القيمة

 


القيمة

للحياة قيمة ومعنى يجب أن ندركه ونعرف ابعاده ، وللقيمة ذاتها كيان نحتاج معرفته وادراكه ، فعندما تغيب القيمة لا يكون للحياة معنى ، ففي إثناء بحثي وجدت المفاهيم الأتية :

        " القيمة في علم الفلسفة : جزءاً من الأخلاق وانها أهداف وغايات يسعي اليها الجميع لأن للكل أهداف يسعون اليها ، ولكل هدف قيمته ، وانها في علم الاقتصاد : القيمة مقدار يوضع علي السلع والخدمات ، وفي علم النفس القيمة : هي التي توجه وترشد السلوك الإنساني ، وفي علم لاجتماع : هي حقائق أساسية في البناء الاجتماعي " .

 

القيمة هي التي تعطي مقدار ووزن ورونق للأشخاص وللأشياء وتجعلهم أهداف وغايات ، وتدفع الانسان الي عالم الجمال وتحرك المشاعر والأحاسيس والكيان كله نحو كل ما صار قيمة لحين نوالها وامتلاكها ، فعلي سبيل المثال : الكرامة والتسامح قيمة لا يدركها الإنسان الطبيعي ،بل يدركها كل ممتليئ بالروح القدس امتلاء حقيقي وليس ادعائي ، فلن يسير فيها إلا الذي فهم وأدرك مقدار وأهمية التسامح والغفران وصار الإنسان مقتنعاً ومؤمناً ، فالقيمة ليست معتقد ثابت بل لكل معتقد قيمته بحسب أهميته وإيمان البعض به. ( سننفرد بفصل أو حلقة لنري كيف أن التسامح والغفران قيمة ) .

 

الكرامة قيمة

 لا يدركها الأغبياء

عندما يُحرم أو يُمنع إنسان من الكرامة سيكون هارباً من أمام من لم يعمل من أجل أهدافهم ( القيم الخاصة بهم ) سواء كانت أهداف ( قيم ) إيجابية أو سلبية ، فقد كان لبلاق هدف لعن شعب الله وسار معه بلعام من أجل هدف إكرام بالاق الملك له ، ولكنه خّذل الملك فقال له الملك " فَالآنَ اهْرُبْ إِلَى مَكَانِكَ. قُلْتُ أُكْرِمُكَ إِكْرَامًا، وَهُوَذَا الرَّبُّ قَدْ مَنَعَكَ عَنِ الْكَرَامَةِ".( العدد ٢٤ : ١١ ) نري هنا المال ( كإكرام من الملك ) هدف ـ قيمة بالنسبة لبلعام ، فصار شعب الرب قيمة أقل في نظر بلعام ، لذلك ضحي بهم من أجل إكرام بالاق له .

قيمة الأشياء نحن نصنعها فتصير أهداف نسعي إليها لذلك علينا أن نُقَيِّمُ الإمورِ جيداً ونضع كلٍ في مكانهِ ، يوجد من يضحي بالنفوس من أجل الفلوس ( المال ) فيسعي لجمع المال علي حساب الأخرين ، هذا لأنه صار للمال قيمة أفضل لديه من خدمة الرب في خلاص النفوس وإكرامهم بالحق ، نعم إن هذا شرٌ عظيم ، عندما يُفضح ( يُكشف أمرهِ ) يصير بلا كرامه فيهرب من أمام من فُضِحَ أمامهم ، فلن يريد أن يجلس مع من كّشف أمره ، فعندما تسقط الكرامة لا مجال للتعامل والتواصل .

