المدن وحياة التطور
بقلم القس
عماد عبد المسيح عطية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المدن وحياة التطور داخل مشيئة الله
عندما
تقرأ هذا العنوان سيحدث لك أمراً من أمرين ، إما غلق صفحات هذا الموضوع وعدم قرأته
، أو تبدأ في قرأته ، لذلك أناشدك أن تبقي معي لنهاية الموضوع لأنه في غاية
الأهمية ، فهو إحتياج كل إنسان ، فالجميع سجناء أنفسهم داخل أسوار اجتماعية وكنسية
لا يستطيع إنسان كسرها ، وإن حاول كسرها يوما سيكسر هو بل سيدمره المجتمع ، في حين
أن الجميع متذمر علي واقع الأسوار وواقع الحياة ، الكل يريد أن يتحرر والكل مشترك
في عدم التغيير والتطور ، فلكل مدينة سور لحمايتها وليس لسجن من بداخلها .
تعريف الأسوار في معجم المعاني الجامع " كلُّ ما
يحيط بشيء من بناء أو غيره " فقد كانت المدن قديماً محصنة بأسوار على
جوانب حدودها لعدم اقتراب الأعداء ولحماية الأنفس " وَأَخَذْنَا كُلَّ مُدُنِهِ فِي
ذلِكَ الْوَقْتِ. لَمْ تَكُنْ قَرْيَةٌ لَمْ نَأْخُذْهَا مِنْهُمْ. سِتُّونَ
مَدِينَةً، كُلُّ كُورَةِ أَرْجُوبَ مَمْلَكَةُ عُوجٍ فِي بَاشَانَ. كُلُّ هذِهِ
كَانَتْ مُدُنًا مُحَصَّنَةً بِأَسْوَارٍ شَامِخَةٍ، وَأَبْوَابٍ وَمَزَالِيجَ.
سِوَى قُرَى الصَّحْرَاءِ الْكَثِيرَةِ جِدًّا. ( التثنية ٣ : 4 ، ٥ ) هذه
الأسوار لا يجب أن تكون سجناً لا يستطيع المرء الخروج منها كما يشاء وفي أي وقت ،
لأنه إن صارت هكذا فسيدمر الإنسان نفسياً ويُقتل معنوياً
عندما
يشعر الإنسان أنه داخل سجن محاط بأسوار تتولد داخله الرغبة في الهروب ، وهذه
الرغبة وليدة الحرية التي خلق الله الإنسان فيها فلم يخلقه الله ليضعه داخل أسوار
، بل لسبب الخوف مِن كل مّن هو في صورة وحوش مفترسة ، فالسور حماية وأمان وواقع
مطلوب ويجب أن يكون ، فحماية الحدود واجب شرعي ، أما أن يصير سجناً فهذا صعب
للغاية ، لذلك لا تجعل من بيتك سجناً لك ولأسرتك ولا من مدينتك أيضاً سجناً لك ،
بل ليكن سور حماية وملاذ للراحة والهدوء والسكينة ، ولتسعي لتطور مدينتك لتصير
أجمل مدينة يفرح بها قلبك وتُفرح قلب الله .
لا
توجد مدينة في الوجود ملاذ أمن ، لأن العالم قد وضع في الشرير ( 1يو 5 : 19 ) ليكن
الرب هو الملاذ الوحيد في كل حياتك " لأَنَّكَ أَنْتَ سِرَاجِي يَا رَبُّ،
وَالرَّبُّ يُضِيءُ ظُلْمَتِي لأَنِّي بِكَ اقْتَحَمْتُ جَيْشًا. بِإِلهِي
تَسَوَّرْتُ أَسْوَارًا.. ( 2صم ٢٢ : 29 ، ٣٠ ) فالرب هو الملاذ الأمن في كل
حياتك ، فعندما تحكي له فلن يعايرك يوماً ولن يتخلي عنك في وقت شدتك ، أما في
علاقاتك وانفتاحك علي الأخرين ومعرفة تفاصيل حياتك ، فأنت بهذه الطريقة تصنع لنفسك
أسوار تسجن فيه ذاتك ، فلا تستطيع أن تتحرك بحرية فيما ترغب لأن عيون الناس ستحيطك
، فلكي تعيش في حرية كاملة انغلق حول ذاتك وانفتح علي نفوس قليلة ولا تحكي كل
أفكار قلبك للغير ، لأنهم سيكونون يوماً أسوار لا تستطيع هدمها ، لا أقصد أن تتحرك
بحرية فيما ترغب أن تسير في طرق ليست حكيمة أو ليست شرعية ، بل أقصد أن في
العلاقات البسيطة حرية وسلام ، أما في العلاقات العميقة فأنت تجعل الأخرين يخترقون
أسوار حياتك في معرفة التفاصيل فيقل أمانك عندما تُستغل من نفوس كانت معك يوماً
وصارت في عداء اليوم .
لا تصنع لك أسوار تُسجنك يوماً ، فالخطية
أسوار متراكمة داخل نفسك وداخل من شاهدك أو شاركك فيها ، فعندما تقدم توبة يقبلها
الرب وتُفرح من يحبونك ، ولكن يوجد من لن يصدقون توبتك ، وستظل الخطية سور وفاصل
بينك وبين كثيرين لذلك اهرب من الخطية بكل اشكالها ، واقترب نحو من صدق توبتك
اللذين يدعون الرب من قلب نقي " أَمَّا الشَّهَوَاتُ الشَّبَابِيَّةُ فَاهْرُبْ
مِنْهَا، وَاتْبَعِ الْبِرَّ وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالسَّلاَمَ مَعَ
الَّذِينَ يَدْعُونَ الرَّبَّ مِنْ قَلْبٍ نَقِيٍّ. ( 2تي ٢ : ٢٢ ) فعندما
تشعر بالحرية تستطيع أن تبني وتُعمر وتطور مدينتك
تعريف المدينة في معجم المعاني الجامع " تجمُّع سكَّانيّ يزيد على تجمُّع القرية " ولكن في كلمة الله فالمدينة
لها ابعاد روحية ، فهي ليست تجمع سكاني فحسب ، بل هي تجمع سكاني لأجل إمتداد ملكوت
الله وصناعة مشيئته ، فكل مدينة لا
تصنع مشيئة الله أو تساهم في امتداد الملكوت وتقف عائق أمام المسيرة الإلهية في
كنيسته ستكون لها نهاية الفناء والإضمحلال ، فالرب يترك المدن تعيش فترة من الزمن
، فترة كافية لتعلن مجد الله وخدمته ، ولكن عندما ينتهي التوقيت وتقف عائق في نمو
الحق الكتابي ستندثر يوماُ ، ليس فقط الدول بل كذلك الأفراد والهيئات والحكومات ،
فأنت أيها القارئ واحد من المنظومة داخل مدينتك ، فلتبدأ في خدمة الرب في مدينتك
ولتبدأ في تطويرها وتجميلها من كل الزوايا ، فلا تكون سلبياً بل لتكون ايجابياً
عاملاً نشيطاً للتقدم والتطور .
مدينة حنوك التي تعني التعليم :
أول من ذُكر في الكتاب المقدس في
بناء مدينة كان قايين ودعا إسمها حنوك " اسم عبري معناه [ دارس، مدرب، مكرس ]."
فرائع أن يكون في داخل قايين معني رائع أطلقه علي إسم إبنه وعلي المدينة التي
بناعا " وَعَرَفَ قَايِينُ امْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ
وَوَلَدَتْ حَنُوكَ. وَكَانَ يَبْنِي مَدِينَةً، فَدَعَا اسْمَ الْمَدِينَةِ
كَاسْمِ ابْنِهِ حَنُوكَ (
تك 4 : 17 ) إذا تأملنا الأشخاص الموجودين داخل مدينة حنوك ستجد نوعيات مختلفة من
المستويات ، فبحسب معاني أسمائهم نستطيع أن نحلل الواقع الروحي في ذلك الوقت ، لأن
معاني الاسماء في كلمة الله تعكس الواقع الروحي للأشخاص وللمدن ، علي عكس أيامنا
هذه ، فلن نستطيع أن نعرف أحوال ومستويات الأفراد من اسمائهم بل من تصرفاتهم
وسلوكياتهم هذا بالنسبة للأفراد أو الجماعات والمجتمعات .
المدينة التي بدأها وعملها قايين
سميت حنوك
التي تعني [ دارس، مدرب، مكرس ] وكأن قايين يعترف بأنه تعلم أول درس من دروس الحياة
عندما واجهه الرب بالخطية التي أراد فعلها وبعدم طاعته لله وقتله لأخيه هابيل
فإبتدأ يبني مدينته ليقول أنني تعلمت الدرس ، ولكن إبنه حنوك ولد عيراد " وَوُلِدَ لِحَنُوكَ
عِيرَادُ. و..... ( التكوين ٤
: ١٨ ) ومعني
اسم عيراد تعني " جحش " يالها من حالات روحية متدنية فالمدينة التي
بناها قايين لم يستطيع أن يتحكم في واقعها الروحي هذا لأن واقعه الروحي كان مبني
علي القتل والعناد وعدم الطاعة لله ولسماع صوته ، فعندما أراد أن يعلم من في
مدينته درساً ويدربهم تدريباً لم يستطيع ، فحفيده صار اسمه عيراد أي جحش وماذا
سيخرج من عيراد ( جحش ) إلا مَحُويَائِيلَ ومعني إسمه " مضروب من الله " فالجيل الأول والثاني من قايين صار مضروباً
وليس متعلماً ومتدرباً كما سميت مدينته التي بناها .
عندما تسلك سلوكاً غير مرضي لله وتعيش في دائرة عناد
بيعداً عن مشيئة الرب ثم تبدأ في بناء حياة جديدة بدائرة عميقة مع نفسك ومع الهك ،
ظاناً بأن سنين التصليح والتعلم يذهبن سنين التمرد والعصيان ، ففي الحقيقة أن سنين
العصيان تولد قيود وأرواح شريرة في الأجواء الروحية تعيش لفترة لحين تمكُن سنين
التعلم والصلاح والتوبة فيبدأ الحال في التحسن ، فبعد أن ولد لقايين حنوك وولد
لحنوك عيراد وولد لعيراد محويائيل إبتدأ سنين البركة والإصلاح يبدأ " .... وَمَحُويَائِيلُ وَلَدَ مَتُوشَائِيلَ. .... (
التكوين ٤ : ١٨
) فـ مَتُوشَائِيلَ تعني : " بطل الله " فمن الـ مضروب من الله يخرج بطل الله ، إنها نقلة غير مسبوقة وهذا يعني أن
محويائيل تمرد علي حياة الكسرة التي بدأت من جده قايين وانتقلت لجده حنوك الي ابيه
عيراد ومنه الي محويائيل ، لذلك أراد محويائيل أن يحاول بتغيير سلسال القيود
الروحية التي كبلت المدينة فعندما ولد ابنه سماهُ متوشائيل أي " بطل الله
" ومن هنا ندرك أن ما يزرع من هوان داخل المدينة سيحصده جيل قادم لفترة زمنية
لحين وجود جيل أخر يستطيع أن يرفض زمن الذل والمهانة ويتحرك نحو زمن المجد والنصرة
، فإستطاع المضروب من الله أن يُخرج زمن يدرك فيه بأنه بطل الله ، جيل يدرك
التعويضات الإلهية فينال منها ويترك لمن بعده بركات ليست بقليلة .
من قايين الي محويائيل زمن يحتاج
لوقفة من اجل التغير وقد فعل هذا محويائيل ، ومن محويائيل الي متوشائيل زمن يحتاج
لحصاد البركات والإثمار ، ويحتاج لمن يحافظ عليه لذلك عندما ولد لمتوشائيل ابنا
أسماه لامك الذي
يعني : " قوي
" فيقول الكتاب " وَمَتُوشَائِيلُ وَلَدَ لاَمَكَ. (
التكوين ٤ : ١٨
) فالبطل عندما يلد فماذا يلد ؟!
إنه يلد القوي وهكذا كان لامك ، استطاع قايين أن يحصد ما كان يريده ، فتصير مدينته
مدينة التعلم والتدرب ، تكون مدينة مختلفة ومتطوره لذلك إن كنت تري في مدينتك ما
لا يُسرك ، إبدأ أنت بالتغيير وليس بالتمرد والتزمر ، إبدأ بزراعة شجرة وترميم
رصيف ، إبدأ بتنظيف مكانك ، إبدأ بالكلمات الإيجابية مهما كان الحال حولك ، وإعلم
أن ما تزرعه ستحصده يوماً .
إبدأ مهما كان الواقع :
قد يكون قايين الذي صنع مدينة لم يكن هدفه روحي بالدرجة
الأولي ولكن كانت أسماء رؤوس مدينته تعلن عن واقع معاش ، تخيل معي اسماء تعلن عن
حالة أصحابها ، فماذا تنتظر من شخص اسمه جحش فعندما يُنجب إبناً فسيسميه مضروب ،
فالحال قد يكون غير مُسر ولكنك قادر علي التغيير ، فقد تمسك مَحُويَائِيلَ بتغير
الواقع ، هكذا يريدنا الرب أن نغير الواقع مهما كان ، لأننا قادرون علي ذلك في اسم
المسيح ، قد يكون العدو أقوي وأشد وتياره عالي جداً لا نقوي عليه ، ولكن يمكنك أن
تتنبأ كما تنبأ كالب " لكِنْ كَالِبُ أَنْصَتَ الشَّعْبَ إِلَى مُوسَى
وَقَالَ: "إِنَّنَا نَصْعَدُ وَنَمْتَلِكُهَا لأَنَّنَا قَادِرُونَ عَلَيْهَا". ( عد ١٣ : ٣٠ ) فتغيير الواقع يحتاج
إيمان وعزيمة ، يحتاج لكلمات نبوية ، يحتاج لمؤمنين لابسين سلاح الله الكامل
ومستعدين دائماً " الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا
أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ
اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ،
وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا ، حَامِلِينَ فَوْقَ
الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ
سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ. ( أف ٦ : ١١ ـ 16 ) فمكايد ابليس تحتاج
لكلمة الله والتعليم لكشفها ومقاومتها ، فلن نستطيع أن نكتشفها دون أن يكون لدينا
إمكانيات الكلمة المقدسة والتعليم بالروح القدس فإبليس يمتلك ثلاث محاور رئيسية
ليحاربنا بها وهم :
مكايد ( أف ٦ : 11 ) + يوم شرير ( أف ٦ : ١٣
) + سهام ملتهبة ( أف ٦ : 16 )
فالمكايد هي الحيل التي تصنع اليوم الشرير ، واليوم
الشرير لن يكون شريراً بلا سهام وكلمات ملتهبة ليجعل الواقع اليماً ومريراً فما
عليك إلا التحصن بسلاح الله الكامل لتستطيع أن تفعل ثلاث مستويات لهزيمة ابليس
وتغيير الواقع :
الثبات رغم المكايد والحيل + مقاومة اليوم
الشرير + اطفاء كل سهام ابليس بالإيمان
الثبات في الحق الكتابي يجعلك تدرك أكاذيب
ابليس وحيله الماكرة ، فهو يستخدم النفوس وبعض الأشياء ليجذبك الي أرض بعيدة عن
مدينتك لينفرد بك ليسلبك قوتك ، فصناعة المشاكل بينك وبين من حولك حيل شيطانية
ليعزلك عن من حولك ليستطيع أن يبتلعك ، الحل هو أن تثبت في مكانك وتتمسك بإيمانك
وبخدمتك وتقترب لإخوتك مهما كانت حالتهم الغير سوية ، فلا تنظر لضعفاتهم بل أنظر
لشيئ واحد أنهم يحتاجونك كما أنك تحتاجهم .
المشاكل والخلافات والصراعات هي اليوم الشرير الذي يصنعه
ابليس فليكن شعارك الأبدي " وَعَبْدُ الرَّبِّ لاَ يَجِبُ أَنْ يُخَاصِمَ،
بَلْ يَكُونُ مُتَرَفِّقًا بِالْجَمِيعِ، صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ، صَبُورًا عَلَى
الْمَشَقَّاتِ، ( 2تي ٢ : ٢٤ ) ضع في قلبك أن النفوس التي تصنع معك مشاكل ما
هم إلا نفوس استخدمهم ابليس في غفلة منهم ليصنع بهم يوماً شريراً ، لذلك لا تجعله
أنت اسبوعاً أو شهراً شريراً فلا تخاصم بل كن مترفقاً صبوراً لتستطيع أن تميت
اليوم الشرير وتقتله ، هل تستطيع أن تسير كما سار المسيح فقد كان شعاره أن لا
يخاصم " لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ
صَوْتَهُ. ( مت ١٢ : ١٩ ) لذلك كانت محاولة ابليس في صناعة اليوم الشرير للمسيح أمراً
في غاية الصعوبة ، فقد حاول إيقاعه كثيراً بحيل ومكايد الفريسيين والكتبة والكهنة
، ولكنه كان دائماً مستيقظاً واعياً ، فلم يستطع ابليس أن يستخدم المحيطين حوله من
نفوس ، لذلك استخدم أقرب المقربين اليه وهو يهوذا ، حتي يهوذا لم يخاصمه الرب رغم
فعلته وكانت كلمات الرب عتاب رقيق وليس عنيفاً إذ قال له : فَقَالَ لَهُ
يَسُوعُ:"يَا يَهُوذَا، أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟" (
لو ٢٢ : ٤٨ ) كن اخي مستعد أن تكون في الإرتفاع دائماً لتنال القيامة كما نالها المسيح ،
فقد كان يؤمن أنه سيقوم من بين الأموات ليبيد سلطان ابليس ويطفيئ سهامه الملتهبة ،
فلم يبالي بمكايد ابليس ولا باليوم الشرير لأنه كان ممتلئاً ايماناً فلم تهزه
السهام الملتهبة التي كانت حوله ، لم تهزه معايرة المعايرين ولا كلمات المستهزئين
، فقد كان ثابتاً ،
كن ثابتاً مهما كان الواقع ولتمتلك ايماناً
بأنك قادر علي تغيير الواقع وتقول مع الرسول بولس " وَلاَ عُلْوَ وَلاَ
عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ
اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. ( رو ٨ : ٣٩ ) مهما كانت الحروب والشدائد فسأكون
منتصراً غالباً ، سأكون في داخل المدينة الروحية وسط أخوتي المؤمنين لنغير الواقع
المرير الشرير بواقع روحي حسب مشيئة الله ، فلنقول : "إِنَّنَا نَصْعَدُ وَنَمْتَلِكُهَا
لأَنَّنَا قَادِرُونَ عَلَيْهَا". في اسم المسيح أمين
مدينة بيت الله وتغيير الأسماء :
كان
الأباء في العهد القديم يهتمون بتسمية المدن بما يليق بالرب " وَدَعَا
اسْمَ ذلِكَ الْمَكَانِ "بَيْتَ إِيلَ"، وَلكِنِ اسْمُ الْمَدِينَةِ
أَوَّلاً كَانَ لُوزَ. (تك ٢٨ : ١٩) اسم لوز من الأسماء الرائعة فثمرة اللوز من
الثمار المحببة للجميع ، ولكني لا أتكلم عن ثمرة اللوز ولكني اتكلم عن البشر
الموجودين داخل مدينة لوز ، فهم ليسوا من شعب الرب واختاروا اسم مدينهم لوز ، ولكن
الأباء لهم في كل مدينة اختبار يذكرهم بإلههم ، لذلك يعدون بتسمية المدن بأسماء
مرتبطة بالإختبار الروحي الذي نالوه في هذا المكان وتلك المدينة .
بالنسبة لأبونا ابراهيم نصب خيمته قرب بيت
ايل ( لوز ) ولكنه لم يغير من اسم المدينة ولكن يعقوب الذي رأي رؤياه هناك لذلك
غير اسم المدينة من لوز الي بيت ايل ، بيت ايل تعني : بيت الله ـ القدير ـ القوي ، فتغير الأسماء للبلاد
وللأشخاص أيضاً مرتبط بإختبار وموقف روحي ، فقد تغير اسم ابرام الي ابراهيم بعد
مقابلة الرب معه ومباركته اياه " فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ
بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ
الأُمَمِ. ( تك ١٧ : ٥ ) وقد تغير اسم يعقوب الي اسرائيل " فَقَالَ:
"لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ
جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ". ( تك ٣٢ : ٢٨ ) فمبدأ
تغيير الأسماء في كلمة الله قائم وعُرف سائد لأنه يصف حالة أصحابها ، نحن اليوم لا
نحتاج الي تغيير الأسماء من الخارج ولكن الرب يريد تغيير القلب ، فتقليد نظام
العهد القديم دون هدف روحي يعود علي من يمارسه بالنفع ، فلا داعي لممارسته لأنه لن
يُغير شيئاً من الداخل .
بيت ايل لها مع رجال الله اختبارات ، فمنذ
ايام يعقوب وصب الزيت علي الحجر ليعلن أن هذا المكان للرب ، بالفعل صارت معاملات
الرب من هذا الموضع واضحة لرجال الله الأتقياء من ابراهيم وايليا " وَبَكَّرَ
يَعْقُوبُ فِي الصَّبَاحِ وَأَخَذَ الْحَجَرَ الَّذِي وَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ
وَأَقَامَهُ عَمُودًا، وَصَبَّ زَيْتًا عَلَى رَأْسِهِ. وَدَعَا اسْمَ ذلِكَ
الْمَكَانِ "بَيْتَ إِيلَ"، وَلكِنِ اسْمُ الْمَدِينَةِ أَوَّلاً كَانَ
لُوزَ. ( تك ٢٨ : ١٨ ، 19 ) ارتبط ظهوره له بذلك العمود. وأضحت تلك البقعة
مركزا بالغ الأهمية، فتزايدت عظمة المدينة. وبمرور الزمن اندثر اسم
"لوز" ، استولي عليها يشوع ( يش 8 : 7 ) واصبحت من نصيب سبط بنيامين ( يش
18 : 22 ) وكان كل من يريد أن يسأل الله يذهب الي بيت ايل وكان صموئيل" يذهب من سنة إلي سنة ويدور
في بيت ايل والجلجال والمصفاة، ويقضي لإسرائيل (1 صم 7 : 16 ( فحياة المدن كحياة البشر لأن المدينة ليست المباني
والممتلكات بل النفوس القاتنين بها ، هم اللذين يجعلون من المدينة مدينة للرب أو
مدينة للبعل والشر والخطية
لم يستمر الحال في بيت ايل كمكان للبركة
والارتفاع فقد فعل يربعام بها خطية عبادة الوثن وعمل عجلاً من الذهب وأقام عبادة
زائفة ، فأصبحت بيت ايل مقدس الملك يربعام والمركز الديني لمملكته ( 1مل 12: 29 ، 33،
عاموس 7 : 13 ) فلم تستمر حالة بيت ايل
كما السابق ، إن استمرارية شعب الرب في العلاقة مع الله من أهم الأساسيات التي
تجعل من بيوتنا مركزاً للرب وليس مركز لإبليس وللعالم ، فلنفيق في حياتنا ونرتكز
علي مبدأ أن نكون لله ، فلا نكون كبيت ايل ، مكان للرب في البداية ومكان للبعل في
النهاية .
المدينة التي اختارها الله :
المدينة التي
اختارها الله ليست بيت ايل ، فبيت ايل كانت مرحلة في حياة ابائنا الأولين ابراهيم
واسحق ويعقوب ، ولكن ابتداء من داود النبي صارة مدينة الله هي اورشليم ، لذلك تجد
صراع الدول حول مدينة أورشليم وبيت يعقوب وصهيون ، هذه هي المنطقة الملتهبة التي
يدرك ابليس جيداً أن من أورشليم بدأت المملكة الإلهية ومنها أيضاً سيأتي إنقضاء
الدهر فقد اختارها الرب " بَلِ اخْتَرْتُ أُورُشَلِيمَ لِيَكُونَ اسْمِي فِيهَا، وَاخْتَرْتُ دَاوُدَ
لِيَكُونَ عَلَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ. ( 2أخ ٦ : ٦ ) ، ( 1مل 11 : 32 ، 36 ) ، ( 2مل
21 : 4 ) من هنا بدأت شرارة العمل الإلهي
فقد وضع الله اسمه علي أورشليم ، وبني هناك الهيكل " وَرَجَعُوا
إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ قُلُوبِهِمْ وَمِنْ كُلِّ أَنْفُسِهِمْ فِي أَرْضِ
أَعْدَائِهِمُِ الَّذِينَ سَبَوْهُمْ، وَصَلَّوْا إِلَيْكَ نَحْوَ أَرْضِهِمُِ
الَّتِي أَعْطَيْتَ لآبَائِهِمْ، نَحْوَ الْمَدِينَةِ الَّتِي اخْتَرْتَ
وَالْبَيْتِ الَّذِي بَنَيْتُ لاسْمِكَ، (1مل ٨ : ٤٨) ، ( 1أخ 28 : 6 ) ، ( 1أخ 29 : 19 ) فقد اعتدي علي أورشليم
والهيكل مراراً ، فعند ضُعف شعب الله وابتعاده عن الرب تُهاجم أورشليم وتُسبي
ويهدم الهيكل ( عز 5 : 14 ) ، فيعود الرب يُنهض شعبه ويبني الهيكل
هُدم الهيكل ثلاث مرات ، فقد تم تدمير أورشليم والهيكل عام 587 ق.م على يد نبوخذ نصر ملك بابل وسُبى أكثر سكانها، وأعيد بناء الهيكل
حوالي 520 - 515 ق.م وهُدم الهيكل للمرة الثانية خلال حكم المكدونيين على يد الملك
أنطيوخوس الرابع بعد قمع الفتنة التي قام بها اليهود عام 170 ق.م، وأعيد بناه
الهيكل مرة ثالثة على يد هيرودس الذي أصبح ملكاً على اليهود عام 40 ق.م بمساعدة الرومان
، وهدم الهيكل للمرة الثالثة على يد الرومان عام 70 م ودمروا أورشليم بأسرها ، هذه
المنطقة حتي اليوم متأججة ولن تهدأ حتي نهاية الزمان فسيبني الهيكل مرة رابعة
ويجلس فيه النبي الكذاب " الْمُقَاوِمُ وَالْمُرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلهًا أَوْ
مَعْبُودًا، حَتَّى إِنَّهُ يَجْلِسُ فِي هَيْكَلِ اللهِ كَإِلهٍ، مُظْهِرًا
نَفْسَهُ أَنَّهُ إِلهٌ ( 2تس 2 : 4 ) فلن تهدأ الي مجيئ إبن الإنسان علي سحاب
السماء .
عندما اختار الله أورشليم جعل فيها
الإرتواء الروحي والنبع الروحي من داخلها "
نَهْرٌ سَوَاقِيهِ تُفَرِّحُ مَدِينَةَ اللهِ، مَقْدَسَ مَسَاكِنِ
الْعَلِيِّ. (مز ٤٦ : ٤) وهذا اشارة روحية لأورشليم الجديدة التي هي الكنيسة فهي النبع
الدائم الإرتواء ، وكل من فيها غالبين منتصرين " مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ
عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي، وَلاَ يَعُودُ يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ، وَأَكْتُبُ
عَلَيْهِ اسْمَ إِلهِي، وَاسْمَ مَدِينَةِ إِلهِي، أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةِ
النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ إِلهِي، وَاسْمِي الْجَدِيدَ. ( رؤ ٣ : ١٢ ) ولنفرق بين اورشليم
المنطقة الأرضية فوعود الرب بخصوصها قائم ، واورشليم الكنيسة التي ليس لها مكان
أرضي فهي الكنيسة الموجودة في كل العالم " وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ
الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ
السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا. ( رؤ ٢١ : ٢ ) لها بركات العهد الجديد في المسيح يسوع ،
فإن كان الرب عظيم في مدينته الأرضية فكم وكم مدينته الروحية كنيسته " عَظِيمٌ هُوَ الرَّبُّ وَحَمِيدٌ جِدًّا فِي مَدِينَةِ إِلهِنَا،
جَبَلِ قُدْسِهِ. (مز ٤٨ : ١) فإن كانت الوعد الإلهي لأورشليم الأرضية بالثبات فأورشليم
السماوية لها الأعظم " كَمَا سَمِعْنَا هكَذَا رَأَيْنَا في مَدِينَةِ رَبِّ الْجُنُودِ، فِي
مَدِينَةِ إِلهِنَا. اللهُ يُثَبِّتُهَا إِلَى الأَبَدِ. سِلاَهْ. (مز ٤٨ : ٨ ) فلنعلم أن الكنيسة ستظل قوية
مهما كانت ضعفاتها ، ومهما كان تدخل العدو ليدمرها ، لكنها غالبة وستستمر تغني
وتقول " كُلُّ آلَةٍ صُوِّرَتْ ضِدَّكِ لاَ تَنْجَحُ، وَكُلُّ لِسَانٍ
يَقُومُ عَلَيْكِ فِي الْقَضَاءِ تَحْكُمِينَ عَلَيْهِ. هذَا هُوَ مِيرَاثُ
عَبِيدِ الرَّبِّ وَبِرُّهُمْ مِنْ عِنْدِي، يَقُولُ الرَّبُّ. ( إش ٥٤ : ١٧ )
يطلب
الرب من كنيسته أورشليم الجديدة أن تكون مستيقظة كما كان يطلب من اورشليم الأرضية
" اِسْتَيْقِظِي، اسْتَيْقِظِي! الْبَسِي
عِزَّكِ يَا صِهْيَوْنُ! الْبَسِي ثِيَابَ جَمَالِكِ يَا أُورُشَلِيمُ،
الْمَدِينَةُ الْمُقَدَّسَةُ، لأَنَّهُ لاَ يَعُودُ يَدْخُلُكِ فِي مَا بَعْدُ
أَغْلَفُ وَلاَ نَجِسٌ. (إش ٥٢ : ١) فإنه إستيقاظ لمستوي الرفعة
فيها تكون مجملة بلبس الثياب وتعيش بلا تجانس مع العالم ، فليس فيها العرج بين
الفرقتين " لاَ يَعُودُ يَدْخُلُكِ فِي مَا بَعْدُ
أَغْلَفُ وَلاَ نَجِسٌ " إن تبنت الكنيسة أن تكون في نقاء
الحياة ومحبة بعضها البعض دون تنازع أو صراعات عقائدية ، وكل من فيها حاول السير
نحو البحث والدراسة والتعليم فستكون كنيسة مجيدة مستخدمة لمجد الرب وامتداد ملكوته
، لذلك إبدأ أنت صديقي القارئ لتكون من ضمن المحسوبين لادي الرب من الغالبين .
ليس لنا هنا مدينة :
ارتباط المؤمن بالمدينة الأرضية إرتباط
وقتي ولا يجب أن يتعلق بها القلب ، يسير فيها مخلصاً أميناً ومشاركاً في كل الإمور
التي لا تخالف الفكر الكتابي ، فالرب لا يريدنا سلبيين بل يريدنا متفاعلين
اجتماعياً وسياسياً ودينياً ، ونعمل لصالح الجميع ولا نكون أنانيين أو إنتهازيين ،
فالمدينة الأرضية ليست باقية فعيوننا نحو المدينة العتيدة السماوية " لأَنْ
لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَةَ. (عب ١٣ : ١٤) فالمؤمنون
ينتظرون حياة عتيدة تختلف عن الحياة الأرضية ، فالحياة الأرضية وقتية وترتكز علي
الحركة والعمل ، أما من ينظر الي العتيدة فيكون كامل تركيزه علي حياة التقوي إثناء
ممارسة الحياة الزمنية بطبيعتها الكاملة " لأَنَّ
الرِّيَاضَةَ الْجَسَدِيَّةَ نَافِعَةٌ لِقَلِيل، وَلكِنَّ التَّقْوَى نَافِعَةٌ
لِكُلِّ شَيْءٍ، إِذْ لَهَا مَوْعِدُ الْحَيَاةِ الْحَاضِرَةِ وَالْعَتِيدَةِ. ( 1تي ٤ : ٨ )
فالمؤمن يصنع مدينته من هنا .
لنتفق أن الإنسان
هو الذي يصنع مدينته الزمنية الأرضية باتحاده بإخوته وارتباطه بمجتمعه ومشاركة
اخوته بناء مجتمع أمن يعيش فيه ، هكذا المدينة الأبدية فالمؤمنون بوحدتهم
وبارتباطهم بعضهم ببعض هنا في تقوي ووقار ومحبة متبادلة يصنعون وطناً أبدياً هناك
في الأبدية ، فالمؤمنون اللذين شاركوا الرسول بولس في الامه وقيوده ووقفوا بجواره
سيكون لهم واقع روحي سماوي مختلف صنعوه من هنا " لأَنَّكُمْ
رَثَيْتُمْ لِقُيُودِي أَيْضًا، وَقَبِلْتُمْ سَلْبَ أَمْوَالِكُمْ بِفَرَحٍ،
عَالِمِينَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنَّ لَكُمْ مَالاً أَفْضَلَ فِي السَّمَاوَاتِ
وَبَاقِيًا. ( عب ١٠ : ٣٤ ) فعندما نضحي بكثير من الزمنيات
لحساب الأبديات يكون لنا نصيب الأسد في المدينة السماوية العتيدة " بِالإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ الْمَوْعِدِ
كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِنًا فِي خِيَامٍ مَعَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ
الْوَارِثَيْنِ مَعَهُ لِهذَا الْمَوْعِدِ عَيْنِهِ. لأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ
الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ.
( عب 11 : 9 ، 10 ) ظل أبونا ابراهيم مخلصاً لكل
مكان يضع خيامه فيه ، فلم يعادي أحداً بل كان مصدر أمن وأمان وليس مصدر قلق
وانزعاج ، هذا ما يريده الرب في حياة التقوي أن نكون مصدر أمن وأمان لجميع من
حولنا ، نصنع الخير للجميع ونكون صورة للمسيح علي الأرض ، حتي وإن كان العالم
يضطهدنا " طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ
وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي،
كَاذِبِينَ ، اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي
السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ..
( مت ٥ : ١١ ) فالمؤمن ينتظر ما هو أبدي وليس له
أي تعلق بما هو زمني .
فالمؤمن يبتغي
وطناً سماوياً أفضل لذلك لا تهمه الخسائر الوقتية فهي يجب أن لا تمثل بالنسبة له
شيئاً أي أن ليس لها ثقل أو وزن يُتعِب نفسياً عندما يفقدها ، فحياة الإيمان لا ترتبط بما هو مرئي ، فقد كان
رجال الله في العهد القديم ينتظرون المدينة العتيدة دون أن يروها بعيونهم بل رأوها
بقلوبهم رأوها بالإيمان " فِي الإِيمَانِ مَاتَ هؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ،
وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا
وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ. ...
وَلكِنِ الآنَ يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا. لِذلِكَ لاَ
يَسْتَحِي بِهِمِ اللهُ أَنْ يُدْعَى إِلهَهُمْ، لأَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ
مَدِينَةً. ( عب 11 : 13 ، 16 ) لذلك إستطاع أبونا
إبراهيم أن يقدم اسحاق علي المذبح دون تردد ، فقد كان كل نظره لما هو فوق ، فلا
يوجد غالي عن الرب ، لا زوج ولا أب ولا أم ولا أخ ولا شيئ مهما إن كان " بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ
مُجَرَّبٌ. قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ ... إِذْ حَسِبَ
أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ أَيْضًا، الَّذِينَ
مِنْهُمْ أَخَذَهُ أَيْضًا فِي مِثَال. ( عب ١١ : ١٧ ، 19 ) فلن يستطيع المؤمن أن يكون
العالم بما فيه رخيص بالنسبه له إلا عندما تلمع أمهمه الإمور الأبدية ، فعمل ابليس
دائماً هو تحلية كل ما هو زمني ليرخص كل ما هو ابدي ، لذلك علي المؤمن أن يكون
مستيقظاً صاحياً واعياً ، فليساعدنا الرب .


تعليقات
إرسال تعليق