الإختيار



______________________________

الإختيار


بقلم 

القس عماد عبد المسيح

________________________________

- الإختيار وماهيته   :

عقيدة الإختيار من العقائد التي تم تناولها كثيراً ، ومدارس هذا الفكر كثير جداً ، لكن يوجد أشياء كثيرة في هذا الموضوع متفق عليها ، لذلك لن اكتب عن الإختيار بحسب أي مدرسة من المدارس بل بحسب الفكرة العامة المسندة لنا في كلمة الله .

يؤمن البعض أن الله يختار أناس دون أناس بحسب إرادته ومشيئته ، فيختار إناء للكرامة وأخر للهوان ، فهو الله ولا يجروء أحد علي محاسبته ، لذلك احبائي أكتب الأن لا لمحاكمة الأفكار بل أكتب ما أؤمن به سواء اتفقت معي أو لم تتفق قارئي العزيز .

يؤمن أخرون أن الله خلق الكل ودعاهم للخلاص فمن يقبل ينال حياة ومن يرفض ينال هلاك والإنسان حر في اختياراته .

لندرك أن الإنسان محدود في فكره وفي فهمه وفي كل نواحي الحياة ، لذلك اختياراته أيضاً محدودة بحسب المعطيات المتاحة له ، فتوجد إموراً لم يختارها الإنسان لنفسه ولكنه يقبلها كما هي ويتعامل معها سواء كان مجبراً أو بإرادته ، فالإنسان يتعامل مع شكله الذي لم يختاره ويتعامل مع منطقته التي ولد فيها وستظل في اوراقه طول العمر ولن يستطيع التخلص منها حتي وإن غير مكان سكنه ، فتوجد أشياء كثيرة مفروضة علي الشخص لحين تهبئ الظروف وتغيرها و التخلص منها ، فعدد الإخوة لم يختاره الإنسان مفروضين عليه ، والأشياء أيضاً وكل ما هو زمني ، هذا بخلاف أن الإنسان يصير مُجبراً علي أشياء كثيرة في حدود السن ، ولكن عندما يكبُر ويصير رجلاً يمسك هو زمام بعض الإمور ليتصرف فيها بحرية " لَمَّا كُنْتُ طِفْلاً كَطِفْل كُنْتُ أَتَكَلَّمُ، وَكَطِفْل كُنْتُ أَفْطَنُ، وَكَطِفْل كُنْتُ أَفْتَكِرُ. وَلكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلاً أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْلِ. (1كو ١٣ : ١١)

ـ إختيارنا ليس بفضل فينا بل من الله :

قال بولس الرسول لأهل تسالونيكي " عَالِمِينَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ اللهِ اخْتِيَارَكُمْ، (1تس ١ : ٤) فإختيارات الله لنا ليس بفضل فينا أو لأننا أفضل من غيرنا ، بل إختيار الله لنا مبني بعمل المسيح علي الصليب فقد مات من أجل العالم كله ، وهو يريد أن العالم كله يقبل ويؤمن فكل من يؤمن يتم فيه اختيار الله له ، وكل من يرفض فهو تحت غضب الله " الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ". (يو ٣ : ٣٦) الله أحب العالم كله لذلك اختار العالم كله وترك حرية الرفض والقبول للإنسان نفسه ، فالله في إرادته يريد الكل ولا يرفض أحداً " الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ. (١تيمو ٢ : ٤) فإرادة الله واضحة جدا لكن المسئولية كاملة تقع علي عاتق الإنسان في أن يؤمن بالمسيح إيمان حقيقي ويترك الشهوات والملزات وإما أن يكون بعيداً عن دائرة الإختيار ، فالرسول بولس دائماً يذكر المؤمن بإختيار الله له وأن عليه المسير في مخافة الرب " بُولُسُ، عَبْدُ اللهِ، وَرَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، لأَجْلِ إِيمَانِ مُخْتَارِي اللهِ وَمَعْرِفَةِ الْحَقِّ، الَّذِي هُوَ حَسَبُ التَّقْوَى، (تي ١ : ١) فالإنسان ليس دمية في بترينة من الزجاج يحركها المدير كيفما يشاء ، فقد وضع الله في الإنسان عقل إما أن يقبل للنور ويؤمن أو يرفض ويهلك .

اختيار الله لنا هو منذ الأزل لأن الله لا يوجد عنده ماضي و مستقبل فكل شيئ حاضر عنده  " كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، (أف ١ : ٤) فالإختيار قائم امام الله قبل تأسيس العالم ولن يدركه الإنسان ويتمتع به بدون قبول عمل النعمة الخاصة ، فالإختيار قائم منذ الأزل ومقدم لكل جيل في كل زمن بنفس الكيفية ، فإن قبل الإنسان هذا رُحم وإن رفض هلك .

كلمة اختارنا في الإنجليزي chosen )  ) وتعني ( مختار - مفضل ) وجاءت في اليوناني ἐκλέγομαι )  ) وتنطق ( إكلجوميا - eklegomai   ) وتعني ( إختيار واحد من عدد - تفضيل ) فالمؤمنين بالمسيح تمتعوا بهذا الإختيار المميز دون غيرهم ، ليس لأن الله اختارهم بل لأنهم قبلوا اختياره فتمتعوا به.

نفس الكلمة chosen  استخدمت في الترجمة الإنجليزية للعهد القديم،  عندما إختيار فرعون مركباته للإلحاق بشعب الرب " وَأَخَذَ سِتَّ مِئَةِ مَرْكَبَةٍ مُنْتَخَبَةٍ وَسَائِرَ مَرْكَبَاتِ مِصْرَ وَجُنُودًا مَرْكَبِيَّةً عَلَى جَمِيعِهَا. (خر ١٤ : ٧) فأتت كلمة مُنْتَخَبَةٍ في العبري ( בּחר ) وتنطق ( bâchar  ـ بوكار ) وتعني ( انتخاب - تعيين - إختيار - تفضيل ) فالاختيار يعمل في الملك طول الوقت ويُفعل وقت الحاجة ، اما في الله فهو مُفعل طول الوقت ويعمل من اجلنا دائماٌ فهل تقبله.

هكذا حياة القداسة هي لنا قبل تأسيس العالم فمن يتبناها في حياته نال مستواه ومن تركها خسرها .

ـ الإختيار حسب القصد الإلهي :

الإختيار مستوي إلهي عال الجودة فمن يدخل تحت سقفه نال من خيراته ومن ابتعد عنه خسر كل شيئ ، فللإختيار قسمان اساسيان ، الأول مرتبط بالأشرار والثاني مرتبط بالمؤمنين ، أما عن قسم الأشرار فـ لله مقاصد لخلاص أنفسهم من الهلاك الأبدي " وَأَمَّا نَحْنُ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ كُلَّ حِينٍ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ الرَّبِّ، أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَصِ، بِتَقْدِيسِ الرُّوحِ وَتَصْدِيقِ الْحَقِّ. (2تس ٢ : ١٣) فالإختيار الإلهي يحتوي داخله علي الخلاص والإيمان بالدعوة  " الأَمْرُ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَيْهِ بِإِنْجِيلِنَا، لاقْتِنَاءِ مَجْدِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. (2تس ٢ : ١٤) فالترتيب يصير هكذا  " اختيار ثم دعوة ثم قبول الخلاص " فمن يقبل الدعوة فقد دخل تحت سقف الإختيار الإلهي ويتمتع بالخلاص ، ومن رفض الدعوة فقد رفض إختيار الله لخلاص نفسه وبالتالي سيكون قد إختار لنفسه طريق الهلاك الأبدي  ، أما عن القسم الثاني المرتبط بالمؤمنين ، فدعوة الرب للجميع بالدخول في طريق القداسة والإستخدام والخدمة والنمو والمسحة ، فمن يخضع لهذه الدعوة نال مكسب روحي ومن بعد عنها خسر الكثير

قصد الله من الإختيار هو ان " نكون مقدسين وبلا لوم " كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، (أف ١ : ٤) ولكن أيضاً الله يعلم جيداً من هو الإنسان وكيف يفكر وأين يسكن وهل هو سيقبل دم المسيح وعمله الكفاري أم لا وبناءً علي ذلك يسير معه كما يريد ، فالرب مع علمه السابق بكل الأحداث الكلمة والتي ستكون لكنه لا يتدخل في مجري الأحداث لتغيرها دون رغبة الإنسان ، فالإختيار في الله أزلي بالدعوة الإلهية ، ولا تُعارض طريق الإنسان ، فيسير مع رغبة الإنسان من البداية الي النهاية ويحترمها ، فمن يريد أن يكون في حياة القداسة سينالها لأن هذا هو إختيار الله له ودعوته ، ومن يريد أن يعيش في النجاسة فسيكون كما أراد وسيخسر كل البركات المرتبطة بالإختيار والدعوة الإلهية أن نكون قديسين أمام الله وبلا لوم .

الله يعلم كل شئ ويدرك ما لا ندركه فهو اختارنا منذ الأزل لكن لا يتم هذا الإختيار فينا إلا إذا أمنا بالمسيح يسوع وأخذناه النصيب الصالح ، فنغني مع الرسول بطرس ونقول " الَّذِي فِيهِ أَيْضًا نِلْنَا نَصِيبًا، مُعَيَّنِينَ سَابِقًا حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ، (أف ١ : ١١) فالتعين الالهي مرتبط بمشيئة الله لحياتنا ، لأجل ذلك الإختيار الإلهي يحقق هذا ، فكل من أمن به نال نصيباً صالحاً ومن رفض خسر .

إختارنا الله لأعمال صالحة قد سبق فأعدها لنا كي نسلك فيها " لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا. (أف ٢ : ١٠) فالإختيار جهز لنا الخلاص وجهز لنا الأعمال التي يجب أن نكون فيه ، فمن قبل الخلاص يصير مؤهل لينال الأعمال المعدة لنا لنسلك فيها ، ولكن من إنشغل في كل ما هو زمني صار خاسرا مقامه الروحي والإحتياجات المرتبطة به ، لا يتم هذا في حياتنا إلا إذا خضعنا لمشيئته وسلمنا اجسادنا ذبيحة حية مقدسة مرضية " فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ. (رو ١٢ : ١) فحياة التقديس والتكريس مطلب اختياري بداخله مقام غير عادي وهو اختيار ارادة الله ومعرفتها ، أما من إنشغل عن بذل نفسه من أجل الرب وخدمته صار في حياة الضعف الروحي والعمل الناقص الغير مقبول لدي الرب .

- الاختيار الإلهي والتعين :

كتب الرسول بولس قائلاً " لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ. (رو ٨ : ٢٩) فالتعيين الالي لمن عرفهم ( اختارهم وقبلوه ) هو تعيين بحسب المبادئ الالهية وهو متاح لكل البشرية المؤمنون بالمسيح إيمان حقيقي ، عندما نسمع كلمة " عَيَّنَهُمْ "  يخطر في أذهاننا النظام الدكتاتوري في تعيناته بل واقع كلمة " عَيَّنَهُمْ " عند الرب يختلف عن واقعها في الأنظمة الأرضية ، فالأنظمة الأرضية فيها تجاهل للإستحقاقات وغيرها من المميزات التي يتحلي بها الشخص ،اما تعيين الله فهو يختلف كل الاختلاف عن انظمة الارض ، فتعييات الله متاحة لكل الناس في كل المجالات ومن يتقدم لفعل أمر أو خدمة حتي دون أن يُدعي سيثبت فيها وتُحمّل بإسمه وفي الأبدية يري ثمارها ، فقد قال الرسول أن مقاصد الله دائماً للخير " وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ. (رو ٨ : ٢٨) لذلك نري أن تعيين الاخ لنا في مستواه تعالي جداً أن نكون " مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ " ياله من مقام رائع إختار الرب أن نكون فيه ، فهل نقبل هذا ونتقدم نحو هذا المستوي فنكون في كامل المقاصد الإلهية

إقرأ معي هذا الجزء وتأمل فيه " لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ. ، وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا. (رو ٨ : ٢٩ - ٣٠) هنا نجد معادلة رائعة ومهمة للغاية :

معرفة + تعيين + دعوة + تبرير = تمجيد

- هذا ما ينتظر كل مؤمن بالمسيح .

