الإحساس بالعجز
الإحساس بالعجز
بقلم القس عماد عبد المسيح
_____________________________________
يقف الكثيرين أمام بعض المواقف عاجزين عن التصرف وكاد تكون المقدرة علي التفكير قد توقفت ، فيصاحب هذا الإحساس حزن وكأبة مؤقتة وإحساس بالفشل لأن " العجز هو التخبط وعدم بلوغ الهدف " سواء كان الهدف سلبي أو إجابي ، ففي الأهداف السلبية الناتجة من إرادة كاملة ويعجز الإنسان عن تحقيقها أو الوصول اليها فنتيجة المشاعر مِثلها كمِثل الأهداف الأيجابة ونتيجتها هي التخبط ، فقد تخبط شعب سدوم عندما ضُىربوا بالعمي لسبب مطلب وهدف سلبي وشرير " وَأَمَّا الرِّجَالُ الَّذِينَ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ فَضَرَبَاهُمْ بِالْعَمَى، مِنَ الصَّغِيرِ إِلَى الْكَبِيرِ، فَعَجِزُوا عَنْ أَنْ يَجِدُوا الْبَابَ. (تك ١٩ : ١١) كذلك العجز في الأهداف الإيجابية ، فقد عجز الإنسان في تتميم الناموس والسير في الحق لذلك جاء المسيح لسد هذا العجز وتتميم الناموس وصار سبب مسرة الآب " لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ، فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ، (رو ٨ : ٣) فالناموس كامل والإنسان ناقص فلم يستطع الإنسان ان يعيش في كمال الناموس فصار العجز مزدوج ، الناموس عاجز لإظهار كماله في الإنسان العاجز في تتميم أعمال الناموس ، لذلك جاء الكامل الذي حقق ما عجز فيه الإثنان .
- الله لا يلغي العقل :
الله في تعاملاته لا يلغي العقل البشري بل يصل إليه ويجعله عقلاً مستنيراً ليستوعب المستويات الإلهية ويُدركها ، فالعقل هو القادر علي تحريك الإنسان كله ، فعندما يفهم فكر الله ومبادئه والإيمانيات الكتابية والإلهية حينئذ يصير قادراً علي تخطي الصعاب والمشاكل بإرادة كاملة ويستطيع السير في طريق الرب بقوة ، كما كان قرار أبونا إبراهيم بالخروج وترك كل شيئ ، العائلة والأرض والممتلكات والذهاب لطريق لا يعلمها ، لكنه تحرك بإرادة كاملة هذا لأن العقل أدرك عُمق ومستوي الدعوة الإلهية التي علي حياته " وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: "اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. .... فَذَهَبَ أَبْرَامُ كَمَا قَالَ لَهُ الرَّبُّ وَذَهَبَ مَعَهُ لُوطٌ. وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ. (تك ١٢ : ١ - ٤)
إن وضعنا العقل فقط نقول مستحيل أن يستجيب شخص صاحب الـ ٧٥ سنة ، ويجعل منه الله أمة عظيمة وزوجته عاقر ، ويُطلب منه أن يكون رجل ترحال من الدرجة الأولي ، فالقانون الطبيعي الذي وضعه إسحاق نيوتن : " كل فعل له رد فعل مساوٍ له في القوة ومعاكس له في الاتجاه ." هذا القانون يجعل ردود افعال أبونا ابراهيم قائلة : مستحيل فعل هذا ، لكن الإيمان يقول نعم أستطيع ، وهنا الأيمان يُنشيئ داخل الإنسان حوار ينتهي بشيئ من الأثنين ، إما أن يصدق ويتبني الأمر ويستخدم الأمكانيات لخدمة إيمانه ، إما أن يرفض لانه لم يصدق وعندها يجند كل وسائله ضد هذا الفعل .
أمن إبراهيم صدق وعد الرب ، تخطي كل الحواجز جند نفسه وكل إمكانياته لتحقيق هدف وُضِع امامه ، خرج وهو لا يعلم اين سيذهب لكنه امن وصدق الوعد الإلهي ، هكذا احبائي لا يجب أن نعطي العقل أجازة لأن الله يحترم عقولنا جيداً ويتعامل معنا باسلوب الإقناع والفهم ، وعندما نصل لمستوي الإدراك ونأخذ أول خطوة تجاه المسيرة الإلهية يبدأ الله بالتحرك وتحقيق الإيمان في حياتنا .
- العجز هو عدم الإستطاعة علي المسير :
لا يريدنا الله أن نكون في مستويات من العجز بل ليكن لنا مستويات من المقدرة ، فالمعرفة الكتابية تملأ العقل وتجعله عاقلاً فاهماً مدركاً ، لذلك لا يجب أن نبني كل معرفتنا وأدراكاتنا بطريقة سلبية تحطم كل مداخل الإيمان في حياتنا ، بل لنُمكن عقولنا في معرفة الحق الإلهي فنختبر مقاصد الله وننتقل لمستويات إدراكية غير عادية يقبلها العقل ولا يرفضها حتي وإن كانت فوق مستوي العقل المحدود، فكلمة الله تنقل إمكانية عقولنا من المحدود إلي إللا محدود ، فنعرف إموراً وندركها بحسب الإعلانات السماوية والأذهان المستنيرة .
ذهب بولس وبرنابا الي لسترة وحاولا المناداة بكلمة الله ولكن العقول مغلقة مع الالهة الوثنية " زَفْسَ - وهَرْمَسَ" فلم يقدرا علي إقناع احداً ، فصار العجز واضحاً جلياً ، ولكن أمن شخص عاجز لا يقوي علي المسير " وَكَانَ يَجْلِسُ فِي لِسْتْرَةَ رَجُلٌ عَاجِزُ الرِّجْلَيْنِ مُقْعَدٌ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، وَلَمْ يَمْشِ قَطُّ. (أع ١٤ : ٨) رغم وجود العجز البدني لكن فُتح القلب والعقل لمعرفة وإستقبال الإيمان " هذَا كَانَ يَسْمَعُ بُولُسَ يَتَكَلَّمُ، فَشَخَصَ إِلَيْهِ، وَإِذْ رَأَى أَنَّ لَهُ إِيمَانًا لِيُشْفَى، (أع ١٤ : ٩) هنا إبتدا الله يصنع ما هو فوق المتوقع وفوق الإدراك ، ان الكلام ( البشارة ) تحول من مستوي السمع إلي مستوي الإدراك فأمن لذلك وجدها الرسولان فرصة وصنع الرب بهما معجزة " قَالَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ:"قُمْ عَلَى رِجْلَيْكَ مُنْتَصِبًا!". فَوَثَبَ وَصَارَ يَمْشِي. (أع ١٤ : ١٠) أحبائي عندما يمتليئ العقل بالإيمان يُحرك كل المشاعر والاحاسيس والوجدان لإستقبال كل ما هو في السماويات .
أمن المقعد واستقبل الشفاء ولكن اهل المدينة لم يدركوا أبعاد العمل الإلهي ونسبوه للألة الوثنية وقالوا " فَالْجُمُوعُ لَمَّا رَأَوْا مَا فَعَلَ بُولُسُ، رَفَعُوا صَوْتَهُمْ بِلُغَةِ لِيكَأُونِيَّةَ قَائِلِينَ:"إِنَّ الآلِهَةَ تَشَبَّهُوا بِالنَّاسِ وَنَزَلُوا إِلَيْنَا". (أع ١٤ : ١١) هنا يجب أن نعلم أن العقل الممتليئ بغير المسيح عندما يري معجزة فلا ينسبها لله لكنه ينسبها لما هو في عقله سواء كانت الهة وثنية أو بشر مألهين أو قديسين موضوعون في مكانة سامية تعادل مكانة المسيح ، لذلك اراد كاهن زَفْسَ أن يقدم ذبيحة للرسولان برنابا وبولس " فَأَتَى كَاهِنُ زَفْسَ، الَّذِي كَانَ قُدَّامَ الْمَدِينَةِ، بِثِيرَانٍ وَأَكَالِيلَ عِنْدَ الأَبْوَابِ مَعَ الْجُمُوعِ، وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَ. (أع ١٤ : ١٣) لذلك كانا يحتاجان لتصحيح مفاهيم داخل عقولهم " "أَيُّهَا الرِّجَالُ، لِمَاذَا تَفْعَلُونَ هذَا؟ نَحْنُ أَيْضًا بَشَرٌ تَحْتَ آلاَمٍ مِثْلُكُمْ، نُبَشِّرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا مِنْ هذِهِ الأَبَاطِيلِ إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، (أع ١٤ : ١٥ ) وللاسف لم يؤمنوا ورجموا بولس " ثُمَّ أَتَى يَهُودٌ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ وَإِيقُونِيَةَ وَأَقْنَعُوا الْجُمُوعَ، فَرَجَمُوا بُولُسَ وَجَرُّوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، ظَانِّينَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ. (أع ١٤ : ١٩) يالها من عقول مليئة بالتعاليم الوثنية التي أفسدت الأدراكات التي يجب أن يكونوا فيها ، فلا يجب أن ننسب ما هو لله لغير الله ، ولا يجب أن نمتليئ بتعاليم بعيدة عن شخص المسيح لأن هذا يجعل العقول فاسدة غير قادرة علي أن تتعامل مع الإيمان والمعرفة الكتابية.
- الفقر وارتباطه بالعجز :
أحياناً كثيرة يكون الفقر مساعد أساسي لطريق العجز ، فقد تكون الطموحات عالية جداً وليست في مقدور الإنسان فيعجز عن فعل وتحقيق طموحاته ، حتي في الخدمة الروحية يقف الفقر والعوز عائق أمام كل حالم ومفكر جيد ، فعطاء الفقراء والمحتاجين هو باب للبركة والإستخدام فهي وصية الرب فلا يجوز أن تغمض عينيك عنهما " لأَنَّهُ لاَ تُفْقَدُ الْفُقَرَاءُ مِنَ الأَرْضِ. لِذلِكَ أَنَا أُوصِيكَ قَائِلاً: افْتَحْ يَدَكَ لأَخِيكَ الْمِسْكِينِ وَالْفَقِيرِ فِي أَرْضِكَ. (تث ١٥ : ١١) لا تغلق بابك أمام كل محتاج لأن الإحساس بالعجز مُر ، لا تغلق باب عطاءك امام كل مفكر وخادم امين وامام كل الذين لهم رؤيا واهداف روحية لتغير وخدمة شعب الرب فالرب يريد فعله للحصاد ، المفكر والباحث والمعطي من الفعلة " فَقَالَ لَهُمْ:"إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ، وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ. (لو ١٠ : ٢) .
قد تكون فقيرا ولكنك لست عاجزاً لأن طموحاتك وأحلامك محدودة وعلي قدر المستطاع لذلك لن تشعر بالعجز لأن امكانياتك علي قدر احتياجاتك ، وقد تكون شخص متيسر الحال أو غنياً ولك من الطموحات الكثير وليس في مقدور يدك ما يحقق أحلامك فستصاب بالإحساس بالعجز ، لذلك اناشدك أن تكون أحلامك وطموحاتك لها مقياس يُمكن تحقيقه ، إلا إذا أخذت من الله رؤيا خاصة ليست في متناول يدك فثق أنه المسئول عن الدعم والتحقيق لكل الرؤيا ، فالرب هو معين ومنصف المسكين والفقير " لأَنَّهُ يُنَجِّي الْفَقِيرَ الْمُسْتَغِيثَ، وَالْمَِسْكِينَ إِذْ لاَ مُعِينَ لَهُ. يُشْفِقُ عَلَى الْمَِسْكِينِ وَالْبَائِسِ، وَيُخَلِّصُ أَنْفُسَ الْفُقَرَاءِ. ( مز ٧٢ : ١٢ ، ١٣ ) لذلك لا تقف صامتاً أمام فقرك أو عجزك بل أصرخ للرب فهو يخلصك ويمنح لك الفرص لتحقيق كل أحلامك وطموحاتك المرتبطة بمشيئته ،
أقول لكل خادم لا تتسول من أجل عمل الله بل إعرض عمل الرب وإحتياجات الخدمة وأترك النفوس ليُثقلها الرب من أجل تحقيق أهداف الله التي في حياتك ، لأن كل خدمة مُحققة بطريقة التسول والمطالبة بإساليب ليست حسب الكرامة فلن تُحسب أمامه بل ستُحاسب بسببها لأنها تُعثر الأخرين ، فإن لم تجد من يُدعم خدمتك بكل كرامة وتقدير فإتركها للحكمة الإلهية التي ستفعل ما هو لصالح عمل الله ، ولا تندم علي الوقت الذي مر بك فهو ليس ضائعاً لأنه محسوب عنده ولك فيه أجرة ومكافئة ، لأن الرب هو الوحيد الذي يري إتجاه قلبك وأمانتك ويري ظروف الخدمة ويقدرها ، ويستطيع ان يشبع نفسك ويكافيئ عمل يديك " الإِنْسَانُ يَشْبَعُ خَيْرًا مِنْ ثَمَرِ فَمِهِ، وَمُكَافَأَةُ يَدَيِ الإِنْسَانِ تُرَدُّ لَهُ. (أم ١٢ : ١٤) فمن كان بخيلاً يراه الرب ومن هو كريماً يقدره الرب لان الرب " .... إِلهُ مُجَازَاةٍ يُكَافِئُ مُكَافَأَةً. (إر ٥١ : ٥٦) فلن يترك الرب مكافئة إنساناً له اشواق أراد بكل قوة أن يحققها ولم يستطيع .
حاول المسيح أن يفعل من أجل أورشليم العمل الإلهي ولكنهم رفضوا فلم يستطيع فقال " "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! (مت ٢٣ : ٣٧) فهل محاولات الله مع شعبه وعدم قبول انبياءه ومرسليه اضاع حقهم ، اقول حاشا فكل عمل قُدمَ من رجال الله مقبول لدي الرب حتي وإن لم يحقق نجاحاً ملموساً ، لذلك أقول لخدام الرب اخدموا حتي وأن لم تروا نجاح واضح ، فعملك وخدمتك لهم التقدير عند الرب .
- البخل اداة مساعد للإحساس بالعجز :
البخيل قد يكون غنياً أو فقيراً ، البخيل مساعد كريم لإحساس الأخرين بالعجز ، فقد يكون عمل الله في إحتياج وممسك يده عن العطاء ، فالكرم ليس بكثرة العطاء أو الفرط فيه ، ولكن الامر يكمن في البصيرة التي تمنح المحتاجين يد المعونة والمشاركة في عمل الخير وتسديد الإحتياجات ، فقد أعطت المراة الأرملة كل ما تمتلكه للرب فمدحها قائلاً : " فَدَعَا تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ لَهُمُ:"الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ قَدْ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ أَلْقَوْا فِي الْخِزَانَةِ، لأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا. وَأَمَّا هذِهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا أَلْقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا، كُلَّ مَعِيشَتِهَا". (مر ١٢ : ٤٣ - ٤٤) فهل يوجد في هذه الأيام نفوس مثل هذه المرأة أغنياء أو فقراء ، فالبخل خصلة ذميمة تمنع الفرد من البذل والعطاء ودائماً ينتظر من الاخرين الكرم .
عندما تكون كنيستك أو جماعة المؤمنين المنتمي اليهم في إحتياج للتبرع أو البذل لعمل الله وتبخل ولا تبادر بالعطاء وقد تتخلي عنهم فانت قد شاركت بقوة في زيادة الإحساس بالعجز ، وهذا شر عظيم وخطية ولن تنال مدح أو تطويب ، فـ المتكبر والبخيل مهما تكن مزاياهما، لا يستحقان الاهتمام ، لأنهما يستنزفان الأخرين لخدمة أنفسهم وعندما يُطلب منهم العطاء دون مقابل فستجدهم أول المنسحبين والغير مساندين ، لذلك أبتعد عن البخيل والشحيح ، لأن الشحيح شديد البخل على نفسه وعلى من حولة فلا تحزن علي بخيل أو شحيح أو متكبر تركك .
تكلم الرسول بولس عن الكرم والعطاء بعضم لبعض من أجل خدمة الرب " فَرَأَيْتُ لاَزِمًا أَنْ أَطْلُبَ إِلَى الإِخْوَةِ أَنْ يَسْبِقُوا إِلَيْكُمْ، وَيُهَيِّئُوا قَبْلاً بَرَكَتَكُمُ الَّتِي سَبَقَ التَّخْبِيرُ بِهَا، لِتَكُونَ هِيَ مُعَدَّةً هكَذَا كَأَنَّهَا بَرَكَةٌ، لاَ كَأَنَّهَا بُخْلٌ. (2كو ٩ : ٥) لان دعوة الخدام الغرباء لخدمة شعب الرب بالكنيسة يحتاج كرم وعطاء لا شُح وبُخل ، لأن قانون الزرع والحصاد يعمل في كل دوائر البركات والعطاء والبذل " هذَا وَإِنَّ مَنْ يَزْرَعُ بِالشُّحِّ فَبِالشُّحِّ أَيْضًا يَحْصُدُ، وَمَنْ يَزْرَعُ بِالْبَرَكَاتِ فَبِالْبَرَكَاتِ أَيْضًا يَحْصُدُ. (2كو ٩ : ٦) هذا يجعل المؤمن مُعطي بسخاء لا عن اضطرار بل بنية صالحة لينال سرور من الله نحوه" كُلُّ وَاحِدٍ كَمَا يَنْوِي بِقَلْبِهِ، لَيْسَ عَنْ حُزْنٍ أَوِ اضْطِرَارٍ. لأَنَّ الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ. (2كو ٩ : ٧)العطاء يفتح أبواب البركات والإزدياد ويجعل الأب مسرور الذي هو علامة الرضا الإلهي ، لذلك لا تُمسك يدك عن العطاء " يُوجَدُ مَنْ يُفَرِّقُ فَيَزْدَادُ أَيْضًا، وَمَنْ يُمْسِكُ أَكْثَرَ مِنَ اللاَّئِقِ وَإِنَّمَا إِلَى الْفَقْرِ. (أم ١١ : ٢٤) فكن حذراً من البخل لأن " البخيل لماله، أما ماله فليس له " لذلك لا تكن بخيلاً فالبخل هو كنز المال وجمعه وعدم إنفاقه لمن له إحتياج أو لخدمة الرب بحجة الخوف من المستقبل ، وهذا ليس صحيحاً لأن القانون الروحي للبركة يعمل مع العطاء والمحبة وليس مع البخل والشُح " فليس جيداً كي نوفر مسمارا نفقد حصانا " لذلك لا تفقد كنوز السماء لسبب البخل ، بل كن عطاءً لتنال بركات هنا في هذا العالم وفي الأبدية أيضاً " قَالَ لَهُ يَسُوعُ:"إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي". (مت ١٩ : ٢١) فهل نبدأ بالكرم والعطاء .
- الإحساس بالترك :
الترك عامل مساعد من العوامل الاساسية للإحساس بالعجز ، عندما يكون صاحب شركة وله من العاملين أناس أساسيين وفجاة يتركوه فحتماً سيصاب بالإحساس بالعجز المؤقت لحين إعادة النظام مرة اخري ، فالترك يصيب الإنسان بالإحساس بالعجز في بعض جوانب الحياة ، ينبع الإحساس بالترك من مستوي الإرتباط بالأخرين الذي من خلاله ياتي الإحساس بالعجز ، ولأن الإنسان إجتماعي بطبعه فهو يحتاج دائما للشعور بالإهتمام والمشاركة فمدير الشركة يحتاج لوجود فريق العمل بجانبه ، ورعاة الكنائس يحتاجون لوجود فريق الخدمة وإلتزامهم تجاه عمل الرب ، فتركهم لمواقعهم يُصيب بالإحساس بالعجز ، فالإحساس بالترك أمراً ليس هيناً فهو مؤلم جداً ، وعلي قدر التعلق بالأخرين علي قدر الألم
- ينقسم الإحساس بالترك لقسمين :
١ - كشعور نفسي .
٢ - كواقع يجب أن لا يكون .
- كشعور نفسي :
الاحتياج النفسي للتواجد والوجود في اطار الغير يعزز الاحساس بالذات الانسانية ، أما في الترك فيصاب الإنسان بالإكتئاب والإحساي بأنه غير محبوب ، ولتفادي هذا يجب أن يُدرك الإنسان أن لا يجب الإرتباط بالأخرين إرتباط الثقة الذائدة لان فيها تدمير لكل ما هو جميل ورائع في وقت الترك ، وقف الرسول بولس وحده يُحاكم وتركه الجميع لكنه لم يعتد بالأمر لأنه لا ينظر للبشر ومساندتهم فهو كان ينظر للرب " فِي احْتِجَاجِي الأَوَّلِ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ مَعِي، بَلِ الْجَمِيعُ تَرَكُونِي. لاَ يُحْسَبْ عَلَيْهِمْ. وَلكِنَّ الرَّبَّ وَقَفَ مَعِي وَقَوَّانِي، لِكَيْ تُتَمَّ بِي الْكِرَازَةُ، وَيَسْمَعَ جَمِيعُ الأُمَمِ، فَأُنْقِذْتُ مِنْ فَمِ الأَسَدِ. (2تيمو ٤ : ١٦ ، ١٧) لكي نتخطي البُعد النفسي وعدم الإحساس بالترك والعجز ، علينا أن لا نضع ثقتنا في أحد علي الإطلاق مهما كانت مكانتهم ، فمن يريد أن يتركك فاتركه يتركك ولا تتمسك به لئلا تُصدم نفسياً " وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. (مت ٥ : ٤٠) ليس معناها السلبية بل إدراكك للاحداث والمواقف والإمور وانك لا تحمِل كل شيئ داخل نفسيتك .
٢ - كواقع يجب أن لا يكون :
الواقع الذي يجب أن لا يكون هو في الله وليس في البشر ، إن طبيعة الله هي الرعاية والإهتمام بالجميع مهما كانت طبيعتهم وأحوالهم ، أما طبيعة البشر هي الترك إما بإرادة حره أو خارج الإرادة من خلال الموت أو الهجرة ، فقد قال الرب لصموئيل عن طبيعة الشعب " حَسَبَ كُلِّ أَعْمَالِهِمِ الَّتِي عَمِلُوا مِنْ يَوْمِ أَصْعَدْتُهُمْ مِنْ مِصْرَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ وَتَرَكُونِي وَعَبَدُوا آلِهَةً أُخْرَى، هكَذَا هُمْ عَامِلُونَ بِكَ أَيْضًا. (1صم ٨ : ٨) فالطبيعة البشرية هي الترك إن أجلاً أو عاجلاً لذلك يجب أن يكون لنا روح الأمانة في العلاقات مع الله ومع إخواتنا ، فالترك المفاجيئ دون سابق إنزار يعتبر غدر ، أما عندما نُعِد له ونُظهِر الأسباب ونناقشها ونُقرِر الأفضل والأصلح ، يكون الأمر هين والإحساس بالعجز لا يكون له مكان .
- الله فوق الإحاسيس السلبية :
الإحساس بالعجز يُصيب البشر بصفة عامة ، أما الله فليس كالبشر فهو لا يصاب به إطلاقاً لانه كلي القدره ، لكنه يقف صامتاً كإنه عاجزاً عن العمل لأنه يحترم الإنسان فيقول : " لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً. (إر ٢ : ١٣) فالخاسر هو الإنسان وليس الله ، لذلك في علاقاتنا مع الله لا يجب أن نبتعد عن كل مصادر المعاملات الإلهية ، فهي تكمن داخل الإجتماعات الروحية والخدمة والصلاة وقراءة كلمة الله ودراستها ، كل هذه وسائط روحية من خلالها نري معاملات الله وندركها ونشعر بها ، وفي حالة تركنا لها فنحن نترك منابع الأرتواء الإلهية ونحفر لانفسنا أباراً مشققة لا تجدي نفعاً لحياتنا .
- اترك أعمي البصيرة لعدم خضوعه :
يوجد من هم عُميان البصيرة ومتعصبون لعاداتهم وتقاليدهم ولا يريدون الخضوع والمعرفة والبحث ، بل يسيرون وراء من هم عميان بطبعهم ، لذلك إن لم يريدوا أن يسمعوا ويتعلموا ويفهموا فيمكنك تركهم يتركوك إن كانت هذه رغبتهم " حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَقَالُوالَهُ: "أَتَعْلَمُ أَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمَّا سَمِعُوا الْقَوْلَ نَفَرُوا؟" فَأَجَابَ وَقَالَ:"كُلُّ غَرْسٍ لَمْ يَغْرِسْهُ أَبِي السَّمَاوِيُّ يُقْلَعُ. اُتْرُكُوهُمْ. هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ. وَإِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ". (مت ١٥ : ١٢ - ١٤) فليس لك ان تفعل شيئاً إلا مع منيريد مساعدتك ، لذلك في رفضهم أو تركهم لك لا تصاب بالإحساس بالعجز أو الفشل ، بل لتعلم ان كل تعبك مُقدر من قّبل الرب .
- الإحساس بالتهميش :
التهميش نوع من أنواع المشاعر الناتجة من معاملان الأخرين تجاه شخص أو فئة معينة من المجتمع ، فالذين يشعرون بهذا الإحساس يُدركون أن حقوقهم قد سلبت وعندما لا يقدرون أن يستردوها فيصابون بالإحساس بالعجز ، أما مَّن إستطاع أن يأخذ حقه فقد تخطي هذا الإحساس ، هذا الأمر ليس بسيطاً فقد يحاول الإنسان أن يعيش بدون تهميش ولكن لسبب بعض العادات أو التقاليد تري البعض مهمش ، فالأقلية في بعض المجتمعات قد تُهمش ، كذلك المسنين ، والمراة في المجتمع كذلك ومن إستطاعت أن تعيش دون تهميش فقد اجتازت الكثير من الصعاب وسّمعت ما لا يُرضيها من عبارات وتعليقات.
التهميش ناتج من روح التعصب والعنصرية والميول تجاه النفس والتفرقة بين المحبوبين وغيرهم من البشر الغير مرغوب وجودهم معنا ، فقد تري هذا في فئة الرعاة الذين وبخهم الرب في الإنزواء تجاه أنفسهم وتهميش كل من هو ليس من بني جنسهم أو لا يمت لهم بصلة أو إستفادة " يَا ابْنَ آدَمَ، تَنَبَّأْ عَلَى رُعَاةِ إِسْرَائِيلَ، تَنَبَّأْ وَقُلْ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ لِلرُّعَاةِ: وَيْلٌ لِرُعَاةِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا يَرْعَوْنَ أَنْفُسَهُمْ. أَلاَ يَرْعَى الرُّعَاةُ الْغَنَمَ؟ (حز ٣٤ : ٢) فعندما يرعي الإنسان نفسه ولا يهتم بأهل بيته أو بمن وُضِع من أجلهم مسئولاً فهو يفعل خطية تهميش غيره وعدم السير تجاه الأمانة الشخصية في خدمة المحتاجين وكل من وضع لأصير مسئولاً عن خدمتهم والإهتمام بهم " الْمَرِيضُ لَمْ تُقَوُّوهُ، وَالْمَجْرُوحُ لَمْ تَعْصِبُوهُ، وَالْمَكْسُورُ لَمْ تَجْبُرُوهُ، وَالْمَطْرُودُ لَمْ تَسْتَرِدُّوهُ، وَالضَّالُّ لَمْ تَطْلُبُوهُ، بَلْ بِشِدَّةٍ وَبِعُنْفٍ تَسَلَّطْتُمْ عَلَيْهِمْ. (حز ٣٤ : ٤) ألا نفيق أحبائي من روح التعصب تجاه الأخر ونمد يد الوحدة والترابط للجميع ، لأن زمن الظلم والتعصب والأنانية والعنصرية لن يطول مهما إن طال صولجانه ، سيأتي الوقت الذي يقول فيه الرب " لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا أَسْأَلُ عَنْ غَنَمِي وَأَفْتَقِدُهَا. (حز ٣٤ : ١١) لذلك اقول لكل مُهمش قد حان الوقت لتنال من الرب شخصياً إهتمام خاص " أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ، وَأُبِيدُ السَّمِينَ وَالْقَوِيَّ، وَأَرْعَاهَا بِعَدْل. (حز ٣٤ : ١٥ ، ١٦) هذا هو إلهنا لا يقبل الظلم ولا يقبل روح التعصب ، من أجل ذلك هو بنفسه يمد يد المعونة ليعضد ويسند ويُجبر ، فقط تعال الأن وإلجأ إليه لأنه مستعد أن يكون لك راعي وأب وأخ وصديق " وَأَيْضًا يَقُودُكَ مِنْ وَجْهِ الضِّيقِ إِلَى رَحْبٍ لاَ حَصْرَ فِيهِ، وَيَمْلأُ مَؤُونَةَ مَائِدَتِكَ دُهْنًا. (أي ٣٦ : ١٦) فهو يريدك أن تتكل عليه وحده ولا تنظر للبشر كي لا يخيب أمالك .
من يشعر بالعجز لأنه مهمش أقول له لا تكترث لمعاملات الناس معك ، لأنك محبوب جدا ومطلوب بالإسم من إله السماء فينادي كما نادي علي يعقوب قال له " وَالآنَ هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ، خَالِقُكَ يَا يَعْقُوبُ وَجَابِلُكَ يَا إِسْرَائِيلُ: "لاَ تَخَفْ لأَنِّي فَدَيْتُكَ. دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. أَنْتَ لِي. (إش ٤٣ : ١) هذه الدعوة التي تملأ صدورنا لا تقودنا إلي الشعور بالتهميش أو العجز لان اهتمام السماء بنا يعطي لنا الشعور بأننا مهمين جداً لاننا نور للعالم وملح للأرض فنحن مهمين .

تعليقات
إرسال تعليق