الكرامة في ذاتها قيمة فلا يجب إختزالها فيما هو أقل قيمةً ، فمن يبحث عن الكرامة في السلطة أو المال أو الجاه وينالها بطرق معوجة فقد أهْدرَّ كرامته ، ولن يجد حولهُ إلا من يشبهونهُ في مبادئهم ، أما الكرماء اللذين يمتلكون بدائل أفضل فلن يجمعهُ معهم مكاناً ، لذلك أناشدك قارئي العزيز أن تبحث عن كل ما هو أفضل لتسير فيه فتنال كرامة أفضل ، فقد عاش داود مُكرماً ليوم مماته " وَمَاتَ بِشَيْبَةٍ صَالِحَةٍ وَقَدْ شَبعَ أَيَّامًا وَغِنىً وَ‍كَرَامَةً. وَمَلَكَ سُلَيْمَانُ ابْنُهُ مَكَانَهُ. ( 1أخ ٢٩ : ‏٢٨ ) فالكرامة التي يمنحها الرب مرتبطة بـ إتجاه القلب وسرعة الإعتراف والإعتذار عن الخطأ وقد كان داود هكذا ، فيقول الكتاب " ثَوَابُ التَّوَاضُعِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ هُوَ غِنًى وَ‍كَرَامَةٌ وَحَيَاةٌ. ( أم ٢٢ : ‏٤ ) فالتواضع قيمة لا يُدركها الأغبياء لذلك تغيب عنهم الكرامة " مَخَافَةُ الرَّبِّ أَدَبُ حِكْمَةٍ، وَقَبْلَ الْ‍كَرَامَةِ التَّوَاضُعُ. ( أم ١٥ : ‏٣٣ ) لأن الرب طالب الفاهمون الذين يبحثون عن الفهم ويخضعون له ويسيرون بالتواضع في كل حياتهم لأن لا كرامة بلا فهم ، وإن وجدت في إمرءٍ فسيفقدها سريعاً لأنه سيصير كالبهائم التي تباد " إِنْسَانٌ فِي كَرَامَةٍ وَلاَ يَفْهَمُ يُشْبِهُ الْبَهَائِمَ الَّتِي تُبَادُ. ( مز ٤٩ : ‏٢٠ )

          يعلمنا الرسول بولس أن نكون ككنيسة وكمؤمنين في تعاملاتنا معاً نكون في كرامة التعامل والتقدير بعضنا مع بعض ، فبدون التواضع لا يكون مكان للوحدة والترابط وتغيب الكرامة " فَإِنَّهُ كَمَا فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ لَنَا أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلكِنْ لَيْسَ جَمِيعُ الأَعْضَاءِ لَهَا عَمَلٌ وَاحِدٌ،‏ هكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ، كُلُّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ ( رو ١٢: 4 ، 5 ) يقول : " كُلُّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ " فالمؤمنين عليهم بتحديد كل ما هو قيمة ليكون هدفاً يسيرون فيه ، فالسير داخل المبادئ الكتابية يمنح كرامة " كُونُوا كَارِهِينَ الشَّرَّ، مُلْتَصِقِينَ بِالْخَيْرِ. وَادِّينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ، مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْ‍كَرَامَةِ. ( رومية ١٢: 9 ، 10  ) كره الشر مبدأ ـ الإلتصاق بالخير مبدأ ـ الود مبدأ ـ المحبة قيمة ـ تقديم بعضنا بعضا مبدأ ـ الكرامة قيمة ، فل لنا هذه الحياة وهذا الفهم بمستوي ادراكه .

 

 

القيمة المفقودة بين المؤمنين

 

القيم عندما ترتبط بالقوانين والدساتير والكتب المقدسة تصير قيم شرعية لا يمكن إزالتها أو الإستغناء عنها ، فعندما يتكلم الكتاب المقدس عن الفضائل التي يجب أن تكون مستمرة داخل الإنسان بلا توقف كثمر الروح لا يجب الحيدان عنها واهمالها " ..... مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ... . ( غلا ٥ : 22 ، 23 ) هذه الثمار ( ثمر الروح ) عندما يتبناها المؤمن وتصير أهدافاً ( قيم ) يصير المؤمن قيمة روحية ويصير صاحب راحة ، عندما يتعامل معه الاخرين يستريحون ، لذلك يقول الرسول " وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ، ( في ١ : ٩ ) إزدياد المحبة للمعرفة التي تكون لها مجال واسع جداً الذي هو " كل فهم " لماذا ؟ لأن الهدف ( القيمة ) من المعرفة هي " تمييز الإمور المتخالفة " لكي نكون " بِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ " هذا ما قاله الرسول " حَتَّى تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ، ( في ١ : ١٠ ) فهنا نري أن ( الهدف ) القيمة الأساسية ليست المعرفة والفهم والتمييز بل  " نكون بلا عثرة " بالرغم من أن المعرفة قيمة والفهم كذلك ولكن النفوس أهم ، لكي يعود المجد لله علينا بأن نكون " مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِمَجْدِ اللهِ وَحَمْدِهِ. ( في ١ : ١١ ).

إن القيمة المفقودة بين المؤمنين هي أن يكون الأخر في أمان من أن يتعثر بسببنا لذلك يجب أن يكون اتجاه قلوبنا في قلب دراساتنا هي النفوس التي لا يجب أن تتعثر ، فالعثرة فيرس يعمل في أجواء من عدم المعرفة والفهم وينتشر وسط جو من العمي الروحي ، ولأن الغالبية العظمى بعيدة عن دراسة الكلمة الحية ومنهمكين داخل إمورهم الخاصة ، فتجد إمكانية العثرات متاحة ومتوفرة للجميع ، فالمعرفة والفهم اللذان يعملان بقوة الروح يمنح المؤمن سلوكاً مرضياً " وَأَمَّا الطَّعَامُ الْقَوِيُّ فَلِلْبَالِغِينَ، الَّذِينَ بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. ( عب ٥ : ١٤ )

من أجلك جاء المسيح إبن الله متجسداً فأنت صنعة يده ، من أجل ذلك لك قيمة عالية جداً " الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ.لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا ‍صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. ( في ٢ :‏ 6 ، 8 )  فالتواصل الالهي الذي حدث بين الإله العلي والإنسان التراب أعطي للإنسان قيمة ، فمن أكون أنا ؟! أنا كما قال المرنم : " أنا التراب افتكري يانفسي ـ أنا التراب إياكي تنسي ) ولكني صاحب قيمة وصرت هدفاً روحياً يسعي اليه الله لخلاص نفسي ويسعي إبليس ليهلكها " لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا ‍قَدْ هَلَكَ".(  لو ١٩ : ‏١٠ )

المؤمن الجيد كالملح الجيد ، لا يعيش لأجل نفسه بل يعيش ليذوب في الأخرين ويجعل منهم طعماً جيداً ومذاقاً حلواً " اَلْمِلْحُ جَيِّدٌ. وَلكِنْ إِذَا صَارَ الْمِلْحُ بِلاَ مُلُوحَةٍ، فَبِمَاذَا تُصْلِحُونَهُ؟ لِيَكُنْ لَكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ مِلْحٌ، وَسَالِمُوا ‍بَعْضُكُمْ بَعْضًا".( مر ٩ : ‏٥٠ )  فقد ذاب المسيح في تلاميذه وصار العبد الذي يرفع من مقام السيد ، فقد كان هو السيد ولكنه ذاب وسط تلاميذه وغسل أرجلهم كالعبد ليرفع مقامهم ليكونوا في مستوي الأسياد " فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ ‍بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ،( يو ١٣ : ‏١٤ ) هنا قمة المحبة فرفع من مقام تلاميذه ليكونوا هم أيضاً هكذا بعضهم مع بعض ينظرون ، حاسبين بعضهم البعض أفضل من أنفسهم " لاَ شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ ‍بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. ( في ٢ : ‏٣ )

عندما يهتم المؤمن بأخية بكل الحب يجعل من المحبة قيمة ايجابية ، أما عندما يحب ذاته فقد جعل من المحبة قيمة سلبية لا تترجم محبة بل ذات وأنانية ، إن المحبة ليست من أجل النفس بل من أجل الأخرين ، هذه كانت وصية المسيح لنا " وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا ‍بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. ( يو ١٣:‏ ٣٤ ) إن فقدت الكنيسة هذا الهدف فقد فقدت قيمتها في الوجود ، لذلك أناشد كل متعصب لتترك تعصبك ، وكل من يسير نحو ملذة النفس غير حاسب الغير ، لتفيق من غفلتك هذه ولتراعي تصرفاتك من أجل بنيان الأخرين ، فلا تعيش لذاتك بل عيش للرب من أجل إخوتك ، فستجد نفسك وسيحقق الرب ذاتك " مُهْتَمِّينَ ‍بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ اهْتِمَامًا وَاحِدًا، غَيْرَ مُهْتَمِّينَ بِالأُمُورِ الْعَالِيَةِ بَلْ مُنْقَادِينَ إِلَى الْمُتَّضِعِينَ. لاَ تَكُونُوا حُكَمَاءَ عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ. ( رو ١٢: ‏١٦ ) فالمسيح لا يريدنا أن نحبس أنفسنا داخل أنظمة كنسية ومجتمعية خانقة ، ولكنه يريدنا أن نهتم بغيرنا مهما كانت الأنظمة لا خروجاً منها بل نخدم بعضنا بعضاً بكل الحب وبكامل الرضا ، فعندما يكون الأخر هدفاً لي من اجل رفعته ونموه الروحي فلن أري مساوئ الأنظمة لأنها لن تكون هدفاً لي ، بل في رفعة الأخر ونموه رفعة ونمو للأنظمة لأنها ستتحول لخدمة الإنسان وليس خدمة الإنسان لها .

 

 

عندما يفقد قيمة الأخرين

 

لكل المحيطين بنا قيمة ومقدار مهما كانت اساليبهم ومعاملاتهم معنا ، قد نفقدها داخلنا وينتابنا احساس بأن فقدانها مكسب ، فبسبب معاملاتهم الغير مفهومة لنا والجارحة سواء بقصد أو بدون قصد نشعر أننا نفقدهم ، فقد كانوا ذو قيمة عالية وبسبب كبرياء قلبهم أو محبة أنفسهم التي علي حساب الغير جعلونا نقف بين مفترق الطرق لا ندري أي طريق نسلك وأي قرار نأخذ ، فقد تشابهت الإمور والأشياء وصارت بلا إسم وبلا معنى ، فعندما يشعر الإنسان بهذه الحالة يفقد القيمة التي يراها في الأخرين وفي الأشياء ، لذلك يجب علينا التفرقة بين قيمة الإنسان الذاتية المفعول داخل نفسه واحترام الأخر كقيمة ، فقد يقودك الأخر لفقدان الإحترام بينك وبينه وهذا يجعلك تقف بعيداً عنه ، هذا لا يلغي كونه قيمة في ذاته .

كان يهوذا سارقاً للصندوق ومحباً للمال " ... كَانَ ‍سَارِقًا، وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ. ( يو ١٢ : ‏٦ ) لم يفقد قيمة ذاته إلا عندما شعر داخله بأنه فقد من كان لا يجب أن يفقده ، لذلك سلك طريق الإنتحار " فَطَرَحَ ‍الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. ( مت ٢٧ : ‏٥ ) بعد أن كان المال قيمة والمسيح عنده أقل قيمة ( من جهة سلوك يهوذا في محبته للمال ) ولكنه كان يدرك أنه لا يجب أن يفقده لأن المسيح كقيمة غالية الثمن ولن يُعوض في الحياة عندما يُفقد ، لذلك ذهب وشنق نفسه بعد أن حاول إنقاذ الموقف وفشل " قَائِلاً:"قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ ‍دَمًا بَرِيئًا". فَقَالُوا:"مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ!" ( مت ٢٧ : ‏٤ ) إن إنسياق الإنسان نحو القيم الأقل وإهمال القيم الأعلي ، يقوده نحو فقدان قيمة النفس ، عندما  يفقد ما لا يجب أن يفقده ولا يقدر بعد علي استرداده ، فيفقد قيمة ذاته فسيصل لحالة من عدم السيطرة علي مشاعره وأحاسيسه ، وإن لم يجد منقذ أو سنيد ستكون نهايته لا يُحمد عقباها ، فبغضة النفس مرتبطة بالسرقة علي خط واحد وسريع " مَنْ يُقَاسِمْ سَارِقًا يُبْغِضْ نَفْسَهُ، يَسْمَعُ اللَّعْنَ وَلاَ يُقِرُّ. ( أم ٢٩ : ‏٢٤ ) فلا تتعجب كيف وصل يهوذا لهذه الحالة ، فالمسيح كان يُعلم أن لا يستطيع أحد أن يخدم سيدين " لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ ‍يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ. ( مت ٦ : ‏٢٤ ) وهذا ما حدث ليهوذا لأنه لم يبالي بالتعاليم التي كان يسمعها .

محبة الأخر لا ترتبط بتصرفاتهم نحونا ، ولكنها مرتبطة بواقعها داخلنا فقد كانت تصرفات يهوذا خاطئة ولكن المسيح صار يحبه لأخر لحظة ففقد قيمته لنفسه فانتحر ، وقد كانت تصرفات بطرس كذلك ولكنه لم يفقد قيمة ذاته فاحتفظ بها ، هكذا أيضاً محبتنا لأنفسنا لا ترتبط بتصرفاتنا ، فيجب أن تسموا فوق أخطائنا وعيوبنا ، فنستمر أصحاب القيمة الذاتية مهما كانت الأخطاء " فَإِنَّهُ لَمْ ‍يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ، بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ، كَمَا الرَّبُّ أَيْضًا لِلْكَنِيسَةِ. ( أف ٥ : ‏٢٩ ) فبغضة النفس واحساسنا بقلة القيمة يجب أن يُرفض مهما كان الوضح ومهما كانت الحالة ، والإسراع تجاه التوبة والإعتراف بالخطأ سواء داخل النفس وأمام من أخطأنا في حقهم ، فهذا شفاء سريع للنفس وللشعور بالقيمة

إن التوبة من أهم ركائز القيم لأنها تأتي بعد الشعور بالذنب والإعتراف بالخطأ وهي عكس الكبرياء ، فقد فعل بطرس ما فعله يهوذا ، فقد خان يهوذا المسيح أمام رؤساء الكهنة بثلاثين من الفضة ، وقد خان بطرس المسيح وباعه أمام جارية عندما سب المسيح ولعنه ، حدث أن بطرس فوجيئ بأنه في موقف صعب ومن خوفه أنكر وحلف ولعن " أَمَّا بُطْرُسُ فَكَانَ جَالِسًا خَارِجًا فِي الدَّارِ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ قَائِلَةً:"وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ الْجَلِيلِيِّ!". فَأَنْكَرَ قُدَّامَ الْجَمِيعِ قَائِلاً: "لَسْتُ أَدْرِي مَا تَقُولِينَ!" ثُمَّ إِذْ خَرَجَ إِلَى الدِّهْلِيزِ رَأَتْهُ أُخْرَى، فَقَالَتْ لِلَّذِينَ هُنَاكَ:"وَهذَا كَانَ مَعَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ! فَأَنْكَرَ أَيْضًا بِقَسَمٍ:"إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!"" وَبَعْدَ قَلِيل جَاءَ الْقِيَامُ وَقَالُوا لِبُطْرُسَ:"حَقًّا أَنْتَ أَيْضًا مِنْهُمْ، فَإِنَّ لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ!" فَابْتَدَأَ حِينَئِذٍ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ:"إِنِّي لاَ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!" وَلِلْوَقْتِ صَاحَ الدِّيكُ. فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ يَسُوعَ الَّذِي قَالَ لَهُ:"إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُني ثَلاَثَ مَرَّاتٍ". فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا.( مت ٢٦ : ٦٩ ـ 75 ) إن الفرق بين بطرس ويهوذا : أن يهوذا كان يذهب من سيئ لأسوأ لأن حالته كان مُخطِط لها ، أما بطرس فقد كانت حالة طارئة ومفاجئة له ، فلم يخطط ما فعل ولم يخطط ماذا يفعل ، لذلك بكا بكاءً مراً ، فالذي حفظ بطرس هي المحبة التي كانت في قلبه نحو المسيح وتعاليمه ، لذلك شعر بقيمة المسيح وبقيمة نفسه ولم يذهب كما ذهب يهوذا .

          عندما يتحرك الإنسان تجاه ما هو أفضل وما هو أحسن فهو يتجه نحو القّيِم الذي يجب أن يكون فيها ، فإن كنت في حيرة نحو قرار أيما تختار؟ فإختار الأفضل ليس لذاتك بل الأفضل بحسب رضي كلمة الله وبحسب المجتمع المحيط ، فلا تسير عكس اتجاه المجتمع ما لم يكون لديك نور كتابي واضح كي لا تُرفض وينتابك الشعور بعدم القيمة ، لا أقصد أن تسير داخل خطأ يسير فيه المجتمع ، بل ليكن لك طريقة عرض ما هو أفضل من ما عليه مجتمعك ، ولكن لا ترفض سلوك مجتمعي صحيح ، لا ترفضه فقط لأنه لا يناسبك ، فتفعل عكس ما عليه المجتمع فتفقد قيمتك .

          المسيح قدم الأفضل لمجتمعه رغم أن المجتمع رفض ما قدمه المسيح بل وابغضوه ، ولأن المسيح يعلم جيداً أنه قدم الأفضل فلم يفقد قيمته لذاته رغم أن المجتمع لم يقبله ، فقد قال " لَوْ لَمْ أَكُنْ قَدْ عَمِلْتُ بَيْنَهُمْ أَعْمَالاً لَمْ يَعْمَلْهَا أَحَدٌ غَيْرِي، لَمْ تَكُنْ لَهُمْ خَطِيَّةٌ، وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ رَأَوْا وَ‍أَبْغَضُونِي أَنَا وَأَبِي. ( يوحنا ١٥: ‏٢٤ ) إدراك المسيح لذاته ولقيمته جعله فوق الامه التي جاءت له من رفض الأخرين له ، فقد أبغضوه بلا سبب " لكِنْ لِكَيْ تَتِمَّ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ فِي نَامُوسِهِمْ: إِنَّهُمْ ‍أَبْغَضُونِي بِلاَ سَبَبٍ. ( يوحنا ١٥:‏٢٥ ) ، ( مز ٣٥ : ١٩  ) ، ( مز ٦٩ : ٤ ) فكن مُدرك ما تقدمه وتعلم جيداً أنه أفضل كتابياً ومجتمعياً وروحياً وبالتالي ستجد ذاتك حتي وإن رفضك المجتمع ، فلا تبدل الروحي بالجسدي لأن " اَلْحَيَاةُ ‍أَفْضَلُ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلُ مِنَ اللِّبَاسِ. ( لوقا ١٢ : ‏٢٣ ) بل لتسموا في تقديمك لما هو أفضل بأن تُقدم الروحي عن الجسدي فتسموا بذاتك وترتفع بمن حولك .

 

 

الإرادة البشرية في نطاق القيم الالهية

 

القيمة هي مجموعة الصفات الأخلاقية الفاضلة التي يعتمد عليها الانسان المسيحي والمؤمن الممتليئ من الروح القدس ، وهي الشيئ ذو المقدار أو الثمن وهي المعايير المتعارف عليها داخل المجتمع الواحد وكلما اقترب المجتمع من مبادئ المسيح واخلاقه كلما كانت قيمته عالية ومرتفعة ، فالحياة الاجتماعية تقوم عليها ، سواء كانت القيمة إيجابية أو سلبية فتصنيفها معتمدة علي نظرة الإنسان لها ، حتي وإن كانت شرعية فشرعية القيمة تستمد من إيمان الشخص بكلمة الله والتسليم الكامل بما جاء في الكتاب المقدس ، كلما علا مقدار القيم في حياة المؤمن كلما كانت تصرفاته متناسبة مع كلمة الله ، فالقيم الكتابية تمنع الأفراد من القيام بتصرفات لا تتناسب مع كل قيمة أمن بها وتمسك بها وصارت نبراس حياته ، فالأخلاق الكتابية قيم يجب مراعاتها في الحياة .

للقيم أهمية في حياة البشرية فلا يختلف إثنان علي قيمة من القيم الإنسانية فهي تساهم في تحويل السلوك السيئ الي جيد ولها ارتباط بـ الإرادة البشرية سواء كان في الإيمان أو بعيد عنها ، فالكنيسة أو الأسرة أو المجتمع الذي يتبع القيم الالهية تسير داخل نطاق النهضة والرقي ، أما من أهمل في التعلم والفهم فسيكون سلوكه وحياته بعيدة كل البعد عن النهوض والرقي ، فالتربية من العوامل المهمة جداً لتنمية القيم عند الأفراد ، فلمدارس الأحد دور فعال لدي الأطفال وكذلك باقي الإجتماعات التي تمثل اتلمراحل العمرية كذلك الأسرة ، فالتربية والتعلم من أهم الركائز التي تمنح الإنسان مستوي رائع وقيمة رائة .

التغيير والسير بحسب كلمة الله والقيم موقف إرادي ، فللإرادة البشرية دور فعال في المؤمنين والخطاة ، كثيراً نجد أخلاق بعض الخطاة أفضل من أخلاق بعض المؤمنين هذا يرجع للإرادة البشرية ومعرفة بعض القيم الروحية أو الإجتماعية ، فقرار التغيير ينبع من ارادة الإنسان ، لذلك يتكلم الرسول بولس قائلاً : " وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ. ( رو ١٢ : ٢ ) المؤمن الذي قرر علي التغيير عليه عدم التشبه بأهل هذا العالم بمبادئهم السلبية التي يسيرون فيها ، فالعالم يسير نحو الكذب بطريقة الغذاء اليومي ، كل يوم يأكلون كذباً ، أما المؤمن فعليه أن يخلع من مثل هذه التصرفات ويسيير بحسب المبادئ الكتابية " أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ، وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ، وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ. لِذلِكَ اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ، وَتَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ، لأَنَّنَا بَعْضَنَا أَعْضَاءُ الْبَعْضِ. ( أف ٤ : 20 ـ ٢٥ ) الإنسان العتيق يحمل كل القيم السلبية أما الإنسان الجديد فيحمل كل القيم الإيجابية فالبر والقداسة والحق قيم إيجابية روحية ، لا تعمل إلا في أجواء من المليئ بالروح القدس .

المسيح بذل نفسه ليمنحنا فرصة الاقتراب اليه ليمتعنا بالإنقاذ الإلهي من العالم الموضوع في الشرير " الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا، لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا، ( غلا ١ : ٤ ) الهدف الإلهي هو التغيير ، هو أن نتجه نحو القيم الروحية ، يريدنا الرب داخل البر كقيمة وداخل حياة القداسة إنها ارادة الله قداستنا ، فالمؤمن البعيد عن دوائر القداسة فهو بعيد عن أن يصير قيمة روحية نحو نفسه والناس ، المسيح أسلم للموت ليأخذ كل الأخلاق السلبية والخطايا ليمنحنا بقيامته تبريراً " الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا. ( رو ٤ : ٢٥ ) فالإتحاد به يجعلنا أهلاً لنكون داخل القيم الإلهية ، الاتحاد بالمسيح قرار ارادي وليس إنفعالي ، فالإتحاد به لا يحدث نتيجة ترنيم وصلاة فقط بل تعليم وتتدريب ، فمن قرر الإتحاد بالمسيح عليه الإقتراب نحو تعليم كلمة الله مع قرار ارادي للتغيير فستعمل فيه الكلمة بقوة لتغييره

 

الغفران قيمة روحية واجبة التنفيذ

                  

               الغفران قيمة استردادية للحالة الأولي بعد أن تم فقدانها لفتح الأجواء المغلقة أو العلاقات المفقودة ، ونوال الرحمة المنشودة " لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْ‍غُفْرَانَ. ( إش ٥٥ : ‏٧ ) فالرحمة مرتبطة بالغفران إرتباط لا إنفصال فيه ، فعندما يكون الغفران عميق وبكثرة كلما كان مستوي الرحمة عالٍ ومرتفع وظاهر ، فالرب ممتليئ غفران ولن يبخل علي كل جاد في توبته ، فالغفران قيمة يستطيع أن يكون فيها المؤمن لإسترداد ما فُقد من بركات وعطايا الهية ، وكما الحال في علاقاتنا بالله من اعتراف بالخطأ ( التوبة ) وترك الشر والإثم ( الجدية في التوبة ) فيكون للمؤمن حق الغفران والرحمة واستراد كل ما فُقد من بركات واستخدامات ، فالرب الهنا اله التعويضات ، هكذا في علاقاتنا بعضنا مع بعض ، فعندما يأتي اليك أخيك طالب العفو والمغفرة عن كل ما مضي ، فلا تبخل عليه بالغفران ولتكن رحيماً معه بل وكريماُ أيضاً .

               الغفران والتسامح أمران مهمان في حياة كل إنسان ، فبدونهما تكون حياة الإنسان مدمرة سوداء قاحلة ، كلمة الغفران في اللغة الإنجليزي جاءت " pardon " وتعني : " تسامح ـ معذرة ، وجاءت في العبري : " סָלַח " وتنطق : " sâlach" وتعني : " يغفر ـ يعفو " فالتسامح والغفران كلمتان مترادفتان ومتلازمتان ، فلا تسامح بدون غفران ولا غفران بدون تسامح فالتسامح هو العفو ، فقد يكون في وسط الخلافات خسارة ما ، فالغفران يمتلك داخله العفو عن كل خسارة حدثت والغفران عن كل خطأ أو جرح أو اساءة .

          الغفران مرتبط بالصورة الحقيقية للمحبة ( Agape ) هذا النوع من المحبة يرتبط بالعقل قبل المشاعر والأحاسيس ، أي أنه غير متغير لأنه لا يرتبط بالنفس بل بالإرادة ، فمحبة الأخ لأخيه يجب أن تكون محبة مصدرها الإرادة وليس المشاعر ، فالمحبة النفسانية كمحبة أمنون لثمار الذي بعد أن تواصل معها في علاقة جنسية اتخذ طريق معاكس فكرهها بمقدار ما احبها ، فمن يخذلون المحبة داخل العلاقات الجنسية أو حتي الاجتماعية فقط فلن يستطيعوا أن يغفروا ويقدمون العفو والرحمة ، لأن المحبة مرتبطة بالأخذ وليس بالعطاء .

الغفران والعفو والرحمة والتسامح مستويات من العطاء فمن بفقد المحبة الإرادية فلن يستطيع أن يغفر ، فالرب لأنه ممتلئ محبة ارادية وليس نفسانية فهو قادر علي الغفران وقادر علي إعطاء الروح القدس كعطية ( كإختبار ) " فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ :"تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِ‍غُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. ( أع ٢ : ‏٣٨ ) فالإعتذار الذي يأتي بعد ميعاده سيكون اعتذار مقبول لأن المحبة ليس لها حدود وقتي ، فهي يجب أن تكون متاحة طول مدة العمر في علاقاتنا بعضنا مع بعض ، فالمحبة التي من الله لنا متواجدة ومتاحة طول مدة حياتنا ، لذلك عندما نقدم في أي وقت توبة واعتذار ورجوع لله سيُقبل وسننال الغفران والعفو والملء بالروح القدس عندما نطلبه .

عندما تقرض إنسان مبلغ من المال ويتعثر عن سداده ويأتي لك معتذراً طالباً العفو ، وطالباً جدولة المبلغ ( سداده علي أقساط ) فإن كان قلبك ممتلئ محبة ارادية فستتعامل معه بالعفو والتسامح ، فتجدول المبلغ أو تعفوا عنه بالكامل هذا حسب الاستطاعة والمقدرة ، وبعد الانتهاء من سداد كل المبلغ يمكنك عدم اقراضه مبلغ أخر فأنت غير ملام ولكن ليس من حقك مقاطعته والتكلم مع الاخرين عن تعثره ، فطلب العفو وجدولة المبلغ معناه أن هذا الشخص محترم وذوا مبادئ فلا يجب أن تخسره .

أما عندما يخطأ في حقك انسان وتحاول التقرب منه بكل تواضع ( بحسب مت 18 : 15 ـ 17 ) لترفعه من سقتطه ويرفض مبادرتك له ، فأنت غير ملام ، فلتتركه في خطيته ، ولكن لا تضع في قلبك مقاطعته ، فإن أتي لك يوماً معترفاُ بخطئه وطالباً المغفرة والعفو ، فلتفعل هذا وتتواصل معه وتقدم المحبة والود والرحمة ، فالمسيح فعل هذا معنا ، فقد كنا مذنبين في حقه ، ولكنه أخلي نفسه وجاء الي عالمنا ليدفعنا نحو التوبة ومغفرة الخطايا " لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِاسْمِهِ ‍غُفْرَانَ الْخَطَايَا".( أع ١٠ : ‏٤٣ ) إن قلب الرب الممتلئ محبة لا ينظر لتعدياتنا فيقاضينا ، لكنه يمنحنا فرصة تلو الأخري لنعود ونرجع ، فإن حدث هذا يقبلنا ويمنحنا أحلي لقب وأعلي إسم ، يمنحنا سلطاناً أن نكون أولاد لله " وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ‍سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. ( يو ١ : ‏١٢ ) ياله من إمتياز أن نكون أبناء لله بعد أن كنا بعيدين صرنا قريبين .

فالغفران قيمة ليس لها مثيل ومرتبطة بالصورة الكاملة التي رسمها الله لنا وسار فيها قبلنا ، فيجب نحن أيضاً أن نسير في نفس الطريق ، هذا ليس أمراً صعباً لكنه متاح لكل مؤمن فهم الحق وإمتلأ بالروح القدس وإمتلأ بالمحبة الحقيقية ، فالرب عندما احبنا أحبنا للمنتهي ، وعندما غفر لنا غفر لنا وأدام لنا كامل رحمته ، وعندما سامحنا سامحنا ولن يطالبنا بشئ ، فرفع عنا الدينونة " إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآ‍نَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ. ( رو ٨ : ‏١ ) فكن أيها المؤمن في فهم وادراك روحي لتستطيع أن تعيش كما يحق لإنجيل المسيح وتكون سبب بركة لنفسك وللأخرين أيضاً ، وتستطيع أن تقدم غفران بحسب الأبعاد التي وضعت لها وهي سبعة في سبعين في اليوم لكل يوم " حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ:"يَارَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟"قَالَ لَهُ يَسُوعُ:"لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ. ( مت ١٨ : ٢١ ) وهذا معناه ألا نحاول إحصاء مرات غفراننا لأحد، بل يجب علينا أن نغفر على الدوام لكل من يأتي تائبا حقيقة، مهما تعددت مرات طلبه للمغفرة.

في النهاية أقول أن في دراسة القيمة قيمة نحتاج لمعرفتها والتعمق فيها ، ويعوزنا الوقت والأوراق والأقلام لنكتب فيها ، ولكن أصلي أن الرب يفتح عيوننا لنعرف أهمية المبادئ الكتابية كقيمة لنسير فيها بل كسل وبلا تراخي ، فكلمة الرب غنية بكل المواضيع العالية الجودة ، فكن من الباحثين لتكون من الغالبين .

 







تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس