مفهوم الخضوع وانتهازية المتكبر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مفهوم الخضوع
وانتهازية المتكبر
بقلم القس
عماد عبد المسيح عطية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مفهوم الخضوع وانتهازية المتكبر
كلمة خضوع في الكتاب المقدس تترجم طاعة
جاءت في اللغة العبرية יִקָּהָה وتنطق yiqqâhâh كما في الأية : " لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا
وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ
شُعُوبٍ. ( تك ٤٩ : ١٠ ) وجاءت في اللغة اليونانية ὑποταγή وتنطق hupotagē وتعني إخضاع
أو طاعة كما في الأية " لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ
بِسُكُوتٍ فِي كُلِّ خُضُوعٍ. ( 1تي ٢ : ١١ ) فالخضوع في كلمة الله
يأتي بمعني الطاعة وليس الذل ، فدائماً الطاعة مبنية علي الإرادة هكذا الخضوع .
الخضوع في مستوي
الإبوة والبنوة :
الخضوع كلمة سحرية تجعل كل الإمور متيسرة وسلسة وليس بها
تعقيد ، ولكن المجتمع يري الخضوع من زاوية الذل والمهانة ، فيراها معجم الوسيط " خضع : وَقَفَ أَمَامَهُ فِي خُضُوعٍ : فِي ذُلٍّ وَمَهَانَةٍ
، مال وانحنَى ." هذه هي نظرة المجتمع حتي في العلاقة بالله يرون البعض أن
الخضوع هو الذل لله ، هذه المفاهيم تجعل العلاقة بالله كالعلاقة بين الأسياد
والعبيد ، فخضوع العبد لسيده خضوع بلا حقوق ـ ليس له حق الميراث لأنه عبد ، ليس له
حق القيادة والرياسة والإدارة لأنه عبد ـ فالخضوع في دائرة العبيد ذل ومهانة أما الخضوع
في مستوي البنين حب وكرامة ، فالعلاقة الروحية مع الله تسير في مستوي ألإبوة
والبنوة لا في مستوي العبيد لأن عبوديتنا لله كالخالق في محبته وعطائه وليس
كالصورة الاجتماعية بين السيد المستغل خدمة العبد له " هُوَذَا كَمَا
أَنَّ عُيُونَ الْعَبِيدِ نَحْوَ أَيْدِي سَادَتِهِمْ، كَمَا أَنَّ عَيْنَيِ
الْجَارِيَةِ نَحْوَ يَدِ سَيِّدَتِهَا، هكَذَا عُيُونُنَا نَحْوَ الرَّبِّ
إِلهِنَا حَتَّى يَتَرَأَّفَ عَلَيْنَا. ( مز ١٢٣ : ٢ ) فالعلاقة بين الله
والإنسان لا يجب النظر اليها بذات الصورة التي ينظر اليها العبد تجاه سيده البشري
بل من منظور روحي سامي ، لأن الله سّيخدِم العبيد كالأبناءه الأمناء الساهرين ،
فعلاقة الله مع بني البشر علاقة تسمو فوق
المنظور البشري " طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ
إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ:
إِنَّهُ يَتَمَنْطَقُ وَيُتْكِئُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ وَيَخْدُمُهُمْ. ( لو ١٢ : ٣٧ ) من هو
هذا السيد السامي صاحب المبادئ العالية الجودة إنه الرب .
إن الخضوع في دائرة الإبوة والبنوة مستوي عالٍ من
الروحانية السامية كأباء وكأبناء ، لذلك الخضوع في المسيحية لا يرتبط بأي نوع من
الذل والمهانة ، بل الحب والكرامة ، فإن مال فهم الخضوع تجاه الذل والمهانة فقد
اعتري هذه النفوس روح الكبرياء فيختفي الخضوع بحسب الحق الكتابي ، فالذل يطلبه
الجبابرة والطواغيت من شعوبهم ويسير فيه كل من إعتراه روح العبيد ، لذلك المسيح
عندما تحدث لتلاميذه بعد القيامة قال لهم " لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ
عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ
سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ
أَبِي. ( يو ١٥: ١٥ ) حياة الخضوع الحاملة
لمفهوم الذل من المستويات الصعبة التي لا يجب أن تكون بين الأحرار ، فكل من هو في
مستوي البنين وفي مستوي الإبوة من الأحرار اللذين يصيرون في خضوع بفهم وليس خضوع
الخنوع الإضطراري بل خضوع بكامل الإرادة المبنية علي معرفة الحق "
وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ". (يو ٨ : ٣٢)
الخضوع في مستوي
الأحرار :
يقول الرب في كلمته المباركة أن المؤمن الحامل كلمة الله
هو حر وليس عبد ، حر لأنه يعلم جيداً كيف تحرر من دائرة العبودية الي حرية ابناء
الله بالإيمان بيسوع المسيح " فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ
فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا. (يو ٨ : ٣٦) إنه مستوي رائع جداً أن
يدرك الإنسان مقدار وعمق كونه حراً في المستوي الاجتماعي والمستوي الديني وانه ليس
بعبدٍ ، وغير مُطالب بأن يشعر بهذا في علاقته بالبشر ولا يوجد إحتياج الهي يُطالب
به بني البشر ، ولكنه مبدأ أساسي في العلاقات السليمة المبنية علي الحق ومعرفة
المسئوليات للبنيان والتكامل وليس للذل والمهانة ، فالبشر عّرفوا الخضوع بأنه ركوع
المشاعر وسجودها لمن تخضع له ، ولكن الخضوع في دائرة الحق مبدأ مختلف لأنه يعلن
مقدار حرية الشخص وإدراكه لما يجب أن يقوم به وما يجب أن يكون عليه .
عندما جاء المسيح الي عالمنا جاء ليكسر كل نير عبودية
لأن نير العبودية كله ذل ومهانة وصغر نفس ، فالمسيح جاء ليطلق كل أسير وكل منسحق
مذلول " رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ،
أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ
بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ،
( لو ٤ : ١٨ ) بعد شفاء القلوب واطلاق المأسور وإنارة البصر والبصيرة وإرسال المنسحق
في الحرية يكون للخضوع معني وطعم لأنه سيكون خضوعاً بكامل الحرية والإرادة الغير
مسلوبة ، لذلك أدرك الرسول بولس هذا المستوي وقال لأهل غلاطية أن يتمسكوا بحريتهم
ولا يرتبكون بمستويات العبودية " فَاثْبُتُوا
إِذًا فِي الْحُرِّيَّةِ الَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا الْمَسِيحُ بِهَا، وَلاَ
تَرْتَبِكُوا أَيْضًا بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ.
( غلا ٥ : ١ ) فالنير هو الخشبة التى توضع على عنق ثورين لتشغيلهما معا وتشير هنا
إلي العبودية ، فإدراك الحرية يجعل الإنسان
بعيداً عن كل نير وحمل ثقيل لا يقدر الإنسان علي حمله ، فالحُر قادر علي تمييز
الإمور وإختيار ما يناسبه ويخضع له دون إجبار ، لذلك فلينتفض كل من يشعر بحمل ثقيل
مُجبّر علي حِملهِ ومُجبّر علي الخضوع له ، فلا يجب أن يخضع خضوع المضطر بل خضوع
الفاهم المُقيّم للإمور .
في الخضوع
الغالب والمغلوب :
يقف الإنسان الغير فاهم لحقائق
كلمة الله أمام بعض المفاهيم التي تجعل علاقته بالله علاقة متوترة كثيراً مع
التسليم بأن الله الغالب وأن الإنسان مغلوب علي أمره وعلي الإنسان إلا الخضوع ،
ولكن كلمة الله تعلمنا أن الخضوع كلمة تأتي بمعني الطاعة وتسير جنب الي جنب مع
الحرية والتحرير ومع الإبوة والبنوة ، فلا يوجد بين الأب وإبنه غالب ومغلوب ،
وكذلك في الحرية والتحرير لا يوجد مغلوب علي أمره ، فالحُر والإبن يخضعان بكامل
إرادتهما وهذه هي الطاعة .
عندما خلق الله الإنسان خلقه حر الإرادة
يستطيع أن يكون كما يريد ، ولكن لسبب ظروف البيئة المحيطة التي قد تكون أعلي من
إدراكاته يشعر بأنه مغلوب علي أمره فيخضع ، هذا يسمي روح عبودية فيها يشعر الإنسان
دائماً بأنه مغلوب علي أمره ، ليس له أن يختار أين يسير وكيف يعيش ، ولكن الحر
يستطيع أن يختار مهما كانت الظروف والأحداث القائمة ، سيوجد نفوس وسط الضيقة
العظيمة لهم إختيار أن لا يكونوا عبيد للشر وللخطية فلا يسجدون للوحش ولا لصورته
لأنهم أحرار وفوق مستوي العبيد " وَرَأَيْتُ كَبَحْرٍ
مِنْ زُجَاجٍ مُخْتَلِطٍ بِنَارٍ، وَالْغَالِبِينَ عَلَى الْوَحْشِ وَصُورَتِهِ
وَعَلَى سِمَتِهِ وَعَدَدِ اسْمِهِ، وَاقِفِينَ عَلَى الْبَحْرِ الزُّجَاجِيِّ،
مَعَهُمْ قِيثَارَاتُ اللهِ، (رؤ ١٥ : ٢) من هو الغالب ؟ إنه الذي يخضع
لله ولمشيئته ، ومن هو الحر ؟ هو كل من استطاع أن يقول للخطية وللشر لا مهما كانت
العواقب .
التشكيلات الإلهية تعمل دائماً لصالح الإنسان وبالأخص المؤمنين
اللذين نالوا حرية في المسيح وصاروا فوق كل نير عبودية ويسيرون في مشيئة الله ،
الله يستخدم كل الظروف ويحولها لخير أبناءه ولتحقيق مقاصده " وَنَحْنُ
نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ
يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ. ( رو ٨ : ٢٨
) ففي داخل قلب الله تجاه أبناءه خير ورحمة وسلام ، ولا يوجد بين الله والإنسان ما
يسمي غالب ومغلوب علي أمره ، لأن العلاقة مع الله هي خارج نطاق الصراع في إثبات
الوجود ولكنها علاقة حب متبادل ، فالعطاء الإلهي مبني علي المحبة الإلهية الكاملة
التي ليس لها حدود ، هكذا يجب أيضاً أن تكون علاقاتنا بعضنا مع بعض تسير في نفس
الإتجاه ، اتجاه المحبة بنفس الطريقة التي احبنا بها الله ، فقد احبنا الي المنتهي
دون غرض ذاتي هكذا في محبتنا بعضا لبعض يجب أن تكون محبة ليست مغرضة ، بل محبة
تعلن مستوي وجودنا في النور " نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ
الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ. مَنْ لاَ يُحِبَّ
أَخَاهُ يَبْقَ فِي الْمَوْتِ. ( يو ٣ : ١٤ ) ويقول ايضاً " أَيُّهَا
الأَحِبَّاءُ، إِنْ كَانَ اللهُ قَدْ أَحَبَّنَا هكَذَا، يَنْبَغِي لَنَا أَيْضًا
أَنْ يُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا. ( 1يو ٤ : ١١ ) هذه المستويات تعطي لخضوعنا
لله ولبعضنا البعض مستوي الهي سامي في التعامل والتواصل وتجعل من الخضوع مستوي من
الكرامة لا زل فيه ولا هوان .
الخضوع لله لا يجب أن يكون بغرض الرضا الإلهي بل بغرض المحبة
المتبادلة الغير هدافة ، فأنا أخضع لله لأني أحبه ، وليس لأني أعيش مرهوناً بعطاءه
ومن غيره أموت ... كلا ... إنني أعيش مرهوناً بحبه لي وحبي له وليس مرهوناً
بالعطاء والنعم ، فالعطاء الالهي مصدره الحب " اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي
الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا،
( أف ٢ : ٤ ) وخضوعنا لله مصدره الحب وكذلك بعضنا نحو بعض " وَاسْلُكُوا
فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ
لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً. ( أف ٥ : ٢ ) فأنت
أيها الإنسان في العلاقة مع الهك لست مغلوب علي أمرك بل محبوباً مُكرماً " وَرَبُّنَا
نَفْسُهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، وَاللهُ أَبُونَا الَّذِي أَحَبَّنَا وَأَعْطَانَا
عَزَاءً أَبَدِيًّا وَرَجَاءً صَالِحًا بِالنِّعْمَةِ،( 2تس ٢ : ١٦ ) لا
تتعامل مع الله ومع الاخرين بأهداف ذاتية بل بحب متبادل " نَحْنُ
نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً. ( 1يو ٤ : ١٩ ) فالطاعة التي
اساسها المحبة من أثبت المستويات وأقيمها روحانية فلنعيش فيها لنكون داخل المشيئة
الالهية
الخضوع
وانتهازية المتكبر :
الإنتهازية قد تكون
حميدة وقد تكون خبيثة ، وهذا يتوقف علي الفرصة المتاحة ، فقد تكون فرصة متاحة
للجميع وعلي الشخص الإسراع لإغتنامها بشرط أن لا تكون علي حساب الغير ، لأنها إن
كانت علي حساب الغير فتصير خطية تحتاج الي توبة ، جاء في معجم الوسيط أن الشخص
الإنتهازي " شخص يقتنص الفرصة ويستغل أيّة وسائل للمنفعة الشَّخصيّة وهو
سياسي يطلب مصلحته الخاصة "
فالإنتهازي في كل الاحوال هو الشخص الذي يطلب مصلحته أولاً وأخيراً ولكن أن يغتنم
الفرصة علي حساب الأخرين فهذا شر ، فالمشكلة ليس في الخاضع المطيع بل في الإنتهازي
المتكبر .
المتكبر
دائماً يمتلك نزعة تسلطية فعندما يمتلك سلطة يبحث عن مطيعين خاضعين بلا نقاش
ويعادي كل من يختلف معه ، فالمتكبرين تجدهم متسلطين انتهازيين مستغلين الجميع في
مصلحتهم " أَيْضًا مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ
احْفَظْ عَبْدَكَ فَلاَ يَتَسَلَّطُوا عَلَيَّ. حِينَئِذٍ أَكُونُ كَامِلاً
وَأَتَبَرَّأُ مِنْ ذَنْبٍ عَظِيمٍ. ( مز ١٩:١٣ ) فعندما تقابل متكبراً لا تقترب كثيراً
منه ، ابتعد علي قدر المستطاع لأنه سيكون انتهازي من الدرجة الأولي ، فيصفهم
الكتاب المقدس بـ الْمَلاَعِينَ وعليك انتهارهم من حياتك " انْتَهَرْتَ
الْمُتَكَبِّرِينَ الْمَلاَعِينَ الضَّالِّينَ عَنْ وَصَايَاكَ. ( مز ١١٩ : ٢١
) فالرب نفسه لا يقترب من المتكبر ويعرفه بسطحية شديدة " لأَنَّ الرَّبَّ
عَال وَيَرَى الْمُتَوَاضِعَ، أَمَّا الْمُتَكَبِّرُ فَيَعْرِفُهُ مِنْ بَعِيدٍ.
( مز ١٣٨ : ٦ ) فإن خرجت أو أخرجت المتكبر من حياتك فلا عليك لوم ، فالتعامل مع
المتكبر أمر في غاية الصعوبة لأنه يسبب مرارة للنفس " تَأْتِي الْكِبْرِيَاءُ
فَيَأْتِي الْهَوَانُ، وَمَعَ الْمُتَوَاضِعِينَ حِكْمَةٌ. ( أم ١١ : ٢ )
فالكبرياء شر يرفضه الرب بل ويحاربه ، يقول الحكيم أن الرب يقلع أسس المتكبرين
ويثبت المتواضعين المنكسرين " اَلرَّبُّ يَقْلَعُ بَيْتَ الْمُتَكَبِّرِينَ،
وَيُوَطِّدُ تُخْمَ الأَرْمَلَةِ. ( أم ١٥ : ٢٥ ) فالكبرياء الذي يكون علي حساب الغير
يجب علي صاحبه أن يقدم توبة وإعتذار لكل من تسبب في جرحهم وفي أذيتهم ، ولكن لسبب
كبرياء قلبه لن يفعل ذلك .
المتكبر ستجده كاذباً من أجل مصلحته فهو غير واضح وسياسي
من الدرجة الأولي ، فالكذب دائرة مرافقة للمتكبر تعمل وقت وجود الفرص ليستطيع أن
يغتنمها ويكون بلا منازع " الْمُتَكَبِّرُونَ قَدْ لَفَّقُوا عَلَيَّ
كَذِبًا، أَمَّا أَنَا فَبِكُلِّ قَلْبِي أَحْفَظُ وَصَايَاكَ. ( مز ١١٩ : ٦٩
) لا تسعي نحو المتكبر ولا تخالطه لأنه عندما تتعامل معه في عطايا وهدايا وغيرها
يُشعرك بأنه يمن عليك ، وكثيراً تجده رافض لعطاياك مهما كانت لأن المتكبر يريد أن
يكون خيره علي الجميع ويريدك خاضع له خضوعاً كاملاً بكل المقاييس وعند مخالفته
يحاول إزلالك " تَوَاضُعُ الرُّوحِ مَعَ الْوُدَعَاءِ خَيْرٌ مِنْ قَسْمِ
الْغَنِيمَةِ مَعَ الْمُتَكَبِّرِينَ. ( أم ١٦ : ١٩ )
المتكبر سيأتي له يوم ويكسره الرب لأن كبرياء القلب يجعل
الإنسان تحت دائرة القضاء الإلهي ، وحين يصدر الأمر سترفع الحصانة ويتم كسر
المتكبر " قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ
تَشَامُخُ الرُّوحِ. ( أم ١٦ : ١٨ ) فكل متكبر هو فاعل شر سواء كان مؤمناً أو
غير مؤمناً سواء كان شخصاً أو جماعة أو دولة ، فقد تكبرت يهوذا واورشليم فتعامل
الله مع كبريائها " هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هكَذَا أُفْسِدُ كِبْرِيَاءَ
يَهُوذَا، وَكِبْرِيَاءَ أُورُشَلِيمَ الْعَظِيمَةِ. ( إر ١٣ : ٩ ) وقد كانت
مصر الفرعونية متكبرة لذلك تعامل الله مع كبريائها ، فأين مصر التاريخ ؟! أين
حكمتها التي تهذب بها موسي ؟ّ! يقول الكتاب عنها " هكَذَا قَالَ الرَّبُّ:
وَيَسْقُطُ عَاضِدُو مِصْرَ، وَتَنْحَطُّ كِبْرِيَاءُ عِزَّتِهَا. مِنْ مَجْدَلَ
إِلَى أَسْوَانَ يَسْقُطُونَ فِيهَا بِالسَّيْفِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ.
( حز ٣٠ : ٦ ) فليس عند الرب محاباة ، فقد أسقط كبرياء الملائكة بسقوط الشيطان ،
واسقط كبرياء يهوذا واورشليم ومصر ، ومازال يُسقط كل متكبر لأن الرب يُبغض
الكبرياء والشر والأكاذيب " مَخَافَةُ الرَّبِّ بُغْضُ الشَّرِّ. الْكِبْرِيَاءَ
وَالتَّعَظُّمَ وَطَرِيقَ الشَّرِّ وَفَمَ الأَكَاذِيبِ أَبْغَضْتُ. ( أم ٨ : ١٣
) .
تمسك أخي باالتواضع وأرفض روح الكبرياء ، فالتواضع يملأ
المؤمن نعمة " كَمَا أَنَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِالْمُسْتَهْزِئِينَ، هكَذَا
يُعْطِي نِعْمَةً لِلْمُتَوَاضِعِينَ. ( أم ٣ : ٣٤ ) فالمسيح كان متواضعاً
وكان ممتلئاً نعمة ، ويدعوا الجميع ليتعلموا منه روح التواضع لينالوا راحة للنفس
" اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ
الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. ( مت ١١ : ٢٩ ) أصلي أن يمتليئ شعب الرب بالتواضع
لننال نعمة ونكون خدام حقيقيين في دائرة الملكوت لمجد الله . وَلكِنَّهُ
يُعْطِي نِعْمَةً أَعْظَمَ. لِذلِكَ يَقُولُ:"يُقَاوِمُ اللهُ
الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً".
( يع ٤ : ٦ )
أساس البيت
المسيحي الطاعة في المحبة :
اساس البيت المسيحي ليس
التواضع بل الطاعة ، لأن المتواضعين يعرفون كيف يكونوا مُطيعين ولن توجد طاعة بلا
حب ، فالمحبة تستطيع أن تملأ البيت تواضع وطاعة وخضوع ، لأن المتكبر لا يستطيع أن
يُحب كما ينبغي ، ففي محبته أهداف ذاتية حتي مع أقرب المقربين الي قلبه ، فيفعل
الإمور لأبنائه ليس لمجرد أنهم أبناءه بل لأن في الإهتمام بهم رفعة وكرامة وشموخ ،
لذلك يهتم بالإبن الناجح ويفتخر به ، أما الإبن المتعثر فسيتركه بعد أن يحاول أن
يقيمه ، ولكن التفرقة بينهما ستكون واضحة ، فالشخص المتكبر لن يكون في وضع
الأسوياء في معاملاته مع من حوله سواء في البيت أو العمل أو الكنيسة ، فلن تجده
يقترب نحو البسيط والفقير ، بل يقترب نحو من يرفعه ويمنحه كرامة افضل ، وإنت إقترب
نحوهم فلإستفادة ذاتية .
المحبة مفتاح لكل العلاقات السوية السليمة وبدونها لا
يصير للطاعة والخضوع طعم ، فقد يقدم المتكبر لمن حولة تقدمة ثمينة تُظهر الكرم
والشموخ والكبرياء ولكنها لا تعكس المحبة فلن تجدي نفعاً " أَكْلَةٌ مِنَ
الْبُقُولِ حَيْثُ تَكُونُ الْمَحَبَّةُ، خَيْرٌ مِنْ ثَوْرٍ مَعْلُوفٍ وَمَعَهُ
بُغْضَةٌ. ( أم ١٥ : ١٧ ) فالأب
المتكبر يحب اسرته وزوجته وأبناءه ولكن بهدف ذاتي أكثر منه هدف مبني علي المحبة
بحسب الفكر الكتابي ، فالمحبة التي يريدها الله هي محبة العطاء دون النظر للعائد
منها ، يحب الأب الإبن لذات الإبن ، ويحب الزوجة لذات الزوجة وهكذا بين أفراد
الأسرة بعضهم نحو بعض ، فقد قالت عروس النشيد عن الحبيب " أَدْخَلَنِي
إِلَى بَيْتِ الْخَمْرِ، وَعَلَمُهُ فَوْقِي مَحَبَّةٌ. ( نش ٢ : ٤ ) فالخمر
هنا تعني اللذة والبهجة والفرح وأساس التواصل بينهما هو المحبة ، المحبة التي كتبت
عنها العروس قائلةً " مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْفِئَ
الْمَحَبَّةَ، وَالسُّيُولُ لاَ تَغْمُرُهَا. إِنْ أَعْطَى الإِنْسَانُ كُلَّ
ثَرْوَةِ بَيْتِهِ بَدَلَ الْمَحَبَّةِ، تُحْتَقَرُ احْتِقَارًا. ( نش ٨ : ٧ ) .
مَحَبَّةٌ = في الإنجليزي ( love ) وتعني ) حب - محبة - عشق ( وفي اليوناني (
ἀγάπη ) وتنطق ( agapē ـ أغابي ) وتعني ( حب - مودة اخوية بإقتدار ) وهذا يعني حب بلا منازع ، لا يقتسم قلبي أحد غير من أحب ، هذا هو استخدام كلمة ( agapē - أجابي ) لأنه توجد انواع محبة أخري ، فالمحبة المقصودة ما بين
الحبيب والحبيبة في عروس النشيد هي من نوع المودة الأخوية التي بإقتدار الخالية من
محبة الذات والأنانية ، فإذا وجد هذا النوع من المحبة داخل الكيان الأسري صار
للطاعة والخضوع والتواضع مكاناً صحيحاً سوياً ، وسيكون لهذا البيت كرامة وحياة
أفضل .
إذا
كان داخل الأسرة فرد متكبر يُحب ذاته دون محبة الأخرين فسيكون أصل مرارة ليس فقط
لأسرته بل لعائلته أيضاً ، فسيحصد من نتاج كبرياءه عندما يبتعد عنه الأسوياء ،
فهذا المتكبر يحتاج لخلاص يسوع ان كان لم يناله بعد ، وإن كان مؤمناً فهو يحتاج
للتعليم والتهذيب والتقويم ، وكثيراً لأنه متكبر فلن يخضع للتعاليم ، هنا سيبدأ
الله في التعامل معه بطريقته لكسر كبرياءه ، فإن وجد في دائرة حياتك من المقربين
جداً شخص هكذا ومحاولاتك معه باءت بالفشل ، إتركه لكبرياء قلبه وصلي من اجله لأن
القادم علي حياته من القضاء الإلهي سيكون صعب احتماله .لأن من صفات المحبة عدم
الإنتفاخ " الْمَحَبَّةُ .... لاَ تَنْتَفِخُ،( 1كو ١٣ : ٤ ) فليحفظنا الرب من الإنتفاخ ، وليكن شعارنا هو الود
بالمحبة والكرامة " وَادِّينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالْمَحَبَّةِ
الأَخَوِيَّةِ، مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْكَرَامَةِ. ( رو ١٢ : ١٠ )
عندما كل فرد داخل الأسرة يأخذ مكانه ودوره دون التدخل
في أدوار الأخر ، فسيستقيم البيت حتي وإن وجد داخل الأسرة متكبراً ، فالزوجة تسير
بخضوع لزوجها بكل الحب وليس عن اضطرار مهما كان حال الزوج ، والزوج يسير مع زوجته
بكل المحبة المتواضعة مهما كان وضع الزوجة ، هكذا الأولاد في الطاعة ، عندما يكون
لكل واحد دورة دون تدخل الاخر بالغاء الادوار وإحتسابها لذاته سيكوت البيت في سلام
وراحة كاملتين " لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ. ( 1كو ١٦
: ١٤ ) لأن نمو الجسد يحتاج أن يظل كل عضو في مكانه وكل مفصل في وضعه مهما كان
وضع العضو داخل الجسد ، فقد يكون العضو رأساً وقد يكون قدماً ، قد يكون عضواُ
عاملاُ في الخفاء وقد يكون عضواً ظاهراً فالكل في مكانه دون تمرد أو تدخل غير
مرغوب فيه وليس لفائدة الجسد " الَّذِي مِنْهُ كُلُّ الْجَسَدِ مُرَكَّبًا
مَعًا، وَمُقْتَرِنًا بِمُؤَازَرَةِ كُلِّ مَفْصِل، حَسَبَ عَمَل، عَلَى قِيَاسِ
كُلِّ جُزْءٍ، يُحَصِّلُ نُمُوَّ الْجَسَدِ لِبُنْيَانِهِ فِي الْمَحَبَّةِ. (
أف ٤ : ١٦ ) فمن كبرياء الزوجة أن تأخذ مكان الرجل ، ومن كبرياء الزوج أن يهمش
دور الزوجة ، فليأخذ كلٍ دوره ومكانه فسيستقيم البيت والكنيسة والـ ... الخ .
الخضوع في دائرة
الحق فقط :
يوجد في المجتمع الكنسي خضوع خارج مشيئة الله ويكون بمثابة
خطية يجب التوبة والرجوع عنها ، وهي الخضوع للبشر في إمور تختص بالملكوت والحياة
الأبدية ، يوجد نفوس تخضع دون فحص وبتسليم كامل لمن يحملون تعاليم أو سلطة روحية ،
فالخضوع دون فحص أمر في غاية الخطورة ، فليس كل تعليم حق وليست كل أوامر كنسية حق
وليس كل صاحب ثقة علي حق .
وقف الرسول بولس في وجه اليهوديون الذين في أورشليم
الذين ينادون بتهويد الايمان المسيحي ورفض بإسرار ووافق باقي الرسل علي كلام
الرسول بولس بعدم ختان المؤمنين الجدد اللذين أمنوا من الأمم " اَلَّذِينَ
لَمْ نُذْعِنْ لَهُمْ بِالْخُضُوعِ وَلاَ سَاعَةً، لِيَبْقَى عِنْدَكُمْ حَقُّ
الإِنْجِيلِ. ( غل ٢ : ٥ ) فعندما يكون الحق واضح لديك لا تسلك بغيره ، ولا
سيما في الإمور الإيمانية الأساسية ، أما في الإمور التي ليست واضحة فيمكنك تركها
بحسب الواقع الذي يفرض نفسه ، فعدم ختان المؤمن وسط مجتمع مسيحي مؤمن ليس له أهمية
لذلك يجب التمسك به ، أما وسط مجتمع يهودي فعدم ختانه يجعله في عار وخذي ولن
يتعاملون معه ولن يسمعون رسالة الإنجيل منه ، لذلك قام بولس الرسول بختان تيموثاوس
ليتغلب علي أية حواجز لشهادة المسيح " فَأَرَادَ بُولُسُ أَنْ يَخْرُجَ
هذَا مَعَهُ، فَأَخَذَهُ وَخَتَنَهُ مِنْ أَجْلِ الْيَهُودِ الَّذِينَ فِي تِلْكَ
الأَمَاكِنِ، لأَنَّ الْجَمِيعَ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَبَاهُ أَنَّهُ يُونَانِيٌّ.
( أع ١٦ : ٣ ) فأوقات كثيرة نكون ملزمين للخضوع لبعض المعتقدات التي لا تمس صلب
الإيمان المسيحي ، فقد كان شعار الرسول بولس " فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ
كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي
تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ. ( 1كو ٩ : ٢٠ )
فقد كان هدف حياته تمجيد المسيح لذلك كان يخضع لبعض الممارسات التي لا تمس صُلب
المعتقدات المسيحية الثابتة بحسب كلمة الله بالحق .
لا تخضع لمن يدفعك للسجود لغير الله من صور وأيقونات
وتماثيل لأن هذا ضد الحق الكتابي " لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً
مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي
الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ
لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ،
أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ
مِنْ مُبْغِضِيَّ، ( خر ٢٠ : 5 ، 6 ) لذلك التمسك بالرفض لمثل هذه الممارسات
أمر حق وواجب عدم الخضوع وعدم السجود ، التمسك يكون حتي الموت كما كان الفتيا
الثلاثة ، فقد تمسكوا بالمبدأ حتي أتون النار " هُوَذَا يُوجَدُ إِلهُنَا
الَّذِي نَعْبُدُهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَنَا مِنْ أَتُّونِ النَّارِ
الْمُتَّقِدَةِ، وَأَنْ يُنْقِذَنَا مِنْ يَدِكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. ( دا ٣ :
١٧ ) وبالفعل نجاهم ، فالخضوع للرب وكلمته المقدسة فقط ، فلا تخضع لمن يدفعوك نحو
الخطأ الإيماني القويم سواء كان قسيس أو كاهن أو راهب أو مهما كانت رتبطة الروحية
أو الإجتماعية ، فليكن الرب وكلمته أولاً ، ولا تخضع لمن يمنعك عن حضور اجتماعات
روحية ير الأب والزوج ، ويمكنكم بحسب التفاهم والحوار ، أما باقي البشر فليس لم
سلطان عليكم ، لا سلطان كنسي ولا سلطان أخر ، إن الخضوع للأب الأرضي وللزوج يجعلهم
يُربحون بسيرة النساء " كَذلِكُنَّ أَيَّتُهَا النِّسَاءُ، كُنَّ
خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِكُنَّ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ لاَ يُطِيعُونَ
الْكَلِمَةَ، يُرْبَحُونَ بِسِيرَةِ النِّسَاءِ بِدُونِ كَلِمَةٍ، (1بط ٣ : ١)
فالخضوع هنا كما اشرنا هو الطاعة بكامل الإرادة فلا تشعرين بالإضطرار حتي وإن كان
علي عكس الرغبة ، فطاعة الوالدين او الزوج حدودها الإمور البسيطة التي لها بدائل
كحضور الاجتماعات والخدمة ، فيمكنا فعل هذه الإمور بطرق كثيرة ، أما في اللاهوتيات
ونكران المسيح فلا خضوع ولا طاعة في هذا با تمسك بإيمانك حتي الموت .
كان دانيال الشخص الذي تمسك أيضاً بمبادئ كلمة الله دون
خوف حتي الموت ، فلم يُطيع الفرمان الملوكي
وهذا دفعه ليُلقي داخل جب الإسود ولكن الرب انقذه ، فالتمسك بمبادئ الله واجب مقدس يجب أن نكون فيه
وعليه للنهاية ، فقد يلتف حولك في العمل أشرار لا يفهمون الحق ويتعبونك ، فلا تهتز
بل كن رجلاً شجاعاً ، فلن ينسي الرب ايمانك وصبرك واحتملك للمشقات ، فالجندي
الصالح الأمين هو من يكون داخل المعركة للنهاية كتيموثاوس الذي علمه بولس أن يكون
كذلك " فَاشْتَرِكْ أَنْتَ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ كَجُنْدِيٍّ
صَالِحٍ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. (2تيمو ٢ : ٣) فلا تخف حتي الموت ، فقد تنقذ
كالفتيان الثلاثة وكدانيال ، وقد لا تنقذ كإستفانوس ، ففي كل الاحوال كن مستعد
للأمانة والصلاح والخضوع لله مهما كلفك الأمر .
إخضاع الأشياء
واجب قانوني :
أعطي الله للإنسان إمكانية السيطرة علي الأشياء وإخضاعها
، فمن حق الإنسان إخضاع كل ما ليس عاقلاً كالجماد والحيوان " وَبَارَكَهُمُ
اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا،
وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ
حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ . ( تك ١ : ٢٨ ) لذلك لا يصح أن يتسلط
الإنسان علي الإنسان وقيادته للخضوع بالقوة وبدون إرادته لأن هذا شر ، حتي الرب لا
يُخضع إنسان له بالقوة بل بالدعوة والحوار والفهم ، فالرب عنده الحق المطلق
والإبتعاد عنه يقود الانسان لدوائر الشر فيدخل في نطاق القضاء الإلهي ، لذلك يدعوا
الإنسان ليترك شروره والخضوع لله فيرتد الغضب عنه وينال الرضي " الآنَ لاَ
تُصَلِّبُوا رِقَابَكُمْ كَآبَائِكُمْ، بَلِ اخْضَعُوا لِلرَّبِّ وَادْخُلُوا
مَقْدِسَهُ الَّذِي قَدَّسَهُ إِلَى الأَبَدِ، وَاعْبُدُوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ
فَيَرْتَدَّ عَنْكُمْ حُمُوُّ غَضَبِهِ. ( 2 أخ ٣٠ : ٨ ) فالخضوع لله أمر إختياري وهكذا في
علاقاتنا بعضنا مع بعض لا نعادي من خرج عن دائرة خضوعه لنا أو طاعتنا ، فعندما
خرجت هَاجَرُ من لدن سَارَايَ وتكلم معها مَلاَكُ الرَّبِّ قائلاً : "ارْجِعِي
إِلَى مَوْلاَتِكِ وَاخْضَعِي تَحْتَ يَدَيْهَا". ( تك ١٦ : ٩ ) لم
يعنفها أو يتسلط عليها بل تكلم معها مرشداً فأطاعت ، إن علاقاتنا وحواراتنا لا يجب
أن تكون بصيغة الأوامر بل بطريقة الإرشاد والمشورة ، فتكون النتيجة خضوع بفهم
وبكامل الإرادة .
الحروب
والصراعات بين الدول سببها الطمع والجشع وفرض السيطرة علي الأخرين ، فإن عاش
الإنسان في دائرته وسعي نحو تطوير ذاته وإمكانياته ومساعدة من حوله دون أن يكون في
داخله سعي نحو السيطرة وحب الإمتلاك سيكون العالم في سلام وراحة وأمان ، ولكن
النفوس التي تتبني مبادئ فرض الذات وإثبات الوجود علي حساب الغير هم من يجعلون من
الحياة جحيم ، فجميع الطغاة اللذين حاربوا شعوب ليمتلكوا قتلوا وتقاتلوا الي أن
إمتلكوا كـ ارْتَحْشَشْتا الاكْبَرِ الْمَالِكِ مِنَ الْهِنْدِ الَىَّ
الْحَبَشَةِ عَلَىَ الْمِئَةُ وَ الْسَّبْعَةَ وَ الْعِشْرِيْنَ اقْلِيّما ،
فبالرغم من فعله هذا كان يًدرك أن الحكمة والرحمة يمنح شعوبه السكينة والسلام
" انّيّ مَعَ كَوْنِيَّ مُتَسَلِّطُا عَلَىَ شُعُوْبٍ كَثِيْرِيْنَ وَ
قَدْ اخْضِعَتْ الْمَسْكُوْنَةِ بَاسْرِهَا تَحْتَ يَدِيَ لَمْ احِبَّ انّ
اسِيْءَ انْفَاذِ مَقْدُرَتِي الْعَظِيْمَةُ وَ لَكِنِّيْ حَكَمْتَ بِالْرَّحْمَةِ
وَ الْحِلْمُ حَتَّىَ يَقْضُوْا حياتهم بلا خوف و بسكينة و يتمتعوا بالسلام الذي
يصبو اليه كل بشر ( أستير ١٣ : ٢ ) فمحاربة الشعوب لإمتلاكهم وإمتلاك ثرواتهم
شر عظيم مهما كانت الشرعية التي يستندون عليها ، أيضاً السيطرة علي مقدرات الشعوب
علي حساب الغير أيضاً شر يجب تجنبه ، فإن تم توزيع الحصص بالأمانة لمن يستحقها دون
الجشع والطمع وحب الإمتلاك ستعيش الشعوب في أمان وسلام ورخاء .
الخضوع للسلطات الفائقة واجب قانوني وحق شرعي ولكن ليس
في مستوي العبيد بل كأبناء الوطن الواحد وليس عن اضطرار بل عن إختيار " فَاخْضَعُوا
لِكُلِّ تَرْتِيبٍ بَشَرِيٍّ مِنْ أَجْلِ الرَّبِّ. إِنْ كَانَ لِلْمَلِكِ
فَكَمَنْ هُوَ فَوْقَ الْكُلِّ،( 1بط ٢ : ١٣ ) فالخضوع من أجل الرب ، أما إن
كان الملك يدفع شعبه نحو الإبتعاد عن الرب وعن الإيمان فبكل تأكيد لا يجب الخضوع
فيما يخالف المبادئ الكتابية ، هكذا أيضاً المرشدين الروحيين فالطاعة والخضوع لهم
واجب روحي " أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ
يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا، لِكَيْ
يَفْعَلُوا ذلِكَ بِفَرَحٍ، لاَ آنِّينَ، لأَنَّ هذَا غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ. (
عب ١٣ : ١٧ ) فالخضوع فيما للرب وما يوافق الحق الكتابي ، أما استغلال بعض
المرشدين لهذا وفرض روح السيطرة والسيادة فهذا شر عظيم ، فالمرشد عليه أن يُرشد
ويترك الأخر ليفكر ويراجع بحسب كلمة الله ويسير فيما يختار دون الشعور بالسيطرة
والتحكم من الاخر ، فالشعوب المسيطر عليهم من الأخرين شعوب تعيش بروح العبيد ولم
تذوق طعم الحرية بعد .


تعليقات
إرسال تعليق