دراسة في سفر دانيال

_______________________________

دراسة في سفر دانيال

بقلم

 القس عماد عبد المسيح

_______________________________

الفهرس

- المقدمة :- تاريخ كتابة السفر - ينقسم السفر الي - طبيعة الملكوت في سفر دانيال 

١ - النور والظلمة في سفر دانيال :- الشخصة الهامة في السفر 

٢ - بعض الشخصيات التي ذكرت في السفر :- دانيال - نبوخذ نصر - بَلْطَشَاصَّرُ - حننيا - ميشائيل - عزريا - دَارِيُوسَ - أَحْشَوِيرُوش - كُورَش

٣ - طبيعة معاملات الله مع أبناءه :- الصالحين وتعيين أشفنز - نعمة في عين أشفنز الذي في حياة دانيال وأصدقائه - طبيعة أشفنز في حياتك ومن حولك - النعمة والرحمة خطان متلازمان 

٤ -  الأحلام النبوية حق من؟ : - احلام نبوية لملك أممي - التعامل مع الأحلام في فرق المشيئة - الطريق الخطا في تفسير الاحلام - اعتراف علماء نبوخذنصر - فرصة العمر لدانيال لإعلان قوة حكمة الهه - قوة الحكمة الالهية واستخدامها للرفعة - الحكمة وراء عدم رؤية دانيال للحلم - اخبار دانيال للملك بالحلم - سجود ملك لدانيال وتقديم ذبائح سرور 

٥ - العادات والمعتقدات القديمة : - العبادة الوثنية بأمر ملكي - شكاية الحاقدين - شكاية الحاقدين وغضب الملك - ضياع الفرصة وتحدي الملك - الغضب في أتون محمي - ملاك الرب في كلمة الله - ملاك الرب يمثل المسيح ازلياً 

٦  - صلاة عزرا وتسبيحهم : - جمال الأفكار وقوة الكلمات في صلاته  - في صلاته أعلن حقائق إيمانه - ارتباط التعريفات في صلاة عزرا - تسبحة في قلب النار الملتهبة - دعوة جميع الخليقة لمباركة الرب - تعجب الملك وتحير واقر باله الفتيان: - تسبيح نبوخذ نصر ملك بابل 

٧ - رؤي أم مجرد أحلام :- الإقتحامات الإلهية المزعجة - أحلام شخصية للتحذير - المشورة والتتميم موقف إرادي - التوبة والرجوع واقع وحتمي 

٨ - تدنيس المقدسات :- واضع حدا لكل مهزلة - التدخل الإلهي في توقيته المناسب - تدخلات الهية من خلال دانيال - اكرام من له الاكرام - هل عرف الملك الرب 

٩ - فترة حكم جديدة : - حكم داريوس - غيرة وحقد لدرجة القتل - الشهادة الكريمة من الأعداء - الفرص الشيطانية فرص تصنع لتنال - لك الإنتصار مهما طال الإنتظار  

١٠ - مستقبل العالم في حلم : - السبب وراء هيجان زملاء دانيال عليه - سرد الحلم فقط  - ما في الحلم من رموز - حكاية الإسكندر وغزو أورشليم بدون سيف - بعض من غزوات الإسكندر الأكبر - وجود العلي في المشهد للملك والنهاية - العرش الإلهي كائنات ملائكية - الدينونة والعرش العظيم الأبيض - الحيوانات وبقائها لزمن المجيئ الثاني للمسيح - رؤية الأقانيم في حلم - الدينونة اعطيت وسلمت للقديسين - الامبراطورية الرومانية وقوة الوحش - لن تكون ضعيفة - إنتهاء مملكة اخر الزمان بالملك الألفي

١١ - أجيال وأحداث المستقبل : - ما رأه من صور واحداث في الحقب الزمنية  - عاصر دانيال ملوك حكموا الامبراطوريات وهم - القرن الصغير -  فلسطين واسرائيل محل صراع ليوم الدين  - القرن الصغير وكواكب ونجوم إسرائيل

١٢ - يتقدم للأمام بالصلاة فينموا : - مقدمة عن الاصحاح التاسع - لكل حقبة مدة وزمن ينتهي - الفهم والإدراك عطية إلهية - المعونة الإلهية تثبت لأن تفاعلات الله معانا عظيمة - الرجل جبرائيل ومن هو ؟ - سُمع لك فأنت محبوب - السبعون إسبوعا وما في جعبته 

١٣ - رؤية الرب للمساندة والادراك : - ليس صدفة أن يري دانيال الرب - لمسة حانية وقوة الهية للإدراك والفهم  - شهادة ينتظرها كل تقي - حرب روحية في الاجواء السماوية - حرب روحية في عالم الروح لإيعاقة دانيال 

١٤ - الصراع الاخير في نهاية الزمان :- ملك الجنوب وتدخله في قضية فلسطين - بنت ملك الجنوب وفشل المعاهدة - حرب وتحالفات لمدة كبيرة بالمنطقة - بنت النساء وفشل التجسس ويملك ملك ( رئيس ) أخر - عودة ملك الشمال ومعه التوعد بالسيطرة

١٥ - وقت النهاية والسفر المختوم : - الفاهمون مطالب وجودهم في زمن مظلم - رؤيا جديدة لاحداث نهاية الزمان - عدم الفهم الي الفهم سنوات كثيرة : 

_______________________________

المقدمة 

الدراسة في سفر دانيال من الدراسات الشيقة التي تكون مذخرة بمواضيع في غاية الأهمية، لأن السفر به جوانب كثيرة من لافكار التي يحتاج  الباحث لمعرفتها والتطرق لها، فجميع ما كتب في هذا السفر يعوزنا الوقت والعمر لتغطيته، في دراساتنا لهذا السفر لن نتناوله أية أية بل موضوع موضوع، فسننظر علي الإصحاح ونخرج منه المواضيع التي يثيرها السفر، فسفر دانيال من أسفار العهد القديم وهو سفر تاريخي ونبوي، يروي قصة دانيال النبي وأصدقائه الثلاثة اللذين تم سبيهم جميعا الي بابل بعد سقوط مملكة يهوذا، أبطال الايمان في هذا السفر وسلسلة من الاحداث المهمة والاعلانات والنبوات الإلهية.


- تاريخ كتابة السفر : 

يعتقد أن السفر كتب في القرن السادس قبل الميلاد في فترة السبي البابلي التي كانت علي يد نبوخذنصر  


- ينقسم السفر الي :  

- دانيال واصدقاءه واحداث التمسك بالايمان ( ص ١ - ٦ )

- الرؤي النبوية وأحداث مرتبطة بسفر الرؤيا ( ص ٧ - ١٢ ) 


- طبيعة الملكوت في سفر دانيال : 

يعلن السفر أن الله هو الحاكم علي ممالك العالم وهو الذي يتحكم في مصير الأمم، بحسب طبيعة كل مملكة، ومن خلال السفر يرينا دانيال بالإعلان النبوي عن حيوانات أربعة ( دا ٧ ) تمثل اربعة ممالك 

بابل - فارس - اليونان - الرومان

ويظهر الله قوته في هذه الممالك التي هي حقب زمنية في التاريخ العالمي، وكيف سيكون وكيف سيبيدون، يعلن السفر كيف أن الله هو الحاكم في مملكة إسرائيل وأن الله سيحقق خلاص شعبه ( دا ٩ ) ويعلن السفر عن أحداث في نهاية الزمان ( دا ١٢ ) فالله هو الحاكم الحقيقي والمتحكم في كل الأحداث من البداية للنهاية، فهذا السفر إعلان كامل عن معية الله وسندته للمؤمنين وأن عليهم عدم الخوف مهما كانت الأحداث.


فالله هو ضابط التاريخ في جميع الإمور وأن سفر دانيال أعظم شاهد عن أن الله هو الضابط المتحكم في أحداث وتاريخ العالم، فالله يعمل دائما لحساب وبنيان مؤمنيه أينما وجدوا، يتكلم الله مع دانيال عن رؤي وأحلام نبوية يكشف فيها عن مستقبل فيه سقوط ممالك وقيام ممالك ومجيئ المسيح وأن مقاصد الله لابد أن تتحقق، فقد تدخل الله في الأحداث لإنقاذ دانيال وأصدقاءه الثلاثة، فالله موجود في جب الإسود وفي أتون النار، موجود في أصعب الظروف للإنقاذ والمعية الإلهية 

_______________________________

١ 

 النور والظلمة في سفر دانيال 

السفر يعلن مقدار الظلمة الحالكة التي في داخل ممالك العالم، ولا سيما في مملكة بابل، ومقدار النور المتمثل في أربعة فتيان مسبيين، السفر يعلن مقدار الظلمة وقوتها مقارنة بقلة العدد لأربعة فتيان ضعاف وليس لهم لا حول ولا قوة ولا سنيد، ولكن مقدار إيمانهم أقوي وأشد من الظلام الدامس والحالك الموجود في مملكة بابل، ولكن من قلب الظلمة يري نبوخذنصر الملك الأممي حلما لمستقبل العالم ويطلب من دانيال تفسيره.


الحلم يشرح مستقبل مملكة بابل، فالتمثال الذهب هو حقب زمنية وأن مملكة بابل الذي ستستمر أربعة قرون.

- الراس الذي من ذهب هي فترة حكم نبوخذنصر. 

- الصدر والفخذان يمثلان مملكة مادي وفارس، اللتان ستأخذان مكان بابل.

- البطن النحاسي يمثل مملكة اليونان التي ستاخذ مكان مادي وفارس.

- الساقان التي من حديد يمثلان مملكة روما والتي ستخلف اليونان.

 الحجر الذي يسحق القدمين هي قوة الله التي ستدمر مملكة روما 

 

ثم يعلن السفر رؤي اخري تمثل نفس الحقب الزمنية فقد رأي أربعة حيوانات وحشية 

- الحيوان الأول أسدًا، ويمثل مملكة بابل.  - الحيوان الثاني دبًا، ويمثل مملكة مادي وفارس.

- الحيوان الثالث حيوانًا مخططًا، ويمثل مملكة اليونان. 

- الحيوان الرابع وحشًا هائلًا، ويمثل مملكة روما.

يقتل الحيوان الهائل بواسطة إبن الإنسان الذي هو المسيح.


لابد للنور أن يغلب الظلام مهما طالت مدته ومهما كانت قوة الظلم في الحقب الزمنية للأمم، فالحقب الزمنية تدين بعضها بعضا وتحل بعضها بعضا وتنهي بعضها بعضا، فلكل ظلمة نهاية ولكل ظلام وقت وينتهي


- الشخصة الهامة في السفر : 

دانيال هو الشخصية الهامة في سفر دانيال وهو كاتبه سنة ٦٠٦ قبل الميلاد، ولد دانيال في أورشليم وسبي إلي بابل، وتعلم اللغة الكلدانية مع الفتية الثلاثة 

حننيا - ميشائيل - عزريا 

( قاموس الكتاب المقدس بحث في كلمة دانيال ) وعاش دانيال حوال ٨٤ عاما (618 - 534 ق.م.) رأي فيها يد الرب وسلطانه، عاش عارفا بالمواعيد الإلهية لجيله ولشعبه. 

_______________________________

٢ 

بعض الشخصيات التي ذكرت في السفر

- دانيال Daniel : هو الشخصية الهامة للسفر "  أَمَّا دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لا يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلا بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ، فَطَلَبَ مِنْ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ أَنْ لا يَتَنَجَّسَ. (دا ١ : ٨) في العبرية: דָּנִיֵּאל (Dāniyēl) وهو إسم مكون من مقطعين: "דָּן" (Dan) ويعني ( الله ). و "יֵּאל" (Yel) ويعني ( قضى ) فالمعني " الله قضي " وهو الذي فسر حلم التمثال للملك، دانيال رجل حكيم ومؤمن إستطاع بإيمانه تفسير حلم نبوخذنصر، وإستطاع بإيمانه أن يجتاز في أصعب التحديات وعبر، وكان أصعبها القاؤه في جب الإسود، دانيال يعتبر نموذج للمؤمنين الأتقياء أصحاب القيم والمبادئ العالية ومن الشخصيات القيادية الناجحة، والذي يميز شخصيته ثباتها فإستمر في المسيرة برغم صعوبة التحديات التي واجهته، وهو الشخصية المحورية في السفر، ويرمز للمؤمن الهادي الوديع الواثق في الهه، ويرمز للشخص الممتليئ حكمة وفهم، وللشخص المتمسك بكماله بمبادئه مهما كانت الظروف ومهما كانت قوة العدو.   


- نَبُوخَذْنَاصَّرُ: ملك بابل الذي سبى اليهود إلى بابل " فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ مُلْكِ يَهُويَاقِيمَ مَلِكِ يَهُوذَا، ذَهَبَ نَبُوخَذْنَاصَّرُ مَلِكُ بَابِلَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَحَاصَرَهَا. (دا ١ : ١) في العبرية هو נבוּכדנאצּר ويُنطق ( nebûkadne'tstsar ) وهو مؤلف من ثلاثة أجزاء - نبو (נְבו) هو اسم الإله البابلي الذي كان يعبده نبوخذ نصر. - أوزور (אוּסֻר) تعني "حامي" أو "مدافع". وبذلك، فإن الاسم العبري لنبوخذنصر يعني "نبو حامي الحدود " وحكم من 605 إلى 562 قبل الميلاد، ولد في بابل عام 630 قبل الميلاد، يقال أنه تولى العرش وكان يبلغ من العمر 25 عامًا، في السنة الثانية من حكمه، رأى نبوخذنصر حلمًا أزعجَه كثيرًا. كان الحلم عبارة عن تمثال ضخم ذو رأس من ذهب وصدر من فضة وبطون من نحاس وساقين من حديد وقدم من حديد وطين. ثم سقط حجر من السماء وضرب القدم، فانكسرت القدم وتساقطت القطع الأخرى، طلب نبوخذنصر من جميع الحكماء في بابل تفسير الحلم، لكنهم فشلوا في ذلك. ثم أحضر الملك دانيال، وهو يهودي كان قد أسره من اورشليم. وفسر دانيال الحلم على أنه رمز لمستقبل الإمبراطورية البابلية.

ما يميز نبوخذنصر في داخل السفر أنه قوي الرأي يعرف جيدا كيف يستخدم السلطة فقد حكم امبراطورية بابل التي كانت من أقوى الإمبراطوريات في العالم القديم. ايضا كان متكبر مغرورا بانجازاته  وممتلء ذكاءا، لذلك إجتاز في دائرة القضاء الإلهي وعاش فترة كالحيوان، وبعدها إستقام وأمن بالله وإعترف به كإله الألهة، فهي رحلة من الكبرياء والغرور الي الإيمان بالله.


- بَلْطَشَاصَّرُ Belteshazzar : هو الاسم الثاني لدانيال "  فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِكُورَشَ مَلِكِ فَارِسَ كُشِفَ أَمْرٌ لِدَانِيآلَ الَّذِي سُمِّيَ بِاسْمِ بَلْطَشَاصَّرَ. وَالأمْرُ حَقٌّ وَالْجِهَادُ عَظِيمٌ، وَفَهِمَ الأمْرَ وَلَهُ مَعْرِفَةُ الرُّؤْيَا. (دا ١٠ : ١) اسم بَلْطَشَاصَّرُ في العبري בּלטשׁאצּר وتنطق ( bêlţesha'tstsar ) ويتكون من ثلاثة أجزاء: בל (Bēl) هو اسم الإله البابلي. שצר (šáṭar) يعني "ملك" أو "حاكم". אל (el) تعني "الله" وبذلك، فإن اسم بلشاصر يعني "ملك الإله" أو "حاكم الإله" فهو في السفر يعطي لدانيال ويجعلونه كبير المجوس " يَا بَلْطَشَاصَّرُ، كَبِيرُ الْمَجُوسِ، مِنْ حَيْثُ إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ فِيكَ رُوحَ الآلِهَةِ الْقُدُّوسِينَ، وَلا يَعْسُرُ عَلَيْكَ سِرٌّ، فَأَخْبِرْنِي بِرُؤَى حُلْمِي الَّذِي رَأَيْتُهُ وَبِتَعْبِيرِهِ. (دا ٤ : ٦) هذا لسبب ان حكمة دانيال كانت اعظم وأقوي من حكمة كل السحري والمنجمين في زمنه وفي وسط المملكة، دائما الله يرفع أولادة وسط أعداءه ولا سيما عندما يعمل المؤمن بنظام ومبادئ الله من الأمانة والإخلاص برغم أن الملك ليس صالحا وتسبب في سبي وغربة دانيال ورفقائه وجميع المسبيين ودمار بلادهم ومدنهم، ولكن كان دانيال رلا صالحا يسير بمبادئ الله مهما كانت التكلفة والنتائج.


- حَنَنْيَا Hananiah : 

اسم عبري معناه "يهوه قد أنعم، قد تحنن الاسم العبري للأمير الأسير، أحد الفتية الثلاثة رفقاء دانيال في السبي، الذي سماه الكلدانيون شدرخ ( قاموس الكتاب المقدس بحث في كلمة حننيا ) " فَجَعَلَ لَهُمْ رَئِيسُ الْخِصْيَانِ أَسْمَاءً، فَسَمَّى دَانِيآلَ "بَلْطَشَاصَّرَ"، وَحَنَنْيَا "شَدْرَخَ"، وَمِيشَائِيلَ "مِيشَخَ"، وَعَزَرْيَا "عَبْدَنَغُوَ". (دا ١ : ٧) اسم "حننيا" في العبرية هو "חנניה" ويُنطق "chănanyâh". وهو إسم مذكر شائع في اللغة العبرية، ويتكون الاسم من مقطعين: "חנן" تعني "نعمة" والمقطع "יה" اختصار لإسم "الله"في العبرية. أما " شَدْرَخَ Shadrach " في العبري שׁדרך وتنطق shadrak وتعني الأمر من أكوا، فتغيير الاسم هو وضع البصمة البابلية او الفارسية علي حياة الفتيا لتغيير الثقافة والهوية وليكونوا أمام الملك بهوية جديدة، وبرغم من محاولة طمث الهوية اليهودية استطاع حنانيا ان يتمسك بما تعلمه من مبادئ وقيم، فكان رمزا للايمان باللهبرفضه السجود للاوثان حتي إن كلفه حياته، واستطاع ان يمثل أمته اليهودية في التزامه بالمبادى والقيم، فسار في العالم بالكريقة التي تعكس ايمانه وضد العالم الشرير.


- مِيشَائِيلَ Mishael :  

اسم عبري معناه "من كالله؟" ( قاموس الكتاب المقدس بحث في كلمة ميشائيل ) وهو اسم أحد رفقاء دانيال وأبدل اسمه في بابل بميشخ (دا١: ٦ إلخ) (اطلب "ميشخ"). جاء في العبري " מישׁאל " وتنطق " mîyshâ'êl " ومعناه "من هو مثل الإله أكو?" ( نفس المرجع السابق ) تغير اسم ميشائيل الي " مِيشَخَ Meshach " وفي العبري מישׁך وتنطق mêyshak وتعني من هو مثل الاله اكوا، وما سردناه في امر حنانيا هوهو نفس حياة ميشائيل، اراد الملك بقيادة اشفنز تغيير الهوية اليهودية من حياة الفتيا الثلاثة ودانيال. 


- وَعَزَرْيَا Azariah :  

اسم عبري معناه "من أعانه يهوه" في اللغة العبري " עזריה " وتنطق " ăzaryâh " وتعني يساعد.وهو اسم أحد رفقاء دانيال وأبدل اسمه في بابل عَبْدَنَغُوَ " עבד נגו " وتنطق " ăbêd negô " وتعني عبد الاله نبو، وهو أحد من دخل أتون النار مع باقي الفتيان  الثلاثة، فتغيير الهوية واضح في أهداف الملك ومساعده اشفنز رئيس الخصيان في البلاط الملكي لنبوخذنصر

   

- دَارِيُوسَ Darius : 

اسم من الفارسية القديمة معناه "مالك الخير" معروف بالمادي "  فَأَخَذَ الْمَمْلَكَةَ دَارِيُّوسُ الْمَادِيُّ وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً. (دا ٥ : ٣١) (دا ١١ : ١) ( المرجع السابق ) وهو ابن احشويرش الملك " فِي السَّنَةِ الأولَى لِدَارِيُوسَ بْنِ أَحْشَوِيرُوشَ مِنْ نَسْلِ الْمَادِيِّينَ الَّذِي مُلِّكَ عَلَى مَمْلَكَةِ الْكَلْدَانِيِّينَ، (دا ٩ : ١) وجاء في اللغة العبرية " דּריושׁ " وتنطق " dâreyâvêsh "  


 - أَحْشَوِيرُوشَ Ahasuerus : 

اسم فارسي قديم معناه "رئيس الحكام".واسم ابنه داريوس المادي "  فِي السَّنَةِ الأولَى لِدَارِيُوسَ بْنِ أَحْشَوِيرُوشَ مِنْ نَسْلِ الْمَادِيِّينَ الَّذِي مُلِّكَ عَلَى مَمْلَكَةِ الْكَلْدَانِيِّينَ، (دا ٩ : ١) 


- كُورَش Cyrus :

ملك اممي صالح ومعني اسمه " راعي " ( المرجع السابق ) في العبرية כרש כורש وينطق kôresh " وَكَانَ دَانِيآلُ إِلَى السَّنَةِ الأولَى لِكُورَشَ الْمَلِكِ. (دا ١ : ٢١) هو ملك فارسي (إش٤٤: ٢٨، ٤٥: ١-٧). يقول عزرا أن كورش ملك فارس أصدر نداء في السنة الأولى لملكه يسمح فيه لليهود (وكانوا قد صرفوا سبعين سنة في سبي بابل) بالرجوع إلى أرضهم وإعادة بنيان هيكل أورشليم وقد أعطاهم من خزائنه الغنية مالا وفيرا وأرجع لهم آنية الهيكل المقدسة التي كان نبوخذنصر قد أخذها لكي يعودوا إلى استعمالها هناك (عز١، ٥: ١٣ و١٤، ٦: ٣ و٢ أخ ٣٦: ٢٢ و٢٣).  سنة (٥٣٨ ق.م).

_______________________________

٣ 

طبيعة معاملات الله مع أبناءه 


لله معاملات خاصة لشعبه ومع أبناءه المؤمنين، هذه المعاملات الإلهية ليست بحسب أفكار البشر وطرقهم، ولكنها بحسب المبادئ والقوانين الإلهية التي وضعها الله في كلمته لشعبه، سواء وصلت اليهم بالتواتر أو بسفر مكتوب، فالشعب الذي يسير في هذه المبادئ يدخل في دائرة المجد والرعاية والحماية التي تعمل ذاتيا من خلال القوانين التي وضعت، أما الذي يسير بعيدا عنها يدخل في أنفاق مظلمة ليست من صنع الله ولكنها نتيجة ما زرعه الشعب لذاته، فقد دخل نبوخذنصر علي أورشليم وأدخلها في سبي لمدة ٧٠ عام " فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ مُلْكِ يَهُويَاقِيمَ مَلِكِ يَهُوذَا، ذَهَبَ نَبُوخَذْنَاصَّرُ مَلِكُ بَابِلَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَحَاصَرَهَا. وَسَلَّمَ الرَّبُّ بِيَدِهِ يَهُويَاقِيمَ مَلِكَ يَهُوذَا مَعَ بَعْضِ آنِيَةِ بَيْتِ الله، فَجَاءَ بِهَا إِلَى أَرْضِ شِنْعَارَ إِلَى بَيْتِ إِلهِهِ، وَأَدْخَلَ الآنِيَةَ إِلَى خِزَانَةِ بَيْتِ إِلهِهِ. (دا١ :  ١-٢) فترة طويلة جدا من السبي علي شعب الله، هزم فيها الملك " يَهُويَاقِيمَ " وهو إسم عبري معناه "يهوه يقيم" ولكنه للأسف لم يسير في طريق الرب بل عبد الأوثان "  كَانَ يَهُويَاقِيمُ إبْنَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ، .. وَعَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ حَسَبَ كُلِّ مَا عَمِلَ آبَاؤُهُ. (٢مل٢٣ :  ٣٦-٣٧) هذا الوضع يحتاج الي فهم وتحليل، فليس هدف الله إزلال شعبه، ولكن دخول الشعب في السبي كان نتيجة نزع الحماية من علي الشعب التارك طريق الله، دخل في السبي برغم وجود أفاضل في حياتهم كدانيال والفتيان الثلاثة، إن سبي الشعب نتاج نزع الحماية، وسبي الفتيان ودانيال ليس لأنهم غير محميين بل لوجودهم وسط شعب نزعت عنه الحماية لسبب شرورهم، أما دانيال ورفقائه فالله يعرف كيف يحفظهم ويسندهم ويرفع رؤوسهم، لذلك لا يجب خلط الحابل بالنابل في تقيمنا وفهمنا للإمور، فدخول مؤمن في ضيقة أو أزمة ليس معناه أنه شرير ويستحق ما حدث، ولكن طبيعة الأراضي تسبب لقاطنيها راحة أو أتعابا، هذا بالإضافة الي أفعال وسلوك الساكنين فيها، فقد كان يوحنا بارا ولكن طبيعة الأرض تسببت في سجنه وقطع رأسه، أيضا المسيح قدوس ولكن طبيعة الارض صلبته فمات ولكنه إنتصر فقام، لذلك لا تبكي علي ما فقد منك دون أن تكون انت من تسببت فيه، بل ثق بان لك اله قادر علي التعويض عن كل ما سلب وتم استنزافك فيه، فإلهلك عظيم.


عندما يقول الوحي " وَسَلَّمَ الرَّبُّ بِيَدِهِ يَهُويَاقِيمَ مَلِكَ يَهُوذَا مَعَ بَعْضِ آنِيَةِ بَيْتِ الله، فَجَاءَ بِهَا إِلَى أَرْضِ شِنْعَارَ إِلَى بَيْتِ إِلهِهِ، وَأَدْخَلَ الآنِيَةَ إِلَى خِزَانَةِ بَيْتِ إِلهِهِ. (دا ١ : ٢) يري القارئ هنا ان الرب هو من سلم الشعب للعدو، إذا الرب هو الصانع وهو الفاعل للتجربة والأزمة، أقول كلا والف كلا .... هذا لأن الله يعمل بقوانين ويحترم لوائحه التي يضعها، لذلك فالشعب زرع فسادا فماذا سيحصد؟ إنه سيحصد شرا، وهذا هو تفعيل القانون القضائي، فالله في قضاءه بسبب شرور الشعب كان الحكم برفع الحماية، فكانت النتيجة أن العدو وجد فرصة ليدخل ويهزم ويجرب ويدمر، اين الله؟ موجود. ولماذا لم يتدخل لمنع هذا؟ لأنهم دخلوا تحت القضاء الإلهي وحكم رفع الحماية، لذلك تم القول " وَسَلَّمَ الرَّبُّ بِيَدِهِ يَهُويَاقِيمَ مَلِكَ يَهُوذَا  " أي لم يمنع الله ولم يتدخل للإنقاذ بل تم تفعل القانون والحكم.


- الصالحين وتعيين أشفنز : 

وقفت أمام موقف الملك نبوخذ نصر الذي إستطاع أن يسبي شعب الرب أن يعين رئيسا يستطيع أن يعلم الصالحين كيف يدخلون عن بلاط الملك ليخدمونه في قصره، يخدمون من؟ يخدمون عدوهم "  وَأَمَرَ الْمَلِكُ أَشْفَنَزَ رَئِيسَ خِصْيَانِهِ بِأَنْ يُحْضِرَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنْ نَسْلِ الْمُلْكِ وَمِنَ الشُّرَفَاءِ، فِتْيَانًا لا عَيْبَ فِيهِمْ، حِسَانَ الْمَنْظَرِ، حَاذِقِينَ فِي كُلِّ حِكْمَةٍ وَعَارِفِينَ مَعْرِفَةً وَذَوِي فَهْمٍ بِالْعِلْمِ، وَالَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةٌ عَلَى الْوُقُوفِ فِي قَصْرِ الْمَلِكِ، فَيُعَلِّمُوهُمْ كِتَابَةَ الْكَلْدَانِيِّينَ وَلِسَانَهُمْ. (دا١ :  ٣-٤) نعم إنها فرصة لفتيان صالحين لهم طبيعة مختلفة عن باقي الشعب، ليكون لهم مركز ووضع داخل الكيان المعادي لشعبهم، فلا يجب أن يضيعوه، ولكن هل يقدمون تنازلات لمواكبة الأمر والسير فيه فلا يخسرون مكانة تنتظرهم؟


تعجبت من وجود شخص ك " اشفنز Ashpenaz " אשׁפּנז وتنطق ashpenaz وهو اسم فارسي معناه "ضيف" (دا١: ٣) فرأيت أن إبليس يفعل هكذا يعين ضيفا في حياة أبناء الله ليؤثر علي العلاقات ويغير المبادئ، لذلك يحتاج كل مؤمن اكتشاف من هو اشفنز في حياته فيتخلص منه ويبتعد عنه، لأن ليس له هدف غير أن يغير مبادئ الله التي في حياتك.


 إن العاقل ومن له مبدأ لا يتنازل حتي وإن خسر كل شيئ، المؤمن الذي يريد أن يحتفظ بمستواه أمام نفسه والله والأخرين، لا يبالي بأحد غير الله في مبادئة المرتبطة بعلاقته بالله، هكذا كان الفتيان الثلاثة ودانيال، لذلك وضعهم رئيس الخصيان ( اشفنز ) في فترة تدريب وتهيئ لمدة ثلاث سنوات، غير فيها أسمائهم لتناسب طبيعة الواقع الخاص بالمملكة " ...فَجَعَلَ لَهُمْ رَئِيسُ الْخِصْيَانِ أَسْمَاءً، فَسَمَّى دَانِيآلَ "بَلْطَشَاصَّرَ"، وَحَنَنْيَا "شَدْرَخَ"، وَمِيشَائِيلَ "مِيشَخَ"، وَعَزَرْيَا "عَبْدَنَغُوَ". (دا١ :  ٦-٧) إن العدو دائما عندما يتمكن من مجموعة في دائرة الأسر، يسعي محاولا لتعيين من يتحكم فيهم ليتمكن من الإلمام بكل المقاييس والأنظمة دون أن ينازعه أحد أو يعيقه، فتعيين " اشفنز " امرا في غاية الأهمية للعدو، لذلك علي كل مؤمن في العالم ينظر حوله فإن وجد اشفنزا في حياته فليعلم أنه في دائرة أسر روحي، وكيف يكتشف المؤمن كل اشفنز في حياته، إن إكتشافه ليس صعبا ، بان تجد شخصا متداخل في حياتك يملي عليك ما تصنعه ويسعي محاولا فرض عليك واقعا بعيدا عن دوائر الله وخدمته، عليك رفض كل ما لا يناسب علاقتك بالله، والخروج من دائرة هؤلاء علي قدر المستطاع، لئلا تؤسر دون أن تدري.


- نعمة في عين أشفنز الذي في حياة دانيال وأصدقائه :

عندما لا تستطيع الخروج من دوائر أشفنز أو التخلص من أوامره، عليك بالطلب من الله أن يعطيك نعمة خاصة لدي أشفنز ليمنحك فرص تشغيل مبادئ الله في حياتك وفرضها علي واقع مملكة العدو "  أَمَّا دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لا يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلا بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ، فَطَلَبَ مِنْ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ أَنْ لا يَتَنَجَّسَ. وَأَعْطَى الله دَانِيآلَ نِعْمَةً وَرَحْمَةً عِنْدَ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ. " توجد إمور في حياه الإنسان ليس لها حل إلا تدخل الله، فدانيال وضع في قلبه هذا الامر أنه " لا يَتَنَجَّس " وطلب من رئيس الخصيان بكل وضوح وشفافيه وإسرار " فَطَلَبَ مِنْ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ أَنْ لا يَتَنَجَّسَ. "  وهنا جاء التدخل الإلهي وأعطي " نِعْمَةً وَرَحْمَةً " المشكلة كانت موجودة ليس في أشفنز ولكن في القرارات الملكية وكيفية التعامل معها، هل نتعامل باصرار وتعند وتسلط فنفرم، أم نتعامل بحكمة ونقدم طلبا ربما يجد الطلب نعمة ورحمة، وإن لم يحدث هذا وفي غير ذلك فالإصرار مهم جدا مهما كانت النتائج.


- طبيعة أشفنز في حياتك ومن حولك : 

عندما يدخل حياتك شخص كأشفنز لابد أن تعرف أن طبيعة حياته هو الولاء لولي نعمته "  فَقَالَ رَئِيسُ الْخِصْيَانِ ..: "إِنِّي أَخَافُ سَيِّدِي الْمَلِكَ ...(دا ١ : ١٠) بكل تاكيد فطبيعة عمله الطاعة والولاء للملك حتى لو على حساب مبادئه، هذا بيفكرني برجل يعتلي منصب مهم في الدائرة الدينية وإثناء مكالمة تليفونية معه في حوار خاص عن فعل قد صنعه بأوامر من مديره أو من من يرأسه في العمل، فكان كلامي معه سؤال " ليه عملت كدا؟ " فكان رده غريب جدا قائلا " أسمع كلام رئيسي في العمل حتى لو كان غلط " فاستغربت وقلت في داخلي هذا هو أشفنز. اتمنى هذا الأشفنز ان يقرا كلماتي لكي يراجع نفسه ويقدم إعتذارا لمن أساء في حقهم ويصحح خطأه كما صحح زكا أخطائه.


يوجد أشفنز في حياه كثيرين ليس فقط من ينتمي بالولاء لولي نعمته بل يوجد بمن ينتمي بالولاء للمال كسيد أو للسلطه أو للمراكز، ولديه إستعداد تغيير هوية من حوله على قدر المستطاع ليعيش وليستفيد هو، بصرف النظر عن خسارة الأخرين وعن إستنزافهم، سواء كان إستنزافا ماديا أو زمنيا أو روحيا، فمثل هؤلاء اشخاص يأخذون أكثر مما يعطون، وللاسف في هذه الايام بالذات تقابلت مع عدد كبير منهم ووجدت أن من صفاتهم : عدم احترام الذات، وايضا التلاعب بالمصطلحات ليكتسبون ما ليس من حقهم وبلا وجه حق، فهم متعطشون دائما وفي الحاجة المستمرة إلى السيطرة وحب الإمتلاك، ولا يبالون بضحياهم

 

 ولكي نستطيع حماية أنفسنا ، علينا وضع " حدود " ونكون قادرون علي " الرفض " وقول كلمة " لا " و " لا يحل لك " وبلا خوف من أية نتائج، وان كان في مقدورنا " الابتعاد " عنهم لأن في إبتعادنا عنهم مكسب كبير، أيضا لا تجعل مثل هؤلاء يشعروك بالذنب فتلوم نفسك، فانت لست مسئول عن تصرفات غيرك أو حتي عن النتاىج التي لحقت بك بسببهم، وعليك طلب المساعدة من الأخرين لأن مثل أشفنز يخافون من المجموعات المتماسكة، فطلب المساعدة مفيد.


- النعمة والرحمة خطان متلازمان : 

قال دانيال والفتيان الثلاثة لأشفنز جَرِّبنا عَشَرَةَ أَيَّامٍ. أرادوا أن يعلنوا إيمانهم المتمسكون به، يتركون كل ما هو نجس ومعلن في عقيدتهم وإيمانهم وناموسهم (دا ١ : ١٢) ففعل كما طلبوا "  وَعِنْدَ نِهَايَةِ الْعَشَرَةِ الأيَّامِ ظَهَرَتْ مَنَاظِرُهُمْ أَحْسَنَ وَأَسْمَنَ لَحْمًا مِنْ كُلِّ الْفِتْيَانِ الآكِلِينَ مِنْ أَطَايِبِ الْمَلِكِ. (دا ١ : ١٥) أهم ما عند اشفتز هو إرضاء الملك، فقد كان سقف الملك رجال سمان اشداء جمال المنظر، لذلك كانت محاولاته هو فعل أي شيى ليصيروا كما أراد سيده، ولذلك لم يبالي بثقافتهم الدينية وهذا لحسن حظهم، ولكن في وسط هذا كانت الطريقة التي إستخدمها إن خضعوا لها الفتيان ودانيال، لاصبحت ضد ثقافتهم الدينية، ولكن نعمة الله ورحمته هي التي سندت دانيال ورفقائه " أَمَّا هؤُلاءِ الْفِتْيَانُ الأرْبَعَةُ فَأَعْطَاهُمُ الله مَعْرِفَةً وَعَقْلا فِي كُلِّ كِتَابَةٍ وَحِكْمَةٍ، وَكَانَ دَانِيآلُ فَهِيمًا بِكُلِّ الرُّؤَى وَالأحْلامِ. (دا ١ : ١٧) فإرتباط النعمة والرحمة يمنحان الإنسان فرص في حياته ليس لها مثيل، ولابد من معرفة أن النعمة لها ما يفعلها ( التفعيل = الأجواء المدعمة لكي تعمل النعمة ) لذلك صنع دانيال واصدقائه مبادرة بالتمسك بعقيدتهم، ولذلك دعمهم الله بنعمة خاصة.

 

النعمة هي عطية إلهية مجانية يهبها الله لمن لا يستحقها، أما الرحمة فهي لطف الله ورأفته، ولكن ليعلم الإنسان أن تفعيلهما ( النعمة والرحمة ) ينبعان من طول أناة الله " اَلرَّبُّ حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ. (مز ١٤٥ : ٨) فهو " حَنَّانٌ gracious " وفي العبري חנּוּן وتنطق channûn وتعني رؤوف أو كريم، في صفة إلهية توصف الله فكم هو رؤوف - كريم - رحيم، ففي جميع مواقفة لا يقدم الغضب فوق الرأفة ولا القضاء فوق الرحمة، فهو في قضاءه يكون رحيما ووقت غضبه يكون رؤوفا، فهو الذي نظر لعبودية شعب الله وسمع صراخهم ولذلك عمل علي أخرجهم من أرض العبودية الي أرض تفيض لبنا وعسلا "  الرَّبُّ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ. لا يُحَاكِمُ إِلَى الأبَدِ، وَلا يَحْقِدُ إِلَى الدَّهْرِ. لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثامِنَا. (مز١٠٣ :  ٨-١٠) هذا هو الله يقدم دائما نعمته ورحمته ورأفته، لذلك ظهرت مناظرهم احسن واسمن لحما

_______________________________

٤ 

 الأحلام النبوية حق من؟ 


- احلام نبوية لملك أممي : 

حلم نبوخذ نصر أحلاما إنزعجت بسببه روحه وهرب النوم من جفونه، فتقريبا الحلم لم يكون علي جزء واحد ولكنه علي أجزاء، لان الكتاب لم يقول حلما بل أحلاما " وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ مُلْكِ نَبُوخَذْنَصَّرَ، حَلَمَ نَبُوخَذْنَصَّرُ أَحْلامًا، فَانْزَعَجَتْ رُوحُهُ وَطَارَ عَنْهُ نَوْمُهُ. (دا ٢ : ١) فبحسب تخيلي أنه حلم فإنزعج ثم حاول النوم فحلم فإنزعج الي أخر جزء في الحلم، او حلم احلامه في كذا ليلة، بعدها طار عنه نومه فقد كمل الحلم وكمل إنزعاجه، انزعج لأنه رجل بعيد عن الأحلام النبوية ( جديدة عليه ) إنه سافك دم ( محارب - ملك سعي لتوسيع امبراطوريته بالحروب والاستلاء علي بلاد وممالك ) والعجيب انه يحلم احلاما نبويه، كيف وهو ليس بنبي؟ كيف وهو ليس من شعب الله؟  


ملك لا يعرف الله - لا يؤمن بإله السماء - له الهة وثنية ولمملكته ايضا، ولكن الله يستخدمه في حلم نبوي، السؤال: لماذا هو؟ لماذا الله لم يستخدم دانيال مثلا أو أحد الفتيان الثلاثة؟ هل هما أقل في المستوي الروحي عن نبوخذ نصر ؟ الإحابة الأكيدة لا .. اذا لماذا هو؟.

الذي يجب معرفته.. أن الله يستخدم ليس الأقدس فقط، ولكنه يستخدم كل من هو في نطاق دائرة المشيئة الإلهية، أعلم أن القارئ سينزعج وهذا راجع للمفهوم الغير كامل عن المشيئة الإلهية لكل من إنزعج، لذلك لا تنزعج ولا تضطرب لأن المشيئة الإلهية تحتوي كل المؤمنين بلغة العهد الجديد والصديقين بلغة العهد القديم، وتحتوي كل من وضع نفسه مسئولا عن نفوس في داخل المشيئة.

وللتوضيح أقول : دانيال والفتيان الثلاثة وباقي شعب الله هم مرتبطين بمشيئة الله ( داخل مشيئة الله = تمام؟ ... نبوخذ نصر دخل علي شعب الله واسرهم،  فصار ولي عليهم - مسئولا = تمام؟... وبالتالي دخل في نطاق المشيئة ولم يصير في المنشية ( كفعل وليس كشخص ) أي صار شخصا متاح لإستخدامه من خلال حكمة الله ومشيئته، لأجل خدمة ملكوت وشعب داخل المشيئة، لذلك رأي حلما يرتبط بمستقبل شعب وأمة، فهو طرف في نطاق الممالك والحقب الزمنية، لذلك أعلن له.


هذا مثل ملك مصر ( فرعون ) الذي كلمه الله في حلم برد سارة لابراهيم ابو المؤمنين، اللذان هما داخل المشيئة الإلهية، أما فرعون ففي هذا الموقف وضع في نطاق استخدامات المشيئة من أجل خدمة ملكوت الله في أبونا إبراهيم وزوجته سارة، لذلك فيوجد من هم داخل المشيئة ويوجد من وضعوا في نطاقها فيستخدمون.


- التعامل مع الأحلام في فرق المشيئة : 

من حق الجميع أن يروا أحلاما فما هي إلا أنها داخل الطبيعة البشرية، ولكن الأحلام لها ثلاثة المصادر الإنسان ذاته وهذا متاح للكل، والمصدر الثاني هو إبليس والمصدر الثالث هو الله، وجميع مصادر الأحلام في طبيعتهما يستخدمون الصور والأصوات الموجودة في العقل الباطن وينتجون أحاسيسا مرتبطة بسيناريو الأحداث، فعندما حلم يوسف حلما رأي صور من المزارع ومن الطبيعة، فهذه الصور مخزنة في عقل يوسف، فخاطبه الله مستخدما إمكانيات ذهنة، وهكذا أيضا يفعل إبليس مستخدما من ما هو مخزن في العقل الباطن.

رأي الملك نبوخذنصر حلما من الله وإستخدم فيها ما هو مخزن في عقله الباطن من صور ليعلن له ما يريد إعلانه، لماذا نبوخذ وليس دانيال؟ يرجع الي عدة إمور : أولا : نبوخذ نصر أدخل نفسه في نطاق المشيئة الإلهية عندما سبي شعب الله فصار - ولي ( مسئول ) على شعب الله ( يوجد فرق من هو في داخل المشيئة ومن هو في نطاقها، فداخل المشيئة المؤمنين - ابناء الله، أما من في نطاقها كل من وضع نفسه بعيدا عن الحق ولكن قلبه في الاهتمام بملكوت الله حتي دون أن يقصد ) ثانيا : جعل شعب الله أقل من العبيد ( صاروا مسبيين )  ثالثا : كي يستخدم دانيال ورفقائه الثلاثة لابد من رفع مستواهم ليكونوا في مستوي الأحرار، لذلك عندما جلس دانيال أمام الملك ليفسر الحلم كان دانيال ضمن حكماء القصر الملكي لدي الملك، هنا وضع دانيال وحسب رجلا حرا يتكلم والملك يسمع.


الله عندما يستخدم نفسا لخدمة الملكوت يستخدم الحر داخليا قبل أن يكون حرا مجتمعيا، فعندما يوجد شخصا مؤمنا ولكن له روح العبيد أو المسبيين، يفقد مستوي الإستخدام، لذلك وقت الإستخدام لم يري الله حرا واحدا وفي وضع المسئولية إلا ملك وثني، يقول قائل : دانيال والفتيا كانوا أحرار داخليا، أقول نعم ولكن بروح العبيد "  فَقَالَ دَانِيآلُ لِرَئِيسِ السُّقَاةِ .."جَرِّبْ عَبِيدَكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. فَلْيُعْطُونَا الْقَطَانِيَّ لِنَأْكُلَ وَمَاءً لِنَشْرَبَ. (دا١ :  ١١-١٢) كان يشعر أنه أقل من من حوله ( جَرِّبْ عَبِيدَكَ  ) هذا يختلف عن الفتيان عندما وقفوا أمام الملك فقالوا له " يَا نَبُوخَذْنَصَّرُ، لا يَلْزَمُنَا أَنْ نُجِيبَكَ عَنْ هذَا الأمْرِ. (دا ٣ : ١٦) هنا لم يستخدموا كلمه عبيدك برغم أنهم يتكلمون مع الملك، فالأمر يختلف أحباء عندما يذهب الشخص أمام المسؤول بروح العبيد أو يذهب أمام المسئول بروح البنوه لله ( بروح الأحرار ) فالحر لا يهاب إنسان ولا يهاب العواقب، لذلك وقت الرؤيا والاستخدام هنا تم استخدام نبوخذ نصر لتوثيق الرؤيا ورفع دانيال لوضع الرؤيا في معناها الصحيح.


- الطريق الخطا في تفسير الاحلام : 

لتفسير الأحلام خط يجب أن يتبع لأن في الانحراف عنه تحدث كوارث فكرية قد تؤدي لسلوكيات غير صحيحة المسار، فقد حلم نبوخذنصر حلما من الله، وبالنسبة له فالله الهه عبارة عن أوثان وأصنام، وهنا حسب فهمه وعقيدته وإيمانه أن الألهة أعطته حلما، ولذلك إتجه للمتخصصين ليفسروا له الحلم " فَأَمَرَ الْمَلِكُ بِأَنْ يُسْتَدْعَى الْمَجُوسُ وَالسَّحَرَةُ وَالْعَرَّافُونَ وَالْكَلْدَانِيُّونَ لِيُخْبِرُوا الْمَلِكَ بِأَحْلامِهِ. فَأَتَوْا وَوَقَفُوا أَمَامَ الْمَلِكِ. (دا ٢ : ٢) وهنا فالإتجاه العقلي صحيح من جهة فهم نبوخذنصر فالالهة أعطته الحلم والمتخصصين عليهم تفسيره، ولأنهم متخصصين فعليهم اكتشاف الحلم وتفسيره " فَأَجَابَ الْمَلِكُ وَقَالَ لِلْكَلْدَانِيِّينَ: "قَدْ خَرَجَ مِنِّي الْقَوْلُ: إِنْ لَمْ تُنْبِئُونِي بِالْحُلْمِ وَبِتَعْبِيرِهِ، تُصَيَّرُونَ إِرْبًا إِرْبًا وَتُجْعَلُ بُيُوتُكُمْ مَزْبَلَةً. (دا ٢ : ٥) هنا يحب ان نقف وقفة بسيطة ولكنها قوية جدا، اليس الْمَجُوسُ وَالسَّحَرَةُ وَالْعَرَّافُونَ وَالْكَلْدَانِيُّونَ لهم تواصل بالألهة ( بالارواح الشريرة - بالاخص السحرة ) فيمكن لإبليس معرفة الحلم؟! القول لا... لان الملك لم يتفوه ببنت شفة عن الحلم لأي شخص بصوت مسموع، ولذلك يصير مستحيل علي إبليس معرفة الغيب، فالحلم من الله لنبوخذنصر وهما وحدهما اللذان يعرفان الحلم، القضية كلها في احتياج لشخص له روح هذا الاله ليعرف الحلم وتفسيره، لذلك قال لهم " بِأَنَّهُ إِنْ لَمْ تُنْبِئُونِي بِالْحُلْمِ فَقَضَاؤُكُمْ وَاحِدٌ. لأنَّكُمْ قَدِ اتَّفَقْتُمْ عَلَى كَلامٍ كَذِبٍ وَفَاسِدٍ لِتَتَكَلَّمُوا بِهِ قُدَّامِي إِلَى أَنْ يَتَحَوَّلَ الْوَقْتُ. فَأَخْبِرُونِي بِالْحُلْمِ، فَأَعْلَمَ أَنَّكُمْ تُبَيِّنُونَ لِي تَعْبِيرَهُ". (دا ٢ : ٩) فإن عرفوا الحلم ضمن تفسيرهم وإن لم يعرفوا إذا فهم كاذبون في كل معاملاتهم مع الملك ويستحقون الموت.


- اعتراف علماء نبوخذنصر : 

وقف الْمَجُوسُ وَالسَّحَرَةُ وَالْعَرَّافُونَ وَالْكَلْدَانِيُّونَ عاجزون أمام طلب الملك ولكنهم دلوه علي البحث في الطريق الصحيح " وَالأمْرُ الَّذِي يَطْلُبُهُ الْمَلِكُ عَسِرٌ، وَلَيْسَ آخَرُ يُبَيِّنُهُ قُدَّامَ الْمَلِكِ غَيْرَ الآلِهَةِ الَّذِينَ لَيْسَتْ سُكْنَاهُمْ مَعَ الْبَشَرِ". (دا ٢ : ١١) إن عجز كل الحكماء يظهر ضعف الالهة لدي الملك والمملكة لذلك امرىبإبادة كل حكماء المملكة " لأَجْلِ ذلِكَ غَضِبَ الْمَلِكُ وَاغْتَاظَ جِدًّا وَأَمَرَ بِإِبَادَةِ كُلِّ حُكَمَاءِ بَابِلَ. (دا ٢ : ١٢) وجاء الدور علي دانيال واصحابه لانهم محسوبين ضمن الحكماء المعينين " فَخَرَجَ الأَمْرُ، وَكَانَ الْحُكَمَاءُ يُقْتَلُونَ. فَطَلَبُوا دَانِيآلَ وَأَصْحَابَهُ لِيَقْتُلُوهُمْ. (دا ٢ : ١٣) ولكن دانيال تكلم دانيال بحكمة وبعقل لرئيس الشرط ( وزير الداخلية وقتها - أو مدير الأمن ) 


- فرصة العمر لدانيال لإعلان قوة حكمة الهه :

أخذ دانيال فرصة ليحدث إلهه " فَدَخَلَ دَانِيآلُ وَطَلَبَ مِنَ الْمَلِكِ أَنْ يُعْطِيَهُ وَقْتًا فَيُبَيِّنُ لِلْمَلِكِ التَّعْبِيرَ. (دا ٢ : ١٦) وجاء دور اصدقاء دانيال ليشاركوه في الجسد الواحد ليتحنن الرب عليهم ويعرف دانيال الحلم وتفسيره " حِينَئِذٍ مَضَى دَانِيآلُ إِلَى بَيْتِهِ، وَأَعْلَمَ حَنَنْيَا وَمِيشَائِيلَ وَعَزَرْيَا أَصْحَابَهُ بِالأمْرِ، لِيَطْلُبُوا الْمَرَاحِمَ مِنْ قِبَلِ إِلهِ السَّمَاوَاتِ مِنْ جِهَةِ هذَا السِّرِّ، لِكَيْ لا يَهْلِكَ دَانِيآلُ وَأَصْحَابُهُ مَعَ سَائِرِ حُكَمَاءِ بَابِلَ. " وهذا معناه أن يتم التفريق بين حكماء بابل الذي قتل معظمهم وحكمة دانيال ورفقاءه " حِينَئِذٍ لِدَانِيآلَ كُشِفَ السِّرُّ فِي رُؤْيَا اللَّيْلِ. فَبَارَكَ دَانِيآلُ إِلهَ السَّمَاوَاتِ. (دا ٢ : ١٧ - ١٩) وتفوه دانيال بكلمات العظمة والسلطان عن اله السماء، فإلهه اله الألهة ورب الارباب، اله يختلف عن الهة البشر من أصنام وتماثيل " أَجَابَ دَانِيآلُ وَقَالَ: "لِيَكُنِ اسْمُ الله مُبَارَكًا مِنَ الأزَلِ وَإِلَى الأبَدِ، لأنَّ لَهُ الْحِكْمَةَ وَالْجَبَرُوتَ. " فالحكمة حكمته وليس حكمة حكماء السحرة والمنجمين، فحكمة الله قادرة علي تغيير كل شيئ والتحكم في كل أمر " وَهُوَ يُغَيِّرُ الأوْقَاتَ وَالأزْمِنَةَ. يَعْزِلُ مُلُوكًا وَيُنَصِّبُ مُلُوكًا. يُعْطِي الْحُكَمَاءَ حِكْمَةً، وَيُعَلِّمُ الْعَارِفِينَ فَهْمًا. " فكلمات دانيال في صلاته بعد معرفة الحلم صلاة نابعة عن المعرفة والفهم، .... هذا هو الفارق بين المصلي العابد والمصلي الفاهم العارف، فالعابد يسجد للتقرب، أما الفاهم فيسجد للتعظيم والتمجيد عن إدراك ومعرفة يقينية " هُوَ يَكْشِفُ الْعَمَائِقَ وَالأسْرَارَ. يَعْلَمُ مَا هُوَ فِي الظُّلْمَةِ، وَعِنْدَهُ يَسْكُنُ النُّورُ. " فدانيال يسبح ويسجد لأنه حصل علي المعرفة والحكمة والفهم " إِيَّاكَ يَا إِلهَ آبَائِي أَحْمَدُ، وَأُسَبِّحُ الَّذِي أَعْطَانِي الْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَأَعْلَمَنِي الآنَ مَا طَلَبْنَاهُ مِنْكَ، لأَنَّكَ أَعْلَمْتَنَا أَمْرَ الْمَلِكِ". (دا ٢ : ٢٠ - ٢٣) فإمتلأ قلبه بكلمات تشبع قلب الله وتعلن اسمه بقوة.


- قوة الحكمة الالهية واستخدامها للرفعة : 

الملك ليس الرجل الذي علي قلب الله عندما يكون خارج المشيئة، فهو عابد وثن - لا يعرف إله السماء - ليس له رؤيا خاصة لإعلان ملكوت الله، فكل ما يهمه هو ملكوت ذاته ومملكته وإعلاء اسمه كملك ملوك هزم ممالك وأخضع شعوب، ولكن أختارته الحكمة الإلهية ليكشف له عن مستقبل مملكته والحقب الزمنية القادمة، الأمر ليس صدفة ولكنه يرتبط بشعب هبط مستواه الروحي وصار بعيدا عن إعلاء مشيئة الله.

هل تتذكر قارئي العزيز النبي ( ابو عين مفتوحة او الْمَفْتُوحِ الْعَيْنَيْن - بلعام ) نعم أقصده.. "  وَحْيُ بَلْعَامَ بْنِ بَعُورَ. وَحْيُ الرَّجُلِ الْمَفْتُوحِ الْعَيْنَيْنِ. " تخيل معي هذا الرجل يوحي اليه دون ان يغمض جفنا " وَحْيُ الَّذِي يَسْمَعُ أَقْوَالَ الله وَيَعْرِفُ مَعْرِفَةَ الْعَلِيِّ. " يا إلهي يسمع ويعرف ويري " الَّذِي يَرَى رُؤْيَا الْقَدِيرِ سَاقِطًا وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَيْنَيْنِ: (عد٢٤ :  ١٥-١٦) هذا النبي عندما هبط مستواه وتوقف عن السمع والنظر، لم يجد الله حوله من يحل محله ليريه وليعرفه ويعلمه، لم يجد الله أمامه إلا حمار بلعام فإستخدمه، بلعام رجل الله الذي كان في المستوي اللائق سقط وبعد عن المشيىئة ففقد الاستخدام وتحول الأمر الي الحمار " وَوَقَفَ مَلاكُ الرَّبِّ فِي الطَّرِيقِ لِيُقَاوِمَهُ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى أَتَانِهِ وَغُلامَاهُ مَعَهُ. " لاحظ معي " فَأَبْصَرَتِ الأتَانُ مَلاكَ الرَّبِّ " ولكن بلعام لم يبصر الملاك لدرجة انه " فَحَمِيَ غَضَبُ بَلْعَامَ وَضَرَبَ الأتَانَ بِالْقَضِيبِ. فَفَتَحَ الرَّبُّ فَمَ الأتَانِ،... (عد٢٢ :  ٢٢-٣١) ما أريد قوله أن إستخدام الله للحمار نابع من فراغ الرجال للاستخدامات الإلهية، وهكذا ( القياس مع الفارق ) إستخدام الله للملك الوثني نابع من الفراغ الروحي الذي بين شعب الرب. 


كُشف الأمر لدانيال - عرف دانيال كل ما خلف الستار، وكان هذا الأمر سببا لرفعة دانيال ورفقائه، دخل دانيال لأرْيُوخَ لإنقاذ حكماء بابل " فَمِنْ أَجْلِ ذلِكَ دَخَلَ دَانِيآلُ إِلَى أَرْيُوخَ الَّذِي عَيَّنَهُ الْمَلِكُ لإبَادَةِ حُكَمَاءِ بَابِلَ، مَضَى وَقَالَ لَهُ هكَذَا: "لا تُبِدْ حُكَمَاءَ بَابِلَ. أَدْخِلْنِي إِلَى قُدَّامِ الْمَلِكِ فَأُبَيِّنَ لِلْمَلِكِ التَّعْبِيرَ". (دا ٢ : ٢٤) وجد أريوخ في دانيال حلا لإقاف نزيف الدم الذي أراده الملك في حكماء مملكته " حِينَئِذٍ دَخَلَ أَرْيُوخُ بِدَانِيآلَ إِلَى قُدَّامِ الْمَلِكِ مُسْرِعًا وَقَالَ لَهُ هكَذَا: "قَدْ وَجَدْتُ رَجُلا مِنْ بَنِي سَبْيِ يَهُوذَا الَّذِي يُعَرِّفُ الْمَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ". (دا ٢ : ٢٥) الحلم الذي حير الملك، وأزعج حكماء بابل كُشف أمام دانيال " أَجَابَ دَانِيآلُ قُدَّامَ الْمَلِكِ وَقَالَ: "السِّرُّ الَّذِي طَلَبَهُ الْمَلِكُ لا تَقْدِرُ الْحُكَمَاءُ وَلا السَّحَرَةُ وَلا الْمَجُوسُ وَلا الْمُنَجِّمُونَ عَلَى أَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلْمَلِكِ. (دا ٢ : ٢٧) لماذا ؟!. لأنه حلم من إله حي، إله يختلف عن الهة الأمم، اله كاشف الأسرار ويعلم كل شيئ " لكِنْ يُوجَدُ إِلهٌ فِي السَّمَاوَاتِ كَاشِفُ الأسْرَارِ، وَقَدْ عَرَّفَ الْمَلِكَ نَبُوخَذْنَصَّرَ مَا يَكُونُ فِي الأيَّامِ الأخِيرَةِ. حُلْمُكَ وَرُؤْيَا رَأْسِكَ عَلَى فِرَاشِكَ هُوَ هذَا: (دا ٢ : ٢٨) دانيال هو الرجل الذي علي قلب الله ليتعامل معه الرب ليكشف له خبايا المستقبل.


- الحكمة وراء عدم رؤية دانيال للحلم : 

كُشف لدانيال الحلم بعد صوم وصلاة لمدة من الوقت (دا٢ : ١٦-١٩) لماذا؟ قال دانيال انها لحكمة "  أَمَّا أَنَا فَلَمْ يُكْشَفْ لِي هذَا السِّرُّ لِحِكْمَةٍ فِيَّ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ الأحْيَاءِ، ...(دا ٢ : ٣٠) نعم أنها لحكمة، في هذه الجزئية أرسلت لي الأخت أم (ب.ر) من المتابعين للدراسة قالت ما يلي بالنص " الله اعطى نبوخذ نصر الحلم لانه يخصه هو ومملكته ، لأن لو كان أعلنه لدانيال كان من الممكن أن دانيال يخاف يقوله للملك خاصة أن تفسير الحلم مش لصالح الملك ومملكته ،وكان ممكن يقتله قبل مايعلن عن إلهه، لكن بالطريقة اللي إختارها الله لتوصيل الرؤيا أتاحت لدانيال فرصة العمر أنه يعلن عن إلهه ، وإنه يأخد منصب أعلى وخطة الله لشعبه تستمر " نعم أتفق معكي لأن هذه الجزئية مهمة جدا، فالله لا يسير بدون خطة ومنهج واضح لإعلان مشيئته في الاحداث، فهذه الحكمة إلهية واضحة كل الوضوح، لرفعة ظانيال ولتوثيق الرؤيا والحلم، وايضا يرجع للواقع الإجتماعي والنفسي والروحي الذي لشعب الله، فلم يكونوا في دائرة الإتاحة الكاملة للإستخدام، ولكن عندما حان وقت الإعلان كانت الفرصة متاحة للملك وهو الرأس الكبيرة التي من خلالها يتحرك الله لإعلان وتتميم حكمته ومشيئته في الكون، دانيال لحكمة لم يكشف له الا بعد طلب وصلاة ومشاركة اصدقائه معه (دا٢ : ١٦-١٩) اما الملك فعندما صعد للنوم - مجرد أنه صعد للنوم وبلا مجهود لمعرفة إمور الله، كشف الله له الرؤيا " أَنْتَ يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَفْكَارُكَ عَلَى فِرَاشِكَ صَعِدَتْ إِلَى مَا يَكُونُ مِنْ بَعْدِ هذَا، وَكَاشِفُ الأسْرَارِ يُعَرِّفُكَ بِمَا يَكُونُ. (دا ٢ : ٢٩) أعلن للملك ليصير خط إلهي في المعاملات الخاصة ما بين الملك والله إله السماوات الذي يجهله، أراد الله أن يعرف الملك إله السماء ولكن لسبب الثقافة الوثنية أحجب عنه الفهم.


- اخبار دانيال للملك بالحلم : 

١ - تمثال هائل عظيم بهي : " أَنْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنْتَ تَنْظُرُ وَإِذَا بِتِمْثَال عَظِيمٍ. هذَا التِّمْثَالُ الْعَظِيمُ الْبَهِيُّ جِدًّا وَقَفَ قُبَالَتَكَ، وَمَنْظَرُهُ هَائِلٌ. (دا ٢ : ٣١) حاجة تخوف كدة وتزعج 

٢ - رأس من ذهب جيد : (دا ٢ : ٣٢) هذا هو الملك نبوخذ نصر وامبراطوريته (دا ٢ : ٣٨) فالملك نبوخذ نصر هو أساس التمثال لأن به بدأت الحقب الزمنية للممالك والشعوب وإعلان ثقافات جديدة لملء الأمم " أَنْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ مَلِكُ مُلُوكٍ، لأنَّ إِلهَ السَّمَاوَاتِ أَعْطَاكَ مَمْلَكَةً وَاقْتِدَارًا وَسُلْطَانًا وَفَخْرًا. (دا ٢ : ٣٧) فهو الرأس التي من ذهب، فهو يختلف عن الحقب الزمنية التي تليه فستكون اقل واصغر 

٣ - صدره وزراعاه من فضة : (دا ٢ : ٣٢) مملكة أقل من الرأس ولكنها تتسلط (دا ٢ : ٣٩) إنها مملكة مادي وفارس، وهي مملكة قوية ايضا ولها سيادة في منطقة الشرق الأوسط، تأسست الإمبراطورية الفارسية، التي أسسها كورش الكبير، عام 550 قبل الميلاد واستمرت حتى عام 330 قبل الميلاد تقريبا، 

٤ - بطنه وفخذاه من نحاس : (دا ٢ : ٣٢) مملكة قوية ومختلفة في سياستها عن الصدر والزراعان الممثلين بمادي وفارس (دا ٢ : ٣٩) وهي مملكة اليونان وتشتهر بحضارة الاسكندر الأكبر  (حوالي 336 - 323 قبل الميلاد تقريبا)  

٥ - ساقاه من حديد : (دا ٢ : ٣٣) ثم مملكة قوية تمتلك الزمام (دا ٢ : ٤٠) مملكة الرومان وهي القوي العظمي التي استمرت حتي مجيئ المسبح وعصر الكنيسة الأول 

٦ - قدماه بعضها حديد والبعض خزف : (دا ٢ : ٣٣) وهنا إعلان إنقسام المملكة الرومانية " وَبِمَا رَأَيْتَ الْقَدَمَيْنِ وَالأصَابِعَ بَعْضُهَا مِنْ خَزَفٍ وَالْبَعْضُ مِنْ حَدِيدٍ، فَالْمَمْلَكَةُ تَكُونُ مُنْقَسِمَةً، وَيَكُونُ فِيهَا قُوَّةُ الْحَدِيدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّكَ رَأَيْتَ الْحَدِيدَ مُخْتَلِطًا بِخَزَفِ الطِّينِ. (دا ٢ : ٤١) 

صورة التمثال من موقع الأنبا تكلا 

٧ - حجر ضرب التمثال علي قدميه فسحقهما :  (دا ٢ : ٣٤) وهذا إشارة لمجيى المسيح ودخول الإمبراطورية في عصر الكنيسة وقوة تأثيرها علي العالم .   

ثم أكمل دانيال الرؤيا ( الحلم ) قائلا " فَانْسَحَقَ حِينَئِذٍ الْحَدِيدُ وَالْخَزَفُ وَالنُّحَاسُ وَالْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ مَعًا، وَصَارَتْ كَعُصَافَةِ الْبَيْدَرِ فِي الصَّيْفِ، فَحَمَلَتْهَا الرِّيحُ فَلَمْ يُوجَدْ لَهَا مَكَانٌ. أَمَّا الْحَجَرُ الَّذِي ضَرَبَ التِّمْثَالَ فَصَارَ جَبَلا كَبِيرًا وَمَلأ الأرْضَ كُلَّهَا. (دا ٢ : ٣٥) الحلم يحير كل من هو خارج نطاق مشيئة الله، فإن لم يعلن بالتفسير فلن يستقيم اي إجتهاد في فك الغازه.

متابعة دانيال لإخبار الملك بالحلم متابعة في سيناريو جبار، لأن الذي حلم الحلم هو الملك ولم يخبر به أحد، ولذلك عجز جميع حكماء المملكة من السحرة والمنجمين والمجوس معرفة الحلم، ولكن اله دانيال منح لدانيال الحلم وتفسيره.

٨ - أصابع القدمين بعضها من حديد وبعضها من خزف :  وكان تفسير دانيال ضعف المملكة وقوة البعض الاخر وكانها مقسمة مابين القوة والضعف (دا ٢ : ٤٢) وسر ضعف المملكة هو اختلاط الانسال ( الزواج من الغريبات ) اقرأ. (دا ٢ : ٤٣) هذه ستكون في الفترة الاخيرة من الحقب الزمنية للتمثال أي في فترة الإمبراطورية الرومانية، والذي سيسحق القدمين والأصابع هي قوة مملكة اخري مرتبطة بمجيئ المسيح ووجود الكنيسة " وَفِي أَيَّامِ هؤُلاءِ الْمُلُوكِ، يُقِيمُ إِلهُ السَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا، وَمَلِكُهَا لا يُتْرَكُ لِشَعْبٍ آخَرَ، وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هذِهِ الْمَمَالِكِ، وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى الأبَدِ..... لأنَّكَ رَأَيْتَ أَنَّهُ قَدْ قُطِعَ حَجَرٌ مِنْ جَبَل لا بِيَدَيْنِ، فَسَحَقَ الْحَدِيدَ وَالنُّحَاسَ وَالْخَزَفَ وَالْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ. اَللهُ الْعَظِيمُ قَدْ عَرَّفَ الْمَلِكَ مَا سَيَأْتِي بَعْدَ هذَا. اَلْحُلْمُ حَقٌّ وَتَعْبِيرُهُ يَقِينٌ". (دا ٢ : ٤٤ - ٤٥) تكلم دانيال امام الملك بكامل الثقة وبكامل اليقين لان معرفته للخلم وتفسيره يجعل اكبر ملك يفعل فعلا مختلفا بعيدا عن هيبة وسلطان الملك فقد ركع سجودا. 

 

- سجود ملك لدانيال وتقديم ذبائح سرور :

رفعة دانيال أمام ملك ملوك له إنتصارات وقوة وسيادة علي شعوب بأن يسجد الملك لدانيال أمر ليس في غاية السهولة والبساطة " حِينَئِذٍ خَرَّ نَبُوخَذْنَصَّرُ عَلَى وَجْهِهِ وَسَجَدَ لِدَانِيآلَ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُقَدِّمُوا لَهُ تَقْدِمَةً وَرَوَائِحَ سُرُورٍ. (دا ٢ : ٤٦) شعر الملك أنه في إكرام دانيال هو إكراما لإله دانيال وتقديم تقدمة هي تقدير لهذا الاله الذي كشف السر المخفي " فَأَجَابَ الْمَلِكُ دَانِيآلَ وَقَالَ: "حَقًّا إِنَّ إِلهَكُمْ إِلهُ الآلِهَةِ وَرَبُّ الْمُلُوكِ وَكَاشِفُ الأسْرَارِ، إِذِ اسْتَطَعْتَ عَلَى كَشْفِ هذَا السِّرِّ". (دا ٢ : ٤٧) إن إله السماء رفع دانيال وأعطاه إسما وسلطة، هذا لأن دانيال من البداية جعل في قلبه ان لا يتنجس وطاب هذا من رئيس الخصيان (دا ١ : ٨) لذلك رفعه الله ولمع اسمه " حِينَئِذٍ عَظَّمَ الْمَلِكُ دَانِيآلَ وَأَعْطَاهُ عَطَايَا كَثِيرَةً، وَسَلَّطَهُ عَلَى كُلِّ وِلايَةِ بَابِلَ وَجَعَلَهُ رَئِيسَ الشِّحَنِ عَلَى جَمِيعِ حُكَمَاءِ بَابِلَ. (دا ٢ : ٤٨) ومن أمانة دانيال أن إفتكر إخوته منذ شاركوه المسيرة في حلوها ومرها، فطلب من اجلهم ايضا ليكون لهم نصيب في دائرة الوظائف والمكانة العالية المرموقة " فَطَلَبَ دَانِيآلُ مِنَ الْمَلِكِ، فَوَلَّى شَدْرَخَ وَمِيشَخَ وَعَبْدَنَغُوَ عَلَى أَعْمَالِ وِلاَيَةِ بَابِلَ. أَمَّا دَانِيآلُ فَكَانَ فِي بَابِ الْمَلِكِ. (دا ٢ : ٤٩) فالرجل الأمين الصالح هو الذي لا ينسي تعب إخوته ومشاركتهم إياه في إموره وظروفه، فهل يستحقون التقدير ؟!. اقول نعم ودانيال ايضا.

_______________________________

٥ 

العادات والمعتقدات القديمة

ما سبق من أحداث ما بين دانيال والفتيان الثلاثة ونبوخذنصر والعاملين في القصر، يجعل الفكر الخاص بالملك يختلف، فقد شهد أن إله دانيال هو الإله الحقيقي الذي يعرف خبايا وأسرار الحياة (دا ٢ : ٤٧) ولذلك كان من المتوقع أن أن يكون القادم بالنسبه لنبوخذنصر إعلان الحق والإيمان بالله، ولكن المعتقدات القديمة والعادات لها فاعليتها وسحرها، فبرغم إقراره بإله دانيال لكنه لم يتخلى عن معتقدات آبائه وإيمانة بالوثن والتماثيل والسجود لها، حتي في اللحظة التي شهد فيها بإله دانيال نراه يقدم سجودا لدانيال لأنه رأي فيه روح الألهة  (دا ٢ : ٤٨) ولكنه يأتي في غفلة ولحظة فبصنع مقاما لذاته وتمثالا لنفسه ويأمر المملكة بالسجود " وَإنَّ نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ صَنَعَ تِمْثَالًا مِنْ ذَهَبٍ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا وَعَرْضُهُ سِتُّ أَذْرُعٍ، وَنَصَبَهُ فِي بُقْعَةِ دُورَا فِي وِلايَةِ بَابِل .( دا ٣ : ١ ) لم يتعظ ولم يفهم ولم يدرك إله  دانيال.

- دورا :

اسم أكادي معناه "دائرة أو حائط" سهل واسع في أقليم بابل حيث نصب نبوخذنصر تمثال الذهب (دا٣: ١) وقد أطلق اسم دورا على عدة أماكن في بابل. ويوجد هناك نهر يسمى نهر دورا وبقربه تلال تسمى "تلول دورا" وهي تقع في بلاد العراق الحديثة ( قاموس الكتاب المقدس بحث في كلمه دورا )ضض


- العبادة الوثنية بأمر ملكي : 

أصدر نبوخذنصر وجمع " .. الْمَرَازِبَةَ وَالشِّحَنَ وَالْوُلاةَ وَالْقُضَاةَ وَالْخَزَنَةَ وَالْفُقَهَاءَ وَالْمُفْتِينَ وَكُلَّ حُكَّامِ الْوِلايَاتِ، لِيَأْتُوا لِتَدْشِينِ التِّمْثَالِ الَّذِي نَصَبَهُ نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ .. وَوَقَفُوا أَمَامَ التِّمْثَالِ ( دا ٣ : ٢ ، ٣ ) هل هو مجرد تدشين فقط؟ الايجابة لا إنه عبادة وسجود وتدشين ديانة وعبادة جديدة، لذلك نادي مناد بأمر الملك  " وَنَادَى مُنَادٍ بِشِدَّةٍ: "قَدْ أُمِرْتُمْ أَيُّهَا الشُّعُوبُ وَالأمَمُ وَالألْسِنَةُ، عِنْدَمَا تَسْمَعُونَ صَوْتَ الْقَرْنِ وَالنَّايِ وَالْعُودِ وَالرَّبَابِ وَالسِّنْطِيرِ وَالْمِزْمَارِ وَكُلَّ أَنْوَاعِ الْعَزْفِ، أَنْ تَخُرُّوا وَتَسْجُدُوا لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبَهُ نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ ( دا ٣ : ٤ ، ه ) ياله من فخ نصبه إبليس ليدمر دانيال ورفقائه، تمثال الملك - سجود للتمثال بهدف العبادة، وهذا يخالف عقيدة اليهود وما جاء في ناموس موسي فكيف سيتقبل هؤلاء الأمر وبالأخص أن الأمر به عقاب صارم وشديد " أَتُّونِ نَارٍ مُتَّقِدَةٍ " لذاك كانت الطاعة من الكل بلا تردد " خَرَّ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأمَمِ وَالألْسِنَةِ وَسَجَدُوا لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبَهُ نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ. ( دا ٣ : ٦ ، ٧ ) إلا هؤلاء الفتيان الثلاثة.


- شكاية الحاقدين : 

برغم أن دانيال كان معرض للموت عندما راي الملك الحلم، وإستغلل إبليس الحلم الذي من الله ليهلك بالموت عددا كبيرا ويكون من ضمنهم دانيال، ولكن الرب أنقذه ورفع رأسه عندما عرفه الحلم وتفسيره، هل يصمت إبليس .. كلا!. يحاول مرة أخري في هلاك وموت الفتيان الثلاثة لذلك اشتكوا " رِجَالٌ كَلْدَانِيُّونَ  " وقالوا للملك "  ...يُوجَدُ رِجَالٌ يَهُودٌ، الَّذِينَ وَكَّلْتَهُمْ عَلَى أَعْمَالِ وِلايَةِ بَابِلَ: شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَ نَغُوَ. هؤُلاءِ الرِّجَالُ لَمْ يَجْعَلُوا لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ اعْتِبَارًا. آلِهَتُكَ لايَعْبُدُونَ وَلِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتَ لا يَسْجُدُون ( دا ٣ : ٨ - ١٢ ) ياإلهي علي مثل هؤلاء الرجال، يوجد منهم كثيرين، أعداء الخير - أعدا النمو والازدهار - حقودين، عندما يروا من باركهم الله يعملون علي هدمهم وإزالتهم بكل الطرق حتي وإن كان فيها حرقهم بلهيب النار في الأتون، ولكن هيهات فحقدهم سينقلب علي رؤوسهم عندما ينقذ الرب من هم له.


- شكاية الحاقدين وغضب الملك: 

من الصعب أن تكون في نطاق شكاية يحركها حاقدين يمتلك زمامها مسئول المؤسسة أو مسئول ٱلدولة أو المملكة - كما في القصة الكتابية ( الرأس الكبيرة زي ما بيقولوا ) لن يكون لك مفر غير تدخل الهي في الأمر، فعندما وصلت الشكاية مسامع الملك " غضب وإغتاظ " وأمر بإحضار شدرخ وميشخ وعبدنغو  وبالفعل " فَأَتَوْا بِهؤُلاءِ الرِّجَالِ قُدَّامَ الْمَلِك  ( دا ٣ : ١٣ ) غيظ الملك نابع من رؤية من يعصون أوامره، وهو يختلف عن غيظ الحاقدين، فالحاقدين غيظهم نابع من الغيرة، فنجاح الأخرين يقلقهم لأنهم يخافون من التنافس وضياع فرصتهم، وهذا يجعل غيظهم مرتبط بالضغينة وتتولد لديهم الرغبة في الأذية، وهذا ما حدث مع الفتيان الثلاثة، فقد تعرضت حياتهم لخطر الموت حرقا في أتون النار، فبالفعل تم القائهم في الأتون لولا الرب الذي سبقهم وكان معهم داخل الاتون ( دا ٣ : ١٦ - ٣٣ ) فالحقد والغيظ والضغينة يصنعان دمارا واذية لا تحتمل.


إن الاخطاء البشرية (المتنفسنة) من أخطر الأمراض التي تعيق عمل الله وتعرض الأخرين للخطر وللتدمير، فالحقد والغيرة والضغينة من الامور النفسيانية في نفوس البعض إن لم يفيقوا منها يكونوا عرضة لكثير من الأتعاب، فقد وقف يوم هارون ومريم أخته يتكلمون يوما عن موسي وعلي امراته، وإنه كما موسي يكلمه الرب هكذا هارون ومريم يكلمهم الرب، "  وَتَكَلَّمَتْ مَرْيَمُ وَهَارُونُ عَلَى مُوسَى بِسَبَبِ الْمَرْأَةِ الْكُوشِيَّةِ الَّتِي اتَّخَذَهَا، لأنَّهُ كَانَ قَدِ اتَّخَذَ امْرَأَةً كُوشِيَّةً. فَقَالا: "هَلْ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَحْدَهُ؟ أَلَمْ يُكَلِّمْنَا نَحْنُ أَيْضًا؟" فَسَمِعَ الرَّبُّ. (عد١٢ :  ١-٢) فالحسد، والغيرة، والحقد وحب الذات تجعل الإنسان أعمي عن الرحمة والشفقة والانسانية فليس هارون ومريم وحدهما نالوا اتعابا جراء ما فعلوا ولكننا نري أيضا الحاقدين الموجودين في قصر الملك.


لا تتعجب (فالنفسنة) من الإمور التي تحتاج لوقفة وتوبة، لأنها دمرت نفسية يوسف لمدة من السنين وجعلته متغربا في أرض بعيدة، بسبب حسد إخوته له (تك٣٧ :  ١-٢١) وهذا جعل شعب الله كله متغربا في أرض ليست لهم، فالخطايا المرتبطة ( بالنفسنة ) تحتاج للإنسان أن يعمل علي ذاته ونفسه ليعالجها دون أن يكون في داخله أي غضاضة من الأمر، فمواجهة النفس هي التي تعالج، أما الهروب أو الاستسلام يضع الإنسان في ( تراك - خط - وضع ) ليس حميدا ولا يخدم، حتي المسيح لم يسلم من مثل هؤلاء فالكهنة والفريسيين وغيرهم كانوا حاقدين عليه ( اقرأ مت ٢٧ ) ولذلك أسلموا للصلب دون أن يتحرك لهم جفن، لذلك فشكاوي الحاقدين دائما ليست عادلة وغير مببرة  ويجب على المؤمنين أن يكونوا حذرين من الإستجابة لشكاوى الحاقدين، وأن يتذكروا أن الرب هو القاضي العادل.


يوجد في حياة كل إنسان في دائرة الحياة الروحية والمستوي النفسي ( للكل ) مقدرة للتغيير هذا إن اشتغل علي ذاته،  فهل تستطيع أخي المؤمن 

اولا : أن لا تأخذ كل إمورك علي محمل شخصي، فيجب أن تتذكر.. إن شكاوى الحاقدين تعكس مشاعرهم الداخلية، وليس صفاتك أو أفعالك، 

ثانيا : لا تحاول الدفاع عن نفسك كي لا يزيد مستوي الغضب والحقد لدي الحاقدين، بل حاول الإبتعاد عن الأخطار علي قدر المستطاع 

ثالثا : اطلب من الله الحكمة والصبر لتستطيع أن تتعامل مع الأمر ولتعلم أن الله هو القاضي العادل الذي سيحاسب سواء تم انصافك في وقت الحدث او لم يتم انصافك، 

رابعا : إعلم ان الرب قادر علي تعويضك ومحاسبة الأخرين بطريقته وليس كما تتوقع أو تتخيل، فالله تدخل في موضوع الفتيان الثلاثة بطريقته الخاصة وكانت أفضل طريقة، وليس مطالب الله أن يكررها، فهو له طريقته الخاصة لحل مشاكلك فسلم له وثق فيه.


- ضياع الفرصة وتحدي الملك: 

الملك نبوخذنصر برغم الشكاية التي دبروها الحاقدين وإستغلوا أوامر الملك ضد تصرفات رفقاء دانيال، اعطي لهم فرصة اخري " فَإِنْ كُنْتُمُ الآنَ مُسْتَعِدِّينَ عِنْدَمَا تَسْمَعُونَ صَوْتَ الْقَرْنِ وَالنَّايِ وَالْعُودِ وَالرَّبَابِ وَالسِّنْطِيرِ وَالْمِزْمَارِ وَكُلَّ أَنْوَاعِ الْعَزْفِ إِلَى أَنْ تَخُرُّوا وَتَسْجُدُوا لِلتِّمْثَالِ الَّذِي عَمِلْتُهُ. وَإِنْ لَمْ تَسْجُدُوا فَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ تُلْقَوْنَ فِي وَسَطِ أَتُّونِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ. وَمَنْ هُوَ الإلهُ الَّذِي يُنْقِذُكُمْ مِنْ يَدَيَّ؟ ( دا ٣ : ١٥ ) وقف نبوخذ نصر واضعا أمامه تحدي لن يكون علي قدره ومستواه هذا عندما سأل سؤال التحدي عندما قال : "  وَمَنْ هُوَ الإلهُ الَّذِي يُنْقِذُكُمْ مِنْ يَدَيَّ؟" ولكن الإيجابة مختلفة كامل الاختلاف عن توقعات الملك والحاقدين، فقالوا للملك " يَا نَبُوخَذْنَصَّرُ، لا يَلْزَمُنَا أَنْ نُجِيبَكَ عَنْ هذَا الأمْرِ. هُوَذَا يُوجَدُ إِلهُنَا الَّذِي نَعْبُدُهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَنَا مِنْ أَتُّونِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ، وَأَنْ يُنْقِذَنَا مِنْ يَدِكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. وَإِلا فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَنَّنَا لا نَعْبُدُ آلِهَتَكَ وَلا نَسْجُدُ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتَه ( دا ٣ : ١٦ - ١٨ ) لم يستخدموا اللقب ونادوا نبوخذنصر بإسمه دون لقبه، لأنه تحدى الرب فلذلك اتحدوا بإلههم فصار الملك بالنسبة لهم شخصا عاديا لا يملك سلطانا أمام سلطان الله وقدرته، صار نبوخذ نصر بلا قيمة تذكر، هنا ضاعت فرصة الملك المعطاة للفتيان، إنه تحدي من الفتيان أيضا ممتلئ إيمان بالله وليس مبني علي قدرته علي حمايتهم من الأخطار، إيمانهم إيمان حقيقي مسنود علي محبتهم وطاعتهم له،   


تنويه هام : 

للعلم ان صلاة عزرا ليست واردة في النسخة الورقية للكتاب المقدس ( ترجمة جيمس ) ولكنها مضافة في النسخ الإلكترونية ويعترف بها كل من الطائفتين الإرثوذكسية والكاثوليكية، ولكنها ليست موجودة في التوراة الخاص باليهود ( العهد القديم لدي المسيحيين ) ولذلك فما سنتكلم عنه وفيه في باقي هذا الفصل وجزء من الفصل القادم ليس ضمن الكتاب المقدس، ولكن دعونا نري الأفكار الواردة في اصحاح ٣ ( واصحاح ١٣ و ١٤ في وقته ) فهما يحسبان ضمن الأسفار الأبوكريفا، للاسف الكنيستين معترفين بما جاء فيهما، عندما قرأت الإصحاح الثالث في الجزء المضاف  لم أجد فيه أفكار تخالف كلمة الله، فالصلاة جميلة والتسبيحة رائعة.

ملحوظة : سأكتب بجوار الشاهد ( ج.م ) وتعني : ان هذا الشاهد جزء مضاف علي الكتاب المقدس )  


- الغضب في أتون محمي : 

لاحظ معي ما يلي: 

- نبوخذنصر امتلأ غيظا : ( دا ٣ : ١٩ ) الغضب ناتج عن رفض القتيان عبادة تمثال الذهب، وهذا يعتبر تحدي لسلطة الملك فهو ملك قوي ولا يجرؤ احد علي عصيانه، ،  ايضا غضب الملك نابع من تحدي الفتيان إيمان نبوخذ نصر بايمانهم بالله، فهذا النوع من الغضب مدمر لانه لا يتسم بالرحمة. 

- تغير منظر وجهه : ( دا ٣ : ١٩ ) وهذا إعلان إلي قوة وشدة الغضب الذي كان ممتليئ به الملك، فبكل تاكيد شعر بأن كرامته كملك جرحت، وكرامة الهته اهينت، وكان ردت فعله هو الغضب الواضح في منظره وأكيد في قوة وشدة كلماته. 

- حمي الأتون سبعة اضعاف : ( دا ٣ : ١٩ ) ما فعله الملك في الأتون ما هو إلا انتقاما شديدا ليصيروا عبرة لكل من يفكر في عصيان الملك، والرقم سبعة يشير لعدد الكمال ، وهذا معناه أن الغضب والإنتقام في مستواهما كاملان أي وصلا لأقصي الحدود. 

- إستخدم جبابرة القوة ليوثقوهم ويلقوهم : ( دا ٣ : ٢٠ - ٢٢ ) هؤلاء يذكروني ب " أشفنز (دا١) " الذي كان ولاءه لولي نعمته، ايضا هؤلاء جبابرة القوة علي نفس الوتيرة ونفس الكراك والخط، وفي الحقيقة هل يكيعوا الملك ام يفقدوون وظيفتهم، فكلن اختيارهم اطاعة الملك ولم يهمهم موضوع التحدي ( مش فارق معاهم ) ولكنهم في النهاية خسروا كل شيئ عندما اكلتهم لهب النار.

- خدام الملك يدعمون النار بالنفط والزفت والمشاقة والزرجون فارتفع الأتون ٤٩ ذراعا : ( دا ٣ : ٤٦ ، ٤٧ ج.م ) هي مواد كميائية، ( قاموس المعاني بحث في هذه الكلمات ) - النفط سائل كثيف أسود يميل الي الإخضرار وقابل للإشتعال، ويسمي أيضا بالقطران والزيت الخام أو الذهب الأسود. - الزفت مادة سوداء لزجة يستخدم في الأسفلت والورنيش وطلاء السفن - المشاقة هي مادة صلبة سوداء أو بنيه وتدخل في صناعة الصابون والشموع، وهو مستحضر من الألياف المقطرنة يستخدم لسد الفجوات - الزرجون هي قضبان الكرم، وايضا هي مادة صلبة تدخل في الخمر وتدخل في صناعة الأصباغ - اما طول الذراع عبارة عن طول "ساعد" الإنسان من المرفق حتى طرف الأصبع الوسطى وحدة للقياس. ( دائرة المعارف الكتابية بحث في كلمة ذراع ) وهذا يعني أن الاتون كان مهول جدا ومخيف.  

- إللهيب أحرق كل  من إقترب حول الأتون من الكلدانيين : ( دا ٣ : ٤٨ ج.م ) من قوة وشدة الأتون ومن وجود متفرجين ومشاهدين لهذا الحدث.

- الفتيان خلصهم ملاك الرب عندما نزل الي داخل الأتون وطرد لهيب النار عن الأتون وجعل وسط الاتون ريحا به ندي فلم يتأذوا بشيئ ( دا ٣ : ٤٩ ، ٥٠ ج.م ) يد الرب القديرة تمتد لكل شيئ وفي أي مكان وفي أي وضع ( صنع لها تكييفا صحراويا في وسط الأتون - ريح وندي ) قادرة علي تغيير كل الظروف والاحداث لصالح مشيئته وخدمة أولاده الصالحين " اَلرَّبُّ صَنَعَ الْكُلَّ لِغَرَضِهِ، وَالشِّرِّيرَ أَيْضًا لِيَوْمِ الشَّرِّ. (أم ١٦ : ٤) فجميع الأشرار مخزنين ليوم يعلمه الرب يسمي بيوم الشر، فإن لم يتوب ويرجع عن خطاياه سيستمر مخزن ليوم الشر لان كل شيئ مصنوع ليخدم مشيئة الله، فمن يسير فيها ينال من ثمارها ومن يبتعد عنها سينال من زرعته التي زرعها في حياته، فلا تتعجب عندما تري يد الرب تغير طبيعة الأشياء وترسل ريحا وندي في قلب الأتون فينطفيئ لهيبه.


- ملاك الرب في كلمة الله : 

ساتكلم في موضوع ملاك الرب على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر في بعض الشخصيات اللذين راوا ملاك الرب وعرفوه انه الرب، ف هاجر رات ملاك الرب وأبونا إبراهيم الذي راى ملك الرب، وموسي النبي الذي راي ملاك الرب.


ملاك الرب هو الرب هو إقنوم الابن في العهد القديم، فقد ظهر لهاجر " فَوَجَدَهَا مَلاكُ الرَّبِّ عَلَى عَيْنِ الْمَاءِ فِي الْبَرِّيَّةِ، عَلَى الْعَيْنِ الَّتِي فِي طَرِيقِ شُورَ. (تك ١٦ : ٧) هذا الملاك - ملاك الرب - لم يكن ملاكاً كالملائكة بل كان - إبن الله -  في العهد القديم لأنه له قدرة إعطاء الوعود وقادر علي تتميمها " وَقَالَ لَهَا مَلاكُ الرَّبِّ: "تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ نَسْلَكِ فَلا يُعَدُّ مِنَ الْكَثْرَةِ". (تك ١٦ : ١٠) لذلك ادركت هاجر أن الذي رأته ليس ملاكاً عادياً بل إلهاً قديراً لذلك " فَدَعَتِ اسْمَ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعَهَا: "أَنْتَ إِيلُ رُئِي". لأنَّهَا قَالَتْ: "أَههُنَا أَيْضًا رَأَيْتُ بَعْدَ رُؤْيَةٍ؟" (تك ١٦ : ١٣) كلمة ( إِيلُ رُئِي )  إسم من أسماء الله في العهد القديم ، التي تعني ( الرب يري ) فكلمة ( إِيلُ ) في العبري ( אל ) وتعني ( الرب )  وتنطق ( ale - إيل ) أما كلمة ( رُئِي )  في العبرية ( ראי ) وتنطق ( ro-ee - رُئِي ) وتعني ( ينظر - يري ) هاجر المصرية لسبب معاشرتها أسرة أبونا إبراهيم عرفت إله إبراهيم.


عندما رأته عرفته واستطاعت أن تميز هل هو ملاك أم الرب نفسه ، ليفتح الرب ذهن كل باحث في كلمة الرب لمعرفة الحقائق الإلهية ، لذلك عندما ظهر لها مرة أخري لم تنزعج ولم تخاف بل كانت مستمعه ومحاورة له " فَسَمِعَ اللهُ صَوْتَ الْغُلاَمِ، وَنَادَى مَلاَكُ اللهِ هَاجَرَ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ لَهَا: "مَا لَكِ يَا هَاجَرُ؟ لاَ تَخَافِي، لأَنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ لِصَوْتِ الْغُلاَمِ حَيْثُ هُوَ.  قُومِي احْمِلِي الْغُلاَمَ وَشُدِّي يَدَكِ بِهِ، لأَنِّي سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً عَظِيمَةً" وَفَتَحَ الله عَيْنَيْهَا فَأَبْصَرَتْ بِئْرَ مَاءٍ، فَذَهَبَتْ وَمَلأتِ الْقِرْبَةَ مَاءً وَسَقَتِ الْغُلامَ. (تك ٢١ : ١٧ - ١٩) هنا نري أن ( ملاك الرب ) تكلم مع هاجر قائلاً لها بإسلوب الإله القدير صاحب المواعيد " لأَنِّي سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً عَظِيمَة " ثم نري أن إثناء وقوف ملاك الرب معه يقول الوحي عنه أنه هو الله ففتح عينيها لتري البئر " وَفَتَحَ الله عَيْنَيْهَا فَأَبْصَرَتْ بِئْرَ مَاءٍ، " الكلام واضح جداً أن ملاك الرب في العهد القديم هو الرب ، هو الإبن المبارك ، هو الله المتحدث في العهد القديم .

كل ظهورات الرب في العهد القديم كانت لإقنوم الإبن "  فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: "إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!". فَقَالَ: "هأَنَذَا" فَقَالَ: "لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي". ( تك ٢٢ : ١١ ، ١٢ ) تكلم ملاك الرب لإبراهيم مادحا أنه  " خَائِفٌ الله " ثم نسب هذا الفعل من أجل نفسه " فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي " فقد جعل ما فعله إبراهيم لأجل الله هو لأجل ملاك الرب ، هنا وضوح الأمر بأن من كان يتكلم مع ابراهيم هو الله نفسه ،   لذلك قال ابونا إبراهيم ما قالته هاجر " فَدَعَا إِبْرَاهِيمُ اسْمَ ذلِكَ الْمَوْضِعِ "يَهْوَهْ يِرْأَهْ". حَتَّى إِنَّهُ يُقَالُ الْيَوْمَ: "فِي جَبَلِ الرَّبِّ يُرَى". (تك ٢٢ : ١٤) كلمة ( يهوة ) في العبرية ( יהוה ) وتنطق ( yeh-ho-vaw' - ياهوفا ) وتعني ( الرب ) وكلمة ( يِرْأَهْ ) في العبرية ( ראה ) وتنطق ( raw-aw' - راوا ) وتعني ( يُنظر - يُرَى ) والكلمتان بمعني ( الرب يُري ) فرؤية الرب ( الإبن ) كان أمراً مشبعاً للنفس والروح ومطمئناً جداً ويجعل الشخص متمسك بالمواعيد الإلهية.


يعوزنا الوقت لو تكلمنا عن موسى النبي الذي ايضا راى ملك الرب " وَأَمَّا مُوسَى فَكَانَ يَرْعَى غَنَمَ يَثْرُونَ حَمِيهِ كَاهِنِ مِدْيَانَ، فَسَاقَ الْغَنَمَ إِلَى وَرَاءِ الْبَرِّيَّةِ وَجَاءَ إِلَى جَبَلِ الله حُورِيبَ. وَظَهَرَ لَهُ مَلاكُ الرَّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَّيْقَةٍ. فَنَظَرَ وَإِذَا الْعُلَّيْقَةُ تَتَوَقَّدُ بِالنَّارِ، وَالْعُلَّيْقَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَرِقُ. .... فَلَمَّا رَأَى الرَّبُّ أَنَّهُ مَالَ لِيَنْظُرَ، نَادَاهُ الله مِنْ وَسَطِ الْعُلَّيْقَةِ وَقَالَ: "مُوسَى، مُوسَى!". فَقَالَ: "هأَنَذَا". (خر ٣ : ١ - ٤ ) كلمة (  يهوة ) في العبرية ( יהוה ) وتنطق ( yeh-ho-vaw' - ياهوفا ) وتعني ( الرب ) ما هذا إلا صور متعددة لظهورات إقنوم الإبن في العهد القديم 

 

يوجد كثيرون من رجال الله رأوا ملاك الرب حتي منهم الغير الأمناء وحتي الحيوانات كالحمار ( إقرأ عد ٢٢ : ٢٢ - ٣٦ ، قض ١٣ : ٢ - ٣  ، ١٣ : ٢١ ، ٢صم ٢٤ : ١٦ ، ١مل ١٩ : ٧  ، ٢مل ١٩ : ٣٥ ، ١أخ ٢١ : ١٦ ..... الخ ) رؤية الرب مرتبطة بمشيئته لتحقيق مقاصده الإلهية في حياة الإنسان ، فحمار بلعام رأي ملاك الرب من اجل بلعام ، وبلعام راي ملاك الرب من أجل شعب الرب ، هكذا نري أن رؤية الرب فهي ليست للتفاخر والكبرياء وتمييز سخص عن الأخر بل هي من أجل تحقيق مشيئة الله ، ايضاً ملاك الرب موجود حول كل المؤمنين الخائفين الرب والمحبين لكلمته وحول كل الأمناء " مَلاَكُ الرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ، وَيُنَجِّيهِمْ. (مز ٣٤ : ٧) فقد لا تراه اليوم لكنه موجود دائماً .


  ملاك الرب يمثل المسيح ازلياً : 

يتكلم ملاك الرب مع مَنُوحُ عن اسمه أنه عجيب فهو ليس ملاكاً من الملائكة "  فَقَالَ مَنُوحُ لِمَلاكِ الرَّبِّ: "مَا اسْمُكَ حَتَّى إِذَا جَاءَ كَلاَمُكَ نُكْرِمُكَ؟"  فَقَالَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ: "لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي وَهُوَ عَجِيبٌ؟". ( قض ١٣ : ١٧ - ١٨ ) ولأن ملاك الرب هو الله ( اقنوم الإبن ) فقد ارتبط بكونه نار الهية كما رأها موسي في العليقة المشتعلة ، لذلك صنع مع منوح أمرا غير معتاد أن يصعد مع نار الذبيحة " فَأَخَذَ مَنُوحُ جَدْيَ الْمِعْزَى ضوَالتَّقْدِمَةَ وَأَصْعَدَهُمَا عَلَى الصَّخْرَةِ لِلرَّبِّ. فَعَمِلَ عَمَلاً عَجِيبًا وَمَنُوحُ وَامْرَأَتُهُ يَنْظُرَانِ. فَكَانَ عِنْدَ صُعُودِ اللَّهِِيبِ عَنِ الْمَذْبَحِ نَحْوَ السَّمَاءِ، أَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ صَعِدَ فِي لَهِيبِ الْمَذْبَحِ، وَمَنُوحُ وَامْرَأَتُهُ يَنْظُرَانِ. فَسَقَطَا عَلَى وَجْهَيْهِمَا إِلَى الأَرْضِ. ( قض ١٣ : ١٩ - ٢٠ ) فهو عجيبا كما تنبأ عنه اشعياء " لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ. (إش ٩ : ٦) فإبن الله من ضمن أسماءه عجيباً ثم من هو المولود الذي سيولد ويكون " عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا " ويكون أبو الأبدية " أَبًا أَبَدِيًّا " اليس هو المسيح الذي بشر عنه الملاك القديسة العذراء مريم " فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ. (لو ١ : ٣٥) هذا هو العجيب القدوس المسيح ملاك الرب ابن الله الإله القدير أبو الأبدية ، هذا الذي تنبأ عنه النبي ملاخي معلناً أنه ملاك العهد ورب الجنود "  "هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي. وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ، وَمَلاَكُ الْعَهْدِ الَّذِي تُسَرُّونَ بِهِ. هُوَذَا يَأْتِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ" (ملا ٣ : ١) فالملاك الذي هيأ الطريق هو يوحنا المعمدان " قَالَ:"أَنَا صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: قَوِّمُوا طَرِيقَ الرَّبِّ، كَمَا قَالَ إِشَعْيَاءُ النَّبِيُّ". (يو ١ : ٢٣)  وملاك العهد هو المسيح الذي صنع بدمه عهداً جديداً " وَإِلهُ السَّلاَمِ الَّذِي أَقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ رَاعِيَ الْخِرَافِ الْعَظِيمَ، رَبَّنَا يَسُوعَ، بِدَمِ الْعَهْدِ الأَبَدِيِّ، (عب ١٣ : ٢٠) فملاك الرب في العهد القديم هو المسيح أزلياً .


ملاك الرب لم يظهر بعد ميلاد المسيح لأنه جاء متجسداً ، أما ملاك الرب الذي ظهر ليوسف حسب الترجمة الاصلية ( ملاك من الرب وليس ملاك الرب ) راجع كتاب الحياة الترجمة التفسيرية  ( مت ١ : ٢٠ ، ١ : ٢٤ ، ٢ : ١٩ ، أع٥ : ١٩ ، اع ١٢ : ٧ ) فلسنا في إحتياج لظهورات متعددة لملاك الرب لأن المسيح صار معلناً في قلوبنا بالروح القدس " وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ، رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي. (يو ١٥ : ٢٦) لذلك نري أن لغة الإيمان في العهد الجديد أقوي بكثير من العهد القديم لأن سكني ومكوث الروح القدس في المؤمنين يمنح الرؤيا الروحية للمسيح كونه إبن الله " وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، (يو ١٤ : ١٦) فلنا هذا الحق في المسيح بالروح القدس .

_______________________________

٦ 

صلاة عزرا وتسبيحهم 


- جمال الأفكار وقوة الكلمات في صلاته : 

دخل عزرا ورفقائه الأخريين في دائرة تجربة صعبة ( مخيفه في بدايتها ) ولكن عندما وصلوا إلى نهايتها اكتشفوا أن الرب كان معم من البداية وها هم يرونه في قلب الأتون حتى النهايه، أن يكون قدام عزرا والفتيه الاخرين نار متقدة محماة سبعة اضعاف امرا ليس سهلا،ولكنهم سلموا للأمر فإن تدخل الرب وانقذهم فقد صنع معجزة وإن لم يتدخل فيكفي أنهم تمسكوا بإيمانهم ولم ينكروه ولم ينكروا الههم.

عندما القي عزرا ورفقائه في الأتون ووجدوا ملاك الرب ( الرب نفسه ) داخل الأتون صاروا " .. يَتَمَشَّوْنَ فِي وَسَطِ اللَّهِيبِ مُسَبِّحِينَ الله وَمُبَارِكِينَ الرَّبَّ ( دا ٣ : ٢٤ ج.م ) يا له من مشهد في غاية الجمال لذلك فتح فاه وصاي عزرا صلاة قوية ولها فاعليتها لشعب الله.


 - في صلاته أعلن حقائق إيمانه : 

- الله في طبيعته : مبارك  - حميد - ممجد - عادل ( دا ٣ : ٢٦ ، ٢٧ ج.م ) كلمات ايمانية تشبع قلي الله، فوقف أملمه في الأتون يحدث بحمده وعدله

- الله في حكمه : أعماله صدق - مسالكه مستقيمه - أحكامه حق ( دا ٣ : ٢٧ ، ٢٨ ، ٣١ ج.م ) ( دا ٣ : ٣١ ج.م ) وهنا اقرار بأن الله لم يظلمهم بل أنهم ( كشعب ) يستحقون ما حدث لهم

- طبيعة شعب الله : مخطئين - أثمين - مجرمين - إبتعدوا عن وصايا الله ( دا ٣ : ٢٩ ، ٣٠ ج.م ) فإعلان اخطائهم اقرار بطبيعتهم الفاسدة التي تحتاج رحمة الهية

- ردود فعل شعب الله : الصمت لأنهم صاروا عارا ( دا ٣ : ٣٢ ج.م ) عبر هنا عن مشاعره بواقع ملموس، كل هذا لسبب شرورهم وخطاياهم

- طلب وترجي : عدم الخذلان - استمرار العهد والرحمة  - طلب الانقاذ ( دا ٣ : ٣٤ - ٣٦ ، ٣٩ ، ٤٢ - ٤٣ ج.م ) وفي ذكر ه العهد وضع عزرا أمام الله اسماء الاباء اللذين اقيم معهم العهود كالأباء إبراهيم وإسحق، ثم طلب : الإنقاذ وخزي الأعداء ( : ٤٣ - ٤٥ ج.م )  

- سرد الحالة التي اصبحوا عليها : أقل عددا من الأمم - ليس لنا رئيس - ولا نبي - ولا قائد - وليس لنا ذبيحة او محرقة ولا بخور ( دا ٣ : ٣٧ - ٤٠ ج.م ) لأن الهيكل هدم 

- معرفة الحق الإلهي : فَإِنَّهُ لا خِزْيَ لِلْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْك ( دا ٣ : ٤٠ ج.م ) هنا اعلان ايمان رائع انهم متكلون علي الله برغم أنهم في السبي، ففي الإتكال علي الله بركات من ضمنها عدم الخزي 

- أقرار وتعهد وتوبة : اتباع الرب من الأن - السير بالتقوي - الوقوف امام وجهه دائما ( دا ٣ : ٤١ ج.م ) وهذا اقرار بالتوبة القلبية الحقيقية.


ياااه .. يا إلهي .. علي شخص في وجوده داخل الأتون المكيف ووجود ملاك الرب ( الرب بنفسه ) داخل الأتون، ويفتح فاه ويصلي هذه الصلاة المنمقة العميقة الواضحة القوية، إنه رجل صلاة .. نعم إنه إستغل وقوفه أمام الرب في حضرته داخل أتون فقد لهيبه، ولكن عزرا لم يفقد تركيزه بسبب قوة المعجزة، بل قوة المعجزة منحته ثقة ويقين أن الههم معهم ورفيق غربتهم مهما طالت المدة. 


- ارتباط التعريفات في صلاة عزرا : 

صلي عزرا وأعلن في وسط الأتون أن الله في طبيعته مبارك- حميد - ممجد  " مُبَارَكٌ أَنْتَ أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُ آبَائِنَا وَحَمِيدٌ وَاسْمُكَ مُمَجَّدٌ إِلَى الدُّهُورِ. (دا ٣ : ٢٦ ج.م )وهذا معناه أنه فوق كل الظروف لا يصح للانسان أن يصف الله بأي وصف غير لائق مهما كانت المواقف ومهما كانت النفسية، ما رأيكم في نفسية الفتيان وهم يجهزون للإلقاء في الأتون ؟ بكل تأكيد نفسية قلقة مهما كان مستوي ايمانهم، نعم هم سلموا للرب ولكن الموقف صعب، لذاك عندما دخلوا الأتون ووجدوا انفسهم في نجاة الرب ، لم يسعهم الواقع إلا أن باركوا الرب.


رأوا أن احكامه جميعها حق وعدل ووعوده صادقة "  لأنَّكَ عَادِلٌ فِي جَمِيعِ مَا صَنَعْتَ، وَأَعْمَالُكَ كُلُّهَا صِدْقٌ وَطُرْقُكَ اسْتِقَامَةٌ وَجَمِيعُ أَحْكَامِكَ حَقٌّ  وَقَدْ أَجْرَيْتَ أَحْكَامَ حَقٍّ فِي جَمِيعِ مَا جَلَبْتَ عَلَيْنَا وَعَلَى مَدِينَةِ آبَائِنَا الْمُقَدَّسَةِ أُورُشَلِيمَ. لأنَّكَ بِالْحَقِّ وَالْحُكْمِ جَلَبْتَ جَمِيعَ ذلِكَ لأجْلِ خَطَايَانَا. (دا٣ :  ٢٧- ٢٨ ج.م )هؤلاء الفتيان كانوا مدركين واقعهم كشعب وبين صلاح الله وأحكامه، وأنه لن يحكم بالباطل " فَجَمِيعُ مَا جَلَبْتَ عَلَيْنَا وَجَمِيعُ مَا صَنَعْتَ بِنَا إِنَّمَا صَنَعْتَهُ بِحُكْمِ حَق. (دا ٣ : ٣١ ج.م ) فالخطايا الجماعية ولا سيما عندما يكون اتجاه الحكومات بعيدا عن مبادئ الله، فعندما يكثر فيها الشر والفساد بلا توبة ورجوع كلما كان حكم الله عادلا " إِذْ قَدْ خَطِئْنَا وَأَثِمْنَا مُرْتَدِّينَ عَنْكَ، وَأَجْرَمْنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ. (دا ٣ : ٢٩ ج.م ) والحكم هو رفع الحماية والحصانة فيدخل العدو ويمتلك. 


إن فكرة ان الله هو من سلم شعبه ليد الاعداء فكرة تحتاج لفهم، فالله لم يسلم شعبه للأعداء تسليم أهالي، ولكنه وقت دخول الأعداء لم يتدخل للإنقاذ والسبب أن الله حكم عليهم برفع الحماية فوجد العدو فرصته " فَأَسْلَمْتَنَا إِلَى أَيْدِي أَعْدَاءٍ أَثَمَةٍ وَكَفَرَةٍ ذَوِي بَغْضَاءَ وَمَلِكٍ ظَالِمٍ شَرٍّ مِنْ كُلِّ مَنْ عَلَى الأرْضِ. " لذلك لا يستطيعو ان يتفوهوا بكلمة لأن شرورهم وأثامهم هي التي جلبت عليهم العار "   وَالآنَ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَفْتَحَ أَفْوَاهَنَا، فَقَدْ صِرْنَا خِزْيًا وَعَارًا لِعَبِيدِكَ وَالْقَانِتِينَ لَكَ. (دا٣ :  ٣٢-٣٣ ج.م ) هذا الشعور سببه الأثام والخطايا، فالرجوع والتوبة هما طوق النجاة وأبواب التدخل الإلهي للإنقاذ.


لذلك سلك عزرا في صلاته الي التحلي بطلب وترجي إسم الله فقال " فَلا تَخْذُلْنَا إِلَى الانْقِضَاءِ لأجْلِ اسْمِكَ، " هذا الامر في غاية الأهمية وهو أن وجودهم في البسبي لا يستمر الي نهاية الزمان وتكون نهاية شعب الله، لذلك طلب الرحمة لأجل العهد الذي قطعه مع الأباء " وَلا تَنْقُضْ عَهْدَكَ.  وَلا تَصْرِفْ رَحْمَتَكَ عَنَّا لأجْلِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِكَ وَإِسْحَاقَ عَبْدِكَ وَإِسْرَائِيلَ قِدِّيسِكَ. (دا٣ :  ٣٤-٣٥) طلب غالي جدا علي قلب الله، فهؤلاء الأباء إنتقلوا ولكن عهد الله معهم قائم ومستمر من جيل الي جيل، فإدراك عزرا للحقائق الإيمانية يفتح باب الرحمة ويفعل أبواب العهد في حياة شعب الله.


شعب الله بالنسبة للأمم أقل عددا، ولكن ما يجعلهم عائشون وسط مجتمع لا يعرف الههم هو هيبة حياة الإيمان والتقوي، ولكن أن يصيروا أقل عددا من جيرانهم فهذا يقلقهم ويشعرهم بالقلة "  لَقَدْ جُعِلْنَا أَيُّهَا الرَّبُّ أَقَلَّ عَدَدًا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، وَنَحْنُ الْيَوْمَ أَذِلاءُ فِي كُلِّ الأرْضِ لأجْلِ خَطَايَانَا. " إن وجود الرب في حياتهم للحماية برغم قلة العدد يجعلهم في غاية القوة وعدم الخوف، ولكن الشعور بقلة العدد وعدم مساندة الرب لهم يشعرهم بالقلة والدونية والاحباط وأنهم غير قادرون علي مواجهة المجتمعات المحيطة، ولا سيما أنهم فقدوا مدعمات القوة  لغياب النؤسسات الداعمة سواء كانت سياسية او دينية " وَلَيْسَ لَنَا فِي هذَا الزَّمَانِ رَئِيسٌ وَلا نَبِيٌّ وَلا قَائِدٌ وَلا مُحْرَقَةٌ وَلا ذَبِيحَةٌ وَلا تَقْدِمَةٌ وَلا بَخُورٌ وَلا مَوْضِعٌ لِتَقْرِيبِ الْبَوَاكِيرِ أَمَامَكَ، (دا٣ :  ٣٧-٣٨ ج.م ) فسرد الحالة في واقعهم يقلق ويحتاجون تدخل إلهي، لذلك اعلنوا ايمانهم بأن الحل في الاتكال علي الرب فهو المنصف " فَإِنَّهُ لا خِزْيَ لِلْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ. .. وَأَنْقِذْنَا عَلَى حَسَبِ عَجَائِبِكَ، وَأَعْطِ الْمَجْدَ لاسْمِكَ أَيُّهَا الرَّبُّ.  وَلْيَعْلَمُوا أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ الإلهُ وَحْدَكَ الْمَجِيدُ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَةِ. (دا٣ : ٤٠-٤١، ٤٣، ٤٥ ج.م ) إن هذا الشعب يحتاجون لمثل هؤلاء الفتيان، فعندما يكثرون ويزداد عدد المؤمنين والمصلين كلما فتح باب النجاة والرفعة والتعويضات الإلهية ولا مفر من حياة الرجوع والتوبة.

 

- تسبحة في قلب النار الملتهبة : 

قدم الفتيان الثلاثة في تسبيحهم عدة مبادئ روحية يجب أن نعلنها في تسبيحنا لله : 

- مباركة الله في كل الظروف : عبارة في غاية الروعة بها ثلاث كلمات سبحوا - مجدوا - باركوا، أين؟ في وسط الأتون!. " حِينَئِذٍ سَبَّحَ الثَّلاثَةُ بِفَمٍ وَاحِدٍ وَمَجَّدُوا وَبَارَكُوا الله فِي الأتُّونِ قَائِلِينَ ( دا ٣ : ٥١ ج.م ) لماذا كل هذا؟ لأن الله فعلا ممجدا فهو مع الأمين ممجد وفي مجده يرفع ويبارك، فالذي باركنا لابد أن يبارك وينال منا كل التمجيد والتعظيم، فهو معنا في أحلك الظروف، فالذي وقف مع الفتيان الثلاثة أعلن حبه وسندته وسط كل تحديات الزمان، وهو معنا لحمياتنا من الخطر ويملأ افواهنا تسبيحا ومجدا ويملا أرواحنا ثقة ويقينا.


- مباركة الله في ذاته لأنه ممجد : في تسبيحنا علينا أن نعلن مجد الله ومباركته " مُبَارَكٌ أَنْتَ أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُ آبَائِنَا وَحَمِيدٌ وَرَفِيعٌ إِلَى الدُّهُورِ، وَمُبَارَكٌ اسْمُ مَجْدِكَ الْقُدُّوسُ وَرَفِيعٌ إِلَى الدُّهُور ( دا ٣ : ٥٢ ج.م ) فالرب خالق الكون والحاكم الأعلي والمحب والرحيم والصالح العادل، فهو مجيد في القداسة وعلينا السير بحياة نقية مزينة تليق بقداسته " قَدِّمُوا لِلرَّبِّ مَجْدَ اسْمِهِ. اسْجُدُوا لِلرَّبِّ فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَةٍ. (مز ٢٩ : ٢) وهو المتحكم في كل شيئ وهو مجيد في جبروته " مَنْ هُوَ هذَا مَلِكُ الْمَجْدِ؟ الرَّبُّ الْقَدِيرُ الْجَبَّارُ، الرَّبُّ الْجَبَّارُ فِي الْقِتَالِ. (مز ٢٤ : ٨) هذا هو الله الذي يجب أن ندرك ابعاد إموره ونمجده في ذاته لان مجده لن ينتهي "  يَكُونُ مَجْدُ الرَّبِّ إِلَى الدَّهْرِ. يَفْرَحُ الرَّبُّ بِأَعْمَالِهِ. (مز ١٠٤ : ٣١) فمجده ممتد لكل شيئ لانه مجد السماء "  مُبَارَكٌ أَنْتَ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ وَمُسَبَّحٌ وَمُمَجَّدٌ إِلَى الدُّهُورِ ( دا ٣ : ٥٦ ) (مز١٩ :  ١-٢) (مز٦٧ :  ٣-٤) ويستحق الله أن يُمجد لأنه عظيم ومجيد. فنحن نجد الراحة والفرح في تمجيد الله، ونجد الرجاء في مجد الله " لأنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأبَدِ. آمِينَ. (رو ١١ : ٣٦) فلا يوجد شيئ خارج مجده.


- مباركة الله في هيكله : الله ممجد ومبارك في وسط بيته في وسط ملاىكته في السماء " مُبَارَكٌ أَنْتَ فِي هَيْكَلِ مَجْدِكَ الْقُدُّوسِ، وَمُسَبَّحٌ وَمُمَجَّدٌ إِلَى الدُّهُور ( دا ٣ : ٥٣ ج.م ) فابهيكل هنا ليس المقصود به الهيكل الارضي بل السماوي، فالهيكل الارضي هدمه نبوخذ نصر، فلذلك عندما ذكروا الهيكل هنا كان المقصود " بهيكل مجده القدوس "  واطلقوا عليه ايضا اسم " عَرْشِ مُلْكِكَ " ففيه الرب الإله في السماء ويتحكم ويري كل شيى " النَّاظِرُ الأعْمَاق " فهو بستحق التمجيد والتعظيم وان نباركه في مكانه الممجد.


- دعوة جميع الخليقة لمباركة الرب : 

الشعور بالفرح والبهجة أمر في غاية الجمال يمنح المؤمن قوة ورغبة ملحة بل وطاقة غير عادية للتعلير اما بالرقص والصراخ او بالاغاني والترنيم والنشيد والتسبيح او كلاهما معا، لذلك كانت ردة فعل الفتيا عندما راوا الرب صلوا له وباركوه بكلمات الثناء كما فعل عزرا، ثم رنموا له ودعوا جميع الخليقة للترنم " بَارِكِي الرَّبَّ يَا جَمِيعَ أَعْمَالِ الرَّبِّ، سَبِّحِي وَارْفَعِيهِ إِلَى الدُّهُور ( دا ٣ : ٥٧ ج.م ) ثم يذكرون أعماله التي فوق الارض من ملائكة - وسموات - وسحب - وشمس - وقمر ونجوم - وأمطار - ورياح ( دا ٣ : ٥٧ - ٦٣ ، ٧٣ ج.م ) الرياح لها دور داخل وجودهم في اتون النار بلا لهب "   وَجَعَلَ وَسَطَ الأتُّونِ رِيحًا ذَاتَ نَدىً تَهُبُّ فَلَمْ تَمَسَّهُمُ النَّارُ الْبَتَّةَ، وَلَمْ تَسُؤْهُمْ وَلَمْ تَزْعَجْهُمْ. (دا ٣ : ٥٠ ج.م ) تخيل معي الشكل نار ملتهبة تصنع حاجز علي من هم في الخارج ومن بداخلها، ولكن من بداخلها فهم في " تكييف صحراوي - هواء رطب " اين قوة النار ولهيبها؟ اختفي!. صارت النار غير مزعجة لمن بداخلها، ولكنها مزعجة لمن هم خارجها، لا يستطيعون الإقتراب إلا أن يصرخوا منادين الجميع بالخروج من النار ليعلنوا أن ما حدث معجزة بكل المقاييس.


الفتيان داخل الأتون لم يكتفوا بدعوة جميع أعمال الله التي في السماء لكنهم دعوا جميع أعمال الله التي فوق الأرض من نار التي تحتويهم داخلها ولا تجرؤ علي ان تمسهم بسوء - وحر الذي فقد قوته في هذا الموقف والواقع المعجزي - وبَرْدْ - والندي الذي كان له دور في نزع قوة إللهيب - والجليد - والصقيع - والثلج ( دا ٣ : ٦٤ - ٧٠ ج.م ) كل هذه .. كل الكبيعة المحيطة ليس عليها إلا ان تبارك الرب.


إن جميع ما ذكر في التسبحة التي سبحوها للرب في اتون الناد انما تدل علي شدة الفرح والبهجة، فهل جميع اعمال الله قادرة علي مباركة الرب، اقول نعم، فعندما تسمح الرياح والندي إطاعة امر الرب لإطفاء قوة إللهيب فهذا إعلان طاعة ومباركة اوامر الله، فالرياح تطيعه عندما يأمرها بالتحرك كما في الأتون او عندما يأمرها بالصمت عند البحر " فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ، وَقَالَ لِلْبَحْرِ:"اسْكُتْ! اِبْكَمْ!". فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ. (مر ٤ : ٣٩ ج.م ) فالرب هو هو امس مع الفتيا في اتون النار، وايضا مع التلاميذ في السفينة، له سلطان علي النار لتفتح باطنها لاستقبال الريح والندي، وله السلطان علي الرياح ليمنع هيجانه وضجيج صوته سواء كان هرير الذ هو صوت الريح عندما يهب علي سطح خشن أو صلب، أو كان صوت هزيز الذي ينتج عندما يهب علي سطح رطب أو طري، فالله له سلطان علي الريح والنار في اصوات الفرقعة عندما تتفاعل مع المواد الصلبة كالخشب وغيره من النواد، فالله له سلطان علي أي صوت يصدر منهما أو عنهما.   


مباركة الله أمر في غاية الأهمية في حياة كل المؤمنين، ولا سيما اللذين يعرفون الله جيدا، ويقتربون لكل أعماله ومتفهمين لدائرة مشيئته، لذلك فدعوة الليل - والنهار - والنور - والظلمة - والبروق - والسحب - والجبال - والتلال - والينابيع - والبحار - والانهار - والحيتان، لتبارك الله أمر في غاية الأهمية ( دا ٣ : ٧١ - ٧٩ ج.م ) كل هذه الاشياء كونها تبارك الله هذا معناه أنهم يؤمنون بان الله متداخل ومتحكم فيها ويستطيع أن يجعلها في خدمة أبناءه المؤمنين، وهذا ما لابد أن نعلمه وندركه أن كل شيئ.. نعم. كل شيئ في يد الله ومتحكم، فالخليقة كلها تبارك الرب.


وفي إكمال دعوة الخليقة لمباركة الله يضيف الطيور - والوحوش - والبهاىم ثم يبدا في دعوة بني البشر - ثم يدخل لدائرة شعبه اسرائيل ثم يدعوا الكهنة - ثم يدعوا عبيد الرب ليسبحوا الرب، ثم يخاطبون أرواح ونفوس الصديقين " بَارِكُوا الرَّبَّ يَا أَرْوَاحَ وَنُفُوسَ الصِّدِّيقِينَ، سَبِّحُوا وَارْفَعُوهُ إِلَى الدُّهُور ( دا ٣ : ٨٠ - ٨٧ ج.م ) وهنا الأمر عادي لأن أرواح اللذين سبقونا تسبح وفي فرح دائم، فكما خاطبوا الخليقة فلا عجب في أن يخاطبون أرواح الأنفس التي رحلت من عالمنا، مع ملاحظة أننا كمؤمنين عهد جديد ( وقديم ايضا ) لا يوجد تعاليم مرتبطة بمناجاة ارواح اللذين رحلوا من حياتنا لمعونانا، ولكن ان نخاطبهم محازيا كما في تسبيحة الفتيان هنا فلأمر جائز، إن الإمتنان بأن الرب أنقذهم من الأتون ( يسمونه هنا جحيم ) وخلصهم من يد الموت جعلهم يدعون في ترنيمتهم الخليقة والقديسون المتواضعون القلوب، فهم يعلنون ان الرب صالح " اِعْتَرِفُوا لِلرَّبِّ لأنَّهُ صَالِحٌ لأنَّ إِلَى الأبَدِ رَحْمَتَه ( دا ٣ : ٨٠ - ٩٠ ج.م ) فجميع ما ذكر من تسبيحة وترنيم ودعوة الخليقة والبشر والكهنة وشعب الرب لمباركة تلرب في قلب الازمة والمشكلة امر رائع ومهم.


تنويه : نعود للأيات بأرقامها ( الشواهد ) الطبيعية الخاصة بالكتاب المقدس ترجمة الفانديك، وأأسف إن كان قد حدث تشتيت للبعض بسبب ما اضيف وهو ليس ضمن الكتاب المقدس.


- تعجب الملك وتحير واقر باله الفتيان: 

الأمر في غاية الغرابة "  حِينَئِذٍ تَحَيَّرَ نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ وَقَامَ مُسْرِعًا فَأَجَابَ وَقَالَ لِمُشِيرِيهِ: «أَلَمْ نُلْقِ ثَلاثَةَ رِجَال مُوثَقِينَ فِي وَسَطِ النَّارِ؟» فَأَجَابُوا وَقَالُوا لِلْمَلِكِ: «صَحِيحٌ أَيُّهَا الْمَلِك ( دا ٣ : ٢٤ ) الحيرة ناتجة لحسابات خاطئة لدي الملك، ظن بأن الهته هي الحق، واتونه هو الأقوي، ولكنها كانت بلا قيمة أمام قوة وسلطان الله اله شدرخ وميشخ وعبدنغو " أَجَابَ وَقَالَ: «هَا أَنَا نَاظِرٌ أَرْبَعَةَ رِجَال مَحْلُولِينَ يَتَمَشَّوْنَ فِي وَسَطِ النَّارِ وَمَا بِهِمْ ضَرَرٌ، وَمَنْظَرُ الرَّابعِ شَبِيهٌ بِابْنِ الآلِهَة  ( دا ٣ : ٢٦ ) إن رؤية الشخص الرابع في الأتون بمثابة معجزة خارقة للطبيعة، فقد كان الرابع هو الرب بنفسه، ( ملاك الرب - اقنوم الإبن ) جاء ليعلن أنه هو الله الذي لا مثيل له، وان الالهة الوثنية ليست ذو فيمة ولا تساوي شيئا، فالله هو اقوي من النار لعابدي النار وهو اقوي من الملك لمن يعبدون الحاكم.


إقترب نبوخذنصر بالقدر الذي لا يحرقه إللهيب " ثُمَّ اقْتَرَبَ نَبُوخَذْنَصَّرُ إِلَى بَابِ أَتُّونِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ وَأَجَابَ، فَقَالَ: «يَا شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَنَغُو، يَا عَبِيدَ الله الْعَلِيِّ، اخْرُجُوا وَتَعَالَوْا». فَخَرَجَ شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَنَغُو مِنْ وَسَطِ النَّارِ ( دا ٣ : ٢٦ ) اعترف  الملك الوثني بأن الرابع شبيه بإبن الألهة، ثم إعترف بإله شدرخ وميشخ وعبدنغو أنه إله حي، لأنه لا يستطيع أحد ان يصنع هذه المعجزة إلا الله وحده، صارت المعجزة موثقة لأنها حدثت في مرئي ومسمع جهة سيادية في المملكة الملك ومشيريه " فَاجْتَمَعَتِ الْمَرَازِبَةُ وَالشِّحَنُ وَالْوُلاةُ وَمُشِيرُو الْمَلِكِ وَرَأَوْا هؤُلاءِ الرِّجَالَ الَّذِينَ لَمْ تَكُنْ لِلنَّارِ قُوَّةٌ عَلَى أَجْسَامِهِمْ، وَشَعْرَةٌ مِنْ رُؤُوسِهِمْ لَمْ تَحْتَرِقْ، وَسَرَاوِيلُهُمْ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَرَائِحَةُ النَّارِ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِم ( دا ٣ ؛ ٢٧ ) هنا ابتدأ الملك بمباركة اله الفتيان.


تسبيح نبوخذ نصر ملك بابل : 

بارك نبوخذنصر اله الفتيان في عدة مواضع إيمانية واقر بها كما يلي :  

-  فقال " تَبَارَكَ إِلهُ شَدْرَخَ وَمِيشَخَ وَعَبْدَنَغُوَ، " ( : ٢٨ ) فبرغم انه صدم قبلا في الهته وحماءه واقر بإله ظانيال، لكنه عاد مرة اخري لقديمه، فبمعجزة الاتون كانت الصدمة الثانية

-  فقال " الَّذِي أَرْسَلَ مَلاكَهُ وَأَنْقَذَ عَبِيدَهُ الَّذِينَ اتَّكَلُوا عَلَيْه" ( : ٢٨ )  بكل تأكيد الملك لا يدرك من هو هذا الملاك، لأن مستوى تفكيره وإيمانياتع في معرفتها لا تستطيع ان تقوده الى هذا الأمر، ولكنه علم شيئا واحدا أن الههم ينجي من أتون النار

- أقر بأنه توجد سلطة أعلي من سلطته وهي سلطة هذا الإله : فقال " وَغَيَّرُوا كَلِمَةَ الْمَلِكِ وَأَسْلَمُوا أَجْسَادَهُمْ لِكَيْلا يَعْبُدُوا أَوْ يَسْجُدُوا لإلهٍ غَيْرِ إِلهِهِم " ( : ٢٨ ) بسبب أنه ابملك الذي ضمن ملوك الارض وان سلطانه هو السلطان الاعلي في مملكته، فمن ذا الذي يستطيع ان يغير كلمات الملك، لذلك كلمه الصدمه الشديده عليه ويرى فتيان إستطاعوا بإلههم أن يغيروا أقوال من له السياده العليا في المملك.

- اقر بأنه يوجد في مملكته أمناء كدانيال وكالفتيان : استطاعوا أن يتكلوا علي الههم " الَّذِينَ اتَّكَلُوا عَلَيْهِ وَغَيَّرُوا كَلِمَةَ الْمَلِكِ وَأَسْلَمُوا أَجْسَادَهُمْ لِكَيْلا يَعْبُدُوا أَوْ يَسْجُدُوا لإلهٍ غَيْرِ إِلهِهِمْ " ( : ٢٨ ) نعم احبائي انها قوه ايمان موجوده في حياة هؤلاء الفتيان، كانوا يعلمون انهم قادمون على استشهاد لا محاله، وكان ايضا يثقوا في قدره الله في كل الاحوال.

- إقرار نهائي وأوامر نافذة : فقال الملك " فَمِنِّي قَدْ صَدَرَ أَمْرٌ بِأَنَّ كُلَّ شَعْبٍ وَأُمَّةٍ وَلِسَانٍ يَتَكَلَّمُونَ بِالسُّوءِ عَلَى إِلهِ شَدْرَخَ وَمِيشَخَ وَعَبْدَنَغُوَ، فَإِنَّهُمْ يُصَيَّرُونَ إِرْبًا إِرْبًا، وَتُجْعَلُ بُيُوتُهُمْ مَزْبَلَةً، إِذْ لَيْسَ إِلهٌ آخَرُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَ هكَذَا " ( : ٢٩ ) الفتيا الثلاثة ودانيال بإيمانهم وبالثقه في الههم استطاعوا أن يغيروا أقوال الملك ونظام المملكه في زمنهم، يا رب إعطني أن أكون في هذا المستوى ومتمسك بايمان فيك يوما فيوما ولا أتزعزع مهما كانت الصعاب، ووضع الملك الفتيان غي وظيفة تليق بمكانتهم. 

__________________________________

٧ 

 رؤي أم مجرد أحلام 

يري نبوخذنصر الملك حلما جديدا ثانيا ولكنه يختلف عن الحلم الأول، فالحلم الأول كان يخص المملكه بجملتها ومصير شعب الرب، قد كان حلما - ولكنه ايضا كان رؤيا لمستقبل شعب وأمة بل ممالك وشعوب، لم يكن نبوخذنصر في خلوة روحية لينال حق مخاطبة الله له، ولم يكن في علاقة مع الله ومعرفة غير عادية لينال الرضا وكرامة خاصة، بل كان شخصا أمميا وثنيا لا يعرف الله، بل أيضا هو من دخل على شعب الله وهزمهم وإنتصر عليهم وأسرهم، فكونه يحلم أحلاما وهذه الأحلام تتعلق بشعب الله وتتعلق بمصير الأمم والشعوب وتتعلق بحياه الملك نفسه نبوخذنصر وهو ليس بنبي لينال شرف إعلانات الله والكشف الإلهي، فلا يدل هذا إلا أن معاملات الله وإعلاناته لبني البشر لا تقتصر علي الأنبياء والرسل والمرسلين فقط، ولكنها تصل لكل الخليقة العاقلة وغيرها، كل من هو في خط حقب زمنية ممتلئة بمعاملات مشيئة الله.


ما أقوله وأكتبه الأن ليس أمرا صعب الفهم والمعرفة، وليس جديدا في كلمة الله " فالحقب الزمنية " ترتبط عادة بأمم وممالك، ولكنها ايضا ترتبط بأفراد طلبوا تدخلات إلهية علي حياتهم وعلي شعوبهم، فمن داخلهما ينال معاملات الله الخاصة للإعلان والكشف، فقد كشف لقايين إعلانا من الله ليقف عن فعل أمر ليس حسب مشيىة الله " فَقَالَ الرَّبُّ لِقَايِينَ: «لِمَاذَا اغْتَظْتَ؟ وَلِمَاذَا سَقَطَ وَجْهُكَ؟ إِنْ أَحْسَنْتَ أَفَلا رَفْعٌ؟ وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ فَعِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ، وَإِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا». (التكوين ٤: ٦، ٧) فلم يكون قايين رجلا حسب مشيىة الله في ذلك الوقت ولكن من أجل هابيل الذي داخل مشيئة الله نال قايين كشفا إلهيا، ولكنه لم يستجيب وسار في طريقه وسقط في فعلته.

ايضا نري في نفس السياق ابيمالك ملك جرار ( بالعراق ) يخاطبه الرب من أجل سارة وإبراهيم أبو المؤمنين " فَالآنَ رُدَّ امْرَأَةَ الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَيُصَلِّيَ لأجْلِكَ فَتَحْيَا. وَإِنْ كُنْتَ لَسْتَ تَرُدُّهَا، فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَوْتًا تَمُوتُ، أَنْتَ وَكُلُّ مَنْ لَكَ». ثُمَّ دَعَا أَبِيمَالِكُ إِبْرَاهِيمَ وَقَالَ لَهُ: «مَاذَا فَعَلْتَ بِنَا؟ وَبِمَاذَا أَخْطَأْتُ إِلَيْكَ حَتَّى جَلَبْتَ عَلَيَّ وَعَلَى مَمْلَكَتِي خَطِيَّةً عَظِيمَةً؟ أَعْمَالا لا تُعْمَلُ عَمِلْتَ بِي». (التكوين ٢٠: ٧، ٩) فالملك ليس في دائرة مشيىة الله بل رجلا امميا وثني، ولكنه نال اعلانا الهيا من اجل خليل الله ابراهيم وزوجته سارة، فالحقب الزمنية التي تصنع وتدخل في داىرة المشيئة ينال من في زمنها اعلانا الهيا بحسب موقع الشخص واهميته في الحقبة الزمنية سواء كانت للامم او للأفراد.


يقول الملك ويدون كلماته ويسجلها لتكون اية وعبرة ودرسا لكل من يسمع ويقرأ ويفهم فقال "  مِنْ نَبُوخَذْنَصَّرَ الْمَلِكِ إِلَى كُلِّ الشُّعُوبِ وَالأمَمِ وَالألْسِنَةِ السَّاكِنِينَ فِي الأرْضِ كُلِّهَا: لِيَكْثُرْ سَلامُكُم ( دا ٤ : ١ ) كلمات فيها مخاطبة لكل من هو تحت سيادة الملك، ولكل من يصل اليه هذه الأقوال،  ففيها يقدم تحية وسلام ليقدم بعدها كلمات امتنان وعرفان لله خالق الأكوان فقال " اَلآيَاتُ وَالْعَجَائِبُ الَّتِي صَنَعَهَا مَعِي الله الْعَلِيُّ، حَسُنَ عِنْدِي أَنْ أُخْبِرَ بِهَا، آيَاتُهُ مَا أَعْظَمَهَا، وَعَجَائِبُهُ مَا أَقْوَاهَا! مَلَكُوتُهُ مَلَكُوتٌ أَبَدِيٌّ وَسُلْطَانُهُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْر ( دا ٤ : ٢ - ٣ ) يالها من تسبحة قوية الكلمات وفريدة في معانيها، فهو يتكلم عن ما صنعه الله له ( خصيصا )  آيات وعجائب- هذا لأنه في منطقة تسمي ب " قلب الحدث " أي أنه جزء في منظومة التاريخ الخاص بالشعوب والألسنة، خاص بمراحل وحقب زمنية بادئها بنبوخذنصر، فهو رأس التمثال الذي رأه في حلمه الأول ".. فَأَنْتَ هذَا الرَّأْسُ مِنْ ذَهَبٍ. (دانيال ٢: ٣٨) هكذا كان تفسير الحلم الاول، فقد كان نبوخذنصر طرف في حقبة زمنية فنال اعلانات الله، اما لماذ هو دون غيره؟ هذا لأنه راس المنطقة ولم يوجد في شعب الله من هو مهيأ للاستقبال، فقد كان دانيال ورفقاىه في دائرة الأسر، فكانوا يحتاجون للتحرير من مشاعر الأسر حتي وهم ماسورين بالفعل، لذلك سنجد رؤي واعلانات لدانيال فوق دائرة الطبيعة في الإصحاح العاشر ، ففي وقت التحرر من مشاعر الأسر أو العبودية تفك دائرة الكشف الإلهي في حياة كل من دخل في نطاقها.


- الإقتحامات الإلهية المزعجة : 

توجد معاملات إلهية خاصة يقتحم بها الله حياة إنسان تمنحه إنزعاجا ويرجع السبب لعدم إستعداد الشخص لذلك، ولعدم وجوده داخل الخط الروحي المناسب المهيئ لإستقبال مثل هذه المعاملات، رأي نبوخذنصر حلمه الأول الذي كان لغزا حيره وأزعجه، وبالتالي أزعج المملكة بأكملها (دانيال ٢: ٣، ٥) فصار الملك سبب إنزعاجا بل وخطرا علي المقربين إليه، الخطر الذي كان سيطول كل حكماء المملكة بما فيهم دانيال (دانيال ٢: ١٢، ١٣) ولكن بسبب معرفة دانيال بإلهه، منح للجميع طوق النجاة والإنقاذ، فقد عرف الحلم وتفسيره (دانيال ٢: ١٦، ١٩، ٢٤) فالمفاهمين لمعاملات الله وطرقه تجدهم مريحين ومستريحين، فعندما تقترب منهم لا تخاف ولا تهاب بل تحب قربهم وتستريح نفسك في حضرتهم، أما البعيدين عن مستوي الفهم الروحي وليسوا في المستوي المطلوب تجدهم منزعجين ومصدر قلق واضطراب.


إقتحام الله إستقرار نبوخذنصر وهدوءه ليس صدفة بل بقصد إلهي " أَنَا نَبُوخَذْنَصَّرُ قَدْ كُنْتُ مُطْمَئِنًّا فِي بَيْتِي وَنَاضِرًا فِي قَصْرِي. رَأَيْتُ حُلْمًا فَرَوَّعَنِي، وَالأَفْكَارُ عَلَى فِرَاشِي وَرُؤَى رَأْسِي أَفْزَعَتْنِي  ( دا ٤ : ٤ ، ٥ ) القصد الأول : أن يعلن إعلانات الله لزمن غاب فيه المسئول الروحي لشعب الله، والسبب الأخر: هو لتعليم نبوخذنصر ووضعه علي التراك ( الطريق - المسار الصحيح ) فإن إستجاب فقد نال خلاصا وعرف إله السماء، وإن رفض وأبتعد فقد خسر آخرته ولن تفيده مكاسب الدنيا.

الله إقتحم نبوخذنصر فإنزعج، ثم يقتحم نبوخذنصر الحكماء في مملكته فيزعجهم ويخافون ويضطربون ويفشلوا في تفسير الحلم " فَصَدَرَ مِنِّي أَمْرٌ بِإِحْضَارِ جَمِيعِ حُكَمَاءِ بَابِلَ قُدَّامِي لِيُعَرِّفُونِي بِتَعْبِيرِ الْحُلْمِ، حِينَئِذٍ حَضَرَ الْمَجُوسُ وَالسَّحَرَةُ وَالْكَلْدَانِيُّونَ وَالْمُنَجِّمُونَ، وَقَصَصْتُ الْحُلْمَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُعَرِّفُونِي بِتَعْبِيرِهِ ( دا ٤ : ٦ - ٧ )  فالرجل الغير مهيأ عندما ينال إعلانا من الله تجده متخبط ويمنح من ليس لهم صفة صفة ليخبروه بالأتيات، ولكن لأنه فعل هذا بإتجاه قلب بسيط، نال من الله معونة في شخص دانيال " أَخِيرًا دَخَلَ قُدَّامِي دَانِيآلُ الَّذِي اسْمُهُ بَلْطَشَاصَّرُ كَاسْمِ إِلهِي، وَالَّذِي فِيهِ رُوحُ الآلِهَةِ الْقُدُّوسِينَ، فَقَصَصْتُ الْحُلْمَ قُدَّامَه ( دا ٤ : ٨ ) فتكلم الملك مع دانيال وقال له الحلم فتفوه دانيال بالتفسير الذي ناله من الله، صار دانيال مصدر ثقة للملك، فهل تسير يامؤمن في دائرة الثقة لمن حولك، الملك راي في دانيال أكثر من مرة الرجل صاحب الكشف ولم يخيب معه ولا مرة واحدة " يَا بَلْطَشَاصَّرُ، كَبِيرُ الْمَجُوسِ، مِنْ حَيْثُ إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ فِيكَ رُوحَ الآلِهَةِ الْقُدُّوسِينَ، وَلا يَعْسُرُ عَلَيْكَ سِرٌّ، فَأَخْبِرْنِي بِرُؤَى حُلْمِي الَّذِي رَأَيْتُهُ وَبِتَعْبِيرِه  ( دا ٤ : ٩ ) وهذا معناه أن دانيال إستطاع أن يحافظ علي مستواه في علاقته بالرب، وفي أمانته مع من حوله حتي مع الأعداء المعتدين علي مملكته وعلي شعبه.    

 

- أحلام شخصية للتحذير :

عندما يرسل الله لك حلما ويرتبط هذا الحلم بشخصك ويمنحك فرصه للفهم والمعرفه سواء من خلالك أو من خلال آخرين، وتعرف القصد من الحلم فهذا الحلم ما هو إلا رساله تحذير، فقد تكون هذه الأحلام مقلقه أو مزعجه ولكنها مفيدة للغاية لذلك لا تتجاهل أي حلم قد تراه في يوم من الأيام، وتوجد أنواع كثيره او أشكال كثيره للأحلام التحذيرية وأغلبها تكون رمزية وليست مباشرة، فقد يحلم شخص بأنه يسقط أو يغرق أو يطارد أو يصاب في حادث، فيجب أن نحلل هذه الأحلام ونستخلص منها الرسالة مع ملاحظة أن لا يكون الأحلام كالكوابيس المرتبطة بأرواح شريره أو المرتبطة بالعقل الباطن في دائرة التفريغ النفسي، فتوجد أحلام معظمها نفسي ويجب أن ندرك أبعادها، فما هذا إلا تنبيهات نفسية بسبب وجود مشاعر خوف أو عدم أمان، وهذه الأحلام هي رسائل تحذير من النفس ليستطيع الإنسان أن يراعي ذاته وأن يدخل الى دوائر الأمان ببعض الوسائل التي تُشعره بالأمان، فهذه الأحلام ليست إلا رسائل من النفس للنفس


حلم نبوخذنصر ( دا ٤ : ١٠ - ١٧ ) ليس حلم نفسي ولكنه حلم تحذيري من الله للملك والحلم به تحذير واضح الوضوح ولا يحتاج لتفسير، ولكن لأن الملك ليس في داخل المشيئة الإلهية وهو فقط في نطاقها، فعيونه الروحية مغلقة وذهنه مشوش وغير قادر علي فهم الأمر، لذلك إحتاج لدانيال الذي يعلم كم هو مقتدر لأن به روح الألهة (حسب اعتقاد الملك) فقال له " أَمَّا أَنْتَ يَا بَلْطَشَاصَّرُ فَبَيِّنْ تَعْبِيرَهُ، لأنَّ كُلَّ حُكَمَاءِ مَمْلَكَتِي لا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُعَرِّفُونِي بِالتَّعْبِيرِ. أَمَّا أَنْتَ فَتَسْتَطِيعُ، لأنَّ فِيكَ رُوحَ الآلِهَةِ الْقُدُّوسِينَ ( دا ٤ : ١٨ ) نعم أحبابي فالمؤمن مميز عن سائر البشر ويجب أن يكون مختلف، لانه إن تشابه فلن يفرق شيئا عن من هم خارج مشيئة الله بل سيكون معيق لعمل الله وأداة ضد مشيئة الرب، إنزعج دانيال وتحير أيضا، فالأمر ليس بالبساطة التي يراها الملك في دانيال، إنزعج دانيال لمدة ساعة " حِينَئِذٍ تَحَيَّرَ دَانِيآلُ الَّذِي اسْمُهُ بَلْطَشَاصَّرُ سَاعَةً وَاحِدَةً وَأَفْزَعَتْهُ أَفْكَارُهُ " ولكنه طمئن الملك " لا يُفْزِعُكَ الْحُلْمُ وَلا تَعْبِيرُهُ ( : ١٩ ) ففي كل الأحوال عندما يعطي الله حلما شخصيا (يرتبط بالشخص) فيقصد به تحذير الشخص ليستقيم وياخذ حذره فلا يدخل في نطاق تتميم الحلم، فليس الحلم للتتميم بل للتحذير هذا إن إتعظ الشخص، وكان التفسير كما يلي : 

- الشجرة = هي الملك نبوخذنصر ( : ٢٠ - ٢٢)

- الساهر القدوس = الرب ( : ٢٣ )

- يقيد ويطرد ٧ سنين = الملك نبوخذنصر بسبب الكبرياء ووضع نفسه كالإله المقتدر ( : ٢٤ - ٢٥ )

- ويترك له ساق = سيعود لملكة مرة أخري عندما يتوب ( : ٢٦  ) 

ثم اشير دانيال للملك قائلا " لِذلِكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، فَلْتَكُنْ مَشُورَتِي مَقْبُولَةً لَدَيْكَ، وَفَارِقْ خَطَايَاكَ بِالْبِرِّ وَآثَامَكَ بِالرَّحْمَةِ لِلْمَسَاكِينِ، لَعَلَّهُ يُطَالُ اطْمِئْنَانُك  ( دا ٤ : ٢٧ ) فالدعوة للتوبة وعمل الخير كامت مشورة رجل الله للملك الوثني الذي حذره الرب بحلم.


- المشورة والتتميم موقف إرادي : 

عندما يقف الإنسان ما بين الرؤيا أو الحلم مع المشوره التي تقدم من المحيطين أو ذو الإختصاص، يُترك لصاحب الرؤيا أو الحلم حرية السير فيما فهم وعرف أو فيما وصل اليه من رسالة في الحلم أو الرؤيا، فهل من الممكن تغيير ما إحتوته الرسالة والرؤيا؟ بكل تأكيد نعم، .. كيف؟ إن في الرسالة التي تعلنها الرؤيا أو الحلم يوجد فكر وفهم وصل للشخص، وعليه يمكنه السلوك في إتجاه المشورة والسير نحو الصلاح المطلوب، فتكون النتيجة هو تفادي النتائج المترتبة علي طريقة الحياة التي بني عليها الحلم أو الرؤيا، فإن لم يتعظ من الرسالة ستتم في حياته.


ما حدث لنبوخذنصر مللك بابل، أنه سلك في طريق الكبرياء والعظمة دون أن يمنحها لله، فالذي جعله ملك ملوك هو الرب، والذي أعطاه الأحلام هو الرب، ولكنه سار في إتجاه ذاته، ولذلك تعظم قلبه " كَانَ يَتَمَشَّى عَلَى قَصْرِ مَمْلَكَةِ بَابِلَ. وَأَجَابَ الْمَلِكُ فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ هذِهِ بَابِلَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي بَنَيْتُهَا لِبَيْتِ الْمُلْكِ بِقُوَّةِ اقْتِدَارِي، وَلِجَلالِ مَجْدِي ( دا ٤ : ٢٨ - ٣٠ ) سار في إتجاه الكبرياء، برغم أن معاملات الله معه من البداية تعلن مقدار إهتمام الله به، يري حلما ويعرف تفسيره من دانيال، ثم يري معجزة الرابع الشبيه بإبن الآلهة وقت أتون النار، ولكنه ايضا لم يتعظ، ثم يري حلما شخصيا كرسالة ليستقيم نحو التواضع، ولكنه لم يتعظ.


إن كبريائه ليس من النوع البسيط، ولكنه من نوع إتباع الآلهة الوثنية، فكان لابد أن تكسر شوكته ويستقيم، لذلك " وَالْكَلِمَةُ بَعْدُ بِفَمِ الْمَلِكِ،" أي أنه لم ينتظر أن يكمل ما بداخله " وَقَعَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلا: «لَكَ يَقُولُونَ يَا نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ: إِنَّ الْمُلْكَ قَدْ زَالَ عَنْكَ. وَيَطْرُدُونَكَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، وَتَكُونُ سُكْنَاكَ مَعَ حَيَوَانِ الْبَرِّ، وَيُطْعِمُونَكَ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ،" كما قيل له في الحلم بالتمام، فالحلم كان واضح كل الوضوح والتفسير كان مباشر من دانيال، ولكنه لم يتعظ " فَتَمْضِي عَلَيْكَ سَبْعَةُ أَزْمِنَةٍ " الزمن يساوي سنة، فسبعة أزمنة تساوي سبعة سنوات " حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ الْعَلِيَّ مُتَسَلِّطٌ فِي مَمْلَكَةِ النَّاسِ وَأَنَّهُ يُعْطِيهَا مَنْ يَشَاء ( دا ٤ : ٣١ - ٣٢ ) يااااه.. سبعة سنوات يسير ويتصرف كالحيوانات ..... من؟!. إنه الملك.. نعم الملك، فعندما يسلك بعيدا عن الحق ويتكبر لابد من كسر كبريائه " فِي تِلْكَ السَّاعَةِ تَمَّ الأمْرُ عَلَى نَبُوخَذْنَصَّرَ، فَطُرِدَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، وَأَكَلَ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ، وَابْتَلَّ جِسْمُهُ بِنَدَى السَّمَاءِ حَتَّى طَالَ شَعْرُهُ مِثْلَ النُّسُورِ، وَأَظْفَارُهُ مِثْلَ الطُّيُورِ   ( دا ٤ : ٣٣ ) ولكن الله جعل للشجرة فرع موجود، أي للملك مكان في مملكته يرجع ويملك من جديد.  

 

- التوبة والرجوع واقع وحتمي : 

في كسر كبرياء الملك، علم بان اله السماء هو الإله الحق، وأن دانيال وشدرخ وميشخ وعبدنغو في ايمانهم بالله حقيقة كان يحب ان يتبعها من زمن، دخل الملك في فقدان عقله لمدة ٧ سنوات مدة ليست بسيطة، طرد فيها للبرية ( لم يحجز في قصر أو في غرفة لرعايته ) بل ترك في البرية وابتل جسمه بندي السماء  ( دا ٤ : ٣٣ )  ضاعت هيبته ولم يتبقي الا انجازاته، ولكن ظل المكان محفوظ له حتي عودته، وعندما حان وقت العودة رجع عقله اليه فوجد نفسه في حالة لا يحمد عليها " وَعِنْدَ انْتِهَاءِ الأيَّامِ، أَنَا نَبُوخَذْنَصَّرُ، رَفَعْتُ عَيْنَيَّ إِلَى السَّمَاءِ، فَرَجَعَ إِلَيَّ عَقْلِي، وَبَارَكْتُ الْعَلِيَّ وَسَبَّحْتُ وَحَمَدْتُ الْحَيَّ إِلَى الأبَدِ، الَّذِي سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ، وَمَلَكُوتُهُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْر  ( دا ٤ : ٣٤ ) عرف من هو الإله الذي في السماء وابتدأ يسبح ويحمده وابتدأ يضع مستوي معرفة عن الله علي قدر ما وصل من فهم وادراك فقال : 

 - تعلم أن الله هو العلي ( : ٣٤ ) 

- وإنه حي الي الأبد ( : ٣٤ ) 

- وسلطانه ابدي لا ينتهي ( : ٣٤ ) 

- وله ملكوت لا ينتهي ( : ٣٤ ) 

- وانه لا يوجد من يعلوه ولا من يرتفع عليه من سكان الأرض ( : ٣٥ ) 

- الله هو المتحكم في كل شيئ ولا يستطيع أحد مراجعته أو محاسبته ( : ٣٥ ) 

عرف نبوخذنصر كل هذه عن الله ولكنه تعلم الدرس وخرج بنتيجة حتمية ادركها بعد معاناة ٧ سنوات " وَمَنْ يَسْلُكُ بِالْكِبْرِيَاءِ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُذِلَّهُ  ( دا ٤ : ٣٧ ) فإذلال نبوخذنصر يدخل في دائرة القضاء الإلهي، فهو حكم قضائي فيه تم نزع الحماية التي عاي جسده ونفسه، فضرب في دائرة العقل وإستمر حتي عاد إليه عقله " فِي ذلِكَ الْوَقْتِ رَجَعَ إِلَيَّ عَقْلِي ( دا ٤ : ٣٦ ) فجميع الخليقة تتمتع بحماية الهية بها تستطيع مواكبة السير في العالم، لذلك فالدائرة التي تنزع منها الحماية هي التي تضرب وتفقد السيطرة فتكون سبب للاذية أو الانتهاء، فكان الحكم بالقضاء الإلهي علي نبوخذنصر بفقدان الحماية علي ذاته وفكره فطار عقله وطرد من بين الناس، الي إنقضاء مدة الحكم القضائي فعاد عقله وعاد لمملكته "  فِي ذلِكَ الْوَقْتِ رَجَعَ إِلَيَّ عَقْلِي، وَعَادَ إِلَيَّ جَلالُ مَمْلَكَتِي وَمَجْدِي وَبَهَائِي، وَطَلَبَنِي مُشِيرِيَّ وَعُظَمَائِي، وَتَثَبَّتُّ عَلَى مَمْلَكَتِي وَازْدَادَتْ لِي عَظَمَةٌ كَثِيرَة ( : ٣٦ ) فلماذا عاد لأن الحكم كان بمدة، ولماذا حفظت مملكته لمدة ٧ سنوات؟ ليكون هذا الملك أية لجميع جيله ولكل من يقرأ هذا الأمر من هذا السفر، فهو أدخل نفسه تحت حكم إله السماء وتم ما حذر به لأنه لم يأخذ حذره من رسالة التي كانت بالحلم - فلم يستقيم إلا بعد ما ذاق حكم اله السماء، وتنتهي فترة هذا الملك وتبدأ فترة جديد بإبنه بَيْلْشَاصَّرُ كملك جديد ومرحلة مختلفة.  

__________________________________

٨ 

 تدنيس المقدسات 

إن إحترام مقدسات الغير واجب مهم جدا حتى ولو كانت هذه المقدسات لا تمد بصله الى المقدسات الحقيقية، ولكنها في نظر أصحابها هي مقدسات، ولذلك يجب تقدير هذه الاشياء ليس في ذاتها بل تقديرا لأصحابها، فإهانه المقدسات الخاصة بأصحابها مبدا ليس كتابيا ولا توجد وصيه في كلمة الله توصي بإهانتها أو الإزدراء بها، الكتاب المقدس في جميع مراحله في علاقة شعب الله به لم يوصي بإهانة مقدسات الغير، والله لم يتعامل مع الأمم بالعنف ضد مقدسات الأمم ، فقد كان يواجه الفكر بالفكر وليس بالعنف ضد مقدسات الغير، أما بخصوص الحروب والأمر بالقتل لكل من هو في دائرة العباده الوثنية، فهذا قضاء إلهي بسبب الشرور والخطايا والبعد عن الحق وعباده الاوثان ايضا، ولكنه لم يأمر بهدم الأوثان والمعابد الوثنية إلا بعد الحرب وإمتلاك الأرض " مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا، وَطَرَدَ شُعُوبًا كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ: الْحِثِّيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالأمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، سَبْعَ شُعُوبٍ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ، وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ، وَضَرَبْتَهُمْ، فَإِنَّكَ تُحَرِّمُهُمْ. لا تَقْطَعْ لَهُمْ عَهْدًا، وَلا تُشْفِقْ عَلَيْهِمْ، وَلكِنْ هكَذَا تَفْعَلُونَ بِهِمْ: تَهْدِمُونَ مَذَابِحَهُمْ، وَتُكَسِّرُونَ أَنْصَابَهُمْ، وَتُقَطِّعُونَ سَوَارِيَهُمْ، وَتُحْرِقُونَ تَمَاثِيلَهُمْ بِالنَّارِ.  لأنَّكَ أَنْتَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. إِيَّاكَ قَدِ اخْتَارَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَكُونَ لَهُ شَعْبًا أَخَصَّ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأرْض ( تث ٧ : ١ - ٦ ) هنا يتكلم عن وقت إمتلاك الأرض بطردهم وليس بالسكنى معهم، وبالتالي فلا داعي لوجود المعابد والأوثان وسط شعب ربنا في الأرض التي إمتلكوها لذلك طلب منهم هدمها. 


لذلك نرى في الإصحاح الخامس بدايه مختلفه عن الأربعة إصحاحات الماضية التي تحكي عن بداية دانيال ورفقائه مع ملك اسمه نبوخذنصر عندما سباهم الي بابل، أما في الإصحاح الخامس فيبدا في مرحله جديدة مرتبطة بملك إسمه بيلشاصر وهو إبن الملك نبوخذنصر، الملك بَيْلْشَاصَّرُ בִּלְשַׁאצַּר وتنطق bêlsha'tstsar في اللغة בִּלְשַׁא (Bilsha) ويعني "إله بل" و צַּר (tsar) ويعني "ملك" وبذلك يكون معنى الاسم "ملك إله بل" هذا الملك " صَنَعَ وَلِيمَةً عَظِيمَةً لِعُظَمَائِهِ الألْفِ، وَشَرِبَ خَمْرًا قُدَّامَ الألْف ( دا ٥ : ١ ) حقه فهو الملك .. يفعل ما يشاء .. ولكن الأمر لم يتوقف عند شرب الخمر والوليمة لكنه فعل فعلا يراه الله تعدي على حقه وفي ذات الوقت إهانه للمقدسات الخاصه باليهود " وَإِذْ كَانَ بَيْلْشَاصَّرُ يَذُوقُ الْخَمْرَ، أَمَرَ بِإِحْضَارِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الَّتِي أَخْرَجَهَا نَبُوخَذْنَصَّرُ أَبُوهُ مِنَ الْهَيْكَلِ الَّذِي فِي أُورُشَلِيمَ، لِيَشْرَبَ بِهَا الْمَلِكُ وَعُظَمَاؤُهُ وَزَوْجَاتُهُ وَسَرَارِيه ( : ٢ ) وبالفعل أحضروا له آنية الذهب وشرب الملك وعظماء وزوجاته وسراريه ويعظمون الهتهم ( : ٣ - ٤ ) انه دنس المقدسات التي قدسها الرب، إن إهانة المقدسات أو هدمها أو حرقها ليست بطولة وليست قداسة، فمن ينسب هذا الفعل للإله أو للديانة فقد أهان إلهه وأهان ديانته

فهل يصمت الرب؟!. كلا ... فقد أوقف الرب هذا الحفل بطريقه معجزية وبها رسالة.


- واضع حدا لكل مهزلة :

توجد أوقات يتدخل فيها الرب لإيقاف كل المهازل التي يصنعها بني البشر، يتعامل بَيْلْشَاصَّرُ الملك وكأنه رب الكون والسيد الأمر، نعم فهو الملك ومن حقه الفرح وإقامة الولائم مع عظماء مملكته، لكن ليس على حساب الرب وملكوته وشعبه، ما صنعه بَيْلْشَاصَّرُ الملك ( كتير بصراحة ) يأتي بأنية بيت الرب ويشرب فيها خمره ويسكر بها هو وزوجاته وسراريه وعظماء مملكته ( : ٢ ) ماذا أقول ؟ عجبي!.( أين العظماء في حكمتهم؟!. ليسوا عظماء بل جميعهم أغبياء - أخذتهم الجلالة وبهجة الجلسة الملوكية ) هنا يتدخل الرب لإيقاف كل إستنزاف في دائرة الملكوت، لذلك أقول لكل متألم في دائرة ملكوت الله " لأنَّ هذَا فَضْلٌ، إِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَجْلِ ضَمِيرٍ نَحْوَ الله، يَحْتَمِلُ أَحْزَانًا مُتَأَلِّمًا بِالظُّلْمِ. لأنَّهُ أَيُّ مَجْدٍ هُوَ إِنْ كُنْتُمْ تُلْطَمُونَ مُخْطِئِينَ فَتَصْبِرُونَ؟ بَلْ إِنْ كُنْتُمْ تَتَأَلَّمُونَ عَامِلِينَ الْخَيْرَ فَتَصْبِرُونَ، فَهذَا فَضْلٌ عِنْدَ الله، (١ بطرس ٢: ١٩، ٢٠) لذلك إنتظر الرب ولا تيأس، فإبليس يسعي محاولا العمل علي مشاعر القلق والإضطراب ليفقدك هدوءك ولكن " انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاصْبِرْ لَهُ، وَلا تَغَرْ مِنَ الَّذِي يَنْجَحُ فِي طَرِيقِهِ، مِنَ الرَّجُلِ الْمُجْرِي مَكَايِدَ. (المزامير ٣٧: ٧) لأنه لن يصمت ولن يسكت مهما طالت المدة، حتما سيرفع رأسك عاليا مرتفعا فوق كل مجتمع لا يعرف الله، سواء كان داخل المجتمع الكبير الأقوى من إمكانياتك، أو المجتمع المحدود الذي في دائرة حياتك، فسيمنح لك الرب الفرصة للإرتفاع إن آجلا أو عاجلا فحقك محفوظ ومكانتك لن تتزعزع. 


- التدخل الإلهي في توقيته المناسب :

سألت نفسي سؤال في غاية الأهمية: لماذا الله لا يتدخل في بداية الأمر؟ لماذا يترك العاتي في قوته وفي تجاوزه حدود كيانه؟ وكأنه لا يوجد محاسب يحاسبه أو كبير يمنعه من إستخدام جبروته، تُرك بَيْلْشَاصَّرُ في عناد قلبه وجهالة فكره الي اليوم الذي فيه أهان المقدسات، فلم يمنعه الرب قبل أن يدنسها مستخدما فيها الخمر، لم يوقفه الرب عند حدودة فلا يتجاوز، ولكنه تجاوز حدوده وتدخل الله في نهاية الأمر، تدخل الله في النهاية ليعطي للعاتي فرصة الرجوع عن شر افعاله، عسي أن يعود الي رشده فيرجع عن فعله المشين، لذلك ادعوا كل ناسي الله أن يفيق ويدرك ان الرب في السماء يري كل شيئ ويراقب الأحداث، وسيتدخل ولكن في تمهله فرصة كي يفيق ويرجع قبل فوات الأوان.  

كان الملك في حالة من السكر والفرح والطرب في الحفل المقام لجلاله، فمن أعلي منه؟ ومن هو صاحب الكلمة النهائية في المملكة؟ إنه الملك رئيس الجلسة وزعيم الأمة، فكانت النتيجة كي يفيق رؤية يد تكتب علي الحائط "  فِي تِلْكَ السَّاعَةِ ظَهَرَتْ أَصَابعُ يَدِ إِنْسَانٍ، وَكَتَبَتْ بِإِزَاءِ النِّبْرَاسِ عَلَى مُكَلَّسِ حَائِطِ قَصْرِ الْمَلِكِ، وَالْمَلِكُ يَنْظُرُ طَرَفَ الْيَدِ الْكَاتِبَةِ ( دا ٤ : ٥ ) منظر مرعب، منظر جعل الملك يفيق من سكره، فقد تدخل الله ليفيق عقل الملك ليستوعب الموقف " حينَئِذٍ تَغَيَّرَتْ هَيْئَةُ الْمَلِكِ وَأَفْزَعَتْهُ أَفْكَارُهُ، وَانْحَلَّتْ خَرَزُ حَقْوَيْهِ، وَاصْطَكَّتْ رُكْبَتَاه ( : ٦ ) إستطاع الله أن يقلب المشهد بجملته، يد تكتب كلمات تحتاج لمتخصصين ليفكوا طلاسم الكتابة، لم يكون السحرة والمنجمين من ضمن الجالسين علي مائدته، فأدخلهما الملك ليمنح لهما فرصة التألق والسمو عندما يفكون لغز الكتابة التي لا يعرف عنها شيئا ( : ٧ ) عرض مغري، ولكن لمن؟ لمن يعرف ويفهم ويعي أقوال الرب وكلماته، ، وبالفعل أدخلوهم ( : ٨ ) فلم يستطيعوا ليس فقط ان يفسروا، بل لم يستطيعوا أن يقرأوا الكلمات والاحرف المكتوبة علي الحائط، ففزع الملك - إضطرب - تغيرت هيئته، وهكذا شاركوه عظمائه، ولكن دخلت الملكة ( : ٩ ) وقالت للملك " أَيُّهَا الْمَلِكُ، عِشْ إِلَى الأبَدِ! لا تُفَزِّعْكَ أَفْكَارُكَ وَلا تَتَغَيَّرُ هَيْئَتُك " بكل حكمة تكلمت فقالت " يُوجَدُ فِي مَمْلَكَتِك ... :

١ - رَجُلٌ  ( حقيقي فهو رجل لانه لم ينحني أمام الظروف ) 

٢ - فِيهِ رُوحُ الآلِهَةِ الْقُدُّوسِينَ،"  ( له مسحة من القدوس لأنه رجل صلاة )  

٣ -  وَفِي أَيَّامِ أَبِيكَ وُجِدَتْ فِيهِ نَيِّرَةٌ

٤ - وَفِطْنَةٌ

٥ - وَحِكْمَةٌ كَحِكْمَةِ الآلِهَةِ،

٦ -  وَالْمَلِكُ نَبُوخَذْنَصَّرُ أَبُوكَ جَعَلَهُ كَبِيرَ الْمَجُوسِ وَالسَّحَرَةِ وَالْكَلْدَانِيِّينَ وَالْمُنَجِّمِينَ ( : ١٠ - ١٢ ) هنا فتحت طاقة أمل أمام الملك، ثم اضافت قائلة : 

٧ - مِنْ حَيْثُ إِنَّ رُوحًا فَاضِلَةً ( روحا مختلفة عن روح الاوثان التي يعيشون في وسطها ) 

٨ -  وَمَعْرِفَةً ( هذا النوع من المعرفة يختلف عن باقي المنجمين والسحرة، لان دانيال مختلف عن جميعهم لإقترابة لدي الرب إلهه، فالفهم والمعرفة هبة من الله لابنه وسط عالم مظلم )

٩ - وَتَعْبِيرَ الأحْلامِ          ١٠ - وَتَبْيِينَ أَلْغَازٍ

 ١١- وَحَلَّ عُقَدٍ ( كان دانيال طوق نجاة للملك نبوخذنصر ) وها هو في طريقه لإبنه بَيْلْشَاصَّرُ، كل هذا "  وُجِدَتْ فِي دَانِيآلَ هذَا، الَّذِي سَمَّاهُ الْمَلِكُ بَلْطَشَاصَّر " هذا هو مستوي المؤمنين يوجدوا وسط المجتمعات ( الإجتماعية والكنسية ) يساعدون ويحلون الغاز ويفكون عقد المجتمعات، هل هذا موجود اليوم وسط شعب الله؟ نعم يوجد ولكن قليلون. ... لأن كثيرون ليسوا سبب بركة بل للأسف سبب كسرة ويحتاجون لمن يفك إمورهم ويسيير ظروفهم، فقد تكلمت زوجة الملك عن دانيال بثقة لأنها بكل تأكيد عاصرت ( شاهدت ) دانيال وكيف كان يتصرف " فَلْيُدْعَ الآنَ دَانِيآلُ فَيُبَيِّنَ التَّفْسِير ( دا ٥ : ١٢ ) دانيال هو طوق النجاة لملوك بابل، هو طوق النجاة ايضا لشعب الله في الحقبة الزمنية في التمثال الذي رأه نبوخذنصر، هذا هو المؤمن الحقيقي بركة لمجتمعه وبركة لشعبه وسط ظلام العالم وظلمه.


تدخلات الهية من خلال دانيال :

ادخل دانيال أمام الملك " حِينَئِذٍ أُدْخِلَ دَانِيآلُ إِلَى قُدَّامِ الْمَلِك ( : ١٣ ) هنا الفارق بين منجمين وسحرة بابل وبين دانيال، الأولين إعلان فشل " أُدْخِلَ قُدَّامِي الْحُكَمَاءُ وَالسَّحَرَةُ لِيَقْرَأُوا هذِهِ الْكِتَابَةَ وَيُعَرِّفُونِي بِتَفْسِيرِهَا، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ( : ١٥ ) أما دانيال فإعلان نجاح الهي " قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ أَنَّ فِيكَ رُوحَ الآلِهَةِ ( : ١٤ ) شهادة من ملك وثني ومن الملكة تعطي مجدا لإله دانيال، والفارق الفارق بينهما ايضا ان عرض الإكرام مسعي ومطمع جميع من هم حول الملك، أما دانيال فقال " فَأَجَابَ دَانِيآلُ وَقَالَ قُدَّامَ الْمَلِكِ: «لِتَكُنْ عَطَايَاكَ لِنَفْسِكَ وَهَبْ هِبَاتِكَ لِغَيْرِي. لكِنِّي أَقْرَأُ الْكِتَابَةَ لِلْمَلِكِ وَأُعَرِّفُهُ بِالتَّفْسِير ( : ١٧ ) إن أبناء الله عيونهم ممتلئة وشبعانة بالرب ولذلك فمغريات العالم وبهاء الممالك لا تحرك لهم ساكن، ولا يسعون اليها، أما النفوس الضعيفة فهي التي تسعي نحو كل سلطان زمني ومادي، وتحارب من اجله، فمهما ارتقوا وأخذوا سيظلوا متعطشين وعطشهم قد يؤذي ويطول كل من يهز عرشهم، اما دانيال فيخدم الهه بلا مطامع زمنية لذلك كانت تصل اليه بكرامة لم يسبق أن نالها غيره.


الملك أهان المقدسات التي كانت في الهيكل، آفاقه الله من سكره وأعلن له من خلال كتابة علي الحائط تعلن إنقسام المملكة وموت الملك " وَهذِهِ هِيَ الْكِتَابَةُ الَّتِي سُطِّرَتْ: مَنَا مَنَا تَقَيْلُ وَفَرْسِين ، وَهذَا تَفْسِيرُ الْكَلامِ: مَنَا، أَحْصَى الله مَلَكُوتَكَ وَأَنْهَاهُ. تَقَيْلُ، وُزِنْتَ بِالْمَوَازِينِ فَوُجِدْتَ نَاقِصًا. فَرْسِ، قُسِمَتْ مَمْلَكَتُكَ وَأُعْطِيَتْ لِمَادِي وَفَارِس ( : ٢٥ - ٢٨ ) ولكن قبل ان يعلن له تفسير الكلام شرح دانيال للملك رسالة توبة ورجوع لله، وكيف أن الملك نبوخذنصر رجع لله بعد ان امتدت عليه يد الرب بقضاء الهي " فَلَمَّا ارْتَفَعَ قَلْبُهُ وَقَسَتْ رُوحُهُ تَجَبُّرًا، انْحَطَّ عَنْ كُرْسِيِّ مُلْكِهِ، وَنَزَعُوا عَنْهُ جَلاَلَهُ، وَطُرِدَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، وَتَسَاوَى قَلْبُهُ بِالْحَيَوَانِ .... حَتَّى عَلِمَ أَنَّ الله الْعَلِيَّ سُلْطَانٌ فِي مَمْلَكَةِ النَّاسِ، وَأَنَّهُ يُقِيمُ عَلَيْهَا مَنْ يَشَاءُ ( : ٢٠ ، ٢١ ) فقد وصل للملك رسالة لخلاص نفسه " وَأَنْتَ يَا بَيْلْشَاصَّرُ ابْنَهُ لَمْ تَضَعْ قَلْبَكَ، مَعَ أَنَّكَ عَرَفْتَ كُلَّ هذَا، بَلْ تَعَظَّمْتَ عَلَى رَبِّ السَّمَاءِ، فَأَحْضَرُوا قُدَّامَكَ آنِيَةَ بَيْتِهِ، وَأَنْتَ وَعُظَمَاؤُكَ وَزَوْجَاتُكَ وَسَرَارِيكَ شَرِبْتُمْ بِهَا الْخَمْرَ، وَسَبَّحْتَ آلِهَةَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَالنِّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالْخَشَبِ وَالْحَجَرِ الَّتِي لا تُبْصِرُ وَلا تَسْمَعُ... ( : ٢٢ ، ٢٣ ) عرف الملك تفسير الكلام ووصلت له رسالة خلاص نفسه، ونأتي لسؤال : هل قبل الإيمان أم ظل بعيدا؟


- اكرام من له الاكرام :

     إستطاع دانيال حل لغز الكلمات التي كانت مزعجة ومحيرة الملك، ولذلك من حقه نوال امراما خاصا ومميزا، وهذا ما فعله الملك " حِينَئِذٍ أَمَرَ بَيْلْشَاصَّرُ أَنْ يُلْبِسُوا دَانِيآلَ الأرْجُوانَ وَقِلادَةً مِنْ ذَهَبٍ فِي عُنُقِهِ، وَيُنَادُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ يَكُونُ مُتَسَلِّطًا ثَالِثًا فِي الْمَمْلَكَة ( : ٢٩ ) فنال دانيال إكراما اكرمه الله له بواسطة الملك الوثني، فالإكرام لمن له الإكرام، نعم يوجد خطوط للإكرام وضعها الله في كلمته، هذه الخطوط تصير جميعها تتمركز في خط العمل والجهد مع خط الأمانة والصدق، فالله يُكرم ولكن لابد من دفع الفاتورة أولا، فمثلا في التوصية ل

 

- إكرام الوالدين : " أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ. (الخروج ٢٠: ١٢) هذا لأنهم يتعبون من أجل الأبناء وإستقرار الأسرة، فمن حقهم نوال الإكرام، اما عندما يختل هذا التوازن ويتحرك الوالدين في طريق مخنلف عن العمل والجهد والصدق والامانة لن ينالوا اكراما مهما إن طالبوا به أو سعوا نحوه، فإكرام الوالدين شرطه الأساسي في خطوطه.


- إكرام الحكام : " فَأَعْطُوا الْجَمِيعَ حُقُوقَهُمُ: الْجِزْيَةَ لِمَنْ لَهُ الْجِزْيَةُ. الْجِبَايَةَ لِمَنْ لَهُ الْجِبَايَةُ. وَالْخَوْفَ لِمَنْ لَهُ الْخَوْفُ. وَالإكْرَامَ لِمَنْ لَهُ الإكْرَامُ. (رومية ١٣: ٧) عندما تري حاكما " رىيسا - مسئولا - مديرا " ويسير في الشرط الأساسي للاكرام في دائرة خطوطه من العمل والجهد والأمانة والصدق، ستجد من حولهم يرفعونهم علي الأكتاف ويشهدون عن سيرتهم العطرة، فلهم الإكرام، وايضا اهمية احترام الترتيب الاجاماعي والنظام، فبدون تنفيذ الشروط الأساسية للإكرام لن يكرموا.


- المعلم له أن يفتخر : " وَلكِنْ لِيَمْتَحِنْ كُلُّ وَاحِدٍ عَمَلَهُ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ الْفَخْرُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ فَقَطْ، لا مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ. لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَيَحْمِلُ حِمْلَ نَفْسِهِ. وَلكِنْ لِيُشَارِكِ الَّذِي يَتَعَلَّمُ الْكَلِمَةَ الْمُعَلِّمَ فِي جَمِيعِ الْخَيْرَاتِ. (غلاطية ٦: ٤-٦) للمعلم حق الإكرام والإفتخار ليس عن كبرياء بل عن وعي وإدراك، فبسببه كثيرون عرفوا الحق وخرجوا للمجتمع لهم مستويات يفتخرون بها، فالمعلم عندما يكون صادق وأمين وعامل بإجتهاد له الإكرام.


علي المؤمن يسعي دائما كي يكرم الجميع ولكن دون أن يحرم احدا من الاكرام والاحترام والتقدير " أَكْرِمُوا الْجَمِيعَ. أَحِبُّوا الإخْوَةَ. خَافُوا الله. أَكْرِمُوا الْمَلِكَ. (١ بطرس ٢: ١٧) فهذه الصور المتاحة لنوال الإكرام هم يستحقونها، لا عن فضل فيهم بل عن عمل وجهد مع امانة وصدق في دائة المحبة، فلولا فهم الملكة ومتابعتها للاحداث التاريخية الماضية لكان قد ظل دانيال فاقد وجودة بعد موت الملك نبوخذنصر ولظل فاقد مستواه كرجل الله المستخدم، ولولا سماع الملك للملكة في حل مشكلته، لظل الملك في قلقه وخوفه المستمر، ولكن كل هذه المواقف تعلن شيئا واحد ان اختبارات دانيال واعماله وسلوكه الامين في الفترة السابقة جعلته مكرم وصاحب مسحة للاستخدام في المستقبل، ففي الوقت الذي اكرم في دانيال قتل بياشاصر الملك  " فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ قُتِلَ بَيْلْشَاصَّرُ مَلِكُ الْكَلْدَانِيِّينَ، فَأَخَذَ الْمَمْلَكَةَ دَارِيُّوسُ الْمَادِيُّ وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً.( دا ٥ : ٣٠ - ٣١ ) داريوس الماديوبداية جديدة لزمن جديد مع ملك جديد


- هل عرف الملك الرب : 

الملك نبوخذنصر عرف الرب في نهاية أيامه بعد أن رجع اليه عقله أما إبنه بيليشاصر  فالرساله وصلت له كامله كما دونها لنا دانيال في سفره اقرأ. ( : ٢٠ ، ٢١ ) وتكلم اليه بتحذير  في ( : ٢٢ - ٢٣ ) ولكن لما عرف رسالة الله له هل قبل الإعلان وعرف الرب وأمن به قبل موته ؟ لم يشرح لنا الوحي هذا، ربما نجده عندما نصل هناك، وربما للاسف لا نجده هناك، ففي الابدية سنري العجب العجاب، نفوس ظننا انها هناك ولكننا لن نجدهم، ونفوس طننا انهم لن يدخلوها فسنجدهم.

ولكن يعتقد عمومًا أن بيلشاصر لم يقبل الإيمان من دانيال، يدعو بيلشاصر دانيال ليفسّر له الرؤيا التي رآها على الحائط، والتي تتنبأ بسقوط مملكة بابل. يفسر دانيال الرؤيا، ويخبر بيلشاصر أن الله سيسلم مملكته لغيره. يخاف بيلشاصر من الرؤيا، لكنه لا يؤمن بالإله الذي أرسلها، ففي النهاية تتحقق الرؤيا، وتسقط مملكة بابل. يُقتل بيلشاصر ويأخذ المملكة داريوس، ويصبح داريوس ملكًا على بابل، أما عن إيمان بيلشاصر فلا يوجد ما يفيد ذلك يقينيا، فقد عرف الله أن يجيب علي بيلشاصر ويقتحم حياته ويغير أجواء المحفل إلي أجواء تعجب وبحث عن من ذا الذي يستطيع أن يسير بعيدا عن مراقبة الله ومعرفته بالإمور.


عندما يصبر الله على الإنسان فهو يصبر لا لكي يتركه في عناد قلبه وشره فيزداد اثما، كلا... ليس هذا هو قصد الله، أن الله يريد أن يجعل الإنسان في دائرة الحرية الكاملة ليصير مسؤولا عن قراراته واختياراته واعماله، ويجب أن يدرك بأن الله يرى كل شيء ويزن كل الإمور " لأنَّ طُرُقَ الإنْسَانِ أَمَامَ عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَهُوَ يَزِنُ كُلَّ سُبُلِهِ. (الأمثال ٥: ٢١) فترك بيلشاصر يسير كما يريد أن يسير ، يقيم حفلات فله الحرية، يأخذ أنية بيت الرب فله الحرية، يسكر فيها ويشرب خمر فله الحرية، ولكنه أيضا مسؤولا عن تصرفاته، لذلك حذره الله من فعله التي جلبت عليه القضاء الإلهي بحكم الموت وإنقسام مملكته لياخذها غيره. 

في نظره الله للإمور بتختلف عن نظرة الإنسان لها فالإنسان دائما ينظر تحت رجليه، مهما كان له من بعد نظر لكنها محدوده، ولكن الله عندما ينظر ينظر الى داخل قلب الأمر وقلب الحدث وينظر ايضا الى اتجاهات قلب الإنسان، هل هي صائبه ام مخطئة؟ هل يصنع ما يصنعه متعمدا أم يصنع ما يصنعه عن جهل؟ فما صنعه بيلشاصر فهى عن جهل وعدم فيم، فهو لا يدرك مستوى اهمية هذه الأنية التي شرب فيها خمرا، ولذلك حذره الله ولم يقتحمه اقتحاما، فالله عندما ينظر لا ينظر كما ينظر بني البشر بعضهم علي بعض " لأنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَنْظُرُ الإنْسَانُ. لأنَّ الإنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ». (صموئيل الأول ١٦: ٧) ولأجل ذلك فالحكم الذي يصدره الله يكون حكما عادلا، والمعاملات التي يتعامل بها الله مع الانسان هي معاملات من نابع الحب وليس عن غضب غير محسوب وليس عن إنتقام دون انذار، فلت بسعنا القول إلا ان نقول " يَا لَعُمْقِ غِنَى الله وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ!  «لأنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟ أَوْ مَنْ سَبَقَ فَأَعْطَاهُ فَيُكَافَأَ؟». لأنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأبَدِ. آمِين ( رومية ١١: ٣٣-٣٦ ) فالرب إن لم يجد من يشهد عنه بالحق هو يشهد عن ذاته لأنه حق.

__________________________________

٩ 

فترة حكم جديدة

- حكم داريوس : 

دَارِيُّوسُ : بحسب قاموس الكتاب المقدس بحث في كلمة دَارِيُّوسُ وهو " اسم من الفارسية القديمة معناه "مالك الخير". يطلق هذا الاسم على عدة ملوك جاء ذكرهم في التاريخ القديم " منهم دَارِيُّوسُ المعروف بالمادي : وهذا هو ما جاء في  (دا ٥ : ٣١، ١١: ١) وولي دانيال وجعله وزيرا في مملكته " فَفَاقَ دَانِيآلُ هذَا عَلَى الْوُزَرَاءِ وَالْمَرَازِبَةِ، " وصار دانيال مميزا لا عن إمتياز شخصي بل عن معاملات الله معه " لأنَّ فِيهِ رُوحًا فَاضِلَةً.  " ولأنه أعطي للرب فرصة في حياته ليستخدمه، لذلك اعطي الله له فرصة ايرفعه وليستثمره " وَفَكَّرَ الْمَلِكُ فِي أَنْ يُوَلِّيَهُ عَلَى الْمَمْلَكَةِ كُلِّهَا. " هل يستحقها دانيال نعم يستحقها لأنه ممتليئ بمسحة الهية " ثُمَّ كَتَبَ الْمَلِكُ دَارِيُّوسُ إِلَى كُلِّ الشُّعُوبِ وَالأمَمِ وَالألْسِنَةِ السَّاكِنِينَ فِي الأرْضِ كُلِّهَا: «لِيَكْثُرْ سَلامُكُمْ. (دانيال ٦: ٣، ٢٥) هذا يفيد بأن الملك كان كنبوخذنصر  في حجم المملكة، وما زال محتفظ بها ولم تنقسم (دا ٣ : ٩٨) فداريوس أخذ المملكة بالإستيلاء (دا ٥ : ٣١) هذا لتتم الكلمات التي شاهدها بيلشاصر وفسرها دانيال.


- غيرة وحقد لدرجة القتل :   

دائما في كل الأعمال والوظائف تجد الحاقدين، اللذين يريدون زوال النعمة والمجد من حياة المساوون لهم في الاجتماعيات كي لا يرتفعوا وتظهر اقليتهم وعدم فهمهم او عجزهم وعدم نجاحهم، لذلك ظهر في حياة دانيال أشخاص حاقدين لدرجة خططوا لإزاحة دانيال حتي الي الموت بأبشع الوسائل " ثُمَّ إِنَّ الْوُزَرَاءَ وَالْمَرَازِبَةَ كَانُوا يَطْلُبُونَ عِلَّةً يَجِدُونَهَا عَلَى دَانِيآلَ مِنْ جِهَةِ الْمَمْلَكَةِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَجِدُوا عِلَّةً وَلا ذَنْبًا، لأنَّهُ كَانَ أَمِينًا وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ خَطَأٌ وَلا ذَنْبٌ ( دا ٦ : ٤ )  يالها من حالة فريدة من نوعها، يبحثون عن " عِلَّةً - occasion against " يبحثون عن مناسبة ضده ( ذريعة pretext ) وفي العبري " עלּה - illâh " وتعني زيادة ليمسكوه منها، هؤلاء هم زملاء العمل ولكنهم أعداء، فصلاح واستقامة دانيال يزعجهم، ان مثل هؤلاء مستنزفون وهي حالة شعورية تنشأ عندما  نتفاعل مع أشخاص أو مواقف تتطلب منا بذل الكثير من الطاقة العاطفية أو الجسدية أو العقلية في التعامل مع الأشخاص السلبيين أو العدوانيين، وللتعامل مع هؤلاء هو وضع حدود ولا نسمح لمشاعر الذنب تجترفنا عندما نقول لا ونشعر باننا وحدنا في وسط مجتمع يسود عليه طابع من الفساد، حتي وإن كان هذا الطابع داخل بعض من شعب الرب أو بعض من المؤسسات الكنسية التي يجب أن تكون كدانيال في الصلاح والإستقامة، ولكن للاسف ( ولا تتعجب ) فيوجد داخل شعب الرب من هم كعخان بن كرمي ( يشوع ٧ : ١ ، ٦، ١٠ ، ١١ ) ولكن ايضا يوجد من هو مثل يشوع.


- الشهادة الكريمة من الاعداء : 

ماذا قالوا الزملاء الاعداء عن أمانة وصلاح دانيال " فَقَالَ هؤُلاءِ الرِّجَالُ: «لا نَجِدُ عَلَى دَانِيآلَ هذَا عِلَّةً إِلا أَنْ نَجِدَهَا مِنْ جِهَةِ شَرِيعَةِ إِلهِهِ». ( : ٥ ) فالعلة الوحيدة هي صناعة محك بينه وبين شريعة إلهه، لذلك دفعوا الملك ليصدر أمرا ملكيا " بِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَطْلُبُ طِلْبَةً حَتَّى ثَلاثِينَ يَوْمًا مِنْ إِلهٍ أَوْ إِنْسَانٍ إِلا مِنْكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، يُطْرَحُ فِي جُبِّ الأسُودِ. ( : ٧ ) وبالفعل إستطاعوا أن يصدروا محكا ضد دانيال، ولكنهم في الحقيقة ودون أن يدروا فهم يعادون إله دانيال، بأنهم أرادوا وضع بديل لإله دانيال لمدة شهر من الزمان، وهل سيستجيب دانيال أم سيكسر الأمر الملكي ويتحول الي مذنب وكاسر القوانين والأوامر الملكية؟. أقول نعم سيكسر القانون الملكي مهما كانت النتيجة، وهل التشدد في السلوكيات الإيمانية واجب روحي يجب ان يكون عليه المؤمن مهما كانت النتائج؟. أقول نعم فالقانون الإلهي فوق كل القوانين الأرضية مهما كانت قوتها، والتمسك بالرب واجب روحي مهما كانت نتيجته.


- الفرص الشيطانية فرص تصنع لتنال : 

دائما أهل الشر يريدون أن يكونوا في القمة والعلو  والإرتفاع سواء عن حق أو بدونه وبأي ثمن، لدرجة أن لديهم إستطاعة أن يجندوا إمكانياتهم للإطاحة بمن يهدد مكانتهم سواء كان لديه حق أو لا، فدانيال كوزير له حق أن يكون مجتهد ومميز، هذا ما يهدد مكانة باقي الوزراء، ولكنهم لم يجدوا ما يمسكوه علي دانيال، فهم لم يجدوا فيه علة أو ذنبا ( : ٤ ، ٥ ) فذهبوا لحيلة ليسقطوه بها، وهي دفع الملك لإصدار فرمان ملوكي لكل المملكة والهدف منه إسقاط الرجل الوحيد المراقب " دانيال " وبكل تأكيد أن الفتيان وباقي شعب الرب في السبي لن يسمعوا للملك ولكنهم غير مراقبين، فامسكوا دانيال ونسبت اليه تهمة كسر أوامر الملك والقوانين، لأنهم طلبوا من الملك تثبيت النهي والتوقيع عليه كي يصير واجب التنفيذ ( : ٨ ، ٩ ) فهل يخنع دانيال؟ كلا ... فهو متمسك بايمانه وبإلهه مهما كانت النتيجة " فَلَمَّا عَلِمَ دَانِيآلُ بِإِمْضَاءِ الْكِتَابَةِ ذَهَبَ إِلَى بَيْتِهِ، وَكُواهُ مَفْتُوحَةٌ فِي عُلِّيَّتِهِ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، وَصَلَّى وَحَمَدَ قُدَّامَ إِلهِهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ قَبْلَ ذلِكَ ( : ١٠ ) ثبت دانيال عينيه نحو اورشليم ( الهيكل ) ولم يغير عاداته، فهو يعلن إيمانه القلبي ويضع الله فوق كل حسابات المجتمع، فالحرب ليست حرب دانيال ولكنها حرب الرب وهو كفيل بالدفاع وبهزيمة الحاقدين، كيف؟ .. لا يعلم.. ولكن الله صالح.


إجتمعوا الوزراء الحاقدين ( زملاء دانيال ) ووجدوا دانيال يصلي لإلهه ولم يحترم الفرمان الملكي فذهبوا وتكلموا أمام الملك فإغتاظ ( : ١١ - ١٤ ) غيظ الملك لم يكن ضد دانيال بل كان علي زملاء دانيال الحاقدين، فقد علم الملك أنهم استغلوه ليوقعوا بدانيال، فأراد أن ينجيه " فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ هذَا الْكَلامَ اغْتَاظَ عَلَى نَفْسِهِ جِدًّا، وَجَعَلَ قَلْبَهُ عَلَى دَانِيآلَ لِيُنَجِّيَهُ، وَاجْتَهَدَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ لِيُنْقِذَهُ " ولكنه لم يستطع، ... عجبي!... ملك لم يستطع أن ينجي دانيال لأن " شَرِيعَةَ مَادِي وَفَارِسَ هِيَ أَنَّ كُلَّ نَهْيٍ أَوْ أَمْرٍ يَضَعُهُ الْمَلِكُ لا يَتَغَيَّرُ ( : ١٥ ) قد يفشلوا البشر بما فيهم الرأس الكبيرة، ولكن الله لا يفشل ولا يعلن عجزه، فهو القادر على أن ينجي دانيال من جب الاسود.


أحضروا دانيال " وَطَرَحُوهُ فِي جُبِّ الأسُود " ( : ١٦ ) يااااه .. فقد أغلق المحضر - وأغلقت المحكمة ابوابها فلا مرافعات، فصار دانيال بين الأسود المتوحشة الجائعة المنتظرة أن تأكل الطعام الشهي لتشبع، تأكل وتتغذي علي لحم نبي الله دانيال، هل هذا ممكن؟!. كلا... فالله الهه قادر أن ينحي.

هذا ما قاله الملك لدانيال " أَجَابَ الْمَلِكُ وَقَالَ لِدَانِيآلَ: «إِنَّ إِلهَكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ دَائِمًا هُوَ يُنَجِّيكَ». ( : ١٦ ) دخل دانيال داخل الجب وختم علي الحجر الذي دحرج علي فم الجب كل لا يتغير القصد في دانيال، امضي الملك باقي يومه صائما وإنعزل عن الجميع وطار نومه، وفي الصباح الباكر " عِنْدَ الْفَجْرِ وَذَهَبَ مُسْرِعًا إِلَى جُبِّ الأسُودِ. " هنا الملك يتحدي الواقع الإيماني الذي للمملكة، ويعلن في داخله إيمانا جديدا إبتدأ ينشأ داخله من أول مقابلة مع دانيال " فَلَمَّا اقْتَرَبَ إِلَى الْجُبِّ نَادَى دَانِيآلَ بِصَوْتٍ أَسِيفٍ. " هذا لأن الواقع الطبيعي لا يقف أحدا أمام إسود جائعة ويعيش " أَجَابَ الْمَلِكُ وَقَالَ لِدَانِيآلَ: «يَا دَانِيآلُ عَبْدَ الله الْحَيِّ، هَلْ إِلهُكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ دَائِمًا قَدِرَ عَلَى أَنْ يُنَجِّيَكَ مِنَ الأسُودِ؟» ( : ١٩ - ٢٠ )  ما رأي القارى؟!. نعم إنه يستطيع أن ينجي... جاء الصوت من داخل الحب قائلا : " فَتَكَلَّمَ دَانِيآلُ مَعَ ذالْمَلِكِ: «يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ، عِشْ إِلَى الأبَدِ! إِلهِي أَرْسَلَ مَلاكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأسُودِ فَلَمْ تَضُرَّنِي، لأنِّي وُجِدْتُ بَرِيئًا قُدَّامَهُ، وَقُدَّامَكَ أَيْضًا أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَمْ أَفْعَلْ ذَنْبًا ( : ٢١ ،  ٢٢ ) يد الرب قادرة علي صنع المعجزات وإنقاذ ابنه من براثن الاعداء والإسود.


- لك الانتصار مهما طال الانتظار : 

عبارات قيمة وجميلة وضعها الوحي عن دانيال والسبب هو إرتباطه بإيمانه وبإلهه وحياته المرتفعة فقيل عنه :

 ١ - لا يوجد في دانيال علة : ياله من امتياز أن يشهد الأعداء بأن إبن الرب مختلف عنهم، فليس فيه ما يمسك عليه " فَقَالَ هؤُلاءِ الرِّجَالُ: «لا نَجِدُ عَلَى دَانِيآلَ هذَا عِلَّةً إِلا أَنْ نَجِدَهَا مِنْ جِهَةِ شَرِيعَةِ إِلهِهِ».( دا ٦ : ٥ ) هذا يفكرني برجل الله ( أ.ل. ) الذي كانت جميع الظروف تعمل لخدمته برغم أعداء الخير اللذين حوله، فقد حاولوا إسقاطه هو ومن بجانبه بكل الطرق الممكنة والغير ممكنة، المشروعة والغير مشروعة، ولكنها تأتي لصالحه ولصالح من معه، لدرجة أنهم كلما إستخدموا أوراق لصالحهم، تعمل هذه الأوراق لخدمته ولإدانتهم، وكأنهم يعطونه حل للازمات التي صنعوها من أجله، وهل يتعظون .. للاسف لا .. وكانهم مثل الوزراء زملاء دانيال كوزير في مملكة بابل، ستنقلب الإمور علي رؤسهم ولن ينفع الندم.

٢ - تحدي الظروف ولم ينحني : زملاءه الوزراء صنعوا مكيدة واستغلوا مكانتهم واستغلوا الملك، أرادوا صناعة فخ لإسقاط دانيال، ودفعوا الملك لإصدار أوامر تنافي مبادى دانيال وإيمانه " فَلَمَّا عَلِمَ دَانِيآلُ بِإِمْضَاءِ الْكِتَابَةِ ذَهَبَ إِلَى بَيْتِهِ، وَكُواهُ مَفْتُوحَةٌ فِي عُلِّيَّتِهِ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، وَصَلَّى وَحَمَدَ قُدَّامَ إِلهِهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ قَبْلَ ذلِكَ. ( دا ٦ : ١٠ - ١١ ) استمر دانيال ثابت علي ايمانه ومبادئه برغم الظروف المضادة التي ليس له حل فيها، فخ مصنوع بإحكام وبدقة، ولكن هل سينجوا ... نعم لأن الهه معه ولن يتركه وسط دبب وذئاب الجبل اللذين لا يعرفون الرحمة              

٣ - طالب الهه في أشد المحن : ظل دانيال صورة مشرفة وآية وإعجوبة لجميع مراقبينه، فما كان يصنعه هو إعلان إيمان واضح ليس لهم بعده أي فرصة أخري للتوبة، فالفرصة متاحة في زمن سير الأحداث، ولكن عند نهايتها ستغلق الأبواب " فَاجْتَمَعَ حِينَئِذٍ هؤُلاءِ الرِّجَالُ فَوَجَدُوا دَانِيآلَ يَطْلُبُ وَيَتَضَرَّعُ قُدَّامَ إِلهِهِ. ( دا ٦ : ١١ ) بعد فوات الفرصة سيحكم علي دانيال الذي سينجيه الرب، واما هم فسيأخذون مكانه ويسقطون في الفخ الذي نصبوه، ولن ينحيهم من فم الإسود أحدا " فَأَمَرَ الْمَلِكُ فَأَحْضَرُوا أُولئِكَ الرِّجَالَ الَّذِينَ اشْتَكَوْا عَلَى دَانِيآلَ وَطَرَحُوهُمْ فِي جُبِّ الأُسُودِ هُمْ وَأَوْلاَدَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ. وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى أَسْفَلِ الْجُبِّ حَتَّى بَطَشَتْ بِهِمِ الأُسُودُ وَسَحَقَتْ كُلَّ عِظَامِهِمْ. (دانيال ٦: ٢٤) فإن كانوا صنعوا فخا فحتما سيسقطون فيه المسألة مسألة وقت وسينالون جزاء ما فعلوا.  

٤ - شهد الوحي عنه بأنه مؤمن بالله : مفتاح النجاة وحل الازمات هو الايمان بالله والتمسك بمبادئه وعدم الحيد عنه مهما كانت الظروف " حِينَئِذٍ فَرِحَ الْمَلِكُ بِهِ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُصْعَدَ دَانِيآلُ مِنَ الْجُبِّ. فَأُصْعِدَ دَانِيآلُ مِنَ الْجُبِّ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ ضَرَرٌ، لأنَّهُ آمَنَ بِإِلهِهِ ( دا ٦ : ٢٣ ) إن يد الرب بجوار كل شاهد امين بكلامه وبسلوكه وبحياته، لذلك ادعوك أن تتمسك بالرب للنهاية ولا تخف، وثق بأن لك هنا معونة وفي الابدية اجر ابدي، فالتمسك بالله مستوي ايماني رائع يجعل الإنسان مميز في كل تصرفاته، وإلهه معه، فالملك فرح بنجاة دانيال وأمر بإصعاده من الحب ( : ٢٣ )  والغريب ( او الجميل ) أنه لم يوجد ضرر لانه أمن بالله، هل يكتفي الملك بنجاة دانيال، كلا..... ( : ٢٤ ) فمن حفر حفرة لاخيه ... " كَرَا جُبًّا. حَفَرَهُ، فَسَقَطَ فِي الْهُوَّةِ الَّتِي صَنَعَ. يَرْجعُ تَعَبُهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَعَلَى هَامَتِهِ يَهْبِطُ ظُلْمُهُ. (المزامير ٧: ١٥، ١٦) ليس هذا غقط بل اعلان اسم الرب في كل المملكة ولجميع المؤسسات صار بقوة " ثُمَّ كَتَبَ الْمَلِكُ دَارِيُّوسُ مِنْ قِبَلِي صَدَرَ أَمْرٌ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ سُلْطَانِ مَمْلَكَتِي يَرْتَعِدُونَ وَيَخَافُونَ قُدَّامَ إِلهِ دَانِيآلَ، لأنَّهُ هُوَ الإلهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ إِلَى الأبَدِ، وَمَلَكُوتُهُ لَنْ يَزُولَ وَسُلْطَانُهُ إِلَى الْمُنْتَهَى. ٢٧ هُوَ يُنَجِّي وَيُنْقِذُ وَيَعْمَلُ الآيَاتِ وَالْعَجَائِبَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ. هُوَ الَّذِي نَجَّى دَانِيآلَ مِنْ يَدِ الأسُودِ».  فَنَجَحَ دَانِيآلُ هذَا فِي مُلْكِ دَارِيُّوسَ وَفِي مُلْكِ كُورَشَ الْفَارِسِيِّ. (دانيال ٦: ٢٥-٢٨) تمسك اخي بالرب مهما كانت النتائج لأن لك نجاح ومجد من الرب، فلن يتركك.

__________________________________

١٠ 

مستقبل العالم في حلم 

- السبب وراء هيجان زملاء دانيال عليه : 

بعد زوال الزوبعة والأحداث المفجعة التي حاول الوزراء الحاقدين فعله في دانيال وإنتهت بإفتراس الإسود لهم ولأسرهم - إبتدأ الوحي يرينا كم كان حقد إبليس الذي كان ممثلا في زملاءه الوزراء، لأن ما حلم به دانيال ليس بسيطا، فهو يمس مستقبل شعب الله، لذلك ابليس هيج عليه جميع الوزراء الذي تم تعينهم في ذات الوقت الذي عين فيه دانيال (دانيال ٦: ٢-٤) فهيجانهم عليه يرجع الي عالم الروح فهي حرب روحية تفوق امكانيات الاعداء، فاراد إبليس تعطيل عمل الله بانتهاء دانيال وموته ابشع موتة، فبدأ بإشغال دانيال كيف ينجوا، وكيف تزول هذه الزوايع وتخمد أحداث الظلمة، لأن ذهن الحالم والرائي سيكون مشوش ومشغول بذاته وكيف ينجوا، وهذا ما يريده إبليس أن يعطل عمل الله وإستخداماته، فيضع المؤمن بين فكي رحي، ويريه كم سيكون ضحية الإيمان بالله وضحية الإهتمام بمبادئ الله وشريعته، فينشغل المؤمن بذاته فتغلق عيونه عن الرؤيا وعن الإعلانات الإلهية، فبرغم أن دانيال إثناء الأحداث المصطنعة من الأعداء كان يصلي، لكنه أيضا وبكل تأكيد كإنسان كان منزعجا ومشوشا كثيرا، لذلك كانت الحرب عليه فهو الذي رأي حلما من الرب في أيام الملك بيلشاصر " فِي السَّنَةِ الأولَى لِبَيْلْشَاصَّرَ مَلِكِ بَابِلَ، رَأَى دَانِيآلُ حُلْمًا وَرُؤَى رَأْسِهِ عَلَى فِرَاشِهِ. حِينَئِذٍ كَتَبَ الْحُلْمَ وَأَخْبَرَ بِرَأْسِ الْكَلامِ ( دا ٧ : ١ ) عرف إبليس الحلم، لأن دانيال " كَتَبَ الْحُلْمَ  " لذلك هاج علي دانيال وأراد كتم صوته وإيقافه للأبد، فدخل دانيال في العاصفة التي بين أوامر مادي وفارس التي لا تنسخ وبين جب الإسود الذي لا نجاة منه، ولكن الرب كان يراقب الاحداث وبجوار دانيال حتي وإن لم يشعر به، ولم يكلمه ويطمئنه بحلم أو برؤيا، اما دانيال فكان قد سلم الأمر ليد الرب فهو من اعطي الأحلام والرؤيا وهو القادر أن ينجي حتي وإن ظل صامتا طوال الوقت، فصمته ليس بعدا بل قربا وتمكين لإيمان دانيال وثباته مهما كانت الظروف.


- سرد الحلم فقط : - الحلم كما يلي: 

- أربعة رياح هجمت علي البحر الكبير: ( : ٢ )  - صعد من البحر أربعة حيوانات : ( : ٣ ) - الحيوان الأول كالأسد وله جناحا نسر : ( : ٣ ) انتتف جناحاه ثم انتصب علي الارض كإنسان واعطي قلب إنسان - الحيوان الثاني شبه الدب : ( : ٤ و ٥ ) ارتفع علي جنب واحد وفي فمه ثلاث أضلع وقيل له ان ياكل لحما كثيرا - الحيوان الثالث شبه نمر  : ( : ٦ ) وعلي ظهره اربعة اجنحة وله أربعة رؤوس - الحيوان الرابع هائل قوي شديد : ( : ٧ - ٨ ) أسنانه من حديد أكل وداس الباقي برجليه وله عشرة قرون، ثم طلع بينهما قرن صغير وقلعت ثلاثة من القرون من قدامه، ورأي دانيال في القرن عيون إنسان وفم متكلم 


- راي عروش وجلس القديم الأيام : ( : ٩ - ١٠ ) لباسه أبيض - شعره كالصوف - عروشه لهيب نار وبكراته نار - وخرج من قدامه نهر - وألوف ألوف تخدمه - وربوات ربوات تقف أمامه - فجلس الدين وفتحت الأسفار - ثم ابتدأ في دينونة الحيوانات : ( : ١٠ ) - قتل الحيوان الرابع ودفعه للنار ( : ١١ ) - باقي الحيوانات نزع سلطانهم ولكنهم عاشوا لزمان ووقت ( : ١٢ ) - جاء القديم الأيام إبن إنسان واقترب اليه ( : ١٣ ) - اعطي سلطانا وملكوت لتتعبد له كل الشعوب ( : ١٤ ) - انزعج دانيال وطلب الحقيقة والتفسير : ( : ١٥ - ١٦ ) - الاربعة حيوانات هم أربعة ملوك، وشعب الرب يأخذون المملكة ويمتلكون الأرض ( : ١٨ ) - الحيوان الرابع وقرنه الصغير سيحارب القديسين ويغلبهم : ( ٢١ ، ٢٢ ) - حتي جاء القديم الأيام وسيعطي الدين لقديسي العلي فيمتلكون المملكة - اما القرون العشرة فهم عشرة ملوك والقرن الصغير سيذل الثلاثة ملوك  - ويتكبم بكلام ضد العلي ويسلمون ليده الي زمان وازمنة ونصف زمان ( : ٢٥ ) - فيجلس الدين ( ابن إنسان ) ونزع عنه سلطانه : 

انزعج دانيال وحفظ الأمر في قلبه، أما نحن فهيا بنا لنسير في خطي الحلم والرؤيا لنعرف ما تخبئه لنا الكلمة.

 

- ما في الحلم من رموز :  

- البحر الكبير = يرمز الي العالم ( : ٢ ) وبحسب سفر الرؤيا نفهم أنه توجد ملائكة تاخذ أوامر من الرب فتتحكم في الزوايا الأربع للأرض والتحكم في الرياح التي تهب علي البحار وهذا بإذن إلهي للملائكة " وَبَعْدَ هذَا رَأَيْتُ أَرْبَعَةَ مَلائِكَةٍ وَاقِفِينَ عَلَى أَرْبَعِ زَوَايَا الأرْضِ، مُمْسِكِينَ أَرْبَعَ رِيَاحِ الأرْضِ لِكَيْ لا تَهُبَّ رِيحٌ عَلَى الأرْضِ، وَلا عَلَى الْبَحْرِ، وَلا عَلَى شَجَرَةٍ مَا. (رؤيا ٧: ١) ومن هنا ندرك أن في رؤيا دانيال هبت الرياح علي البحر فراي ما رأه " أَجَابَ دَانِيآلُ وَقَالَ: «كُنْتُ أَرَى فِي رُؤْيَايَ لَيْلا وَإِذَا بِأَرْبَعِ رِيَاحِ السَّمَاءِ هَجَمَتْ عَلَى الْبَحْرِ الْكَبِيرِ. (دانيال ٧: ٢) اذا يوجد ملائكة مسىئولة عن الأرض وملائكة مسىئولة عن الرياح للتحكم في كل الاحداث الطبيعية والروحية، فخروج الحيوانات من البحر هذا معناه أن التحركات قبل أن تكون في واقع الحياة، موجودة من قبل في عالم الروح وهذا ما رأه دانيال، الممالك في صورة حيوانات كرمز لحالتها التي ستكون عليها في الواقع  .


- الأربعة حيوانات = هذه الحيوانات مختلفة عن بعضها البعض، وتمثل قوى عالمية مختلفة.

- هناك تشبيهات عديدة بين الحيوانات في حلم دانيال والتمثال في حلم نبوخذنصر.:  

- في كلا الحلمين، ترمز الحيوانات إلى ممالك العالم. في حلم دانيال، تمثل الحيوانات الأربعة أربع ممالك متتالية تتحكم في العالم. في حلم نبوخذنصر، تمثل أجزاء التمثال الأربعة نفس الممالك.

- العدد أربعة

 حيوانات في حلم دانيال، وأربع أجزاء للتمثال في حلم نبوخذنصر. هذا يشير إلى أن كلا الحلمين يرمزان إلى أربع ممالك متتالية.

- الترتيب: تسير الحيوانات والتمثال من الأقوى إلى الأضعف. يبدأ حلم دانيال بالأسد، أقوى الحيوانات، وينتهي بالوحش، أضعف الحيوانات. يبدأ حلم نبوخذنصر بالرأس المصنوع من الذهب، أقوى جزء من التمثال، وينتهي بالساقين المصنوعتين من الحديد، أضعف جزء من التمثال.

- هناك بعض الاختلافات بين الحيوانات والتمثال. 

- في حلم دانيال، تمثل الحيوانات شخصيات حقيقية، بينما تمثل أجزاء التمثال أفكارًا مجردة. في حلم دانيال، تعيش الحيوانات في نفس الوقت، بينما تمثل أجزاء التمثال فترات زمنية مختلفة.  


- الحيوان الأول = هو كالأسد، ويرمز إلى الإمبراطورية البابلية، في قوتها " الأوَّلُ كَالأسَدِ وَلَهُ جَنَاحَا نَسْرٍ. وَكُنْتُ أَنْظُرُ حَتَّى انْتَتَفَ جَنَاحَاهُ وَانْتَصَبَ عَنِ الأرْضِ، وَأُوقِفَ عَلَى رِجْلَيْنِ كَإِنْسَانٍ، وَأُعْطِيَ قَلْبَ إِنْسَانٍ. (دانيال ٧: ٤) كأسد إشارة للقوة، وأجنحة النسر إشارة الي السرعة في الإرتفاع (التثنية ٢٨: ٤٩) (صموئيل الثاني ١: ٢٣) وهذا ما كانت عليه بابل كإمبراطورية إستطاعت أن تتحكم في أمم وشعوب والسنة ( دا ٤ : ١ و ٥ : ١٩ و ٦ : ٢٥ ) ولكن في نهاية أيامها ضعفت قوتها وقلت سرعتها، وادركت أن إله دانيال هو الإله الحق، وهذا ما حدث مع ملوك بابل في جميع مراحلها المختلفة، فجميع ملوكها عرفوا اله دانيال في فترات حياتهم 


- الحيوان الثاني = هو دب وهو وحش شرس وهو يرمز لمادي وفارس " وَإِذَا بِحَيَوَانٍ آخَرَ ثَانٍ شَبِيهٍ بِالدُّبِّ، فَارْتَفَعَ عَلَى جَنْبٍ وَاحِدٍ" أي انه في قوته استطاع أن يوحد مملكته وسيطرته علي الجنبين الذين هما مادي وفارس في جعلهما جنب واحد كما في التمثال صدر واحد وله زراعان فالذي ابتدا هو داريوس المادي ثم جاء بعده كورش الفارسي والملوك بعد ذلك كانوا من جنب واحد وهو الجانب الفارسي " وَفِي فَمِهِ ثَلاثُ أَضْلُعٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ، " هما ثلاث ممالك انتصر عليهم وهما المملكة البابلية في الشرق ومصر في الجنوب ومملكة في اسيا تسمي الليدية، ( حسب تفسير مكدونالد مكتبة عمواس) واكلهما مثل ضلع بين اسنانه " فَقَالُوا لَهُ هكَذَا: قُمْ كُلْ لَحْمًا كَثِيرًا. (دانيال ٧: ٥) أي امتلك بلاد اخري.


- الحيوان الثالث = هو نمر بأربعة رؤوس وعلي ظهرة أربعة أجنحة " وَبَعْدَ هذَا كُنْتُ أَرَى وَإِذَا بِآخَرَ مِثْلِ النَّمِرِ وَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةِ طَائِرٍ. وَكَانَ لِلْحَيَوَانِ أَرْبَعَةُ رُؤُوسٍ، وَأُعْطِيَ سُلْطَانًا. (دانيال ٧: ٦) فهو يرمز إلى الإمبراطورية اليونانية، وهذا يدل علي السرعة الفائقة، فسيكون انتشاره اسرع من ما سبقوه، ويتميز بأنه شرس لأن النمر حيوان مفترس، هذه المملكة بدأت في التاريخ بالإسكندر الأكبر، فقد كان جيشه قوي وله اربعة حكام تولوا امبراطوريته بعد موته، فقد مات شابا يبلغ من العمر السابعة والثلاثين، 


- حكاية الإسكندر  وغزو أورشليم بدون سيف : 

يحكي( الاخ حنا ناشد في تفسيره للاية السادسة من الاصحاح السابع ) حكاية عن الاسكندر الاكبر واستسلام اورشليم له بدون غزو فقال " أنه بعد أن تقدم في فتوحاته من صور إلى سوريا وصل إلى أورشليم، وكان اليهود قد قرؤوا في سفر دانيال أنه بعد انتهاء مملكة الكلدانيين ومملكة مادي وفارس التي تليها تأتي المملكة الثالثة، التي أعطى لها الرب أربعة أجنحة حتى لا يقف أحد قدامها. وبناء عليه لبس كهنة اليهود الملابس الكهنوتية الباهرة وخرجوا لاستقبال الاسكندر في صفوف منتظمة وكان معهم صورة من نبوة دانيال التي كتبها قبل ولادة الاسكندر بمائتي عام، فقالوا له هذا كتاب الله، وفيه نبوة بخصوصك تقول أن الرب أقامك وأعطى لك قوة ولا يستطيع أن يقف أحد أمامك. ولإيماننا بصدق أقوال الله رأينا أنه من العبث أن نقاوم الله الذي أعطاك هذا السلطان، فجئنا لنقدم لك الخضوع، ففرح فرحاً عظيماً وقبل منهم هذا الخضوع ولم يَغْزُ أورشليم. " فهؤلاء اليهود عارفين الكتب ومتابعين التاريخ، لذلك استسلموا للواقع المقروء لديهم ليتفادوا سفك دمائهم ودماء ابنائهم وأحفادهم.


- بعض من غزوات الإسكندر الأكبر : 

في جريدة ( اليوم السابع مقال بعنوان: تعرف على أهم معارك وانتصارات الإسكندر الأكبر - بتاريخ ٢٠ أغسطس ٢٠٢٣ - كتبت بسنت جميل ) قائلة : " نجح الإسكندر في غزو أول إمبراطورية فارسية، ووسع أراضي مقدونيا حتى باكستان والهند الحديثة - معركة طيبة 335 قبل الميلاد ( طيبة، أو الأقصر حاليًا، في جنوب مصر، على الضفة الشرقية لنهر النيل، على بعد حوالي 770 كيلومترًا جنوب القاهرة. كانت طيبة عاصمة مصر القديمة خلال عصر الدولة الحديثة (حوالي 1550 - 1069 قبل الميلاد)، وكانت واحدة من أهم مدن العالم القديم. ) - معركة نهر جرانيكوس عام 334 قبل الميلاد، ضد الإمبراطورية الفارسية - معركة أسوس 333 قبل الميلاد، ضد الملك داريوس الثالث، حاكم الإمبراطورية الفارسية - حصار صور 332 قبل الميلاد، في لبنان اليوم - معركة غوغميلا 331 قبل الميلاد، وقعت معركة داريوس الثانية في العراق الحديث - معركة البوابة الفارسية 330 قبل الميلاد في إيران الحديثة في عهد داريوس الثالث - معركة نهر Hydaspes بباكستان " هذا غير بعض الدول كأورشليم وغيرهم من البلاد التي إستسلمت للاسكندر الأكبر سواء بالسيف أو بالخضوع أو الخنوع، تركت غزوات الإسكندر الأكبر تأثيرًا كبيرًا على العالم القديم. أدت إلى إنتشار الثقافة اليونانية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

- الحيوان الرابع = هو وحش غريب، ويرمز إلى الإمبراطورية الرومانية " بَعْدَ هذَا كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا بِحَيَوَانٍ رَابعٍ هَائِل وَقَوِيٍّ وَشَدِيدٍ جِدًّا، وَلَهُ أَسْنَانٌ مِنْ حَدِيدٍ كَبِيرَةٌ. أَكَلَ وَسَحَقَ وَدَاسَ الْبَاقِيَ بِرِجْلَيْهِ. وَكَانَ مُخَالِفًا لِكُلِّ الْحَيَوَانَاتِ الَّذِينَ قَبْلَهُ، وَلَهُ عَشَرَةُ قُرُونٍ. كُنْتُ مُتَأَمِّلا بِالْقُرُونِ، وَإِذَا بِقَرْنٍ آخَرَ صَغِيرٍ طَلَعَ بَيْنَهَا، وَقُلِعَتْ ثَلاثَةٌ مِنَ الْقُرُونِ الأولَى مِنْ قُدَّامِهِ، وَإِذَا بِعُيُونٍ كَعُيُونِ الإنْسَانِ فِي هذَا الْقَرْنِ، وَفَمٍ مُتَكَلِّمٍ بِعَظَائِمَ. ( دا ٧ : ٧ ، ٨ ) هذا الوحش الرابع الهائل القوي يشير ويرمز به إلى الإمبراطورية الرومانية. تُشير صفاته إلى قوتها وقساوتها. أسنانها الحديدية ترمز إلى قوتها العسكرية، بينما أكلها وسحقها للآخرين يرمز إلى اضطهادها للآخرين. كونها مختلفة عن الحيوانات الأخرى يشير إلى أنها ستكون إمبراطورية جديدة ومختلفة عن الإمبراطوريات السابقة. أما عشرة قرونها فيرمزون إلى عشر ممالك فرعية ستحكم تحت حكم الإمبراطورية الرومانية، في الآية الثامنة، يلاحظ دانيال أن أحد القرون العشرة ينمو بشكل أسرع من الآخرين، ويقابلها الاصابع العسرة في قدمين تمثال نبوخذنصر الذي حلم بهما في حلمه، أما عن " القرن الصغير " يرمز إلى "ملك يرفع رأسه ضد العلي ويذل القديسين" يفسَّر هذا القرن الصغير عادةً على أنه يرمز إلى ( الوحشين السياسي والديني في سفر الرؤيا ). يشير نموه السريع إلى سرعة صعوده إلى السلطة، بينما معارضته للعلي وإذلاله للقديسين يشير إلى طبيعته الشريرة.


- وجود العلي في المشهد للملك والنهاية : 

بعد هذه الاحداث الهائله التي ازعجت دانيال يرى أمرا بهيجا وغير متوقع في رؤياه " كُنْتُ أَرَى أَنَّهُ وُضِعَتْ عُرُوشٌ، وَجَلَسَ الْقَدِيمُ الأيَّامِ ( : ٩ ) إنه القديم الأيام إنه الرب الإله إقنوم الإبن، ما المقصود بكلمة "الْقَدِيمُ الأيَّام "؟ في الإنحليزي " القديم من الايام - the Ancient of days " فالكلمة Ancient تعني عتيق - قديم، أي له من الخبرة الكثير والكثير، فهو قبل الأيام، كما في جاءت في العهد القديم حسب الآيات التالية (التثنية ٣٣: ٢٧) (المزامير ٦٨: ٣٣) (دانيال ٧: ١٣ ، ٢٢) باللغة العبرية " עתּיק وتنطق attîyq " وهذا يعطي نفس معني الكلمة بالانجليزي عتيق من الأيام،  وهذا ما تكلم به في (ميخا ٥: ٢) عندما قال "وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأزَلِ -   have been from of old" والمقصود بها " قبل الزمن " اي الذي هو مستمر الخروج منذ زمن لا بداية له، وتكلم أيضا يوحنا  الحبيب عن إبليس الذي يريد أن يكون كألله فقيل عنه " الْحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ الْمَدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ " (رؤيا ١٢: ٩) (رؤيا ٢٠: ٢) والمقصود هنا أنه قبل زمن أدم كان موجودا، إذا بحسب الشواهد السابقة، أي قبل أدم الله موجود، وايضا إبليس موجود (القياس مع الفارق) لأنه لا يوجد وجه مقارنة بين الله وبين إبليس ( فإبليس حاشر نفسه فيما يخص الله - ويريد ان يتشبه به ويأخذ مكانه في قلوب ونفوس البشر ) يفعل ابليس هذا لهلاك لو أمكن كثيرين. 


يصف عن القديم الأيام في هيأته الجميله "فيقول : " لِبَاسُهُ أَبْيَضُ كَالثَّلْجِ،"عنمدا يتكلم عن ثياب بيض أو عم نور فهذا يرمز لنقاء الحياة والبر الالهي الإلهية التي لله وللقدرة الالهية التي في حياته (المزامير ١٠٤: ٢) لذلك يذكر الرسول بولس في رسالته عن البر الذي لله فيقول " وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ الله بِالإيمَانِ. (فيلبي ٣: ٩) فالثياب البيض ترمز للنقاء والبر وهذا ما يتفق معه يوحنا في الشعر الابيض كالصوف الذي يشير الي النقاء والبر " وَأَمَّا رَأْسُهُ وَشَعْرُهُ فَأَبْيَضَانِ كَالصُّوفِ الأبْيَضِ كَالثَّلْجِ، وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ. (رؤيا ١: ١٤) وهذا ما قاله دانيال " وَشَعْرُ رَأْسِهِ كَالصُّوفِ النَّقِيِّ،" دليل نقاء الفكر والخبرة اللامتناهية 


- العرش الإلهي كائنات ملائكية : 

العرش الإلهي يمثل السلطة الإلهية وهو مكان عظيم الجمال والقوة " وَعَرْشُهُ لَهِيبُ نَارٍ، وَبَكَرَاتُهُ نَارٌ مُتَّقِدَةٌ نَهْرُ نَارٍ جَرَى وَخَرَجَ مِنْ قُدَّامِهِ. أُلُوفُ أُلُوفٍ تَخْدِمُهُ، وَرَبَوَاتُ رَبَوَاتٍ وُقُوفٌ قُدَّامَهُ ( : ٩ - ١٠ ) الالوف والربوات هما عدد من الملاىكة والكروبيم حول العرش، ففي الخروج يري  موسي الرب الحال في سحابة. (الخروج ٤٠: ٣٤-٣٨) وفي سفر الرؤيا يراه يوحنا موجودا في السماء ويجلس المسيح علي العرش (رؤيا ٥: ٧، ٨) وفي سفر المزامير نري الرب في عرشه الذي عبارة عن ملائكة من الكروبيم " اَلرَّبُّ قَدْ مَلَكَ. ... هُوَ جَالِسٌ عَلَى الْكَرُوبِيمِ. تَتَزَلْزَلُ الأرْضُ. (المزامير ٩٩: ١) ايضا " رَكِبَ عَلَى كَرُوبٍ وَطَارَ، .. (المزامير ١٨: ١٠) ايضا " يَا رَاعِيَ إِسْرَائِيلَ، اصْغَ، ..، يَا جَالِسًا عَلَى الْكَرُوبِيمِ أَشْرِقْ. (المزامير ٨٠: ١) يُعد العرش الإلهي صورة مهمة في الكتاب المقدس، وهو يمثل سلطة الله وسلطته. إنه أيضًا صورة للراحة والحماية، حيث يجلس الله على عرشه بين شعبه.


- الدينونة والعرش العظيم الأبيض : 

يقول دانيال النبي " فَجَلَسَ الدِّينُ، وَفُتِحَتِ الأسْفَار ( : ١١ ) وهذا معناه أن الله يتعامل مع البشر بنظام تسجيل كل شيء فهو يدون كل شيء، وعندما يتعامل الله مع الإنسان يحاسبه على كل شيء، لذلك عندما تسير أخي وتتعامل بالاشياء أو مع الأشخاص عليك عمل حساب الآخرة قبل أن تعمل حساب الدنيا، فان لم تستقيم ستخسر الكثير ولا ينفع الندم بعد العدم، فتوجد دينونة في المستوى الخاص ( Special judgment ) مرتبطة بالعلاقات الوقتية وتُفعل هنا في الدنيا، وتوجد دينونة في المستوى العام ( General judgment ) مرتبطة بنهاية الزمان.

 الدينونة التي علي المستوي الخاص تكمن في الأحكام التي يصدرها الله في قضاءه تجاه بني البشر علي الأحداث، فتقام ممالك وتسقط ممالك.

أما الدينونة علي المستوي العام فستحدث في نهاية الزمان أمام العرش العظيم الأبيض " ثُمَّ رَأَيْتُ عَرْشًا عَظِيمًا أَبْيَضَ، وَالْجَالِسَ عَلَيْهِ، الَّذِي مِنْ وَجْهِهِ هَرَبَتِ الأرْضُ وَالسَّمَاءُ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُمَا مَوْضِعٌ! (رؤيا ٢٠: ١١) ستكون في نهاية الزمان فهي الدينونة النهائية التي فيها سيحكم علي الخطاة وهنا ستفتح الأسفار، ويفتح سفر الحياة ومن ليس مكتوبا فيه طرح في بحيرة النار، هذه الدينونه النهائيه ستكون بعد الإختطاف وبعد الملك الالفي وبعد معركه هرمجدون التي تنتهي بهزيمة إبليس، ثم بعد ذلك تهرب السماء والأرض وتحترق الأرض والمصنوعات التي عليها، ويصنع الرب السماء جديده وأرض جديده يسكن فيها البر، في هذا الوقت تفتح الأسفار ويقف الخطاة أمام العرش العظيم الأبيض وتقف الكنيسة أمام كرسي المسيح للمحاسبة أو المكافأه.


بدات الدينونة المؤقتة لنهاية الزمان من خلال الإنتهاء من كل مرحلة من المراحل، فالمرحلة الأولي كانت في رأس التمثال في حلم نبوخذنصر ( دا ٢ : ٣٢ ) وفي الحيوان الأول الذي رأة دانيال فهما يشيران لمملكة بابل، وقد انتهت هذه المرحلة ولم يبقي فيها إلا بعض الدول التي تحتوي علي بعض من ثقافات هذه الامبراطورية، ثم الحيوان الثاني الذي يشير الي مملكة مادي وفارس والممثلين في صدر التمثال ( دا ٢ : ٣٢ ، ٣٣ )  وانتهت أيضا عندكا دخل الإسكندر الأكبر ومملكة اليونان الممثلة في بطن التمثال ( دا ٢ : ٣٢ ، ٣٩ ) والحيوان الثالث وايضا إنتهت هذه المرحلة ولم يبقي فيها إلا بعض الثقافات في بعض الدول ايضا، والمرحلة الرابعة نجدها في الرومان، والممثلة في قدمين التمثال ( دا ٢ : ٤٠ ) في الحيوان الرابع، وهذه المرحلة ايضا إنتهت بمجيئ المسيح ودخول الكنيسة، وتشكل العالم بحالته التي عليها الأن، اذا ماذا يتبقي؟. 


- الحيوانات وبقائها لزمن المجيئ الثاني للمسيح :  

الحيوان الرابع قتل وباقي الحيوانات بقيت بلا سلطان " كُنْتُ أَرَى إِلَى أَنْ قُتِلَ الْحَيَوَانُ وَهَلَكَ جِسْمُهُ وَدُفِعَ لِوَقِيدِ النَّار .أَمَّا بَاقِي الْحَيَوَانَاتِ فَنُزِعَ عَنْهُمْ سُلْطَانُهُمْ، وَلكِنْ أُعْطُوا طُولَ حَيَاةٍ إِلَى زَمَانٍ وَوَقْتٍ " ( : ١١ - ١٢ ) وهنا نري ما هو المتبقي من هذه المراحل المنتهية، بعض من الدول التي تحمل بعض الثقافات الفارسية واليونانية والرومانية، لان الثقافة الفارسية امتدت من القرن السادس قبل الميلاد إلى القرن السابع بعد الميلاد، وكان لها تأثير قوي علي هذه البلدان، كإيران -العراق - أفغانستان - باكستان - أذربيجان - تركيا - سوريا - لبنان - إسرائيل.. وهكذا، فإن الثقافة الفارسية لا تزال موجودة ومزدهرة في العديد من البلدان حول العالم، حتى بعد آلاف السنين من سقوط الإمبراطورية الفارسية، وهكذا في الامبراطورية اليونانية فالثقافة اليونانية لها تأثيرها الي الآن في هذه الدول : إيطاليا - فرنسا - الولايات المتحدة - كندا - أستراليا - اليونان - قبرص - تركيا، هكذا في الامبراطورية الرومانية استمرت الثقافة الرومانية لها تاثيرها في بعض البلدان حتي بعد انقسامها عام ٣٩٥ب.م ولكن ظل تاثيرها موجود كما تراها في بعض البلدان إذا درست أو بحثت : إيطاليا - فرنسا - إسبانيا - ألمانيا - سويسرا - تركيا - اليونان - قبرص - لبنان - إسرائيل - رومانيا - الجزائر - تونس، وستستمر حتي الضيقة العظيمة والمجيئ الثاني للمسيح، فالحيوانات باقية لوقت كما راها دانيال.  


- رؤية الأقانيم في حلم :  

كام واحد هنا في الأية، تشعر هنا أنهم اثنين " كُنْتُ أَرَى .. مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَه ( : ١٣ ) نري هنا إقنوم الأب " الْقَدِيمِ الأيَّام " ونري أيضا إقنوم الإبن " ابْنِ إِنْسَانٍ " وهذا قُدم أمام ذاك، إذا هم اثنين منفصلين؟!. اقول كلا.. فحسب الرؤيا يراهم هكذا ولكنهما في طبيعتهما واحد، فكلمه قديم الأيام تشير الى أن الله أزلي موجود منذ الأزل ولن يزول أبدا، وهذا ايضا ما جاء في سفر اشعياء عندما قال : " لأنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلامِ.  لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلامِ لا نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ، لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِالْحَقِّ وَالْبِرِّ، مِنَ الآنَ إِلَى الأبَدِ. غَيْرَةُ رَبِّ الْجُنُودِ تَصْنَعُ هذَا ( اش ٩ : ٦ - ٧ ) وهنا يشير أن المسيح مولود منذ الأزل، ويشير الي أن إبن الإنسان  هو يسوع المسيح، إنسان حقيقي لكن هو ايضا إبن الله، يستخدم هذا اللقب في الكتاب المقدس في أماكن اخرى ايضا مثل ما جاء في إنجيل مرقس " وَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ ابْنَ الإنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا، وَيُرْفَضَ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ. (مرقس ٨: ٣١) أما في سياق دانيال فيتكلم عن أو يفهم أن إبن الإنسان يقدم إلى القديم الأيام كمالك وحاكم، وهذا يدل الى أن يسوع المسيح سيحكم العالم في نهايه الزمان " فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأمَمِ وَالألْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لا يَنْقَرِضُ ( : ٢١ ) فبعد أن قربوه إلي الأب صار لإبن الإنسان هذا السلطان وهذا المجد أن تتعبد له كل الشعوب والالسنة كإبن الإنسان، وهذا الامر شاهدناه منذ أن تجسد وصار يدبيننا وسيستمر الي نهاية الزمان.


- الدينونة اعطيت وسلمت للقديسين : 

يقول دانيال أن الدينونة في نهاية الزمان سلمت للمؤمنين فسيدينون مع المسيح " حَتَّى جَاءَ الْقَدِيمُ الأيَّامِ، وَأُعْطِيَ الدِّينُ لِقِدِّيسِيِ الْعَلِيِّ، وَبَلَغَ الْوَقْتُ، فَامْتَلَكَ الْقِدِّيسُونَ الْمَمْلَكَةَ ( : ٢٢ ) فالقديسون السماويون [ اللذين إختطفوا علي السحاب وقت الإختطاف ] سيملكون مع المسيح وسيدينون معه وقتما يملك المسيح وبالاخص التلاميذ سيجلسون علي اثمي عشر كرسي وسيدينون اليهود في الملك الألفي " فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَبِعْتُمُونِي، فِي التَّجْدِيدِ، مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ. (متى ١٩: ٢٨) وليس هم فقط بل أيضا باقي المؤمنين اللذين في مستوي إيمان وخدمة رسل المسيح سيشتركون في دينونة الأحياء مع الرب يسوع " لأنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي الله. مَتَى أُظْهِرَ الْمَسِيحُ حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ فِي الْمَجْدِ. (كولوسي ٣: ٣، ٤) وهذا المجد سيكون وقت الدينونة متي جاء في مجده " فَإِنَّ ابْنَ الإنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلائِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ. (متى ١٦: ٢٧) فالمجازاة والمحاسبة من إختصاص المسيح وكنيسته بعهديها القديم والجديد وسيحدث هذا في الملك الالفي " «وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلائِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. (متى ٢٥: ٣١) فالمسيح في مجده سيجلس علي كرسيه للدينونة والمحاسبة والمجازاة، والمؤمنين معه أيضا في مجده كما قال  " فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ فِي الْمَجْدِ. (كولوسي ٣: ٣، ٤) فالمؤمنين سيكونون مثله سيكونون معه في المجد والتلاميذ يجلسون على اثني عشر كرسي ليدين أسباط إسرائيل الإثنى عشر ويقول في رسالة يوحنا الأولى أننا أولاد الله وأننا سنكون مثل المسيح في الأبديه " أَيُّهَا الأحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلادُ الله، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ. (١يو ٣ : ٢) فسنشابهه في كل شيئ من الإمور والأشياء والأعمال.


- الامبراطورية الرومانية وقوة الوحش : 

يحكي دانيال عن مملكة قوية ستأتي في أواخر الأيام، بالنسبة له - لأنه حسب تفسيره  للاحلام يعيش دانيال في مرحلة الحيوان الأول بابل وراس التمثال، فقد شاهد وسرد لنا ما رأه " فَقَالَ هكَذَا: أَمَّا الْحَيَوَانُ الْرَّابعُ فَتَكُونُ مَمْلَكَةٌ رَابِعَةٌ عَلَى الأرْضِ مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الْمَمَالِكِ، فَتَأْكُلُ الأرْضَ كُلَّهَا وَتَدُوسُهَا وَتَسْحَقُهَا. ( : ٢٣ ) هذه المملكة هي المملكة الرومانية في بدايتها قوية واجتاحت كل البلاد واستطاعت أن تحل محل المملكة اليونانية، ويشبهها بالنمر في إفتراسها وقوتها، ولكن في نهاية الزمان في زمن الضيقة العظيمة سيظهر نظام عالمي يحمل جميع صفات الأربعة ممالك له وحشية النمر كالحيوان الثالث ( دانيال ٧ : ٦ )  وقوة الدب كالحيوان الثاني ( دانيال ٧ : ٥ ) وسلطان الأسد كالحيوان الأول ( دانيال ٧ : ٤ )  ويضاف اليه قدرة التنين (الشيطان) " وَالْوَحْشُ الَّذِي رَأَيْتُهُ كَانَ شِبْهَ نَمِرٍ، وَقَوَائِمُهُ كَقَوَائِمِ دُبٍّ، وَفَمُهُ كَفَمِ أَسَدٍ. وَأَعْطَاهُ التِّنِّينُ قُدْرَتَهُ وَعَرْشَهُ وَسُلْطَانًا عَظِيمًا. (رؤ ١٣ : ٢) هذه المملكة ستأتي في نهاية الزمان في زمن الضيقة العظيمة.


- لن تكون ضعيفة :

مملكة أخر الزمان لن تكون مملكة ضعيفة بل قوية جدا ولها سلطان عظيم لأن الشيطان يترأسها " وَظَهَرَتْ آيَةٌ أُخْرَى فِي السَّمَاءِ: هُوَذَا تِنِّينٌ عَظِيمٌ أَحْمَرُ، لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ وَعَشَرَةُ قُرُونٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِ سَبْعَةُ تِيجَانٍ. ( رؤ ١٢ : ٣ ) فالرؤوس السبعة والقرون العشرة ما هم إلا دول سيكون لهما السيادة في العالم في زمن الضيقة العظيمة، هذا أيضا ما أعلنه دانيال في حلمه " وَالْقُرُونُ الْعَشَرَةُ مِنْ هذِهِ الْمَمْلَكَةِ هِيَ عَشَرَةُ مُلُوكٍ يَقُومُونَ، وَيَقُومُ بَعْدَهُمْ آخَرُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ الأوَّلِينَ، وَيُذِلُّ ثَلاثَةَ مُلُوك ( : ٢٤ ) وهذا الأخر سيكون الوحش السياسي ويزامنه الوحش الديني الذي سيجلس في الهيكل ( الهيكل لابد أن يبني في نهاية الزمان، وبعدها ستبدأ الضيقة العظيمة - هذه من العلامات القوية ) هذا الأخر من جبروته وشره أنه يتكلم ضد العلي " وَيَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ ضِدَّ الْعَلِيِّ وَيُبْلِي قِدِّيسِي الْعَلِيِّ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُغَيِّرُ الأوْقَاتَ وَالسُّنَّةَ، وَيُسَلَّمُونَ لِيَدِهِ إِلَى زَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ وَنِصْفِ زَمَان ( : ٢٥ ) هذا الوحش الذي تكلم عنه الرائي في سفر الرؤيا أنه يتكلم بعظائم ويجدف كما تكلم دانيال ايضا، وسيفعل هذا في زمن الضيقة الذي قدرها ب ٤٢ شهر أي ( ثلاث سنين ونصف ) وهي زمن النصف الثاني من الضيقة " وَأُعْطِيَ فَمًا يَتَكَلَّمُ بِعَظَائِمَ وَتَجَادِيفَ، وَأُعْطِيَ سُلْطَانًا أَنْ يَفْعَلَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا. فَفَتَحَ فَمَهُ بِالتَّجْدِيفِ عَلَى الله، لِيُجَدِّفَ عَلَى اسْمِهِ، وَعَلَى مَسْكَنِهِ، وَعَلَى السَّاكِنِينَ فِي السَّمَاءِ. ثُمَّ رَأَيْتُ وَحْشًا آخَرَ طَالِعًا مِنَ الأرْضِ، وَكَانَ لَهُ قَرْنَانِ شِبْهُ خَرُوفٍ، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ كَتِنِّينٍ، (رؤيا ١٣: ٥، ٦، ١١) هؤلاء هما الوحش السياسي والوحش الديني، ويخبرنا عنهما الرسول بولس قائلا " الْمُقَاوِمُ وَالْمُرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلهًا أَوْ مَعْبُودًا، حَتَّى إِنَّهُ يَجْلِسُ فِي هَيْكَلِ الله كَإِلهٍ، مُظْهِرًا نَفْسَهُ أَنَّهُ إِلهٌ. (٢ تسالونيكي ٢: ٤) كل هذا سيكون في زمن الضيق.. ولكن نهايتهما ستكون علي يد الرب في مجيئه.


- إنتهاء مملكة اخر الزمان بالملك الألفي : 

 يرجع دانيال ويؤكد كما تكلم في ( دا ٧ : ٢٢ ) فيقول ثانية في ( : ٢٦ ، ٢٧ ) أن نهاية مملكة الوحشين ( الحيوان الهائل ) ستكون عندما يعطي السلطان لقديسي العلي في زمن الملك الألفي " فَيَجْلِسُ الدِّينُ وَيَنْزِعُونَ عَنْهُ سُلْطَانَهُ لِيَفْنَوْا وَيَبِيدُوا إِلَى الْمُنْتَهَى. وَالْمَمْلَكَةُ وَالسُّلْطَانُ وَعَظَمَةُ الْمَمْلَكَةِ تَحْتَ كُلِّ السَّمَاءِ تُعْطَى لِشَعْبِ قِدِّيسِي الْعَلِيِّ. مَلَكُوتُهُ مَلَكُوتٌ أَبَدِيٌّ، وَجَمِيعُ السَّلاطِينِ إِيَّاهُ يَعْبُدُونَ وَيُطِيعُون " فزمن الملك الألفي سيكون بعد اختطاف الكنيسة فيقيد الشيطان الف سنة (رؤ ٢٠ : ٢) ويكون للمؤمنين فرصة للدينونة والملك إثناء الملك الالفي (رؤ ٢٠ : ٤) أما الوحشين سيطرحون في العذاب الأبدي الي ما لا نهاية (رؤ ١٩ : ٢٠) هذا ايضا واضح بحسب الآية الصريحة التي تقول " فَقَبَضَ عَلَى التِّنِّينِ، الْحَيَّةِ الْقَدِيمَةِ، الَّذِي هُوَ إِبْلِيسُ وَالشَّيْطَانُ، وَقَيَّدَهُ أَلْفَ سَنَةٍ، (رؤ ٢٠ : ٢) ثم يفك الشيطان بعد الألف سنة (رؤ٢٠ :  ٢-٣)  ويصنع حربا تنتهي بهزيمته (رؤ٢٠ :  ٧-١٠) ثم تكون النهاية فيامة ثانية وفتح اسفار وسفر الحياة (رؤ ٢٠ : ١٢) وانتهاء العالم ( دا ٧ : ٢٨ ) كل هذا راه دانيال فيقول ان هيىته تغيرت وافزعته افكاره، وما كان علي إلا أن يحفظ الأمر في قلبه. 

__________________________________

١١ 

 أجيال وأحداث المستقبل 

- ما رأه من صور واحداث في الحقب الزمنية  :

سفر دانيال مليئ بالأحداث والأحلام والرؤي، فجميع الإصحاحات تتمركز في إمور مستقبل العالم، ويراها دانيال علي هيئة صور لحيوانات، والأمر الغريب أن الأحلام في بادئ الأمر أعطيت لملك وثني، وضع نفسه كوصي علي شعب الله بسبيهم، ولذك كشف له عن إنه هو رأس التمثال، وهذا الرأس أخذ وقته وإنتهي وعاصر دانيال زمن الرأس وزمن الصدر كما هو مدون في تفسير دانيال للملك.


- عاصر دانيال ملوك حكموا الامبراطوريات وهم :   

- نبوخدنضر : الملك الذي حلم حلما نبويا ورأي التمثال الذي يمثل الحقب الزمنية القادمة (دانيال ١: ١) 

- بيلشاصر : الملك الذي رأي اليد تكتب علي الحائط لانه شرب في كؤوس وأنية الهيكل وكانت نهايته الموت وقسمت مملكته (دانيال ٥: ١)  

- داريوس : أصدر الملك داريوس مرسومًا ينص على أن جميع اليهود في بابل يتمتعون بحقوق متساوية مع غيرهم من السكان، وأن عليهم أن يعبدون إلههم بحرية. وقد جاء هذا المرسوم عندما انقذ الرب دانيال من جب الاسود (دانيال ٦: ٢٥)

- كورش الفارسي : ورد ذكر الملك كورش الفارسي في سفر دانيال وعزرا وأشعياء ( إش ٢٨:٤٤  ) وقد اطلق عليه الوحي لقب مسيح الرب أي الممسوح من الرب لعمل معين أو خدمة خاصة ( إش ١:٤٥  ) وقد اعاد اليهود لبناء بيت الرب باورشليم (عزرا ١: ١-٣) (عزرا ٦: ٣-١٠) وقد كان دانيال المعاصرا للملك قورش وأنجح الرب طريقه وأراه رؤى وأحلام في زمنه ( دانيال ٢١:١ ) ( دانيال ٢٨:٦ )  ( دانيال ١:١٠ ) هؤلاء الملوك في حقبتين زمنيتين في تمثال الملك نبوخذنصر وفي حيوانات دانيال النبي.

وبذلك يكون عدد الملوك في سفر دانيال اربعة ملوك


ما رأه دانيال في أيام الملك بَيْلْشَاصَّرَ، رأي كبش وله قرنان يرمز لمادي وفارس " فَرَفَعْتُ عَيْنَيَّ وَرَأَيْتُ وَإِذَا بِكَبْشٍ وَاقِفٍ عِنْدَ النَّهْرِ وَلَهُ قَرْنَانِ وَالقَرْنَانِ عَالِيَانِ، وَالْوَاحِدُ أَعْلَى مِنَ الآخَرِ، وَالأعْلَى طَالِعٌ أَخِيرًا ( : ٣ ) هذا الكبش ينطح غربا وشمالا وجنوبا ولم يستطع حيوان أخر عليه ( : ٤ ) ورأي تيس يرمز لمملكة اليونان ( : ٥ - ٨ )  هزم الكبش مملكة مادي وفارس، ورأي قرن، هذا القرن يرمز للإسكندر الأكبر ملك الإمبراطورية اليونانية، ورأي أربعة قرون ترمز لأربعة ممالك ستنشأ بعد موت الاسكندر الأكبر، قسمت عام 323 قبل الميلاد إلى أربعة أقسام، لكل منها ملكه الخاص. كانت هذه الأقسام هي:

- مملكة مقدونيا: كانت أكبر الأقسام الأربعة، وتضم الأراضي الأصلية للإمبراطورية المقدونية، بما في ذلك مقدونيا نفسها، وجنوب اليونان، وتراقيا، وبعض أجزاء من آسيا الصغرى. 

- مملكة تراقيا: كانت تقع شمال مقدونيا، وضمّت تراقيا، وبعض أجزاء من البلقان.

- مملكة سوريا: كانت تقع جنوب مقدونيا، وضمّت سوريا، ولبنان، والأردن، وبعض أجزاء من فلسطين.

- مملكة مصر: كانت تقع جنوب سوريا، وضمّت مصر، وقبرص، وبعض أجزاء من ليبيا.

  ورأي قرن صغير وهو العدو الذي سيظهر في أواخر الأيام الذي سيبيده الرب بمجيئه،


هذا ما شرحه الرب لدانيال وافهمه ٱلامر " وَقَالَ: «هأَنَذَا أُعَرِّفُكَ مَا يَكُونُ فِي آخِرِ السُّخَطِ. لأنَّ لِمِيعَادِ الانْتِهَاءَ. أَمَّا الْكَبْشُ الَّذِي رَأَيْتَهُ ذَا الْقَرْنَيْنِ فَهُوَ مُلُوكُ مَادِي وَفَارِسَ. وَالتَّيْسُ الْعَافِي مَلِكُ الْيُونَانِ، وَالْقَرْنُ الْعَظِيمُ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ هُوَ الْمَلِكُ الأوَّلُ. وَإِذِ انْكَسَرَ وَقَامَ أَرْبَعَةٌ عِوَضًا عَنْهُ، فَسَتَقُومُ أَرْبَعُ مَمَالِكَ مِنَ الأمَّةِ، وَلكِنْ لَيْسَ فِي قُوَّتِهِ. ( دا ٨ : ١٩ - ٢٢ ) ها شرحه هنا قبل التاريخ تم في التاريخ, وباقي النبوات ستتم في حينها.  


الرؤيا والأحلام والإعلانات التي أعلنها الله في سفر دانيال مشوارها كان طويل، فهي حقب زمنية أحداثها المتلاحقة كانت قبل الميلاد، فالمملكة البابلية كانت سنة ٢٠٠٠ق.م كانت حضارة قديمة ازدهرت في بلاد ما بين النهرين، وكانت عاصمتها مدينة بابل، واليونانية كانت سنة ١٠٠٠ق.م كانت حضارة قديمة ازدهرت في اليونان، وكانت عاصمتها مدينة أثينا، وضعفت المملكة بعد موت الإسكندر الأكبر الذي هو القرن العظيم " فتَعَظَّمَ تَيْسُ المَعْزِ جِدًّا. وَلَمَّا اعْتَزَّ انْكَسَرَ الْقَرْنُ الْعَظِيمُ، ( : ٨ ) والرومانية كانت سنة ٥٠٠ق.م كانت حضارة قديمة ازدهرت في روما، وكانت عاصمتها مدينة روما، وعندما انتهت تحولت لدول كما تراها اليوم مقسمة بهذا الشكل لدول وممالك، فتحررت من ما حدث من إحتلال وسبي في الحقب الزمنية القديمة.


ثم بعد الميلاد دخل العالم لعديد من الغزوات والحروب والإستعمارات بعضها لبعض لغرض السيطرة على الأراضي أو الموارد أو نشر الدين أو أي سبب آخر. بعضها كان ناجحاً، والبعض الآخر لم يكن كذلك، فنري في التاريخ غزو الرومان لبريطانيا : في عام 43 بعد الميلاد، وحكموها لمدة 300 عام، وغزو المغول لروسيا : في القرن الثالث عشر، ودمروا العديد من المدن، وغزو الإسبان لأمريكا : في القرن الخامس عشر، إحتلوا معظم القارة، وغزو العثمانيين لمصر : في عام 1517 حكموها، وغزو فرنسا لمصر : في عام 1798 واحتلوا القاهرة لمدة عامين، وغزو نابليون لروسيا : في عام 1812 لكنه هزم في النهاية وغزو اليابان للصين : في عام 1894 احتلت جزءًا كبيرًا من البلاد، وغزو ألمانيا لبولندا : في عام 1939 مما أدى إلى إندلاع الحرب العالمية الثانية، وغزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان : في عام 1979 احتلتها لمدة 10 سنوات، وغزو الولايات المتحدة للعراق : في عام 2003 إحتلت البلاد لمدة 8 سنوات، وغزو روسيا لأوكرانيا : في عام 2022 مما أدى إلى اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، هذه الغزوات لها تأثير عميق على البلدان التي تم غزوها، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية. فقد أدت إلى تغييرات كبيرة في هذه البلدان، وقد تستمر آثارها لعدة سنوات قادمة.


ما تم سرده من حقب تاريخية حدثت في العالم البعض تم ولا سيما ما جاء في سفر دانيال حتي وجود الرومان ومجيئ المسيح الذي بالكنيسة أثر علي المملكة الرومانية ومع مرور الوقت ضعفت وتبدت وصارت دول وممالك كما ذكرت، وأن الغزوات والحروب والاستعمارات التي حدثت بعد الميلاد لها تأثير عميق على البلدان التي تم غزوها.


- القرن الصغير :

يوجد في السفر ما تم تحقيقه ايضا، وهو القرن الصغير الذي خرج من إحدي قرون التيس " وَمِنْ وَاحِدٍ مِنْهَا خَرَجَ قَرْنٌ صَغِيرٌ، وَعَظُمَ جِدًّا نَحْوَ الْجَنُوبِ وَنَحْوَ الشَّرْقِ وَنَحْوَ فَخْرِ الأرَاضِي. ( : ٩ ) ويقال أنه أنتيوخس أبيفانس هذا الملك اتي من جزوره السورية واحتل فلسطين وتوسع جنوبا وشرقا،  الجنوب من جنوب فلسطين تكون مصر، ومن شرق فلسطين الشرق تكون الاردن، أما فخر الأرض هي فلسطين لأن بها الهيكل.  أنطيوخس الرابع أو [أبيفانيس] ملك سوريا من 175-163 ق.م. وقد أراد أن يمحق الديانة اليهودية فثار المكابيون ضده

( أنطيوخس الرابع أو [أبيفانيس] ملك سوريا من 175-163 ق.م. وقد أراد أن يمحق الديانة اليهودية فثار المكابيون ضده (1 مكابيين 1: 41-53). ويظن كثيرون من المفسرين أنه هو القرن الصغير المذكور في دانيال 7: 8، 8: 9-14 وأن الأشارة الواردة في دا 11: 7-45 والتي تذكر المحتقر الذي ينجس الهيكل في أورشليم إنما تعني أنطيوخس أبيفانيس هذا ) - ( قاموس الكتاب بحث في كلمة انطوخس ) ولكن حسب دراستي في سفر الرؤيا وبعض ما جاء في دانيال ان الذي سينجس الهيكل ويجلس فيه كإله هو الوحش الديني ولم يأتي الي وقت كتابة هذه السطور.


فلسطين واسرائيل محل صراع ليوم الدين  :

العالم كله يحارب من أجل الدولتين، فيوجد المؤيدين لفلسطين، ويوجد المؤيدين لإسرائيل، ولن تهدأ هذه المنطقة الي نهاية الزمان، حتي عندما يبني الهيكل ويجلس فيه النبي الكذاب، لذلك احتاج أن أذهب للاصحاح الحادي عشر لنري ملك الجنوب وملك السمال وصراع العالم حول الدولتين، فسيكون لمصر دور بارز وفعال لأن الكتاب يقول في سفر دانيال " وَيَتَقَوَّى مَلِكُ الْجَنُوبِ. وَمِنْ رُؤَسَائِهِ مَنْ يَقْوَى عَلَيْهِ وَيَتَسَلَّطُ. تَسَلُّطٌ عَظِيمٌ تَسَلُّطُهُ. (دانيال ١١: ٥) ولكن بحسب النبوات لن يثبت " فَيَدْخُلُ مَلِكُ الْجَنُوبِ إِلَى مَمْلَكَتِهِ وَيَرْجِعُ إِلَى أَرْضِهِ. (دانيال ١١: ٩) وملك الجنوب هنا هو تجمع بعض الدول العربية بقيادة مصر لمساندة فلسطين وتكون ضد اسرائيل ولأن حول إسرائيل ملك الشمال والدول الأوربية والأمريكية فلن يصمت ملك الجنوب ويرجعون الي سكناتهم، وعندما يحاول مرة اخري ملك الحنوب سيفشل امام ملك الشمال " فَيَأْتِي مَلِكُ الشِّمَالِ وَيُقِيمُ مِتْرَسَةً وَيَأْخُذُ الْمَدِينَةَ الْحَصِينَةَ، فَلا تَقُومُ أَمَامَهُ ذِرَاعَا الْجَنُوبِ وَلا قَوْمُهُ الْمُنْتَخَبُ، وَلا تَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ لِلْمُقَاوَمَةِ. (دانيال ١١: ١٥) كل هذا من أجل هذه البقعة التي يسميها الكتاب ( فَخْرِ الأرَاضِي ﴿ ٨ : ٩  ﴾ الأرْضِ الْبَهِيَّة ﴿دانيال ١١ : ١٦ ﴾ ) فهي هكذا في عين الرب برغم حالتها المذرية اليوم، فسيوجد بعض الدول كأمريكا وغيرها في مساندة إسرائيل وبعض الدول الإسلامية العربية والأوروبية التي ستساند فلسطين ولكنهم لن يقوي علي ملك الشمال وينهزم ملك الجنوب، فملك الشمال، وملك الجنوب هم مجموعات من الدول تحارب بعضها، فستظل هذه البقعة من الأرض محل صراع وسبب مشاكل ليوم الدين، لأن نظرات العالم كله نحو فخر الأراضي والأرض البهية.


- القرن الصغير وكواكب ونجوم إسرائيل : 

هذا القرن الصغير " أنطيوخس أبيفانيس " تعظم حتي أن وصل إلي رؤساء وقادة اليهود " وَتَعَظَّمَ حَتَّى إِلَى جُنْدِ السَّمَاوَاتِ، وَطَرَحَ بَعْضًا مِنَ الْجُنْدِ وَالنُّجُومِ إِلَى الأرْضِ وَدَاسَهُم ( دا ٨ : ١٠ ) فسيذل اليهود ويكسر قاداتهم سيكسر كل من هو في مركز كرامة وسلطة في النظام اليهودي، هذا حدث أيام انطيوخس ابيفانيس، وفي وقتها أبطلت الذبيحة والمحرقة وهدم أماكن العبادة اليهودية " وَحَتَّى إِلَى رَئِيسِ الْجُنْدِ تَعَظَّمَ، وَبِهِ أُبْطِلَتِ الْمُحْرَقَةُ الدَّائِمَةُ، وَهُدِمَ مَسْكَنُ مَقْدِسِه ( : ١١ ) يقول الوحي عنه بالنبوة أنه " فَطَرَحَ الْحَقَّ عَلَى الأرْضِ وَفَعَلَ وَنَجَحَ ( : ١٢ ) نعم فيوجد أزمنة يعمل فيها عدو كل خير بقوته ضد إمور الله، ويرجع هذا لسبب سلوكيات شعب الله وأمانتهم في حياتهم من عدمه، فسبيهم وهزيمتهم وضعفهم يرجع الي مستوي سلوكهم بحسب المبادى الإلهية، تم هزيمة هذا الملك السوري " أنطيوخس أبيفانيس " بمساعدة الرومان لليهود وبالاخص جماعة المكابين وتحريرهم من قبطة انطيوخس، وتطهير الهيكل وبنوا مذبحا جديدا بحجارة جديدة غير منحوتة ( اقرأ هذا في مكابين الاول الإصحاح الرابع ) ومن هذا اليوم صار عيد عند اليهود يسمي بعيد التجديد "  وَكَانَ عِيدُ التَّجْدِيدِ فِي أُورُشَلِيمَ، وَكَانَ شِتَاءٌ. (يو ١٠ : ٢٢) والمقصود به ما حدث سنة ١٦٥ علي يد يهوذا المكابي.

هذا حدث لأن الذبيحة أبطلت ما أسماه بمعصية الخراب ( : ١٣ ) وكان عدد الاوقات التي لم تقدم فيها ذبيحة صباحية ومسائية تقدر ب " إِلَى أَلْفَيْنِ وَثَلاثِ مِئَةِ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ، ( : ١٤ ) أي ٢٣٠٠ يوم مقسمة علي مرتين ١١٥٠ ذبيحة صباحية و١١٥٠ ذبيحة مسائية " الْخَرُوفُ الْوَاحِدُ تُقَدِّمُهُ صَبَاحًا، وَالْخَرُوفُ الثَّانِي تُقَدِّمُهُ فِي الْعَشِيَّةِ. (خر ٢٩ : ٣٩) فبالنسبة لدانيال كونه يهودي والذبيحة والمذبح يهمانه من حقه يسأل ويطلب المعني، فلم يتأخر عليه الرب وجاء بنفسه ليكلف الملاك جبرائيل ( : ١٦ ) ليفهمه المعني " وَكَانَ لَمَّا رَأَيْتُ أَنَا دَانِيآلَ الرُّؤْيَا وَطَلَبْتُ الْمَعْنَى، إِذَا بِشِبْهِ إِنْسَانٍ وَاقِفٍ قُبَالَتِي. ( : ١٥ ) وابتدأ يفهمه أمر الرؤيا التي رأها، هذا الأمر جعله حزينا ( : ٢٧ ) علي ما سيجري في المستقبل لشعب الرب 

__________________________________

١٢ 

 يتقدم للأمام بالصلاة فينموا

- مقدمة عن الاصحاح التاسع : 

في الإصحاحات السابقه كان دانيال يرى أحلاما ويفسر أحلاما للأخرين، وكل هذه الأحلام تمس مستقبل العالم وبالأخص بالنسبه لشعبه اليهود، لذلك ابتدأ دانيال يدخل في دائرة العلاقة الخاصة مع الله ويصلي، فبدأ في هذا الاصحاح الإعتراف للرب بخطايا شعبه (دانيال 9: 1-14) أي أنه يقدم توبة عن شعبه ويطلب من الله غفرانا لشعبه عن الأخطاء التي حدثت منهم ليعفوا ويغفر ولذلك نرى إستجابه الله لصلواته بأن أرسل له ملاكا ليطمئنه ويتكلم معه (دانيال 9: 15-22) والاكثر من ذلك ليعطي له نبوات عن المستقبل (دانيال 9: 23-27) فالله لا يترك طالبيه، ولا يتخلى عن من يلجا اليه طالبا العون أو المعونة أو السندة.

إن اقتناع الشخص بأنه يستحق ما حدث من أحداث ولا يخرج نفسه خارج دائره شعبه امر في غاية الاهمية ويراها الله تواضعا وانكسارا لأجل الإستقامة والرضا الإلهي، والأكثر من ذلك يتحمل مسئولية الأمر فيقدم توبه لله لأن شعب إسرائيل قد عصى الله ورفض طاعته، وهذا العصيان جلب غضب الله عليهم فعندما أراد ملك بابل إقتحام إسرائيل وسبيهم لم يمنعه الله، فدخل وأدخل الشعب في السبي البابلي، وأعلن للملك نبوخذنصر في ذلك الوقت أنه دخل الى داخل الحقبه الزمنيه المرتبطه بالعالم، وانه هو بدايتها ورأسها، ويكمل الله الإعلان أيضا مع دانيال بأحلام مرتبطة بمستقبل العالم والشعب الإسرائيلي لأنه ضمن هذا العالم بل ويشغل الفكر الإلهي لأنه الشعب المختار.

لا يترك الله دانيال متحيرا وهو في دائرة الصوم والصلاة والتكريس أمام الله ويتركه في حيرة الأمر بل يرسل اليه ملاكا ليطمئنه ويتكلم معه ويفهمه الأمر، وياتي له بالنبوه عن المستقبل وتتضمن النبوه أحداثا مهمه في تاريخ شعب إسرائيل، مثل مجيء المسيح الاول وتدمير أورشليم وعوده المسيح ثانية في نهاية الأزمنة، كل هذه الامور بالنسبه لدانيال جديده وتحتاج الى أن يعرفها شعب الله وكل من يقرأ، فحتى إن كان بالنسبه لنا نحن في هذا الزمان إمورا أدركناها لأن التاريخ مر وسار لنا نحن أن نرى هذه الكلمات من تاريخ ماضي، ولكن يوجد جزء كبير جدا بالنسبه لنا مرتبط بالمستقبل ولا سيما عوده المسيح في نهايه الأزمنة، فهذا لم يحدث حتى الآن والاحداث المرتبطة به كثيرة جدا، جزء منها يتكلم عنه دانيال وجزء اخر يتكلم عنه يوحنا الرائي، هذا بخلاف بعض النبوات الموجودة في باقي الأسفار التي تنبا رجال الله الانبياء فيها بخصوص نهاية الزمان.


- لكل حقبة مدة وزمن ينتهي :

الأحلام التي حلمها الملك نبوخذ نصر بالإضافة الى الأحلام التي حلمها دانيال جعلته يرجع الى الكتب المقدسه السابقه لعهده ويدرسها ويقرأها قراءة جيدة ويفهم منها إمورا تخص المستقبل " أَنَا دَانِيآلَ فَهِمْتُ مِنَ الْكُتُبِ عَدَدَ السِّنِينَ الَّتِي كَانَتْ عَنْهَا كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلَى إِرْمِيَا النَّبِيِّ، لِكَمَالَةِ سَبْعِينَ سَنَةً عَلَى خَرَابِ أُورُشَلِيم ( دا ٩ : ٢ ) فماذا قال ارمي النبي في هذه الخصوص، اقرأ ما قاله : (إرميا ٢٥: ٨، ١١-١٣) وهذا معناه الأتي : 

- إعلان العقوبة : عندما قال " لِذلِكَ هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمْ لَمْ تَسْمَعُوا لِكَلامِي، وَأَنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَسَبَ شَهَوَاتِ قُلُوبِكُمْ، فَهَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هَا أَنَا أَجْعَلُ جَمِيعَ هذِهِ الأرْضَ خَرَابًا وَدَهَشًا" (إرميا ٢٥: ٨) هذه العقوبة ما هي إلا قضاء الهي نتيجه السير بعدم الأمانة والخطايا والاخطاء الروحية التي إقترفها الشعب، فهم لم يسمعوا كلمات الرب وصاروا بحسب شهوات قلوبهم ولذلك نالوا ما يستحقون، ولكن الرب ايضا وضح العقوبه كإعلان اعطى لهم مدتها، أي أنه قبل أن يحدث أي أمر، وضح لهم الاحداث ووضح لهم العقوبة ومدتها، عسي أن يتوبوا الى الرب، فيرجع عن كل هذا ولكنهم لم يفعلوا.

- مدة العقوبة : فقال "وَتَصِيرُ كُلُّ هذِهِ الأرْضِ خَرَابًا وَدَهَشًا، وَتَخْدِمُ هذِهِ الشُّعُوبُ مَلِكَ بَابِلَ سَبْعِينَ سَنَةً" (إرميا ٢٥: ١١) تنبا أرميا عن بوخذنصر وفتره السبي البابلي التي ستكون هذا قبل ان تكون، يا له من شعب محظوظ ان يجد رجال أتقياء أمناء ينادون بالتوبه للشعب، ولكن الشعب لم يسمع ثم ياتي أرميا ويتنبا عليهم بفترة زمنية قادمة يجب أن يرجعوا للرب ويتوبوا ولكنهم للاسف لم يفعلوا، قرأ دانيال هذا الكلام، وفهم الامر، ان ما يعيشه وقتها هي فترة نبوة ارميا النبي، ولكن هل لهذه المدة نهاية؟ نعم لها نهاية.

- انتهاء العقوبة : لكل زمن وقته ولكل عقوبه مدتها وزمن لإنتهائها، لذلك نري هنا نهاية مدة العقوبة البابلية، ولكن ليست النهاية فقط فهي حقبة زمنية ستسلم للحقبة التي تليها، وكأن كل حقبة هي عقاب للحقبة التي قبلها " وَيَكُونُ عِنْدَ تَمَامِ السَّبْعِينَ سَنَةً أَنِّي أُعَاقِبُ مَلِكَ بَابِلَ، وَتِلْكَ الأمَّةَ، يَقُولُ الرَّبُّ، عَلَى إِثْمِهِمْ وَأَرْضَ الْكَلْدَانِيِّينَ، وَأَجْعَلُهَا خِرَبًا أَبَدِيَّةً. وَأَجْلِبُ عَلَى تِلْكَ الأرْضِ كُلَّ كَلامِي الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ عَلَيْهَا، كُلَّ مَا كُتِبَ فِي هذَا السِّفْرِ الَّذِي تَنَبَّأَ بِهِ إِرْمِيَا عَلَى كُلِّ الشُّعُوبِ" (إرميا ٢٥: ١١-١٣) فالامم التي في هذه الخقب الزمنية هم عابدي وثن، وهذا شر يستحق العقوبة، هذا بخلاف السرور التي تفعل كالزني والظلم واكثرهم من الخطايا هو التعدي علي شعب الرب وسبيهم والتعدي علي المقدسات، فليس لان بهم يعاقب الله شعبه، ولكن ليس بعيدا عن رغبتهم وسيعيهم بكامل ارادتهم لفعل هذا، لذلك سيعاقبون لانهم مسئولون عن كل تصرفاتهم، فهذه العقوبة هي نتيجة لعدم طاعة الأمم لكلمات الرب. لقد عملوا حسب شهوات قلوبهم، ولم يهتموا بقوانين الرب. ونتيجة لذلك، سيحل عليهم الخراب والدمار.

أيضا قرأ دانيال هذه الآية " لأنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: إِنِّي عِنْدَ تَمَامِ سَبْعِينَ سَنَةً لِبَابِلَ، أَتَعَهَّدُكُمْ وَأُقِيمُ لَكُمْ كَلامِي الصَّالِحَ، بِرَدِّكُمْ إِلَى هذَا الْمَوْضِعِ. لأنِّي عَرَفْتُ الأفْكَارَ الَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَفْكَارَ سَلامٍ لا شَرّ، لأعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً. (إرميا ٢٩: ١٠، ١١) إنها رساله مطمئنه لكل المسبيين في السبي البابلي فالمده هي 70 سنه وسياتي اليوم الذي تنتهي فيه هذه المدة، وهذا معناه انه سينتهي بعض من الجيل المتمردين أو فاعلي الشر اللذين لم يسمعوا ويتوبوا فسيموتون في السبي، أما الذين سيحررون فهم الجيل الجديد المولود إثناء السبي البابلي، تغيير الفئه البعيده عن دائره الإيمان واستبدالها بفئه جديدة من نسلهم، فبعد أن تم السبي لشعب الرب في بابل " وَسَبَى الَّذِينَ بَقُوا مِنَ السَّيْفِ إِلَى بَابِلَ، فَكَانُوا لَهُ وَلِبَنِيهِ عَبِيدًا إِلَى أَنْ مَلَكَتْ مَمْلَكَةُ فَارِسَ، لإكْمَالِ كَلامِ الرَّبِّ بِفَمِ إِرْمِيَا، ... لإكْمَالِ سَبْعِينَ سَنَةً. وَفِي السَّنَةِ الأولَى لِكُورَشَ مَلِكِ فَارِسَ ....،" جاء وقت الفكاك والتحرير، كما وعد الرب وتنبأ بفم ارميا النبي " نَبَّهَ الرَّبُّ رُوحَ كُورَشَ مَلِكِ فَارِسَ، فَأَطْلَقَ نِدَاءً فِي كُلِّ مَمْلَكَتِهِ وَكَذَا بِالْكِتَابَةِ قَائِلا:  «هكَذَا قَالَ كُورَشُ مَلِكُ فَارِسَ: إِنَّ الرَّبَّ إِلهَ السَّمَاءِ قَدْ أَعْطَانِي جَمِيعَ مَمَالِكِ الأرْضِ، وَهُوَ أَوْصَانِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا فِي أُورُشَلِيمَ الَّتِي فِي يَهُوذَا. مَنْ مِنْكُمْ مِنْ جَمِيعِ شَعْبِهِ، الرَّبُّ إِلهُهُ مَعَهُ وَلْيَصْعَد ( ٢أخ ٣٦ : ٢٠ ٢٣ ) فبعد زمن الضيق جاء زمن الفكاك، نعم 70 سنه فيها سبي ولكن جاء وقت نهايه هذه المده وتحرر الشعب.


- الفهم والإدراك عطية إلهية :

الفهم والإدراك " Mental perception " المرتبط بالذهن متاح لجميع الناس، ولكن الذهن الخاص " Spiritual realization. " مرتبط بفهم الحق الكتابي والإعلانات الإلهية، لأنه يحتاج لعمل الروح القدس ومسحته، فقد كان حول ملوك العالم أيام دانيال حكماء كثيرون، كان يوجد سحرة ومنجمين، ولهم من العلم الكثير في مجالهم، ولكنهم أمام الإعلانات الإلهية وقفوا عاجزين ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا إلا دانيال الذي كان له الإدراك والفهم كعطية إلهية من الله، لا يستطيع أن يمتلكها إنسان ولا أيضا يمتلكها دانيال، ولكن نالها من خلال الجلوس أمام الله والتقرب اليه وسؤاله فيجيبه " فَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَى الله السَّيِّدِ طَالِبًا بِالصَّلاةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ، بِالصَّوْمِ وَالْمَسْحِ وَالرَّمَاد ( : ٣ ) إله دانيال حي وهذا الإله هو الهنا أيضا حي وقادر على أن يجيبنا ويفهمنا ويعلمنا لندرك، لذلك كان يوجه قلبه الى الله طالبا بالصلاه والتضرعات بالصوم والمسوح والرماد لكي يمنحه الله المعرفه والفهم.

ليس هذا فقط ولكنه ايضا كان يقدم لله اعترافات مقدمه منه عن شعبه الذي اخطا " وَصَلَّيْتُ إِلَى الرَّبِّ إِلهِي وَاعْتَرَفْتُ وَقُلْتُ: «أَيُّهَا الرَّبُّ الإلهُ الْعَظِيمُ الْمَهُوبُ، حَافِظَ الْعَهْدِ وَالرَّحْمَةِ لِمُحِبِّيهِ وَحَافِظِي وَصَايَاهُ. أَخْطَأْنَا وَأَثِمْنَا وَعَمِلْنَا الشَّرَّ، وَتَمَرَّدْنَا وَحِدْنَا عَنْ وَصَايَاكَ وَعَنْ أَحْكَامِكَ. وَمَا سَمِعْنَا مِنْ عَبِيدِكَ الأنْبِيَاءِ الَّذِينَ بِاسْمِكَ كَلَّمُوا مُلُوكَنَا وَرُؤَسَاءَنَا وَآبَاءَنَا وَكُلَّ شَعْبِ الأرْض ( : ٤ - ٦ ) إن الإعتراف بالخطية أمر هام جدا يفتح الآفاق الروحية والإدراكات الروحية و الأجواء الروحية للإنسان وللمنطقة التي يعيش فيها، فالإقرار بالخطية يراها الله تواضعا وليس إزلال وليس ضعفا بل قوة، لذلك فالله يتعامل مع الإنسان المعترف بخطاياه أو بخطايا شعبه وطلب الغفران له أو لشعبه ينال من الله رضا، فدانيال لم ينسب للأنبياء تقصيرا ولكنه نسب اليهم طاعة وخضوعا لله، ولكن التقصير كان من طرف الملوك والرؤساء والشعب.


رأي دانيال أن الشعب سقط من القوانين الروحيه التي وضعها الله بثمن موسى " وَكُلُّ إِسْرَائِيلَ قَدْ تَعَدَّى عَلَى شَرِيعَتِك ... فَسَكَبْتَ عَلَيْنَا اللَّعْنَةَ وَالْحَلْفَ الْمَكْتُوبَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى عَبْدِ الله، لأنَّنَا أَخْطَأْنَا إِلَيْهِ. .... كَمَا كُتِبَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى، قَدْ جَاءَ عَلَيْنَا كُلُّ هذَا الشَّرِّ، وَلَمْ نَتَضَرَّعْ إِلَى وَجْهِ الرَّبِّ إِلهِنَا لِنَرْجعَ مِنْ آثَامِنَا وَنَفْطِنَ بِحَقِّك ( : ١١ - ١٣ ) فالقوانين التي يجب الإلتزام بها في ناموس موسي هي أخلاقية ودينية وإجتماعية :  

القوانين الأخلاقية: وتشمل هذه القوانين عدم عبادة آلهة أخرى، وعدم القتل، وعدم الزنا، وعدم السرقة، وعدم شهادة الزور. ( خروج ٢٠ ) 

القوانين الدينية: وتشمل هذه القوانين الاحتفال بالأعياد الدينية، وتقديم القرابين لله، والحفاظ على السبت. ( لاويين ٢٦ ) 

القوانين الإجتماعية: وتشمل هذه القوانين احترام الوالدين، ورعاية الفقراء والمحتاجين، وعدم الظلم ( خروج ٢٠)

لذلك طلب المغفرة والغفران والرحمة ورفع الغضب، لأنه شعر بأن أورشليم صارت عارا بين الشعوب، فهل يستحيب اليه الرب؟ هل يرسل اليه العون؟  دعونا نري.


- المعونة الإلهية تثبت لأن تفاعلات الله معانا عظيمة :

منح الله دانيال فهما وإدراكا إستخدمه دانيال في وقت الازمات الفكرية للملوك والعظماء، فبدل أن يكون الرجل المسبي صار الرجل المعلم والمهم جدا عند ملوك بابل ومادي وفارس الذين عاصرهم دانيال، وفوق كل هذا كان يعرف مفتاح فك الالغاز ومعرفة المستقبل، فقد كان المفتاح هو الصلاة، وهذا ما أدركه الرسول يعقوب لذلك دعي المؤمنين ليستطعموا نفس هذا الإدراك لأن الصلاة قادرة علي حل المشقات والعمل علي غفران الخطايا وعمل المعجزات ( يع ٥ : ١٣ - ١٨  ) والرب نفسه قال " اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لأنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَه ( مت ٧ : ٧ ) ( يو ١٦ : ٢٣ ، ٢٤ ) ( أش ٤٥ : ١١ ) لذلك فالدعوة لحياة الصلاة تمنح الإنسان فرصة ليسير في دائرة عدم الإهتمام بالإمور والأشياء الصعبة التي تواجه حياته، وبذلك تمنعه من القلق والإضطراب ( في ٤ : ٦ ، ٧ ) ( لو ٢٢ : ٣٩ - ٤٦ ) هذه هي أهمية حياة الصلاة والرجل المصلي، لذلك دانيال وهو يصلي ويعترف بخطيته وخطية شعبه ( لم يستثني نفسه من الخطية ) ويطرح تضرعه أمام الرب جاء اليه الملاك جبرائيل ويطلق عليه ( بِالرَّجُلِ جِبْرَائِيل ) هذا لأنه جاء له في صورة رجل يتكلم معه ويفهمه " إِذَا بِالرَّجُلِ جِبْرَائِيلَ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الرُّؤْيَا فِي الابْتِدَاءِ مُطَارًا وَاغِفًا لَمَسَنِي عِنْدَ وَقْتِ تَقْدِمَةِ الْمَسَاءِ. وَفَهَّمَنِي وَتَكَلَّمَ مَعِي وَقَالَ: «يَا دَانِيآلُ، إِنِّي خَرَجْتُ الآنَ لأعَلِّمَكَ الْفَهْم ( دا ٩ : ٢٠ - ٢٢ ) فالله لم يترك دانيال في حيرته، بل أرسل له العون من السماء، ارسل له في البداية الرؤيا، ثم تركه ليسأل ويطلب، فأرسل له المعونة السريعة للفهم والمعرفة، لذلك صديقي لا تبخل علي نفسك بوقت تقضيه في الصلاة، فأنت تقضي أوقات كثيرة لملذاتك وحياتك الطبيعية، فحان الوقت لتبدأ في قضاء وقت مثمر مع الهك " وَإِنَّمَا نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَتَعَقَّلُوا وَاصْحُوا لِلصَّلَوَاتِ. وَلكِنْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً، لأنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا ( ١بط ٤ : ٧ ، ٨ ) فحياة الصلاة تفتح الأفاق الروحية لحياتك وحياة شعب الرب المؤمنين لجيلك وللاجيال القادمة، فما دخل فيه دانيال كان له ولشعبه وللزمن الأتي.


- الرجل جبرائيل ومن هو ؟: 

من أجل تضرعات دانيال جاء الملاك ليفهمه الرؤيا والإعلان، ولأن الأمر في غاية الصعوبة وهو لا يفهم، فالكلام بالنسبة له عن المستقبل ارسل الرب الرجل جبرائيل ملاكا له دراية بإمور الله، ومعلن له من اله السماء بالمستقبليات التي لبني أدم، لذلك أرسل لدانيال ليريه.

- الرجل جبرائيل : بحسب قاموس الكتاب المقدس :  إسم عبري معناه [رجل الله - أظهر الله ذاته جبارا] أرسل ليفسر رؤيا لدانيال النبي ( دا ٨ : ١٦ - ٢٧ ) ( دا ٩ : ٢١ - ٢٧ ) وحمل البشارة لزكريا في ولادة يوحنا المعمدان ( لو ١ : ١١ - ٢٢ ) وبشر العذراء مريم بولادتها للمسيح ( ١ : ٢٦ - ٣٨ ) وهو الواقف دائما أمام الله ( لو ١ : ١٩ ) فهو ملاك من الرؤساء الواقفين أمام الله في السماء، هذا الملاك أرسل لدانيال وقال له : ....


- سُمع لك فأنت محبوب : 

محبة الله للإنسان محبة فائقة الإدراك، فهو يحبه بغض النظر عن حالته الدينية أو الأخلاقية، فالله يحب الإنسان ككائن خلقه، ويريد له الخير والسعادة، فهو لا يحب خطيته ولا شروره ولا فجوره، ولكنه ينتظر على كل إنسان فرصة الرجوع والتوبة، ينتظر إنتظارا كاملا بطول أناة وصبر وإحتمال لأنه يحبه، حب الله للإنسان هو حب غير مشروط، لا يستند إلى أي أعمال أو صفات يقوم بها الإنسان. فالله يحب الإنسان لمجرد أنه خلقه، وهو لا يتخلى عن الإنسان أبدًا، بل يعطيه الفرصة دائمًا للرجوع إليه، لذلك الله أعطى دانيال رؤى وأحلامًا لكي يفهم الأحداث التي ستحدث في العالم. كما أنه أجاب على صلوات دانيال ومنح له المزيد من الفهم والإدراك " فِي ابْتِدَاءِ تَضَرُّعَاتِكَ خَرَجَ الأمْرُ، وَأَنَا جِئْتُ لأخْبِرَكَ لأنَّكَ أَنْتَ مَحْبُوبٌ. فَتَأَمَّلِ الْكَلامَ وَافْهَمِ الرُّؤْيَا ( دا ٩ : ٢٣ )  فهذه الرؤى والأحلام كانت بمثابة إنذار للإنسان، لكي يستعد للأحداث التي ستحدث، أعطيت لدانيال الرؤيا والأحلام، ولأنه أمينا أمام الله إبتدأ يجلس ويتضرع أمامه، ليمنحه الله فهما وإدراكا وليعطي له المزيد من الرؤى والأحلام.


ارسل الرب رسالة بفم جبرائيل الي لدانيال وقال له كلمة في غاية الأهمية " لأنَّكَ أَنْتَ مَحْبُوب " فهي عبارة تساعد دانيال على الشعور بالقبول والقيمة في عيون الله. عندما يتذكر أن الله يحبه هذا يساعده للتغلب على الشعور بالذنب أو الخزي لانه في السبي، ولانه كان يصلي طالبا الغفران والعفو عن نفسه عن شعبه لينال شعب الله الرضا الالهي، لذلك جاء جبرائيل ليخبره بانه محبوب وهذا يعزز لديه مشاعر الاحساس بالقيمة، فهي كلمة تمنح للانسان الثقة والأمل، فعندما نعلم أن الله يحبنا هذا يساعدنا على أن نعيش حياتنا بجرأة وإيمان، فهو دائما يقول لشعبه ويقدم مشعارا البناء " لأنِّي عَرَفْتُ الأفْكَارَ الَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَفْكَارَ سَلامٍ لا شَرّ، لأعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً. فَتَدْعُونَنِي وَتَذْهَبُونَ وَتُصَلُّونَ إِلَيَّ فَأَسْمَعُ لَكُمْ. وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ. (أر٢٩ :  ١١-١٣) هذه هو إلهنا لا يفتكر أفكار شر تجاه أولاده بل سَلامٍ وَرَجَاءً ويسْمَعُ لنا دائما، ولكن بشرط واحد وهو " تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ " أي يكون اتجاه القلب بالكامل نحو الرب، القلب هنا يرمز إلى مركز الهوية والرغبة والعاطفة. لذلك، فإن طلب الله بكل قلبك يعني أن تضع كل تركيزك واهتمامك ورغبتك فيه، لذلك كن صادقًا مع الله بشأن احتياجاتك ورغباتك، وكن مستعدًا للاستماع إلى صوت الله كما كان دانيال.

 

- السبعون إسبوعا وما في جعبته : 

لابد أن نعرف بعض الإمور التي نحتاجها في هذه الدراسة ولا سيما أن ٧٠ إسبوعا الذي تكلم عنهما دانيال النبي ليسوا بالأيام ولكنهم بالسنين، وهذه الفكره ليست بجديدة على دانيال النبي لأنه في سفر التكوين خدم يعقوب أسبوع ليتزوج فكانت ليئة، ثم خدم أسبوع آخر ليتزوج برحيل، وكانت الأسابيع التي خدمها ليست أسابيع أيام بل أسابيع سنين ( تكو٢٩ : ٢٧ ) وأيضا في سفرالعدد نري ٤٠ يوم وعاقبهم الرب ب ٤٠ سنة ( عدد ١٤ : ٣٢ - ٣٤ ) فكان اليوم أمامه سنة، ٤٠ يوم ب ٤٠ سنة، وأيضا حدث العكس مع إثم يهوذا في ( حز ٤ : ٦ ) ٤٠ سنه أمامهم ٤٠ يوم، ففكرة أن يكون اليوم مقداره سنة أو السنة مقدارها يوم فهذه الطريقة واردة في كلمة الله.


لذلك تكلم الملاك مع دانيال قائلا له " سَبْعُونَ أُسْبُوعًا قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى مَدِينَتِكَ الْمُقَدَّسَةِ لِتَكْمِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَتَتْمِيمِ الْخَطَايَا، وَلِكَفَّارَةِ الإثْمِ، وَلِيُؤْتَى بِالْبِرِّ الأبَدِيِّ، وَلِخَتْمِ الرُّؤْيَا وَالنُّبُوَّةِ، وَلِمَسْحِ قُدُّوسِ الْقُدُّوسِين ( دا ٩ : ٢٤ ) أي ان ناتج ضرب العدد ٧٠ × ٧ سنين = 490 سنة تحتوي علي ازمنة واحداث من تجديد أورشليم الي صعود المسيح فيقول له " فَاعْلَمْ وَافْهَمْ " ثم يشرح له قائلا " أَنَّهُ مِنْ خُرُوجِ الأمْرِ لِتَجْدِيدِ أُورُشَلِيمَ وَبِنَائِهَا " أي أنه من أيام كورش الملك عندما صدر الأمر بتجديد أورشليم " إِلَى الْمَسِيحِ الرَّئِيسِ سَبْعَةُ أَسَابِيعَ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ أُسْبُوعًا " فهذه الاسابيع كان يقصد بها ضرب 7 × 62 = 434 سنة هي فترة طويلة بها أحداث ما تم شرحه في الإصحاحات السابقة 


بحسب الرؤيا والاحلام نري جبرائيل يضع امام دانيال رقمين الاول ٤٩٠ والثاني ٤٣٤ فهي سنين مرتبطة بالنبوات والفارق هنا من طرحما هو 56 سنة، يقول البعض انها فوارق سنين بين الأحداث بعضها ببعض، ففي ال ( ٧ أَسَابِيع = ٤٩٠ ) فيها حدث الأتي :

١ - تجديد وبناء أورشليم ( دا ٩ : ٢٥ ) و ( نح ٢ : ١ - ٨ ، ٤ : ٨ - ١٨ ) تجديد أورشليم كان سنة ٤٤٥ ق.م والمسيح عاش ٣٣ سنة يساوي ٤٤٨ سنة هذه هي الفترة التقريبة التي تنبأ بها دانيال 

٢ - مجيئ المسيح وقطعه " وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ. (دانيال ٩: ٢٦) اي بعد المدة بجملتها ٤٣٤ سنة 

٣ - تخريب اورشليم " وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ، وَانْتِهَاؤُهُ بِغَمَارَةٍ، وَإِلَى النِّهَايَةِ حَرْبٌ وَخِرَبٌ قُضِيَ بِهَا. (دانيال ٩: ٢٦) حدث هذا سنة ٧٠ ميلاديا على يد تيطس الروماني قام بتخريب اورشليم والهيكل ولم يترك عليه حجر على حجر إلا وينقض كما تنبا المسيح " فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «أَتَنْظُرُ هذِهِ الأبْنِيَةَ الْعَظِيمَةَ؟ لاَ يُتْرَكُ حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لا يُنْقَضُ». (مرقس ١٣: ٢) وما تنبأ به المسيح ودانيال حدث بالفعل ­ (متى ٢٤: ١٥) (لوقا ٢١: ٢٠، ٢٤) 


يوجد اسبوع أخير تنبأ عنه دانيال (دانيال ٩: ٢٧) في هذا الإسبوع وكما قلنا سابقا أنه إسبوع سنين أي ٧ سنوات سيحدث فيها ما يلي : 

١ - يأتي رئيس ( وحش ) في الضيقة العظيمة " وَيُثَبِّتُ عَهْدًا مَعَ كَثِيرِينَ فِي أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ "   

٢ - في نصف المدة ينقض العهد ويبطل الذبيحة " وَفِي وَسَطِ الأسْبُوعِ يُبَطِّلُ الذَّبِيحَةَ وَالتَّقْدِمَةَ، " وهنا ستبدأ الضيقة ذاتها في النصف الثاني ثلاث سنوات ونصف (دانيال ١١: ٣٦) 

٣ - سيقضي علي المخرب في نهاية المدة " حَتَّى يَتِمَّ وَيُصَبَّ الْمَقْضِيُّ عَلَى الْمُخَرِّبِ». " وهذا سيتم بالمجيئ الثاني للمسيح ليقبض علي الوحش والنبي الكاذب ( ٢تس ٢ : ٣ ) (رؤيا ٢٠: ٢) وبعدها الملك الالفي ونهاية الزمان.

__________________________________

١٣ 

 رؤية الرب للمساندة والادراك 

وقفت أتأمل دانيال وفترات معاصرته للملوك، فقد عاصر :

١ - الملك نبوخندنصر ملك بابل هو الذي أسر دانيال ورفاقه اليهود ونقلوهم إلى بابل - هنا رأي نبوخذ نصر حلما (دانيال ٢: ١) وفسر دانيال الخلم له.

٢ - بيلشاصر ابن نبوخذنصر هو الذي أقام وليمةً في ليلة سقوط بابل على يد الفرس - هنا رأي دانيال حلما (دانيال ٧: ١) ورأي رؤيا (دانيال ٨: ١) 

٣ - داريوس بن أحشويرش من نسل الماديين هو الذي عين دانيال حاكمًا على مملكة بابل - في عهده فهم دانيال الكتب التي لإرميا النبي ( دانيال ٩ : ١ ، ٢ ) 

٤ - كورش الكبير ملك الفرس هو الذي أطلق سراح دانيال ورفاقه اليهود وسمح لهم بالعودة - كشف أمر الرؤيا لدانيال وجاء الملاك ليفهمه ( دانيال ١٠ : ١ ) 

يمكن تقسيم هذه الفترة الزمنية إلى مرحلتين بحسب وجود دانيال في زمنهم :

١ - المرحلة البابلية (605-539 قبل الميلاد): كانت هذه الفترة هي وقت السبي البابلي للشعب اليهودي.

٢ - المرحلة الفارسية (539-520 قبل الميلاد): كانت هذه الفترة هي وقت عودة الشعب اليهودي وبناء الهيكل الثاني.

دانيال كان مستشارًا موثوقًا لدى نبوخذنصر، وتنبأ بسقوط بابل على يد الفرس، كما كان دانيال شخصيةً دينيةً بارزةً، وساهم في الحفاظ على الهوية اليهودية خلال فترة السبي، فقد قصدت سرد هؤلاء الملوك ليتايع القارئ معي الفترات الزمنية التي حلم فيها دانيال احلاما ورأي رؤي وعرف ما في الكتب.

 

في الفترة الزمنية لكورش الملك الفارسي كشف " الأمْرُ حَقٌّ وَالْجِهَادُ عَظِيم ( دا ١٠ : ١ ) وقد فهم دانيال وعرف معرفة فائقة، والطريقة كانت إمتنع عن الأكل الشهي أمتنع عن اللحوم والخمور وابتعد عن دهن رأسه لمدة ٣ أسابيع أيام ( : ٢ ) كل هذا لكي يعرف ويفهم من الله مستقبل شعبه، ولمعرفة التوقيتات والأزمنة، وفي يوم ٢٤ / ١ كان بجوار النهر دجلة رأي رجل له وصف مميز جدا كما يلي : 

" لابِسٍ كَتَّانًا - حقواه متنطقان ب بِذَهَبِ أُوفَازَ  - جِسْمُهُ كَالزَّبَرْجَدِ - وَوَجْهُهُ كَمَنْظَرِ الْبَرْق - وَعَيْنَاهُ كَمِصْبَاحَيْ نَار - وَذِرَاعَاهُ وَرِجْلاهُ كَعَيْنِ النُّحَاس الْمَصْقُولِ - وَصَوْتُ كَلامِهِ كَصَوْتِ جُمْهُور " ( دا ١٠ : ٤ - ٦ )  ما رأه دانيال ليس ملاكا بل هو رب المجد اقنوم الإبن وهو الذي ايضا رأه يوحنا في رؤياه " وَفِي وَسْطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ - مُتَسَرْبِلا بِثَوْبٍ إِلَى الرِّجْلَيْنِ - وَمُتَمَنْطِقًا عِنْدَ ثَدْيَيْهِ بِمِنْطَقَةٍ مِنْ ذَهَبٍ. - وَأَمَّا رَأْسُهُ وَشَعْرُهُ فَأَبْيَضَانِ كَالصُّوفِ الأبْيَضِ كَالثَّلْجِ، - وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ. - وَرِجْلاهُ شِبْهُ النُّحَاسِ النَّقِيِّ، - كَأَنَّهُمَا مَحْمِيَّتَانِ فِي أَتُونٍ. وَصَوْتُهُ كَصَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ. (رؤيا ١: ١٣-١٥) في الاوضاع الروحية التي يكون فيها إعلانات غير عادية، لابد ايضا من أن يكون المعلن لها فائق القدرة وفوق الطبيعة، فرأي دانيال الرؤيا وهرب من حوله " فَرَأَيْتُ أَنَا دَانِيآلُ الرُّؤْيَا وَحْدِي، وَالرِّجَالُ الَّذِينَ كَانُوا مَعِي لَمْ يَرَوْا الرُّؤْيَا، لكِنْ وَقَعَ عَلَيْهِمِ ارْتِعَادٌ عَظِيمٌ، فَهَرَبُوا لِيَخْتَبِئُوا ( دا ١٠ : ٧ ) وبقي دانيال وحده وسابت اعصابه وسقط ووجه علي الارض، وإحتاج الي من يشدده ويسنده ويلمسه، الكل تركه وبقي وحده مع من رأهم.


- ليس صدفة أن يري دانيال الرب :

عندما يرتب الإنسان لنفسه أجواء بركة وجلوس أمام الرب، يصنع الله أمامه بالتوازي تحركات إلهية، فالله لا يقتحم الإنسان إلا عندما يصنع الشخص مبادرة او يبدي رغبة للعمل في كرم الرب او يعلن انفتاحه واستعداده، استخدم الرب موسي عندما بدأ في الدفاع عن شعب الرب برغم خطأه في التصرف، واستخدم الرب جميع انبياءه عندما عرضت عليهم الدعوة فقبلوا وكانوا مهيأين لها، هكذا في أمر دانيال فقد إجتمع برجال ليساندوه في الصلاة والتكريس ويشاركوه في إمتناعه عن الطعام الشهي، صار دانيال مركز للتعاملات الإلهية في جيله لأنه سمح لنفسه أن يكون أساس الدعوة لعمل الله والصلاة والتكريس، فهو من البداية كان المتقدم والمتصدر في الحديث والمواجهة، فهو الذي طلب عن نفسه وعن رفقائه من رئيس الخصيان الإمتناع عن الطعام المقدم من الملك وخصصوا لأنفسهم طعاما أخر (دانيال ١: ١١، ١٢، ١٤) وعندما غضب الملك من الكلدانيين وأمر بإبادة كل حكماء المملكة وطلبوا دانيال ورفقائه ليبيدوهم ضمن الحكماء، تصدر دانيال للمشهد وطلب مهلة لمعرفة لغز الحلم وتفسيره وهو الذي دفع رفقائه للصلاة من أجل الأمر ( دانيال ٢: ١٢-١٤، ١٦ ) فقد كان دانيال متصدر المشهد دائما وكان مركز التواصل لإمور الملكوت، فليس غريبا أن يأتي له الرب بنفسه عند نهر دِجْلَةُ


- لمسة حانية وقوة الهية للإدراك والفهم :

مبادرات دانيال وتصدره للمشهد جعلته معروفا في الأجواء الروحية، ففي " السَّنَةِ الأولَى لِدَارِيُوسَ بْنِ أَحْشَوِيرُوشَ (دانيال ٩: ١) تضرع دانيال أمام الرب " فَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَى الله السَّيِّدِ طَالِبًا بِالصَّلاةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ، بِالصَّوْمِ وَالْمَسْحِ وَالرَّمَادِ " أتي اليه جبرائيل الملاك، وإثناء صلاته أتي اليه الرجل " جِبْرَائِيلَ " ولمسه ( دا ٩ : ٣ - ٢٠ ) فلمسة الملاك وضعت دانيال في محال الرفعة والقوة لاستقبال الحديد، وها هو في لمسة ثانية وجديدة ( دا ١٠ : ١٠ ) لمسة من ملاك أخر جاء برفقة الرب ( ضمن الرجال اللذين مع الرب ) فكانت لمسة للقوة والرفعة ايضا، مقوية وشافية وقادرة علي العون.


- شهادة ينتظرها كل تقي : 

لمس الملاك الحاضر برفقة الرب دانيال وقواه ( : ١٠ ) وابتدأ يعلن له إعلانا شخصيا فقال له " أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمَحْبُوب ( : ١١ ) كلمة لها سحرها في النفس البشرية، محبوب .. لانه صنع مبادرات تجاه الرب وخدمة شعبه ومحبته لهم، فتوجد مرة اخري يقال له بأنه محبوب " فِي ابْتِدَاءِ تَضَرُّعَاتِكَ خَرَجَ الأمْرُ، وَأَنَا جِئْتُ لأخْبِرَكَ لأنَّكَ أَنْتَ مَحْبُوبٌ. فَتَأَمَّلِ الْكَلامَ وَافْهَمِ الرُّؤْيَا. (دانيال ٩: ٢٣) لذلك دعاه ايضا للمرة الثانية بالرجل المحبوب أن يفهم ويعرف الكلام " افْهَمِ الْكَلامَ الَّذِي أُكَلِّمُكَ بِه " فقد وجد دانيال ملاكا ينير له البصيره ويفهمه سير الاحداث المستقبلية، يا له من إمتياز، وإن كان لدانيال ملاك يفهمه ويعرفه، فنحن اليوم لنا الروح القدس الذي يعلم ويذكر " وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ. (يوحنا ١٤: ٢٦) فالروح القدس يعلم هنا أي يفهم ويمنح الفرص للمعرفة، لذلك قال الملاك " وَقُمْ عَلَى مَقَامِكَ لأنِّي الآنَ أُرْسِلْتُ إِلَيْكَ ( : ١١ ) فقام دانيال مرتعدا - المشهد صعب حقيقي صعب ولكنه جميل، فقواه الملاك وقال له " لا تَخَفْ " فمن بداية تضرعك من " الْيَوْمِ الأوَّلِ الَّذِي فِيهِ جَعَلْتَ قَلْبَكَ لِلْفَهْمِ وَلإذْلالِ نَفْسِكَ قُدَّامَ إِلهِكَ، سُمِعَ كَلامُكَ، وَأَنَا أَتَيْتُ لأجْلِ كَلامِك ( : ١٢ )  وإبتدأ يشرح له الحرب الروحية التي حدثت بسبب صلاته وطلبته.


- حرب روحية في الاجواء السماوية : 

وجود الرب في حياة دانيال قبل أن يدخل في دائرة الفهم الروحي الخاص بالحرب الروحية التي كانت فوق رأسه وهو لا يدري، كان أمرا مهما جدا أن يكون متواجد ومرئي له، هذا ما يطلبه كل مؤمن تقي لأن وجود الرب وسندته تعطي حياة الثبات " اِحْفَظْنِي يَا اَللهُ لأنِّي عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. جَعَلْتُ الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ، لأنَّهُ عَنْ يَمِينِي فَلا أَتَزَعْزَعُ. (المزامير ١٦: ١، ٨) هذا الواقع الروحي في معية الله تعطي شعورا بالمساندة الإلهية، وايضا وجود الملائكة يعطي شعورا بالمساندة السماوية تجاه حياة المؤمن، ونحو مستقبل شعب الرب، الذي يريد دانيال أن يعرف تفاصيله.


جاء الملاك وشدد دانيال وقواه وشجعه وأعلمه بأنه محبوب جدا، واقف هنا وقفة لماذا هو الرجل المحبوب، لأنه من القلائل المهتمين بمعرفة ما في قاب الله ومهتم بفهم مستقبل شعب الله، وهذا ايضا يذكرني بالرسول يوحنا الذي " وَكَانَ مُتَّكِئًا فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ. (يوحنا ١٣: ٢٣) لأنه ايضا كان مهتم بأن يقترب الي الرب والي نبضات قلبه، فنبضات قلب الرب هي شعبه، يوحنا كان مهتما بنهاية الأزمنة، فكل مؤمن يهتم بالاخراويات وعمل الله ينال تطويبا خاصا " طُوبَى لِلَّذِي يَقْرَأُ وَلِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ أَقْوَالَ النُّبُوَّةِ، وَيَحْفَظُونَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهَا، لأنَّ الْوَقْتَ قَرِيبٌ. (رؤيا ١: ٣) فرؤية دانيال الرب امتياز استحقه لانه مهتم بما في قلب الله فالله اهتم بما في قلب دانيال، هذا يولد مشاعر الثقة في نفس دانيال، التي بدورها تُفعِل النقاء الذهني ليستطيع أن يتفرغ لفهم الدوائر الروحية الموجودة حوله " لأنَّهُ يُنَجِّيكَ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِ وَمِنَ الْوَبَإِ الْخَطِرِ. لا تَخْشَى مِنْ خَوْفِ اللَّيْلِ، وَلا مِنْ سَهْمٍ يَطِيرُ فِي النَّهَارِ، وَلا مِنْ وَبَإٍ يَسْلُكُ فِي الدُّجَى، وَلا مِنْ هَلاكٍ يُفْسِدُ فِي الظَّهِيرَةِ. (المزامير ٩١: ٣، ٥، ٦) فالأمر ليس مجرد حرب بشرية وتدخلات بشرية بعضها مع بعض، ولكنها تدخلات روحانيه من عالم الروح على عالم الجسد - عالم المادة، وأنه يوجد رؤساء من أرواح شيطانية متوزعة على العالم، ولذلك شرح الملاك لدانيال كيف كانت الحرب وكيف حسمت ولصالح من حسمت، وهذا ايضا ما يعلمه لنا الرسول بولس بقوله " فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاطِينِ، مَعَ وُلاةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. (أفسس ٦: ١٢) فتوجد ممالك ودول وبلاد كمملكه الفرس واليونان أو اليهودية كل هذه البلاد هي بلاد حقيقيه ولكن لها رؤساء في عالم الروح. 

- كلمة رؤساء جاءت في اللغودة الإنجليزي principalities وتعني إمارات او السلطات الرئيسية، وفي اليوناني ἀρχοντες وتنطق arkhontes أرخوَن وتعني حكام، رؤساء، قادة، سلطات، وهم الأرواح الشريرة التي تسيطر على العالم، وتوحي للناس بالأفكار الشريرة 

- كلمة سلاطين في الإنجليزي powers وتعني قوي في اليوناني ἐξουσία وتنطق exousia إكسُوْسِيَا وتعني حكام، سلطات، قوى، وهم الأرواح الشريرة التي تتحكم في قوى الطبيعة، مثل الريح والمطر والنار.

- كلمة ولاة العالم في الانجليزيه ( rulers - حكام )   the rulers of the darkness of this world وتعني حكام ظلمة هذا العالم، وفي اليونانية κοσμοκράτορες وتنطق kosmokratores كوسْموْكْراتورَس وتعني حكام العالم، حكام الظلام، وهي من كلمتين ( κοσμο - kosmo ) وتعني العالم والكلمة الاخري ( κράτωρ - krator ) وتعني حاكم، سيد، ملك، وهم الأرواح الشريرة التي تقود العالم إلى الظلام والشر. 

- كلمة أجناد الشر وفي الانجليزيه spiritual wickedness in high places وتعني اجناد شر في الأماكن المرتفعة، وفي اليونانية ponēria πονηρία وتنطق بونِيرِيا وتعني أرواح شريرة، ملائكة شريرة، وهم الجنود الذين يخدمون الأرواح الشريرة الأخرى، وتعني ايضا شر، فساد، خطيئة، خداع فهم المسئولين عن هذه الأنواع من الخطايا

هنا نري طبيعة الصراع الروحي الذي يخوضه المؤمنون. يقول إن هذا الصراع ليس مع البشر، بل مع قوى الشر الروحية في العالم العلوي. ويذكر أربع فئات من هذه القوى ( أرخوَن - إكسُوْسِيَا - كوسْموْكْراتورَس - بونِيرِيا ) إن المؤمنين يجب أن يكونوا على دراية بهذه القوى الشريرة، وأن يستعدوا للصراع ضدها. ولكي يفعلوا ذلك، يجب عليهم أن يلبسوا أسلحة الله الروحية، مثل الحق والبر والسلام والمحبة.

هؤلاء كانوا رتب ملائكية يستخدمهم الله كما يستخدم جبرائيل وميخائيل " فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لا يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. (كولوسي ١: ١٦) فجميعها أرواح ساقطة ويضاف اليهم رتبة ملائكية اخري كانت وظيفتها عروش للجلوس عليها وجاءت في اليونانية θρόνοι وتنطق thronoi ثرونِي وتعني عروش، مقاعد، مكان الحكم، هنا نري عظمة الله في خليقته " وَلِلْوَقْتِ صِرْتُ فِي الرُّوحِ، وَإِذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ. (رؤيا ٤: ٢) هذه الملائكة سقطت وتبقي منها ملائكة أخرين خاضعين لله. 

لاحظ معي الترتيبات " رُّؤَسَاءِ " ثم " سَّلاطِينِ " ثم " وُلاةِ الْعَالَم " واخيرا " أَجْنَادِ الشَّرِّ " هذه الترتيبات أقلهم جندي، والرتبة الأعلي ولي، ثم سلطان، والكبير رئيس، والذي كان يحارب جبرائيل وميخائيل ( وهم رؤساء ملائكة ) رؤساء ند لهم في عالم الشر، وكان وقتها رئيس الفرس " وَرَئِيسُ مَمْلَكَةِ فَارِسَ وَقَفَ مُقَابِلِي وَاحِدًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، ( دا ١٠ : ١٣ )  وإن تطور الأمر سيتم إستدعاء رئيس اليونان " هُوَذَا رَئِيسُ الْيُونَانِ يَأْتِي ( : ٢٠ ) إنهم كأرواح شياطين منظمين ومرتبين كما تعلموا وكانوا في السماء قبل سقوطهم، فهم لا يعرفون الهرجلة وعدم النظام، ويعرفون كيف يسندون بعضهم بعض، لذلك علي كل المؤمنين فهم هذا الامر ليستطيعوا ان ينتصروا في حروبهم الروحية.


- حرب روحية في عالم الروح لإيعاقة دانيال :

هذه الارواح كانوا رتب ملائكية يستخدمهم الله كما يستخدم جبرائيل وميخائيل " فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لا يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. (كولوسي ١: ١٦) فجميعها أرواح ساقطة ويضاف اليهم رتبة ملائكية اخري كانت وظيفتها عروش للجلوس عليها وجاءت في اليونانية θρόνοι وتنطق thronoi ثرونِي وتعني عروش، مقاعد، مكان الحكم، هنا نري عظمة الله في خليقته " وَلِلْوَقْتِ صِرْتُ فِي الرُّوحِ، وَإِذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ. (رؤيا ٤: ٢) هذه الملائكة سقطت وتبقي منها ملائكة أخرين خاضعين لله


عندما كان يصلي دانيال ويطلب من الرب استمر يطلب 21 يوما والأمر كان لا يستغرق أكثر من ساعة زمن أو دقائق والإستجابه تكون فورية، ولكن الملاك تعثر عن المجيء مدة طويلة جدا، فقد حدث ما لا يتوقعه أحد، فاثناء نزول الملاك جبرائيل ليبشر دانيال ويجيب على سئل قلبه، وقف أمام الملاك ملاك أخر شيطاني برئيس مملكه فارس ولكي يستطيع أن يذهب الى دانيال إستعان بملاك اخر رئيس ملائكه يسمى ميخائيل " وَهُوَذَا مِيخَائِيلُ وَاحِدٌ مِنَ الرُّؤَسَاءِ الأوَّلِينَ جَاءَ لإعَانَتِي، وَأَنَا أُبْقِيتُ هُنَاكَ عِنْدَ مُلُوكِ فَارِسَ. وَجِئْتُ لأفْهِمَكَ مَا يُصِيبُ شَعْبَكَ فِي الأيَّامِ الأخِيرَةِ، لأنَّ الرُّؤْيَا إِلَى أَيَّامٍ بَعْد ( دا ١٠ : ١٤ ) نزل جبرائيل لدانيال ليخبره بما يريد أن يقوله من الرب، إنها الحرب الروحية - ملاك نازل بمهمة وشيطان يعترض طريقه، هذه لم تكون المرة الأولي فقد اعترض الشيطان طريق الملاك وقت دفن موسي " وَأَمَّا مِيخَائِيلُ رَئِيسُ الْمَلائِكَةِ، فَلَمَّا خَاصَمَ إِبْلِيسَ مُحَاجًّا عَنْ جَسَدِ مُوسَى، لَمْ يَجْسُرْ أَنْ يُورِدَ حُكْمَ افْتِرَاءٍ، بَلْ قَالَ: «لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ!». (يهوذا ١: ٩) (التثنية ٣٤: ٦) وسوف يعترض طريق نفس الملاكين عندما يأخذون مهمة طرد إبليس من الأجواء السماوية في بداية النصف الثاني من الضيقة العظيمة " وَحَدَثَتْ حَرْبٌ فِي السَّمَاءِ: مِيخَائِيلُ وَمَلائِكَتُهُ حَارَبُوا التِّنِّينَ، وَحَارَبَ التِّنِّينُ وَمَلائِكَتُهُ وَلَمْ يَقْوَوْا، فَلَمْ يُوجَدْ مَكَانُهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي السَّمَاءِ. (رؤيا ١٢: ٧، ٨) إن الحروب الروحية خط موجود منذ بداية الخليقة قبل السقوط، وسيستمر الي نهاية الزمان.

 

 نرى رئيس مملكه فارس ورئيس مملكة اليونان هم من الأرواح الشيطانية ويحاولان تعطيل العمل الإلهي، ولن يكون الحسم إلا من خلال إستمرار دانيال في الصلاة والطلب أمام الرب، فإستمرار دانيال في الصلاة هو الذي حسم القضية وحسم الأمر " انْتَظِرِ الرَّبَّ. لِيَتَشَدَّدْ وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ، وَانْتَظِرِ الرَّبَّ. (المزامير ٢٧: ١٤) الأرواح الشيطانية تحاول تعطيل العمل الإلهي، هذا لأنها عدو لله وللإنسان. وهي تعمل دائماً لإعاقة العمل الإلهي في العالم، فالحسم يأتي من خلال إستمرار الصلاة وطلب الرب،  فهي سلاح قوى ضد الأرواح الشيطانية، فعندما نصلي بإيمان، فإننا نضع الأمور في يد الله، ونثق أنه سيحقق مشيئته، أيضا يجب أن يكون المؤمن فاهم روحياً مقدار الأمر الذي يطلبه، إن الإيمان هو أساس كل صلاة. فعندما نصلي بإيمان، فإننا نؤمن بأن الله قادر على تحقيق ما نطلبه. كما أن الإيمان يتطلب أن نتحمل المسؤولية كاملة عن أفعالنا.


إن كنت تريد أن تكون منتصرا في حربك الروحية لا تكن ضمن هؤلاء، الجاهل الذي لا يعلم، الضعيف الذي لا يستطيع، الجبان الذي يهرب، الذي لا يثق في الله لذلك يقول : " طُوبَى لِلإنْسَانِ الْمُتَّقِي دَائِمًا، أَمَّا الْمُقَسِّي قَلْبَهُ فَيَسْقُطُ فِي الشَّرِّ. أَسَدٌ زَائِرٌ وَدُبٌّ ثَائِرٌ، الْمُتَسَلِّطُ الشِّرِّيرُ عَلَى شَعْبٍ فَقِيرٍ. رَئِيسٌ نَاقِصُ الْفَهْمِ وَكَثِيرُ الْمَظَالِمِ. مُبْغِضُ الرَّشْوَةِ تَطُولُ أَيَّامُهُ. اَلرَّجُلُ الْمُثَقَّلُ بِدَمِ نَفْسٍ، يَهْرُبُ إِلَى الْجُبِّ. لا يُمْسِكَنَّهُ أَحَدٌ. (الأمثال ٢٨: ١٤-١٧) أهمية عدم الإستعجال في الصلاة أو الطلب من الله، وأن يكون لدى المؤمن ثقة كاملة بأن الرب سمع الصلاة ويستجيب، وأن التأخير ليس من الله وليس من الملائكة، ولكن حسم الأمر يحتاج إلى جهاد روحي ما بين المؤمنين والملائكة ضد عمل الشيطان. " علي الله خَلاصِي وَمَجْدِي، صَخْرَةُ قُوَّتِي مُحْتَمَايَ فِي الله، تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ فِي كُلِّ حِينٍ يَا قَوْمُ. اسْكُبُوا قُدَّامَهُ قُلُوبَكُمْ. اَللهُ مَلْجَأٌ لَنَا ( مز ٦٢ : ٧ ، ٨ ) هذا يؤكد على أن المؤمن منتصر في النهاية، وأن الله سيعطيه ما يطلبه، إذا كان يثق في الله ويصبر على الصلاة، ولذلك إستطاع دانيال أن ينال المعرفة والفهم والإدراك والرؤيا من الرب، مهما كانت الحرب الروحيه ضد دانيال لكن إبليس فشل وإنهزم لأنه يوجد رجل مثل دانيال ورفقاءه القادرين على الصمود والاستمرارية في عمل الله وخدمته مهما كانت الحروب ومهما كان قوة العدو.

__________________________________

١٤ 

الصراع الاخير في نهاية الزمان 

الأمر صعب علي دانيال ولذلك كان يحتاج لمن بسانده ويقف بجواره مفهما ومعرفا بإمور الحياة المستقبلية وطبيعتها، ولا سيما الحرب الدائرة علي دانيال أيام الملك دَارِيُوسَ الْمَادِي وقتما حاول زملاء دانيال الوزراء الذج به في جب الإسود، وقد حاول هذا الملك إنقاذ دانيال، ويكشف لنا الوحي هنا أن الذي كان وراء مساندة الملك لدانيال هو الملاك لذلك قال " وَأَنَا فِي السَّنَةِ الأولَى لِدَارِيُوسَ الْمَادِيِّ وَقَفْتُ لأشَدِّدَهُ وَأُقَوِّيَه ( دا ١١ : ١ ) المتكلم هنا الملاك وقف ليشدد الملك لكي يسند دانيال، فالمساندة هنا ليستطيع الملك في مساندة دانيال حتي بعد أن تم القاء دانيال في داخل الجب،، فذهب لينادي عليه، فيجده حي، فيخرجه، فلو كان الملك فاقد امل نجاته لكان قد تركه وسط الإسود يموت جوعا، ولكن الرب كان مهيمن علي الموقف بكل الإمكانيات، ملاك مع الملك، وملاك الرب مع دانيال لسد فم الإسود، إنها هيمنة إلهية برغم قوة الاعداء وجبروتهم.


ثم يتكلم الملاك عن ثلاثة ملوك في فارس ويقوم رابع لينهي عليهم لانه أغني منهم " وَالآنَ أُخْبِرُكَ بِالْحَقِّ. هُوَذَا ثَلاثَةُ مُلُوكٍ أَيْضًا يَقُومُونَ فِي فَارِسَ، وَالرَّابعُ يَسْتَغْنِي بِغِنًى أَوْفَرَ مِنْ جَمِيعِهِمْ، وَحَسَبَ قُوَّتِهِ بِغِنَاهُ يُهَيِّجُ الْجَمِيعَ عَلَى مَمْلَكَةِ الْيُونَانِ.  وَيَقُومُ مَلِكٌ جَبَّارٌ وَيَتَسَلَّطُ تَسَلُّطًا عَظِيمًا وَيَفْعَلُ حَسَبَ إِرَادَتِهِ. وَكَقِيَامِهِ تَنْكَسِرُ مَمْلَكَتُهُ وَتَنْقَسِمُ إِلَى رِيَاحِ السَّمَاءِ الأرْبَعِ، وَلا لِعَقِبِهِ وَلا حَسَبَ سُلْطَانِهِ الَّذِي تَسَلَّطَ بِهِ، لأنَّ مَمْلَكَتَهُ تَنْقَرِضُ وَتَكُونُ لآخَرِينَ غَيْرِ أُولئِكَ. (دانيال ١١: ٢-٤) هذا عن مستقبل الإمبراطورية الفارسية زاليونانية، تنبأ بأن ثلاثة ملوك سيحكمون الإمبراطورية قبل أن يأتي ملك رابع قوي وغني. سيستخدم هذا الملك الرابع ثروته لتعبئة الناس ضد الإمبراطورية اليونانية، تحققت هذه النبوءة بالفعل، حكم الثلاث ملوك الإمبراطورية الفارسية قبل أن يأتي الإسكندر الأكبر. كان الإسكندر الأكبر ملكًا قويًا وغنيًا، وتمكن من تعبئة الناس ضد الإمبراطورية اليونانية، ونجح في توسع المملكة اليونانية، فالملوك الثلاثة وهم :

- كورش الكبير (550-530 ق.م.) ( دا ١ : ١ ) 

- قمبيز الثاني (530-522 ق.م.) ابن احشويرش الملك انه في التاريخ إسمه قمبيز 

- داريوس الأول (522-486 ق.م.) ( دا ٦ : ٢٨ ) 

- الملك الرابع هو الإسكندر الأكبر (336-323 ق.م.)، الذي غزا الإمبراطورية الفارسية ووسع حدودها إلى أوروبا وآسيا، حدث هذا بالفعل، غزا الإسكندر الأكبر الإمبراطورية الفارسية، ثم غزا الإسكندر بقية الإمبراطورية الفارسية، ووسع حدودها إلى أوروبا وآسيا.

تُعتبر هذه الآية من أهم النبوءات في الكتاب المقدس. تتنبأ بظهور ملك قوي وغني سيهز الإمبراطورية اليونانية. تحققت هذه النبوءة بالفعل مع ظهور الإسكندر الأكبر، وتُعتبر هذه الآية أيضًا دليلًا على أن الكتاب المقدس هو كتاب إلهي، حيث أنها تنبأت بأحداث تاريخية حدثت في المستقبل


- ملك الجنوب وتدخله في قضية فلسطين : 

مهم جدا معرفة أن في دائره العلاقات بين دول العالم بعضها ببعض، عندما ندرس كلمه الله الدراسة المرتبطة بالأخراويات نجد انفسنا نتكلم في إمور من السياسة، قيام ملوك وسقوط ملوك قيام دول وسقوط دول، فسفر الرؤيا وسفر دانيال ممتليئ بالمعلومات الخاصة بنهاية الزمان وعلاقات الدول بعضها ببعض، فالعالم كله مهتم بقضية فلسطين وإسرائيل ( نعم .. جزء مشارك والآخر متابع بشغف ) هذه المنطقة لن تهدأ إلا في الملك الألفي، فلابد أن يبني الهيكل ويجلس فيه النبي الكذاب " لا يَخْدَعَنَّكُمْ أَحَدٌ عَلَى طَرِيقَةٍ مَا، لأنَّهُ لا يَأْتِي إِنْ لَمْ يَأْتِ الارْتِدَادُ أَوَّلا، وَيُسْتَعْلَنْ إِنْسَانُ الْخَطِيَّةِ، ابْنُ الْهَلاكِ، الْمُقَاوِمُ وَالْمُرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلهًا أَوْ مَعْبُودًا، حَتَّى إِنَّهُ يَجْلِسُ فِي هَيْكَلِ الله كَإِلهٍ، مُظْهِرًا نَفْسَهُ أَنَّهُ إِلهٌ ( ٢ تس ٢ : ٢ ، ٤ ) أعلم أن المنطقة الآن ( إثناء كتابة هذه السطور) علي صفيح ساخن، وبرغم هذا عندما ندخل في ( دا ١١ ) نري ملك الجنوب ( مصر وبعض الدول العربية ) وملك الشمال ( بعض الدول الأوربية والأمريكية ) سيحاول ملك الجنوب مساندة أرض فلسطين ولكنه سينجح في البداية ( عندما ينتقم من بنت ملك الجنوب ) ولكنه سيفشل فيما بعد " وَيَتَقَوَّى مَلِكُ الْجَنُوبِ. وَمِنْ رُؤَسَائِهِ مَنْ يَقْوَى عَلَيْهِ وَيَتَسَلَّطُ. تَسَلُّطٌ عَظِيمٌ. (دانيال ١١: ٥) ولكن هذه المملكة لن تثبت في حربها ومساندتها لأرض فلسطين ويرجع لأرضه، 

محاولة مصر بالإتحاد مع بعض الدول لمساندة فلسطين ستبوء بالفشل، وعندما يحاول مرة أخري لمساندة القضية الفلسطينية لن ينجح " فَيَأْتِي مَلِكُ الشِّمَالِ وَيُقِيمُ مِتْرَسَةً وَيَأْخُذُ الْمَدِينَةَ الْحَصِينَةَ، فَلا تَقُومُ أَمَامَهُ ذِرَاعَا الْجَنُوبِ وَلا قَوْمُهُ الْمُنْتَخَبُ، وَلا تَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ لِلْمُقَاوَمَةِ. (دانيال ١١: ١٥) هذا لأن أرض فلسطين يسميها الكتاب الكتاب : فَخْرِ الأرَاضِي ﴿ دا ٨ : ٩  ﴾ وايضا - الأرْضِ الْبَهِيَّة ﴿دانيال ١١ : ١٦ ﴾ فالدول التي تساند إسرائيل ربما يكونوا علي دراية بالنبوات وتحرك الحكومات في نهاية الزمان، وقد يكون هذا اتجاهم السياسي في مصير كل دول العالم والسيطرة عليها، فستظل هذه البقعة من الأرض محل صراع وسبب مشاكل ليوم الدين، لأن نظرات العالم كله نحو فخر الأراضي والأرض البهية.


- بنت ملك الجنوب وفشل المعاهدة : 

ياتي في المشهد تحالف بين ملك الجنوب ضد التحالف الذي لملك الشمال، فملك الجنوب هما كل الملوك المحالفة بعضها مع بعض لمساندة فلسطين بقيادة مصر، فيحدث بينهما تحالف مع ملك الشمال، في وقت سيكون لملك الجنوب من تسعي محاولة من الدول المحالفة لعمل اتفاق لحل القضية ولكن يغدر بهم من ملك الشمال " وَبَعْدَ سِنِينَ يَتَعَاهَدَانِ، وَبِنْتُ مَلِكِ الْجَنُوبِ تَأْتِي إِلَى مَلِكِ الشِّمَالِ لإجْرَاءِ الاتِّفَاقِ، وَلكِنْ لا تَضْبِطُ الذِّرَاعُ قُوَّةً، وَلا يَقُومُ هُوَ وَلا ذِرَاعُهُ. وَتُسَلَّمُ هِيَ وَالَّذِينَ أَتَوْا بِهَا وَالَّذِي وَلَدَهَا وَمَنْ قَوَّاهَا فِي تِلْكَ الأوْقَات ( دا ١١ : ٦ ) وتاتي محاولة ناجحة من مملكة الجنوب، فبسعون للامتقام لبنت ملك الجنوب  " وَيَقُومُ مِنْ فَرْعِ أُصُولِهَا قَائِمٌ مَكَانَهُ، وَيَأْتِي إِلَى الْجَيْشِ وَيَدْخُلُ حِصْنَ مَلِكِ الشِّمَالِ وَيَعْمَلُ بِهِمْ وَيَقْوَى .وَيَسْبِي إِلَى مِصْرَ آلِهَتَهُمْ أَيْضًا مَعَ مَسْبُوكَاتِهِمْ وَآنِيَتِهِمِ الثَّمِينَةِ مِنْ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ ، وَيَقْتَصِرُ سِنِينَ عَنْ مَلِكِ الشِّمَال  ( : ٧ - ٨ ) الأمر تراه صراع رهيب إتحاد دول ومحاولة تسلط ومعاهدات وتحالفات .. ما كل هذا..؟!. إنها  فَخْرِ الأرَاضِي ﴿ دا ٨ : ٩  ﴾ وايضا - الأرْضِ الْبَهِيَّة ﴿دانيال ١١ : ١٦ ﴾ فملك الجنوب يصير قويا في أيام النهاية، فعندما ينتصر تقع فلسطين تحت سيادته، وعندما ينتصر ملك الشمال تقع فلسطين تحت سيطرتها، ويظل هذا الحال بينهما.


- حرب وتحالفات لمدة كبيرة بالمنطقة :

نلاحظ هنا أن تحركات ملك الشمال ضد ملك الحنوب لأجل اسرئيل لاعطائها فرصة امتلاك أرض فلسطين ( فخر الأراضي - الأرض البهية ) وملك الجنوب ضد ملك الشمال لأجل تمكين فلسطين في مكان وجودهم وعدم إعطاء فرصة لإسرائيل من التمكن من الأرض وعدم بناء الهيكل، لأن في بناء الهيكل هدم للمسجد الأقصي، وهذا سيجعل المنطقة علي صفيح ساخن موهوج طول الوقت، فعندما يشعر ملك الجنوب انه ربح جوله يرجع سكناته " فَيَدْخُلُ مَلِكُ الْجَنُوبِ إِلَى مَمْلَكَتِهِ وَيَرْجِعُ إِلَى أَرْضِه ( دا ١١ : ٩ ) فيحدث أن جمهور ملك الشمال يثور فيرجع ويحارب " وَبَنُوهُ يَتَهَيَّجُونَ فَيَجْمَعُونَ جُمْهُورَ جُيُوشٍ عَظِيمَةٍ، وَيَأْتِي آتٍ وَيَغْمُرُ وَيَطْمُو وَيَرْجِعُ وَيُحَارِبُ حَتَّى إِلَى حِصْنِه  ( : ١٠ ) فهل بصمت ملك الجنوب .. كلا .. بل يغتاظ ويخرج للحرب " وَيَغْتَاظُ مَلِكُ الْجَنُوبِ وَيَخْرُجُ وَيُحَارِبُهُ أَيْ مَلِكَ الشِّمَالِ، وَيُقِيمُ جُمْهُورًا عَظِيمًا فَيُسَلَّمُ الْجُمْهُورُ فِي يَدِهِ.  فَإِذَا رُفِعَ الْجُمْهُورُ يَرِتْفِعُ قَلْبُهُ وَيَطْرَحُ رَبَوَاتٍ وَلا يَعْتَزّ ( : ١١ - ١٢ ) يشعر ملك الجنوب بأنه استطاع أن يفعل شيئا ويعتز بما صنعه، فهل يصمت ملك الشمال ... كلا .. فإنه يرجع فيعد جيشه وجمهوره ويكونوا أكثر من الأول ولكن هذا بعد سنين " فَيَرْجعُ مَلِكُ الشِّمَالِ وَيُقِيمُ جُمْهُورًا أَكْثَرَ مِنَ الأوَّلِ، وَيَأْتِي بَعْدَ حِينٍ، بَعْدَ سِنِينَ بِجَيْشٍ عَظِيمٍ وَثَرْوَةٍ جَزِيلَة ( : ١٣ ) في هذا الوقت يحاول ملك الشمال تمكين نفسه واليهود من امتلاك الارض ولكنهم يتعثرون " وَفِي تِلْكَ الأوْقَاتِ يَقُومُ كَثِيرُونَ عَلَى مَلِكِ الْجَنُوبِ، وَبَنُو الْعُتَاةِ مِنْ شَعْبِكَ يَقُومُونَ لإثْبَاتِ الرُّؤْيَا وَيَعْثُرُون ( : ١٤ ) هل يصمت .. انه يحاول مرة اخري وبالفعل يتمكن " فَيَأْتِي مَلِكُ الشِّمَالِ وَيُقِيمُ مِتْرَسَةً وَيَأْخُذُ الْمَدِينَةَ الْحَصِينَةَ، فَلا تَقُومُ أَمَامَهُ ذِرَاعَا الْجَنُوبِ وَلا قَوْمُهُ الْمُنْتَخَبُ، وَلا تَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ لِلْمُقَاوَمَة ( : ١٥ ) فيمتلك ملك الشمال أرض فلسطين ( الأرض البهية ) " وَالآتِي عَلَيْهِ يَفْعَلُ كَإِرَادَتِهِ وَلَيْسَ مَنْ يَقِفُ أَمَامَهُ، وَيَقُومُ فِي الأرْضِ الْبَهِيَّةِ وَهِيَ بِالتَّمَامِ بِيَدِه ( : ١٦ ) يشعر أن الأمر إنتهي وصارت فلسطين ملكه وتمكن منها.


- بنت النساء وفشل التجسس ويملك ملك ( رئيس ) أخر : 

يبدأ ملك الشمال بعد ان امتلك الارض في خطوة صلح بينه وبين ملك الجنوب محاولا وضع بنت النساء ( تمكين تجاري أو إقتصادي أو سياسي ) ليس بهدف الصلح اكثر منه بهدف التجسس والخيانة ولكن محاولة المفسدة هذه تفشل " وَيَجْعَلُ وَجْهَهُ لِيَدْخُلَ بِسُلْطَانِ كُلِّ مَمْلَكَتِهِ، وَيَجْعَلُ مَعَهُ صُلْحًا، وَيُعْطِيهِ بِنْتَ النِّسَاءِ لِيُفْسِدَهَا، فَلا تَثْبُتَ وَلا تَكُونَ لَه ( : ١٧ )  بعد هذا يبدأ في تمكين نفسه وتوسيع دائرة نفوسه وسلطانه فيتحول نحو الجزائر ويستولي علي الكثير منها ( : ١٨  - ١٩ ) ثم يأخذ مكانه اخر ليرئس مملكة الشمال بالتملق وبالمكر وبالقوة ( : ٢١ - ٢٥ ) فيحاول الدخول علي ملك الجنوب " وَيُنْهِضُ قُوَّتَهُ وَقَلْبَهُ عَلَى مَلِكِ الْجَنُوبِ بِجَيْشٍ عَظِيمٍ، وَمَلِكُ الْجَنُوبِ يَتَهَيَّجُ إِلَى الْحَرْبِ بِجَيْشٍ عَظِيمٍ وَقَوِيٍّ جِدًّا، وَلكِنَّهُ لا يَثْبُتُ لأنَّهُمْ يُدَبِّرُونَ عَلَيْهِ تَدَابِيرَ وَالآكِلُونَ أَطَايِبَهُ يَكْسِرُونَهُ، وَجَيْشُهُ يَطْمُو، وَيَسْقُطُ كَثِيرُونَ قَتْلَى. ( : ٢٥ - ٢٦ ) ينهزم ملك الجنوب بسبب الحيل والخداع والمكر الذي في ملك الشمال ويموت كثيرين، يحاولون عمل معاهدة فيجلسون علي مائدة واحدة ولكنها تفشل ( : ٢٧ ) فيرجع ملك الشمال الي أرضه وهو لا يفرق معه اممي او يهودي وفي قلبه توعد للعودة مرة اخري الي اورشليم ( لذات المنطقة ) ليكمل ما في قلبه من شرور تجاه عبادة هذا الشعب لله 


- عودة ملك الشمال ومعه التوعد بالسيطرة : 

 عند عودته لن يستطيع في البداية لوجود معاونين  فيرجع ولا يقدر ان يفعل شيئا، فيرسل أزرع ( اطراف بطرق ملتوية ) لتنجس أماكن العبادة اليهودية وتنزع المحرقة ( : ٣١ ) ويوجد يهود مرتدين عن الإيمان يغويهم، وأما الفاهمين فسيصمتون ويعتبرون أنفسهم في إمتحان ( : ٣٣ - ٣٥ ) فهذا الملك " وَيَرْتَفِع - وَيَتَعَظَّمُ عَلَى كُلِّ إِلهٍ "  ( ٣٦ ) وينجح الي إتمام الغضب " لأنَّهُ يَتَعَظَّمُ عَلَى الْكُلّ " ( : ٣٧ ) ما سيفعله انه يثبت نفسه تدريجيا لحين التمكن " وَيُثَبِّتُ عَهْدًا مَعَ كَثِيرِينَ فِي أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ، وَفِي وَسَطِ الأسْبُوعِ يُبَطِّلُ الذَّبِيحَةَ وَالتَّقْدِمَةَ، وَعَلَى جَنَاحِ الأرْجَاسِ مُخَرَّبٌ حَتَّى يَتِمَّ وَيُصَبَّ الْمَقْضِيُّ عَلَى الْمُخَرِّبِ». (دانيال ٩: ٢٧) وهذا ايضا يذهب بنا عائدين الي دانيال في رؤياه القرن فقال " كُنْتُ مُتَأَمِّلا بِالْقُرُونِ، وَإِذَا بِقَرْنٍ آخَرَ صَغِيرٍ طَلَعَ بَيْنَهَا، وَقُلِعَتْ ثَلاثَةٌ مِنَ الْقُرُونِ الأولَى مِنْ قُدَّامِهِ، وَإِذَا بِعُيُونٍ كَعُيُونِ الإنْسَانِ فِي هذَا الْقَرْنِ، وَفَمٍ مُتَكَلِّمٍ بِعَظَائِمَ. وَعَنِ الْقُرُونِ الْعَشَرَةِ الَّتِي بِرَأْسِهِ، وَعَنِ الآخَرِ الَّذِي طَلَعَ فَسَقَطَتْ قُدَّامَهُ ثَلاثَةٌ. وَهذَا الْقَرْنُ لَهُ عُيُونٌ وَفَمٌ مُتَكَلِّمٌ بِعَظَائِمَ وَمَنْظَرُهُ أَشَدُّ مِنْ رُفَقَائِهِ. وَيَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ ضِدَّ الْعَلِيِّ وَيُبْلِي قِدِّيسِي الْعَلِيِّ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُغَيِّرُ الأوْقَاتَ وَالسُّنَّةَ، وَيُسَلَّمُونَ لِيَدِهِ إِلَى زَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ وَنِصْفِ زَمَانٍ ( دانيال ٧: ٨، ٢٠، ٢٥ ) هنا نكون في وقت الضيقة العظيمة 


في دائرة زمن الضيقة يتم فرض عبادة لا ترتبط بالله لا من قريب ولا من بعيد " وَيُكْرِمُ إِلهَ الْحُصُون فِي مَكَانِهِ، ( الوحش السياسي الخارج من البحر - رؤ ١٣ : ١٢ - ١٧ ) وَإِلهًا لَمْ تَعْرِفْهُ آبَاؤُهُ، يُكْرِمُهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَبِالْحِجَارَةِ الْكَرِيمَةِ وَالنَّفَائِسِ وَيَفْعَلُ فِي الْحُصُونِ الْحَصِينَةِ بِإِلهٍ غَرِيب ( بابل العظيمة - العبادة الاسمية رؤ ١٧ : ١ - ٥ ) مَنْ يَعْرِفُهُ يَزِيدُهُ مَجْدًا، وَيُسَلِّطُهُمْ عَلَى كَثِيرِينَ، وَيَقْسِمُ الأرْضَ أُجْرَة ( دا ١١ : ٣٨ ، ٣٩ ) فياتي دور ملك الجنوب ( مصر والدول المتحالفة معها ) يثور محاولا هدم الكيان الذي صنع بمعرفة ملك الشمال ( اسرائيل مع بعض الدول الاوربية المتخالفة معها ) ولكن سيهزم ملك الجنوب " فَفِي وَقْتِ النِّهَايَةِ يُحَارِبُهُ مَلِكُ الْجَنُوبِ، فَيَثُورُ عَلَيْهِ مَلِكُ الشِّمَالِ ... وَيَدْخُلُ الأرَاضِيَ وَيَجْرُفُ وَيَطْمُو، وَيَدْخُلُ إِلَى الأرْضِ الْبَهِيَّةِ فَيُعْثَرُ كَثِيرُونَ.. وَيَمُدُّ يَدَهُ عَلَى الأرَاضِي، وَأَرْضُ مِصْرَ لا تَنْجُو، ( : ٤٠ _ ٤٢ ) فهذا التحرك الذي من مصر علي منطقة الأرض البهية وشعب إسرائيل لن يكون في صالحها بل سيجلب عليها الدمار والسلب والنهب، وكذلك ايضا إسرائيل سيصب عليها غضب من ملك الشمال ( زك ٢٤ : ٢ ) " وَيَتَسَلَّطُ عَلَى كُنُوزِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَعَلَى كُلِّ نَفَائِسِ مِصْرَ. وَاللُّوبِيُّونَ ( ليبيا ) وَالْكُوشِيُّونَ ( الحبشة = اثيوبيا ) عِنْدَ خُطُوَاتِه ( دا ١١ : ٤٣ ) أي أن ملك الشمال في زمن الضيقة سيكون يده قادرة علي التسلط علي مصر وليبيا مرورا بالسودان واثيوبيا، أي أن العالم كله سيكون تحت سيطرته لانه هو مثبت سلطان الوحش السياسي ومعاونه الوحش الديني في زمن الضيقة.


يستمر هذا الوضع حتي نهاية زمن الضيقة، وفي النهاية سيجتمع إثناء وجود ملك الشمال في مصر يسمع أخبار مزعجة في فلسطين " وَتُفْزِعُهُ أَخْبَارٌ مِنَ الشَّرْقِ وَمِنَ الشِّمَالِ ( في فلسطين ) فَيَخْرُجُ بِغَضَبٍ عَظِيمٍ لِيُخْرِبَ وَلِيُحَرِّمَ كَثِيرِينَ. وَيَنْصُبُ فُسْطَاطَهُ ( خَيْمَتَهُ الْمَلَكِيَّةَ ) بَيْنَ الْبُحُورِ ( يظن انه البحر الابيض المتوسط ) وَجَبَلِ بَهَاءِ الْقُدْس ( وَأُورُشَلِيمَ ) وَيَبْلُغُ نِهَايَتَهُ وَلا مُعِينَ لَه ( دا ١١ : ٤٤ - ٤٥ ) فياتي الي فلسطين محاولا فرض السيطرة وهناك تكون نهايته ونهاية الوحش " وَرَأَيْتُ الْوَحْشَ وَمُلُوكَ الأرْضِ وَأَجْنَادَهُمْ مُجْتَمِعِينَ لِيَصْنَعُوا حَرْبًا مَعَ الْجَالِسِ عَلَى الْفَرَسِ وَمَعَ جُنْدِهِ. ( اجتماع ملك الشمال في فلسطين ليبلغ وقت النهاية )  فَقُبِضَ عَلَى الْوَحْشِ وَالنَّبِيِّ الْكَذَّابِ مَعَهُ ( الرب هو الذي فبض علي الوحش والنبي الكذاب والشيطان وحبسهما في جهنم ) الصَّانِعِ قُدَّامَهُ الآيَاتِ الَّتِي بِهَا أَضَلَّ الَّذِينَ قَبِلُوا سِمَةَ الْوَحْشِ وَالَّذِينَ سَجَدُوا لِصُورَتِهِ. وَطُرِحَ الاثْنَانِ حَيَّيْنِ إِلَى بُحَيْرَةِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ بِالْكِبْرِيتِ.  وَالْبَاقُونَ قُتِلُوا بِسَيْفِ الْجَالِسِ عَلَى الْفَرَسِ الْخَارِجِ مِنْ فَمِهِ، وَجَمِيعُ الطُّيُورِ شَبِعَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ ( رؤيا ١٩: ١٩-٢١  ) هنا نهاية الوحش - هنا نهاية زمن الضيقة، وندخل في زمن الملك الألفي وبعده زمن النهاية.

__________________________________

١٥ 

 وقت النهاية والسفر المختوم 

يتكلم من جديد مؤكدا عن زمن الضيق وموقف شعب الله منه، ودخولهم الي زمن النهاية فقال " وَيَكُونُ زَمَانُ ضِيق لَمْ يَكُنْ مُنْذُ كَانَتْ أُمَّةٌ إِلَى ذلِكَ الْوَقْت  " هذا هو  زمن الضيقة العظيمة الذي سيجتاز فيه العالم وبالاخص شعب إسرائيل " وَفِي ذلِكَ الْوَقْتِ يُنَجَّى شَعْبُكَ، " ستكون طرق النجاة كما سيحدث للكنيسة في ذاك الوقت ( ليس الإختطاف، لأن الإختطاف في نهاية الضيقة وليس قبلها - قد تختلف معايا - عادي جدا - إدرس الموضوع دون تعصب لفكرك أو لمعتقد طائفتك ) سيهرب البعض كما ستهرب الكنيسة وتعال زمان وزمانين ونصف زمان رؤ ١٢ ثم بعد ذلك دخولهم في زمن الملك الألفي الذي في نهايته تفتح أسفار "  كُلُّ مَنْ يُوجَدُ مَكْتُوبًا فِي السِّفْر ( دا ١٢ : ١ ) في هذا التوقيت تحدث القيامة الثانية " وَكَثِيرُونَ مِنَ الرَّاقِدِينَ فِي تُرَابِ الأرْضِ يَسْتَيْقِظُونَ، هؤُلاءِ إِلَى الْحَيَاةِ الأبَدِيَّةِ، وَهؤُلاءِ إِلَى الْعَارِ لِلازْدِرَاءِ الأبَدِي ( دا ١٢ : ٣ ) هذا سيكون في نفس التوقيت الذي رأه يوحنا " وَرَأَيْتُ الأمْوَاتَ صِغَارًا وَكِبَارًا وَاقِفِينَ أَمَامَ الله، وَانْفَتَحَتْ أَسْفَارٌ، وَانْفَتَحَ سِفْرٌ آخَرُ هُوَ سِفْرُ الْحَيَاةِ، وَدِينَ الأمْوَاتُ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأسْفَارِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ. (رؤيا ٢٠: ١٢) إن إعلان الله لدانيال وليوحنا بهذه الصورة وبهذا الوضوح يجعلنا ننحني شكرا لله لأنه ينير عقولنا ويفهمنا كل ما سياتي علي العالم ويمس شعب الله ويمس كنيسة العلي أيضا، وما سيجتاز فيه العالم في نهاية الزمان.

  

- الفاهمون مطالب وجودهم في زمن مظلم : 

الله يبحث في كل جيل دائما عن الفاهمون أو عن الباحثون عن الفهم والمعرفة " وَالْفَاهِمُونَ يَضِيئُونَ كَضِيَاءِ الْجَلَدِ، وَالَّذِينَ رَدُّوا كَثِيرِينَ إِلَى الْبِرِّ كَالْكَوَاكِبِ إِلَى أَبَدِ الدُّهُور ( دا ١٢ : ٣ ) هذا لأن العالم الذي نعيش فيه هو عالم مظلم، لأن الظلمة هي في عدم معرفة الله الذي هو نور العالم " ... إِنَّ الله نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ. (١يو ١ : ٥) فهو النور ويبحث عن الفاهموم لأن بفهمهم يصيرون نورا، وهذا ما قاله الرب لكل من فهم وتعلم وعرف أسرار ملكوت السماوات " أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. ..(مت ٥ : ١٤) فالمؤمنون اللذين تبعوا الرب هم نور لانفسهم وللعالم المحيط حولهم " ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا قَائِلا: " أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلا يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ ". (يو ٨ : ١٢) لذلك قال " وَالْفَاهِمُونَ يَضِيئُونَ " فقد طلب دانيال أن يعرف .. طلب أن يفهم .. طلب أن يُكشف عن عينيه، فتم ما تمناه وطلبه وفتحت عيونه فرأي وتحركت السماء نحو دانيال، رأي الرب والملائكة ليعرفوه ويفهموه ما سيصيب شعبه في نهاية الزمان.


عرف دانيال وفهم، فقيل له " أَمَّا أَنْتَ يَا دَانِيآلُ فَأَخْفِ الْكَلامَ وَاخْتِمِ السِّفْرَ إِلَى وَقْتِ النِّهَايَة ( : ٤ ) لماذا...؟ لأن الوقت طويل .. من دانيال لنهاية الزمان المدة طويلة، ويوجد غيرك يادنيال يتصفحون ويحاولون الفهم والمعرفة " كَثِيرُونَ يَتَصَفَّحُونَهُ وَالْمَعْرِفَةُ تَزْدَاد ( : ٥ ) اليس الرب طالب الفاهمون فلماذا يخفي الكلام؟ حسب رأيي أن إبليس يهمه معرفة إمور الله، ولذلك يجند هو أيضا نفوس للفهم من أجل عمل تحركات في العالم تعيق الإمور وتطيل في زمن تحقيقها حتي لا تاتي النهاية مسرعة، فمن مصلحة ملكوت الله اخفاء الأمر طالما الوقت بعيد، لذلك عندما قرب الوقت قال الرب ليوحنا لا تخفي الأمر إعلنه " وَقَالَ لِي:"لا تَخْتِمْ عَلَى أَقْوَالِ نُبُوَّةِ هذَا الْكِتَابِ، لأنَّ الْوَقْتَ قَرِيبٌ. (رؤ ٢٢ : ١٠) فالإخفاء واظهار الأمر مرتبط بخط استراتيجي لإعاقة تحركات إبليس، وايضا لأن زمن دانيال بعيد، أما في العهد الجديد فزمننا قد قرب، واعطي لنا أن نعرف ونفهم ونتفحص.


رؤيا جديدة لاحداث نهاية الزمان : 

ما رأه من رؤيا حقيقية عندما رأي الرب والملائكة  واقفين علي شاطئ النهر من الجانبين " فَنَظَرْتُ أَنَا دَانِيآلَ وَإِذَا بِاثْنَيْنِ آخَرَيْنِ قَدْ وَقَفَا وَاحِدٌ مِنْ هُنَا عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ، وَآخَرُ مِنْ هُنَاكَ عَلَى شَاطِئِ النَّهْر  ( دا ١٢ : ٥ ) ثم سأل الرب قائلا  " وَقَالَ لِلرَّجُلِ اللابِسِ الْكَتَّانِ الَّذِي مِنْ فَوْقِ مِيَاهِ النَّهْرِ: «إِلَى مَتَى انْتِهَاءُ الْعَجَائِبِ؟. ( : ٦ )  قال له محددا زمن الضيقة " فَسَمِعْتُ الرَّجُلَ ..... إِنَّهُ إِلَى زَمَانٍ وَزَمَانَيْنِ وَنِصْف ( : ٧ ) أي ثلاث سنوات ونصف وهذا أيضا ما قاله في رؤياه للقرن الصغير والمدة الزمنية المرتبط بها "  وَيَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ ضِدَّ الْعَلِيِّ وَيُبْلِي قِدِّيسِي الْعَلِيِّ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُغَيِّرُ الأوْقَاتَ وَالسُّنَّةَ، وَيُسَلَّمُونَ لِيَدِهِ إِلَى زَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ وَنِصْفِ زَمَانٍ. (دا ٧ : ٢٥) وهذا يتوافق مع نفس المدة التي ستعال فيها المرأة التي هربت الي البرية لتعال " فَأُعْطِيَتِ الْمَرْأَةُ جَنَاحَيِ النَّسْرِ الْعَظِيمِ لِكَيْ تَطِيرَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ إِلَى مَوْضِعِهَا، حَيْثُ تُعَالُ زَمَانًا وَزَمَانَيْنِ وَنِصْفَ زَمَانٍ، مِنْ وَجْهِ الْحَيَّةِ. (رؤ ١٢ : ١٤) مهما كان تفسيرك لكينونة المراة وبماذا تشير، فالتركيز هنا علي المدة التي هي نفس ما قيل لدانيال النبي،  فهي المدة التي يكون فيها الوحش والنبي الكذاب ومدونة بالشهور " وَأُعْطِيَ فَمًا يَتَكَلَّمُ بِعَظَائِمَ وَتَجَادِيفَ، وَأُعْطِيَ سُلْطَانًا أَنْ يَفْعَلَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا. (رؤيا ١٣: ٥) وهي نفس المدة ثلاث سنوات ونصف، وهي ايضا محسوبة بالايام ١٢٩٠ يوم " وَمِنْ وَقْتِ إِزَالَةِ الْمُحْرَقَةِ الدَّائِمَةِ وَإِقَامَةِ رِجْسِ الْمُخَرَّبِ أَلْفٌ وَمِئَتَانِ وَتِسْعُونَ يَوْمًا ( :  ١١ ) ثم يضيف ٤٥ يوم فتصير الايام ١٣٣٥ يوم( طُوبَى لِمَنْ يَنْتَظِرُ وَيَبْلُغُ إِلَى الألْفِ وَالثَّلاثِ مِئَةٍ وَالْخَمْسَةِ وَالثَّلاثِينَ يَوْمًا ( : ١٢ ) هذا لان يضاف فترة القبض علي الوحش والنبي الكذاب والشيطان والقائهم للهاوية، وإعداد الأرض للملك الالفي، فبداية زمن النهاية كان يتوقف علي تفريق شعب اسرائيل وتشتيتهم كعلامة " فَإِذَا تَمَّ تَفْرِيقُ أَيْدِي الشَّعْبِ الْمُقَدَّسِ تَتِمُّ كُلُّ هذِه ( : ٧ ) فهل تم تفريق شعب اسرائيل وتشتيتهم، أقول نعم فقد تشتتوا كثيرا وعلي مراحل كثيرة :

في عام ٧٢٢ق.م تشتتوا علي يد الاشوريين ليس هذا هو التشتت المتنبأ عنه في دانيال لان المسيح لم يكون قد جاء بعد، كذلك ما حدث لهم في عام ٥٨٦ق.م تشتتوا علي يد البابليون، وفي عام ٥٣٩ق.م تشتتوا علي يد الفرس، ولكن في عام ٧٠م تشتتوا علي يد الرومان، وبعد ذلك واجهوا إضطهاد علي يد المسيحيين والمسلمين، حتي عودتهم والإعتراف بدولة إسرائيل سنة ١٩٤٨م هذا هو الوقت الذي نقول فيه "  فَإِذَا تَمَّ تَفْرِيقُ أَيْدِي الشَّعْبِ الْمُقَدَّسِ تَتِمُّ كُلُّ هذِه ( : ٧ ) هذا لأن من تاريخ النبوة أيام دانيال الي مجيى المسيح مئات من السنين، وبعد سنة ٧٠م تم تشتيت اليهود حتي عادوا سنة ١٩٤٨م أي انهم استمروا مشتتين ١٨٧٨ سنة، يا الهي ( إنه عمر ) أجيال ذهبت وأجيال أتت ولكن ظل هذا الشعب محتفظ بهويته برغم كثرة شتاتهم، هذا لأن فيهم يصنع التاريخ وتتم النبوات 


- عدم الفهم الي الفهم سنوات كثيرة : 

دانيال سمع ولكنه لم يستطيع الفهم " وَأَنَا سَمِعْتُ وَمَا فَهِمْتُ. فَقُلْتُ: «يَا سَيِّدِي، مَا هِيَ آخِرُ هذِه؟ ( : ٨ ) هذا لان الأقوال مخفية ومختومة " فَقَالَ: «اذْهَبْ يَا دَانِيآلُ لأنَّ الْكَلِمَاتِ مَخْفِيَّةٌ وَمَخْتُومَةٌ إِلَى وَقْتِ النِّهَايَةِ ( : ٩ ) ولكن في زمننا هذا ابتدأنا نفهم ونعرف لأننا قربنا جدا من زمن النهاية " كَثِيرُونَ يَتَطَهَّرُونَ وَيُبَيَّضُونَ وَيُمَحَّصُونَ، أَمَّا الأشْرَارُ فَيَفْعَلُونَ شَرًّا. وَلا يَفْهَمُ أَحَدُ الأشْرَارِ، لكِنِ الْفَاهِمُونَ يَفْهَمُون ( : ١٠ ) يارب اشكرك لأن زمننا هو الزمن الذي قرب جدا لزمن النهاية، ولنا الفرصة الكبيرة لنصير من من يتطهرون ويبيضون ويمحصون الكلمة، فالفرصة لنا للدراسة والتنقيب والفهم ( الْفَاهِمُونَ يَفْهَمُون )  امين فلنحسب ضمن هؤلاء، وجاء وقت إعلان نهاية الرؤيا لدانيال وتكلم اليه أن يستريح حتي يوم النهاية ويقوم في يوم القيامة " أَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ إِلَى النِّهَايَةِ فتَسْتَرِيحَ، وتَقُومَ لِقُرعَتِكَ فِي نِهَايَةِ الأيَّامِ  ( : ١٣ ) سار دانيال رحلة كبيرة وفي زمن صعب للغاية، ولكن كان كرم الرب له لا يوصف.

( الي هنا نأتي الي نهاية السفر ) - ( يتبقي اصحاحان بعيدان عن موضوع السفر وبهما قصتان ليس لهما ارتباط بالسفر ولم يعترف بهما اليهود في كتابهم " التوراة " فهما يعتبرون من الإصحاحات الغير قانونية داخل سفر دانيال) - ( بالاضافة الي أن قصة جب الإسود التي يرويها في الاصحاح الرابع عشر ليست كما في نفس السفر في الإصحاح السادس وليس لها موضوع وهدف يحتزي به، فالاصحاحان لا يستحقان أن يضافا الي السفر )  

_________________________________

 









 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس