دراسة في الكنيسة وقوانينها


 ____________________________

  الكنيسة 

دراسة في الكنيسة وقوانينها

والمفهوم الصحيح  

بقلم 

القس عماد عبد المسيح 

____________________________

اسم الكتاب : الكنيسة 

               دراسة في الكنيسة وقوانينها 

              والمفهوم الصحيح

اسم المؤلف : القس عماد عبد المسيح

سنة النشر : نوفمبر ٢٠٢١م 

كتاب الكتروني 

رجاء عند اقتباس اي جزء من هذا الكتاب ، لا تتجاهل حق المؤلف

____________________________

الفهرس

١ - الكنيسة ككيان مؤسسي : 

الكنيسة والركن السياسي 

حدود الكنسية في التعامل مع ذاتها 

المسيحية والانقسام  

الطائفة الإنجيلية وعلاقتها بالمذاهب 

تعدد المذاهب داخل الطائفة - الخلافات ما بين العقائدية والإدارية 

٢ -  الكنيسة وطرق الخلاف :

مكانة الأسقف في الكنائس التقليدية 

الكنيسة وإحتياجاتها  

٣ - الكنيسة وقوانين الأباء : 

الدرجة الالهية والجلوس في الوسط 

مصادر الطقوس ونسبتها للرسل 

عظمة القساوسة 

قانون أعجبني 

مانحي البركة ومستقبليها 

رشم الصليب باللعاب 

طقس المعمودية للكبار و للأطفال  

 ٤ - الكنيسة والعمل المرسلي : 

الرتب الكنسية 

القسوس والاساقفة والشيوخ 

التسليم الابائي 

قوانين ابائية يمكن العمل بها - قانون الإجهاض والنظر فيه - قانون الشهوة و الشيطان المؤنث 

الطقسية والفكر المضاد 

العمل المرسلي وموقف الكنيسة 

العمل المرسلي وخدمتها 

نظرة للعمل المرسلي في مصر  

5 ـ الهدف الأساسي من الكنيسة : 

الرجاء ودور الكنيسة 

الكنيسة هي عامود الحق و قاعدته 

____________________________

١

 الكنيسة ككيان مؤسسي 


الكنيسة لها دور فعال داخل كل المجتمعات ( الإجتماعية والكنسية والسياسية ) لأنها مؤسسة عريقة بكل أقسامها ( الأرثوذكس والبروتستانت والكاثوليك ) فهي جزء لا يتجزأ من المجتمع في كل العالم، لأنها تدخل في نسيج المواطنة، فعندما نتحدث عن الكنيسة فنحن نتحدث عن مؤسسات كنسية ونتحدث عنها أيضا كأفراد ، فالكنيسة ليست هي المباني فقط، مع أن الدول تتعامل مع الكنائس كمبني مؤسسى ( عدة مباني وأماكن ) وبداخلها أفرادا يتغيرون بحسب التغيرات البيئية المجتمعية، فيوجد من رحل منها بعد عمر احتضنته فيها المؤسسة الكنسية، ومنهم من تركها لعامل السن ومن تركها لا لشيى بل ليستريح من بعض المعاناة التي مر بها داخليا من بعض افرادها، فالدولة تتعامل مع كيان مؤسسي له نظامه ولوائحه الداخلية، فالكنيسة مؤسسة مثلها مثل أي مؤسسة بها وما عليها من مسئوليات وإيجابيات وسلبيات نحو الأفراد والمجتمع، ومن مسئوليتها خدمة من بداخلها ومن يقصدونها بحسب لوائحها المنصوص عليها قانونيا.

الكنيسة منذ نشأتها لها دور فعال في تغيير الكثيرين من واقع الإلحاد عن معرفة الله الي واقع الإيمان به ومن واقع الوثنية الي واقع الايمان بالله، أيضا لها دور في من إقتربت إليهم للتغيير من واقع الشر الي واقع الخير وتجديد النفس ، فدورها هو تغيير الإنسان من خلال معرفة كلمة الله المغيرة والمجددة، فشاول كان مضطهدا للكنيسة وقتل منهم الكثيرين أشهرهم إستفانوس ، ولكن نعمة الرب افتقدته ودفعته لأحد أفرادها ( حنانيا ) ليقوم بالصلاة معه ووضعه علي أول المسيرة ليشق طريقه ويقابل بعض من الرسل ليتتلمذ فيصير رسولا، كتب ١٤ رسالة ونتج عن خدمته عدة كنائس في العالم .

للكنيسة دور فعال في المجتمعات ولا سيما في المجتمع السياسي، لذلك لن أتطرق للجانب السياسي ما بين الكنيسة والدولة أو ما بين الكنيسة والمجتمع الديني المحيط، وإن تطرقت فسيكون تطرق عابر ، لأنني ساركز علي الجانب النفسي والروحي علي المجتمع المحيط، فالحديث عن الكنيسة يجبرنا التطرق لجميع الجوانب، فسوف اتفادي الجانب السياسي علي قدر المستطاع ، لا لشيى بل لأني أري أن الخوض فيه يحتاج لدراسة مستقلة ويحتاج لمجهود شاق، هذا ليس معناه أني لن أخوض تجربة البحث والدراسة في هذا المدمار ، ولكن سوف اتطرق قدر المستطاع بحسب ما يتطلبه البحث. 



يجب التفرقة بين الكنيسة كأفراد والكنيسة كمؤسسة فأفرادها لهم حق المواطنة بكامل  الحقوق، أما الكنيسة كمؤسسة عندما تقوم بتوجيه أفرادها نحو عمل سياسي معين في الدوائر الانتخابية أو غيرها من الإمور السياسية فهنا ياتي الحديث ، هل يحق لها أم لا يحق؟ عن رأيي لا يجب علي المؤسسة الكنسية التدخل في العمل السياسي ولا توجيه افرادها توجيها سياسيا، ولتترك أفرادها يقررون مصيرهم السياسي كل فرد بحسب رؤيته، هكذا ليس فقط الكنيسة كمؤسسة بل كل مؤسسات الدولة لا يجب توجيه أفرادها نحو إتجاه سياسي معين بل يتركون أفرادها يختارون الإتجاه الذي إختاروا تأييده . 

التدخلات الكنسية في التحركات السياسية يضر الكنيسة علي المستوي الإجتماعي والروحي، أما تحرك أفرادها بصورة شخصية دون توجيه مؤسساتها فهذا يخدم المواطن المسيحي كمواطن له كامل الحقوق والمميزات، أما أن يكون للكنيسة صلة وثيقة بالنظام السياسي فهذا وارد لحكم التعاملات الطبيعية كمؤسسة ضمن مؤسسات الدولة، ولكن أن يستغل بعض من افرادها الصلة بالنظام السياسي ليهيمن علي مقدرات الكنيسة وسيطر علي دورها فيتحكم لصالحه، فهذا شر يحتاج لتوبة ولا يجب أن يحدث ولا يجب أن يكون.

الكنيسة كمؤسسة لكي تستطيع أن تخدم خدمة نظيفة ولمجد الله لا يجب عليها تجنيد موارد العالم لخدمتها لأن هذا يدفعها نحو الإنحراف الروحي لتثبيت ذاتها مجتمعيا ، الكنيسة ليس من دورها تثبيت ذاتها بتوطيد العلاقة بالنظام بل عليها السير نحو الحق وبحسب القانون من خلال السير قانونيا، ليعود المجد الله وتتمتع الكنيسة بمكانتها الروحية حتي وإن عانت من اضطهاد او ضيق.


الكنيسة والركن السياسي

كما اتفقنا أن الكنيسة كمباني ونظام مؤسسي بلوائحها الداخلية كيان تتعامل معها الدولة بأنظمتها، فتراها كيان مؤسسي ضمن الكيانات المكونة للدولة، أما الكنيسة كأفراد فهم أعضاء من جميع المسيحيين الموجودين في الدولة، يدخلون مؤسساتهم الكنسية للصلاة والتعلم من كلمة الله،  فكلما كان تركيز الكنيسة لشعبها حول الإمور الروحية وفهم كلمة الله ودعم الأفكار بكلمات إيجابية نحو الحياة، ينتج عن هذا جيل سوي قادر علي العيس في المجتمع دون مشاعر سلبية ، أما عندما تُقصٍر الكنيسة في توعية شعبها نحو كل ما هو إيجابي ينتج عن هذا شعب غير سوي وينتابه مشاعر سلبية مثل " اننا أقلية - ليس لرأينا أهمية أو إهتمام مجتمعي ....الخ " فالكنيسة قد لا تنشر مثل هذه الأفكار ولكن في صمتها عن عكس هذا يجعل الأفكار السلبية المجتمعية تنتشر كالأفة لتترك شعبا غير ناضج ولا يقوي علي العيش المجتمعي في إثبات وجوده، ففي الفترة السابقة أيام الرئيس محمد حسني مبارك كانت الكنيسة بأفرادها صامتون لا يشتركون في التحركات السياسية، مثلهم مثل كثيرين يسمونهم بحزب الكنبة.


 ولكن في ٢٥ يناير ٢٠١١م تحرك الجميع بما فيهم فئة حزب الكنبة وبما فيهم المسيحيين كمواطنين مثلهم مثل باقي إخوتهم في المواطنة، بل أيضا أصبح قادة الكنيسة أكثر نشاطا في ميادين السياسة، فالبابا تواضروس مثله مثل شيخ الازهر ورئيس المجلس الأعلي للقضاء ومحمد البرادعي في ٢٠١٣م، أيدوا تدخل الجيش ضد الرئيس مرسي ونظامه المدعوم من جماعة الإخوان المسلمين ، وتم القبض علي قادة جماعة الإخوان كالرئيس محمد مرسي و محمد بديع وسعد الكتاتني، وتسليم السلطة لرئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلي منصور، وأُعلن عن عدة إجراءات عُرِفت بخارطة الطريق أيدها المعارضون لمرسي، واعتبروا ذلك تأييداً لمطالب شعبية، بينما اتُهمت تلك الإجراءات من قبل جزء آخر من المُجتمع المصري والدولي بأنها انقلاب، فسواء كان ما حدث جيد للبعض وسيئ للبعض الآخر ، فما أعنيه هنا هو صحوة الشعب المصري مسلمين ومسيحيين والوعي السياسي في التغيير، فجميع فئات الشعب بلا استثني شارك في ٢٥ يناير ٢٠١١م ولم يغيب عن المشاركة إلا بعض من فريق حزب الكنبة الذي كان معظمهم غير فاهمين ماذا يحدث؟ وكذلك في ٣٠ يوليو ٢٠١٣م يضاف اليهم المعارضين لهذه الثورة، إن مشاركة الكنيسة في قادتها أمر لا يجب أن يتكرر مرة أخري ، لأن حدوثه في ٢٠١٣م كان أمر مفاجيى للكل وكان الواقع فارض نفسه وعمل علي مشاركة الجميع بما فيهم الكنيسة والأزهر وبعض المؤسسات الأخري للدولة، فهذا لن يتكرر كثيرا، الكنيسة هي إحدي مؤسسات المجتمع المدني ( ليس السياسي - وليس العسكري ) وعليها العمل في الدفاع عن المُثل العليا في حقوق الإنسان والعدالة الإجتماعية والعمل علي دعم المشاريع الخدمية لخدمة المواطنين بجميع فئاته وأطيافه، وعليها وفي المقام الأول عدم اهمال الجانب الروحي وخلاص النفوس..

الكنيسة في المجتمع الغربي كانت لها دور فعال في التحرك السياسي ولا سيما في تنصيب الملوك، فالبابا الكاثوليكي ليس البابا الديني فقط ولكنه أيضا الرجل السياسي للبلاد، ولذلك للكنيسة الغربية دور فعال في التغيرات السياسية في المجتمع، فالمشاركات السياسية سواء للكنيسة الغربية أو الشرقية أمر لم يكون من بداية نشأة الكنيسة، فقد بدأت كنائس بسيطة متفرقة في المجتمعات والبلاد ، الي أن وصل الوضع أيام قسطنطين عندما أعلن أن ديانة الدولة الرومانية هي الديانة المسيحية، فلم ياتي الي المسيح بل الي المسيحية، فإبتدات الكنائس تكون في مباني واضحة ومنتشرة في ربوع البلاد الرومانية والتي تحت سيادتها في كل العالم، وإبتدأ يُسمع صوتها تدريجيا في جميع المجالات التي من ضمنها المجال السياسي، الي أن أصبح مشاركتها ركن أساسي في التشكيل والعمل السياسي.

فإذا كان للمشاركة السياسية للكنيسة جوانب ايجابية لثبات وجودها كمؤسسة لها دور فعال ، إلا أن في مساركتها أضرار في دورها الروحي تجاه شعبها، ولذلك ففي مشاركتها للعمل السياسي إبتعاد عن الهدف الأساسي في وجودها وهو خلاص النفوس من الخطية والقبول لمعرفة الله والايمان به، فالمسيح لم يشارك في العمل السياسي ، وعندما سُئل عن كونه ملك، اجاب قائلا " أَجَابَ يَسُوعُ: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لا أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا". (يو ١٨ : ٣٦) فإن كان للمسيح إنتماء سياسي فإنتمائه كان للسياسة الروحية التي من السماء علي النفوس لأجل رفعتهم روحيا، فليس هذا معناه عدم مشاركة المواطن المسيحي في العمل السياسي ، أقول إن لكل مواطن الحق في المشاركة في كل المجالات السياسية كأفراد مستقلين وليس للكنيسة كمؤسسة. 

عندما أشبع المسيح عدد خمسة آلاف نفس غير النساء والأطفال، إجتمعوا لينصبوه ملكا، ويالها من فرصة سياسية لا تتكرر كثيرا " وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ. (يو ٦ : ١٥) ابتعد عن المجال السياسي فلن يشارك في إنقلاب وترك مصير الشعوب للشعوب، ولذلك انصرف وتركهم بفكرهم دون ان يجادلهم أو يناقشهم، بقي وحده لأن فكره لا يتطابق مع فكرهم وهدفه لم يتماشي مع اهدافهم لذلك انصرف، فلم يكلف الرب تابعيه كأفراد في المشاركه في العمل السياسي ولم بمنعهم ، لكنه كلفهم بعمل أعظم بأن حملهما مسئولية الإرسالية العظمي قائلا "  وَقَالَ لَهُمُ:"اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ. (مر١٦ :  ١٥-١٦) فهل لكنيسة اليوم في العالم ( كمؤسسات ) الإنصراف بعيدا عن العمل السياسي حتي وإن بقيت وحدها؟ ففي العمل السياسي تحكمات في مصير الشعوب إما أن يُحكم فيه او يُحكم به، فمعظم رجال السياسة عندما يعتلوا المناصب يتحكمون بقررات تخدم مصالحهم أولا ، حتي وإن وُجد رجل منصف وحكيم فسيجد حوله من يستخدم القرارات والقوانين بحسب ما يري، لا يجب أن تشترك الكنيسة في هذا، وتكون فقط مستعدة للمشورة إذا سؤلت ولا يجب أن تشترك في صنع القرار ، لان عليها مسئولية جسيمة نحو النفوس التي تذهب للهلاك الأبدي كل يوم.


حدود الكنسية في التعامل مع ذاتها

إن بداية الكنيسة لم يصير بالمؤسسات بل بالمجامع، التي كان تكوينها من قادة العمل المسيحي المؤمنين في كل العالم، ففي العصر الرسولي كان المجمع يتكون من مجموع الرسل مع بعض من أمنوا علي يدهم، وكان أول مجمع في عصر الرسل في سفر الاعمال " فَاجْتَمَعَ الرُّسُلُ وَالْمَشَايخُ لِيَنْظُرُوا فِي هذَا الأمْرِ. (أع ١٥ : ٦) فإجتماعهم كان من أسبابه حل المشاكل والنظر فيما يتعلق بالمبادئ الإيمانية  كما في ( سفر الأعمال ١٥ )  ولم يذكر الكتاب أن الرسل إجتمعوا مرة أخري لأي غرض أو هدف آخر ، فكانوا يخدمون الرب ويبشرون في ربوع المسكونة، فقد كان هدفهم ربح النفوس وعدد التلاميذ يتكاثر والكنيسة تنموا (أع ٢ : ٤٧) (أع ٤ : ٤) (أع ٦ : ١) (أع ١٥ : ٦) فلا هدف لهم في مناصب ولا في سياسة ولا حتي  في زعامة، الأمر علي خلاف اليوم فالاكثرية من الخدام يسعون نحو المناصب ليكونوا في المقام الأول ويصيروا أصحاب نفوز وسيادة .


إجتماع الرسل في ( أعمال ١٥ ) لم ينتج عنه خلافات بل نتج عنه إستنارة في الأمر واتفاق علي إتجاه واضح للسؤال الذي كان مطروحا وقتها، أما باقي المجامع التي إجتمع فيها أساقفة وقساوسة نتج عنها خلافات وإنقسامات كان أخرها مجمع خلقدونية سنة ٤٥١م فلم يكون هو المجمع الوحيد بل ايضا مجمع نيقية سنة ٣٢٥م الذي إجتمع فيه ٣١٨ أسقفا لمناقشة ما يطلق عليها ببدعة أريوس الذي كانت حول " طبيعة يسوع هل هي نفس طبيعة الرب أم طبيعة البشر. " فقد كان عند أريوس مشكلة في " ازلية المسيح - وطبيعة الروح القدس " نتج عن هذا المجمع اول أشكال قانون الإيمان كما نتج عنه ايضا بداية علاقة الكنيسة بالسلطة بعد أن كانت كياناً دينياً خالصاً، بكل تأكيد علاقة الكنيسة بالسلطة تخدم الكنيسة كمؤسسات ولكن لا تخدمها في الجانب الروحي والإيماني.

بعد مجمع نيقية جاء مجمع أفسس سنة ٤٣١م كان عدد الحضور ٢٥٠ اسقفا وكانت تدور بين " وحدة اللاهوت والناسوت في المسيح "  وفيها أيضا رفض نسطور عبارة " والدة الاله " علي القديسة العذراء مريم، إن هذه المجامع وإن كانت مهمة في موضوعيتها لكنها ايضا كانت لا تصل لحلول بل لحرمان من لا يخضعون لها،  هذه الحُرمانيات جعلت  من ما اسموهم أصحاب البدع فرصة للتحرك خارج نطاق الكنيسة .

  اما في مجمع افسس ٢ سنة ٤٣٩م كانت مشكلة أوطاخي وحضره ١٥٠ أسقفا أعادوا فيها أوطاخي للكنيسة ولمكانته حيث إنه رجع عن أفكاره التي كان ينشرها " أن الناسوت ذاب في اللاهوت أي أن الطبيعتين إمتزجتا ليصيروا طبيعة واحدة " فبصرف النظر عن هذه الأفكار وعن مدي ما فيها من جوانب إيمانية أعتقد فيها أصحابها ، إلا أن هذه المجامع لم تضع حلولا جزرية في وقتها   وكانت تستخدم الحرمانات كسلاح لصد الافكار 

ثم جاء مجمع خلقدونية الذي فيه انقسمت المسيحية الي أرثوذكس في الشرق وكاثوليك في الغرب بسبب موضوع " الطبيعتين والمشيئتين " ففريق الغرب أيد الطبيعتين والمشئتين للمسيح وفي الشرق أيد الطبيعة الواحدة في أن لاهوته لا يفارق ناسوته، والي يومنا هذا لم يتحد الإيمان الشرقي بالايمان الغربي، بل كل منهم حرم الآخر وإنشق عنه، في هذا المجمع أيضا تم رفض قرارات مجمع افسس ٢ وحضره ٣٣٠ اسقفا في جهه و ٦٠٠ اسقفا في الجهه الأخري، فالكنائس التي اعترفت بمجمع خلقدونية لقبوا بمن حضروا مجمع افسس ٢ بأنه مجمع لصوص وتم طرد وتحديد إقامة الأساقفة المؤيدين له، هذا هو حال المجامع التي كانت تعقد بعد مجمع الرسل في سفر الأعمال الإصحاح الخامس عشر، فالمجامع ما بها وما عليها من إيجابيات وسلبيات فالنتيجة التي لا يقبلها الكل هو الإنقسام الذي حدث، هذا الإنقسام جعل الغربيين يلقبوا أنفسهم بالكاثوليك أي الإيمان الجامع الذي يجمع إيمان الرسولين بولس وبطرس، والشرقيين لقبوا أنفسهم بالارثوذكس أي الإيمان المستقسم  الذي يجمع إيمان واحد فقط هو إيمان مرقس الرسول، والي يومنا هذا لا يتفق الكاثوليك مع الأرثوذكس ولا يلتقيا، فكلٍ يحرم الأخر .. للأسف.

إن الاختلافات اللاهوتية والتمسك بها والتشدد لها عمل علي الإنقسام الذي له عدة عوامل مثل:

- الخوف علي المكانة  - الزعامة  - المناصب 

- والتعصب الذي يعمل علي إقصاء الأخر 

- الإختلاف في العقيدة والإيمانيات 

فكل فريق يؤمن بأنه علي حق والأحق ، ولذلك يحدث في الإختلاف خلاف، وفي الخلافات لا يقبل كل طرف الأخر، فانقسمت المسيحية ... ! وصار كل فريق له كيانه وكنائسه وخدامه، هؤلاء يؤمنون بالمسيح والثالوث والمجيئ الثاني للمسيح والحياة الأبدية، والأخرين ايضا، أما عدم التقائهم معا فيرجع الي التعصب والتشبث بالرأي واضعا لنفسه أنه الأحق والأصح وأن الآخر مخطيئ ومهرطق، وبناءً علي كل هذا يحدث الإنقسام، فإن قبول الاخر لا يعني قبول إيمانه  ..... لم يحدث أي إنقسام لتلاميذ المسيح اثناء خدمته، وايضا لم يحدث أي إنقسام أيام الرسل مهما وصلوا الي أي نوع من أنواع الخلافات، فمبدأ الإنقسام والإستقلالية عن الآخر ومحاربة الآخر بروح التعصب لم يحدث أيام الرسل ولكنه للأسف ابتدأ يحدث في الكنيسة من سنة ٣٢٥ الي سنة ٤٥١ الذي تثبت الإنقسام وصارت المسيحية فريقين متناحرين من القرن الخامس الي يومنا هذا.


المسيحية والانقسام

  الإنقسام الذي حدث في القرن الخامس يرجع الي أن الإنسان مفكر وباحث بطبعه ، فالإمور الدينية في العالم ما هي إلا منبع للانقسامات ، ليست المشكلة في النصوص الكتابية، ولكن المشكلة هي في عقول البشر عند فهم الأيات، وفي طرق التحليل، وفي هذا يقول ( جورج فليب في كتاب موسوعة الحضارة المسيحية ( ج 1 ) في المقدمة صفحة ٦ ) " مع اتساع رقعة انتشار المسيحية شرقاً وغرباً واعتناقها من قبل شعوب وأمم مختلفة، كان لا بد من حصول تباينات في وجهات النظر والتفسير ، أعقبتها إنقسامات في الكنيسة ، فكانت الكنيسة الغربية الكاثوليكية في روما، والكنيسة الشرقية الأورثوذكسية في القسطنطينية، وبعدهما ظهرت الكنائس البروتستانتية. " فوجهات النظر مع عدم قبولها من الطرف المعارض لها أدي الي الإنقسامات وتصدع الوحدة والترابط الذي كان يجب أن يكون ، سواء من الجانب المسيحي الارثوذكسي أو الجانب المسيحي الكاثوليكي أو حتي الجانب البروتستانتي، فيوجد عدة طوائف اورثوذكسية في العالم تختلف في عقيدتها نوعا ما بعضها عن بعض وكذلك في الطائفة الكاثوليكية، ففي بحث علي الانترنت بعنوان الكنائس الارثوذكسية كان الناتج الاتي :

 

- خمسة عشر طائفة ارثوذكسية مستقلة بعضها عن بعض في العالم ولها بطرك أو اسقف خاص بها :

- بطريركية القسطنطينية المسكونية، ومركزها إسطنبول تركيا - بطريركية الإسكندرية وسائر أفريقيا مركزها في الإسكندرية  مصر -  بطريركية أنطاكية وسائر المشرق مركزها في دمشق سوريا. - بطريركية أورشليم والأراضي المقدسة مركزها في القدس الشرقية في  فلسطين و إسرائيل - بطريركية موسكو وسائر روسيا مركزها في موسكو روسيا - بطريركية بلغراد وسائر صربيا مركزها في بلغراد صربيا - بطريركية بوخارست وسائر رومانيا مركزها في بوخارست رومانيا - بطريركية صوفيا وسائر بلغاريا مركزها في صوفيا بلغاريا - بطريركية تبليسي وسائر جورجيا مركزها في تبليسي جورجيا - الكنيسة القبرصية الأرثوذكسية في  قبرص - الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية في  اليونان - الكنيسة البولونية الأرثوذكسية في  بولندا - الكنيسة الألبانية الأرثوذكسية في  ألبانيا - كنيسة التشيك وسلوفاكيا في  جمهورية التشيك و سلوفاكيا - الكنيسة الأوكرانية الأرثوذوكسية في  أوكرانيا

كل هذه طوائف اورثوذكسية مستقلة لها عقيدتها ونظام قداساتها ويوجد بعض الإختلافات التي بينهم، فما أريد أن أقوله أن الإختلافات واردة بين جميع الفئات ولكن لا يجب أن تصل الإختلافات الي خلافات تؤدي الي انقسامات، ولا يجب أن تؤدي الي الرغبة في زوال الأخر، أو العمل علي تصفيته او نفيه.

حتي عندما ظهرت البروتستناتية في القرن الخامس عشر كانت هناك مذابح صنعهتها الكنيسة الكاثوليكية ضد البروتستانت كان الهدف منها القضاء علي البروتستانت نهائيا، ففي هذا كتب " الاستاذ محمد عبد الرحمن " مقال في اليوم السابع بتاريخ ٢٤ - ٨ - ٢٠١٨م قال فيها " فى 24 أغسطس عام 1572م، وقعت واحدة من أسوأ المذابح فى تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، ذبح خلالها ما بين خمسة الآلاف إلى 30 ألف بروتستانتى فرنسى، على يد السلطات الكاثوليكية والمتعصبين من الكاثوليك حيث كان الهدف منها القضاء على البروتستانت تماماً، هى مذبحة سان بارتيليمى." سواء كان العدد خمسة الالف او ثلاثين الف فالاعداد رهيبة، إن التعصب وإقصاء الأخر أمر في غاية القصوي ويجب التصدي له والعمل علي إستنارة كل متعصب في كل المجتمعات ، فالتصدي لا بالعنف بل بالإستنارة والحوار البناء .

إن الحياة داخل المجتمع ممتلئة متناقضات وإختلافات، وفي التعامل مع الأفراد لا تضمن إتجهاتهم فهي متقلبة ومتغيرة، فقايين من أجل ذاته إمتلأ تجاه أخيه هابيل حقد وبغضة وكراهية لدرجة أنه خطط لقتلة وقتله، فلا عجب إن رأيت إقصاء الأخر ومحاولة فصله وإزاحته من أجل الذات والأنا والتعصب .. وللأسف هذا يحدث داخل المؤسسات الدينية أكثر من غيرها، إن الفرق بين الإختلاف المبني علي المصالح والاختلافات المبنية علي العقيدة والايمانيات يري فيها الإنسان فرقا كبيرا، فالاولي شرا وفي الثانية إخاتلاف بكرامة العقيدة ولكن في النهاية النتيجة واحدة ... إنقسام، فالحل هو المواجهة والنقاش وتبيان الحجة بالحجة والفكر بالفكر، ولكن أرجع وأقول إن المجتمعات الإنسانية وبالاخص الدينية في طبيعتها تجد عدم قبول الآخر عند الإختلاف معه.


- ثمانية من الطوائف الكاثوليك المستقلين في العالم : 

كنيسة الروم الكاثوليك - كنيسة السريان الكاثوليك - الكنيسة المارونية - الكنيسة - الكلدانية الكاثوليكية - الكنيسة الكاثوليكية القبطية - كنيسة الأرمن الكاثوليك - كنيسة اللاتين في القدس.

فجميع هذه الطوائف الكاثوليكة مستقلة بذاتها، ولكنها تحمل نفس الافكار الكاثوليكية مع بعض الاختلافات البسيطة، فبسبب الإنقسام الذي حدث في القرن الخامس تحولت المسيحية في العالم الي عدة طوائف متفرقة في العالم يحملون ثلاث أسماء، الكاثوليكية والأرثوذكسية وفي القرن الخامس عشر صار وجود للبروتستانتية .

ايضا الكنائس البروتستانتية في العالم عبارة عن سبع من الاتجاهات التي تحمل عدد من الكنائس المذاهب المستقلة وهم : 

  - الحركة الخمسينية يوجد بها عدد من  الكنائس الكاريزماتية المستقلة - الكنيسة المعمدانية بها ايضا عدد من الكنائس المستقلة -  الكنيسة الأنجليكانيّة - الكنائس الإصلاحيّة أو الكالفينية وتشمل المشيخية والأبرشانيّة - ميثودية لها ايضا عدد من الكنائس المستقلة - والكنائس اللوثرية - والكنائس الأفريقية المستقلة

كم كبيرة من المذاهب والطوائف حول العالم ، فمصر وحدها بها ١٨ مذهب انجيلي بروتستانتي، وإذا فتحنا للجديد فستجد كثير من من يريد إنشاء مذهب جديد ، فإن كان في التعددية فائدة وإثراء للفكر، ولكن في التعددية أيضا إنقسامات وخلافات ، فالمذاهب الانجيلية بمصر هي 

الانجيلية المشيخية - نهضة القداسة -  الرسولية - النعمة الرسولية - النعمة الأولي - النعمة الثانية - الإخوة البلايموث - الإخوة المرحبين - مجمع الإيمان - المعمدانية المستقلة - المعمدانية الإنجيلية - المثال المسيحي - الكنائس الخمسينية -  كنائس الله - مجمع المسيح - الكرازة بالانجيل - الرسالة الهولاندية .

كل هذا كم هائل من الطوائف والمذاهب المسيحية، فلكل مذهب إيمان وعقيده ونظام وطقس، وجميعهم يتحدون في الإيمان اللاهوتي الخاص بالله ( بأنه اله واحد مثلث الاقانيم ) ويتفقون في الإيمان بالتجسد والفداء والمجيئ الثاني للمسيح، ولكنهم يختلفون في كثير من المواضيع الكتابية، التي لا تؤثر علي الإيمان المسيحي، أما عن قبول الآخر من عدمه فهذا يتوقف علي الإتجاهات المجتمعية والثقافية المختلفة.


الطائفة الإنجيلية وعلاقتها بالمذاهب

الطائفة الإنجيلية كإدارة عبارة عن كيان مؤسسي تم انشاءه لتنظيم العلاقات بين المذاهب المتعددة والدولة وفي هذا كتبت- لُجين مجدي في ٢٠١٩ بجريدة الوفد مقال تحت عنوان ( معلومات عن تاريخ الطائفة الإنجيلية في مصر  ) " قالت " تعود الجذور التاريخية لهذه الطائفة إلى ديسمبر 1850، وإصدار الفرمان الهمايوني الذي يعتير الكنيسة المشيخية الإنجيلية في مصر ويعترف بها بجوار الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة الالكاثوليكية، وانتشرت خلال فترت الإحتلال الإنجليزي وتم إعلانها كطائفة رسمية من قبل الحكومة المصرية آنذاك " وتتكون الطائفة الإنجيلية من أعضائها رؤساء المذاهب الإنجيلية، لتنظم العلاقة بين المجامع ( المذاهب ) والدولة فليست وصية عليهما، بل هي أداة وصل لتنظيم العلاقة ، وهذه العلاقة تتم من خلال اللوائح الداخلية ( دساتير ) للمجلس الإنجيلي وللمذاهب الإنجيلية، فلكل مذهب لائحته التي تنظم علاقته بذاته وبالمجلس الإنجيلي، وللمجلس الإنجيلي لائحته الداخلية التي تنظم علاقته بنفسه وبالمذاهب وبالدولة، ولذلك ليس من حق أي من الأطراف التدخل في شئون الغير إلا من خلال ما تنظمه هذه اللوائح والدساتير .

في إحدي القضايا التي بين الطائفة الإنجيلية وواحدة من المذاهب الإنجيلية ( مجمع النعمة الرسولية ) جاء الحكم بعبارة في غاية الأهمية " الحكم الصادر في الدعوى رقم ١٦٤٨٩ لسنة ٧٤ ق محكمة القضاء الإدارى بالقاهرة بجلسة ٢٤/٢/٢٠٢٠م والذى قضى " بإستمرار اللجنة التنفيذية فى تسيير أعمال المجمع وإستكمال مدتها وإستلامها المستندات والميزانيات والأختام ومباشرة إجراءات فتح باب الترشيح والدعوى لإنعقاد الجمعية العمومية لإنتخاب رئيس للمجمع. " بالاضافة الي عبارة " عدم توغل المجلس الإنجيلي في الشىون الداخلية للمجمع " هذا لأنه لا يحق للمجلس الإنجيلي التوغل ( التدخل ) في شئون المجامع، لأن إدارة المجامع هي من حق اللجان التنفيذية المنتخبة لكل مجمع، فتدخل المجلس الإنجيلي في إدارة شئون المجمع يعيق عمل اللجنة التنفيذية المنتخبة ويقود المجمع للتخبط وعدم الإستقرار، فإنني أحمل المجلس الإنجيلي عدم الإستقرار الذي وصل اليه بعض المجامع بتدخله في شئونها، وجعل نفسه وصيا عليها ونسي أن وجوده أساسا يتكون من هذه المذاهب الإنجيلية التي بداخله.

يمكن للقارئ العزيز الدخول علي الإنترنت وتحميل لائحة النظام الأساسي للمجلس الإنجيلي، أو طلب لائحته من الطاىفة بمصر الجديدة، ليفهم الدور الذي يقوم به المجلس الإنجيلي لإدارة شئونه وتنظيم العلاقات بين المذاهب والدولة بحسب اللوائح الداخلية لهذه المذاهب وليس بحسب أهواء المجلس الإداري للطائفة الانجيلية، إن فهم هذه الحقائق والسير بموجبها يقود الكيان المسيحي الإنجيلي للاستقرار وخدمة ذاته ومجامعه وكنائسه وراحة شعبه، فهل لنا هذا؟.


تعدد المذاهب داخل الطائفة

الطائفة الانجيلة هي الكيان الإنجيلي داخل الدولة الذي يضم داخله عدة مذاهب متنوعة ، فالتعدد المذهبي فرصة ذهبية للثراء الفكري ولا يحق للطائفة ككيان اداري التدخل علي الحقوق الفكرية أو الإدارية للمذاهب بمجامعها،  فالطائفة الإنجيلية كالمكتبة التي في بيتك، ستجد جميع الكتب التي تحمل مباديئ وعقائد وأفكار مختلفة ومتنوعة، قد تكون متعارضة مع بعضها البعض في الشكل والمضمون ولكنهما داخل المكتبة متقاربين مصطفين ومستعدين لكل من يقلب صفحاتهما للتثقف والإستنارة، هكذا يجب أن نكون مع بعضنا البعض .. لبعض من أجل الاستفادة من هذا الاثراء المتنوع، ولكن ..... الإختلافات التي تثار فتصل الي مستوي من الخلافات تجعل من بعضا البعض مجموعات متنافرة، والذي يساعد علي هذا من يسعون لأعتلاء المناصب لاجل الاستفادة الشخصية دون العمل علي خدمة الاخرين وبناء حياتهم الروحية والفكرية، وقد يكون التكبر والذات والأنا معطل أساسي في تشوية جمال التنوع المذهبي.

التنوع الفكري للمذاهب ليس حق مكتسب من الطائفة الإنجيلية ولكنه حق ذاتي الكيان للمجامع، والطائفة لما لها من سلطات مخول لها من وزارة الداخلية، عليها دراسة الاوراق المقدمة للاعتمادات من أصحاب المذاهب المختلفة في ضوء الدستور المتفق عليه ما بين المذهب والطائفة والتصديق علي الاوراق والطلبات المقدمة لتثبيت حق المذهب داخل الدولة، فهي ليست المانحة والمانعة، بل عليها إعتماد أوراق المذاهب طالما لا تخالف الدساتير واللاوائح، فعندما يكون لمذهب حق إعتماد أوراق وتتعنت الطائفة بعدم الإعتماد فهنا تساعد علي عدم إستقرار هذه المذاهب أو المجمع وبالتالي تعيق العمل الإداري له

التنوع المذهبي للكنائس والمجامع الإنجيلية كالسلم الموسيقي لكل زر صوته ونغمته داخل الالة الموسيقية ولكنه مع باقي إخوته يصنع أحسن الأصوات وأفضل النغمات المطربة للأذن ، أما عندما يعمل وحده فسيصدر صوتا منفرا ومزعجا للسامعين، ولكن لا تستطيع الألة الإستغناء عنه، هكذا يجب أن يكون هذا هو  الحال للطائفة الإنجيلية فهي الكيان الشرعي الذي بداخله جميع المذاهب متناغمة معا ويجمعها ليحقق منها افضل خدمة وأفضل عمل روحي لمجد الله، مع مراعاة عدم التدخل الإداري في شئونها الداخلية طالما لا تخالف دستورها كي لا يعيق عملها وخدمتها وصوتها الجميل.  


الخلافات ما بين العقائدية والإدارية

العصر الأول للكنيسة كانت الخلافات ( إن وجدت ) التي بين الرسل والتي بين رجال الله وخدامه من بعدهم خلافات عقائدية وليست علي الكراسي والمناصب وليست علي المال والدولارات ( الورق الأخضر ) فقد إختلف الرسول بولس مع الرسول مرقس في أمر الخدمة ثم أستحسن وجوده معه فيما بعد "  لُوقَا وَحْدَهُ مَعِي. خُذْ مَرْقُسَ وَأَحْضِرْهُ مَعَكَ لأنَّهُ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ. (٢تى ٤ : ١١) ففي اختلافهما لم ينقسما لأنه لم يكن خلافا سخصيا أو وجوديا، فلم يكون الخلاف علي مكانة أو منصب أو مال ، فقد كان الخلاف حول رؤية الخدمة وعدم توافقهما معا ، فإن كان بولس لم يستحسن الرسول مرقس في البداية ولكنه رجع عن هذا وطلب وجوده .

أيضا الكنيسة في العصر ما بعد الرسل في القرن الثاني حتي الخامس كانت الخلافات عقائدية وليست خلافات إدارية، ولذلك في إنقسامهما كان إنقسام علي شرف لأنه كان علي خلاف عقائدي وليس إداري ( في النهاية هو إنقسام ) فمن خرج بفكر يخالف فكر الجماعة سمي الشخص بفكره بأنه مهرطق ( إن ثبت هرطقته ) ولسبب سطوة الكنيسة وسلطانها كانت تفصل هؤلاء وتحدد إقامتهم وتعلن هرطقتهم إن لم يتوبوا ويرجعوا عن فكرهم، ولكن مع إستمرارية البحث والتفكير إستمرت الخلافات العقائدية تسموا وتكثر وترتفع حتي وصلت لزروتها في القرن الخامس حيث انقسمت المسيحية ما بين مؤيدوا ومعارضي المجمع الخلقدوني، فتحولت المسيحية الي قسمين أساسيين في الفكر ما بين ارثوذكس في الشرق وكاثوليك في الغرب، وإستمر هذا الحال حتي القرن الخامس عشر عند ظهور مارتن لوثر واحتجاجه علي الأفكار والتعاليم البابوية وسيطرتها علي مقدرات الشعب عن طريق صكوك الغفران في زمن سمي بالعصور المظلمة ، فلم يكون خلاف مارتن لوثر مع الكنيسة الكاثوليكية خلافا إداريا بل كان خلافا عقائديا، فما كانت تمارسه الكنيسة من استغلال لجهل الشعب بكلمة الله، وممارسة طرق وأساليب لجمع المال أشهرها " صكوك الغفران " أعلن مارتن لوثر إيمانه بحقائق كتابية تعارضت مع الفكر البابوي، ولذلك لم تقبله الطائفتين الكاثوليكية والأرثوذكسية، وهددت بقتله وقتل كل من يتبعه وبالفعل قتلت ما يقرب من ٣٠ الف بروتستانتي في مذبحة " مذبحة سان بارتيليمى فى 24 أغسطس عام 1572م " ( مقال في اليوم السابع بتاريخ ٢٤ - ٨ - ٢٠١٨م - الاستاذ محمد عبد الرحمن ) كان هذا ثمن إعلان إيمان يخالف إيمان الكنيسة الطقسية في ذلك الوقت، أرجع وأقول أنه كان خلافا علي شرف بغض النظر عن النتيجة واسلوب ادارة الازمة.

إن مشاكل المجامع لم تكون في الفكر العقيدي فقط ، بل كانت في الطريقة التي تدار فيها المناقشات ففي هذا قال ( الدكتور رؤوف شلبي - في كتابه : أضواء علي المسيحية ص ١٠٦ ) كتب قائلا : ((( الجو الذي ساد اجتماعات المجمع " المجمع الخلقدوني " كان عنيف الخصومة غير مهذب البروتوكول، الى درجة أن رجال الحكومة وجهوا إنذاراً إلى الأساقفة : « انه لا يجدر بالأساقفة وأئمة الدين أن يأتوا مثل هذه الأعمال الشائنة من صياح، وصراخ، وسب، وقذف، وضرب، بل يجب أن يكونوا قدوة للشعب في الهدوء وتسيير الأمور على محور الحكمة والسداد، ولذلك نرجوكم أن تستعملوا البرهان بدل المهاترة، والدليل عوضاً عن القول الهراء، وأميلوا آذانكم الى سماع ما سيتلى عليكم » ))) فللاسف هذا الوضع ساعد علي الإنقسام وعدم تفاهم كل طرف للآخر ففي النهاية إنقسمت المسيحية، هذا بالإضافة الي تمسك كل طرف برأيه فبطريرك الكنيسة الشرقية رفض قرار المجمع الخلقدوني لأن في هذا المجمع تم حرمانه وطرده، ولذلك تمسكت به كنيسته بالاسكندرية وقاموا برفض المجمع الخلقدوني وقاموا هم أيضا وحرموا الكنيسة الكاثوليكية ورفض كل من ياتي أو ما ياتي من روما في ذلك الوقت... والي هذا اليوم هذا الحرمان قائم وفعال، فالخلاف لم يكون عقائديا فقط بل كان إداريا ايضا بادئا من إدارة المجمع الي الإنفصال الإداري عن الغرب.  

___________________________________

٢ 

الكنيسة وطرق الخلاف

 

نشات المسيحية من سنة ٢٧م وتعرضت للاضطهاد من قبل الإمبراطورية الرومانية، ولكنها أصبحت في عام ٣٨٠ الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية وعملت بشكل واضح في السياسة وما زالت  الي يومنا هذا، وما زالت المسيحية علي مستوي العالم تصنع تأثيرا البعض منها إيجابي والآخر سلبي بحسب مستوي عمق تدخلاتها في العالم السياسي والإجتماعي، فكلما اقتربت سياسيا كلما إنحرفت روحيا ، وكلما اقتربت كتابيا كلما سمت أخلاقيا وخدمت المجتمع بافراده، 

إن إقتراب الكنيسة من العمل السياسي والتقرب من الانظمة الحاكمة سواء في الشرق أو الغرب جعل للكنيسة سلطانا علي كل من يخالفها أو حتي يفكر في مخالفتها ، فالتحرك تجاه المخالفين لا يجب أن يستخدم فيها الجانب السياسي أو جانب النظام الحاكم باي صور من الصور أو بأي شكل من الأشكال ، فالأراء والأفكار يجب أن يرد عليها بحسب كلمة الله دون مجادلات أو مباحثات تقود الي الإنقسام، ففي هذا يتكلم الرسول بولس بوحي وإلهام من الروح القدس أن نبتعد عن المباحثات الغبية " وَأَمَّا الْمُبَاحَثَاتُ الْغَبِيَّةُ، وَالأنْسَابُ، وَالْخُصُومَاتُ، وَالْمُنَازَعَاتُ النَّامُوسِيةُ فَاجْتَنِبْهَا، لأنَّهَا غَيْرُ نَافِعَةٍ، وَبَاطِلَةٌ. (تى ٣ : ٩) فمع بعض من الوقت في التأمل عن ماهي المباحثات الغبية، ستصل معي الي أن المقصود به هو المعارك الكلامية فهي مرفوضة، ففي المعارك ستري كل طرف متمسك بفكره ومكانته ووضعه، لأنه لن يتنازل مطلقا عن تصرفاته، إن معظم بل جميع المجامع المسكونية كانت لا تخلوا من النزاعات والمباحثات، لذلك كانوا لا يصلوا لحل غير الفصل أو الطرد، مستخدمين المستوي السياسي التي وصلت اليها الكنيسة في روما في ذلك الوقت. 

فعلي سبييل المثال في سنة ( ٧٦٢ – ٨٤٣ ) في قضية تحطيم الأيقونات عاشت الكنيسة البيزنطية تحت الخط الساخن في العنف والإضطهادات والسبب إنتشار فكرة عدم إكرام الأيقونات لأنها تدخل تحت الوثنية،  وكان هذا الإكرام قد بدأ في القرن الخامس وانتشر  في القرن السادس وأصبح في القرن السابع يسبب مشكلة يتعارض فيها البعض مع البعض الاخر، لان عامة الناس لم يميزوا بين الايقونات وشخص المسيح، فكانوا يسجدون ليس إكراما بل تعبدا وهذا ما رفضه البعض ودخلت الكنيسة البيزنطية في مشاكل بين أطرافها لدرج أنه قام بعض رجال الكنيسة وقالوا : إن إكرام الأيقونات هو مثل عبادة الأصنام وزاد على ذلك الإمبراطور قسطنطينوس الخامس أسبابا لاهوتية حيث قال إن أيقونات يسوع المسيح هي هرطوقية لأنها لا تقدم طبيعتي المسيح بصورة واضحة، ووصل الحال لدرجة في سنة ٧٣٠ أعلن مرسوما بمنع إكرام الأيقونات وبتحطيم كل الأيقونات الموجودة ورفض بطريرك القسطنطينية هذا المرسوم فأجبر على الاستقالة.

  إن موضوع الإيمان بالأيقونات أخذ شكلين، الأول عقائدي لانه داخل الكنيسة يمارس من أجله اكرامات وتبجيلات، والثانية إداري لان فيه أجبر بطريرك علي الإستقالة، وكان رد الفريق المقتنع بالأيقونات أنها ليست كعبادة الأصنام، فهي مثل إكرام صورة الإمبراطور وأنها كتب الأميين، فإن كانت هكذا فلماذا يتم التبارك بها؟ وعند تدشينها تقام قداسات وصلوات خاصة ؟.

الكنيسة في وضعها الكتابي شيئ، والكنيسة في واقعها المعاصر شيئ أخر، فالكنيسة في واقعها الروحي هي جسد المسيح، أما في وضعها المعاصر كمجموعات أو كيانات تستخدم في إمور عظيمة تمجد الله من خلال أفرادها ، أما عندما نتحدث عن كونها كيان مؤسسي له إدارة ولوائح وقوانين وأفراد، يتبوأ داخلها مناصب كنسية، يحدث فيها كما يحدث في معظم مؤسسات المجتمع المدني وأيضا مؤسسات المجتمع السياسي من صراعات وتصويتات وانتخابات حول المناصب الإدارية، هذا حق لكل اعضاء هذه المؤسسات بما فيهم المؤسسة الكنسية ، ولكن يجب أن يكون بشرف وبحسب اللوائح الدستورية لهذه المؤسسات، ولكن للأسف قد تري نفوس تتصرف بطرق ملتوية مستغلة المكانة والسلطة و..... لبعض المكاسب الإدارية، يضاف الي المؤسسة الكنسية الجانب الإيماني الخاص بالعقاىد ، فبسبب الدراسات والبحث في كلمة الله تخرج للوجود أفكار ومصطلحات تضاف للقاموس الديني، وتناقش داخل مجامع مسكونية للاسف يحدث بسببها خلافات وانشقاقات .

 إذا نظرنا الي بعض العقاىد الإيمانية التي تتبناها الكنائس كانت في البداية افكارا سببت خلافات ومشاكل، ففي موضوع الإستحالة في الإفخارستيا علي سبيل المثال نري انه بدأ في القرن الثاني عشر ـ في مجمع روما ١٢١٥ م وأهم ما جاء في قراراته :

 ١ – الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء .

 ٢ – إقرار من أن الخبز والخمر في العشاء الرباني يتحول الى جسد ودم السيد المسيح وجعله مبدأ دينيا. ( الدكتور رؤوف شلبي - في كتابه : أضواء علي المسيحية ص ١١٥ )   

وفي موقع الانبا تكلا ( بحث في مجمع ١٢١٥ ) أضاف بند يخص الكنيسة الأرثوذكسية  "  حكم المجمع على عقائد الأرثوذكس التي لا توافق عقائد روما بالضلال والذين يؤمنون بها هراطقة. " فإن كان امر الإستحالة تؤمن به الكنيستين ، ولكن تم رفض الحكم الصادر ضد الارثوذكس من الارثوذكس. فبعض هذه العقائد قبل بعضها ورفض بعضها.

بسبب اقرار الغفران والإستحالة حولت الكنيسة لكنيسة متحكمة في شعبها، فإمتلاك الغفران ووهبه لمن تشاء أمرا خطيرا ويجب علي كل مفكر النظر فيه، لأن الوحيد الذي يملك غفران الخطايا هو الرب وحده، أما موضوع الإستحالة من عدمه فقد منح الكنيسة الحل والربط، المنح والمنع، وهذا من أخطر الامور التي يجب التفكير فيه جيدا والرجوع للحقاىق الكتابية من آيات وشواهد وفهمها بحسب موقعها الكتابي وعدم اقتطاعها من سياقها.


مكانة الأسقف في الكنائس التقليدية 

الكنيسة الارثوذكسية لا تخلوا من مثل هذه الأفكار والتعاليم بل يوجد ما هو أخطر من هذا، ففي الدسقولية - القراءات اليومية فيها يعلق القمص / صليب سوريال ( كتاب دراسات في القوانين الكنسية - تحت عنوان الأسقف - في المحتوي ص ٣ ، ٤   ) قائلا : "  يحتل الأسقف المكان الأول في الدسقولية ، اذ تكاد تكون غالبية الكلام مركزة " ..تمام ... فمن حق الكاتب تجميع ما يخص طائفته من الجانب الأهم فيها وهو الأسقف، ولكن الأخطر من هذا عندما يتكلم عن  " منزلته ورئاسته واحترامه " تقول الدسقولية للشعب في الباب السابع " يجب عليكم أن تحبوا الأسقف كأب، وتخافوه كملك، وتكرموه كسيد " كل هذا يضع الاسقف في مكانة أعلي من كل الشعب وهذا عكس ما أعلن الله به في كلمته عندما قال " وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلا تُدْعَوْا سَيِّدِي، لأنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ، وَأَنْتُمْ جَمِيعًا إِخْوَةٌ. وَلا تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأرْضِ، لأنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَلا تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ، لأنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ. وَأَكْبَرُكُمْ يَكُونُ خَادِمًا لَكُمْ. فَمَنْ يَرْفَعْ نَفْسَهُ يَتَّضِعْ، وَمَنْ يَضَعْ نَفْسَهُ يَرْتَفِعْ. (مت٢٣ :  ٨-١٢) فلا يحق لاي طائفة مهما كانت تضع القساوسة أو الأساقفة أو الخدام في القاب تخالف الحق الذي يقول " وَأَنْتُمْ جَمِيعًا إِخْوَةٌ " هل هذا ما تعلمه الأرثوذكسية أو الكاثوليكية؟!

 الأخطر من كل هذا في الجمل الآتية عن الأسقف في الباب السادس إذا يقول " هذا واسطة الله معكم لخدمته. هذا هو أبوكم بعد الله ... هذا هو رئيسكم ومقدمكم . هذا هو ملككم وشجاعكم . هذا هو حاكم على الأرض من قبل الله الحقاني. وهو يستحق منكم أن تعطوه الكرامة ... ليبدأ الأسقف أن يجلس قدامكم، کی يستحق كرامه ودرجة الهية، ليرعى الشعب ويرأس كل الشعب. " من هذا الذي يستحق ان ينال درجة الهية ؟ لا يوجد من يستحق هذه المكانة الا المسيح وحده.

هذه التعاليم لم يأتي بها المسيح ولم يؤسسوها الرسل ولكنها زرعت وتطورت عبر التاريخ وصدقها الكاهن وأمن بها الشعب لذلك في الباب الثالث توجه الكلام للأسقف هكذا " اعرف منزلتك ورتبتك ، فانك الراعي الصالح بين الناس. فاذا ترأست على جميع الناس – والملوك والرؤساء والكهنة والآباء والاولاد والمعلمين وكل من في طاعتك – فإجلس في الكنيسة وبشر بالكلمة ، إذ لك السلطان أن تدين الخطاة. - احكم يا أسقف بسلطان كمثل الله " حقيقي يعجز اللسان عن التعليق لان عقلي لا يستطيع أن يستوعب هذا ولا الإيمان به، وتقول له أيضاً في نفس الباب " لا يجوز لك يا أسقف – وأنت رأس – أن تلتفت الى ذنب الذي هو علماني .... يجب أن تكون رئيساً للسامعين لك، ولا تجعلهم يترأسون عليك من ذواتهم. فلا يترأس الولد على أبيه .. ولا المملوك على مولاه .. ولا التلميذ على معلمه، ولا الجندي على الملك، ولا العلماني على الأسقف ... " فهل الأساقفة هم الأحرار والشعب هم العبيد والمملوكين لساداتهم الاساقفة؟ إن تعاليم المسيح " وَأَنْتُمْ جَمِيعًا إِخْوَةٌ " ثم تضيف الدسقولية في الباب الخامس  للأساقفة " أنتم آباء الشعب العلماني الذي تحت أيديكم ، ورؤساء عليهم وملوك ومدبرون . أنتم وسائط الله وأمناؤه ... " فما رأي القارئ العزيز ..... لا تعليق.


الكنيسة وإحتياجاتها

عندما بدأت الكنيسة منذ التاريخ لم تكن تسعي لجمع المال، فلم نري رسولا من رسل المسيح أخذ دفترا لجمع المال ليتجول بين الشعب ليجمع مالا ، ولم يقف واحد منهم علي منبر ليحس الجموع لجمع الأموال، ولكن كان الشعب من تلقاء نفسه يبيع ممتلكاته ويضعون بأثمانها عند أقدام الرسل وكان الرسل يوزعونه علي من له إحتياج " وَجَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا. وَالأمْلاكُ وَالْمُقْتَنَيَاتُ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ احْتِيَاجٌ. (أع٢ :  ٤٤-٤٥) لم نري رسولا فعل كهيوذا الذي مات منتحرا، ولم نري رسولا فعل كما يفعل بعض من المسئولين اليوم، هذا يرجع الي مستوي الإيمان والروحانية الذي كان فيها الرسل وباقي الجموع " وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا. (أع ٤ : ٣٢) هل تعود هذه الأيام لتعاش في زمننا الحاضر ؟ للأسف ... صعب.. ولكن.. يمكن أن تعيشها كل مؤسسة كنسية ( مذهب بجملته .. أو .. كنيسة محلية ) بالإتفاق بعضها مع بعض إن تخلوا عن محبة الذات، والأنا، ومحبة المال، وتوقفوا عن السعي وراء المناصب، بالإضافة الي عدم البحث عن إرساليات للتدعيم المادي الذي بالأغلب لا تستفيد منه المذاهب لأن الرصيد المالي الذي لها يوضع في كيس منقوب يستفيد منه فقط بعض الأشخاص ... للاسف .. للاسف .. للاسف.

هذا هو الواقع الذي يجب مواجهته ومحاربته الذي سينال من يحاربهم تشويها وإضطهادا من أصحاب النفوذ الدينيين كمسئولين مستفيدين من هذا الفساد الذي تفحل ورائحته صارت كريهة لأن " لأنَّ الأمُورَ الْحَادِثَةَ مِنْهُمْ سِرًّا، ذِكْرُهَا أَيْضًا قَبِيحٌ. (أف ٥ : ١٢) وللاسف يوجد حول هؤلاء الفاسدين مطبلاتية يطبلون ويصفقون لهم لينالوا هم أيضا من الحب جانب، قد يقرأ هذا البحث مسئولا فاسدا فيضع يده علي رأسه محاولا تغطية ( البطحة ) فيبحث عن ( كبش فدا ) يشوه صورته بالكذب ويشير بأصبعه نحوه فيراه الجميع ويغضون النظر عن الفاسد الحقيقي.

في كلامي هذا إشارة الي نفوس في كل جيل وفي كل مجتمع، ولكل من يقرأ فليراجع نفسه سائلا : هل أنا في الحق اسير وبالامانة أعيش، أم أسلك بفساد قلب مرتديا عباءة التقوي والورع ؟ إنه سؤال مهم، هل كوني مسئولا في موقعي أعطي لكل ذي حق حقه، أم أنتهز الفرص لأعلوا وأرتفع ضاربا بعرض الحائط كل فعل حق وكل فعل صواب ..... يالهي .. أصلي ليمنح الرب تعقلا وندما لكل مسئولا وُضِع في مسئولية ولم يكون أمينا ؟ ليندم .. ليرد المسلوب .. لينصف به المظلوم الذي ظلمه.  

تكلم الرب لمُوسَى عن من خان الأمانة أن يتوب ويقدم ذبيحة ولكن هذا لا يكفي بل يرد المسلوب  " إِذَا أَخْطَأَ أَحَدٌ وَخَانَ خِيَانَةً بِالرَّبِّ، وَجَحَدَ صَاحِبَهُ وَدِيعَةً أَوْ أَمَانَةً أَوْ مَسْلُوبًا، أَوِ اغْتَصَبَ مِنْ صَاحِبِهِ، ...، فَإِذَا أَخْطَأَ وَأَذْنَبَ، يَرُدُّ الْمَسْلُوبَ الَّذِي سَلَبَهُ، أَوِ الْمُغْتَصَبَ الَّذِي اغْتَصَبَهُ، أَوِ الْوَدِيعَةَ الَّتِي أُودِعَتْ عِنْدَهُ، أَوِ اللُّقَطَةَ الَّتِي وَجَدَهَا، أَوْ كُلَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ كَاذِبًا. يُعَوِّضُهُ بِرَأْسِهِ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ خُمْسَهُ. إِلَى الَّذِي هُوَ لَهُ يَدْفَعُهُ يَوْمَ ذَبِيحَةِ إِثْمِهِ. وَيَأْتِي إِلَى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ لإثْمِهِ: كَبْشًا صَحِيحًا مِنَ الْغَنَمِ بِتَقْوِيمِكَ، ذَبِيحَةَ إِثْمٍ إِلَى الْكَاهِنِ. فَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ أَمَامَ الرَّبِّ، فَيُصْفَحُ عَنْهُ فِي الشَّيْءِ مِنْ كُلِّ مَا فَعَلَهُ مُذْنِبًا بِهِ". (لا٦ :  ١-٧) نعم .. اليوم لا نحتاج لذبيحة .. لكن نحتاج لتوبة ولرد المسلوب والأمانة التي بحوزة مثل هؤلاء .... كفايانا خطية وذنوب، فلنرجع ونتوب، لتاتي أوقات الفرج من لدن الرب، لان ضعف الكنيسة وإنقسامها من ضمن أسبابه الظلم ومحبة النفس علي حساب الغير.

___________________________

٣ 

 الكنيسة وقوانين الأباء


الكنيسة الكتابية تختلف عن الكنيسة كمؤسسات وانظمة داخلية، فالمؤسسات تمتليئ بالدساتير واللوائح المنظمة لها وقد يحدث في داخلها خلافات إدارية، وعندما يجتمعون كمؤسسة بمستوياتهما كقساوسة وخدام وأعضاء عاملين فيها، ليناقشوا امرا عقائديا، هنا تكون الخطورة - فبحسب ثٍقّل المجتمعين تدار المناقشات فيتم إقرار قرارات قد لا يوافق عليها البعض فتُحدث إنقسامات وإنشقاقات كما حدث في معظم المجامع المسكونية في القرون الأولي للكنيسة اشهرها المجمع الخلقدوني - فالكنيسة في منظورها الكتابي إن فُهمت وتم معايشتها داخل الكنيسة كمؤسسات فستكون هذه المؤسسات سبب بركة لشعب الرب، فقد يعتلي راس أي من هذه المؤسسات شخصا غير سوي وغير مؤهل، فيقود المؤسسة للفشل أو للإنقسام، وقد يقودها شخصا ناضجا مؤمنا بحق وغير هداف بالربح القبيح فيصنع من الكنيسة كمؤسسة كيانا قويا، إن التوافق بين الكنيسة الكتابية والكنيسة المؤسسية أمر في غاية الصعوبة... لأنك لا تضمن مستوي رؤسائها وقاداتها.

منذ قرون المؤسسات الكنسية أصدرت عدة قوانين ومبادئ تم فرضها علي من بداخلها، سواء كانت قوانين متفق عليها من الجميع او متخالف عليها، ففي النهاية صارت المؤسسات الكنسية تحمل قوانين يحتاج للنظر فيها وفرزها، أتكلم في ضوء جميع المذاهب والطوائف، فعلي سبيل المثال لا الحصر " يوجد قوانين تنسب للرسل كتبت في القرن الاول سنة ١٠٠م والباقين في ٣٠٠م، فالدسقولية السوريانية سنة ٢٥٠ والتقليد الرسولي سنة ٢١٥م والترتيب الكنسي الرسولي سنة ٣٠٠م وكتب المراسيم الرسولية سنة ٣٨٠م وكتاب عهد الرب كتب سنة ٤٥٠م " ( كتاب قوانين الرسل في تقليد الكنيسة ص ١٠ - الراهب القس اثناسيوس المكاري ) كل هذه تحتاج للدراسة والتمحيص، ففي قبولها أو في رفض بعضها حرية الإعتقاد لانها كتابات آباء وليس وحيا يُجرم من يرفضها أو ينقضها.

ففي قانون الرسل ( ينسب اليهم ) نري القانون الاول ورقمه { قانون ١ : ١ } قالوا الرسل في اجتماعهم معا " يوحنا ومتى وبطرس وفيلبس وسمعان ويعقوب ونثنائيل وتوما وأندراوس وبرثلماوس ويهوذا ويعقوب بأمر ربنا يسوع المسيح مخلصنا : لما اجتمعنا بعضنا بعض ، أمرنا وقال : " إنكم لم تقسموا البقاع عليكم ، لكي يأخذ كل واحد منكم موضعه كعددکم " وفي الاصل اليوناني للكتاب هكذا " تقاسموا المواضع بحسب كل واحد ، واحسبوا بالتفصيل عدد الأماكن " ( كتاب قوانين الرسل في تقليد الكنيسة ص ٦٨ - الراهب القس اثناسيوس المكاري ) كيف يكون هذا قول للمسيح بفم الرسل بحسب الكتاب المذكور ، المسيح في تصريحاته قال "  أَجَابَ يَسُوعُ: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لا أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا". (يو ١٨ : ٣٦) فلم ياتي المسيح ليقسم أماكن ومواضع بحسب عدد الرسل ولا حتي من من بعدهم، فلذلك ليس كل ما كتب في التقليد جيد وصحيح، ويحتاج للتمحيص، اكتب هذا لأضعه أمام القارئ ليفتش ويبحث ويري ما الذي يؤمن به وما الذي عليه رفضه من الأساس. 


الدرجة الالهية والجلوس في الوسط

أسجل إعتراضي علي عبارات في الدسقولية وقوانين الكنيسة وضعت منذ القرن الثالث وتبنتها الكنيسة التقليدية لهذا اليوم، تبنتها كحق روحي ومقام عالي لكل من دخل نطاق الخدمة الكهنوتية وبالأخص من نال خدمة الاسقفية، فقد وضع في مكانة ليست من حقه، وكونه يقبل هذا فقد وضع نفسه ملاما أمام الحق الكتابي وأمام الله " عرضت الدسقولية ... في الباب العاشر أن " البيت الذي هو الكنيسة فليكن مستقبلا للشرق في طوله ، ولتكن أروقته من جانبيه الى النواحي الشرقية . وليكن كرسى الأسقف منصوبا في الوسط ، والقسوس جلوسا حواليه من جانبيه "  ( دراسات في القوانين الكنسية الجزء الثاني - القمص صليب سوريال ص ٢٣ - أ. الكنيسه وترتيبها ) هذه القوانين تهدف جعل للأساقفة مكانة تختلف عن باقي القساوسة وعن باقي الشعب ، ففي ( كتاب دراسات في القوانين الكنسية - تحت عنوان الأسقف - في المحتوي ص ٣ ، ٤   )  جعلته في " درجة الهية " وهنا جعلته في الوسط.

  يوجد فرق بين طبيعة المتحدث في وقوفه أو جلوسه في الوسط ليسمعه الكل وبين هذا الوضع الذي يوضع في قانون ويختص به شخص كرتبة كهنوتية دون غيره، وعندما يصدر بقانون كنسي كوصية من الرسل أو الأباء، فهذا ياخذ ثقل روحي واجب التنفيذ، ويضع الأسقف في الوسط لتكون جميع الأنظار موجهه اليه، فهو في درجة الهية.

أحبائبى .. إن نقدي هذا ليس محاربة فكر طائفي لأن هذه القوانين وضعت في القرن الثالث أي قبل أن تكون لإسم الأرثوذكسية أو الكاثوليكية وجود، فقد كانت المسيحية كيانا واحدا في كل العالم مقسمة لعدة ابرشيات ولكل أبرشية بطريرك ، ولكن عندما إنقسمت أخذت هذه القوانين لكلا الطائفتين الأرثوذكسية والكاثوليكية ، ولكن كان يجب فحص هذه الكلمات وهذا الوضع.

إن الذي يجب أن ينال مكانة الوسط ويكون محور الجلسة هو المسيح وليس الأسقف ، فلا يوجد من هو في درجة الأله او من له درجة الهية أو من يتبوأ مقاما إلهيا ، إن هذا الفكر خارج الحق الكتابي ، إن كان القس أو الاسقف يجلس في الوسط ليعلم بكلمة الرب فأهلا به، ولكن أن يجلس في الوسط لأنه في منزلة روحية أعلى ومقام فوق الجميع ، فأقول كلا والف كلا .. فأرفع صوتي قائلا  " .. لِمَاذَا تَفْعَلُونَ مَا لا يَحِلُّ .. (لو ٦ : ٢) إن كان الفريسيين استخدموا هذه الاية لأنهم رأوا التلاميذ يفرقون سنابل في يوم السبت فصرخوا متسائلين، ولذلك اسأل نفس السؤال ولكن ليس كالفريسيين بل انه سؤال يحتاج للرد .. وإن لم يجد القارئ ردا فليخلع نفسه من دائرة هذا الإيمان المعاكس للحق الكتابي.


مصادر الطقوس ونسبتها للرسل

الكنيسة عبر العصور مرت بمراحل تطور مثلها مثل أي كيان إجتماعي أو سياسي أو ديني ، فلا يوجد في الكون كله كيانا وُجد في تطور وكمال، فالكنيسة عبر العصور ازداد عددها، وكتب الرسل رسائلهم وأناجيلهم بوحي من الروح القدس، الي أن وصلنا الي إكتمال الوحي بما بين ايدينا اليوم، ولذلك فباقي الأقوال والطقوس والتقليد ليس وحيا منزلا، وليس فرضا أو قانونا يفرض علي شعب الرب، حتي آباء الكنيسة الأرثوذكسية يقرون هذا، بأن الطقوس لم يضعها الرسل بل هي منسوبة للرسل, ففي كتاب ( قوانين الرسل في تقليد الكنيسة القبطية - للراهب القس اثناسيوس المقاري ص ٧ ) قال هذه العبارة عن كتباته في موضوع قوانين الرسل أنها منسوبة لهم فقال: " مصادر طقوس الكنيسة المنسوبة للرسل " ولذلك فلا يوجد دليل قاطع أنها أقولهم ولا سيما ما يتعارض مع أقوال الكتاب أو مع روح كلمة الله، فكلمة الله أعلنت أن صاحب الإمتياز والغبطة والإجلال هو الرب وليس غيره ، وأن باقي الألقاب والرتب الكنسية انظمة بشرية تعيق عمل الله كثيرا، لأنها تأخذ مكانته ومجده سواء كان بإسلوب مباشر أو حتي مستتر تحت عباءة الإيمان والقدسية الغير كتابية.

يقول الراهب اثناسيوس في كتابة " لقد ظلت قوانين الرسل في تقليد الكنيسة القبطية، وطيلة سبعة قرون كاملة، حبيسة بنية لغوية ركيكة ، وصياغة قديمة ضعيفة ، تعود إلى القرون الوسطى ، كانت سبباً في انفضاض الكثيرين عنها ، فيما اكتفى آخرون بكتابة دراسات حولها، دون محاولة واحدة طوال هذه القرون، لإعادة صياغتها بأسلوب لغوي يستسيغه قارئ اليوم. فاللغة كيان حي، وذوق اللغة. ذوق تاريخي، ولكل عصر أسلوبه اللغوي. " فمع كامل إحترامي للراهب المبجل، أن ما كتبه هذا يثبت أن ما هو منسوب للرسل ليس لهم بل عنهم، وكتب عن طريق آخرين ونسب للرسل، فالرسل برغم أن بعضهم جليليين ولكن عندما تنظر لرسائلهم وأناجيلهم تري فيها لمسات الروح القدس وتري فيها البلاغة والمبادئ والفكر القويم ، لا أدعوا لرفض كل التقاليد، ولكني أرفض كل تقليد يعارض فكر كلمة الله ولا يتماشي مع روح الحق الكتابي، سواء كتب عن الرسل أو كتبه آخرون عن انفسهم، المهم لا يتعارض مع كلمة الله.

من ضمن القوانين التي تحتاح لتعديل القانون الذي قال فيه " اطلب وجهه كل يوم، هو وبقية القديسين، لتستريح بكلامهم. فالذي يلتصق بالقديسين، يكون قديساً. " ( قوانين الرسل في تقليد الكنيسة القبطية - للراهب القس اثناسيوس المقاري ص ٧٢  القانون رقم ١ : ١٠ البند رقم ٢  )   فطلب وجه الرب أمر حتمي وتمام، لكن طلب وجه القديسين  كما يطلب وجه الرب فهذا ما لا أقبله، فلا يجب مساواة الرب بغيره في الصلاة وكاب العون الروحي، بالإضافة أن الإلتصاق بالرب يمنح القداسة ويجعل الإنسان قديسا، وليس من يلتصق بالقديسين يكون قديسا، لان القداسة تمنح ولا تكتسب مثلها مثل البركات، فالبركات تمنح ولا تكتسب. 


عظمة القساوسة

هل للقساوسة عظمة ؟ وإن كان للقساوسة عظمة فكيف تكون عظمة الأسقف ؟ اليست العظمة هي لله وحده، فلا يوجد انسانا معظم مهما وصلت مكانته ، وإن كان للكاهن عظمة بعظمة الكهنوت فهل الكهنوت هو لفئة من البشر دون غيرهم ؟  

جاء في كتاب قوانين الرسل في موضوع رسامة الشمامسة أن الأسقف وحده هو الذي يضع يده عليه ويلمسة بدون القسوس لانه لا يقام للكهنوت، أما في رسامة القسوس يضع الأسقف مع جميع القسوس يده عليه ويلمسوه لأنه يقام للكهنوت .. فقال " .. وهو ( الشماس ) لا يقام لينال روح العظمة الذي يشترك فيه القسوس، لذلك فالاسقف وحده هو الذي يضع يده عليه. " ( قوانين الرسل في تقليد الكنيسة القبطية - للراهب القس اثناسيوس المقاري ص ٨١  القانون رقم ١ : ٢٣ البند رقم ٤ ) سواء كان روح العظمة يقصد بها الكهنوت او يقصد بها حامل الكهنوت فالاثنين ليس لهم دليل او سند كتابي ، أين روح العظمة في الكتاب المقدس ؟ .

عند البحث في كلمة الله رأيت أن الكاهن في العهد القديم كان يلقب بالعظيم. (عد ٣٥ : ٢٥) ، (عد ٣٥ : ٢٨) ، (لا ٢١ : ١٠) ، (يش ٢٠ : ٦) ، (٢مل ١٢ : ١٠) ، (٢مل ٢٢ : ٤) ، (٢مل ٢٢ : ٨) ، (٢مل ٢٣ : ٤) ، (٢أخ ٣٤ : ٩) ، (نح ٣ : ١) ، (نح ٣ : ٢٠) ، (نح ١٣ : ٢٨) ، (حج ١ : ١٤) ، (حج ٢ : ٢) ، (حج ٢ : ٤) ، (زك ٣ : ١) ، (زك ٣ : ٨) ، (زك ٦ : ١١) بعد هذا الكم من الشواهد يقول قائل .. إذا روح العظمة أمر مرتبط بالكهنوت ويلقب به كل كاهن.

اقول نعم ... ففي العهد القديم كان هذا الوضع قائم، الي ان اتي المسيح ووضع قانون الصغير الخادم هو العظيم ( خادم لإخوته ) " فَلا يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا، كَمَا أَنَّ ابْنَ الإنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ". (مت٢٠ :  ٢٦-٢٨) فهل رجال الكهنوت اليوم يحسبون انفسهم خدام وعبيد أم يسعون وراء الالقاب مثل " الحبر الجليل - صاحب الغبطة - ال....  المعظم - نيافة ال.... - سيدنا " حتي عند الانحيليين فكلمات " جناب القس - حضرة - حضرتك - جنابك - سعادتك هذه غير مصطلح الدكتور القس - بالاضافة السعي نحو لقب الاسقف " وتناسينا أن إبن الله يقول عنه الوحي "  لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. (فى ٢ : ٧) فهو ملك الملوك ورب الارباب جاء كالعبد يخدم الجميع.

يقول المسيح بفمه عن نفسه "  كَمَا أَنَّ ابْنَ الإنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ". (مت ٢٠ : ٢٨) فروح العظمة التي كانت عند الكهنة في العهد القديم ابطلها المسيح بتجسده ولذلك لا نحتاج اليوم لعودتها، ففي عودتها صنعت البشر قسمين، قسم بروح العظمة وقسم خاضع لمن لهم روح العظمة، قسم لهم الكهنوت ويسيرون بمقام أعلي ممن ليسوا في دائرة الكهنوت.

إن أمر الكهنوت اللاوي ومن علي مثاله أنهاه الرب ووضع كهنوت آخر إسمه كهنوت ملكي صادق الذي فيه كل المؤمنين إخوة " وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلا تُدْعَوْا سَيِّدِي، لأنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ، وَأَنْتُمْ جَمِيعًا إِخْوَةٌ. (مت ٢٣ : ٨) اين هذه الروح اليوم " جميعا اخوة "؟ فكل المؤمنين كهنة بحسب عمل المسيح الكفاري جعل كل من يؤمن به كاهنا أمام الله دون أن يحمل اللقب الذي يفصله ويميزه عن اخوته المؤمنين، ليس هذا فقط بل جعلهم ايضا هيكل لله ولا نحتاح للهيكل الارضي بمنظومته التي علي شبه النظام اليهودي " أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ الله، وَرُوحُ الله يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ (١كو ٣ : ١٦) ، (٢كو ٦ : ١٦) ، (أف ٢ : ٢١) فنحن كهنة - وهيكل - ونقدم ذبائح روحية " كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ كحَجِاَرةَ حيَةَّ بيتَاْ روحُياِ،ًّ كهنَوَتُا مقدُسَاَّ،ً لتقِدَيْمِ ذِباَئَح رَوحُيةِ مٍقبَوْلُة عٍندِ اَلله بِيسِوَعُ اَلمسْيَحِ. (١بط ٢ : ٥) ، (١بط ٢ : ٩) ، (رؤ ١ : ٦) فمن يسير علي خلاف كل هذا فقد خالف الحق وصنع لنفسه عبادة بعيدة الرب وكلمته .

العظمة عندما تستخدم كمدح شيى وعندما تستخدم لرسم مكانة لفئة دون الأخري شيئ اخر ، فالعظمة عندما يعتليها إنسانا تصير كبرياء مهما كانت مكانة هذا الشخص ، العظمة أستخدمها المسيح ليوحنا في الوقت الذي لم يستخدمها يوحنا لنفسه ، فقال المسيح عنه " اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، .... (مت ١١ : ١١) فالعظمة عندما تستخدم كحق ممنوح لفئة دون غيرها هذا يخرج خارج قانون كلمة الله، فمثلا عندما استخدمها الرب عن يوحنا فقد منحها له كمكانة في الأبدية وليست كمكانة في الدنيا، منحت له في الوقت الذي كان يوحنا يسكن البرية وكانت نهايته السجن وقتل شهيدا  "  وَيُوحَنَّا هذَا كَانَ لِبَاسُهُ مِنْ وَبَرِ الإبِلِ، وَعَلَى حَقْوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ. وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَادًا وَعَسَلا بَرِّيًّا. (مت ٣ : ٤) فأين العظمة هنا في شخص يسكن البرية ويلبس من طبيعتها ويأكل من انتاجاتها علي قدر المستطاع، وعندما واجه خطية هيرودس قُبض عليه وقطعت رقبته من اجل هيروديا، فإن كانت عظمة يوحنا في امور الدنيا لكان له صوت يُخضع له بين الطبقات العليا في المجتمع " فَإِنَّ هِيرُودُسَ كَانَ قَدْ أَمْسَكَ يُوحَنَّا وَأَوْثَقَهُ وَطَرَحَهُ فِي سِجْنٍ مِنْ أَجْلِ هِيرُودِيَّا امْرَأَةِ فِيلُبُّسَ أَخِيهِ، لأنَّ يُوحَنَّا كَانَ يَقُولُ لَهُ:"لا يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ". فَأَرْسَلَ وَقَطَعَ رَأْسَ يُوحَنَّا فِي السِّجْنِ. فَأُحْضِرَ رَأْسُهُ عَلَى طَبَق وَدُفِعَ إِلَى الصَّبِيَّةِ، فَجَاءَتْ بِهِ إِلَى أُمِّهَا. (مت١٤ :  ٣-٤، ١٠-١١) فاين العظمة التي إعتلاها يوحنا؟ انه عاش بتواضع الأنبياء وشجاعة الفرسان ليوم استشهاده، فمدحه الرب ونسب اليه العظمة كمقام روحي سيناله في الأبدية .

كان الهيكل عند اليهود عظيما وكان للكهنة مكانة عظيمة، كذلك يوم السبت ايضا ، فقد كان الشعب يسيرون لخدمة هذا كله، لكن جاء المسيح وصحح المفاهيم، أن الانسان في مكانته امام الله اعظم من الهيكل والكهنة والسبت ، فعندما جاع التلاميذ قطفوا سنابل واكلوا، فتذمر الفريسيون " فَالْفَرِّيسِيُّونَ لَمَّا نَظَرُوا قَالُوا لَهُ:"هُوَذَا تَلاَمِيذُكَ يَفْعَلُونَ مَا لا يَحِلُّ فِعْلُهُ فِي السَّبْتِ!" فَقَالَ لَهُمْ:"أَمَا قَرَأْتُمْ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ جَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ؟ كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ الله وَأَكَلَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ لَهُ وَلا لِلَّذِينَ مَعَهُ، بَلْ لِلْكَهَنَةِ فَقَطْ. " فعلمهم المسيح درسا أن الإنسان أعظم من الهيكل وأعظم من السبت لان الرب يريد رحمة لا ذبيحة " وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ ههُنَا أَعْظَمَ مِنَ الْهَيْكَلِ! فَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لا ذَبِيحَةً، لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى الأَبْرِيَاءِ! فَإِنَّ ابْنَ الإنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا". (مت١٢ :  ١-٨) فالسبت صنع لراحة الانسان والهيكل والكهنة لخدمة الانسان ، فكبرياء وعظمة الكهنة خطية تحتاج لتوبة.

سأل التلاميذ المسيح من هو الاعظم ؟ فاحابهم الأعظم هو من يسير في هذا العالم بتواضع الأطفال وليس بعظمة ومكانة الهيكل أو الكهنوت او الأسقف أو الكاهن أو القسيس أو حتي الشماس " فِي تِلْكَ السَّاعَةِ تَقَدَّمَ التَّلامِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ:"فَمَنْ هُوَ أَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ؟" فَدَعَا يَسُوعُ إِلَيْهِ وَلَدًا وَأَقَامَهُ فِي وَسْطِهِمْ وَقَالَ:"اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأوْلادِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. فَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مِثْلَ هذَا الْوَلَدِ فَهُوَ الأعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. (مت١٨ :  ١-٤) ، (مت ١٢ : ٤٢) ، (مت ١٢ : ٤١) فقد تضع نفسك في مكانة أو تستخدم قوانين وضعت من جيل سابق ، ولكن علينا فرز وتنقيح كل ما كتب في التقليد ، نقبل منه ما يوافق الحق ونرفض منه ما هو ضد كلمة الله ، فروح العظمة التي للقساوسة تحتاج لتوبه عنها - مع كامل إحترامي لكل قسيس او اسقف او كاهن متواضع كخادم لله من اجل شعب الرب !.

 

قانون أعجبني

في قوانين الاباء امور رائعة إن تم إستخدامها بفهم فستستقيم امورا كثيرة ، كما يوجد قوانين تحتاج لنبذها وتنقيتها ورفضها رفضا باتا ، فمن ضمن القوانين الممتعة التي تحتاجها الكنيسة هو ( القانون ١ : ٤٩ ) الذي يحس علي إحترام الملك لجنوده والرئيس لا يحتقر المرؤوسين ومن هم في دائرته، فالرئيس والملك لن يصيروا بدون هؤلاء، ثم في ( البند ٢ ) يضيف قائلا " ولا يتعالى الأسقف على الشمامسة والقسوس، ولا يتعالى القسوس على الشعب، لأن قيام الكنيسة يعتمد على هؤلاء وأولئك. " ( قوانين الرسل في تقليد الكنيسة القبطية - للراهب القس اثناسيوس المقاري ص ١٠٧  القانون رقم ١ : ٤٩ البند رقم ٢ ) فهل يسير اباء اليوم من اساقفة وقساوسة ورهبان بهذا القانون ، أم ان روح العظمة تمتلكهم فيخالفون هذا القانون، اقلية معدودة في تواضع كامل يخدمون سيدهم دون تعالي متناسين مكانتهم ورتبتهم الكنسية ويخدمون شعب الرب بكل تواضع وبكامل النزاهة، ولكن للاسف الأكثرية يتعاملون بروح العظمة التي تم الاشارة اليها في ( القانون رقم ١ : ٢٣ البند رقم ٤ من نفس المصدر السابق ) فالمؤمن والخادم الحقيقي هو من يخدم بروح الوداعة والتواضع وبذل النفس من أجل الأخرين.  

في التواضع والوداعة حمل نير الخدمة المثمرة " اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. (مت ١١ : ٢٩) فالذي يُتعب كنيسة اليوم هو روح التعالي والكبرياء والسعي وراء المناصب الكنسية والرتب الكهنوتية، ولكن إن سارت الكنيسة بروح المسيح التي هي روح الوداعة والتواضع فستكون كنيسة جميلة مريحة رائعة لها جمال يسوع فتجذب النفوس للإيمان ولا تنفرهم " فَالْبَسُوا كَمُخْتَارِي الله الْقِدِّيسِينَ الْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعً، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ، (كو ٣ : ١٢) ، (أف ٤ : ٢) فالكبرياء وروح العظمة يقود الإنسان لفعل إمور في حق الآخرين ولا سيما من يقاومونهم، لحفظ المكانة والمقام والمنصب الذي وصلوا اليه او صاروا فيه، لذلك تجد منهم من يشتكي اخيه باطلا وبدون وجه حق من أجل فرمه وإزاحته، فهل الله يحترم المتكبرين او الظالمين من أجل مكاسب زمنية ومادية، أقول كلا لن يحترمهم ولن يساندهم بل إنه يقاومهم " كَذلِكَ أَيُّهَا الأحْدَاثُ، اخْضَعُوا لِلشُّيُوخِ، وَكُونُوا جَمِيعًا خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ، وَتَسَرْبَلُوا بِالتَّوَاضُعِ، لأنَّ:"الله يُقَاوِمُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً". (١بط ٥ : ٥) فهل لك اليوم ان تسير في مخافة الله وتعطي لكل حق حقه، ولا تعتلي مكانا ليس لك فتظلم من أجل ذاتك، إن الرب يريدنا أن نكون في كرامة حقيقية وليست مزيفة بالمظاهر، أصلي في إسم المسيح أن يكون لشعب الرب وخدامه روح المسيح التي ان إمتلأ بها الجميع رفعت الكنيسة وعملت في النفوس لمجد الله.


مانحي البركة ومستقبليها

من المعروف والمُسلم به في الحق الكتابي،ان الرب وحده مانح البركة "  مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ، (أف ١ : ٣) فحميع المؤمنين مباركين من الرب بركة متساوية من الرب للجميع وأن مباركة المؤمنين بعضهم بعضا ليست بوضع الأيدي ونطق كلمات معينة لمنحها، فهي لا تمنح عن واقع روحي وليست عن مكانة كنسية أو رتبة كهنوتية، ولكنها عمل روحي ينبع من مستوي مؤمنين ناضجين روحيا " وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، (مت ٥ : ٤٤) ، (لو ٦ : ٢٨) ، (رو ١٢ : ١٤) فالمسيح باركنا بكل بركة ونحن نبارك بعضنا بعضا، فلا يوجد من هو أعلي ليبارك من هو أقل، ولذلك عندما يصدر قانون يُنسب للرسل يعطي حق للاسقف ان يبارك الآخرين ولا يباركه أحد، يهرج القانون خارج الحق الكتابي وانخرف انحرافا كليا عن روح المسيح، فيصير هذا  مرتبط بحسب الفكر الطقسي للكنيستين الارثوذكسية والكاثوليكة أن الاسقف حامل الكهنوت وله روح العظمة  ( القانون رقم ١ : ٢٣ البند رقم ٤ ص ٨١ ) وهو في مقام أعلي من القسوس ومن باقي المؤمنين، ولذلك يجلس في الوسط ( دراسات في القوانين الكنسية الجزء الثاني - القمص صليب سوريال ص ٢٣ - أ. الكنيسه وترتيبها ) كذلك القسيس يستقبل بركة من الأسقف وله أن يبارك المؤمنين، ولكن المؤمنين لا يباركون الاسقف ولا القسيس لأنهما حاملي الكهنوت ولهم روح العظمة .

اقرأ معي القانون في البند الاول " والأسقف يبارك ولا يبارك عليه ، ويقسم النّاس ، ويحمل القرابين ، ويقبل الأولوجية من الأساقفة ، وليس من القسوس . " وفي البند الثالث " والقسيس يبارك ، ويبارك عليه ، ويقبل الأولوجية من الأسقف ، ومن شريكه القسيس، .... ويضع يده على الناس ، ...... ويخرج من هو ناقص إذا كان ثم أحد يستحق هذه العقوبة. " اما بخصوص الشماس فجاء في البند الرابع " الشماس لا يبارك ، ولا يعطي أولوجية ، ويأخذها من الأسقف ومن القسيس. ولا يعمد. ولا يحمل قربان.... " ( قوانين الرسل في تقليد الكنيسة القبطية - للراهب القس اثناسيوس المقاري ص ١١٧ القانون رقم ١ : ٥٧ )  بكل تأكيد هذه قواني وضعت بعد زمن الرسل ولم يضعها الرسل لأن التشكيل الطقسي للكنيسة لم يصير إلا بعد القرن الأول الميلادي ، فالرسل لم يشاهدوا الطريقة التي في كنيسة اليوم ، فالطقس والانظمة الكنسية صارت تدريجيا من أول القرن الثاني الي يومنا هذا ، ولذلك فارتفاع وعلو مكانة الأساقفة والكهنة حق طقسي تمكن وساد علي مستوي العالم، ولكنه بعيد عن الحق الكتابي وبعيد عن روح المسيح .


رشم الصليب باللعاب

الكنيسة في مكانتها الروحية لها من الله إمتيازات وسط العالم ، هذه الإمتيازات أنها تحمل مسئولية الإرسالية العظمي " وَقَالَ لَهُمُ:"اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَن (مر١٦ :  ١٥-١٦) هذه الإرسالية في المقام الأول يجب أن يكون هدف الكنيسة الاساسي والأوحد كمجموعات وكأفراد، ولكن مع وجود الجانب الإجتماعي للكنيسة وهو الكنيسة كمؤسسات وكيانات إدارية، فهي تخضع كثيرا لقوانين البلاد، ولكل مؤسسة كنسية ظروفها، يضاف إليها اللوائح والدساتير التي تنظمها داخليا وخارجيا، فيحدث كثيرا صراعات علي المناصب الإدارية، بل ايضا الصراعات العقائدية فتدخل هذه المؤسسات في مشاكل وإنقسامات ، هذا ما حدث في تاريخ المسيحية منذ نشأتها ، فيوجد من فكر وفكر ودرس ونقب وخرج بما يبني، ويوجد من فكره أوصله لجانب أخر سبب في الإنقسامات، أيضاً في الجانب الإداري لإدارة المناقسات داخل المجامع المسكونية أدي إلي مساعدة التوتر وحدة النقاش وصولا الي الخلافات.


الكنيسة ككيان روحي وكمؤسسة إن اهتمت فقط بخلاص النفوس ومعرفة إبن الله والإيمان به ، لكانت إحتفظت بوحدتها ، ولكن لسبب دخول الفكر البشري من جانب البحثي والتنقيب والدراسة وإستخراج كل ما هو جديد من المصطلحات، أدي هذا الي مؤيدين ومعارضين، فتضاربت المصطلحات بعضهما مع بعض وأدي هذا الي الإنقسامات، هذا بالإضافة الي الجانب الإداري الذي كثيرا ما ينحاز لجانب دون الأخر، أو تستخدم كلمات لا يتحملها الأخر، أو يتم تحجيم أو تقييد أو وصف لهذا المفكر وأتباعه بالهراطقة، فبكل تأكيد لا أدعوا لتوقف الإبداع وإنتاج كل ما هو جديد، ولا ادعوا لعدم إدانة الفكر المنحرف، ولكني أدعوا لتحكم العقل وفضح الفكر بالفكر مع وضع الية للنقاش وحدودا في التحكيم، فما مرت به الكنيسة الروحية من الكنيسة كمؤسسات عبر العصور لا يطاق بالمرة.

ومن الغريب أنه توجد تعاليم وقوانين تبنتها الكنيسة كان يجب رفضها ، مثل تعليم " روح العظمة التي للاساقفة والقساوسة دون باقي المؤمنين، ومثل مكانة الاسقف في الوسط كمانة روحية، ومثل إحتكار البركة للأسقافة والقساوسة وحدهما دون العلمانيين وعامة الشعب " يضاف اليهم ما يلي: 

في إحدي القوانين ( المنسوبة للرسل ) في طقس غسل الأيدي قبل ممارسة الصلاة ما يلي " فإذا نفخت في يديك ، وترشم ذاتك باللعاب الذي يخرج من فمك ، فإنك تكون كلك طاهراً إلى رجليك ، فهذه هي عطية الروح القدس. وقطرات ماء المعمودية التي تصعد من الينبوع الذي هو قلب المؤمن ، تطهر الذي يؤمن. " ( قوانين الرسل في تقليد الكنيسة القبطية - للراهب القس اثناسيوس المقاري ص ١٠١ القانون رقم ١ : ٤٧ بند رقم ١٢ ) أحبائي هل هذا يتفق مع تعاليم كلمة الله؟ هل رشم الصليب باللعاب يطهر الجسد كله ... لا تعليق!. ولكن كان بالأولي الإهتمام بالكرازة وبعمل المسيح الفدائي وليس بقوانين لن تجدي نفعا وللأسف منسوبه للرسل .. وبكل تأكيد هم براء من مثل هذه القوانين.


طقس المعمودية للكبار وللأطفال

وقفت أمام القانون الخاص بالمعمودية فيما يسمي ب ( قوانين الرسل )  في موضوع المعمودية، فوجدت أن الكنيسة قديما في عصرها الأول كانت تُعمد الكبار والصغار فجاء في التقليد " إذا أختير واحد أو جماعة يستعدون للمعمودية، فليبحث عن سيرتهم، هل عاشوا بعفاف وهم متعظون ؟ وهل أكرموا الأرامل؟ أو عادوا المرضى؟ وأكملوا كل شيء حسناً؟ " ( قانون رقم ١ : ٣٣ بند ١ ص ٨٧ - كتاب قوانين الرسل في تقليد الكنيسة القبطية - للراهب القس اثناسيوس المقاري ) من هنا نري ان المعمد كبير ناضج له اعمال حسنة وعاش بعفاف و " مشهود له " ( بند ٢ ) هذا بالإضافة إلي أن يكونوا قد " إغتسلوا وإستحموا ليكونوا أطهار " ( بند ٥ ) و " يصومون " ( بند ٧ ) ويستمروا ساهرين طول الليل بعد المعمودية " وليظلُوا ساهرين كل ليلتهم ، وليقرأوا لهم ويعظوهم "  ( بند ٨ و ٩ ) كل هذا كان يتم ، فقد كانت المعمودية للكبار، لذلك اري ان هذا يتفق مع الحق الكتابي "  مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ. (مر ١٦ : ١٦)

هنا نري قبول المعمد أو رفضه، يعطي أحقية أن المعمد يجب أن يكون ناضجا بكفاية وصاحب قراره، أما في معمودية الأطفال فتحتاج دائما الي وسيط ما بين المُعمٍد والمُعمٌٓد، لذلك جاء في ( قانون رقم ١ : ٣٤ بند ٤ ص ٧٩ ، ٩٠ - كتاب قوانين الرسل في تقليد الكنيسة القبطية - للراهب القس اثناسيوس المقاري ) ما يلي " ويبتدئوا أن يعمدوا الأطفال الصغار. ومن يقدر أن يتكلم - وخلف ، فليتكلم . ومن لا يقدر، فليقل آباؤهم عنهم ، لا يقدر ، فليقل آباؤهم عنهم ، أو واحد من أهلهم " وهنا واضح أن الطفل المعمد لدرجة أنه قادر علي الكلام، وأما من يعحز عن الكلام يحتاج لمن يحل محله من أهله، فقد كان التركيز علي معمودية الكبار. 

المعمودية منذ البداية كانت تمارس للكبار في مقامها الأول ، واذا وجد أطفال كانت لا تمانع بحسب قانون ( رقم ١ : ٣٤ بند ٤ ص ٧٩ ، ٩٠  ) ولكن لا يوجد سند كتابي لمعمودية الأطفال، فجميعها إستنتاجات أو إفتراضات، فمثلا عندما تم تعميد أهل ليديا " فَلَمَّا اعْتَمَدَتْ هِيَ وَأَهْلُ بَيْتِهَا طَلَبَتْ قَائِلَةً: "إِنْ كُنْتُمْ قَدْ حَكَمْتُمْ أَنِّي مُؤْمِنَةٌ بِالرَّبِّ، فَادْخُلُوا بَيْتِي وَامْكُثُوا". فَأَلْزَمَتْنَا. (أع ١٦ : ١٥) وكذلك ايضا في بيت كَرْنِيلِيُوسُ " وَأَمَرَ أَنْ يَعْتَمِدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ. حِينَئِذٍ سَأَلُوهُ أَنْ يَمْكُثَ أَيَّامًا. (أع ١٠ : ٤٨) ربما كان يوجد أطفال وتم تعميدهم مع من امنوا، وكذلك بيت إستفانوس " وَعَمَّدْتُ أَيْضًا بَيْتَ اسْتِفَانُوسَ. عَدَا ذلِكَ لَسْتُ أَعْلَمُ هَلْ عَمَّدْتُ أَحَدًا آخَرَ، (١كو ١ : ١٦) فهل لا يوجد أطفال؟ كل هذه إفتراضات وجود أطفال في البيت ويكون تم تعميدهم، وفي ذلك أقول: " لا يجب تكوين عقيدة من إفتراضات - فالعقيدة يجب أن تبني علي آيات واضحة وصريحة. "

قبل المعمودية يجب أن يدخل المؤمن في إيمانيات وخطوات أساسية لا يدركها الأطفال.

- الايمان بأن الله واحد مثلث الأقانيم أب وإبن وروح قدس، ليسوا ثلاثة الهة بل إله واحد  (مز٢ :  ٢، ٤، ٧، ١٢) (أم ٣٠ : ٤) (١كو ٨ : ٦) (تث ٦ : ٤) (مر ١٢ : ٢٩) (١كو ١٢ : ٥) (أف ٤ : ٥) ومن لا يؤمن بهذا الحق سيحسب ضمن الهالكين،  فالرب في كلمته اعلن بكل وضوح،  فمن يريد أن يدرس ويتعلم فليتفضل قبل فوات الأوان وضياع الفرصة

- الإيمان بالمسيح كونه إبن الله المتجسد (يو ٣ : ١٥) (يو ٣ : ١٦) (يو ٣ : ٣٦) (يو ٥ : ٢٤) (يو ٦ : ٤٧) (مت ٤ : ٣) (مت ٤ : ٦) (مت ٨ : ٢٩) (مت ١٤ : ٣٣) (مت ١٦ : ١٦) (مت ٢٧ : ٥٤) (مر ١ : ١) (١تى ٣ : ١٦) (١بط ١ : ٢٠) فنحن لا نؤمن بأن الإنسان صار الها، بل الإله من أجلنا تجسد وصار إنسانا ولم يفقد الوهيته بتجسده. 

- الايمان بعمله الكفاري الكامل (رو ٣ : ٢٥) (١يو ٢ : ٢) (١يو ٤ : ١٠) (أع ٤ : ١٢) (رو ٤ : ٢٥) (غلا ٢ : ٢٠) (أف ٥ : ٢) (أف ٥ : ٢٥) هذا الإيمان لا يسمح لنا باللجوء الي الذبيخة الحيوانية التي كانت تقدم في العهد القديم لغفران الخطايا، ولا يسمح لنا أن نتواصل مع غير المسيح أو مع وسائط أخري لنوال مغفرة الخطايا 

- التوبة الحقيقية (مر ١ : ١٥) (لو ١٣ : ٣) (لو ١٣ : ٥) (أع ٢ : ٣٨) (أع ٣ : ١٩) (أع ١٧ : ٣٠) فلا إيمان حقيقي بلا توبة، ولذلك المعمودية لا تسبق الإيمان ولا تسبق التوبة، بل تأتي بعدهما وهذا ما لا يعرفه الطفل. 

- ثم يأتي دور المعمودية بالماء هذا هو الترتيب الصحيح ان المعمودية بعد الإيمان وبعد التوبة الحقيقية وليس قبلهما " فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ :"تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. (أع ٢ : ٣٨) فلست أعلم علي أي أساس خرج لنا العالم المسيحي بمعمودية الأطفال، هذه الطريقة للمعمودية يؤمن بها عدد كبير من الطوائف ومن المجامع.... للأسف. 

_________________________

 ٤ 

 الكنيسة والعمل المرسلي 

الرتب الكنسية

الترتيب الكنسي من أساقفة وقسوس وشمامسة وشعب لم يصير بالشكل المتداول عليه حاليا، ففي كلمة الله في بداية الكنيسة ( العهد الرسولي ) كان الأساقفة والقسوس والشيوخ هم شيئا واحدا، فالأسقف هو القسيس هو الشيخ، ولكن مع مرور الزمن صار لكل مصطلح وظيفة كنسية، فصار الأسقف هو الراس الكبيرة في الكنيسة يليه القسيس ثم الشماس كما في الكنائس  ( الكاثوليكية الرومانية - والأرثوذكسية الشرقية - الأرثوذكسية المشرقية - كنيسة المشرق الآشورية - والكنيسة الشرقية الأرثوذكسية - ولأنجليكانية - الكنائس اللوثرية - الكنائس الكاثوليكية القديمة - العديد من الكنائس الكاثوليكية الصغيرة - الكنيسة الأسقفية الميثودية الأفريقية - الكنيسة الميثودية المتحدة ) ( بحث في الانترنت حول كلمة الرتب الكنسية ) أما في الكنائس البروتستانتية بمصر فالأمر يختلف، فيوجد من وضع في الترتيب قساوسة ثم شيوخ ثم سمامسة، كما في الكنائس (  الانجيلية المشيخية - كنائس النعمة - الكنائس الرسولية - كنائس المثال المسيحي - كنائس الإيمان - والمعمدانية ) ويوجد من إعتمد في الترتيب أساقفة كما في ( النعمة الرسولية - نهضة القداسة - الأسقفية ) ويوجد من لم يضع شيئا لا أساقفة ولا قساوسة ولا شيوخ ولا شمامسة، بل اعتمدوا علي كلمة ( إخوة ) كما في ( كنائس الإخوة البلايموس - والمرحبين ) كل هذا الكم في داخل الكنيسة من ترتيبات وانظمة جعل ما بينها اختلاف.

في بداية الكنيسة بعد يوم الخمسين كان داخل الكنيسة رسل المسيح اللذين اختاروا سبعة شمامسة  "  فَانْتَخِبُوا أَيُّهَا الإخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَال مِنْكُمْ، مَشْهُودًا لَهُمْ وَمَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ، فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هذِهِ الْحَاجَةِ. فَحَسُنَ هذَا الْقَوْلُ أَمَامَ كُلِّ الْجُمْهُورِ، فَاخْتَارُوا اسْتِفَانُوسَ، رَجُلا مَمْلُوًّا مِنَ الإيمَانِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَفِيلُبُّس، وَبُرُوخُورُسَ، وَنِيكَانُورَ، وَتِيمُونَ، وَبَرْمِينَاسَ، وَنِيقُولاَوُسَ دَخِيلا أَنْطَاكِيًّا. اَلَّذِينَ أَقَامُوهُمْ أَمَامَ الرُّسُلِ، فَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمِ الأيَادِيَ. (أع٦ :  ٣، ٥-٦) كانوا هؤلاء اول سبعة شمامسة يرتسمون علي أيدي الرسل، ولم يرتسم قسوس أو أساقفة، إلا عندما ابتدأ عدد الكنيسة يزداد "  وَانْتَخَبَا لَهُمْ قُسُوسًا فِي كُلِّ كَنِيسَةٍ، ثُمَّ صَلَّيَا بِأَصْوَامٍ وَاسْتَوْدَعَاهُمْ لِلرَّبِّ الَّذِي كَانُوا قَدْ آمَنُوا بِهِ. (أع ١٤ : ٢٣) ثم صار مصطلح أسقف موجودا بجوار كلمة قساوسة وشمامسة "  بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَةٍ: (فى ١ : ١) ولكن مع مرور الوقت صار لكل مصطلح وظيفته داخل الكنيسة ، فلُقب الأسقف برئيس  قساوسة ، وتحولت الكنائس الي كيانات لها ترتيب مقامي ووظيفي، اثر هذا علي المناخ العام للكنيسة، فوجد من أُنتخب أو أُختير للاسقفية وهو غير مؤهل ويوجد من أُُختير فرفع الكنيسة وخدم جيله بأمانة " وانتَخَبا لهُمْ قُسوسًا في كُل كنيسَةٍ، ثُمَّ صَلَّيا بأصوامٍ واستَوْدَعاهُمْ للرَّب الذي كانوا قد آمَنوا بهِ" (أع ٢٤ : ٢٣ ) هذه المصطلحات اليوم يحب ان تعرف انها ليست فوق الشعب بل لاحل خدمة الرب في شعبه ، لذلك يجب أن يتحلوا بالتواضع.

 

القسوس والاساقفة والشيوخ

يعلمنا الكتاب المقدس أن لقب قسيس ليس رتبة كهنوتية أو مقام روحي يختلف عن باقي المؤمنين، بل خدمة لرعاية النفوس، وهكذا ايضا لقب الأسقف فقد استخدمت لنفس الغرض، وهما ليس وظيفتين، بل هما لنفس الشخص، فمن يلقب بقسيس ايضا يلقب بأسقف " ومِنْ ميليتُسَ أرسَلَ إلَى أفَسُسَ واستَدعَى قُسوسَ الكَنيسَةِ. فلَمّا جاءوا إليهِ قالَ لهُمْ: "أنتُمْ تعلَمونَ مِنْ أوَّلِ يومٍ دَخَلتُ أسيّا، كيفَ كُنتُ معكُمْ كُلَّ الزَّمانِ... اِحتَرِزوا إذًا لأنفُسِكُمْ ولجميعِ الرَّعيَّةِ التي أقامَكُمُ الرّوحُ القُدُسُ فيها أساقِفَةً، لترعَوْا كنيسَةَ الله التي اقتَناها بدَمِهِ" (أع ١٧:٢٠-٢٨). فمن لقبوا بقسس أيضا لقبوا بأساقفة ، ولذلك تحتاج الكنيسة لإعادة فهم هذا الأمر ، هل هذا صعب حدوثه؟ أقول نعم لأن نظام قد تمكن لن يقتلع إلا في نهاية الزمان.

يستمر هذا الفهم قائم في ال١٠٠ سنة الأولي، ثم تبدا الكنيسة في إستخدام هذه المصطلحات مع ازدياد عدد الكنائس والمؤمنين اللذين امنوا، فالقسيس او الاسقف عليه الاهتمام بالتعليم ( ١تي ١ : ٣ ، ١٨ ) ( ١تي ٣ : ٢ ، ١٤ - ١٦ ) , ( تي ١ : ٩ ) فمنذ العصر الاول للكنيسة وبها قساوسة - اساقفة يضعون ايديهم علي أخرين لرسامتهم قساوسة ( ٢تي ١ : ٦ ) هنا فهمنا ان القسيس هو هو الأسقف بل ايضا هو هو الشيخ " إلَى أنْ أجيءَ اعكُفْ علَى القِراءَةِ والوَعظِ والتَّعليمِ. لا تُهمِلِ المَوْهِبَةَ التي فيكَ، المُعطاةَ لكَ بالنُّبوَّةِ مع وضعِ أيدي المَشيَخَةِ ( القس - الاسقف). اهتَمَّ بهذا. كُنْ فيهِ، لكَيْ يكونَ تقَدُّمُكَ ظاهِرًا في كُل شَيءٍ. لاحِظْ نَفسَكَ والتَّعليمَ وداوِمْ علَى ذلكَ، لأنَّكَ إذا فعَلتَ هذا، تُخَلصُ نَفسَكَ والذينَ يَسمَعونَكَ أيضًا" ( ١تي ٤ : ١٣ - ١٥ ) ، ( ١تي ٥ : ١٧ - ٢٢ ) ، ( تي ١ : ٥ ) فمن جيل لجيل تم بناء االكنيسة واستمرار عمل الرب، الي أن وصلت الي جيلنا الذي لم تنحرف في رسالتها ولكن تغير شكلها، فمثلا لم يجلس تلميذ من تلاميذ الرب يوما علي كرسي سمي كرسي رئاسة، لأن المسيح ايضا لم يؤسس مملكة سميت بمملكة كنيسة الله، واقول يكفي ان يكون التلميذ كمعلمه "   "هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ كَغَنَمٍ فِي وَسْطِ ذِئَابٍ، فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ. .... "لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنَ الْمُعَلِّمِ، وَلا الْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنْ سَيِّدِهِ. يَكْفِي التِّلْمِيذَ أَنْ يَكُونَ كَمُعَلِّمِهِ، وَالْعَبْدَ كَسَيِّدِهِ. إِنْ كَانُوا قَدْ لَقَّبُوا رَبَّ الْبَيْتِ بَعْلَزَبُولَ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَهْلَ بَيْتِهِ! (مت١٠ :  ١٦، ٢٤-٢٥) فهل لكل رئيس مجمع او طائفة أو اسقف ان يلتزم بالتواضع والوداعة وخدمة رعيته دون محبة المال؟ أأمل هذا!.


التسليم الابائي

يوجد فرق بين التسلم بما سُمع وبين ما سلم ، ففي كلمة الله المكتوبة امور لا يعتريها الشك انها كلام الله مكتوبة وتسلم من جيل لجيل "  كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، (٢تى ٣ : ١٦) فتناقله وطياعته وانتشاره حق لكل جيل علي مر العصور ، وها هو بين ايدينا اليوم كما كان منذ تجميعه، اما الامور المتناقلة التس سمعت وكتبت بيد غير قائلها فلا يجب علينا التعامل معها كقدسيات، بل علينا تنقيتها ، وقبول ما يتوافق مع منطق كلمة الله المكتوبة، ففيها يقول الرسول بولس لإبنه تيموثاوس "  وما سمِعتَهُ مِني بشُهودٍ كثيرينَ، أودِعهُ أُناسًا أُمَناءَ، يكونونَ أكفاءً أنْ يُعَلموا آخَرينَ أيضًا" (2تي 2:2) فلا يجب اليوم العمل بموجب اقول سمعت من الرسل وكتبت بعد ١٥٠ سنة او ٣٠٠ سنة ونتعامل معها بأنها قوانين الرسل، لا ادعوا الي رفضها ولكن ادعوا الي تنقيتها ، فقد ذكرت عدة قوانين يجب رفضهما مثل... " مكانة الأسقف في الكنائس - الدرجة الالهية والجلوس في الوسط - عظمة القساوسة - مانحي البركة ومستقبليها - رشم الصليب باللعاب - طقس المعمودية للأطفال " ( إرجع لنفس العناوين في هذا البحث ) كما توجد قوانين اذا استخدمت لا تعيق عمل الله ولا تجعل مستخدميها في موقع يختلف عن اخرين، هذه الامور التي سمعها تيموثاوس اذا عمل بها يصير نافع " إنْ فكَّرتَ الإخوَةَ بهذا، تكونُ خادِمًا صالِحًا ليَسوعَ المَسيحِ، مُتَرَبيًا بكلامِ الإيمانِ والتَّعليمِ الحَسَنِ الذي تتبَّعتَهُ" (1تي 6:4) ، ( ١تي ٤ : ١٢ ) فقد سمع تيموثاوس من الرسول بولس ذاته ، ثم سلمه لاخرين وكتب بعد ١٠٠ سنة ، اذا علينا تنقيحه وتنقيته ، لان ليس كل ما سمع او كتب من قوانين تكون صحيحة.


قوانين ابائية يمكن العمل بها

  يوجد بعض من القوانين المنسوبة للرسل اذا قرأت او تم العمل بها لا تدخل في نطاق منحرف ، بل تتفق مع روح كلمة الله ، فعلي سبيل المثال هذا القانون : " قال يوحنا ( المقصود به الرسول يوحنا الحبيب ) : أيها الرجال الإخوة، نحن نعلم أننا سنعطي جواباً عن كل ما أمرنا به ، فلا يأخذ أحدكم بوجه من يكون عنده، بل إذا اتفق أن قال ما لا يجب، فليوبخه على أن الذي يقوله ، ليس حسنا. " ( القانون ١ : ٢ بند رقم ١ كتاب قوانين الرسل في تقليد الكنيسة القبطية ص ٦٩ - للراهب القس اثناسيوس المقاري ) اي أن المستمع للمتكلم عليه تزوق ما يقال والحكم عليه إن كان صحيحا فليقبل وإن كان شائبا فليوبخ ، بكل تأكيد قانون لا يتعارض مع كلمة الله.

ثم في ( البند ٢ ) تكلم عن وصيتان للحياة الأبدية " وأعطوا الكلمة ليوحنا أولا. فقال يوحنا : يوجد موضعان ، واحد للحياة وآخر للموت ( تث ٣٠ : ١٥ ، ١٩ ) وهناك فرق بين هذين الموضعين . أما موضع الحياة فهو ؛ أن تحب الرب إلهك الذي خلقك من كل قلبك وتمجده ( مت ٢٢ : ٣٧ ) هذا الذي خلصك من الموت . هذه الوصية الأولى . والثانية هي هذه أن تُحب صاحبك مثل نفسك . بهذا يتعلق النّاموس كله والأنبياء ( مت ٢٢ : ٣٨ ، ٤٠ ) " فما لا يتعارض مع كلمة الله نقبله ولا يهمنا إن كان منقول فعلا عن الرسل أم من غير الرسل ، ما يهمنا أنه يتفق مع الحق الكتابي ولا يتعارض معه.

ايضا في ( القانون ١ : ٣ بند ١ ) " قال متى : كل ما لا تؤثر أن ينالك ، فلا تفعله أنت بآخر ( مت ٧ : ١٢ ) أي أن كل ما تُبغضه ، لا تفعله " ثم يوصي بطرس ويقول له في ( البند رقم ٢ ) " وأنت يا بطرس أخي ، علمهم بهذا الكلام. " يوحنا يتكلم ، متي يخاطب بطرس ، المهم أن لا تتعارض الأقوال مع أقوال كلمة الله .

- قانون الإجهاض والنظر فيه : 

توجد قوانين تحتاح للنظر فيها فهي ليست أوامر الهية ولكنها أقوال أبائية يمكن العمل بها ورفض بعضها وتعديل البعض والرد عليه لما به من أفكار ، فعلي سبيل المثال في الكلمات المنسوبة للرسول بطرس في موضوع الإجهاض ، أشار قائلا " لا تجهض جنينا صغيرا في بطن أمه " ( القانون ١ : ٤ بند ١ من نفس المصدر السابق ) فإذا اخذنا هذا الكلام كقانون، فمن يصنع هذا يصير مذنبا ومجرما، ولكن في تعليقي هذا لا أجرم وايضا لا أشجع هذا علي الإطلاق ولكن ما قصدت قوله أن في القوانين المنسوبة للرسل أقوال لا يجب أن تمر مر الكرام ، بل علينا البحث فيها وإعطاء رأي أو بيان بخصوص مثل هذه المواضيع ، ولا سيما أنها اليوم مواضيع شائكة والمجتمع يتبني الكثير منها .


- قانون الشهوة و الشيطان المؤنث  :

  في كلام منسوب لفيلبس قال "  يا ابني ، لا تكن مشتهياً ، فإن الشهوة تسوق الإنسان قهراً إلى الزنا . لأن الشهوة شيطان مؤنث . لأنه إذا اتصل شيطان الغضب للذة ، فإنهما يهلكان من يقبلهما " ( القانون ١ : ٦ بند ١ المصدر السابق ) بكل تاكيد لا يوجد في دائرة الشياطين نوع الجنس إن كان ذكوريا او مأنثا، ولكن إن فهم القول بمعني أن الشهوة عند الرجال مرتبطة بالأنثي، لذلك اراد ان يقول للرجل المشتهي أنت تتعامل مع شيطانة في داخلك ، فهو لا يقصد نوع وجنس الشيطان ولكنه يقصد " نوع الصورة الذهنية داخل عقل المشتهي " هنا يستقيم المعني إذا كان هذا ما يقصده الكاتب المنسوب اليه هذا القانون . 

مما سبق اردت ان اقول أن التسليم الأبائي ليس كله فوق الشبهات، ولكن فيه الكثير من الأفكار المغلوطة التي يجب أن ترفض ، ويوحد فيه ما هو جيد يمكن قبوله بلا نقاش ، ويوجد فيه المتوسط الذي يحتاج الي تفسير أو إعلان القصد منه لأجل إستقامة المعني، فالكنيسة مرت بكثير من التطورات والظروف التي شكلتها، وأوصلتها لما نحن فيه اليوم، فالكنائس التقسية  تعتمد كثيرا علي الأقوال الأبائية، والكنائس البروتستانتية والانجيلية تعتمد علي الكتاب المقدس وحده، ولكنها متأثرة كثيرا بما حدث في الماضي، فهي جزء لا يتجزأ من التاريخ ، فالاحداث التاريخية للكنيسة علي مر العصور أثر فيها مثلها مثل باقي الكنائس والطوائف، فكما كانت الكنيسة في العصور الاولي تعتمد علي الترتيب الكنسي من اساقفة وقسوس وشيوخ وشمامسة، هكذا ايضا حتي اليوم تري ذات الترتيب في بعض الكنائس البروتستناتية، ولذلك علينا الوقوف أمام كل افكار ليست بحسب الحق الكتابي ورفضها بل ونبذها، وعدم السعي وراء المراكز والمناصب الكنسية التي اضعفت الكنيسة كثيرا.


الطقسية والفكر المضاد

اعتمدت الكنيسة منذ البداية علي التدعيم الذاتي لخدمتها ولشعبها " وَجَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا. وَالأَمْلاَكُ وَالْمُقْتَنَيَاتُ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ احْتِيَاجٌ. (أع٢ :  ٤٤-٤٥) ولكن مع مرور الوقت وفي العصور تشكلت الكنيسة تشكيلا ذو خطين، الأول الخط اللاهوتي والتعليم، والثاني الخط الاجتماعي في الاهتمام بالاحتياجات الشخصية والأسرية، فمنذ البداية كان التركيز عليهما "'  وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِابْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ، مُسَبِّحِينَ الله، وَلَهُمْ نِعْمَةٌ لَدَى جَمِيعِ الشَّعْبِ. وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ. (أع٢ :  ٤٦-٤٧) ولذلك استمرت هذه الخطوط بين العلو والإرتفاع الي ان اخذت شكل تنموي  في بعض المشاريع كالمستشفيات وكالمدارس ومساعدة الفقراء والارامل.

دخلت بعض الأفكار المهرطقة التي وقفت الكنيسة في عصورها الأولي ضدها، والذي ساعد علي حرية التعبير وانتشار التعليم ، كانت الإمبراطورية الروماني، وفي هذا يقول : الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور - استاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعه القاهره و بيروت العربيه 1967 " ... ظروف الامبراطورية الرومانية والأوضاع التي أحاطت بها كانت أكبر مساعد على سرعة انتشار المسيحية بين ربوعها . فهذه الامبراطورية امتازت بشبكة واسعة من الطرق الضخمة التي ربطت مدنها وأطرافها برباط وثيق ، فضلا عن الأمن والسلام الذين سادا ربوعها ، ونشاط التبادل التجاري بين مختلف أجزائها . هذا كله عدا سيادة اللغة اللاتينية في الأجزاء الغربية من الامبراطورية، واللغة اليونانية في أجزائها الشرقية، مما جعل من اليسير انتقال الآراء والأفكار والمعتقدات في سهولة بين مختلف أنحاء الامبراطورية ، وبالتالى انتشار المسيحية ووصولها إلى أقصى أطراف البلاد في سرعة فائقة " ( كتاب تاريخ اوروبا في العصور الوسطى - ص ٢٢ للكاتب الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور  ) 


ولكن مع مرور الوقت كان للكنيسة عصور مظلمة من القرن الخامس الي الخامس عشر، زاد فيها جهل الشعب لبعدهم عن التعليم الصحيح، وزاد فيها بعض الكهنة سراء لسبب قانون سقوط الغفران وتحكمات رجال الكهنوت علي الشعب، أدي هذا الي ظهور الحركة الإصلاحية في روما وسرعة انتشارها لانها تبنت تعاليم تخالف كل ما كانت تنادي بها الكناىس الطقسية، بقيادة مارتن لوثر، الذي اعلن مبادى ايمانية ابرزها ان الكتاب المقدس وحده هو مصدر الإيمان وليس البابوات وليس التقليد، كما فتح الباب لقراءة الكتاب المقدس الذي ترجمه وطبعه وجعله متاحا لكل الشعب بعد ان كان قاصرا علي رجال الدين وبعض اغنياء الأمة، كما علم بان الخلاص من الخطايا خلاص مجاني ولا يحتاج الإنسان لصقوك الغفران ولا يأتي بالأعمال الصالحة للحصول عليها، وغيرها من البنود والأفكار التي جعلت البابا في ذلك الوقت يطلب القبض علي مارتن لوثر سواء كان حيا او ميتا ، ومحاربة اتباعه والمؤمنين به، ادي هذا الي هروب هؤلاء وانتشارهم في أماكن كثيرة، ادي هذا الي انتشار الفكر البروتستانتي ووجود العمل الانجيلي في العالم.


العمل المرسلي وموقف الكنيسة

مع انتشار الفكر البروتستانتي في العالم ووجود طوائف انجيلية كثيرة ، خلق هذا جوا من انتشار الايمان والفكر الروحي لعمل ربنا وتقرب الافراد نحو الرب دون وسائط بشرية او وسائط مادية ، فكان التركيز علي العلاقة الشخصية بين الإنسان والله ، من خلال معرفة الحق ودراسة كلمة الله ، وكان التركيز علي ارسالية المسيح للتلاميذ ولجميع المؤمنين للعالم اجمع، فمن المعروف كتابيا ان الله ارسل التلاميذ الي العالم اجمع " الارسالية العظمي " وهذه الإرسالية ليس هدفها إنشاء مباني تسمي كنائس، وليس هدفها تكوين كيانات من القسس والأساقفة والشمامسة ، ولكن كان الهدف هو إنتشار فكر عمل الفداء وخلاص النفوس في العالم " أذهبوا إلي العالم أجمع وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها" (مر١٦: ١٥) فرسامة الاساقفة والقسس كان من أجل خلاص النفوس، ولكي تستقيم الامور ويتم متابعة المؤمنين، اختير من بينهم قسوس واساقفة وشيوخ وشمامسة، هؤلاء ليس ليكونوا فوق المؤمنين، وليس للتحكم والسيطرة كما اليوم، بل لخدمة من يؤمن لتثبيته في الإيمان، فالعمل المرسلي جزء هام جدا لتتميم إنتشار الإيمان، ولا يجب أن يكون منفصلا عن الكنيسة ( كعمل اداري منفصلا بذاته ) لأن في إنفصالة هذا يكون مثله مثل المذاهب والطوائف الأخري، وعندما تمول الكيانات المرسلية ماديا وتصير منبعا للدعم المادي والدعم الكرازي، تصير اداة تحكم في المذاهب الصغيرة التي تحتاج للمساعدة، من خلال من ينوب عن المذهب التابع للارسالية، فإنفصال الارساليات عن الكيانات والمذاهب والكنائس حتي وإن كان الهدف خدمة الكنائس والمذاهب، هذا الوضع لم يخدم العمل الإيماني بل وضعت في فرص الإستغلال من قبل النفوس الضعيفة من القادة التي وضعت في ايديهم أموالا لخدمة مجامعهم ، وياتي السؤال أين هي؟. أقلية امناء ( ان وجدوا ) بان ما وصل اليهم تم استخدامه في موضعه وهدفه .... أقول وقلبي يعتصر ... العمل المرسلي لم يخدم الإيمان المسيحي كثيرا في مصر ، والعيب ليس في الكيانات المرسلية ولكنها في ثقتها الكاملة فيمن تتعامل معهم ، اقولها بلا خوف ... المال أضاع الهدف الأساسي الذي للكنيسة وهو " خلاص النفوس " .

ان دعوة الله للمؤمنين كان العمل المرسلي وليست كيانات تمارس عبادة واخلاقيات في أشكالها الحضاري والديني، بل في كرازة لمن هم خارج الإيمان ، ولكن الكنيسة اليوم متقوقعة داخل ذاتها ما بين العمل الإداري وتنظيم العبادة داخليا ، ولذلك كثرت فيها الصراعات والخلافات ، فمن هو العظيم ؟ ليس رؤساء الدين!. وليس رؤساء المجامع والمذاهب والطوائف!. بل العظيم هو الذي يبذل نفسه من أجل الأخرين ويخدمهم بحق فيكون كما يُعلم "  فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. (مت ٥ : ١٩) والسؤال هل كنيسة اليوم بارساليتها تمثل العمل الالهي ( أتكلم علي المستوي العام للكنيسة بمذاهبها الثلاثة ( الأرثوذكسية و الكاثوليكية و البروتستانتية ) اترك الإجابة للقارئ العزيز.


العمل المرسلي وخدمتها

للعمل المرسلي نقاط إيجابية في البلاد التي زاروها فتركوا أثرا إيجابيا إجتماعيا، فقد ساهموا في إنشاء المدارس والمستشفيات وفي التنمية الإقتصادية، ليس في مصر فقط في ربوع العالم ايضا، فعلي سبيل المثال : في جبل لبنان في القرية الدرزية المحرومة من التعليم كتبت ( مجلة دراسات في التاريخ والآثار - ملحق العدد ٧٥ شهر جزيرا ٢٠٢٠ - البعثات التبشيرية البروتستانتية ودورها الثقافي في جبل لبنان ١٨٦١ - ١٨٣١ باهرة عادل هادي الجبوري أ.م.د نادية كاظم ، محمد العبودي ص ٢٠٢ ) قالوا  " أسست السيدة الأمريكية دوج MS.Dogg مدرسة صغيرة للبنات عام ١٨٣٥ كانت مخصصة أساساً للدروز ، وكان يحضر إليها خمسة عشر فتاة. " فقد كانت الارساليات تذهب للاماكن الغقيرة لترفع من شىئنها اجتماعيا وثقافيا. 

ليس هذا فقط ولكن في " عام ١٨٤٢ تم تأسيس الجمعية الاستشراقية الأمريكية لمساعدة النشاط التبشيري، وخلال قرابة عشر سنوات كان للجمعية نحو ثلاثين مطبعة تصدر نشراتها بعدة لغات، وقد قام مشايخ الموحدون أمثال آل تلحوق من عبية ، وآل جنبلاط في الشوف، بدعوة المبشرين الانجيليين ( البروتستانت ) الى إقامة المدارس في مناطقهم " ( نفس المصدر السابق ص ٢٠٢ ) فقد كان للارساليات في القرن التاسع عشر اثرا فعالا في خدمة المجتمع - أيضا في " عام ١٨٤٣ افتتحت الارسالية الامريكية مركزاً تعليمياً لها في عبية، حيث أنشأت مدرسة جديدة بلغ عدد طلابها خمسون، .... وسرعان ما نمت هذه المدرسة، فأصبحت من أهم المعاهد الانجيلية في البلاد لتدريب الطلاب على التبشير بالانجيل " ( نفس المصدر السابق ص ٢٠٢ ) فالعمل المرسلي في مضمونه واهدافه عمل جيد وهدفه رائع، ولكن للاسف يوجد في كل زمن استغلاليين عندما يجدوا فرصة للاقتناص لا يتأخروا ضاربن بعرض الحائط كل مبادى وقيم. 

للارساليات عمل فعال في ترجمة الكتاب المقدس وطباعته ونشره " وكان أبرز عمل قام به المبشرون الأمريكيون البروتستانت، هو ترجمة الكتاب المقدس عام ١٨٤٩ بمعاونة المعلم بطرس البستاني، الذي واصل العمل بترجمته حتى وفاته عام ١٨٥٧ ثم استأنف الترجمة الدكتور فانديك بمساعدة ناصيف اليازجي حتى انجزها عام ١٨٦٤ ثم طبعها بعد ذلك بأربع سنوات " ( نفس المصدر السابق ص ٢٠٢ ) فللارساليات دور فعال في العمل الإقتصادي والتنموي والتعليمي وفي نشر الإنجيل، فإن كنت اشرت الي إستغلال بعض النفوس من التمويل المرسلي ، فلا يمنع من وجود أقلية أمناء خدموا جيلهم في حياتهم وارضوا الرب.


نظرة للعمل المرسلي في مصر

العمل المرسلي الكاثوليكي والبروتستانتي كان له الاثر المبير في ازدهار الحياة المدنية في مصر، فالمدارس التابعة للارساليات لم يكون هدفها دعوي ديني في المقام الأول ولكن كان الهدف إثراء العمل المدني والثقافي، وفي هذا كتب أ. محمد شعبان في مقاله ( مقال صراع علي النفوذ استتر بالمذهبية. الارساليات المسيحية في مصر - محمد شعبان - السبت ٢ فبراير ٢٠١٩م موقع الرصيف ٢٢ ) نقلا عن أ.د.عماد حسين في كتابه ( "الجامعة الأمريكية في القاهرة/ 1919-1967" ) قال " أن الوجود التبشيري والتعليمي الأمريكي بدأ في مصر مع وصول القس توماس ماكايغ وقرينته في 15 نوفمبر 1854، وكان ذلك بقرار من الكنيسة المشيخية الإصلاحية في شمال أمريكا.... " فالعمل البروتستانتي لم يهدف لتحويل من مذهب لمذهب ولكن كان هدفه جذب النفوس لخلاص أنفسهم وضمان أبديتهم، بغض النظر عن الإعتناق المذهبي، ولكن لسبب ازدياد عدد المقبلين للإيمان الإنجيلي وازدياد عدد المبشرين   يُكمل أ.د.عماد حسين قائلا " وتبعهم عدد من المبشرين الأمريكيين. حتى ذلك التاريخ، لم يكن في مصر عدد يذكر من البروتستانت.... " ولكن الذي ساهم في انتشار العمل الانجيلي في مصر هو : 

أولا أن " المدارس الأمريكية .. لا سيما بعد تنامي عددها في جنوب مصر وشمالها ووصوله عام 1897 إلى 168 مدرسة، منها 133 خاصة بالبنين و35 خاصة بالبنات " هذه المدارس كانت سبب رفعة مصر في العمل المدني والتعليمي في مصر.

 وثانيا وقوف الكنيسة الارثوذكسية ضد العمل الإنجيلي في مصر ، فيكمل أ.عماد حسين قائلا " وكان من الطبيعي أن يستفز هذا النجاح الكنيسة المصرية، فأصدرت قرارات الحرمان بحق المتحوّلين إلى البروتستانتية، وصعدّت موقفها عام 1865 عندما زار بطريرك الكنيسة القبطية أسيوط، ودخلها في موكب ديني كبير، وقام بإغلاق المؤسسات التعليمية الأمريكية وتدمير بعضها وضرب بعض المتحولين عن الأرثوذكسية. لكن النشاط الأمريكي سرعان ما إستعاد حيويته، بل وحصل على تعويضات من الدولة عن كافة الخسائر التي لحقت به " فالاضطهاد أو العمل علي تحجيم العمل الإنجيلي ساعد علي توسعه وإنتشاره وتثبيته، هذا كما كان في عصر الكنيسة الأول ، فالاضطهاد أدي لإنتشار الإيمان المسيحي "  فَالَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ. (أع ٨ : ٤) كذلك فوقوف الكنيسة الأرثوذكسية حتي اليوم ضد العمل الإنجيلي في مصر يزيدها صلابة وقوة وتوسعا وانتشارا. 

التعصب المذهبي لا يخدم المسيحية كثيرا وبالرغم من أن في التعصب ( ذات ) سواء كان من أفراد أو مؤسسات ، ويرجع هذا للتمسك بالعقيدة المرصخة في نفوس تابعيها، دون النظر فيما توارثوه من جيل لجيل، ولكن كل من درس وتمعن في موروثاته سيكتشف ان ما توارثه ليس بالضرورة أن يكون جميعه صحيح، فالعقائد ليست الهية ومنزلة ، ولكنها مستنتجة من الأفكار الدراسية التي تقوم بها المؤسسات الدينية وبعض الافراد، فسيظل الصحيح منها مقبولا ومستمرا حتي وإن رفضه البعض، والباطل منها سياتي يوما ويندثر ، لأن المعرفة في نهاية الزمان تزداد .

فالفكر الكاثوليكي نحو المسيح والإيمان بالله هو ذات الفكر الأرثوذكسي والبروتستانتي ، وإن كان يوجد خلاف فليس جوهري ولا يغير في طبيعة الإيمانيات الأساسية، فالمسيح له طبيعتين وهذا المتفق عليه، أما كونهما متحدين أو منفصلين فلا يغير في اللاهوت شيئا، فالانشقاق ليس أساسه الفكر العقيدي بقدر ما هو في طريقة ادارة المناقسات كما حدث في مجمع خلقدونية، كذلك اليوم ما بين البروتستانت والطوائف الطقسية، فالايمان اللاهوتي في الله والمسيح كما هو ، أما في أمر ضمان الحياة الأبدية بالايمان أم بالاعمال، فلا يحتاج الأمر الي التعصب وتحجيم الأخر، لذلك نحتاح اليوم أن نترك النفوس تدرس وتتعمق في كلمة الله وتقارن وتختار طريقة العبادة التي تستريح لها، فإذا أدركنا هذا ستدخل الكنيسة ( العامة ) في نهضة روحية وإيمانية لم يكن لها مثيل .    

__________________________

٥ 

 الهدف الأساسي من الكنيسة

 

الكنيسه لها تاريخ .... وفي داخل تاريخها إمورا ظهرت في الكنيسه من تعاليم نقية حقيقيه، وتعاليم أطلق عليها مهرطقه، وقوانين كتبت ثم نسبت للرسل بعضها جيد والبعض الآخر يجب علي الكنيسة شجبه ورفضه، وما بين هذه وذاك وتلك إنقسامات وإنشقاقات وتحذبات، هل هذه هي الكنيسه التي أرادها الرب؟ بكل تأكيد لا .....!. لماذا؟ لأن الكنيسه التي أرادها الرب كنيسه في وحدة واحدة وفي إيمان واحد بلا تحذبات وبلا إنشقاقات، هذه هي كانت صلاة المسيح "  وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ، وَأَمَّا هؤُلاءِ فَهُمْ فِي الْعَالَمِ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ. أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ، احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ. (يو ١٧ : ١١ ) ( يو ١٧ : ٢٤) (رو ١٢ : ٤ - ٥ ) 


- هذه الوحدة تحتاح لعدة جوانب يجب مراعاتها : 

١ - الإيمان بأن الكتاب المقدس هو الدستور والمرجع الوحيد لكل التعاليم والكتابات بما فيهم ما يسمي بقوانين الرسل او قوانين الأباء .

٢ - قبول الأخر بإيمانه وعقيدته طالما لم يخرج في إيمانه عن الإيمان : بالله الواحد  المثلث الاقانيم - التجسد - الفداء - المجيى الثاني للمسيح، أما باقي المعتقدات فثانوية، بالطبع لا يجب اهمالها بل علينا دراستها ومطابقتها بفكر كلمة الله، وقبول ما يوافق الحق ورفض ما لا يوافق كلمة الله.

٣ - عدم تكميم الأفواه باستخدام السلطة، الكنسية او السياسية، فلنترك الكل يعبر عن رأيه بكل أمانة، فالضعيف والذي ليس علي حق هو من يُرهب الآخرين ليسكتوا.  

٤ - كل من اعتلي منصب اداري كنسي او غير ذلك عليه خدمة شعب الرب، فهو لهم خادم وليس عليهم برقيب، وعليه التمثل بسيده " كَمَا أَنَّ ابْنَ الإنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ". (مت ٢٠ : ٢٨) (يو ١٠ : ١١)

  مرت الكنيسة بحروب كثيرة لضعفها واسكاتها، ولكنها علي مر العصور اثبتت وجودها ووقفت شامخة راسخة علي ايمانها، فبالرغم من انقسامها وما بها من إمور لكنها ستظل صامته، ليس لأنها تحتوي علي رجال أشداء أقوياء .. كلا .. بل لأن الذي يديرها ويلهمها الحلول ويرشدها نحو الحق هو الروح القدس "  وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. (يو ١٦ : ١٣) (يو ١٤ : ٢٦) فالحق كتب في الكتاب المقدس، وأما باقي الكتب الروحية والتعاليم والقوانين الأبائية عليها الإخضاع لكلمة الله وقبول فلترتها، فنحصد شعب مستقيم تقي نقي يعرف الحق. 


الرجاء ودور الكنيسة

للكنيسة دور اساسي في العالم لدفع العالم  ليحصل علي الرجاء الممنوح له في المسيح "  لأنَّ ابْنَ الإنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ. (مت ١٨ : ١١) فالأية ليست هكذا "  لِكَيْ يُخَلِّصَ من سيهلك " كلا ... بل "   يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَك " عملية قيامه من الموت - فالغير مؤمن بالمسيح هو في تعداد الأموات ويحتاج لنوال الحياة، والفارق بين الأموات جسديا والأموات روحيا هي فرصة وجود الروح في الجسد ، فعند فراقها يتملك الموت الروحي الي الأبد إن لم يقبل الي الإيمان قبل الموت جسديا لنوال الحياة " لأنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ الله الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأبَدِيَّةُ. (يو ٣ : ١٦) هذا هو الهدف الأساسي الذي للكنيسة، فالذي يسير علي خلاف هذا يكون قد انحرف عن المسار الصحيح.

ليست الألقاب هي الخدمة التي يريدها الرب ( الشماس - القسيس - الدكتور القس الأسقف - المطران ....الخ.  ) وليست المناصب الكنيسية او الإدارية هي  الخدمة الحقيقية مثل ( رئيس.... - القائم..... - قائد.... - الاب الروحي ... عضو اللجنة ال.... الخ. )  وليست الخدمة ايضا في ( جمع المال والسعي وراء الجنيهات او الدلارات ) فيصير مالك المال هو كبير القوم، إن إنشغال المؤمنين في كل هذا يضعف الكنيسة ويحيدها عن مسارها .  

المسيح هو أول مرسل جاء من السماء إلي الأرض. جاء إلي هذا المكان العالم لكي يخلص الخطاة، فالأب ارسل الابن لرسالة بعيدة عن المناصب والمراكز، أُرسل المسيح بعيدا عن أي أهداف إجتماعية أو مادية، وقال " ... كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا". (يو ٢٠ : ٢١) فبالكيفية التي ارسل بها المسيح من الأب، هي نفسها التي منحها المسيح للكنيسة وارسلها " فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ". آمِينَ. (مت٢٨ :  ١٩-٢٠) يجب أن نرفع عيوننا وننظر إلي النفوس التي تحتاج الي نوال الحياة الابدية، فالعالم جاهز للحصاد ولقبول المسيح، ولكن عيون الكنيسة ليست  لأعلي نحو عمل الله بل لأسفل نحو الإجتماعيات والماديات " .... ارْفَعُوا أَعْيُنَكُمْ وَانْظُرُوا الْحُقُولَ إِنَّهَا قَدِ ابْيَضَّتْ لِلْحَصَادِ. (يو ٤ : ٣٥) يجب أن تكون لنا الرغبة ألا يهلك أناس بل أن يقبل الجميع إلي التوبة لان هدف المسبح في مجيئه الاول "  لَمْ آتِ لأدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ". (لو ٥ : ٣٢) وهذا يجب أن يكون هدف الكنيسة وواجبها نحو العالم اجمع.


الكنيسة هي عامود الحق و قاعدته

الكنيسه في المقام الاول كتابيا هي " ركن الحق " ليس هذا فقط بل ايضا هي" الدعامه " التي يستند عليها العمل الإلهي في الكرازه والعمل المرسلي لمعرفه الحق والإيمان بالمسيح، فعندما نقف أمام هذه العبارة لابد أن يصيبنا الخجل من أنفسنا لأن "  ... بَيْتِ الله، الَّذِي هُوَ كَنِيسَةُ الله الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ. (١تى ٣ : ١٥) وفي الترجمة التفسيرية هكذا " ..... بَيْتِ الله، أَيْ كَنِيسَةِ الله الْحَيِّ، رُكْنِ الْحَقِّ وَدُعَامَتِهِ." لذلك يجب ان تكون الكنيسه هي المقر الرئيسي لكل اعمال الله الإيمانية ولكل عمل مرسلي، وعليها تقديم الرؤيا والمشوره لكل من يقصدها طالبا المعرفه والإيمان، فهل كنيسه اليوم تقوم بالدور كاملا؟ 

أتكلم عن الكنيسه كمنظومه ومؤسسات  على مستوى العالم، يجب أن يكون لها دور فعال في الإرساليات، التي اليوم هي ارساليات أجنبيه ( عادي جدا ورائع ) ولكن في تعاملاتها مع الكنائس داخل مصر وبعض الدول العربيه ترتكز علي قاده الكنائس وليس على لجان، فعندما يكون فردا هو المسئول أو أداة الوصل بين الارساليه والكنيسه تكون فرصة الفساد متاحة كثيرا ( لا أعمم ولكن اشير إشارة نسبية ) أما عندما تتعامل الإرساليات مع لجان حقيقية تقل نسبة الفساد، وتذهب المساعده والخدمه لأصحابها، ويحصل كل حق علي حقه.

الكنيسة بكل صورها العامة والمحلية ليست المفوضة من الله لتكون النائب المنفذ له علي الأرض ولكنها مكلفة للعمل بما ارسلت من اجله، فالقضية ليست تفويض او إنابة بل تكليفا، فالرب متعهد بنائها ولذلك فهو المكلف بتتميم ما أرسلت الكنيسة من أجله ، ولذلك لا يوجد في التكليفات خليفة للمسيح أو للرسول أو للنبي المكلف من الرب، الكنيسة لها دور في العالم هو إعلان إسم المسيح ورسالة الخلاص والفداء للجميع والسلوك المرضي لجذب النفوس ، فهي ليست الرقيب ولا الخليفة للرب علي الارض، إن دورها فقط هو الإعلان ثم الإعلان ثم الإعلان فقط.

الوحيد المرسل إرسالية حقيقية هو المسيح إبن الله لانه هو الله وله كل الخصائص الالهية ولذلك له الحق فيما يقول وفيما يعلن وفيما يختار ، اما الكنيسة فهي اختيار المسيح لتكون جسده وهو راسها ليمنح لها تكليفات فتتحرك للتنفيذ ، وكل التكليفات ممنوحة للكنيسة من خلال الكلمة المقدسة المعلنة لنا ، ولذلك فالمرسل مكلف برسالة واحدة هي إظهار الإعلان الإلهي لمن لا يعرفه ولكل أمة تجهله. 

أصلي للرب أن يرفع شعبه رفعة تسموا للعمل الإلهي فتتحرك الكنيسة نحو الحق وإعلانه دون أن تنشغل بإمور بعيدة عن الحق لئلا تعاق الخدمة ويعاق عمل الله.  

_________________________________





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس