الإمتزاج الإلهي في الروح البشرية

 


============

الإمتزاج الإلهي في الروح البشرية

بقلم

القس عماد عبد المسيح

============

الفهرس

* الإمتزاج الإلهي : 

* النفس البشرية وما هو ثمين  : 

* المواعيد العظمى والثمينة : 

* الإمتزاج في دائرة النفس والروح :  

* الإمتزاج في دائرة الجسد الواحد : 





الإمتزاج الإلهي في الروح البشرية


في البداية لابد أن ندرك أن الله لا يحتقر الجسد ، ففي مجيئه الأول إهتم بخلاص روح الإنسان ، وفي المجيء الثاني سيكون إهتمام الله هو خلاص الأجساد ، فالطبيعة البشرية تحتاج إلي الله للخلاص والحياة الأبدية ، وعندما قام المسيح من بين الأموات بعد القيامة إستمر يؤكد لهم قيامته بالجسد الذي صلب به " وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهذَا وَقَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي وَسْطِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ:"سَلاَمٌ لَكُمْ!"فَجَزِعُوا وَخَافُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَظَرُوا رُوحًا.فَقَالَ لَهُمْ:"مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ، وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ! جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي".وَحِينَ قَالَ هذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ.وَبَيْنَمَا هُمْ غَيْرُ مُصَدِّقِين مِنَ الْفَرَحِ، وَمُتَعَجِّبُونَ، قَالَ لَهُمْ:"أَعِنْدَكُمْ ههُنَا طَعَامٌ؟ "فَنَاوَلُوهُ جُزْءًا مِنْ سَمَكٍ مَشْوِيٍّ، وَشَيْئًا مِنْ شَهْدِ عَسَل.وَقَالَ لَهُمْ:"هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ". (لو٢٤: ٣٦-٤٢، ٤٤) ( أع ١ : ١٣ ) 


فالجسد لا يراه الله أنه شر وأقل إهتماماً من الروح الإنسانية أو النفس البشرية ، فالجسد له دور فعال في الفترة الزمنية للإنسان في العالم ، فكما إهتم الله بخلاص الروح بموته على الصليب ، سيأتي الوقت الذي يهتم الله بفداء الأجساد في مجيئه الثاني علي سحاب المجد ويغير شكل جسد تواضعنا " الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ. (في ٣ : ٢١) إن إهتمام الله بأجسادنا هو للترقية من حالة الجسد الترابي إلي حالة مختلفة لأجسادنا مشابهه صورة جسد القيامة التي للمسيح جسد غير قابل للفساد .


الجسد الذي نعيش به الأن هو جسد ترابي ولكننا في السماء سنلبس صورة السماوي " وَكَمَا لَبِسْنَا صُورَةَ التُّرَابِيِّ، سَنَلْبَسُ أَيْضًا صُورَةَ السَّمَاوِيِّ. (1كو ١٥ : ٤٩) لأن في الحياة الأبدية بالسماء لابد أن نتخلص من هذا الجسد القابل للفساد إلي جسد عديم الفساد " فَأَقُولُ هذَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ: إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لاَ يَقْدِرَانِ أَنْ يَرِثَا مَلَكُوتَ اللهِ، وَلاَ يَرِثُ الْفَسَادُ عَدَمَ الْفَسَادِ. (1كو ١٥ : ٥٠) ليس هذا معناه أن الجسد الترابي أقل قيمة في نظر الرب ، كلا ، لأن الرب خلق الإنسان من التراب بلا فساد في حالة الإنسان الأول أدم ، ولكن بدخول الخطية فسد هذا الجسد ، ولذلك بالمجيئ الأول للمسيح أصلح أرواحنا وأنفسنا بفداءه ، وفي مجيئه الثاني سيغير جسد تواضعنا إلي جسد ذو قيمة مشابهه لجسد المسيح ، فالجسد الترابي قيمته في الروح البشرية ، فعندما يفقد الجسد الترابي الروح سيعود للأرض التي أخذ منها وعندما يحين وقت المجيئ الثاني للمسيح سيعطي إمكانية الروح والنفس البشرية أن تلبس جسد أخر غير قابل للفساد  


هذا الحق الكتابي يمنح المؤمنين رجاء في الحياة الأبدية وأنه يوجد نهاية لكل الام الحياة وتعبها " هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ. (1كو ١٥ : ٥١ ، ٥٢) ثم يؤكد الوحي الإلهي أنه لابد علي هذا الجسد أن يتغير " لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، (1كو ١٥ : ٥٣)

 فيهتف المؤمن حينها قائلا " ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ " (1كو ١٥ : ٥٥) فبالجسد الممجد لن يكون للموت سلطان ولن يكون للموت وجود في حياة المؤمن في الأبدية .


قد يسألي أحد عن جسد المسيح قبل وبعد القيامة هل اختلف ؟ 

وللاجابة أقول : 

-- المسيح لم يتغير جسده الذي ولد به لأن 

١ - الجسد مهيأ من الأب للأبن بالروح القدس " لِذلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ:"ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا. (عب ١٠ : ٥) وهذا هو الخبر الذي أُعلن للقديسة العذراء مريم "  فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: " اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ. (لو ١ : ٣٥)

٢ - جسد المسيح لم يري فسادا قبل القبر واثناء القبر فلم يحتاج لتغيير الجسد بعد القيامة " وَأَمَّا الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ فَلَمْ يَرَ فَسَادًا. (أع ١٣ : ٣٧) (أع ٢ : ٢٧ ) (أع ٢ : ٣١) (أع ١٣ : ٣٥) وقال عن نفسه انه بلا خطية " مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي؟ (يو ٨ : ٤٦) فالمسيح كان له جسد لا يحتاج للتغيير لأنه ليس من زرع بشر 


 * الإمتزاج الإلهي : 

كلمة إمتزج تعني إختلط ، عندما نتكلم عن اللاهوت والناسوت لا تتفق معهما كلمة امتزاج أو إختلاط ، فاللاهوت إتحد بالناسوت بدون امتزاج أو إختلاط ، أما عندما أتكلم في أمر المؤمن واتحاده بالطبيعة الإلهية ونقول " الإمتزاج الإلهي في الروح البشرية " لا نقصد أنه حدث للنفس البشرية إتحاد أو إمتزاج باللاهوت ، ولكن نقول إرتباط وثيق بالطبيعة الإلهية ، لا أتكلم عن إتحاد اللاهوت بالناسوت ولكني أتكلم عن إمكانية المؤمن مشاركة الله في طبيعته الإلهية وليس طبيعته اللاهوتية ، يوجد فرق بين الطبيعة اللاهوتية والطبيعة الإلهية ، فالمؤمن لن يتحد مع الطبيعة اللاهوتية إطلاقاً فهي تخص المسيح إبن الله المتجسد ولن تتكرر مع أي أنسان مهما إن كان ، أما المؤمن الإرتباط الوثيق الذي حدث له عند التجديد مرتبط بالطبيعة الإلهية 


في دراسة سابقة عن المشيئتين تكلمت عن إتحاد المشيئتين وقلت : " المسيح في ناسوته كإبن الإنسان سيستمر بهذا اللقب وهذه الطبيعة إلي الأبد ، فقد عاش بيننا متجسداً ( يو ١ : ١٤ ) وصعد الي السموات بنفس الطبيعة ( لو ٢٤ : ٥١ ) وسيأتي لنهاية الزمان بذات الطبيعة ( أع ١ : ١١ ) ، ( رؤ ١ : ٧ ) ففي المسيح الطبيعه الناسوتية لم تَقِل ولم تنفصل عن الطبيعة اللاهوتية " ( دراسة للقس عماد عبد المسيح عن المشيئتين ص ٥ ) 


الطبيعتين الناسوتية واللاهوتية متحدتين الي الأبد (مت ١٣ : ٤١) ، (يو ١ : ٥١) ، (مت ١٦ : ٢٧) ، (مت ١٦ : ٢٨) ، (مت ٢٤ : ٢٧ ، ٣٠ ٣٧ ، ٣٩ ، ٤٠  ) ، (مت ٢٦ : ٦٤) . هذا الاتحاد بدون إمتزاج وبدون تغيّير ، فالطبيعة اللاهوتية لم تتحول إلى طبيعة بشرية، ولا الطبيعة البشرية تحولت إلى طبيعة لاهوتية، ولم تذب الطبيعة البشرية في اللاهوت ، لكنهما ارتبطا إرتباطاً وثيقا في كل شيئ لدرجة عدم المقدرة علي الفصل بينهما .


أما النفس البشرية التي للمؤمنين فتختلف عن ما للمسيح في إرتباطها بالطبيعة اللاهوتية ، فالمؤمن لا يرتبط باللاهوت بل بالطبيعة الإلهية عند وقت خلاصها وإيمانها بالمسيح تنال تغيير لطبيعتها ، فتتغير من الطبيعة الفاسدة إلي الطبيعة الجديدة ، فـ بالإيمان بالمسيح يحدث عملية خلق إنسان جديد داخل النفس البشرية " إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا. (2كو ٥ : ١٧) هذه الطبيعة الجديدة هي طبيعة إلهية ( لا يصح القول طبيعة لاهوتيه ) 


المؤمن بالايمان بالمسيح صار متحداً فيه ( في المسيح )  هذا هو التصريح الناري الذي صرح به المسيح لكل من يؤمن به فقد قال " .... أَنِّي أَنَا فِي أَبِي، وَأَنْتُمْ فِيَّ، وَأَنَا فِيكُمْ. (يو ١٤ : ٢٠) هذا هو سر الإرتباط الوثيق بالطبيعة الإلهية ، فيري المؤمن نفسه مرتبط بالله إرتباطاً وثيقاً ، بل يري نفسه مرتبط بكلمة الله داخله ومن خلال الكلمة المقدسة التي ارتبط بها ارتباطاً وثيقاً أدخلته لشركة النعمة الإلهية " بِسَبَبِ هذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ،لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ، أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ،لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ، (أف٣: ١٤، ١٦-١٧) فالمؤمن صار له امكانية الإتحاد بالطبيعة الإلهية فيستطيع أن يغلب العالم وشهواته بالهروب وليس بالمواجهه " هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ. (2بط ١ : ٤) فالطبيعة الجديدة تمنح المؤمن مقدرة الهروب من الفساد وليس بالوقوف أمامها للمواجهه ، فالخطية والشهوه لا نتغلب عليها إلا بالهروب ، لأن من يقف أمامهما حتماً سيُهزم .


الطبيعة الإلهية يجدها المؤمن داخل البر والقداسة (أف ٤ : ٢٤) والمحبة (رو ٥ : ٥) ، (رو ٨ : ٣٩) والسلام والصلاح والفرح وطول الأناة والوداعة والتعفف (غل ٥ : ٢٢) فالمؤمن الممتلئ يثمر الروح متحد بالطبيعة الإلهية وقادر علي السير في نور الكلمة المقدسة ويعمل دائماً فيعود المجد لله في كل تحركاته وتصرفاته " فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (مت ٥ : ١٦) لن يستطيع المؤمن أن يكون في تفاعل مع الطبيعة الإلهية إلا إذا امتلأ بالروح وبكلمة الله من خلال الصلاة ودراسة الكلمة  


 * النفس البشرية وما هو ثمين  : 

المؤمن الحقيقي مكانه الأساسي في المسيح وليس أقل من هذا ، لذلك يستطيع أن يتمتع بالإرتباط الإلهي داخلياً فيتحرك بيقينية الإيمان واثقاً بأن مكانته في داخلها بمواعيد إلهية عظمى وثمينة  ، التي بدورها تقوم علي مساعدة المؤمن لتخطي كل صعاب تواجهه فلا تعاق خدمته ولا تضعف عزيمته ، فـ المواعيد العظمي والثمينة موجودة في كل مجالات الحياة ومتداخلة فيها ، فـ للمؤمن إمور ثمينة يعيش فيها وتعيش فيه.


 - ما هو ثمين متواجد في :

 ١ - إيماننا الذي هو أثمن من الذهب : فبدون الإيمان لن ينال الإنسان التزكية أمام الله ولن ينال المدح الإلهي والكرامة والمجد  " لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، (1بط ١ : ٧) الإيمان دائرة روحية عالية الجودة لأنها تمنح المؤمن فرص للإستخدامات الإلهية  ، ومهما اشتدت الألام وارتفع صوت إبليس بتجاربه سيرفعك الإيمان فوق كل تحربة أو إمتحان توضع فيه ، فـ الإيمان هو أثمن من الذهب الفاني ، فالذهب سيذهب أما إيمانك سيبقي ، فتمسك بما وصل إليك من معرفة وفهم وإدراك ، وإعلم أن مكافئات العلي لك ستكون مضاعفة هنا وفي الأبدية أيضاً .


 ٢ - دم المسيح الثمين الكريم : من الإمور الثمينة التي لا تقدر بمال وتفوق كل غالي هو دم المسيح ، هذا الدم الذي له تواجد روحي في حياة كل البشرية ، وله قيمته الفعالة في كل جيل  " عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ،بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ، (1بط١: ١٨-١٩) فكل دم بريء سُفك من نفوس قتلوا أو استشهدوا تأثيرهم محدود ، وحدودهم ينحصر ما بين أقرباءهم ومعارفهم وبين ما كتب عنهم ، ولكن فاعلية تأثير دمهم لا يؤثر في غفران الخطايا وكمال عملية الفداء ، أما دم المسيح فتأثيره وفاعليته الروحية والأدبية ما زال يعمل حتي اليوم ، لأن دم المسيح له إرتباط بالطبيعة اللاهوتية ، لذلك تأثيره سيكون فعال من الأزل والي الأبد ، فهو الدم المعروف منذ الازل ، فقبل أن يحدث تاريخياً كان معروفاً أزلياً " مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ، (1بط ١ : ٢٠) لأن عمل الفداء ليس وليد أحداث تاريخية في زمن حدوثه فقط ، بل هو أيضاً عمل الهي قائم منذ الأزل والي الأبد .


 ٣ - المسيح كحجر حي ثمين : فهو الأساس الذي يُبني عليه كل بناء روحي وكل عمل يقام لمجد الله ، فكل من اقترب من كلمة الله اللبن العقلي كلما استطاع المؤمن أن يبني علي صخر الدهور علي الحجر الحي المختار من الله " وَكَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ،إِنْ كُنْتُمْ قَدْ ذُقْتُمْ أَنَّ الرَّبَّ صَالِحٌ.الَّذِي إِذْ تَأْتُونَ إِلَيْهِ، حَجَرًا حَيًّا مَرْفُوضًا مِنَ النَّاسِ، وَلكِنْ مُخْتَارٌ مِنَ اللهِ كَرِيمٌ، (1بط٢: ٢-٤) وهو يُعرف أيضاً بـ حجر الزاوية ومن يؤمن به لا ولن يخزى بل سيكون له مجد المسيح حجر الزاوية " لِذلِكَ يُتَضَمَّنُ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ:"هنَذَا أَضَعُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرَ زَاوِيَةٍ مُخْتَارًا كَرِيمًا، وَالَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَنْ يُخْزَى". (1بط ٢ : ٦) فكل مؤمن أمن بالمسيح فقد تثبت علي أساس لن يتزعزع مهما توالت الأحداث ومهما تغيرت الظروف ، فسيبقي المسيح ومن أمنوا به علي أساس لن يتزعزع مهما كانت العواصف والرياح والأمطار والزوابع فسيظل المؤمن ثابتاً إلي الأبد ، ألا تهتف معي وتقول " هللويا للرب كل المجد والكرامة " 


٤ - الروح الوديع والهادئ : هذا الروح الوديع الهادي ليس للمرأة المؤمنة فقط بل هو لكل مؤمن نال الخليقة الجديدة فصار له إنسان القلب الخفي " بَلْ إِنْسَانَ الْقَلْبِ الْخَفِيَّ فِي الْعَدِيمَةِ الْفَسَادِ، زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ، الَّذِي هُوَ قُدَّامَ اللهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ. (1بط ٣ : ٤) وإن كان في هذه الاية يتكلم للمرأة المؤمنة ، ولكن الروح الوديع الهادي ثمة كل مؤمن حقيقي لا يهتم بإمور العالم ومباهجه وتعظم المعيشة فيه ، بل يكون في زينة القلب الداخلي لمجد الله " وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ. (أف ٤ : ٢٤) هذا هو إنسان القلب الخفي زينته البر والقداسة والحق ، فالإهتمام الحقيقي بالإنسان الداخلي وليس بالجسد الخارجي الذي يفني ، لأن الداخلي يجدد دائماً فهو لا يشيب ولا يعجز " لِذلِكَ لاَ نَفْشَلُ، بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا. (2كو ٤ : ١٦) فغير المؤمن له إنسان واحد أما المؤمن أو المؤمنة فإنسانان خارج وداخل – ظاهر وباطن (خفي)  ما أحقر تقدير الناس المؤسس على المظاهر الخارجية الخادعة! لكن التقدير الصحيح هو تقدير الله ، لذلك ينبغي أن يكون إهتمام المؤمن والمؤمنة لا بالأمور الوقتية بل بالأمور الأبدية " اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّذِي يُعْطِيكُمُ ابْنُ الإِنْسَانِ، لأَنَّ هذَا اللهُ الآبُ قَدْ خَتَمَهُ". (يو ٦ : ٢٧) هذا ليس معناة أن لا نعمل ، بل لنعمل لأن هذا واجب الحياة ، ولكن ليكن إهتمامنا الأول وموضوع مشغوليتنا بالأمور الروحية والأبدية.


 * المواعيد العظمى والثمينة : 

من أثمن ما للمؤمن في الحياة الروحية هي المواعيد الإلهية " كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ،اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ. (2بط١: ٣-٤) فالمواعيد العظمي والثمينة تمنح المؤمن النشاط الروحي والمقدرة علي السير في يقينية الإيمان الداخلي.


 - المواعيد العظمي تجدها في : 

أ - نعمة المسيح الكافية لكل مؤمن : هذه النعمة تعمل لتغطية المؤمن وقت الأزمات وبالأخص إثناء الخدمة فتساعد ألمؤمن علي تحمل الألم والتعب لأن النعمة كافية لإظهار قوة الروح وتغطية كل ضعف جسدي "  فَقَالَ لِي:"تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ". فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ. (2كو ١٢ : ٩) فبدون نعمة المسيح لا يستطيع المؤمن أن يفتخر بالقوة وسط الضعف الجسدي ووقت التجارب ، فالنعمة وقت التجربة هي المنفذ الإلهي للمؤمن " لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا. (1كو ١٠ : ١٣) لذلك يحتاج المؤمن أن يكون دائماً بجوار عرش النعمة لينال رحمة خاصه وليدرك المنفذ الخاص للخروج من التجربة بمجد إلهي لأن وعده قائم للأبد  " وَادْعُنِي فِي يَوْمِ الضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي". (مز ٥٠ : ١٥)


ب - الغفران مفتوح ومتاح للجميع : لكل المؤمنين مساحة مفتوحة للغفران عندما نعترف بخطايانا الصادرة بعضنا نحو بعض ، فالمؤمنين السالكين في النور يمكنهم أن يسيروا في شركة روحية ، وهذه الشركة قد يحدث فيها أخطاء بعضهم نحو بعض ، فيجب أن نعلم أنه يوجد دم المسيح الكفيل أن يطهر من كل خطية بشرط أن يكون المؤمن في النور وواضح " وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ. (1يو ١ : ٧) ولكن شرط التطهير هو الإعتراف للرب والإعتراف بالخطأ بعضنا نحو بعض فننال الغفران " إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ. (1يو ١ : ٩) فمن يوجه نحوه لوم واضح وينكر خطأه ويتمسك بكماله في الكبرياء ولا يعترف بخطأه فمثل هذا يحتاج لمعرفة كلمة الله والتعليم " إِنْ قُلْنَا: إِنَّنَا لَمْ نُخْطِئْ نَجْعَلْهُ كَاذِبًا، وَكَلِمَتُهُ لَيْسَتْ فِينَا. (1يو ١ : ١٠) فدم المسيح والغفران ليس تصريحاً لتكرار الخطأ والإتكال علي هذا الوعد ، بل ليكن الإدراك أن المؤمن في شركته مع إخوته مبني علي السلوك في النور أي السلوك في كامل الشفافية والوضوح.


ج - الإنتصار علي إبليس : للمؤمن إمكانية الإنتصار علي إبليس وجنوده وهذا يتطلب خضوع لله في دائرة كلمته المقدسة ومقاومة إبليس بالمكتوب " فَاخْضَعُوا ِللهِ. قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ. (يع ٤ : ٧) فالخطية لا تقاوم بل نهرب منها ، أما إبليس فيمكننا مقاومة أفكاره بالمكتوب ، فالفكر يقاوم بالفكر والخطية المحيطة نغلبها بالهروب والتجارب نخرج منها بالصلاة في عرش النعمة ، هذا فنجد المنفذ والرحمة والنعمة الكافية وقت الأزمات ، ويغني المؤمن قائلاً " مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضَِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ ... وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا. (رو٨: ٣٥، ٣٧)


د - المكان الأبدي مُعد : قال المسيح بوعد إلهي لتلاميذه ولكل المؤمنين به أن لا يخافوا أو يقلقوا لأن للمؤمنين مكان أبدي مضمون " لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ فَآمِنُوا بِي.فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا،وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا، (يو١٤: ١-٣) فالمكان مُعد وسيأتي اليوم الذي يأتي فيه ليخطفنا علي سحاب المجد ، لذلك يجب أن نكون مستعدين ومنتظرين يوم مجيئه " فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ.لأَنَّ الرَّبّ نََفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً.ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ. (1تس٤: ١٥-١٧) هذا وعد عظيم وثمين ينتظر المؤمنين .


لذلك يجب أن يدرك المؤمن بأنه بالإيمان بالمسيح صار من جنس مختلف " وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ. (1بط ٢ : ٩) فكوننا مختلفين عن غيرنا فليس معناه ان  أن الإبتعاد عن الآخرين بل الإقتراب إليهم للكرازة والبشارة ليعرفوا هم أيضا المسيح ويتغيروا ليصيروا جنس مختار كما نحن ، هذ الوضع الروحي الذي للمؤمن يجعله يقترب لهذا الحق عندما يدركه 


* الإمتزاج في دائرة النفس والروح :  

 إختلف التعليم ما بين النفس والروح ، فيوجد من يؤمن بأن النفس والروح شيئاً واحداً ، ويوجد من يؤمن أنهما شيئان مختلفان ولكل منهما خصائصه ، ولكن الإنسان في تكوينه كما شرح الكتاب المقدس بأيات كثيرة أن الإنسان يتكون من ( جسد ونفس وروح ) فمنذ البداية خلق الله الإنسان الجسد من التراب والروح نفخة فمه والنفس نتاج إتحاد الروح بالجسد " وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً. ( تك ٢ : ٧ ) هذا الإنسان الذي خلقه الرب جعل له كيان للنفس وكيان للروح ، فكيان الجسد مبني علي الإهتمام به من الناحية الجسدية ، وكيان النفس يعمل من خلال الحواس الخمسة  ، وكيان الروح يعمل من خلال فهم كلمة الله ، ومعاملات الله بالروح القدس داخل ارواحنا ، والثلاثة لهم إرتباط وثيق يجعلهم واحد في كل فعل ، وكلاهما يساعد الأخر بكل إهتمام وتقدير لا إراديا ، فليس لعقل الإنسان تدخل في العلاقة ما بين الروح والنفس ولكن يستطيع الإنسان أن يغذي النفس والروح إراديا بالقرأة والصلاة ودراسة كلمة الله و.... الخ. كما إنه يستطيع إراديا أن يغذي الجسد بالإهتمام والرعاية .


لا يوجد إمتزاج وإختلاط بين الجسد والنفس والروح ، ولكن يوجد إرتباط وثيق بينهما ، فالجسد يمنح طاقة ونشاط وعمل ويجعل للإنسان وجود في عالم المادة ، والروح يمنح الجسد حياة وحركة ، والنفس تمنح الإنسان كله دفئاً بالمشاعر والأحاسيس ، يحدث كل هذا في الانسان دون أن يكن لهما امتزاج واختلاط ، بل ترابط ووحدة ، لذلك عندما تنقطع هذه الوحدة ينفصل الروح والنفس عن الجسد بإستقالالية كاملة  دون أن يؤثرا في الكيان الإنساني للإنسان بعد الموت ، فسيظل الإنسان يتكلم ويفكر ويشعر ، فبعد أن مات العازر وانفصل الروح والنفس عن الجسد ، صار يشعر بالتنعم في حضن ابينا ابراهيم ، والغني أيضاً شعر باللهيب والألم والحزن والتمني بعدم مجيئ إخوته في نفس مكان العذاب هذا (لو١٦: ١٩-٣١) فإنفصال الروح والنفس عن الجسد لن يفقد الإنسان إنسايته وأحاسيسه ولن يفقد قدرته علي التفكير والتعبير .


العقل كيان داخل النفس والروح وهو الذي يعمل علي توجيه المخ   فالمخُّ خاضعٌ للنفس في القرارات العليا وعليه يقوم بتوجيه كل الجسد سواء في الجانب السلبي أو الجانب الإيجابي ، فالمخ ينتهي بانتهاء الجسد أما العقل فسيستمر موجود وممتزج بالنفس والروح الي الأبد فسيظل خالداً بخلودهما معاً ، العقل يمتلك داخله كل الإمكانيات لتحليل المواقف والاحداث وادراك الإمور ويعمل جانباً إلي جنب مع الضمير ، والإثنان يأخذان كل غذائهما من المعرفة والفهم ، فكلما زادت المعرفة والفهم كلما كان للعقل والضمير فرصة لتحريك كل الجسد والزام المخ علي تنفيذ كل الأوامر  ، لذلك كان المسيح يـُعلم بتعاليم عميقة نافعة لكل جيل ولكل زمان ، وكان يُحِث الجميع علي المعرفة والفهم ، لأنه منذ البدء يعمل علي اعطاء المعرفة " لِتُعْطِيَ شَعْبَهُ مَعْرِفَةَ الْخَلاَصِ بِمَغْفِرَةِ خَطَايَاهُمْ، (لو ١ : ٧٧) وكان يوبخ الكهنة والكتبة والناموسيون اللذين منعوا المعرفة عن الشعب " وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا النَّامُوسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ أَخَذْتُمْ مِفْتَاحَ الْمَعْرِفَةِ. مَا دَخَلْتُمْ أَنْتُمْ، وَالدَّاخِلُونَ مَنَعْتُمُوهُمْ". (لو ١١ : ٥٢) فالمعرفة والفهم مفتاح كل عقل والعقل مفتاح دائرة النفس والروح ، فكلما إستقي الإنسان من دوائر المعرفة الكتابية الصالحة الصادقة الأمينة ، كلما استقامت النفس وكلما صار للروح مساحة للسمو والارتفاع وكلما كان للروح القدس مجال مفتوح للتعامل مع الروح والنفس لتغيرهما 


* الإمتزاج في دائرة الجسد الواحد : 

فكرة الإمتزاج لا تعمل في الكيانات المستقلة ، فيمكن للسكر والملح الزوبان والإمتزاج في الماء لدرجة لا يمكن فصلهما إلا من خلال عملية التبخير وجمع كلٍ علي حدة لأنه مواد مركبة ، فكل مركبيمكن فصله ،  أما في الشخصيات لا يمكن حدوث إمتزاج أو إختلاط أو زوبان الشخصيات بعضها في بعض ، ولكن يمكن الإرتباط الوثيق بين الشخصيات بعضها ببعض فكما أن الأقانيم اللاهوتية في وحدة واحدة لكنهما بلا امتزاج وبلا إختلاط وبلا تركيب ووحدتهما وحدة جامعة فلكل إقنوم كيانه واستقلاليته دون إنفصال عن الأخر ، فهو ليس امتزاج أو إختلاط بل ارتباط وثيق بعضهم ببعض دون إنفصال وليس فيه تركيب 


هكذا في علاقاتنا كمؤمنين أعضاء في الجسد الواحد ، فكل كنيسة لها اعضائها عليهم أن يكونوا متحدين في وحدة الجسد الواحد دون إمتزاج ودون إختلاط ، بل لكل عضو إستقلاليته دون أن ينفصل عن إخوته ودون أن يمتزج بهم امتزاج يلغي كينونتهم ، فكل عضو يخدم ويحب ويقبل الأخر ، فهو متحد بإخوته في جسد واحد ووحدة روحية واحدة ، وهذه كانت صلاة المسيح " .... احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ. (يو ١٧ : ١١) هذه الوحدة ليست ممتزجة وليست مركبة بل متحدة إتحاد روحي بترابط وثيق " لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي. (يو ١٧ : ٢١) فاتحادنا بلأب والابن اتحاد لا تركيب فيه ، فهو اتحاد في الفكر والفهم وتلتعليم والإيمان والسلوك المقدس " مُهْتَمِّينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ اهْتِمَامًا وَاحِدًا، غَيْرَ مُهْتَمِّينَ بِالأُمُورِ الْعَالِيَةِ بَلْ مُنْقَادِينَ إِلَى الْمُتَّضِعِينَ. لاَ تَكُونُوا حُكَمَاءَ عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ. (رو ١٢ : ١٦) ، (رو ١٥ : ٥) وأن نكون بلا إنشقاق (1كو ١ : ١٠) (1كو ١٢ : ٢٥) 


لا توجد علاقة وترابط بين إثنين في دائرة الإمتزاج والإختلاط الكامل ، حتي الزوجين اللذين صاروا جسداً واحداً ليسوا في مستوي الإمتزاج " وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. (مت ١٩ : ٥)  هم في مستوي الترابط الوثيق والإتحاد المبني علي المحبة والتقدير والإحترام ، ومهما اقتربوا بعضهم نحو بعض فلهم أيضاً مستوي من الإستقلالية في بعض الإمور ، فهم متفقون في كثير من الإمور ومختلفين في إمور أخري ولكن كل منهم يقبل الأخر كما هو محاولاً إسعاده ، هكذا المؤمنين بعضهم نحو بعض يقبلون بعضهم البعض ويعيشون في دائرة الجسد الواحد روحياً ولكن لكل منهم إستقلاليته " لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضًا اعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ، يَهُودًا كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ، عَبِيدًا أَمْ أَحْرَارًا، وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحًا وَاحِدًا. فَإِنَّ الْجَسَدَ أَيْضًا لَيْسَ عُضْوًا وَاحِدًا بَلْ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ. (1كو ١٢ : ١٣ ، ١٤) وفي تنوعهم جمال وكمال وفي إتحادهم ووحدتهم جسداً روحياً واحداً لمجد المسيح " وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. (يو ١٧ : ٢٢) ففي الوحدة والإتحاد مجد للمسيح وفي الإنقسام إهانة وتأخير لعمل الله.


دعونا نعمل معاً للوصول لدائرة الترابط والوحدة لنكون خدام حقيقيين لمجد الله ، فإبليس يعمل دائماً لزرع خصومات بين الإخوة مستخدماً النفوس الضعيفة والمتكلة علي الدائرة النفسية لخراب الوحدة وتفكيك كل إرتباط وثيق بين الإخوة ، فلنتمسك بعضنا ببعض ونتكل علي دم المسيح وغفرانه ، ونقبل الأخر مهما كانت درجة إختلافه معنا ، فالمسبح قبل يهذا الخائن وتوما الشكاك وبطرس الناكر والمتسرع وباقي التلاميذ المختلفين في طباعهم وطريقة حياتهم ، فقد أحب الكل وقبل الكل فقد كان قلبه متسع للجميع ، فهل لنا روح المسيحالتي به نستطيع أن نقبل بعضنا بعض ، أقول في إسم المسبح أمين. 






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس