يَرِثُونَ
الْمَوَاعِيدَ. (عب ٦ : ١٢) فٱلصَّابِرُونَ يَرِثُونَ ٱلْوَعْدَ - سارة نفسها
لم ترَ بركة الوعد إلا عندما نُزع منها كل اعتماد على الذات، بعد أن فشل الحل
البشري، جاء توقيت الله، فولدت إسحاق. وهكذا، أظهر الله أن وعده لا يحتاج لمساعدة
بشرية، بل يحتاج فقط لقلب واثق منتظر، الشك يُضعف النفس، ويجعلنا نميل إلى
الانهيار أو إلى الهروب، نرى مثالًا آخر في شعب إسرائيل أثناء الخروج، عندما تأخر
موسى على الجبل، ظن الشعب أنه لن يعود، فتسرعوا وطلبوا من هارون أن يصنع لهم إلهًا
آخر... وهكذا وُلد العجل الذهبي، وسقط الشعب في عبادة الأوثان... سبب السقوط؟ الشك
في قيادة الله، وعدم الصبر على توقيته، لكن في المقابل نرى رجالًا ونساءً واجهوا
الانتظار بالإيمان لا بالشك، يوسف انتظر سنين طويلة بعد أحلامه، مرّ بالظلم والسجن
والنسيان، لكنه لم يشك، بل ظل أمينًا، حتى جاء التوقيت الإلهي، ورُفع إلى كرسي مصر
- دانيال صلّى واحد وعشرين يومًا دون أن يسمع جوابًا، لكنه لم يشك في أمانة الله،
فجاء الملاك وقال له: "من اليوم الأول سمِع الله صلاتك"، لكن كان
هناك صراع روحي.
((الشك يجعل الإنسان
يتصرف قبل الوقت، أما الإيمان فيجعلنا نتمسك بمواعيد الله حتى لو لم نرَ لها
أثرًا، من الأمور الجميلة التي يعلّمها لنا الروح القدس أن الانتظار في الإيمان هو
إعلان عن عمق الثقة في شخص الله، وليس فقط في عطاياه. من ينتظر بإيمان هو من يعرف
قلب الله، ويعلم أنه لا يُخطئ التوقيت.))
ومن الوجهه العملية - كيف نواجه الشك؟ :
١ - بالصلاة: نفتح قلوبنا لله ونشاركه
بمخاوفنا وضعفنا. داود قال: " فِي يَوْمِ خَوْفِي، أَنَا عَلَيْكَ
أَتَّكِلُ. (مز ٥٦ : ٣)
٢ - بكلمة الله: نغذي أنفسنا بوعوده.
" ثَبِّتْ خُطُوَاتِي فِي كَلِمَتِكَ، وَلا يَتَسَلَّطْ عَلَيَّ إِثْمٌ. (مز
١١٩ : ١٣٣)
٣ - بالتذكر: نرجع بذاكرتنا لما فعله
الله معنا في الماضي. تذكر أمانته يعطينا ثقة في أمانته القادمة " "بَارِكِي
يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلا تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ ( مز ١٠٣: ٢ )
٤ - بالمشاركة مع المؤمنين: السند الروحي يساعدنا نثبت عندما نضعف."
وَلْنُلاحِظْ بَعْضُنَا بَعْضًا لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالأعْمَالِ
الْحَسَنَةِ، غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا كَمَا لِقَوْمٍ عَادَةٌ، بَلْ
وَاعِظِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَبِالأكْثَرِ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَوْنَ الْيَوْمَ
يَقْرُب، (عب١٠ : ٢٤-٢٥)
في هذا السياق، دعونا نتأمل في الكلمة اليونانية التي تُستخدم للشك في
العهد الجديد: فالكلمة ἐδίστασας وتنطق إدِستاساس، وهي فعل مشتق من
الجذر اليوناني διστάζω (ديستازو)، ويعني:"يتردد" أو "يشكّ
بتردد داخلي"، وليس مجرد الشك العقلي، بل التردد الذي يشلّ الثقة ويمنع
الثبات، عندما قال يسوع لبطرس بعد أن شكّ: "يا قليل الإيمان، لماذا
شككت؟" (مت ١٤ : ٣١) الشك هنا ليس مجرد تساؤل، لكنه تردد بين التصديق
وعدم التصديق، فالشك إذًا هو حركة داخلية بين ثقتين: في الله أو في النفس، في
الوعد أو في الواقع. وهو في النهاية يدفعنا بعيدًا عن الطاعة، ويفتح بابًا
للانهيار - الشك لا يُعالج بكثرة الإجابات، بل بالثقة في الله. ليس علينا أن نفهم
كل ما يحدث، ولكن أن نثبت في من وعد. لأنه كما قال بولس: " ... لأنَّ
الَّذِي وَعَدَ هُوَ أَمِينٌ. (عب ١٠ : ٢٣) فلنُغلق الباب أمام الشك، ونفتح
قلوبنا لنعمة الانتظار، لأنه سيأتي في وقته، ولا يتأخر.
إن أخطر ما في الشك أنه لا يظهر فجأة كعاصفة مدمرة، بل يتسلل خفية كنسمة
باردة في قلب الانتظار، ليبرد حرارة الإيمان. هو لا يأتي دائمًا بهجوم صريح على ابناء
الله، بل بأسئلة تبدو بريئة: "لماذا تأخر الله؟ هل نسيني؟ هل
أستحق أن أُجاب؟"، وهكذا، إن لم ننتبه، نجد أنفسنا ندخل في دوامة من
الأفكار السلبية التي تسحبنا بعيدًا عن الرجاء، من هنا تظهر أهمية إدراك أن
الانتظار في حياة المؤمن ليس وقتًا ضائعًا، بل هو وقت تشكّيل، فكما أن الفضة لا
تُصفى إلا بالنار، كذلك الإيمان لا يُنقى إلا عبر لهيب الانتظار ( وليس الشك )
الشك يسعى إلى جعلنا نخرج قبل اكتمال هذا التشكيل، كمن يسحب عجينة لم تُختمر بعد،
فتخرج مشوهة وضعيفة. أما الله، فيدعونا أن نثبت تحت يده القوية، عالمين أن ما يبدو
تأخيرًا هو في الواقع عمل عميق في دواخلنا.
الانتظار الإيماني يصنع شيئًا رائعًا في القلب: ينقل الإنسان من الاعتماد على النتائج إلى الالتصاق بالله نفسه. لم يعد
الرجاء فقط في العطية، بل في العاطي، لم تعد الأفراح الحقيقية مرتبطة فقط بتحقيق
الأحلام، بل بحلاوة الشركة مع الله في الطريق نحو تحقيقها. وهكذا، يتحول زمن
الانتظار إلى مدرسة روحية تُخرّج رجالا ناضجين، قادرين أن يقولوا مع أيوب " هُوَذَا
يَقْتُلُنِي. لا أَنْتَظِرُ شَيْئًا. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ.
(أى ١٣ : ١٥) وفي رحلة الانتظار أيضًا، يُعطينا الله "المن اليومي"،
التي ليست هي تحقيق الوعد، بل نعمة تكفينا ليومنا. مثلما أعطى شعبه المنّ في
البرية كل يوم بيومه، دون تخزينه للغد، هكذا يُعطينا قوة خاصة لكل يوم. فلا نحتاج
أن نفهم الغد، بل أن نثق في الذي يمسك بالغد، فالشك عكس هذا تمامًا، لأنه يسلك
بالعيان، يرى التأخير فيظنه خيانة، يرى الألم فيظنه تخليًا، يرى ضعف الإمكانيات
فيظنه فشلًا. أما الإيمان، فيرى الله خلف كل ستار، ويثق أن المسرح يُجهز للظهور
الأعظم لوعد الله في حياة أولاده، لذلك.. عندما تشتد وطأة الشك، علينا أن نتذكر أن
إيماننا لا يُقاس بسرعة استجابة صلواتنا، بل بثباتنا وسط صمت السماء. لأن في هذا
الصمت، الله يصنع أعظم معجزاته، داخل قلوبنا قبل أن تظهر حولنا. وكما قال كاتب
المزمور "ٱنْتَظِرِ ٱلرَّبَّ. تَشَجَّعْ وَلْيَتَشَدَّدْ قَلْبُكَ،
وَٱنْتَظِرِ ٱلرَّبَّ." (مز ٢٧: ١٤) يستمر طريق الانتظار الإيماني في صقل
حياتنا، فهو ليس مجرد عبور لمرحلة صعبة، بل هو بناء داخلي هادئ لا تراه العيون،
لكنه ثمين جدًا في ميزان الله. كل لحظة نصبر فيها دون أن نفهم، وكل دمعة نسكبها
دون أن نيأس، وكل صلاة نرفعها دون أن نرى جوابًا فوريًا، تُسجل ككنز أبدي في سماء
الله. لهذا يحثنا الكتاب على أن نثبت، لا فقط لأن الجواب سيأتي، بل لأن الله في
ذاته هو الجواب. الانتظار يعلمنا أن الله لا يقاس بظروفنا، ولا تتغير محبته بتغير
أيامنا، بل هو صخرة ثابتة، أمينة إلى الأبد.
عندما نسلك بالإيمان وسط الانتظار، فإننا لا نصبح فقط منتظرين لوعد ما، بل
نصبح شهودًا على أمانة الله للعالم من حولنا. كل واحد يرى فينا رجاء لا ينكسر،
وصبرًا لا يفشل، يلمس أن هناك مصدر قوة أسمى من الظروف. وهكذا تتحول حياتنا إلى
ترنيمة صامتة تعلن أن الله حيّ وأمين. وفي النهاية، يثمر الانتظار الإيماني فينا
ثمر الروح، ويقودنا إلى أعماق لا يصلها إلا من ثبتوا حين اشتدت الرياح، فليكن
شعارنا وسط أي تأخير: " انْتَظَرْتُكَ يَا رَبُّ. انْتَظَرَتْ نَفْسِي،
وَبِكَلامِهِ رَجَوْتُ. (مز ١٣٠ : ٥)
من يتكل على الرب لا يخيب أبدًا. إن كان الشك يحاول أن يضعف قلوبنا،
فالإيمان يقودنا إلى أعظم انتصارات الحياة الروحية، حيث نختبر أن "كل
الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله" (رو ٨: ٢٨)
٤
الانتظار في الكتاب المقدس
الانتظار ليس وقتًا ضائعًا، بل وقت إعداد وثقة في عمل الله الخفي.
الانتظار في الكتاب المقدس - مدرسة الإعداد والاتكال :
الانتظار - ليس مجرّد حالة من الترقب السلبي أو القبول المُرهق لواقع مؤلم،
بل هو جزء جوهري من رحلة الإيمان، وأداة يستخدمها الله لتشكيل القلوب وتكميل
المقاصد. الله لا يتأخر بل يعمل في صمت، ويُعدّنا في الوقت الذي نظنه هدوءًا بلا
فائدة، وعندما نقرأ قصص رجال الله نجد أن الانتظار كان دومًا جزءًا من خطة الله
لإعداد رجاله ونسائه للبركة المُعدة لهم.
يوسف - من السجن إلى القصر :
حين نتكلم عن الانتظار، لا يمكن أن نغفل رجل الله يوسف. شاب أحبّه أبوه
أكثر من إخوته، وكان له حلم عظيم من الله، لكن ما بين الحلم وتحقيقه مرّ يوسف
بمحطات موجعة - رُمي في البئر - بيع عبدًا - عاش كغريب - اتُّهم ظلمًا - وسُجن ..
ناسيًا من الناس.. لكنه لم يُنسَ من الله، سنوات طويلة مرت، يقدّرها البعض بـ13
سنة، ما بين الحلم وتحقيقه، هل كانت هذه السنوات ضائعة؟ قطعًا لا، ففي بيت
فوطيفار.. تعلّم يوسف الإدارة، وفي السجن.. تعلّم الصبر والإصغاء لله، وفي كل خطوة
كانت يد الرب تُعدّه، لمركز عالٍ.. لم يكن مؤهلًا له يوم رأى الحلم أول مرة، لقد
صار يوسف الرجل الثاني بعد فرعون، لا لأن الطريق كان سهلا، بل لأنه انتظر بصبر
وإيمان، ولأن الله لم يكن بطيئًا بل كان يُنضجه.
داود - الممسوح الهارب
داود، الراعي الصغير، دُعي ومسحه صموئيل ملكًا وهو شاب (١صم ١٦) لكن العرش
لم يكن له مباشرة. بل عاش سنين طويلة هاربًا من شاول، مطاردًا، مهددًا، يعيش في
الكهوف والبراري، يُقاتل لينجو. أيمكن أن يكون هذا هو الملك الذي اختاره الرب؟ الانتظار
بالنسبة لداود لم يكن فقط زمنيًا، بل كان امتحانًا للطاعة والثقة، كان يمكنه قتل
شاول بسهولة أكثر من مرة، لكنه رفض أن يسبق توقيت الله، وقال: " فَقَالَ
لِرِجَالِهِ: "حَاشَا لِي مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ أَنْ أَعْمَلَ هذَا الأمْرَ
بِسَيِّدِي، بِمَسِيحِ الرَّبِّ، فَأَمُدَّ يَدِي إِلَيْهِ، لأنَّهُ مَسِيحُ
الرَّبِّ هُوَ". (١صم ٢٤ : ٦) هذه هي الثقة العميقة التي لا ترى الأحداث
فقط، بل ترى ما وراء الأحداث - يد الله .. الانتظار علّم داود الاتكال لا على
السيف، بل على صوت الرب. وعندما جلس أخيرًا على العرش، كان مهيأً له بالقلب قبل
المقام.
الانتظار وقت إعداد لا إهمال
في ثقافتنا المعاصرة، نُشجّع على السرعة، النتائج الفورية، الإنجاز السريع،
لكن الله يعمل بزمن مختلف، قد تبدو لحظات الانتظار طويلة علينا، لكنها في توقيت
السماء ضرورية للغاية، الانتظار ليس علامة على أن الله نسيك، بل على أنه يُعِدّك، ليس
فراغًا، بل مساحة مملوءة بالنعمة الخفية والتشكيل العميق، يقول إشعياء: "وَلكِنِ
الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ الرَّبَّ يَجِدِّدُونَ قُوَّتَهُمْ، يَرْفَعُونَ
أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ" (إش ٤٠: ٣١) كلمة "ينتظرون"
هنا في العبرية هي קָוָה – qavah، وهي تحمل معنى الالتصاق - الرجاء - الترقب بثقة، وليس مجرّد
الجلوس في صمت ( هللويا .. هي فترة التصاق بالرب وليس فراغ روحي او نفسي )
الإيمان يُختبر بالانتظار :
الانتظار يكشف عمق الإيمان. الإيمان الحقيقي لا يظهر حين تُستجاب الصلاة
مباشرة، بل حين تطول الاستجابة وتبقى القلوب ثابتة. مثل إبراهيم، الذي "آمن
على خلاف الرجاء"، منتظرًا تحقيق وعد الله رغم جسده الميت وزوجته العاقر
(رو ٤ : ١٨ - ٢١) الانتظار يعلمنا كيف
ننظر إلى الله لا إلى الساعة. كيف نُقدّر يده لا توقيتنا. وكيف نثق أن الله لا
يعمل وفق جدول أعمالنا، بل وفق حكمته الكاملة.
الانتظار يثمر ثمرًا ناضجًا :
في رسالة يعقوب يُشبَّه الانتظار
بالمزارع: " فَتَأَنَّوْا
أَيُّهَا الإخْوَةُ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ. هُوَذَا الْفَّلاحُ يَنْتَظِرُ ثَمَرَ
الأرْضِ الثَّمِينَ، مُتَأَنِّيًا عَلَيْهِ حَتَّى يَنَالَ الْمَطَرَ الْمُبَكِّرَ
وَالْمُتَأَخِّرَ. فَتَأَنَّوْا أَنْتُمْ وَثَبِّتُوا قُلُوبَكُمْ، لأنَّ مَجِيءَ
الرَّبِّ قَدِ اقْتَرَبَ. (يع٥ : ٧-٨) المزارع لا يستعجل الزرع، لأنه يعلم أن
الجذور تنمو أولًا في الخفاء قبل أن يظهر الثمر. وكذلك الله، يغرس فينا مقاصده،
وينمّيها في الخفاء، ثم يكشف الثمر في الوقت المعين، فالرب لا يتأخر – هو يُتقن
التوقيت، الله لا يتأخر عن مواعيده، لكن أحيانًا يبدو لنا وكأنه يتأخر. عندما مرض
لعازر، أرسلوا للرب يسوع لكنه تأخر عمدًا.. مات لعازر واعتقد الجميع أن الرب تأخر،
لكن الرب جاء.. وأقامه.. ليُظهر مجده، تأخير الله كان لترتيب معجزة أعظم، الانتظار
أعطى للعائلة فرصة جديدة لترى مجدًا لم تكن لتحلم به، لولا الإنتظار لما رأينا
القيامة.
في حياتنا اليوم: كيف ننتظر؟ :
ننتظر بالصلاة - بالتسبيح - بالتأمل - وبالثقة، لا ننتظر في تذمر بل في
رجاء، لا ننتظر متكلين على البشر، بل على الله، ننتظر كما قال المرنم: " نَفْسِي
تَنْتَظِرُ الرَّبَّ أَكْثَرَ مِنَ الْمُرَاقِبِينَ الصُّبْح.. (مز ١٣٠ : ٦)
المراقب لا يستطيع إسراع الفجر، لكنه ينتظر في ثقة لأنه يعلم أن الصبح سيأتي. كذلك
ننتظر نحن.
الانتظار ثقة لا هزيمة :
الانتظار هو تعبير عن الثقة في الله أكثر من الظروف، يوسف انتظر، داود
انتظر، إبراهيم انتظر، ونحن أيضًا مدعوون لننتظر الرب، لأننا نعلم أن "...
طُوبَى لِلإنْسَانِ الْمُتَّكِلِ عَلَيْكَ. (مز ٨٤ : ١٢) في زمن الانتظار،
يعمل الله أكثر مما نتخيل، وما يبدو تأخيرًا، هو في الحقيقة توقيت إلهي دقيق، يصنع
كل شيء حسنًا في حينه " صَنَعَ الْكُلَّ حَسَنًا فِي وَقْتِهِ، وَأَيْضًا
جَعَلَ الأبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمِ، الَّتِي بِلاهَا لا يُدْرِكُ الإنْسَانُ
الْعَمَلَ الَّذِي يَعْمَلُهُ الله مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى النِّهَايَةِ. (جا
٣ : ١١) انتظر ولا تقلق.
الفصل الثاني
الضمان الحقيقي للثقة
١
تحقيق شرط الايمان والطاعة
حين يتحقق الإيمان يظهر المجد "إن آمنتِ ترين مجد الله"
(يو ١١ : ٤٠) هذه الاية من فم الرب يسوع ليست فقط وعدًا لمريم ومرثا، لكنها إعلان
إلهي عن المبدأ الذي يسير به الله مع الإنسان، الشرط قبل المجد. الله لا
يتراجع عن وعوده، لكنه أيضًا لا يُتممها إلا حين يتحقق الشرط. فالوعد الإلهي ليس
تلقائيًا، بل مشروط بالإيمان والطاعة، وإذا لم يتحقق الشرط في جيل، يؤجَّل الوعد
حتى يأتي جيل يصدّق ويتمسك، وعندها يُعلن المجد، الله يطلب جيل يصدق جيل يؤمن جيل
يعيش ايمانه، بين الوعد وتحقيقه: أين يقف الجيل؟ الله وعد شعب إسرائيل
بدخول أرض الموعد، لكن جيل كامل مات في البرية لأنهم لم يؤمنوا. لم يُلغَ الوعد،
لكنه لم يُعطَ لهم. تحقق بعد أربعين سنة في جيل يشوع، الجيل الذي قرر أن يُصدق
ويُطيع، الدرس واضح.. الله لا يتراجع، لكنه لا يتهاون. من لا يؤمن، لا يرى.
ومن لا يطيع، لا يتمتع. لا لأن الله قاسٍ، بل لأنه أمين لمبدأه، الاعلان.. ثم
الإيمان به.. والعيش بموجبه.. فيأتي المحد.
مجد الله ينتظر من يفتح له الباب :
يسوع لم يقل لمرثا "سترين مجدي" فقط، بل وضع شرطًا "إن
آمنتِ". المجد كان موجودًا بالفعل، على وشك أن يُعلن، لكنه انتظر لحظة
الإيمان، وهكذا الله.. لا ينقصه المجد، بل من يؤمن ليعلنه فيه، كم من وعد إلهي لم
يُعلن في جيل لأنه لم يُحقق الشرط؟ وكم من مجد تأجل، لأن القلب لم يكن مستعدًا؟!. لماذا
لا يتحقق الوعد أحيانًا؟ : ليس لأن الله غير أمين، بل لأن الشرط لم يتحقق، عندما
لا يُصدَّق الوعد، لا يُعلَن المجد، عندما نُفسر الانتظار على أنه تجاهل، لا نفهم
توقيت الله، عندما نُقدّم التزمر بدل الشكر، نغلق على أنفسنا أبواب السماء، لكن
حين نحقق الشرط، الله يسرع ليتمم الوعد. هو ليس بطيئًا كما يحسب البعض، لكنه طويل
الأناة، منتظرًا قلوبًا تؤمن.
حنّة وسِمعان: أمثلة لجيل يُحقق الشرط :
حنّة، أم صموئيل، اعطيت ولد، لا .. بل
اكثر من هذا!. منحت بإبن نبوي.. فتح عهدًا جديدًا في إسرائيل. لماذا؟ لأنها وصلت
لنقطة الانكسار الكامل، والتسليم الكامل، والإيمان الصادق. حين تحقق الشرط،
أُعطي لها أكثر مما طلبت.
سِمعان الشيخ، لم يكن مجرد شيخ منتظر،
بل رجل بار وتقي، يُفتش في النبوات ويمتلئ بالروح. جيله لم يكن مستعدًا بالكامل،
لكن قلبه حقق الشرط، فعُرض عليه المجد: "عينيّ قد أبصرتا خلاصك"
يا له من إعلان تم تحقيقه في زمن من كانوا مفتاحا له، لا تخلط بين تأجيل تتميم
الوعد، وإلغاءه عندما ننتظر ولم يحدث شيء، قد نظن أن الله تراجع. لكن الحقيقة
أن الله هو الذي ينتظرنا نحن لنكمل شروط المجد. الانتظار ليس توقفًا، بل دعوة
للإيمان العميق، ففي وعود الله، ليس السؤال: "متى؟"، بل "هل نحن
مستعدون؟" فالتوقيت مرتبط عوامل التحقيق للشرط وإعلان المجد وتتميمه لا
يوجد تأخير فيه لانه مرتبط بالتوقيط الشرطي.
شرط الوعد في يومنا : الله لا زال عند وعده
بالشفاء - بالنهضة - بخلاص نفوس - بالبركة، لكن هل تحقق الإيمان؟ هل توجد حياة
طاعة؟ هل توجد كنيسة تؤمن، وتصلي، وتترجى مجد الله؟ إن لم يتحقق الشرط، لن يُرى
المجد. لكن حين يتحقق، يأتي المجد كالسيل، لذلك .. لا تنتظر المجد كأنه قادم من
فراغ، المجد لا يُعلن للعيون الكسولة، بل للقلوب النشيطة المؤمنة، لا تقل "أين
وعود الله؟"، بل اسأل.. هل حققت شرطها؟ حين يكون هناك إيمان حي، يتمم
الله وعده، ويُعلن مجده، إن لم يتحقق المجد في هذا الجيل، فهو لن يُلغى، بل يُؤجل،
كم هو جميل أن نكون نحن الجيل الذي يصدق، ويتوب، ويصلي، ويؤمن… فنرى المجد بعين
الإيمان، ونختبره في واقعنا.
"إن آمنت… ترين مجد الله"
٢
تحقيق شرط الثبات في الكلمة
قال الرب يسوع "إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي،
وتعرفون الحق، والحق يحرركم" (يوحنا ٨: ٣١–٣٢) في هذه الآية نجد وعدًا
ثمينًا: الحرية. لكن الوعد ليس مفتوحًا للجميع تلقائيًا، بل مشروط بشرط
واضح، الثبات في كلام المسيح، لا يكفي أن نسمع الكلمة، أو نحفظها، أو نشاركها مع
الآخرين، بل المطلوب هو أن نثبت فيها، الثبات هنا يعني الاستمرار، الثبات،
الالتصاق، والعيش بكلمة الله كمنهج حياة لا كفكرة وقتية أو انفعال عاطفي.
ما معنى "الثبات في الكلمة"؟ :
الثبات في الكلمة معناها أن تكون الكلمة هي مصدر قراراتنا، ومقياس تقييمنا،
وسلطاننا الأعلى، فنقرأها يوميًا، نتأمل فيها، نعيشها، نُصحّح بها مساراتنا، ونخضع
لها حتى لو كانت ضد ميولنا، فالذي يثبت في الكلمة هو الذي لا يتذبذب بحسب الظروف
أو المزاج، فهو لا يقرأ فقط الآيات المريحة ويُهمل الآيات التي تدعوه للتوبة أو
التصحيح. بل يقف أمام الكلمة بكل خشوع، ويسمح لها أن تعمل فيه، وتغيّر فيه، وتصقله
يومًا بعد يوم، والكلمة هنا ليست مجرد آيات مكتوبة، بل المسيح نفسه هو الكلمة (يو
١ : ١). فالثبات في الكلمة هو الثبات في المسيح، وفي تعاليمه، وفي شخصه، وفي عمله
داخل القلب.
الثبات شرط لتحقيق وعود الله :
يوجد كتير من الوعود الإلهية: مثل
وعد بالحرية (يو ٨ : ٣٢) - وعد بالسلام: "سلامًا أترك لكم، سلامي
أعطيكم" (يو ١٤ : ٢٧) - وعد بالانتصار على الخوف والخطية (٢تي ١ : ٧) - وعد
بالإرشاد (يو ١٦ : ١٣) كلها وعود مشروطة بثبات المؤمن في الكلمة، فمن يقف مع
الكلمة، الكلمة تقف معه، ومن يساوم على الكلمة، يفقد قوتها، فالرب لا يغيّر شروطه
من أجل مشاعرنا أو احتياجاتنا. هو أمين لكلمته، لا ينكر نفسه.
الله أمين... شرط أن نثبت في كلمته :
ثقتنا في وعود الله مبنية على أمانته، لأن الله لا يتغير، "يسوع
المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد" (عب ١٣ : ٨) لكن من اجل أمانته التي
تعمل في حياتنا، لابد أن نثبت في كلمته. لأن الأمانة مرتبطة بما قاله، لا بما
نتصوره نحن، الله ملتزم أن يفي بما وعد به، لكن وفقًا لشروطه هو، مش توقعاتنا.
والشرط الأساسي في موضوعنا هنا هو "الثبات".
الثبات في الكلمة يقود لمعرفة الحق :
لاحظ تسلسل الآية: "إن ثبتم في كلامي، فبالحقيقة تكونون تلاميذي،
وتعرفون الحق، والحق يحرركم." بدون الثبات، لن نعرف الحق، وبدون معرفة
الحق، لن نختبر الحرية، كم مرة شعرنا بالقيود، بالحيرة، بالضياع؟ السبب ليس ضعف في
قدرة الله، بل ضعف في ثباتنا في كلمته، الثبات فالكلمة تحررنا من الفكر الخاطئ،
ومن مشاعر الإدانة، ومن الحروب النفسية، ومن وعود العالم الكاذبة، لأنه يرينا
الحقيقة كما يراها الله.
الثبات دليل على التلمذة الحقيقية :
ليس كل مَن يقول "يارب، يارب" هو تلميذ، لكن مَن يثبت في
كلمة المسيح، يبرهن أنه تلميذ حقيقي، التلمذة ليس مجرد حضور اجتماعات أو معرفة
كتابية، لكنها علاقة حيّة مستمرة تنمو يومًا بعد يوم على أساس الكلمة، الكلمة في
قلبه، في فكره، في قراراته، في ردوده، في علاقاته، قال داود "خبأت كلامك
في قلبي لكيلا أخطئ إليك" (مز ١١٩ : ١١) وقال أيضًا "سراج لرجلي
كلامك، ونور لسبيلي" (مز ١١٩ : ١٠٥).
أمانة الله الماضية تشجّعنا على الثبات :
قال الرب لشعبه في القديم "اذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب
إلهك" (تث ٨ : ٢) عندما نفتكر كيف كان أمينًا في الماضي، هذا يشجعنا لنثق
إنه مازال أمين، وإنه يستحق ان نثبت في كلمته، الله لا يتغير. لا يتراجع عن وعوده،
هو صادق وأمين. لكنه لا يتجاوب مع الامزجه، بل مع الإيمان والطاعة والثبات.
الثبات مش بالأداء، بل بالإيمان والعلاقة :
أحيانًا نظن إن الثبات معناه الكمال. لكن الحقيقة ان الثبات معناه
الإستمرار رغم التعب، رغم السقوط أحيانًا، رغم الشك، لكنك مازلت متمسك بالكلمة،
مثل الممسك في وعد الله ويقول: "حتى لو لم اري الان، لن اترك كلمتك ، ساستمر
ثابت، لأني اعرف إنك صادق وأمين." هذه هي التلمذة الحقيقية. وهذه هي الحياة
التي يتمم الله فيها وعوده.
الثبات طريق الحرية :
الحرية من الخوف، من الماضي، من العبودية، من الخطية، من قيود إبليس... كل
هذا مرتبط بمعرفة الحق. والحق لا يُعرَف إلا من خلال الثبات في الكلمة، قال الرب
"تعرفون الحق، والحق يحرركم " هذا ليس وعد عشوائي... إنه وعد
للتلميذ، والتلميذ هو من يكون ثابت ويثبت، فتحقيق الوعود الإلهية ليس تلقائيًا، بل
مشروط، واحد من أهم الشروط: الثبات في الكلمة، الثبات معناه الاستمرار في الكلمة
كمنهج حياة، من يثبت، يعرف الحق، ومن يعرف الحق، يعيش حر، ومن يثبت في الكلمة،
يبرهن إنه تلميذ حقيقي للمسيح، ويختبر أمانة الله ليس كحدث ماضي، بل كواقع حيّ في
الحاضر والمستقبل.
٣
تحقيق شرط طلب وجه الرب
السلوك في الروح لا في الجسد - مبدأ إلهي لا يُهمل :
حين نتحدث عن الثقة في وعود الله، لا نعني بها مجرد التفاؤل أو الأمل العام
في أن الأمور ستسير للأفضل، بل نعني الثقة المبنية على حقائق إلهية معلنة في
كلمته، لكن هذه الثقة ليست عمياء، وليست مجانية من حيث الشروط، فالله في محبته
العظيمة، وضع لوعوده شروطًا واضحة، ومن أبرزها: طلب وجه الرب. غير أن هذا الطلب لا
يتم بمجرد الكلمات أو بالتدين الخارجي، بل يتحقق في حياة واحدة فقط، حياة
السلوك في الروح وعدم إرضاء الجسد، يقول الرب " فَإِذَا تَوَاضَعَ
شَعْبِي الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ وَصَلَّوْا وَطَلَبُوا وَجْهِي، وَرَجَعُوا
عَنْ طُرُقِهِمِ الرَّدِيةِ فَإِنَّنِي أَسْمَعُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَغْفِرُ
خَطِيَّتَهُمْ وَأُبْرِئُ أَرْضَهُمْ. (٢أخ ٧ : ١٤) نلاحظ هنا أن الشفاء
والغفران وتحقيق الوعود الإلهية ليست تلقائية، بل مشروطة بأربع استجابات إنسانية: التواضع،
الصلاة، طلب وجه الرب، والرجوع عن الشر. إذًا، طلب وجه الرب
لا ينفصل عن حياة طاهرة وخاضعة، حياة لا يملكها الجسد بل يقودها الروح القدس.
السلوك بحسب الروح: جوهر العلاقة مع الله :
في رسالة رومية " لأنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ
فَسَتَمُوتُونَ، وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ
فَسَتَحْيَوْنَ. لأنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ الله، فَأُولئِكَ
هُمْ أَبْنَاءُ الله. (رو٨ : ١٣-١٤) تظهر معادلة الحياة الروحية بجلاء - إما
موت بحسب الجسد، أو حياة بحسب الروح، الله لا يساوم على هذه القاعدة، لأنها تعبر
عن طبيعة الشركة معه، من يريد أن يتمتع بالحياة الموعودة في كلمته، عليه أن يسلك
بحسب الروح، لا بحسب الجسد، لكن، ما معنى السلوك بحسب الروح؟ إنه ليس مجرد
حالة وجدانية أو مشاعر عالية في العبادة، بل هو أسلوب حياة كامل، تُقاد فيه كل
القرارات، وكل التصرفات، وكل الاتجاهات الداخلية والخارجية، بحسب إعلان الروح في
الكلمة، هو أن تكون لك شركة حيّة مع الله، حيث تمتحن ما هو مرضي لديه، وتُميت
أعمال الجسد، وتُظهر ثمر الروح في كل سلوكك.
يقول بولس الرسول " وَإِنَّمَا أَقُولُ: اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلا
تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ. لأنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ
وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، حَتَّى
تَفْعَلُونَ مَا لا تُرِيدُونَ. وَلكِنْ إِذَا انْقَدْتُمْ بِالرُّوحِ فَلَسْتُمْ
تَحْتَ النَّامُوسِ. (غلا٥ : ١٦-١٨)
لاحظ - لا يقول “حاولوا أن تمتنعوا عن شهوة الجسد” بل ببساطة: اسلكوا
بالروح، ولن تُكملوا شهوة الجسد. لماذا؟ لأن القلب لا يستطيع أن يخدم
سيدين. حين يسود الروح القدس، يخضع الجسد. لكن حين يُعطى الجسد حرية السيادة،
ينطفيئ صوت الروح ويخسر الإنسان.
الجسد يعطّل وعود الله :
من الأمثلة الواضحة التي تُبرز هذا المبدأ، قصة الجيل الأول من بني إسرائيل
الخارجين من أرض مصر. لقد وعدهم الرب بدخول أرض الموعد، ومع ذلك، لم يدخل معظمهم!
لماذا؟ يقول الكتاب " لِذلِكَ مَقَتُّ ذلِكَ الْجِيلَ، وَقُلْتُ:
إِنَّهُمْ دَائِمًا يَضِلُّونَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا
سُبُلِي. حَتَّى أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي: لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي".
اُنْظُرُوا أَيُّهَا الإخْوَةُ أَنْ لا يَكُونَ فِي أَحَدِكُمْ قَلْبٌ شِرِّيرٌ
بِعَدَمِ إِيمَانٍ فِي الارْتِدَادِ عَنِ الله الْحَيِّ. (عب٣ : ١٠-١٢) لقد ماتوا في البرية، لا لأن الله نكث
بوعده، بل لأنهم سلكوا بحسب الجسد - تذمّروا، شكوا، رجعوا
بقلوبهم إلى العبودية، وتمردوا. لم يطلبوا وجه الرب بصدق، بل
طلبوا ما يشبع غرائزهم وشهواتهم. الجسد حكم على تحركهم، فأعاقهم عن دخول ما وعدهم
به الرب.
طلب وجه الرب كشرط لتحقيق الوعود الإلهية، لا يتحقق إلا في إطار السلوك
بالروح وعدم إرضاء الجسد. هذا ليس مبدأ رمزيًا، بل عمليًا ومؤثرًا في كل نواحي
الحياة. وهنا نتابع بتفصيل التطبيقات، والأمثلة، وثمر هذه الحياة، لكي يصبح الضمان
الحقيقي للثقة في الله أمرًا واقعًا نعيشه، لا مجرد أمنية.
أولًا: ملامح السلوك بالروح
١. شركة حيّة مع الله :
السلوك بالروح لا يبدأ من مجرد اجتهاد أخلاقي، بل من شركة حيّة مع الله.
الشركة هنا ليست مجرد حالة روحية نظرية، بل علاقة يومية مُتّقدة بالحب، والثقة،
والطاعة. هذه العلاقة تُبنى على أساس الكلمة والصلاة، وتتغذّى على الإصغاء
لصوت الروح القدس، قال يوحنا الرسول في رسالته الأولى " الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَيْ يَكُونَ
لَكُمْ أَيْضًا شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ
وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. (١يو ١ : ٣) هذا
الإعلان يُظهر أن الحياة المسيحية لا تقوم فقط على الإيمان العقائدي، بل على علاقة
حقيقية مستمرة، الايمان العقاىدي يخلق مؤمنين في جمود ونشوفة روحية تظهر في جمود
العلاقات داخل الكنيسة او المجامع والمذاهب، فالشركة بحسب العهد الجديد تُترجم من
الكلمة اليونانية Κοινωνία وتنطق Koinōnia - كُوينُونيا، ومعناها شركة - مشاركة - اتحاد روحي - تقارب
عميق، هذه الكلمة كانت تُستخدم للدلالة على الاشتراك الكامل في حياة شخص
آخر، أي أن المؤمن لا يملك فقط إيمانًا نظريًا، بل يُشترك في حياة الله
اليومية، هذه الشركة تُثمر طاعة حقيقية، لأن من يعيش مع الله ويستمع لصوته، لا
يمكن أن يحيا حسب الجسد. كما قال الرب يسوع " خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي.
وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأبَدِ، وَلا
يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. (يو١٠ : ٢٧-٢٨) فالشركة اليومية تشمل، قراءة الكلمة لا
كواجب، بل كغذاء يومي (متى ٤ : ٤) الصلاة كباب مفتوح للحوار مع الآب (أفسس ٦ : ١٨)
الإصغاء لصوت الروح القدس في القلب (رؤيا ٣ : ٢٠) إن السلوك بالروح يبدأ حين تنبع
الأفعال من هذه الشركة، لا من الذات أو العادة. هي علاقة تبني الثقة وتُنتج الطاعة
وتُحيي القلب.
٢. الامتحان المستمر لما هو مرضي للرب
يقول بولس الرسول " لأنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ هُوَ فِي كُلِّ صَلاحٍ
وَبِرّ وَحَقّ. مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّبِّ. وَلا
تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ
وَبِّخُوهَا. (أف٥ : ٩-١١) فالحياة
بالروح تعني أن لا نعيش بردود فعل بشرية أو مشاعر مندفعة، بل نفحص كل شيء: الكلام،
التصرف، النية، حتى الخواطر الداخلية، السلوك بالروح لا يعني فقط فعل الصواب، بل
أيضًا فحص الدوافع والاتجاهات باستمرار، لتمييز ما يرضي قلب الله. فالذي يسلك
بالروح لا يقوده المنطق البشري وحده، ولا تقاليد الناس، بل يطلب دائمًا أن يعرف
مشيئة الرب الصالحة والكاملة المرضية (رو ١٢ : ٢) فالامتحان هنا ليس امتحان
المعرفة أو الظواهر، بل امتحان داخلي روحي يقوده الروح القدس ويكشف به إرادة الله
في كل موقف " مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّب " العبارة
اليونانية المستخدمة هنا هي δοκιμάζοντες وتنطق دوكيمازونتِس - dokimazontes
وتعني مُختبِرين - مُمتحِنين، تستخدم في سياق روحي للدلالة على فحص
الإرادة الإلهية وتمييز ما هو حق وموافق لمشيئة الله، وهذا يدل على أن المؤمن
الذي يسلك بالروح لا يتعامل بسطحية، بل بفحص دقيق لما يريده الرب منه، سواء في
الأمور الكبيرة أو الصغيرة، فالروح القدس لا يعطينا فقط القوة لنفعل، بل أيضًا
النور لنعرف ما ينبغي أن نفعله. وهذا هو جوهر السلوك الروحي، حياة مملوءة من
الإدراك الروحي، تقود إلى طاعة دقيقة، ترضي الرب في كل شيء.
٣ - إماتة أعمال الجسد وإظهار ثمر الروح
السلوك بالروح لا يكتفي بالبعد عن الشر، بل يذهب أعمق إلى صلب الذات
وشهواتها، ليُظهر ما هو من الله وحده. قال بولس "الذين هم للمسيح قد صلبوا
الجسد مع الأهواء والشهوات" (غلا ٥ : ٢٤). لا مجال هنا للتهاون مع شهوات
النفس أو تدليل الجسد، فالسير بالروح هو دعوة لحياة مصلوبة، لا يتحكم فيها الغضب،
ولا تقودها الأنانية، ولا تَسوقها رغبات متقلبة، هذه الإماتة ليست حالة سلبية، بل
تُفضي إلى إثمار إيجابي مبارك، فحيث يُصلب الجسد، هناك يُثمر الروح. وتظهر ثمار
الروح في السلوك اليومي كعلامة على طلب وجه الرب بصدق: "وأما ثمر الروح
فهو: محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف" (غلا ٥ :
٢٢ - ٢٣). هذه الصفات ليست مجرد أخلاق عامة، بل تعبير حيّ عن حضور المسيح في
القلب، وتجسيد لطبيعته في المؤمن، حين نسلك بالروح، لا يرانا الناس فقط، بل يشعرون
أن الله حاضر بيننا. فثمر الروح ليس للعرض بل للشهادة، إن الإنسان الذي يُميت أعمال الجسد ويُظهر ثمر
الروح، هو شخص يعلن عمليًا أنه يتبع الرب، ويطلب وجهه لا كلامًا، بل حياة.
ثانيًا: أمثلة كتابية :
١. يوسف في بيت فوطيفار :
رغم أنه كان شابًا، في ظروف قاسية، إلا أن يوسف لم يُرضِ الجسد، بل قال:
" لَيْسَ هُوَ فِي هذَا الْبَيْتِ أَعْظَمَ مِنِّي. وَلَمْ يُمْسِكْ
عَنِّي شَيْئًا غَيْرَكِ، لأنَّكِ امْرَأَتُهُ. فَكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ
الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى الله؟". (تك ٣٩ : ٩) لأنه طلب وجه الرب،
ارتفع فوق الظروف، وتمت فيه الوعود رغم التأخير، نحتاج في هذه الأيام مثل هذا
الرجل الممتليئ إيمانا وقوة ومتحد بفكر الله في قلبه وسلوكه العملي مهما كانت
التكلفة
٢. دانيال في بابل :
رفض أن يتنجس بأطايب الملك " أَمَّا
دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لا يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ
وَلا بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ، فَطَلَبَ مِنْ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ أَنْ لا
يَتَنَجَّسَ. (دا ١ : ٨) كان من الممكن أن يخضع لضغط المكان والزمان، لكنه
اختار أن يسلك بالروح. فأُعطي نعمة، تحقق وعد الله معه لأنه عاش بحسب الروح لا
الجسد، هل في هذه الايام يوجد مثل دانيال، نحتاج مثله في كناىسنا ومجتمعاتنا فينال
جيلنا رضي الرب.
٣. بولس الرسول نفسه
رغم الإمكانيات الفكرية والعلمية، اختار بولس أن يرضي الله لا الناس، وقال:
"بل أقمع جسدي وأستعبده" (١كو ٩ : ٢٧). فكانت حياته كلها تجسيدًا
لطلب وجه الرب، واستُخدم بقوة ليُتمم مقاصد الله في العالم الأممي.
ثالثًا: ثمر السلوك بالروح في واقعنا :
١. ضمان القيادة الإلهية
حين تسلك بالروح، لن تتيه في قراراتك. يقول الكتاب: "الذين ينقادون
بروح الله، فأولئك هم أبناء الله" (رو ٨ : ١٤). الروح يقود، ويكشف، ويصحح،
ويفتح الأبواب في العالم الذي تملؤه الفوضى والارتباك وتداخل الأصوات، يفتّش
الإنسان عن من يقوده بسلام، ويمنحه نورًا للطريق. وهنا يأتي دور السلوك بالروح.
فحين يسلك المؤمن بحسب الروح، يختبر عمليًا وعد الله، السلوك بالروح يمنح ثقة
داخلية بأن الرب يمسك بدفّة الحياة. القيادة الإلهية ليست شعورًا غامضًا، بل نتيجة
مباشرة للعلاقة مع الروح القدس. الروح لا يقود عبر الانفعالات اللحظية، بل من خلال
كلمته، وصوته الداخلي، وإقناع القلب، وظروف يُدبّرها الرب بحكمة عُليا. كثيرون
يتعثرون في قرارات مصيرية لأنهم يتبعون عواطفهم أو آراء الآخرين، أما من يسلك
بالروح، فينتظر توجيه الرب، ويعرفه، ويمضي فيه مطمئنًا، فالقيادة الإلهية لا تقتصر
على القرارات الكبرى كالسفر، الزواج، أو العمل، بل تشمل التفاصيل اليومية، كلمة
تُقال - مقابلة تُجرى - توقيت يُنتظر - باب يُفتح أو يُغلق. فالروح القدس هو
"المرشد اليومي" ليس في الظروف فقط، بل في عمق الفكر والإحساس، السلوك
بالروح يربط الذهن والمشيئة والقلب بمصدر واحد، الله - هذه الوحدة تمنع الازدواجية
والتردد، وتُنتج وضوحًا روحيًا رائعًا. من هنا، القيادة الإلهية ليست رفاهية
روحية، بل ثمرة حتمية للذين يسلكون في الطاعة والخضوع للروح، فالرب لا يقود
المترددين، بل أولئك الذين يسيرون خلفه بكل القلب، والروح القدس لا يقود المُعاند،
بل المُستعد أن يُغيَّر، أن ينتظر، وأن يتحرك فنسمع داخلنا بكل وضوح "هذه هي الطريق، اسلكوا فيها".
٢. اختبار وعود الله بوضوح :
السلوك بالروح يزيل العوائق التي تعطل استجابة الصلاة. الرب يسمع صلاة من
يطلب وجهه حقًا، لا من يطلب عطاياه فقط. يقول إشعياء "يد الرب لم تقصر عن
أن تخلّص، لكن آثامكم صارت فاصلة" (إش ٥٩ : ١ - ٢). إذًا الطهارة والسلوك
الروحي يُطلقان الوعود، اختبار وعود الله لا يعتمد على ترديدها فحسب، بل على تهيئة
القلب للسلوك بما يتوافق مع شروطها. فالله أمين في كلمته، لكنه لا يتجاهل مبادئه
التي أعلنها. من يسلك بالروح، لا يسعى وراء البركات بطريقة أنانية، بل يطلب وجه
الرب أولًا. وبهذا، تنفتح أمامه أبواب السماء، وتُستجاب صلاته بحسب مشيئة الله،
إشعياء يوضح هذه الحقيقة بقوة حين يقول: "... ولم تثقل أذنه عن أن تسمع
.." هذا النص يكشف أن الله لا يُمنع عن الاستجابة بسبب ضعف في قدرته أو
محبته، بل بسبب الحواجز الروحية الناتجة عن حياة الجسد والخطيئة، السلوك بالروح
يعمل كـ"رافعة روحية" ترفع الحواجز، وتعيد العلاقة مع الله إلى
مسارها الصحيح. حينما يسلك الإنسان بروح الله، يُنقَّى ذهنه، وتتقدّس مشاعره،
وتُصبح صلاته نابعة من إرادة متوافقة مع قلب الله. هذا هو الطريق لاختبار الوعد
الإلهي بوضوح، دون تشويش أو تأخير، الروح القدس لا يكتفي بإرشاد المؤمن، بل يعمل
داخله ليُصلّح الدوافع، ويطهّر القلب، ويقوده في الصلاة، فيسأل ما هو بحسب مشيئة
الله، ويثق أن الوعد سيتحقق، السلوك بالروح ليس فضيلة عليا فحسب، بل هو مفتاح عملي
للدخول إلى دائرة الاستجابة، واختبار تحقيق وعود الله في الزمن الإلهي، وبالطريقة
الإلهية.
٣. استعلان المجد الإلهي
يقول بولس: "إن كنا نعيش بالروح، فلنسلك أيضًا بحسب الروح"
(غلا ٥ : ٢٥) حين تسلك بالروح، ترى المجد في الضيق، وتسمع الصوت في الظلام، وتثق
في الوعد وسط العاصفة، السلوك بالروح لا يضمن فقط حياة روحية مستقيمة، بل يقود
أيضًا إلى اختبار استعلان المجد الإلهي في قلب الظروف والتحديات، فالسلوك بالروح
ليس حالة شعورية، بل نمط حياة يومي يُترجم في الاستجابة للروح القدس وسط الأزمات،
والمعاناة، والتقلبات، المجد الإلهي لا يُقاس بغياب الضيق، بل بوضوح حضوره في
الضيق. حين يسلك المؤمن بالروح، تنفتح عيناه ليرى ما لا يُرى. يرى يد الله وسط
النار، ويسمع صوته وسط العاصفة، ويختبر نعمته حين تبدو الأمور مستحيلة. تمامًا كما
حدث مع استفانوس، حين امتلأ من الروح القدس وهو يُرجم، "فرأى مجد الله، ويسوع
قائمًا عن يمين الله" (أعمال 7: 55). لم تتغير ظروفه، لكن رؤيته تغيّرت، لأن
قلبه كان مسكنًا للروح.
السلوك بالروح يجعلنا نعيش في واقع أعلى من
الواقع المادي. حينها لا نُقاس بالأحداث، بل بالحق الإلهي. المجد لا يعني سهولة
الحياة، بل ثبات الحضور الإلهي. فكما قال بولس أيضًا: " لأَنَّ خِفَّةَ
ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ
أَبَدِيًّا. (٢كو ٤ : ١٧) فالمجد لا يُمنح خارج الضيق، بل يُستعلن فيه، الروح
القدس لا يعطينا فقط تعزية، بل إعلانًا. إعلان عن خطة الله، وحضوره، ومجده. لذلك
من يسلك بحسب الروح لا يتعثر حين تضيق الطريق، لأنه يرى النور في وسط الظلام،
ويفهم أن المجد ليس آتيًا فقط، بل حاضرًا في حياته الآن، وهكذا، يصبح السلوك
بالروح هو الطريق العملي لاستعلان المجد الإلهي، ليس فقط في الأبديّة، بل في
الحاضر أيضًا، وسط الألم والتحديات اليومية، لكن عدم السلوك بالروح لا يعطل النمو
فقط، بل قد يؤدي إلى الدينونة. الذين لم يسلكوا بالإيمان في القديم "لم
يدخلوا راحته"، بحسب عبرانيين 3. فالجسد لا يُمكنه أن يُرضي الله
(رو ٨ : ٨). وهذه دعوة لنا: أن لا نعيش باسم المسيح فقط، بل بروحه أيضًا، وطلب وجه
الرب ليس صلاة تُقال، بل حياة تُعاش. وكل من يسلك في الروح، يُعطى له الحق أن يثق
في مواعيد الله، لأنه يعيش بحسب شروطها. الضمان الحقيقي للثقة، إذًا، ليس في كثرة
المعرفة، ولا في الإعلانات، بل في السلوك العملي بالروح. هناك تتحقق الوعود،
وتُصان النفس، ويُستعلن المجد، ويُثمر الإنسان بحسب قصد الله.
الفصل الثالث
ترجمة الثقة لأفعال
١
اله الأزمات، بل
إله الحياة
السلوك بالروح ليس حالة شعورية داخلية مؤقتة، بل هو أسلوب حياة دائم تتجلى
فيه الثقة بالله من خلال قراراتنا وتصرفاتنا اليومية. كثيرون يتكلمون عن الإيمان
والثقة، لكن البرهان الحقيقي على هذه الثقة يظهر عندما يُترجم الإيمان إلى خطوات
عملية، وطاعة ملموسة، وانقياد واعٍ لروح الله. فالسلوك بالروح لا يعني فقط
الامتلاء العاطفي أو الحديث عن الروحيات، بل يعني أني أعيش يومي وأنا مدرك أنني
لست وحدي، وأن الرب حاضر معي، يقودني ويوجهني، المؤمن الذي يسلك بالروح هو شخص يجعل
الله شريكًا في قراراته، وليس مجرد منقذ في أزماته. هو الذي يصلي قبل أن يتحرك،
ويسأل الرب لا ليؤكد قراراته بل ليخضع لمشيئته. في عالم يسوده المنطق البشري،
والتخطيط الذاتي، والانفعال اللحظي، يبرز السلوك بالروح كتعبير عميق عن الإيمان
الحي، المُتّكل على الرب في كل شيء، من الأمور الصغيرة اليومية حتى أكبر المنعطفات
المصيرية، حين نترجم الثقة إلى أفعال، نحن نعلن عمليًا أننا نؤمن بحكمة الله أكثر
من فهمنا، ونثق في توقيته أكثر من توقيتنا، ونتبع إرشاده حتى وإن بدا غير منطقي
أحيانًا. فالمقياس الحقيقي لثقتي بالله هو مدى قدرتي على تسليم القيادة له، وليس
فقط الحديث عن الاتكال عليه. كما قال سليمان: "توكل على الرب بكل قلبك،
وعلى فهمك لا تعتمد" (أم ٣ : ٥) فالسلوك بالروح هو أن أختار دائمًا أن
أعرفه في كل طريقي، ليُقيم سبلي.
الله ليس إله الأزمات فقط، بل إله الحياة كلها
كثيرون يظنون أن الله يتدخل فقط عندما تشتد الأزمات أو تتعقد الظروف، وكأن
علاقته بالإنسان تبدأ حين تنتهي قدرة الإنسان. ولكن الحق الروحي العميق هو أن الله
لا يريد أن يكون فقط ملجأنا وقت الضيق، بل شريكنا الدائم في الحياة كلها. الثقة
الحقيقية بالله لا تعني أنني ألجأ إليه فقط عندما أُجبر، بل أنني أختاره يوميًا،
وأعيش معه لحظة بلحظة، في الفرح كما في الألم، في القرارات الصغيرة كما في
الخيارات المصيرية، الله إله العلاقات اليومية، يهتم بتفاصيل ما نظنه تافهًا، لأنه
يحبنا محبة شاملة وعميقة، يقول " تَوَكَّلْ
عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لا تَعْتَمِدْ. فِي كُلِّ
طُرُقِكَ اعْرِفْهُ، وَهُوَ يُقَوِّمُ سُبُلَكَ. (ام ٣ : ٥-٦) لاحظ: "في
كل طرقك" أي لا تترك أمرًا دون أن تشرك الله فيه. هذا هو جوهر السلوك
بالروح: أن أُدخِل الله في كل أمر، وأعتمد عليه بثقة حقيقية، فأراه يقوّم طريقي.
الإنسان الذي يكتفي بالاعتماد على الله وقت الأزمة يُظهر علاقة سطحية تعتمد
على المنفعة، لكن من يسلك بالروح يُدرك أن الله حاضر وفعّال في كل مجالات الحياة،
في العمل - في العلاقات - في التخطيط للمستقبل - وحتى في القرارات اليومية البسيطة.
فالله لا يبحث عن علاقة طارئة، بل عن شركة مستمرة، تُثمر اعتمادًا دائمًا، حين
أُشرك الله في حياتي كلها، أختبر أمانه في كل موقف، لا فقط في الأوقات الصعبة.
أكتشف أن وجوده لا يُقدّر فقط وقت الحاجة، بل في كل لحظة. السلوك بالروح يُحوّل كل
لحظة إلى فرصة للعبادة، وكل طريق إلى طريق ممسوح بالإرشاد الإلهي، نري هذا في بعض
حياة رجال الله في الكتاب المقدس. داود لم ينتظر الضيق ليسأل الرب، بل كان
يطلب وجهه قبل كل معركة، حتى إن كانت شبيهة بسابقتها اقرأ ( ١صم ٢٣ ) الفكرة
الأساسية.. الرب يرشد داود باستمرار، ويوجه خطواته، حتى في وقت الخيانة والخطر،
وكان الرب يقوده بخطوات دقيقة، كما في (١صم ٣٠) نري الفكرة الأساسية.. داود القائد
الذي يتشدد بالرب وقت الشدة، يقود مجموعنه المساندين له للانتصار، ويضع مبادئ
عادلة.
أما يشوع فحين تجاهل سؤال الرب في قصة الجبعونيين، وقع
في فخ رغم أن الأمر بدا بسيطًا ومنطقيًا (يش ٩) فقد قطع عهدا معهم والتزم به رغم
أنه اكتشف أنهم خدعوه، الفرق؟ شخص يعيش بالله كل يوم، وآخر يذكره عند الطوارئ فقط،
( لا اتكلم عن مجمل حياة داود ويشوع، بل أقصد القصتين كونهما عكس بعضهما في طلب
وجه الرب من عدمه ) السلوك بالروح يعني أني لا أتكل على قدرتي أو خبرتي، بل أطلب
الله في كل شيء. وعندما أفعل ذلك، أختبر سلامه، إرشاده، وقوة حضوره حتى في أدق
تفاصيل الحياة. فالله ليس إله الضيقات فقط، بل هو الرب الراعي، الرفيق، القائد،
والمحب في كل زمان ومكان.
٢
قيادة أم مجرد استشارة
في مسيرة الإيمان، يواجه المؤمن سؤالًا جوهريًا: هل أتعامل مع الله كمستشار
أستشيره وقت الحاجة، أم كقائد أتبعه في كل حين؟ هذا السؤال يكشف عمق العلاقة مع
الرب، ويُظهر إن كانت ثقتي به حقيقية تُترجم لأفعال، أم مجرد شعور وقتي ينشط في
الأزمات، يصف إشعياء الرب في نبوته قائلا: "ويُدعى اسمه عجيبًا، مشيرًا،
إلهًا قديرًا، أبًا أبديًا، رئيس السلام" (إش 9: 6). هذه الألقاب ليست
مجازية، بل تعبير صريح عن طبيعة الكلمة المتجسد. اللقب المجازي هو تعبير يُستخدم
رمزيًا أو مجازيًا ليوصف شخصًا بشيء لا ينطبق عليه حرفيًا، مثل القول عن الجندي في
المعركة "كالأسد في القتال" فلقب الجندي بالاسد .. ليس اسدا بل
استخدم للاشارة الي القوة والشجاعة، اما اللقب هو إعلان حقيقي عن طبيعة الشخص
وهويته، كما في إشعياء، حيث لا يتحدث النبي عن صفات رمزية، بل عن حقائق جوهرية عن
شخص المسيح قبل أن يتجسد، وهي التي أُعلنت بوضوح في النور الكامل للعهد الجديد.
في ضوء العهد القديم، قد تكون هذه الألقاب محيّرة أو غير مفهومة، لكن بعد
التجسد، أدركنا معناها العميق، لأن " الكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا (يو
1: 14). ورغم ذلك، فإن القبول أو الرفض لهذه الألقاب لا يزال قائمًا: هناك من
صدّقوا فاستناروا، وهناك من رفضوا فظلوا في ظلمة الجهل الروحي وعدم الادراك، فمن
بين من قبلوا إعلان الله في شخص المسيح، سمعان الشيخ وحنّة النبية، وهما مثالان
رائعان على أشخاص عاشوا بالإيمان، فكان لهم شرف رؤية الرب المتجسد. سمعان قال: "لأن
عيني قد أبصرتا خلاصك" (لو 2: 30)، وهكذا صار الوعد حقيقة مرئية لأنهم
وثقوا وتبعوا قيادة الروح.
الرب لا يريد فقط أن يُستشار في وقت الضيق، بل أن يكون القائد الدائم
لحياتنا. هذا ا يقصده بولس بقوله: "لأن كل الذين ينقادون بروح الله،
فأولئك هم أبناء الله" (رو 8: 14). في هذه الآية نجد القانون الإلهي
للقيادة: القيادة لا تُفرض، بل تُقبل. الذين ينقادون بروح الله هم من قبلوا
قيادة الآب ولم يكتفوا باستشارته كطبيب طوارئ. هناك فرق بين أن "تستشير
الله"، أي تسأله عن رأيه وتقرر بنفسك، وبين أن "تُقاد بالله"، أي
تسلم له القيادة وهو يقرر ويقود، وأنت تطيع، الله لا يريد ان يكون هو المقرر وانا
المطيع بل يريد ان يكون مستشار والقائد اما صاحب القرار فهو انا، فعندما أقرر
وأترك له القيادة، سيقود حياتي لبر الامان، فالقياده له والاستشاره له - اما القرار
فهو لي، هذا شبيه بالمحامي الذي يقود مسيره الدفاع لكي تصل الاحكام لبر الامان -
ولكن من اتخذ قرار تسليم القياده والاستشاره هو انا وليس المحامي ذاته، هكذا الرب
يريدنا ان نستثيره وندخله في كل امور حياتنا من خلال تسليمه القياده وهذا قرار ارادي،
فالله لا يتخذ قرار نيابه عنا انا الله خلق الانسان مصيرا وليس مخيرا، فان كان
الله يتخذ القرارات بالنيابه عن الانسان فقد الغى شخصيته وحريته وكينوناته، لذلك
لا تنتظر من الله ان يتخذ قرارا بالنسبه لك، لكن سلم له القياده وادرس الامور المحيطه
بك جيدا فالقرار هو لك.
لاحظ ان الاسم العبري لكلمة "مشير" في
إش ٩ :٦ هو "יועץ" (يوعِص)، وتعني: من يعطي
المشورة الإلهية المصحوبة بالسلطان. وهي تحمل معنى ليس فقط تقديم الرأي، بل
التوجيه والإرشاد المصيري، المُؤسس على المعرفة الكلية. فالمعني ليس مجرّد
المشورة فقط بل تصل إلى القيادة السلطانية، فالرب يُظهر في تجسده رغبته في أن يكون
شريكًا في حياتنا كلها. كما شاركنا في "اللحم والدم" (عب ٢ :
١٤)، يريد أيضًا أن يشاركنا في قراراتنا، طموحاتنا، وحتى تفاصيلنا الصغيرة. يقول
الرب يسوع: "أمّا أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة، وليكون لهم أفضل"
(يو 10: 10). في الأصل اليوناني، تُستخدم كلمة "περισσόν" (بيريسّون)
لكلمة "أفضل"، والتي تعني "فيض، وفرة، تفوّق"،
أي أن الرب لا يعطي فقط حياة، بل حياة فائقة الجودة والهدف. هذا
النوع من الحياة لا يُختبر إلا عندما تكون القيادة في يده، لا مجرد الاستشارة.
يوسف رجل الله، لم يتحرك في أرض مصر
بدون أن يُظهر أن الله هو صاحب الرؤى والتفسير، حتى في قراراته الاقتصادية
والإدارية (تك 41).
داود النبي والملك، الذي كان يسأل الرب حتى
في أمور متكررة، كما في محاربته للفلسطينيين (٢صم ٥ : ١٩ - ٢٣).
نحميا رحل المهام الصعبة، الذي كان يصلي
قبل كل خطوة، حتى عندما طلب الإذن من الملك (نح ٢ : ٤) هؤلاء لم يجعلوا الله
"مستشارًا"، بل قائدًا، فاختبروا التدخل الإلهي العملي.
الفرق بين أن "أستشير الله" وأن "أُقاد بالله"؟. الاستشارة
تعني أنني أطلب رأي الله كأحد الخيارات، وقد أُطاع أو لا. بينما القيادة تعني
انني قررت تسليم اليلدة لله وصار هو صاحب المتداخل في حياتي للمنفذ وسير الامور
لخيري " ونخن نعلم ان كل الاشياء تعمل مع للخير " كثيرون يستشيرون الله،
لكن يختارون بحسب مزاجهم. أما من يُقاد بالله، فيطلب مشيئته أولًا، ثم يخضع لها
كليًا، حتى إن خالفت رغبته، او لم تاتي القيادة عكس تصوراته، ففي احلام يوسف كان يرى
ان الامور ستكون افضل بكثير جدا من سير الاحداث التي حدثت له، ولكنها فوق بعكس
مكانها يتصور ويتخيل فوق ضده اخوته وبعوه عبد ليدمروا احلامه ولكن رغم كل هذا لانه
كان يسلم القياده بارادته لله قادها الله الى بر الامان برغم الظروف الصعبه التي
اجتازها.
هذا يدخلنا الى قانون رائع وضعه الرسول بولس من خلال الايه الموجوده في رومية
٨ :١٤ "الذين ينقادون بروح الله"، أي الذين يجعلون من صوت الروح
مرجعهم، لا مجرد مرجع مساعد، بل المصدر الأوحد لمساعدتي ومشاركتي في اتخاذ القرار،
وهذا ما فعله بولس الرسول، حين مُنع بالروح من الذهاب إلى بعض المدن، ولم يصرّ على
رأيه بل أطاع القيادة (أع ١٦ : ٦ - ١٠). عاش تحت قانون القيادة الإلهية، لا قانون
الاستحسان البشري، إن ترجمة الثقة بالله لأفعال، تعني أن أثق بأن الله يعرف، ويرى،
ويقود أفضل مني، فأتبعه لا لأنني مضطر، بل لأنني أحب القائد. إنها علاقة تُبنى على
شراكة يومية، تُثمر طاعة حقيقية، وتُظهر للعالم أن الرب ليس فقط إله أزمات، بل رب
الحياة كلها، مشيري وقائدي كل يوم.
٣
الروح القدس مرشدا
في حياة الإيمان، لا يكفي أن نُعلن أننا نثق بالله بالكلمات فقط، بل يتطلب الأمر
أن نُجسد هذه الثقة في قراراتنا - اختياراتنا، وعلاقاتنا اليومية، الإيمان الصادق
لا يعيش في منطقة الانتظار أو التصديق الذهني، بل في سلوك عملي يعلن "انني
لا أتكل على فهمي، بل على الرب في كل طرق حياتي" وقد رأينا الوحي الالهي
يُعلن ان يسوع المسيح مشيرا عجيبا، ويقدم الحكمة الإلهية للباحثين عنها بصدق. لكن
هذا الدور لا يُجبر به الإنسان، بل ينتظر تجاوبه الطوعي. واليوم، إذ نعيش عصر
الروح، نكتشف بعدًا آخر عميقًا، الروح القدس كمرشد حي وشخصي في كل تفاصيل الحياة.
من المشورة إلى الإرشاد: تحول نوعي في
العلاقة مع الله، أن نطلب مشورة الله في قرار مصيري هو أمر مبارك، لكن الأعظم من
ذلك أن نقبل إرشاد الروح القدس في التفاصيل الصغيرة والكبيرة على السواء. الإرشاد
هو أكثر من مجرد رأي نسمعه ثم نفعل ما نراه مناسبًا، بل هو مسيرة نعيشها في رفقة
إلهية يومية، المسيح وعد تلاميذه قبل صعوده "وأما متى جاء ذاك، روح الحق،
فهو يرشدكم إلى جميع الحق... ويخبركم بأمور آتية (يوحنا ١٦ : ١٣). اللفظ
المستخدم هنا "يرشدكم" مأخوذ من الكلمة اليونانية "ὁδηγήσει
– hodēgēsei"، وتعني أن قاىد - مرشد - دليل يقود في الطريق، كمرشد
يرافق المسافر خطوة بخطوة. هذا التعبير يشير إلى قيادة ديناميكية، متجددة، وليست
مجرد تعليم جامد.
الفرق بين المشير والمرشد: من الحكمة إلى
الشركة، المشير يقدم نصيحة. قد يطلبها الإنسان أو لا، وقد يعمل بها أو يتجاهلها.
أما المرشد، فيدخل في علاقة متابعة وشركة، يقود الرحلة لا فقط يوجه الطريق، المشير
مثل الطبيب الذي يعطيك خطة علاجية، لكنك تختار إن كنت ستلتزم بها، المرشد مثل
المرشد السياحي الذي يسير معك ويقودك خطوة بخطوة داخل مغامرة لا تعرف خباياها وحدك،
المسيح هو المشير الكامل، والروح القدس هو المرشد اليومي العملي. هذا هو التناغم
العجيب بين أقنوم الابن وأقنوم الروح القدس.
قانون الروح الجديد: من خارج إلى داخل، بولس
الرسول يكتب في رومية ٨ : ١٤ "لأن
كل الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله" كلمة "ينقادون"
من اليونانية "ἄγονται – agontai"، وهي تدل على تحريك من
الداخل، كمن يقاد من قلبه لا فقط من خارجه" لأن ناموس (قانون) روح الحياة في
المسيح يسوع، قد أعتقني من ناموس الخطية والموت. (رو ٨ : ٢) هذا القانون يعمل من
الداخل، ويحرر الإنسان بنعمة المسيح وقوة الروح القدس، هذا ما وصفه بولس في موضع
آخر بأنه "قانون الروح" الذي حلّ محل "قانون الحرف"
اذ قال " وأما الآن فقد تحررنا من الناموس إذ مات الذي كنا ممسكين فيه، حتى
نعبد بجدة الروح لا بعِتَقِ الحرف (رومية ٧ : ٦ ) هنا لا نتكلم عن وصايا
تُفرض، بل عن قيادة حية تُكتب في القلب، وتُترجم في السلوك. لم تعد الوصايا منقوشة
على لوح حجري خارجي، بل على لوح القلب الداخلي " الذي جعلنا خدامًا لعهد جديد،
لا الحرف بل الروح، لأن الحرف يقتل ولكن الروح يُحيي (٢كو ٣ : ٦ ) الحرف هنا
يشير إلى الوصايا الخارجية المكتوبة (مثل الناموس الموسوي)، والتي بدون عمل الروح
تؤدي إلى دينونة، أما الروح فهو القوة التي تكتب الوصية على القلب وتمنح حياة.
فيليبس المبشر: في (أع ٨ : ٢٩) نقرأ "فقال
الروح لفيلبس: تقدم ورافق هذه المركبة" لم يكن هذا مجرد اقتراح، بل توقيت
إلهي لحظة بلحظة. فيليبس أطاع فورًا، فكان سبب خلاص الخصي الحبشي،
بطرس الرسول: في أعمال 10، أثناء
تفكره في رؤيا، قال له الروح "هوذا ثلاثة رجال يطلبونك... انزل واذهب
معهم، لا ترتب" الروح يُبدد التردد، ويوسع الأفق، ويكسر الحواجز العرقية
والدينية.
بولس الرسول: في أعمال ١٦ نقرأ أن
الروح منعه من التوجه إلى آسيا، وأرشده بدلًا من ذلك إلى مكدونية هذه لم تكن مشورة
فقط، بل توجيه استراتيجي لخريطة الخدمة في العالم القديم!
الله لا يريد فقط أن يرشدك في الأزمات، بل أن يشاركك الحياة، الله لا يتدخل
فقط عندما تحتار في قرار مصيري، بل يريد أن يشاركك في كل خطوة، في كل تفصيلة. يقول
كاتب العبرانيين "فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم، اشترك هو أيضًا
كذلك فيهما" (عب ٢ : ١٤) هو لا يقف من بعيد، بل يقترب، يشاركك، يعيش معك.
ماذا يعني أن تُشرك الله؟ فرق بين طلب مباركته واستشارته فعليًا
أما القيادة الروحية الحقيقية فتعني أن أبدأ من سؤال: "يارب، ماذا
تريد أن أفعل؟" ثم أستمع، أطيع، وأتحرك بحسب توجيه الروح، لا بحسب راحتي
الشخصية، هل تترجم ثقتك إلى أفعال؟ الإيمان العملي لا يُقاس بكثرة
المعلومات الروحية، بل بحجم الطاعة اليومية. هل تثق بالروح القدس كمرشد؟
هل تفتح قلبك يوميًا لتسمع صوته؟ هل تسمح له أن يقودك لا فقط في الأزمات،
بل في البديهيات اليومية؟ الثقة لا تُقاس بالكلمات، بل بالخطوات. والإيمان
لا يُبرهن في الاجتماعات الروحية، بل في تفاصيل المعيشة.
٤
القيادة الإلهية
والفخاخ الخفية
في حياة المؤمن، تُختبر الثقة بالله ليس في الأقوال، بل في الأفعال اليومية
والقرارات المصيرية، بل وحتى في أبسط التفاصيل، إن كل قرار يُتخذ دون الرجوع إلى
الرب هو، في جوهره، إعلان استقلال غير معلن. قد لا يُقال صراحة "لا نريد الله
متظاخلا في هذا الأمر" لكن التجاهل العملي للصلاة وعدم استشارة وجهه، هو
إعلان ضمني أننا نرى في أنفسنا الكفاية لاتخاذ القرار. وهذا بالضبط ما يُعد خطرًا
روحيًا خفيًا، بل وخطوة نحو نتائج قد لا تُحمد عقباها.
قرارات بلا صلاة = استقلال مقنّع : عندما لا نستشير الرب في قراراتنا، نُعلن ـ دون أن ندري ـ أن معرفتنا
وخبرتنا كافية، وأننا نستطيع أن نتحمل مسؤولية النتائج، لكن هل هذا حقيقي؟ في
الواقع، الكتاب المقدس يرينا أن حتى القرارات البسيطة قد تحمل فخاخًا خفية،
قد لا تبدو في ظاهرها خطرًا، لكنها تحمل وراءها نتائج روحية مدمّرة إن لم يُستنر
قلب المؤمن بمشورة الروح القدس، قال الرب في إشعياء ويلٌ للمشيرين رأيًا وليس من
عندي "وَيْلٌ لِلْبَنِينَ الْمُتَمَرِّدِينَ، يَقُولُ الرَّبُّ، حَتَّى
أَنَّهُمْ يُجْرُونَ رَأْيًا وَلَيْسَ مِنِّي، وَيَسْكُبُونَ سَكِيبًا وَلَيْسَ
بِرُوحِي، لِيَزِيدُوا خَطِيئَةً عَلَى خَطِيئَةٍ. (إش ٣٠ : ١) فحتى الرأي
الذي يبدو حكيمًا، إن لم يكن مصدره من الله، فهو خطية ومسار خطر.
فخاخ في التفاصيل: لا تستهين بالبسيط:
قد نظن أن الأمور اليومية لا تستحق صلاة أو استشارة، مثل توقيت زيارة، أو
قبول دعوة، أو الدخول في مشروع بسيط، أو الرد على مكالمة، لكن الكتاب يُعلن أن
العدو يسلك كأسد زائر، ويكمن أحيانًا في أبسط القرارات، في ابليس قادر ان يستخدم
الاشخاص والاشياء من خلال المحيطين فيتسلى الخفيه دون ان ندري ففي يشوع (٩ : ٤)
جاء الجبعونيون بخبز يابس وأكياس قديمة، ليُظهروا أنفسهم أنهم من أرض بعيدة. ظن
يشوع ورجاله أنهم أمام أمر واضح، ولم يسألوا الرب، فصنعوا معهم عهدًا. بعد ذلك
اكتشفوا أنهم من سكان الأرض، الذين أمر الرب بعدم التحالف معهم. الوحي يُعلّق
بجملة محورية فلم يسألوا فم الرب " فَأَخَذَ
الرِّجَالُ مِنْ زَادِهِمْ، وَمِنْ فَمِ الرَّبِّ لَمْ يَسْأَلُوا. (يش ٩ :
١٤) لأن الأمر بدا بسيطًا، لكن خلف البساطة اختبأ فخ تحالف خطير، كانت له تبعات
لاحقة، البساطة الظاهرة في الأمور قد تخفي تعقيدًا شيطانيًا مُمنهجًا. فالعدو لا
يدخل دائمًا من الأبواب العنيفة، بل من الثغرات اليومية الصغيرة، قبول دعوة في وقت
غير مناسب، التورط في مشروع "خدمة"، لكنها بلا صلاة، بلا غرض إلهي، وفي
داخل كل ذلك، تكمن مداخل لمخططات شيطانية لا تبدو كذلك في بدايتها، ففي بعض العلاقات
تكمن مداخل خفية وأفخاخ ليست واضحة في بدايتها ولا نفيق إلا بعد خولهما وتمكنهما،
فمن أكثر الميادين التي يتحرك فيها إبليس ببراعة، العلاقات، ليست فقط العلاقات
الكبيرة كالشراكة الزوجية أو الخدمة، بل حتى العلاقات اليومية، السطحية، أو التي
نظن أنها "اجتماعية فقط". كلمة الله تحذرنا بوضوح "المعاشرات
الرديئة تُفسد الأخلاق الجيدة" (١كو ١٥ : ٣٣ ) ليس لأننا نتحول فورًا إلى
أشرار، لا بل لأننا نُصاب بعدوى البُعد عن روح الله، فنرتبك، ننفعل، نفقد صوت
الروح، وننحرف تدريجيًا عن دوائر المشيئة الإلهية.
لقد قال الرب بوضوح " هَلْ يَسِيرُ اثْنَانِ مَعًا إِنْ لَمْ
يَتَوَاعَدَا؟ (عا ٣ : ٣) هذا لا يعني فقط "الاتفاق الظاهر"،
بل ايضا الاتفاق في الروح، في الغرض، في القيم، في القلب. فإن دخلت
في علاقة صداقة أو شراكة أو حتى جلسة مستمرة مع من يعيش خارج دائرة الطاعة أو
المشيئة، فإنك تفتح نفسك لتأثيره دون أن تدري، هذا ما يمكن ان نسميه " فخاخ
الشراكة غير المتكافئة " من أخطر الفخاخ التي تأتي في صورة علاقات هي
الارتباطات غير المقدسة أو غير المتوافقة روحيًا، سواء كانت:
" علاقة صداقة مستمرة مع شخص يستهزئ بالأمور الروحية أو لا يحترم
قدسيتها - علاقة عاطفية مع من لا يحمل قلب المسيح - شراكة خدمية أو مالية مع من
تحركه المصلحة لا دعوة الله - مرافقة مستمرة لمن يتكلم بالسلبية أو يتسبب في إثارة
الخصومات" الرب يوضح لاهل لنا حقيقة راسخة " وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ الله مَعَ
الأوْثَانِ؟ فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ الله الْحَيِّ، كَمَا قَالَ
الله:"إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ
إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا. لِذلِكَ اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ
وَاعْتَزِلُوا، يَقُولُ الرَّبُّ. وَلا تَمَسُّوا نَجِسًا فَأَقْبَلَكُمْ،
وَأَكُونَ لَكُمْ أَبًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ، يَقُولُ
الرَّبُّ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ". (٢كو٦ : ١٦-١٨) أنه لا شركة للنور مع الظلمة، ولا توافق
بين هيكل الله وأصنام البشر. فحين نربط أنفسنا طوعًا بأشخاص خارج دائرة مشيئته
بسبب سلوكهم أو طباعهم أو روحهم المتمردة، نعرض أنفسنا لتدخلات شيطانية خفية، إبليس
يستتر في تلك العلاقات، ينتظر أن نضع يدنا بيد غيرنا، ثم يبدأ في إحكام قبضته دون
أن نشعر، حتى يُعلن نفسه بقوة في النهاية ( انا أتكلم عن اختبار وليس فقط كفكر
كتابي - للاسف وجدت في حياتي علاقات بسيطة وبرىية بقلب نقي، انتجت فخاخ خفية يتم
حصادها حتي ساعة كتابة هذه السطور )
المعاشرات الرديئة داخل الكنيسة! : نعم، ليس فقط في الخارج. فالخطر لا يأتي من العالم فحسب، بل من داخل
الجسد الظاهر، حين لا يكون كل من فيه جسدًا حقيقيًا للرب. قد يكون في كنيستك أو
مجمعك أو بيتك أشخاص يتحركون بروح الحسد أو الطموح البشري، ينشرون الريبة، أو
الشك، أو التذمر، يستخدمهم العدو لزرع الانقسام أو تسريب خيوط تشويش على الرؤية، يبدون
متدينين، لكنهم ليسوا تحت قيادة الروح، بل تحت الحرف أو الغرض الذاتي، حين تنفتح
قلوبنا لهم، ونتعامل معهم بلا تمييز روحي، نقع في نفس خطأ يشوع، نصنع عهدًا بلا
سؤال من فم الرب، وكل عهد، صداقة، علاقة، اتفاق، لم يُختم بختم الروح، قد يكون
بابًا للفخ، وقد لا يكون اختيارك انت بل اختيار اخرين ولانك في نفس الظائرة تقع في
فخاخ وتحصد نتاىج ليست لك.
فلنعلم أن البساطة الظاهرة لا تعني الأمان، بل كثيرًا ما تكون الواجهة
الهادئة لفخاخ روحية قاتلة، افحص كل علاقة، كل خطوة، كل كلمة، في محضر الله، اطلب
وجهه في كل ما يبدو "عاديًا"، لأنه لا توجد أمور عادية في حياة أبناء
الله الذين يقودهم الروح.ط، تعلم أن تُصلي قبل أن ترد، قبل أن تزور، قبل أن تفتح
قلبك لشخص، قبل أن توقع على أي التزام، وإن لم تسأل فم الرب، فلا تلُم إلا نفسك
عندما تكتشف الفخ بعد فوات الأوان.
الاستقلال غير المعلن: صورة خفية للكبرياء
الاستقلال عن الله لا يُقال علنًا، بل يُمارس ضمنيًا. حين نُقرر، ونُخطط،
ونُنفّذ، دون أن نقف أمام الرب ونطلب حكمته، فنحن عمليًا نُدير حياتنا كأننا نعرف
ما هو أصلح. هذا هو جوهر السقوط في بابل "نبني لأنفسنا مدينة وبرجًا...
ونصنع لنا اسمًا" (تك ١١ : ٤ ). لم يُذكر الله في المشروع، ولم تُرفع
صلاة أو يُطلب وجهه. النتيجة؟ البلبلة والتشتيت.
نماذج كتابية لقرارات أُخذت دون حضور الرب أو استشارته:
١ - يشوع والجبعونيون : (يش ٩: ١٤) عندما جاء
الجبعونيون إلى يشوع بخبز يابس وأكياس قديمة ليظهروا وكأنهم من أرض بعيدة، لم يشك
يشوع ورجاله في روايتهم بسبب المظاهر المقنعة. الوحي يعلّق قائلا: "فَأَخَذَ
الرِّجَالُ مِنْ زَادِهِمْ، وَمِنْ فَمِ الرَّبِّ لَمْ يَسْأَلُوا." القرار
اتُخذ بناءً على ما تراه العيون، لا ما يعلنه الرب، فوقعوا في فخ تحالف ممنوع،
ترتبت عليه نتائج صعبة لاحقًا.
٢ - شاول الملك : (١ ص ٢٣)
في هذا الإصحاح، نرى contraste ( فرق واضح - تباين ) بين شاول وداود - داود
سأل الرب مرتين قبل أن يذهب لإنقاذ مدينة قَعِيلَة (١ صم ٢٣ : ٢، ٤) بينما شاول،
رغم أنه ملك، لم يُعرف عنه أنه كان يستشير الرب بانتظام، تصرف كثيرًا وفقًا لرأيه
الشخصي واندفاعه، وانتهت حياته نهاية مأساوية بسبب هذا الاستقلال غير المعلن عن
قيادة الرب.
٣ - أخآب ويهوشافاط : (٢ أخ ١٨ : ٤ - ٢٧) عندما
تحالف يهوشافاط، ملك يهوذا، مع أخآب، ملك إسرائيل، للذهاب إلى حرب ضد راموت جلعاد،
أظهر يهوشافاط بعض الحكمة بقوله "أَلَيْسَ هُنَا أَيْضًا نَبِيٌّ
لِلرَّبِّ فَنَسْأَلَ مِنْهُ؟" (٢ أخ ١٨ : ٦) فأُحضر ميخا النبي، الذي
حذّرهم بوضوح من الذهاب. ورغم ذلك، تجاهل أخآب التحذير، فدخل المعركة ومات، كما
تنبأ النبي (الآيات ١٦ - ٢٧).
٤ - داود ونقل تابوت العهد : (٢ صم ٦ : ٣ - ٧) كان قلب داود صادقًا، أراد أن يعيد تابوت العهد إلى
أورشليم، لكن دون اتباع التعليمات الدقيقة التي أوصى بها الرب في التوراة. فتم نقل
التابوت على عربة جديدة، خلافًا للوصية التي تنص على أن يُحمله اللاويون "وَلَمَّا
انْصَرَفُوا بِهِ مِنْ بَيْتِ أَبِينَادَابَ الَّذِي فِي جِبْعَةَ، كَانَ عُزَّا
وَأَخِيُو ابْنَا أَبِينَادَابَ يَسُوقَانِ الْعَجَلَةَ." (٢ صم ٦ : ٣)
وعندما انزلقت العجلة، مدّ عُزَّا يده ليمسك التابوت، فضربه الرب ومات (آية ٧)
الدافع كان جيدًا، لكن الوسيلة لم تكن بحسب مشيئة الله، فحدثت دينونة.
الكتاب يعلّمنا أن أي قرار مهما بدا بسيطًا، إن لم يُتخذ في حضور الرب،
يمكن أن يحمل في طياته نتائج خطيرة. الاعتماد على البصيرة البشرية أو النوايا
الحسنة لا يغني عن الحاجة للقيادة الإلهية. القيادة من الرب تعني التبعية
المستمرة، والتمييز الحي، والصلاة الدائمة قبل كل خطوة.
قيادة الابن والروح: علامة سلام داخلي : عندما يُتخذ القرار عن طريق استشارة الابن وإرشاد الروح القدس، لا يكون
القرار فقط صحيحًا، بل يحمل في طياته سلامًا داخليًا فائقًا للطبيعة. هذا السلام
لا يأتي من التوافق الظاهري، بل من تطابق القرار مع قلب الله يقول الرسول بولس "
وَلْيَمْلِكْ فِي قُلُوبِكُمْ سَلامُ الله الَّذِي إِلَيْهِ دُعِيتُمْ فِي
جَسَدٍ وَاحِدٍ، وَكُونُوا شَاكِرِينَ. (كو ٣ : ١٥) الكلمة اليونانية "ليملك"
هنا تأتي βραβεύω وتنطق brabeuō - براڤيڤو أو براڤييو، وتعني
ليكن حَكمًا أو مرشدًا أو ضابطًا للقرار. أي أن السلام هو الدليل أو
الحكم الذي يُشير ما إذا كان القرار من الله أم لا، فحين تستشير الرب، ويُرشدك
الروح، تشعر في أعماقك بسلام لا يستطيع العالم أن يمنحه. وإن لم يكن هذا السلام
حاضرًا، فحتى إن كانت كل الظروف الخارجية مواتية، فالمضي في القرار قد يكون مخالفًا
لمشيئة الله.
كيف نتعلم التمييز؟
١ - لا تتسرع في القرار حتى لو كان صغيرًا.
٢ - اطلب وجه الرب في الصلاة بصدق، لا شكليًا.
٣ - انتبه لصوت الروح في داخلك: هل هناك راحة أم قلق؟
٤ - استشر الكتاب المقدس؛ فهو المشورة العليا.
٥ - لا تخف من أن تتراجع عن قرار إن شعرت بعدم سلام.
٦ - قرارك هو إعلان تبعيتك
حتى وإن كان القرار صعبًا، أثق في صلاحه، لأن محبة الله لا تتغير، ومشيئته
دائمًا صالحة وكاملة. في حياتنا الروحية، قد نقف أحيانًا أمام قرارات تبدو مؤلمة
أو غير مفهومة، ونُدعى أن نسلك طريقًا لا نعلم نهايته. هنا يُختبر الإيمان
الحقيقي: هل أثق في الرب فقط عندما تكون الطريق سهلة ومريحة؟ أم أتبعه أيضًا عندما
يُرشدني إلى طريق الضيق؟ ففي بستان جثسيماني، وقف الرب يسوع نفسه أمام قرار هو
الأصعب في التاريخ البشري، وهو العليم بكل ما سيتحمّله، صلّى قائلا "يا
أبتاه، إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس. ولكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد
أنت" (متّى 26: 39) مع انه كان يتكلم وقتها عن كأس الموت المفاجئ عندما
كان ينزل عرقه كقطرات دم، لكنه ايضا كان يسلم للمشيئه الالهيه في دائرة الموت المفاجئ
وايضا موت الصليب، لم تكن هذه مجرد كلمات طقسية، بل إعلان خضوع كامل لإرادة الآب
رغم الألم. وهكذا، علّمنا الرب أن الطاعة تُبنى على الثقة، والثقة تُبنى على معرفة
عميقة بشخص الله.
أحيانًا، نريد من الله أن يشرح لنا أولًا قبل أن نطيعه، لكن في مسيرة
الإيمان، الطاعة تسبق الفهم. نطيعه لأنه أب صالح، وليس فقط لأنه يوضح لنا
التفاصيل. عندما أمر الله إبراهيم أن يقدّم إسحاق، لم يشرح له لماذا، لكنه وثق في
صلاح الله، وقال: "الله يُرى له الخروف للمحرقة يا ابني" (تك ٢٢ :
٨ ) قد تكون مشيئة الله أحيانًا صعبة على الجسد، لكنها أبدًا ليست شريرة. هو لا
يقودنا إلى الهلاك، بل إلى الحياة. لذلك، أقول بثقة: حتى وإن كان القرار مؤلم،
أختار الطاعة، لأنني أثق أن الذي يقودني هو الراعي الصالح، الذي لا يمكن أن يضلني
أو يؤذيني، بل يحبني أكثر مما أحب نفسي.
في نهاية المطاف، كل قرار تتخذه هو إما - إعلان اعتماد على الله واستشارة
لقيادته - أو إعلان استقلال غير مباشر، وهو باب قد يُفتح منه الكثير من المتاعب، القرار
الذي يُولد من مشورة الابن، وإرشاد الروح، لا يُولد فقط نتائج صالحة، بل يملأ
النفس سلامًا، ويجعل القلب متّزنًا، والبصيرة نقية. لأن الله ليس إله ارتباك، بل
إله سلام، وحين يكون هو القائد، تكون الثمار دائمًا بركة لا ندامة فيها، فهل تترجم
ثقتك إلى أفعال؟ أم تبقى نظرية محفوظة على اللسان فقط؟
الفصل الرابع
عدم الاتكال
علي المفاهيم البشريه
١
الفكر البشري محدود
في مسيرة الإيمان، يجد المؤمن نفسه دائمًا أمام مفترق طرق: هل يتكل على ما
يراه ويفهمه بعقله الطبيعي، أم يسلك وراء دعوة الله غير المفهومة أحيانًا؟ هذا
الصراع بين الفكر البشري والحكمة الإلهية هو من أقدم المعارك التي عرفها الإنسان،
وقد أشار الرب نفسه إليها بوضوح حين قال: "لأنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ
أَفْكَارَكُمْ، وَلا طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ" (إشعياء ٥٥ :
٨). في هذا النص، تُستخدم كلمة machshevot - مَخْشِفوت، في العبرية،
وتعني "الخطط أو الأفكار العميقة"، في مقابل darkeikhem
- داركيخم، أي "طرقكم"، والتي تعكس السطحية البشرية
المقيدة برؤية ضيقة. أما طرق الله derakhai
- ديراخاي ، وتعني طرقي (أنا الرب) فهي مرتفعة، لا تخضع لتقلبات العاطفة أو
منطق اللحظة، بل تنبع من حكمته الأزلية.
هذه الفجوة بين الفكر البشري وحكمة الله ليست مجرّد مسافة معرفية، بل هي انقسام
جوهري في مصادر الاستنارة. الرسول بولس في رسالته إلى كورنثوس (١ كور ٢ : ٦ – ١٤)
يُميّز بدقة بين نوعين من الحكمة: "حكمة هذا الدهر" (sophia)،
وهي بشرية، منبعها هذا العالم وسلطانه، وزائلة بزواله؛ و"حكمة الله"
Theou sophia - صوفيا ثِئو، وهي روحية، لا يُمكن للعقل الطبيعي أن
يُدركها.
يوضح بولس أن هذه الحكمة الإلهية لا تُفهم بعقل مجرد، بل تحتاج إلى "إعلان"
ἀποκάλυψις وتنطق apokalypsis - أبُوكالِيبْسِس ، وتعني إعلان أو
كشف أو إزاحة الستار. هذا الإعلان لا يأتي من الفهم العقلي بل من
استنارة داخلية بالروح القدس، ومن هنا تظهر أهمية إدراك مفاهيم (العقل كمركز اتخاذ
القرار) ك (الفكر الداخلي) فالعقل البشري إذا لم يُستنر بروح الله في الفكر
الداخلي، يظل في الدائرة النفسانية، فيتخول العقل كمركز لاتخاذ القرار نفساني، أي
الإنسان الذي يحيَا بغرائزه وتحليله البشري فقط، دون مشاركة الروح، ومن المؤسف أن
كثيرين، حتى من المؤمنين، يسلكون أحيانًا بهذا النوع من الذهن غير المتجدد،
فيصنعون قرارات منطقية، لكنها خالية من البصيرة الإلهية ( قارئي العزيز - هذا
الامر قوي جدا ومهم فهمه... اذا شعرت بان صعب فهمه.. ادعوك لقراءة المقطع مرة أخرى
)
يُظهر الكتاب المقدس أمثلة مؤثرة لخطورة الاتكال على الفكر البشري. فبرج
بابل في (تكوين 11) كان مشروعًا هندسيًا متقنًا من وجهة نظر الإنسان، لكنه كان ضد
مشيئة الله، إذ انطلق من فكر بشري متغطرس، فكانت النتيجة التشويش والبلبلة، أي
الخلط. على النقيض، نرى سليمان حين وُضع أمام أعظم مسؤولية، لم يطلب عقلًا بشريًا
أو مهارة قيادية، بل طلب "قلبًا سامعًا" كما في (١مل ٣ : ٩)، وهي عبارة
عبرية جميلة تعبّر عن قلب منفتح لاستقبال الحكمة من الله، لا مُتشبثًا بمنطقه
الخاص، الحكمة، في جوهرها، أداة خطيرة، هي ليست محايدة، بل تتلون بحسب نية القلب،
فإن كانت النية نقية، قادت الحكمة إلى البنيان. وإن كانت فاسدة، تحولت الحكمة إلى
دهاء شيطاني، كما يوضح يعقوب الرسول: "ليست هذه الحكمة نازلة من فوق، بل
هي أرضية، نفسية، شيطانية" (يعقوب ٣ : ١٥). النية إذًا تحدد مسار الحكمة،
وهذا ما يفرض علينا أن نطلب ليس فقط فكر المسيح، بل أيضًا قلبه، وروحه، ومشيئته.
المؤمن الحقيقي لا يحيا بعقله المجرد، بل يتغذى من فكر الله، المُعلن
بالروح، والمترجم في كلمته. بولس صلّى لأجل المؤمنين في أفسس، لا كي تزداد معارفهم
الأكاديمية، بل لكي يُعطَوا "روح الحكمة والإعلان في معرفته"
(أفسس ١ : ١٧). هذه الصلاة تكشف أن الفهم الروحي لا يأتي بكثرة المعلومات، بل
بحضور الله في القلب، إن أخطر ما في الفكر البشري أنه يتشكل من البيئة والخبرة
والماضي والظروف، لكن الفكر الإلهي يسمو على كل هذا، لأنه منبعث من النعمة، ولا
يتقيد بتاريخ الإنسان أو تجاربه. لذلك، لا يمكن بناء حياة ثابتة على فكر متقلّب.
فكما سقط برج بابل، تسقط كل مشاريع تُبنى على حكمة إنسانية غير مستنيرة.
إن الاتكال على الحكمة الإلهية ليس مجرد تفضيل بين خيارين، بل هو اختيار
طريق الحياة عوضًا عن طريق الموت. من يبني على chokhmat Elohim - حوخْمات
إلوهيم أي "حكمة الله"، يبني على الصخر، أما من يعتمد على
ذاته، يبني على رمل مهما بدا قويًا، سينهار. ولهذا، علينا أن نصلي من قلوبنا في كل
يوم: " طُرُقَكَ يَا رَبُّ عَرِّفْنِي. سُبُلَكَ عَلِّمْنِي. (مز ٢٥ :
٤) ستنال من الله حكمة - حوخمات الوهيم
٢
الإيمان يتجاوز التفكير المنطقي
في حياة الإيمان، يواجه المؤمن دائمًا تحديًا حقيقيًا، هل يختار أن يسلك
حسب ما يمليه عليه العقل البشري والمنطق الظاهري، أم يثق في قيادة الله، حتى إن
بدت غير منطقية أو غير مفهومة؟ الواقع أن الإيمان الحقيقي بالله يتجاوز التفكير
المنطقي، لا لأنه ضد العقل، بل لأنه فوق مستوى استيعابه، الله لا يدعو الإنسان
لتعطيل عقله، بل لتسليمه، فالله هو خالق العقل ويستخدمه لكن لا يُقيده، الخطط
الإلهية في كثير من الأحيان تتجاوز المنطق البشري، لأنها تأتي من حكمة أزلية،
بينما عقولنا محدودة ومقيدة بالزمن والتجربة والمكان. عندما نسلك بالإيمان لا نرفض
المنطق بل نسمو فوقه.
من أشهر وأقوى الأمثلة في الكتاب المقدس على تجاوز الإيمان للتفكير المنطقي
هو ما حدث مع أبونا إبراهيم، لقد وعده الله بنسل من إسحاق، ثم طلب منه أن يقدمه
ذبيحة! في منطق البشر.. هذا يناقض الوعد الإلهي ذاته، ويبدو كأنه تدمير للخطة
الإلهية، لكن أبونا إبراهيم لم يجادل، بل " إِذْ حَسِبَ أَنَّ الله
قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأمْوَاتِ أَيْضًا، الَّذِينَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ
أَيْضًا فِي مِثَال. (عب ١١ : ١٩) أي أنه آمن بأن الله سيظل أمينًا لوعده، حتى
لو بدا الموقف مخالفًا تمامًا للمنطق او للوعد، هذه هي ذروة الإيمان الثقة في شخصية
الله، وليس في فهمنا للموقف.
مثال آخر نراه مع يشوع عندما أمره الله بأن يلف حول أسوار أريحا سبعة أيام
ثم يصرخوا، فتسقط الأسوار (يشوع ٦) من المنطق العسكري، هذا أمر عبثي! لا سلاح، لا
اقتحام، فقط دوران وصياح! لكن يشوع والشعب أطاعوا، وكانت النتيجة معجزة. هنا نرى
أن الطاعة بالإيمان لا تعتمد على "كيف نفهم" بل على "من نثق
به".
أيضًا نرى في حياة جدعون نموذجًا آخر، حين أمره الله بأن يقلل عدد جيشه من
32,000 إلى 300 فقط لمواجهة جيش مديان الكبير (قضاة ٧) في المقاييس الحربية، هذا
جنون. لكن الله أراد أن يُظهر أن النصرة ليست بالقوة البشرية بل بالاعتماد عليه
وحده. انتصر جدعون بالقليل لأن الإيمان تغلب على المنطق.
وفي العهد الجديد، نرى الرب يسوع المسيح يأمر التلاميذ أن يُطعموا الجموع
بخمسة أرغفة وسمكتين فقط (متى ١٤). هذا التصرف ضد كل الحسابات المنطقية، لكنه كشف
أن الإيمان يفتح المجال ليد الله لتصنع ما هو فوق العادي.
قد تكون أعظم تجليات الإيمان غير المنطقي ما
قاله بولس الرسول: " ... لأنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا
قَوِيٌّ. (٢كو ١٢ : ١٠) كيف يكون الضعف مصدر قوة؟ فقط عندما يُعاش الإيمان في
محضر الله. حين ندرك أن قوتنا ليست منا بل منه، يصبح الضعف فرصة لانسكاب النعمة، فالخطط
الإلهية لا تسير دائمًا وفق المنطق، لكنها دومًا تسير نحو الصلاح الإلهي، الإيمان
لا يعني تجاهل الواقع، بل رؤية ما وراءه " وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ
الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإيقَانُ بِأُمُورٍ لا تُرَى. (عب ١١ : ١) الإيمان
يُعطي يقينًا بأمور غير محسوسة بالحواس، لكنه لا يخدع النفس، بل يفتحها على واقع
أعمق واقع الله الحي،
الكلمة اليونانية "الإيقان - ἔλεγχος تنطق elenchos إلينخوس، معناها في السياق اليوناني:
"البرهان" أو "الإثبات القاطع"، أي الدليل
العقلي أو الداخلي على حقيقة شيء غير مرئي، هذا النوع من الإيمان لا يولد بين يوم
وليلة، بل ينمو مع الممارسات الروحية والعلاقة القوية مع الله في روح الصلاة
والخشوع، ففي كل مرة نختبر فيها أن قيادة الله أثبتت صلاحها، تتعمق ثقتنا فيه، في
كثير من الأحيان، يدعونا الله لاختيارات قد تُكلفنا راحة، أو تجلب علينا انتقادات،
أو تبدو غير واقعية، لكنها الطريق الأمثل في نظره، وفي النهاية تثمر فرحًا
وسلامًا.
الإيمان ليس قفزة في الظلام، بل ثقة في النور، حتى إن كنا لا نراه الآن،
الله لا يطلب منّا أن نفهم كل شيء، لكنه يدعونا أن نثق في حكمته، ونؤمن أن مشيئته
صالحة وكاملة ومرضية. وهذا ما اختبره الرسل والمؤمنون على مر العصور، عندما نحيا
بالإيمان، نخرج من أسر "المألوف" و"المنطقي"، وندخل في عمق
العلاقة مع الله الحي. حين نختار أن نطيعه، حتى عندما لا نفهم، نكون فعليًا نعلن
أن الله هو سيد قراراتنا، وليس عقولنا المحدودة، ليس علينا أن نفهم كل خطوة لكي
نخطوها، بل أن نثق بمن يمسك بيدنا، إن كانت كل قراراتنا يجب أن تمر من فلتر المنطق
البشري فقط، سنفقد أعظم بركات الطريق مع الله، لكن حين نعيش بالإيمان، نحصد ثمارًا
تتجاوز التصور، ونختبر الله بطريقة شخصية وعميقة، فيها نعلن بثقة "أنا لا
أفهم، لكني أثق... لأنه إلهي، وهو صالح دائمًا".
٣
التوجيه الإلهي يتحدى التفكير البشري
في كثير من المواقف التي نمر بها، يتعطل العقل البشري أمام المصاعب ويعلن
فشله قائلًا: "مستحيل"، "لا أمل"، "لا يوجد
مخرج". لكن ما يبدو مستحيلًا في منطق الإنسان، لا يُشكل عائقًا أمام
الله. فالله لا يُقيد بمنطق البشر، ولا تُحد حكمته بقدراتنا الذهنية المحدودة. على
العكس، التوجيه الإلهي غالبًا ما يتحدى التفكير البشري، ويقود الإنسان في طرق لا
يفهمها في لحظتها، لكنها تقوده إلى مشيئة الله الصالحة والكاملة، فكر داود وهو شاب
صغير يقف أمام عملاق مخيف اسمه جليات ( ١صم ١٧ ) لم يكن منطقيًا على الإطلاق،
التفكير البشري يقول إن طفلًا لا يمكنه أن ينتصر على محارب مدرب، لكن التوجيه
الإلهي تحدى المنطق، واستخدم حجارة بسيطة وقلبًا مملوءًا بالإيمان ليُسقط الجبار.
في هذا المثال، نرى كيف أن الروح القدس قادر أن يرشد الإنسان إلى ما لا يستطيع
العقل البشري إدراكه، قال بولس الرسول " فَأَعْلَنَهُ الله لَنَا نَحْنُ
بِرُوحِه. لأنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ الله. (١كو
٢ : ١٠) الروح القدس لا يمنحنا فقط المعلومات، بل يمنحنا الفهم العميق لما وراء
الواقع، أي الفهم الذي لا يُنال بالعقل فقط.
كلمة " فَأَعْلَنَهُ " في اليوناني ἀποκάλυψις -apokalypsis
تنطق apokalypsis - أبُوكَالِيبْسِس، تعني الكشف أو الإعلان
الإلهي؛ أي ما يُعلن بالروح وليس بما يُدرك بالعقل، هذا الإعلان هو ما يجعلنا
نفهم مشيئة الله حين نعجز عن رؤية الطريق. فالله لا يشرح لنا كل شيء، لكنه يُعلن
لنا ما يكفي لكي نثق ونُطيع، هذا الإعلان لا يُقاس بالمنطق أو البيئة أو التجربة،
بل يُمنح لنا بالنعمة، ويُنير فكرنا الداخلي الذي يُترجم الطاعة كخطوة إيمان، وليس
كقرار منطقي فقط، بولس كان يسير في خططه التبشيرية وفقًا لتفكيره البشري، لكنه
اختبر قيادة غير منطقية، حين مُنع من التبشير في آسيا، ثم رأى رؤيا رجل مكدوني
يدعوه. المنطق البشري كان يفضّل آسيا، لكن التوجيه الإلهي كان يريد أوروبا، لو
أطاع بولس منطقه فقط، لما وصلت البشارة إلى الغرب، ولما كان هناك تأثير مسيحي في
العالم اليوناني الروماني.
الكلمة: רוּחַ - ruach تنطق ruach - رُوح، تعنى: الروح أو
النسمة؛ وتُستخدم للإشارة إلى روح الله القدوس، الذي يمنح الحياة والفهم
والتوجيه، حين يختبر المؤمن روحه القدوس "
רוּחַ הַקֹּדֶשׁ - ruach ha’qodesh " لا يعود مُقيدًا بالمنطق البشري فقط، بل
يبدأ يسلك بالإيمان ويُميز مشيئة الله حتى في غياب الأدلة الحسية، فإنه فهم يتجاوز
الظلام، عندما يسود الظلام، يُصبح من الصعب اتخاذ قرارات صحيحة، لأن البصر يُعطل.
كذلك في الحياة، عندما نمر بأوقات ارتباك، يكون التفكير البشري عاجزًا عن تقديم
الحلول. لكن عند الاعتماد على الروح القدس، يُضيء في داخلنا نور الفهم الروحي
"سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي." (مز ١١٩ :
١٠٥ ) هذا النور لا يأتي من المنطق أو التحليل العقلي فقط، بل من عمل الروح القدس
الذي يُترجم كلمة الله إلى نور للقرارات العملية.
ما يجب أن نتعلمه : لا تقيس الأمور فقط
بالعقل أو الخبرة أو التوقعات - عندما تجد أن المنطق يقول "لا أمل"،
اسأل: "ماذا يقول الروح؟" - لا تكن عبدًا للفكر البشري، بل تلميذًا
للروح القدس - اطلب الإعلان الإلهي apokalypsis، فهو وحده يكشف ما لا تراه
العيون - لا تسلك بناءً على خوفك، بل بناءً على ruach الله، الذي يعطي
القوة والمحبة والفهم، فالتوجيه الإلهي ليس منطقيًا دائمًا، لكنه دائمًا صادق
ومثمر. حين يقودنا الروح – ruach، ويكشف لنا الله بإعلانات apokalypsis،
نرى ما لم نكن لنفهمه يومًا بالفكر البشري فقط. حينها نعرف أن الطريق هو طريق الله،
حتى وإن بدا غريبًا في البداية، لكنه يقود إلى الغرض والمجد.
٤
الإتكال البشري
والاستعجال
اثناء مسيرتنا في الحياة اليومية، كثيرًا ما نجد أنفسنا أمام قرارات مصيرية
أو مواقف ضاغطة تتطلب حسمًا سريعًا. وهنا، بطبيعتنا البشرية، نميل إلى الاعتماد
على فهمنا الخاص، وتجاربنا السابقة، وتحليلاتنا العقلية، نتصرف بحسب ما نراه
"منطقيًا" أو "صحيحًا"، دون أن نأخذ وقتًا كافيًا لنصلي أو
نطلب مشورة الله، قد يبدو هذا الطريق عمليًا، لكنه يحمل خطر التسرع والاعتماد
الزائد على الذات، فالاتكال على العقل وحده كثيرًا يقود إلى الاستعجال، والذي ينتج
عنه قرارات غير ناضجة، حين نخشى التأخير أو ضياع الفرصة، نتصرف بعجلة، غير مدركين
أن الانتظار قد يكون جزءًا من خطة الله لتشكيلنا أو لحمايتنا من ضرر أعظم.
أحد الأمثلة الواضحة على هذا المبدأ هو ما حدث مع شاول الملك في (١صم ١٣)،
عندما لم ينتظر مجيء صموئيل وقدم الذبيحة بنفسه. من منظور بشري، بدا له أن
الانتظار خطر وأنه من الحكمة التصرف فورًا، لكن في عين الله، ما فعله كان تعديًا
على حدود دوره ورفضًا للثقة في توقيت الله. والنتيجة: خسر الملك والبركة، لهذا،
يعلمنا الكتاب المقدس "توكل على الرب بكل قلبك، وعلى فهمك لا تعتمد. في كل
طرقك اعرفه، وهو يقوم سبلك." (أمثال ٣ : ٥ - ٦) الاتكال الحقيقي هو على
الرب، لا على الفهم البشري المحدود. عندما نسلّم له قراراتنا، نثق أنه يوجّهنا إلى
الأفضل، ولو بدا ذلك عكس توقعاتنا.
الاتكال البشري يقود إلى الاستعجال :
الاتكال على العقل وحده، دون إرشاد من الله، كثيرًا ما يؤدي إلى العجلة.
الإنسان بطبيعته يريد نتائج فورية، يحب أن يرى الثمار الآن، ولا يحتمل الانتظار.
في لحظات الضغط أو القلق، يميل القلب إلى اتخاذ قرارات متسرعة، دون أن يطلب مشورة
الله أو ينتظر إرشاده. كم مرة اتخذنا قرارات بدافع الخوف أو الطمع أو الحاجة
المستعجلة، ثم اكتشفنا بعد حين أن ما بدا صائبًا لحظتها لم يكن من مشيئة الله!.
الملك شاول أخطأ حين لم ينتظر
صموئيل ليقدم الذبيحة، بل تسرّع وقدمها بنفسه. بدا له أن الانتظار خطر، فتصرف
بعقله، لكن النتيجة كانت وخيمة، خسر الملك والبركة. هذا درس جوهري، ما نراه
"منطقيًا" أحيانًا لا يعني أنه صواب أمام الله، شاول لم ينتظر مجيء
صموئيل حسب الاتفاق (سبعة أيام)، وعندما رأى الشعب يتفرق، قدم الذبيحة المحرقة
بنفسه، الخطأ - شاول تعدى وظيفته كملك وتدخل في خدمة لا يحق له ممارستها، لأنها
وظيفة الكاهن أو النبي فقط، رد صموئيل: "قَد فَقَالَ صَمُوئِيلُ
لِشَاوُلَ: "قَدِ انْحَمَقْتَ! لَمْ تَحْفَظْ وَصِيَّةَ الرَّبِّ إِلهِكَ
الَّتِي أَمَرَكَ بِهَا، لأنَّهُ الآنَ كَانَ الرَّبُّ قَدْ ثَبَّتَ مَمْلَكَتَكَ
عَلَى إِسْرَائِيلَ إِلَى الأبَدِ. وَأَمَّا الآنَ فَمَمْلَكَتُكَ لا تَقُومُ.
قَدِ انْتَخَبَ الرَّبُّ لِنَفْسِهِ رَجُلا حَسَبَ قَلْبِهِ، وَأَمَرَهُ الرَّبُّ
أَنْ يَتَرَأَّسَ عَلَى شَعْبِهِ. لأنَّكَ لَمْ تَحْفَظْ مَا أَمَرَكَ بِهِ
الرَّبُّ".(١صم ١٣ : ١٣ - ١٤) النتيجة - إعلان رفض الله لمملكة شاول
واستبدالها بمن هو "حسب قلبه" فتقديم الذبيحة مكان صموئيل لم يكن مجرد
خطأ في الشكل، بل إهانة لله وتعدٍّ على تدبيره.
التسليم لله في ما لا نفهمه :
الإيمان الحقيقي لا يعني فقط الثقة في الله حين نفهم، بل خاصة عندما لا
نفهم. وهنا يتجلى قول أيوب: "الرّبُّ أَعْطَى وَالرّبُّ أَخَذَ،
فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا" (أيوب 1: 21) في هذا الموقف المؤلم،
خسر أيوب أبناءه وممتلكاته، لكن قلبه لم يجزع. لم يُلقِ اللوم على الظروف أو يطالب
الله بتفسير، بل قدّم أعظم فعل تسليم، التسليم لا يعني الاستسلام، بل هو قمة
الإيمان. أن تُسلّم لله، فهذا إعلان أنك تثق في حكمته، حتى إن كانت تخالف فهمك.
وهنا نرى الفرق بين الاتكال البشري والاتكال على الله: الأول يقود إلى اضطراب،
والثاني إلى سلام يفوق العقل.
أحيانًا نكون متمسكين بخطط معينة،
أو نحسب أن ما قررناه هو الأفضل، لكن الله يغيّر المسار. هذا لا يعني أننا فشلنا،
بل أن الله يرشدنا لحكمة أعلى من إدراكنا. كما يقول الكتاب: " مِنْ قِبَلِ
الرَّبِّ تَثَبَّتُ خَطَوَاتُ الإنْسَانِ وَفِي طَرِيقِهِ يُسَرُّ. (مز ٣٧ : ٢٣).
الله يرى الصورة الكاملة، ويريد الأفضل دائمًا لأولاده، قد يبدو طريق الله غير
مألوف أو حتى صعب، لكنه يقود إلى حياة مليئة بالسلام والثمر. هنا نفهم أن
"عدم الفهم" لا يعني أن الأمور خرجت عن السيطرة، بل أن الله يقودنا
بطريقته الخاصة.
في العهد القديم، تُستخدم الكلمة العبرية בִּטָּחוֹן وتنطق bittachon - بيتاخون،
وتعني ثقة أو اطمئنان ثابت لله، لا يتزعزع رغم الظروف. أما
في العهد الجديد، فنجد الكلمة اليونانية ὑπομονή وتنطق hypomonē - هيبوموني
وتعني الصبر أو الثبات تحت الضغط، وهي تشير إلى فضيلة روحية تجعل
المؤمن ينتظر توقيت الله دون تذمر، هاتان الكلمتان تلخصان المسار الصحيح، الثقة
العميقة بالله (بيتاخون)، والانتظار بصبر (هيبوموني). لا نتحرك بدافع من عقولنا
فقط، بل نطلب مشورته، وننتظر توقيته، ونُسلّم له في كل ظروفنا
الكلمة العبرية " بيتاخون " تعني "
وتُستخدم في العهد القديم للدلالة على الاتكال الروحي العميق (اش ٣٠ : ١٥) «بِالرُّجُوعِ وَالسُّكُوتِ
تَخْلُصُونَ. بِالْهُدُوءِ وَالطُّمَأْنِينَةِ تَكُونُ قُوَّتُكُمْ.» كلمه الطمانينه،
نراها واضحه فهي اتكال روحي عميق، هذا ما يقوله ايضا في ( مزمور ٢٧ : ٣ ) «إِنْ
نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ، لا يَخَافُ قَلْبِي. إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ، فَفِي
ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ.» فأي نوع من أنواع الخوف الذي يمكن أن يجتاح فيه المؤمن
او يدخل في دائرته، لكنه قادر على ان يثبت
لان دائرة الاطمئنان في الله قويه التي تعلمنا التوكل علي الرب " تَوَكَّلْ
عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِد (أمثال ٣ :
٥ )
اما الكلمة اليونانية "هيبوموني" تعني "الصبر
أو الثبات تحت الضغط"، وتظهر في العهد الجديد كصفة جوهرية
للمؤمنين الذين ينتظرون توقيت الله دون تذمر «نَفْتَخِرُ أَيْضًا فِي
الضِّيقَاتِ، عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْرًا، وَالصَّبْرُ
تَزْكِيَةً، وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً.» ( رو ٥ : ٣ - ٤) ونراها في انها تقود
المؤمن الي اتمام العمل فيصير كاملا امام الله " امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ
يُنْشِئُ صَبْرًا. وَالصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ...(يع ١ : ٣ - ٤)
وتقود المؤمن الي موال المواعيد الالهية " لأنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى
الصَّبْرِ، حَتَّى إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ الله تَنَالُونَ الْمَوْعِدَ. (عب
١٠ : ٣٦)
المسيح نفسه وهو كلمة الله، وقف في
بستان جثسيماني يُصلي قائلًا: "لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ كَمَا
تُرِيدُ أَنْتَ" (متى ٢٦ : ٣٩). إن كان المسيح نفسه اختار مشيئة الآب على
راحته، فكم بالأولى نحن؟ ما أعمق هذا الدرس في زمن يسوده التسرع!. الحياة الروحية
السليمة لا تبنى على سرعة اتخاذ القرار، بل على التمييز، والصلاة، وانتظار إرشاد
الروح القدس. كلما سلمنا حياتنا لله، وثقنا في حكمته، ورفضنا الاتكال على مفاهيمنا
البشرية، اكتشفنا أنه يقود خطواتنا بحكمة لا تخطئ. لنتذكر دومًا ان نتوكل على الرب
ولا نعتمد على فهمنا، لا نلغي فهمنا ولكننا ندرك بفهمنا ايضا ان الله يقود الدفه
والسفينه الى بر الامان.
٥
الاندفاع يسبق السقوط
تُعلن كلمة الله في سفر الأمثال "قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ
الروح" (أمثال ١٦ : ١٨) الأية تُظهِر مبدأ روحي عميق يرتبط بحياة الإنسان
وسلوكه، أن التكبر والثقة المفرطة بالنفس قد تقود في كثير من الاوقات إلى
الانهيار، سواء على المستوى الروحي أو النفسي أو حتى الجسدي، الكلمة العبرية
المستخدمة هنا لـ"السقوط" هي "שֶׁבֶר" وتُنطق shever (شيفير) لا
تُشير فقط إلى سقوط مادي أو موت، بل تعني الانكسار الكامل أو الانهيار الداخلي،
سواء كان معنويًا أو روحيًا. هي تعني أن الإنسان قد ينهار من الداخل، تُكسر نفسه،
وتضيع رؤيته، لأنه سار في طريق لا يستند على الله بل على ذاته، فالتسرع أحيانًا
يكون ناتج عن إحساس زائد بالثقة في الذات، وليس في الله، فالاندفاع - في جوهره
غالبًا ما يكون نتيجة ثقة غير متزنة في القدرات الشخصية، هو نوع من الغرور
المُقَنَّع - حيث يظن الإنسان أنه يعرف الأفضل، ولا يحتاج إلى استشارة أحد
وبالتالي في اندفاعه وتسرعه لا يسأل الله أو انتظار توقيته. هذا النمط من السلوك
يُعتبر تجاهلا للسيادة الإلهية، وهو ما يفتح الباب للسقوط.
الهدوء والتأني علامة نضوج روحي، لا ضعف، ففي عالم اليوم، يُنظر أحيانًا
إلى البطء والتأني على أنهما ضعف أو تردد، لكن الحقيقة أن الشخص الناضج روحيًا يعرف
قيمة الصمت والتأمل، ويقدّر قوة الانتظار في حضرة الله، فالتأني هو قرار روحي يسبق
كل خطوة، إنه يعكس ثقة في أن توقيت الله كامل، وأن تدبيره أفضل من تقديرنا، فالله
يدعونا أن ننتظر، لا أن نندفع، يقول داود: "انتظر الرب. ليتشدد وليتشجع
قلبك، وانتظر الرب (مز ٢٧ : ١٤) تكرار
كلمة "انتظر الرب" يُبرز أهمية الصبر وعدم التسرع. فالانتظار هو
ليس وقتًا ضائعًا، بل هو وقت تدريب للنفس على التواضع والإيمان. هو زمن يمنحنا
الله فيه بصيرة لنفهم مشيئته، وقوة لنقاوم اختيارات العقل البشري المحدود، في
الانتظار، نكتسب حكمة وبصيرة، ونمنح الله الوقت ليفتح الأبواب الصحيحة، التسرع قد
يفتح أبوابًا مغلقة، لكن ليس كل باب مفتوح هو من الله. أحيانًا، الله يُغلق
الأبواب ليحمينا، وينتظر منا أن نصلي وننتظر إشارته. في الانتظار، يُعلّمنا الرب
أن لا نعتمد على الظروف أو العواطف، بل على صوته الهادئ.
التسرع يجعلنا نندم، لكن الانتظار يثمر سلامًا :
كم من قرارات حياتية مهمة تم اتخاذها في لحظات اندفاع - الزواج، العمل،
السفر، الخدمة، بل حتى الكلام في مواقف حساسة، هذه القرارات حين لا تُبنى على صلاة
وانتظار، كثيرًا ما تُثمر حزنًا وارتباكًا. لكن حين ننتظر الرب، يعطينا علامة
واضحة، وسلامًا عميقًا يسبق القرار الصحيح، هذا ما يُؤكده بولس في رسالته إلى أهل
فيلبي: " وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ
قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. (فى ٤ : ٧) هذا السلام لا يُمكن أن يأتي من المنطق أو من
الظروف، بل من العلاقة الوثيقة بالله. هو سلام لا يُمكن تفسيره، لكنه يسبق الخطوة
الصحيحة، ويؤكد أننا في الطريق الإلهي، فالثمر الحقيقي للانتظار هو الثبات في
الطريق، والهدوء في القلب، والتسليم الكامل لله، فالذين ينتظرون الرب يُجددون
قوة. هم لا يتحركون من فراغ، بل من إرشاد، لا يندفعون من ضغط، بل يُقادون من روح
الله. ومهما تأخر الطريق، فهم يثقون أن النهاية أفضل، لأن يد الرب تقودهم، فعدم
الاتكال على المفاهيم البشرية ليس دعوة لرفض العقل، بل هو دعوة لتقديس العقل بوضعه
تحت سيادة الروح. أن نتعلّم أن نصغي للرب قبل أن نتحرك. أن نهدأ لنفهم. أن ننتظر
لنثمر. فكل اندفاع يقود إلى كسر، وكل انتظار يقود إلى بركة وسلام " وَلِذلِكَ
يَنْتَظِرُ الرَّبُّ لِيَتَرَاءَفَ عَلَيْكُمْ. وَلِذلِكَ يَقُومُ لِيَرْحَمَكُمْ،
لأنَّ الرَّبَّ إِلهُ حَقّ. طُوبَى لِجَمِيعِ مُنْتَظِرِيهِ. (إش ٣٠ :
١٨) يميل الإنسان بطبيعته إلى الاتكال على عقله وخبراته، ظنًا منه أن المنطق
البشري كافٍ لاتخاذ القرار السليم. لكن الكتاب المقدس يكشف لنا مرارًا أن المنطق
البشري، إن لم يُخضع لإرادة الله، قد يقود إلى الضلال والسقوط. فالمنطق محدود،
والمشاعر متقلبة، والظروف مخادعة، بينما الله وحده يرى الصورة الكاملة.
الاتكال على المفاهيم البشرية قد يأخذ صورًا متعددة: التفسير العقلي المجرد، الاندفاع الناتج عن ثقة زائدة بالنفس، أو حتى
العجلة في اتخاذ القرارات. جميع هذه الأشكال تقود إلى طرق غير مستقيمة، غالبًا ما
تنتهي بالخيبة أو الألم. أما المؤمن الحقيقي، فيتعلم أن يخضع تفكيره لله، ويثق في
الروح القدس ليقوده، الروح القدس لا يلغي العقل، لكنه يسمو به، ويمنحه بصيرة روحية
لا يستطيع الإنسان أن يبلغها بذاته. حين نتكل على الله لا على فهمنا، ننتقل من
التسرع إلى التأني، ومن الحيرة إلى السلام، ومن الخطأ إلى البصيرة. نكتشف أن
الهدوء ليس ضعفًا، بل هو علامة نضوج روحي، وأن الصبر ليس تراجعًا، بل تعبير عن
الثقة في توقيت الله (أمثال 3: 5). هذه ليست دعوة لإهمال العقل، بل لتقديسه، بأن
يخضع لحكمة الله. فالإيمان لا يعني غياب الفهم، بل ثقة بأن الله يقود، حتى إن لم
ندرك نحن الطريق.
كلمة ختامية
حين نخلع حكمة البشر
نلبس فكر الله
لقد سرنا معًا في صفحات هذا الكتاب طريقًا مليئًا بالحق الإلهي، استعرضنا
فيه خطر الاتكال على المفاهيم البشرية، وضرورة العودة إلى حكمة الله وتوجيهات
الروح القدس. وما أروع أن نصل في النهاية إلى هذه القناعة العميقة: أن الاتكال على
الرب ليس فقط خيارًا روحيًا، بل هو أسلوب حياة، ومفتاح للسلام الداخلي، ومصدر لكل
حكمة حقيقية، العالم مليء بالصخب، تتسابق
فيه المفاهيم البشرية، وتتعدد فيه الأصوات، يصبح من السهل جدًا أن نُضل الطريق، أو
نندفع وراء منطق العقل، أو حتى وراء مشاعر وقتية تبدو صادقة لكنها غير ممسوحة
بالحق. كم من قرارات اتخذناها بناءً على ما ظننا أنه "صواب" أو
"منطقي"، ثم اكتشفنا أنها كانت تنقصها مشورة الله؟ وكم من طرق سلكناها
بثقة في النفس لا في الله، فوجدنا أنها كانت طرقًا ملتوية، تقود إلى تعب أو ندم؟
لكن، وسط هذا الضباب، يسطع نور كلمة الله، ليعلن لنا أن " صَالِحٌ
هُوَ الرَّبُّ. حِصْنٌ فِي يَوْمِ الضَّيقِ، وَهُوَ يَعْرِفُ الْمُتَوَكِّلِينَ
عَلَيْهِ. (نا ١ : ٧) هو لا يُخزي من يتكل عليه، بل يقوده من قوة إلى قوة، ومن
حكمة إلى حكمة. وقد دعانا مرارًا في كلمته إلى ألا نتكل على فهمنا، بل على إرشاده،
لأن هو " الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ. (كو
٢ : ٣)
في هذه الدراسة، تأملنا في نماذج كتابية تحدت المنطق البشري: داود أمام جليات،
جدعون أمام جيش مديان، بولس وسط أمواج الخدمة والاضطهاد، وآخرون كثيرون لم يتصرفوا
بحسب الفهم الطبيعي، بل أطاعوا إرشاد الروح، وبهذا صنع الله من خلالهم عجائب، وتوقفنا
أيضًا أمام فخ الاستعجال، الذي كثيرًا ما يخدع النفس، فيدفعها للاندفاع بدل
الانتظار. تذكرنا خطأ شاول الذي ظن أن التأخير مبرر لتقديم الذبيحة بنفسه، فخسر
الملك، بينما علّمنا أيوب كيف نسلم للرب حتى في الألم، مرددًا: "الرب أعطى
والرب أخذ، فليكن اسم الرب مباركًا". وبين المثالين تتضح الفجوة بين
الاتكال على الذات، والاتكال على الله.
فبلغة الكتاب المقدس الأصلية، وجدنا في العهد القديم كلمة בִּטָּחוֹן - بيتاخون (bittachon)، التي
تعني ثقة ثابتة في الله، ثقة لا تتزعزع أمام الظروف، بل ترتكز على
أمانته. وفي العهد الجديد، رأينا الكلمة ὑπομονή - هيبوموني (hypomonē)،
التي تعني الصبر والثبات تحت الضغط، وكأن الكتاب يدعونا لحياة تتسم بالثقة
الثابتة والانتظار الناضج، لا بالحركة المتسرعة أو الانفعال المؤقت، في الفصل
الأخير، سلطنا الضوء على مسألة الاندفاع. فـ"قبل الكسر الكبرياء، وقبل
السقوط تشامخ الروح" (أمثال ١٦ : ١٨). الكلمة العبرية "שֶׁבֶר - شِفِر" (shever)
المستخدمة لكلمة "السقوط" في هذا النص، تشير إلى الانهيار أو
الانكسار الداخلي، وليس مجرد السقوط الجسدي أو الحرفي. وكأن الوحي يقول لنا:
إن التسرع المدفوع بالكبرياء يقود إلى انكسار عميق، روحي ونفسي، يعطل المسيرة،
ويشوّه الدعوة، أما طريق الرب فهو مختلف: هادئ، واضح، فيه دعوة دائمة للانتظار (مز
٢٧ : ١٤). الانتظار ليس وقتًا ضائعًا، بل زمنًا للتشكيل، وفرصة لسماع صوت الله. هو
مدرسة يُنضج فيها الله أرواحنا، ويزرع فيها ثمارًا لا تأتي بالتسرع: التمييز،
السلام، النضج، والشجاعة.
ايضا ركزنا في النهاية على ثمر الانتظار. فكما يثمر التأني سلامًا داخليًا،
يمنحنا الله قوة واضحة في سلامه الممنوح (في ٤ : ٧) هذا السلام هو الإعلان الإلهي
بأنك في الطريق الصحيح، حتى إن لم تكن تفهم كل شيء في الوقت الحالي.
أخي القارئ، أختي القارئة…
الآن بعد أن أنهيت هذا الكتاب، لا تجعله مجرد صفحات تُطوى، بل اجعله بداية
لحياة جديدة من الثقة الكاملة بالله. درّب قلبك على السكون أمامه، على رفض
الاعتماد على الفكر فقط، وعلى انتظار صوته. فالله ليس إله عجلة، بل هو إله توقيت
دقيق. وهو يحب أن يقود أبناءه خطوة بخطوة، لا بالجملة، بل بالتفصيل.
لتكن صلاتك كل يوم:
"يا رب، لا أعتمد على فهمي، بل على حكمتك.
لا أندفع، بل أنتظر مشورتك.
لا أقرر دونك، بل أتوكل عليك.
أعطني روح بيتاخون – الثقة الثابتة،
واملأني بروح هيبوموني – الصبر والثبات،
لأحيا لا بحكمة البشر، بل بفكرك العالي."
آمين.


تعليقات
إرسال تعليق