علي المؤمن أن يضع في قلبه أن يعيش حياة الطاعة لوصاياه ، وأن يحب الرب من كل القلب ، فسيختبر حياة القداسة وعمل دم المسيح في حياته لأن إختيار الله لمن يؤمن ليس لأشباع غريزة الإمتلاك لديه كلا والف كلا لأنه غير ناقص في أمر ما مثل البشر ، فإنه قدوس كامل وغير ناقص وبلا خطية ، لكن إختيار الرب للمؤمنين به ليقدسهم ويباركهم وهذا ما ادركه بطرس الرسول "  بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ، فِي تَقْدِيسِ الرُّوحِ لِلطَّاعَةِ، وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: لِتُكْثَرْ لَكُمُ النِّعْمَةُ وَالسَّلاَمُ. (1بط ١ : ٢) الله إختاركم لأنه منذ الأزل يعلم من أنتم وما إتجاه قلبكم لذلك من هذا الإختيار يتم تقديسكم لطاعته ورش دم يسوع المسيح لتطهيركم وتكونوا محميين ولا يقدر عليكم ابليس لأنه يري الدم ويعبر عنكم ،

إختيار الله لا يتوقف علي الإمكانيات المادية أو الإجتماعية ولا يتوقف علي من هو أحكم من غيره ، لكن اختيار الله حسب الدعوة لمن يشعر بأنه لا يستحق " فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ، بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ، لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ. وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً. حَتَّى كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:"مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ". (1كو ١ : ٢٦ - ٣١) اولاد. الله يوجد فيهم من هو متعلم ومن هو في جاهل الإثنان اختارهم الرب ويستخدمهم ، فإختيارات الله قائم للجميع في كل زمن وكل جيل فإن كنت مؤمناً فإقبل خدمته وإنكت بعيداً فإقبل عمله الفدائي ، فالرب إختار أن يصنع لك حياة مليئة بالبركة والإستخدام ، لا يهم مركزك ولا مكانك وسط المجتمع ، لكن لتعلم أن الله يحبك واختارك كما انت ، فهل تقبله وتؤمن به إيمان حقيقي ، ولتعلم أنك مختار من الله لتصير إبناً له ، ولتعمل الأعمال الصالحة المرضية الكاملة .

البعض يظن انه قادر وحكيم ، فيقول الرب لا لأن الله عندما يختار لا يختار من هو بار في عين نفسه ، بل يختار من يدرك إنه غير قادر فيصير المسيح له حكمة وبر وفداء ، أي ليفتح أمامة جميع البركات فيعطي له حكمة ليصير رجل ناجح ، ويهبه براً ليكون مقتدراً في القول أمام الله ويمنحه قداسة ليستطيع أن يقف أمام الرب ويتشفع من اجل شعبه ويمتعه بالفداء الذي يجعله قادر علي المسيرة وسط العالم المظلم ناظراً الي عمل المسيح علي الصليب ، فهل تقبله الأن .

ـ الإختيار وعمله فينا :

الإختيارات الإلهية مبنية علي النعمة الغنية وليست بحسب استحسان فئة علي حساب الأخرين ، فكما أن النعمة الإلهية هي مقدمة للجميع كذلك الإختيارات الإلهية مقدمة للكل سواء كان إختيار لقبول الخلاص أو إختيار الدعوة الخاصة للخدمة ، فمن يقبل ينال كل بركاتها واستخدماتها ومن يرفض كما شرحنا فقد يهلك ، لذلك نري أن إختيارات الله تعمل فينا ما يلي :

- تعمل للخلاص والتبني :

الإختيارات الإلهية يصاحبها دعوة وتعيين فمن يقبل الدعوة الألهية ينال التعيين الإلهي ، مثال علي ذلك : من يقبل دعوة الخلاص فقد عُين إبناً لله " إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ، (أف ١ : ٥) فقبول عمل المسيح الفدائي والإيمان به يمنح الإنسان مستوي أن يكون إبناً لله " وَأَمَّا نَحْنُ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ كُلَّ حِينٍ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ الرَّبِّ، أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَصِ، بِتَقْدِيسِ الرُّوحِ وَتَصْدِيقِ الْحَقِّ. (2تس ٢ : ١٣) وهذا الخلاص قدم لنا بدعوة " الأَمْرُ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَيْهِ بِإِنْجِيلِنَا، لاقْتِنَاءِ مَجْدِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. (2تس ٢ : ١٤) فياله من اختيار رائع أن ندعي لنكون أبناء وقديسين في المسيح ، فالسير في هذا المستوي يمنح المؤمن سلاما وهدوءً نفسياً غير عادي أن يعيش مطمئناً أن له حياة أبدية مضمونة في المسيح " وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. (يو ١ : ١٢) فالإختيار الإلهي والدعوة الإلهية والتعيين الإلهي يمنح المؤمن خلاص وتبني.

- تعمل فينا للمجد :

جميع المؤمنين لهم في المسيح مجد وهذا المجد مبني علي الإيمان وقبول اختيار الله ودعوته ، ففي صلاة المسيح للآب أعلن أن الذين اختارهم ودعاهم قبلوا المسيح وامنوا به " لأَنَّ الْكَلاَمَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ، وَهُمْ قَبِلُوا وَعَلِمُوا يَقِينًا أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكَ، وَآمَنُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي. (يو ١٧ : ٨) لذلك أحبائي يوجد مجد لكل من أمن وقبل عمل المسيح الكفاري " وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. (يو ١٧ : ٢٢) فالكل مدعوا لهذا المجد ولهم الحق أن يوجدوا فيه ، وهذا الحق مبني علي نعمة الله واختياره ودعوته والإيمان به .

ـ المسيح دعىّ مختاراً :

ليس غريباً أن يكون المسيح صاحب هذا الإسم العظيم فقد قال بطرس الرسول " الَّذِي إِذْ تَأْتُونَ إِلَيْهِ، حَجَرًا حَيًّا مَرْفُوضًا مِنَ النَّاسِ، وَلكِنْ مُخْتَارٌ مِنَ اللهِ كَرِيمٌ، ( ١بط ٢ : ٤) هذا هو المسيح ، مختاراً من الله كريم ، لا يهمه وضع الناس فهو كان مرفوضاً من الناس ولكن مختاراً من الله ، هنا قمة الإيمان والرفعه الروحية ، فكونك مؤمن بإختيار الله لك كما كان يؤمن المسيح بذلك فهذا يجعلك في الارتفاع " كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ ­كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ­ بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. ( ١بط ٢ : ٥) هذا البناء الذي يجب أن نكون فيه يجعلنا في فخر وكرامة لا في عار وخزي ولنا حياة النصرة  " لِذلِكَ يُتَضَمَّنُ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ:"هنَذَا أَضَعُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرَ زَاوِيَةٍ مُخْتَارًا كَرِيمًا، وَالَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَنْ يُخْزَى". ( ١بط ٢ : ٦) اليس هذا مستوي مجد وكرامة وفخر.

ـ الكنيسة دعيت مختارة :

لا عجب أن يكون المسيح مختاراً وكذلك الكنيسة مختارة فمن أجلها قُدم الخلاص ، بالكنيسة هي جسد المسيح فكل ما له هو لنا ، ياله من إمتياز عظيم ، ومن أجلها الرسول بولس كان عنده إستعداد أن يتألم ويحتمل الألم من أجل المختارين " لأَجْلِ ذلِكَ أَنَا أَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ، لِكَيْ يَحْصُلُوا هُمْ أَيْضًا عَلَى الْخَلاَصِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، مَعَ مَجْدٍ أَبَدِيٍّ. ( ٢ تي ٢ : ١٠ ) فكما أن المسيح دُعي مختار كذلك الكنيسة أيضاً " بُطْرُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى الْمُتَغَرِّبِينَ مِنْ شَتَاتِ بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَأَسِيَّا وَبِيثِينِيَّةَ، الْمُخْتَارِينَ (1بط ١ : ١) فالكنيسة امام المسيح لها أفضلية لأنها مختارة . هللويا .. إن معاملات الله العظيمة مع بني جنسنا معاملات عجيبة ، فهو يحب الإنسان وصنع له عملاً عظيماً وهيأ له فرص كثيرة ، فجعله مختاراً ووضع امامه عمل قد تم علي الصليب ، فما علي القارئ إلا أن يجلس الأن أمام الرب ويقبله مخلصاً ، فينضم الي الكنيسة التي هي مختارة ويصير من ضمن المختارين للحياة الأبدية

- الاختيار الالهي والبغضة :

هل الله حقاً في اختياراته إختار أناساً للهلاك وأخرين للحياة ؟ هل صنع إناء للكرامة وأخر للهوان ؟ انها اسئلة تراود كثيرين ، وهل الله في بُغضه لأحد رفضه ؟ وما هو شعوري إن عرفت أن الله رافضني - فأي أمل سيكون لي ؟ يا لها من اسئلة كثيرة يريد القارئ معرفة إجابتها .

البغضة التي يعرفها الإنسان لا يعرفها الله بنفس الطريقة ، فعند الله للبغضة واقع مختلف ، لأن البغضة عند البشر هي الكراهية والخصام والرفض ، فالبغضة لدي البشر يكون في داخلها فرز وتعيير وإعلان نقاط الشر والضعف سواء كانوا علي حق أو كاذبين " طُوبَاكُمْ إِذَا أَبْغَضَكُمُ النَّاسُ، وَإِذَا أَفْرَزُوكُمْ وَعَيَّرُوكُمْ، وَأَخْرَجُوا اسْمَكُمْ كَشِرِّيرٍ مِنْ أَجْلِ ابْنِ الإِنْسَانِ. (لو ٦ : ٢٢) أما عند الله فهي حُكم قضائي مُعلن للجنس البشري حتي وإن أعلنت قبل أوانها كما في يعقوب وعيسو " كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:"أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ". (رو ٩ : ١٣) كلمة ( َأَبْغَضْتُ ) في الإنجليزية hated )  ) وتعني ( كرهت - ابغضت ) وجاءت في اليوناني μισέω )  ) وتنطق ( miseō  ـ ميسو ) وتعني ( كره ) من هنا ندرك أن كلمة ( أَبْغَضْتُ ) تعني الكراهية ، فالكره يكون بحسب موقعه وواقعه أي عندما يستخدمه قاضي يكون له واقع مختلف عن ما يستخدمه شخص عادي ، فالقاضي يبني كرهه بحسب ما لديه من وقائع ومستندات أما الشخص العادي فيبني كرهه بحسب التأثير النفسي من تصرفات الأخر ، .

محبة الله ليعقوب مرتبطة بمعرفته المسبقة عن يعقوب وبغضه لعيسو مرتبطة بسلوكه فيما بعد ، فهذا إعلان نبوي عنهما وعن نسلهما ، لأن هذه الأية قيلت في ملاخي "  أَحْبَبْتُكُمْ، قَالَ الرَّبُّ. وَقُلْتُمْ: بِمَ أَحْبَبْتَنَا؟ أَلَيْسَ عِيسُو أَخًا لِيَعْقُوبَ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ  وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ، وَجَعَلْتُ جِبَالَهُ خَرَابًا وَمِيرَاثَهُ لِذِئَابِ الْبَرِّيَّةِ؟ ( ملا ١ : ٢ ، ٣ ) واقع الأية مرتبطة بالشعب وليس لشخص يعقوب ولماذا لأن شعب أدوم بعيد عن إكرام الرب ، نري في شعب ادوم عندما كان شعب أسرائيل ذاهبا من البرية إلى كنعان طلب من أدوم أن يأذن له بالمرور في أرضه ولكن ملك أدوم أبى عليه ذلك " وَأَرْسَلَ مُوسَى رُسُلاً مِنْ قَادَشَ إِلَى مَلِكِ أَدُومَ: "هكَذَا يَقُولُ أَخُوكَ إِسْرَائِيلُ: .... دَعْنَا نَمُرَّ فِي أَرْضِكَ. لاَ نَمُرُّ فِي حَقْل وَلاَ فِي كَرْمٍ، وَلاَ نَشْرَبُ مَاءَ بِئْرٍ. فِي طَرِيقِ الْمَلِكِ نَمْشِي، لاَ نَمِيلُ يَمِينًا وَلاَ يَسَارًا حَتَّى نَتَجَاوَزَ تُخُومَكَ". فَقَالَ لَهُ أَدُومُ: "لاَ تَمُرُّ بِي لِئَلاَّ أَخْرُجَ لِلِقَائِكَ بِالسَّيْفِ". .....  وَأَبَى أَدُومُ أَنْ يَسْمَحَ لإِسْرَائِيلَ بِالْمُرُورِ فِي تُخُومِهِ، فَتَحَوَّلَ إِسْرَائِيلُ عَنْهُ. (عد٢٠: ١٤-٢١) وقد ابتهج الأدوميون عندما خرب نبوخذنصر أورشليم " اُذْكُرْ يَا رَبُّ لِبَنِي أَدُومَ يَوْمَ أُورُشَلِيمَ، الْقَائِلِينَ: "هُدُّوا، هُدُّوا حَتَّى إِلَى أَسَاسِهَا". (مز ١٣٧ : ٧) فبغض الرب لعيسو أو لشعب أدوم مرتبط بالقضاء الإلهي وهذا حق في الله ، فعندما يُعلن هذا قبل أن يولدا فلا عجب في ذلك ، فمن حق الله أن يكشف جانب من جوانب مستقبل شخص او شعب أو أمة ، كما قال  "  فَقَالَ لَهَا الرَّبُّ: "فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ، وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ". (تك ٢٥ : ٢٣) فإن قرأت حياة نسل يعقوب وعيسو تري أن الكبير استعبد للصغير ، فكشف الله لحقيقة زمنية كمستقبل أمة أو شعب ليس تحديد مصير بل إعلان واقع سيكون في المستقبل .

الإختيار الإلهي ليس فيه ظلم وهذا ما قاله الرسول بولس " وَلكِنْ إِنْ كَانَ إِثْمُنَا يُبَيِّنُ بِرَّ اللهِ، فَمَاذَا نَقُولُ؟ أَلَعَلَّ اللهَ الَّذِي يَجْلِبُ الْغَضَبَ ظَالِمٌ؟ أَتَكَلَّمُ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ.  حَاشَا! فَكَيْفَ يَدِينُ اللهُ الْعَالَمَ إِذْ ذَاكَ؟ (رو ٣ : ٥ ، ٦) فالبغضة التي يُظهرها الله مرتبطة بقضاءه ولذلك ليس فيه ظلم " فَمَاذَا نَقُولُ؟ أَلَعَلَّ عِنْدَ اللهِ ظُلْمًا؟ حَاشَا! (رو ٩ : ١٤) فليبارككم الرب شعبه

- الاختيار وصناعة الأواني :

تكلم الرب لإرميا عن قصة غير عاديه تتكلم عن فخاري ووعاء ، الوعاء فَسد فأعاده وصنع منه وعاءً جديداٌ " فَفَسَدَ الْوِعَاءُ الَّذِي كَانَ يَصْنَعُهُ مِنَ الطِّينِ بِيَدِ الْفَخَّارِيِّ، فَعَادَ وَعَمِلَهُ وِعَاءً آخَرَ كَمَا حَسُنَ فِي عَيْنَيِ الْفَخَّارِيِّ أَنْ يَصْنَعَهُ. (إر ١٨ : ٤) ففساد الوعاء إثناء صناعته قضية ليست بسيطة لأن الوعاء إشارة الى الانسان والفخاري إشاره إلى الرب ، ففساد الوعاء مسئولية الوعاء وإعادة صناعته مسئولية الفخاري ، فليس المقصود أن الوعاء جماد وليس له إرادة ، بل المقصود أن الوعاء إشارة لشعب فسد اثناء صناعة الرب له لذلك قال الرب لهذا الشعب " أَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصْنَعَ بِكُمْ كَهذَا الْفَخَّارِيِّ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ الرَّبُّ؟ هُوَذَا كَالطِّينِ بِيَدِ الْفَخَّارِيِّ أَنْتُمْ هكَذَا بِيَدِي يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ. (إر ١٨ : ٦) فقدرة الفخاري وارادته في صناعة الوعاء مستقلة عن ارادة الوعاء وخضوعه في يد الفخاري ، فالمقصود هنا شعب له ارادة وحرية في أن يكون لين وخاضع أو عنيد وقاسي ، ففساد الوعاء مسئولية الوعاء ، أقول فساد الإنسان مسئولية ذاته ، لأن الله كالفخاري مستعد ن يشكل الإنسان ويجعله أفضل إن خضع له .

أما موضوع الإناء المصنوع للهلاك فليست مبادئ الله أن يصنع إناء مخصص للهلاك ، فعندما قال بولس الرسول " أَمْ لَيْسَ لِلْخَزَّافِ سُلْطَانٌ عَلَى الطِّينِ، أَنْ يَصْنَعَ مِنْ كُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ وَآخَرَ لِلْهَوَانِ؟ (رو ٩ : ٢١) فالسلطان الإلهي هو في القدرة علي التصنيع فهو قادر ، أما عن فساد الإناء فهي قضية الإنسان لأن الإناء إشارة للإنسان والإنسان عاقل فلذلك فساده اثناء صناعته ليست مسئولية الصانع بل نوع الطين الذي يُصنع منه الإناء، فنوع الطين بالنسبة للإنسان عبارة عن البيئة والأجواء المحيطة بالإنسان فإن كانت أجواء صلاح وبر وجدت الطينة صالحة لتكون إناء نافع للكرامة ، وإن كانت الطينة غير صالحة فبكل تأكيد سيفسد الوعاء .

إن الأنية المهيئة للهلاك الله ليس مُهيئها ، لأنه كيف يهيئها للهلاك ويحتملها بأناة كثيرة ؟ اليس لأنها فسدت من تلقاء نفسها وليس للفخاري تدخل في إفسادها " فَمَاذَا؟ إِنْ كَانَ اللهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ وَيُبَيِّنَ قُوَّتَهُ، احْتَمَلَ بِأَنَاةٍ كَثِيرَةٍ آنِيَةَ غَضَبٍ مُهَيَّأَةً لِلْهَلاَكِ. (رو ٩ : ٢٢) فطول الأناة ما هي إلا فرصة متاحة للإناء كي يعود ويرجع للخالق في صناعته من جديد إناءً نافع للكرامة ، لأن الهدف الإلهي هو التعامل مع أنية رحمة معدة للمجد وليس أنية هلاك يُعدها للعذاب " وَلِكَيْ يُبَيِّنَ غِنَى مَجْدِهِ عَلَى آنِيَةِ رَحْمَةٍ قَدْ سَبَقَ فَأَعَدَّهَا لِلْمَجْدِ، (رو ٩ : ٢٣) فهدف الفخاري اثناء عمله هو صناعة أنية صالحة وليست فاسدة ، فليس الهدف أن يصنع أواني فاسدة ، لذلك كانت دعوة الله لليهود وللأمم ، دعوة الله لمن هو شعب الرب كبيئة صالحة ، ومن هو في بيئة فاسدة كالأمم " الَّتِي أَيْضًا دَعَانَا نَحْنُ إِيَّاهَا، لَيْسَ مِنَ الْيَهُودِ فَقَطْ بَلْ مِنَ الأُمَمِ أَيْضًا. (رو ٩ : ٢٤) ففرصة أن يصنع إناء صالح متاحة لكل أنواع الطين يهود أو أمم .

الرحمة متاحة للكل ولكن إن إستمر الشعب في الإبتعاد فسيكون كسدوم وعمورة نصيبه الهلاك لأنهم رفضوا أن يخضعوا ليد الفخاري ، أما إن وُجد في الشعب عدد علي الأقل عشرة سيبقي لهم بقية ، ولكن لأن سدوم وعمورة لم يوجد فيها عشرة فراد صالحين فكان لهم قصاص من الله قضاء الهي بالموت والهلاك ، ولأن شعب الرب كان بينهم أفاضل رغم بعدهم عنه  فأبقي لهم الرب بقية ليصنعهم من جديد "  وَكَمَا سَبَقَ إِشَعْيَاءُ فَقَالَ: "لَوْلاَ أَنَّ رَبَّ الْجُنُودِ أَبْقَى لَنَا نَسْلاً، لَصِرْنَا مِثْلَ سَدُومَ وَشَابَهْنَا عَمُورَةَ". (رو ٩ : ٢٩) ولكن الامم قبلوا الإيمان واليهود رفضوا ، فالذين تحت القضاء الإلهي للهلاك ( الأمم ) من أمن منهم رحموا ، والمرحومين ( اليهود ) من رفض منهم هلكوا " فَمَاذَا نَقُولُ؟ إِنَّ الأُمَمَ الَّذِينَ لَمْ يَسْعَوْا فِي أَثَرِ الْبِرِّ أَدْرَكُوا الْبِرَّ، الْبِرَّ الَّذِي بِالإِيمَانِ. وَلكِنَّ إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ يَسْعَى فِي أَثَرِ نَامُوسِ الْبِرِّ، لَمْ يُدْرِكْ نَامُوسَ الْبِرِّ! (رو ٩ : ٣٠ ، ٣١) فاليهود صدموا وتعثروا والأمم قبلوا ورحموا " ....... فَإِنَّهُمُ اصْطَدَمُوا بِحَجَرِ الصَّدْمَةِ، (رو ٩ : ٣٢) الرب الهنا اختارنا لنكون قديسين ، ولنكون أبناء له ونرث الحياة الأبدية ، إنه إختارنا لنخدمه ونعيش في مشيئته فما علينا إلا أن نقبل ونؤمن ونخضع فيشكلنا ويجعلنا صالحين لمملكة ، اصلي أن كل من يقرأ هذه الكلمات يدخل داخل العمل الإلهي لأن الله خلقه لكل عمل صالح في اسم المسيح أمين .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس