شهادة الحق في عظتا بطرس و اسطفانوس

 


 

شهادة الحق

في

عظتا بطرس و اسطفانوس

  

بقلم

القس عماد عبد المسيح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  

مقدمة

 

سفر الأعمال من الأسفار التاريخية الخاصة بعصر الكنيسة الأولى، وكيف استقبلوا الإيمان والمعرفة بشخص المسيح، وعمل الروح القدس والتأثير الفعال في حياة الرسل والشمامسة في ذلك الوقت. ونرى في سفر الأعمال عظتين مهمتين: الأولى للرسول بطرس، والثانية للشماس استفانوس. كل منهما يحتوي على أفكار تحتاج إلى دراسة وتمعن وفهم. ف

- عظة بطرس أمام جمهور من اليهود  :

عظة بطرس يوم الخمسين تُعتبر من أعظم العظات في التاريخ المسيحي وأول إعلان عام وشامل لإنجيل الخلاص بعد صعود المسيح. بطرس، الذي كان صيادًا بسيطًا ومندفعًا قبل إيمانه، أصبح بعد حلول الروح القدس كارزًا جريئًا وشخصية بارزة داخل الكنيسة الأولى، وقعت هذه العظة في ظروف استثنائية. كان التلاميذ مجتمعين في العلية يوم الخمسين عندما حل الروح القدس عليهم بقوة، مما أدى إلى تكلمهم بألسنة مختلفة. هذا الحدث غير المسبوق جذب انتباه جمهور كبير من اليهود من مختلف البلدان، الذين كانوا مجتمعين في أورشليم للاحتفال بعيد الخمسين. ومع تزايد الحيرة والدهشة بين الناس، وقف بطرس ليقدم تفسيرًا لهذا الحدث العجيب، ويعلن الحق عن يسوع المسيح باعتباره المسيح المنتظر. استخدم بطرس النبوات والكتابات المقدسة في العهد القديم لإثبات أن يسوع هو المسيح الذي أتم خطة الله للخلاص. بدأ العظة بتوضيح أن ما حدث كان تحقيقًا لنبوة يوئيل عن حلول الروح القدس في الأيام الأخيرة، ثم انتقل ليؤكد أن يسوع، الذي صُلب وقام من بين الأموات، هو المسيح المنتظر الذي تنبأ عنه داود في مزاميره.

عظة بطرس لم تكن مجرد إعلان للحقائق اللاهوتية، بل كانت دعوة مباشرة للتوبة والإيمان. وجه بطرس كلامه بقوة وإقناع إلى الجمهور، مشيرًا إلى أنهم قد شاركوا في صلب المسيح بسبب عدم إيمانهم. ومع ذلك، قدم لهم رجاءً في الغفران والخلاص من خلال التوبة والمعمودية باسم يسوع المسيح، تأثير العظة كان هائلًا؛ استجاب حوالي ثلاثة آلاف شخص لدعوة بطرس واعتمدوا في ذلك اليوم، مما أدى إلى نشأة الكنيسة الأولى كمجتمع حي من المؤمنين الذين يجتمعون للصلاة وكسر الخبز، عظة بطرس يوم الخمسين كانت لحظة فارقة في تاريخ الكنيسة المسيحية، حيث أعلنت بداية عصر جديد: عصر انتشار الإنجيل بقوة الروح القدس، ودعوة جميع الأمم إلى الخلاص في المسيح يسوع.

- عظة استفانوس أمام المجمع :

عظة استفانوس الواردة في سفر أعمال الرسل (الإصحاح السابع) تُعد واحدة من أبرز العظات في الكتاب المقدس. ليست عظة تقليدية بل هي شهادة إيمانية جريئة أدت إلى استشهاده، مما جعلها علامة فارقة في تاريخ الكنيسة الأولى. استفانوس، الذي كان أحد السبعة الذين اختيروا لخدمة الكنيسة، لم يكن مجرد شخص متواضع في الخدمة اليومية، بل كان رجلا مملوءًا بالإيمان والروح القدس ( اع ٦ : ٥ ) وقد أعطى مثالا رائعًا عن الشجاعة في الشهادة للحق الإلهي.

ظروف العظة : بدأت عظة استفانوس في سياق اتهامات باطلة وجهها إليه بعض من اليهود الذين عجزوا عن مقاومة حكمته والروح الذي كان يتكلم به ( اع ٦ : ١٠ ) استدعي أمام المجمع (السنهدريم) بتهمة التجديف ضد الله، موسى، الشريعة، والهيكل. على الرغم من أن الاتهامات كانت غير صحيحة، استغل استفانوس الموقف ليقدم عرضًا شاملًا لتاريخ تعامل الله مع شعبه، وليؤكد أن رفضهم ليس جديدًا بل هو استمرار لنمط رفض الشعب لله ورسله عبر التاريخ، وركزت عظة استفانوس على استعراض تاريخ إسرائيل منذ دعوة الله لإبراهيم وحتى أيام موسى والأنبياء. أشار إلى كيفية تعامل الله مع شعبه عبر العصور وكيف أن الشعب، رغم نواله النعمة والإعلانات الإلهية، استمر في رفض الله وخطته، كما ألقى الضوء على مفهوم العبادة الحقيقية، مؤكدًا أن الله لا يُحصر في هيكل أو مكان محدد، وأن العلاقة مع الله تتجاوز الأماكن المادية والطقوس التقليدية، في ذروة عظته، وجه استفانوس اتهامًا مباشرًا إلى القيادات الدينية، قائلا إنهم يقاومون الروح القدس كما فعل آباؤهم، وإنهم خانوا وقتلوا البار (يسوع المسيح) الذي أرسله الله.

كانت عظة استفانوس قوية ومؤثرة لدرجة أنها أغضبت الحاضرين في المجمع. بدلا من التوبة أو التفكير في كلامه، قسا قلوبهم عليه، وقادوا استفانوس خارج المدينة ليرجموه. ومع ذلك، حتى في لحظات استشهاده، أظهر استفانوس قلبًا مليئًا بالمحبة والغفران، حيث صلى قائلا " ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ:"يَارَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ". وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ. (أع ٧ : ٦٠) إيمان حي - شهادة حية لقوة الإيمان - شجاعة الوقوف للحق حتى الموت، استشهاده كان بداية مرحلة جديدة في الكنيسة، حيث تشتت المؤمنون وبدأوا ينشرون رسالة الإنجيل في أماكن أبعد، تحقيقًا لقول الرب "  لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأرْضِ". (أع ١ : ٨) عظة استفانوس مثالًا حيًا للمؤمنين عن كيفية الثبات في الإيمان والشهادة للمسيح مهما كان الثمن. استفانوس لم يكن فقط أول شهيد في المسيحية، بل كان رمزًا للإيمان الذي لا يهتز والشجاعة التي تلهم الكنيسة في كل الأجيال.

- طبيعة بطرس قبل الإيمان :

بطرس، الذي كان اسمه الأصلي سمعان، كان صياد سمك من بيت صيدا، رجل بسيط وغير متعلم بحسب المعايير الثقافية اليهودية في ذلك الوقت (اع ٤ : ١٣). كان يتمتع بشخصية قوية، اندفاعية، ومليئة بالحماس، لكنه أحيانًا كان يتصرف بدون تفكير عميق. نرى ذلك في محاولاته المشهورة مثل السير على الماء نحو المسيحت ١٤ : ٢٨ - ٣٠) وإنكاره له ثلاث مرات أثناء محاكمته (لو ٢٢ : ٥٤ - ٦٢) ولكن تغير الأمر بعد الايمان

- طبيعة بطرس بعد الإيمان :

بعد قيامة المسيح وحلول الروح القدس في يوم الخمسين، تحولت شخصية بطرس بشكل جذري. أصبح شخصًا شجاعًا ومملوءًا بالقوة الإلهية، قادرًا على مواجهة القيادات الدينية (اع ٤ : ١٨ - ٢٠) وعلى تقديم رسالة الخلاص بوضوح وثبات. بطرس، الصياد البسيط، أصبح قائداً للكنيسة الأولى ومبشراً عظيماً، يدعو الجميع للتوبة والإيمان بيسوع المسيح.

- طبيعة استفانوس قبل الإيمان

كلمة الله لا توفر الكثير من التفاصيل عن حياة استفانوس قبل الإيمان، ولكن نعلم أنه كان يهودياً تقياً من بين اليونانيين الذين عاشوا في الشتات. من المؤكد أنه نشأ متعلماً في الثقافة اليهودية ومتعمقاً في الناموس والشريعة، مما يظهر في معرفته العميقة بتاريخ إسرائيل وقدرته على الدفاع عن الإيمان المسيحي أمام القيادات اليهودية.

- طبيعة استفانوس بعد الإيمان :

استفانوس، بعد إيمانه بالمسيح، أصبح واحداً من أعمدة الكنيسة الأولى، مليئاً بالإيمان والروح القدس (اع ٦ : ٥). كان مميزاً بين المؤمنين بخدمته المخلصة، إذ تم اختياره كواحد من السبعة الذين عُينوا لخدمة الأرامل والمحتاجين (أع ٦ : ١ - ٦) لكن خدمته لم تقتصر على الأمور العملية؛ كان كارزاً قوياً، يشهد للمسيح بكل شجاعة وحكمة. هذه الشجاعة وصلت ذروتها في شهادته أمام السنهدريم، حيث أعلن الحق دون خوف، حتى واجه الاستشهاد بأمانة كاملة (أع ، 7 :54-60).

- الخلفية المشتركة والتحول الجذري :

رغم الاختلاف في خلفيات بطرس واستفانوس، يشتركان في أنهما شخصان عاديان تحولتا حياتهما بالكامل بعد الإيمان بالمسيح وحلول الروح القدس. بطرس، الصياد البسيط، واستفانوس، الرجل الحكيم والمليء بالإيمان، كلاهما قدما نموذجاً حياً للقوة التي يمنحها الإيمان بيسوع المسيح، وكيف يمكن لله أن يستخدم أشخاصاً من خلفيات متنوعة ليعلنوا رسالته للعالم.

  

 

١

عظة بطرس

 الربوبية والمسيانية

 

الربوبية : تعني الاعتراف بيسوع المسيح كرب وسيد مطلق على كل شيء. تشير إلى طبيعته الإلهية وسلطانه الكامل باعتباره الله المتجسد. في سياق عظة بطرس، تم التأكيد على أن يسوع المسيح ليس مجرد نبي أو معلم، بل هو الرب الذي له السلطان على الحياة والموت، والذي قام من الأموات بقوة إلهية، كما أشار بطرس إلى ذلك من خلال استشهاداته بالمزامير التي تنبأت بسلطانه الأبدي.

في عظته اعلن عن ربوبية المسيح موضحا :  أن يسوع هو الرب والمسيح الذي أقامه الله وأعطاه السلطان.  ( أع ٢ : ٣٦ )  ( اع ٢ : ٢٣ - ٢٤ ) كما انه استشهدبالمزامير لتأكيد سلطان المسيح فهو رب ( اع ٢ : ٢٥ - ٢٧ مع مز ١٦ : ٨ - ١١ ) يشير بطرس إلى أن داود تنبأ بقيامة المسيح وسلطانه الأبدي، ويؤكد ان ارتفاعه إلى يمين الآب كدليل على الربوبية ( اع ٢ : ٣٣ ) ارتفع إلى يمين الله، موضع السلطان الإلهي، ودليل سلطانه الابدي ( اع ٢ : ٣٤ ، ٣٥ مع مز ١١٠ : ١ ) يؤكد أن يسوع هو الرب الذي تحدث عنه داود، صاحب السلطان الأبدي، فمن خلال هذه الشواهد، يوضح بطرس أن يسوع المسيح ليس مجرد نبي، بل هو الرب الذي له السلطان المطلق على كل شيء، وأن قيامته وصعوده هما البرهان الأعظم على طبيعته الإلهية وسلطانه الأبدي.

المسيانية : تشير إلى أن يسوع هو المسيح المنتظر الذي تنبأ به الأنبياء في العهد القديم. يتجلى دور المسيح المنتظر في تحقيق خطة الله للخلاص، إذ جاء ليخلص البشرية من خطاياها ويجدد علاقتها مع الله. بطرس أوضح في عظته أن يسوع هو تحقيق لنبوات العهد القديم (مثل نبوة يوئيل ومزامير داود) وأن صلبه وقيامته هما جزء من هذه الخطة الإلهية.

فكر المسيانية في عظة بطرس كانت واضحة المعالم حيث أنه ربط بين حياة المسيح وما جاء في النبوات : فالمسيح هو - تحقيق نبوة يوئيل عن حلول الروح القدس (أع ٢ : ١٦ ، ١٧ مقتبس من يوئيل ٢ : ٢٨ - ٣٢ ) ثم يتطرق في عظته الي إثبات أن يسوع هو نسل داود المنتظر ( أع ٢ : ٣٠ ) وان قيامته اعلان مسيانيته كونه المسيح المنتظر ( أع ٢ : ٣٣ ) فصعود المسيح إلى يمين الآب وسكب الروح القدس يُظهر أنه المسيح هو المسيا الموعود به الذي أعلن الأنبياء عنه ، وهو العبد المتألم الذي تنبأ عنه إشعياء ( أع ٢ : ٣٦ ) هذا هو المسيح ( المسيا ) الذي وعد الله ان الخلاص للمؤمنين بالمسيح ( اع ٢ : ٣٨ ) المسيح المنتظر جاء ليمنح الغفران والخلاص، وهو ما أعلنه الأنبياء عن دوره في تجديد العلاقة مع الله.

المسيح في مسيانيته هو تحقيق النبوات (يوئيل، داود).التي اعلنت صلبه وقيامته كجزء من خطة الخلاص، وأن زمن المسيح قد أتى من خلال سكب الروح القدس، فهو المسيا المنتظر، الربوبية والمسيانية هما جوهر رسالة بطرس. الربوبية تؤكد ألوهية يسوع وسلطانه، والمسيانية تبرز دوره كمخلص للعالم. الجمع بينهما في العظة يوضح أن الإيمان بيسوع المسيح هو الإيمان بالله الذي تجسد ليحقق الخلاص، كان إعلان بطرس أن يسوع هو المسيح المنتظر محور رسالته الأولى في يوم الخمسين، وهو إعلان لم يكن مجرد كلمات، بل كان إعلانًا عن إتمام النبوات وتحقيق خطة الله للخلاص. في هذا الإعلان، اعتمد بطرس على الكتاب المقدس، وشهادة القيامة، وعمل الروح القدس ليثبت للمستمعين أن يسوع الناصري هو المخلص الذي طالما انتظرته إسرائيل.

- استناد بطرس الرسول إلى النبوات :

بدأ بطرس في عظته بالإشارة إلى نبوة النبي يوئيل فقال " يَقُولُ الله وَيَكُونُ فِي الأيَّامِ الأخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا. (أع ٢ : ١٧) مقتبس من ( يؤ ٢ : ٢٨ - ٢٩ )  من خلال هذه الكلمات، أراد بطرس أن يوضح أن ما حدث في يوم الخمسين، من حلول الروح القدس وتكلم التلاميذ بألسنة، ليس حالة من السكر أو الفوضى كما ظن البعض "  وَكَانَ آخَرُونَ يَسْتَهْزِئُونَ قَائِلِينَ:"إِنَّهُمْ قَدِ امْتَلأوا سُلافَةً". (أع ٢ : ١٣) بل هو إتمام لما تنبأ به الأنبياء. الرب وعد بأن يسكب روحه في الأيام الأخيرة، وهذا ما تحقق أمام أعينهم، بعد ذلك.

- نبوة يوئيل وإتمامها في يوم الخمسين :

النبي يوئيل تحدث عن عصر جديد يسكب فيه الله روحه على كل بشر، دون تمييز بين الأعمار أو الفئات. الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي "ἐκχέω" (ekcheo)، وتعني "أسكب بغزارة" أو "أفيض". هذا المصطلح يعبر عن الكثرة والفيض في عمل الروح القدس، ويشير إلى أن هذا العهد الجديد سيشهد عملًا إلهيًا شاملا، في يوم الخمسين، تحقق هذا الوعد الإلهي، حيث امتلأ التلاميذ من الروح القدس وبدأوا يتكلمون بألسنة مختلفة " وَامْتَلأ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا. (أع ٢ : ٤) بطرس استخدم هذه النبوة ليشرح للجمع أن هذا الحدث لم يكن عشوائيًا، بل هو البداية لزمن المسيح، حيث أن يسوع هو الذي أتم هذا الوعد.

- إثبات أن يسوع هو المسيح المنتظر :

بعد أن وضح بطرس إتمام نبوة يوئيل، انتقل ليؤكد أن يسوع هو المسيح المنتظر. قال بطرس: " أَيُّهَا الرِّجَالُ الإسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ الله بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا الله بِيَدِهِ فِي وَسْطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ. (أع ٢ : ٢٢) بطرس يشير إلى المعجزات التي أجراها يسوع كدليل على أنه المسيح الذي أرسله الله، ثم أوضح بطرس أن صلب يسوع لم يكن حادثًا عرضيًا أو نتيجة لمؤامرة بشرية فقط، بل كان جزءًا من خطة الله الأزلية للخلاص. قال: " هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ الله الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. اَلَّذِي أَقَامَهُ الله نَاقِضًا أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ. (أع٢ :  ٢٣-٢٤) القيامة كانت النقطة المحورية التي استخدمها بطرس لإثبات أن يسوع هو المسيح المنتظر، هنا، بطرس يبرز أن قيامة يسوع من الموت ليست فقط حدثًا تاريخيًا، بل هي إعلان إلهي أن يسوع هو المسيح الذي تنبأ به الأنبياء، واستشهد بطرس بمزمور داود، قائلا: " لأنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلا تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا. عَرَّفْتَنِي سُبُلَ الْحَيَاةِ وَسَتَمْلأنِي سُرُورًا مَعَ وَجْهِكَ. (أع٢ : ٢٧-٢٨) مقتبس من ( مز ١٦ : ١٠ ) الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي "ὅσιόν" (hosion)، وتعني "قدوس". هذه الإشارة تؤكد أن يسوع هو "قدوس الله"، الذي انتصر على الموت.

أكمل بطرس عظته بالإشارة إلى صعود يسوع إلى يمين الآب، وقال: " وَإِذِ ارْتَفَعَ بِيَمِينِ اللهِ، وَأَخَذَ مَوْعِدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الآبِ، سَكَبَ هذَا الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ. لأنَّ دَاوُدَ لَمْ يَصْعَدْ إِلَى السَّمَاوَاتِ. وَهُوَ نَفْسُهُ يَقُولُ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ الله جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا". (أع٢ :  ٣٣-٣٦) هنا يؤكد أن صعود يسوع وسكب الروح القدس هما دليل قاطع على كونه المسيح المنتظر.

ثم اختتم بطرس عظته بدعوة مباشرة للجمهور: "  فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ الله جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا". (أع ٢ : ٣٦) الكلمة "Κύριος" (Kyrios)، وتعني "رب" أو "سيد"، تدل على السلطان الإلهي ليسوع، بينما "Χριστός" (Christos) تدل على دوره كمخلص، بطرس دعا المستمعين للتوبة والإيمان قائلا: " فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ :"تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. (أع ٢ : ٣٨) عظة بطرس في يوم الخمسين أكدت أن يسوع هو المسيح المنتظر ورب الكل. استخدام بطرس للنبوات (مثل يوئيل ومزامير داود)، ومعجزات يسوع، وقيامته، وصعوده، وسكب الروح القدس، كلها تثبت أن يسوع هو من أتم خطة الله للخلاص. الدعوة للتوبة والإيمان باسمه هي الاستجابة الطبيعية لهذا الإعلان الإلهي العظيم.

- التأكيد على قيامة المسيح :

كانت القيامة هي المحور الثاني في إعلان بطرس. قال "يسوع هذا أقامه الله، ونحن جميعًا شهود لذلك ( اع ٢ : ٣٢ )  بطرس لم يقدم القيامة كفكرة نظرية أو حدث رمزي، بل كحقيقة تاريخية شهدها هو والرسل، قيامة المسيح ليست فقط دليلا على أنه المسيح المنتظر، بل هي أيضًا برهان على انتصار الله على الموت والخطية، القيامة أكدت أن يسوع هو الذي تنبأ عنه الأنبياء، وهو الذي يستحق أن يُدعى المسيح. كما أن بطرس أشار إلى أن القيامة كانت جزءًا أساسيًا من خطة الله، قائلا "هذا أخذتموه مسلَّمًا بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق" ( أع ٢ ٢٣ ) فالقيامه هي محور واساس دائره الايمان المسيحي الذي في عصر الكنيسه الاولى اخذ محزدورا اساسيا، تجسد وصلت وقام، بالقيامه اعلن أن يسوع المسيح ربا ومسيحا، وصل بطرس إلى ذروة عظته في يوم الخمسين بالإعلان الصريح والقوي: "فليعلم يقينًا جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا، الذي صلبتموه أنتم، ربًا ومسيحًا" (أعمال 2: 36). كان هذا الإعلان لحظة فاصلة في التاريخ الروحي، حيث قدم بطرس تفسيرًا واضحًا لمعنى حياة وموت وقيامة المسيح. الكلمات التي نطق بها بطرس لم تكن مجرد إعلان بلاغي، بل كانت مُفعمة بمعانٍ لاهوتية وروحية عميقة.

 

"ربًا" تعني أن يسوع هو صاحب السلطان الإلهي المطلق. هذا الإعلان لم يكن مجرد تأكيد على علو مكانة يسوع، بل تأكيد على أنه هو الله الظاهر في الجسد، الذي له كل السلطان في السماء وعلى الأرض. هذا المعنى كان صادمًا لليهود الحاضرين، الذين كانوا يؤمنون بإله واحد، ولكن بطرس يوضح لهم أن يسوع هو هذا الإله المتجسد، الذي أتى ليُتمَّ مقاصد الله في الخلاص. الربوبية هنا تعني أن يسوع ليس فقط مخلّصًا، بل هو سيد الكون، الذي يجب أن يخضع له الجميع. وهذا السلطان يتضح في قيامته من الأموات وجلوسه عن يمين الآب، كما أشار بطرس في عظته.

"مسيحًا" تعني أن يسوع هو الممسوح، الملك الذي طال انتظاره والذي تحدث عنه الأنبياء. كان اليهود ينتظرون المسيّا الذي سيأتي ليحررهم من الاستعباد ويقيم مملكة الله. بطرس يوضح هنا أن يسوع هو هذا المسيّا، ولكن مهمته لم تكن تحريرًا سياسيًا أو عسكريًا، بل تحريرًا روحيًا من عبودية الخطية والموت. المسيانية التي تحدث عنها بطرس تشير إلى أن يسوع هو الممسوح من قِبل الله ليكون وسيط العهد الجديد، الذي يُصالح الله مع البشرية من خلال موته وقيامته.

"الذي صلبتموه أنتم"، بهذه الكلمات، واجه بطرس سامعيه بمسؤوليتهم عن موت المسيح. هذا الجزء من الإعلان كان له أثر كبير على الحاضرين، حيث شعروا بوخز في قلوبهم وسألوا: "ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة؟" ( اع ٢ : ٣٧ ) هنا، يظهر دور التوبة في قبول هذا الإعلان. بطرس لم يكتفِ بإعلان الحقيقة بل دعاهم إلى التوبة والرجوع إلى الله.

الإعلان بأن الله جعل يسوع "ربًا ومسيحًا" يؤكد بداية عهد جديد. يسوع بموته وقيامته أسس عهد النعمة الذي يُمنح فيه الخلاص لكل من يؤمن به. الربوبية والمسيانية ليسا مجرد ألقاب، بل هما إعلان عن هوية المسيح ودوره في تحقيق خطة الله للخلاص، فإعلان بطرس كان أكثر من مجرد كلمات؛ كان دعوة للتحول الجذري في الفكر والإيمان. الربوبية تشير إلى سلطان يسوع على الحياة والموت، والمسيانية تؤكد دوره كالمخلص الموعود. هذا الإعلان يبقى حتى اليوم مركز الإيمان المسيحي ودعوة لكل إنسان أن يقبل يسوع ربًا ومسيحًا في حياته، بطرس لم يتردد في تحميل المستمعين مسؤولية صلب المسيح، لكنه في الوقت ذاته قدم لهم رجاءً عظيمًا في التوبة والغفران.

 عمل الروح القدس في تأكيد الرسالة

حلول الروح القدس في يوم الخمسين حدثًا محوريًا في تاريخ الكنيسة المسيحية، إذ جاء كبرهان حي على أن يسوع هو المسيح المنتظر. كان هذا الحدث بمثابة إتمام لوعد يسوع الذي قال لتلاميذه: "وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ." (يو ١٦ : ١٣ ) نزول الروح القدس على التلاميذ أظهر أن المسيح الحي والممجد في السماء قد أرسل روحه ليعمل فيهم بقوة ويؤكد رسالته.

في يوم الخمسين، كان التلاميذ مجتمعين في العلية عندما نزل الروح القدس كرياح عاصفة وألسنة نارية استقرت على كل منهم ( أع ٢: ٢ - ٣ ). هذا الحدث كان تحقيقًا لوعد يوئيل: "وَيَكُونُ فِي الأيَّامِ الأخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ." ( اع ٢ : ١٧ مع يؤ ٢ : ٢٨ ) الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي "ἐκχέω" (ekcheo - إِكْخِيو ) وتعني "أسكب بغزارة". هذه الكلمة تشير إلى فيض الروح القدس بقوة وشمولية، مما يدل على أن الله يعمل بطريقة جديدة وشاملة من خلال المسيح الممجد.

الروح القدس كبرهان على المسيانية :

نزول الروح القدس لم يكن فقط علامة على تحقيق النبوات، بل كان دليلًا قويًا على أن يسوع هو المسيح المنتظر. في عظته يوم الخمسين، أعلن بطرس: " وَإِذِ ارْتَفَعَ بِيَمِينِ الله، وَأَخَذَ مَوْعِدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الآبِ، سَكَبَ هذَا الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ. (أع ٢ : ٣٣) الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي "ἐπαγγελία" (epangelia - إِبَانْجِلِيَا ) وتعني "وعد" أو "تعهد". تشير إلى وعد الله الأبدي الذي تحقق من خلال يسوع المسيح.

لم يكن عمل الروح القدس مجرد ظاهرة خارجية، بل امتد ليغير قلوب المستمعين. عندما شرح بطرس كيف أن يسوع الذي صلبوه هو المسيح، تأثر المستمعون بشدة. يقول النص: "فَلَمَّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ، وَقَالُوا لِبُطْرُسَ وَسَائِرِ الرُّسُلِ: مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإخْوَةُ؟" ( أع ٢ : ٣٧ ) الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي "κατανύσσομαι" ( katanussomai - كَاتَانِيسُّومِي ) وتعني "نُخِسوا" أو "طُعِنوا" في قلوبهم، مما يدل على التبكيت العميق الذي أحدثه الروح القدس، استجابةً لهذا التبكيت، دعاهم بطرس إلى التوبة قائلا: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَنَالُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ." ( أع ٢ : ٣٨ ) الروح القدس لم يكتفِ بتأكيد الرسالة، بل جذب الناس إلى التوبة والخلاص.

الروح القدس خلق جماعة المؤمنين

بفضل عمل الروح القدس، لم تكن الاستجابة لعظة بطرس مجرد قبول عقلي للحقائق، بل كانت بداية لجماعة جديدة. يقول النص: "فَقَبِلُوا كَلامَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاثَةِ آلافِ نَفْسٍ." ( اع ٢ : ٤١ ) هنا يظهر الروح القدس كالقوة التي تجمع المؤمنين في شركة واحدة، وتدفعهم إلى الحياة المشتركة في الصلاة وكسر الخبز ( أع ٢ : ٤٢ ) الروح القدس أعطى التلاميذ جرأة غير مسبوقة للشهادة. بطرس، الذي كان قد أنكر المسيح ثلاث مرات، وقف الآن ليعلن بقوة أن يسوع هو الرب والمسيح. "فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ الله جَعَلَ يَسُوعَ هَذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا." (أع ٢ : ٣٦ ) الروح القدس في يوم الخمسين أظهر أن رسالة معرفة المسيح والايمان به ليست مجرد كلمات بشرية، بل هي قوة إلهية تؤكد أن يسوع هو المسيح الممجد. الروح القدس لم يكن فقط برهانًا خارجيًا على صحة الرسالة، بل كان القوة التي غيرت القلوب وجمعت المؤمنين في شركة واحدة، الروح القدس، الذي أُسكب بغزارة (ἐκχέω)، والذي وفى بوعد الله (ἐπαγγελία)، يبقى القوة الحية التي تعمل في الكنيسة لتأكيد الرسالة وجذب النفوس إلى المسيح.

 

 

 

٢

عظة بطرس

 اعلان غير العالم

 

 إعلان بطرس في يوم الخمسين عن يسوع المسيح كالمسيح المنتظر نقطة تحول في تاريخ البشرية. لم تكن كلماته مجرد رسالة دينية بل دعوة عملية تحمل في طياتها خلاصًا لكل من يؤمن. هذا الإعلان الذي دفع الجموع إلى السؤال: "ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة؟" ( أع ٢ : ٣٧ ) لا يزال يتردد صداه حتى يومنا هذا، حاملا رسالة الخلاص والرجاء، فبعد أن تأثر السامعون بالعظة التي ألقاها بطرس، سألوا بصدق عن الخطوة التالية. كانت إجابة بطرس واضحة وصريحة: "توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس." (. أع ٢ : ٣٨ ) هنا تتجلى أهمية التوبة، وهي تغيير القلب والعقل عن الخطية والاتجاه نحو الله. الكلمة اليونانية المستخدمة للتوبة هي "μετάνοια" ( metanoia - مِتَانُويَا ) وتعني "تغيير الفكر أو التوبة". الرسول بطرس لم يكتفِ بالدعوة إلى التوبة فقط، بل دعاهم إلى الاعتماد باسم يسوع المسيح. الكلمة اليونانية للاعتماد هي "βαπτίζω"  ( baptizo - بَابْتِيزُو ) وتعني "يغمر" أو "يعتمد". يشير هذا الفعل إلى اتحاد المؤمن بالمسيح في موته وقيامته، مما يرمز إلى غسل الخطايا والحياة الجديدة في المسيح، فالمعم ظية بالماء هو اعلان للموت والقيامة مع المسيح.

 لهذا الإعلان تأثير فوري وعملي. استجاب حوالي ثلاثة آلاف شخص في ذلك اليوم وقبلوا دعوة التوبة والاعتماد ( أع ٢ : ٤١ ) هذا العدد الكبير يعكس القوة الإلهية التي كانت تعمل من خلال بطرس والروح القدس. يذكر سفر أعمال الرسل لاحقًا: "وَكَانَ الرَّبُّ يَضُمُّ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ." ( أع ٢ : ٤٧ ) فالروح القدس هو مصدر القوة والتغيير التي حولت السامعين من مجرد مشاهدين إلى مؤمنين متجددين. الروح القدس يعمل في القلوب ليبكت على الخطية، ويجذب الناس إلى الله. يقول بولس الرسول: "إِذَا كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ، فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا." (٢ كو ٥ : ١٧ ) الكلمة اليونانية المستخدمة هنا " لخَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ " هي "καινός" ( kainos - كَيْنُوس وتعني "جديد في النوعية أو الطبيعة ) يعكس طبيعة الحياة الجديدة التي يمنحها الروح القدس للمؤمنين.

أثر الرسالة على الكنيسة الأولى

 إعلان بطرس في يوم الخمسين هو حجر الأساس لنشأة الكنيسة الأولى. تكوّن مجتمع جديد من المؤمنين الذين كانوا يواظبون على التعليم والشركة وكسر الخبز والصلوات ( أع ٢ : ٤٢ )  يذكر النص أنهم كانوا "مُسْتَمِرِّينَ كُلَّ يَوْمٍ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ فِي الْهَيْكَلِ." ( أع ٢ : ٤٦ ) هذا المجتمع الجديد كان علامة واضحة على عمل الروح القدس الذي يوحّد القلوب ويجمع المؤمنين في شركة واحدة. الكلمة اليونانية المستخدمة لـ"شركة" هي "κοινωνία" ( koinonia - كُوِينُونِيَا ) وتعني "الشركة" أو "الشراكة الروحية" فالرسالة التي القاها بطرس إعلان لم يكن مقصورًا على تلك اللحظة التاريخية فقط، بل هو رسالة خالدة تتحدث إلى كل جيل. يقول بولس الرسول: "هَذَا الْمَسِيحُ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ." ( ١تي ١ : ١٥ ) نعم جاء الي العالم .. كل العالم فهو الذي قال " تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثِّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ." ( مت ١١ : ٢٨ ) هذه الدعوة تحمل رجاءً وخلاصًا لكل من يؤمن في كل العالم، فهي دعوة لمواجهة النفس ومواجهة الخطية والتخلي عن موروثات فكرية جامدة لقبول روح الاعلان في المسيح يسوع، فالتركيز على أن المسيح هو الوحيد الذي يستطيع أن يمنح غفران الخطايا. يصير حقا واضحا ومن يحيد عنه فقد ضل " لأنَّهُ يُوجَدُ فِي أَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاصُ، إِذْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ. ( أع ٤ : ٢١ )  الكلمة اليونانية المستخدمة هنا لـ"الخلاص" هي "σωτηρία" (soteria - سُوتِيرِيَا ) وتعني "الخلاص" أو "الإنقاذ".

 - التوبة شرط أساسي للخلاص:

التوبة هي حجر اساسي في الايمان المسيحي، يُبنى عليه ضمان الحياة الابدية، ليست التوبة مجرد تصحيح للأفعال أو تحسين للسلوك، بل هي تغيير شامل وعميق في القلب، استجابةً لدعوة الله. التوبة تعني الابتعاد عن الخطية والرجوع إلى الله بكل إخلاص، يعلن الرب " فَقُلْ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: ارْجِعُوا إِلَيَّ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ، فَأَرْجِعَ إِلَيْكُمْ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. (زك ١ : ٣) هذا الرجوع إلى الله هو لبّ التوبة، وهو الشرط الأساسي للدخول في علاقة جديدة مع الرب، لأن التوبة هي "تغيير الفكر" أو "تغيير الإتجاه"، وهو ما يعبر عن تحول كامل في العقل والقلب بعيدًا عن الخطية، ورغبة صادقة في طاعة الله، لءلك يعلن الرسول بولس ويوضح أهمية التوبة كطريق يؤدي إلى الحياة الأبدية ويربطها بالحزن الذي بحسب مشيىة الله " لأنَّ الْحُزْنَ الَّذِي بِحَسَبِ مَشِيئَةِ الله يُنْشِئُ تَوْبَةً لِخَلاصٍ بِلا نَدَامَةٍ، وَأَمَّا حُزْنُ الْعَالَمِ فَيُنْشِئُ مَوْتًا. (٢كو ٧ : ١٠) هذا الحزن الإلهي، الذي يقود إلى التوبة، يعمل على إعادة تشكيل القلوب وإصلاح العلاقة مع الله.

- التوبة كعلامة على عمل الروح القدس :

الروح القدس هو الذي يبكت القلوب ويقودها إلى التوبة. يذكر الرب يسوع في كلماته النورانية عن الروح القدس قائلا  "  وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ: (يو ١٦ : ٨) الكلمة اليونانية المستخدمة هنا لـ"يُبَكِّتُ" هي "ἐλέγχω" ( elegcho - إِلِينْخُو ) وتعني "إقناع" أو "كشف الخطأ" عمل الروح القدس في التبكيت هو الذي يجعل الإنسان يدرك خطيته وحاجته إلى التوبة. بدون عمل الروح القدس، تبقى القلوب قاسية وغير قادرة على رؤية الحق. ولكن عندما يأتي الروح، يفتح الأعين على حقيقة الخطية ويقود الخطاة إلى طلب الغفران من الله، ففي يوم الخمسين، كان تأثير الروح القدس واضحًا عندما سمع الناس عظة بطرس. يذكر الكتاب: " فَلَمَّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ... (أع٢ : ٣٧-٣٨) كلمة "نُخِسُوا" هي كَاتَانِيسُّومَي وتعني "اختُرِقوا بعمق" أو "شعروا بوخز في قلوبهم" ةدوهذا لا يحدث إلا عندما يعمل الروح القدس في القلوب والعقول فيجدد النفس البشرية عند استجابها له.

- التوبة في حياة الكنيسة الأولى :

حياة الكنيسة الأولى كانت تقوم على التوبة المستمرة والرجوع اليومي إلى الله. يذكر الكتاب المقدس: " وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِمْ، وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ السِّحْرَ يَجْمَعُونَ الْكُتُبَ وَيُحَرِّقُونَهَا أَمَامَ الْجَمِيعِ. وَحَسَبُوا أَثْمَانَهَا فَوَجَدُوهَا خَمْسِينَ أَلْفًا مِنَ الْفِضَّةِ. (أع١٩ :  ١٨-١٩) هذا النص يُظهر أن التوبة كانت جزءًا من حياة الكنيسة ليضم اليها المؤمنين، حيث يعترفون بخطاياهم ويتخلون عنها، علاوة على ذلك، كانت التوبة تقود إلى حياة الشركة مع المؤمنين الآخرين "وَكَانُوا يُوَاظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَعَلَى الشَّرِكَةِ، وَعَلَى كَسْرِ الْخُبْزِ، وَعَلَى الصَّلَوَاتِ." (أعمال 2:42) التوبة هي دعوة مفتوحة لكل إنسان، بغض النظر عن خلفيته أو خطاياه. إعلان بطرس يوم الخمسين حمل رسالة واضحة للجميع (أع ٢ : ٣٩) الروح القدس يستمر في العمل في قلوب الناس، يبكتهم على خطاياهم ويقودهم إلى المسيح. يسوع المسيح، الممسوح (Χριστός، Christos) فهو المخلص الذي أعد الطريق لكل من يؤمن به لينال حياة جديدة، اليوم، نفس الدعوة تمتد لكل شخص (أع ٢ : ٣٨). الرب يدعونا إلى التوبة والإيمان، لنختبر قوته المحررة ونعيش حياة مُجددة بعمل الروح القدس.

- التوبة والنعمة الإلهية :

التوبة ليست عملًا بشريًا بحتًا، بل هي استجابة لنعمة الله التي تدعونا للتغيير. فالله في محبته يبادر دائمًا بفتح الباب أمام الخطاة للرجوع إليه " أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ الله إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟ (رو ٢ : ٤) هذه النعمة تُظهر رحمة الله وصبره على الخطاة، وتعطيهم فرصة للتوبة والعودة إليه. التوبة إذًا هي استجابة شخصية لدعوة الله لنا لندخل في عهده الجديد، حيث تغفر خطايانا وننال عطية الروح القدس، الكلمة اليونانية المستخدمة هنا لـ"اللطف" هي "χρηστότης" ( chrestotes - كْرِيسْتُوتِيس ) وتعني "اللطف" أو "الطيبة الإلهية". هذا اللطف هو الذي يجذبنا للتوبة، وهو تعبير عن قلب الله الرحيم.

التوبة ليست مجرد نقطة بداية للحياة المسيحية، بل هي جزء لا يتجزأ من حياة المؤمن اليومية "إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا، فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ." ( ١ يو ١ : ٩ ) هذا الاعتراف المستمر هو تعبير عن حياة التوبة التي يعيشها المؤمن، حيث يظل متواضعًا أمام الله، طالبًا منه الغفران والنمو في النعمة. التوبة اليومية تُظهر وعيًا دائمًا بقداسة الله ورغبة في الاقتراب اليه، الكلمة اليونانية لـ"اعترفنا" هنا هي "ὁμολογέω" ( homologeo - هُومُولُوجِيو ) وتعني "الاعتراف" أو "الإقرار"، وهي فعل يدل على التواضع والاعتراف بخطايانا أمام الله بثقة في غفرانه.

التوبة لا تؤدي فقط إلى غفران الخطايا، بل تفتح الباب لشركة حقيقية مع الله ومع المؤمنين الآخرين "فَإِنْ كُنَّا نَسْلُكُ فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضُنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ." (١ يو ١ : ٧ ) السلوك في النور هو نتيجة مباشرة للتوبة الصادقة. عندما نعيش في علاقة صحيحة مع الله، ينعكس هذا في علاقتنا مع الآخرين، حيث نحبهم ونخدمهم بروح المسيح، فإعلان بطرس في يوم الخمسين يحمل رسالة خالدة، التوبة والإيمان بيسوع المسيح هما الطريق إلى الخلاص. هذا الإعلان لا يزال قائمًا، يدعو كل إنسان في كل زمان ومكان إلى الرجوع إلى الله والتمتع ببركات الخلاص "إِذَا رَجَعَ الشِّرِّيرُ عَنْ جَمِيعِ خَطَايَاهُ الَّتِي فَعَلَهَا، وَحَفِظَ كُلَّ فَرَائِضِي، وَفَعَلَ حَقًّا وَعَدْلًا، فَحَيَاةً يَحْيَا. لا يَمُوتُ." (حز ١٨ : ٢١ ) هذه الدعوة ليست حكرًا على فئة معينة، بل هي موجهة للجميع وهذه هي نفس الروح في رسالة بطرس يوم الخمسين " لأنَّ الْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأوْلادِكُمْ وَلِكُلِّ الَّذِينَ عَلَى بُعْدٍ، كُلِّ مَنْ يَدْعُوهُ الرَّبُّ إِلَهُنَا." (أعمال 2:39) الروح القدس يستمر في العمل، يجذب الناس إلى التوبة ويكشف لهم الحق. يسوع المسيح هو الطريق والحق والحياة، وهو الذي يمنحنا الرجاء والخلاص من خلال التوبة والإيمان، فالتوبة هي الباب الذي ندخل من خلاله إلى حياة جديدة مع الله. إنها ليست مجرد فعل بشري، بل هي استجابة لدعوة الله ونعمته. الروح القدس يعمل في قلوبنا ليقودنا إلى التوبة ويؤكد لنا أن يسوع هو المسيح المخلص, كما كان يوم الخمسين بداية لعمل عظيم في الكنيسة، فإن نفس الرسالة ما زالت تؤثر وتغير حياة الملايين اليوم. دعوة التوبة والإيمان هي دعوة مفتوحة لكل من يسمعها، وهي طريقنا إلى الشركة مع الله، والغفران، والحياة الأبدية.

- معمودية الروح القدس - وعد لكل مؤمن :

وعد الرب بلسان بطرس السامعين أن التوبة والاعتماد سيقودان إلى نيل عطية الروح القدس، قال: "لأنَّ الْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأوْلادِكُمْ وَلِكُلِّ الَّذِينَ عَلَى بُعْدٍ، كُلِّ مَنْ يَدْعُوهُ الرَّبُّ إِلَهُنَا. (أع ٢ : ٣٩) الكلمة اليونانية هنا لـ"الموعد" هي "ἐπαγγελία" ( epangelia - إِبَانْجِلِيَا ) وتعني "الوعد" أو "الإعلان المضمون". هذا الوعد لا يقتصر على شعب معين أو زمن معين، بل يمتد ليشمل كل من يستجيب لدعوة الله. الروح القدس هو القوة التي تؤهل المؤمنين للعيش في الطاعة والإيمان، وتجعلهم شهودًا أمناء لعمل الله في العالملذلك اقول :

- معمودية الروح القدس - برهان الإيمان وقوة الشهادة :

معمودية الروح القدس هي أحد أبرز الوعود التي قدمها المسيح للمؤمنين، وهي العلامة التي تميز المؤمنين الحقيقيين، إذ تمنحهم قوة للخدمة والشهادة. عندما تحدث بطرس الموعد ( أع  ٢ : ٣٩ )  كان يشير إلى أن الروح القدس ليس فقط لمن عاينوا يوم الخمسين، بل لكل من يؤمن بالمسيح عبر العصور، فالعديد العديد من الشواهد الكتابيةتوضح أن معمودية الروح القدس كانت اختبارًاي ناله المؤمنون بعد إيمانهم عندما يطلبونه، وليس مجرد نتيجة تلقائية لإيمان الكنيسة الأولي فقط من اجل التبشير.

- المؤمنون في السامرة: عندما بشر فيلبس السامريين، آمنوا بالمسيح، ولكنهم لم ينالوا الروح القدس إلا بعد أن وضع الرسل أياديهم عليهم " وَلَمَّا سَمِعَ الرُّسُلُ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ أَنَّ السَّامِرَةَ قَدْ قَبِلَتْ كَلِمَةَ الله، أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، اللَّذَيْنِ لَمَّا نَزَلا صَلَّيَا لأجْلِهِمْ لِكَيْ يَقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ، لأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ حَلَّ بَعْدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَمِدِينَ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ. حِينَئِذٍ وَضَعَا الأيَادِيَ عَلَيْهِمْ فَقَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ  ( اع ٨ : ١٤ - ١٧ ) هذه الحادثة تؤكد أن معمودية الروح القدس هي اختبار منفصل عن الإيمان الأولي والاعتماد بالماء. السامريون قبلوا كلمة الله واعتمدوا باسم الرب يسوع، لكنهم لم ينالوا الروح القدس إلا بعد أن وضع الرسل أياديهم عليهم. هذا يظهر أن الامتلاء بالروح ليس مجرد نتيجة تلقائية للإيمان، بل هو عطية يمكن أن تأتي لاحقًا، كما أن إرسال بطرس ويوحنا خصيصًا إلى السامرة يبرز أهمية وحدة الكنيسة المبكرة، حيث كان يجب أن يتم التأكيد من قبل الرسل على قبول الأمم للإيمان بنفس الطريقة التي حدثت مع اليهود، هذه الحادثة أيضًا تعكس نمطًا متكررًا في سفر الأعمال، حيث يرتبط قبول الروح القدس بالصلاة ووضع الأيدي، كما حدث في أفسس

        المؤمنون في أفسس: عندما التقى بولس ببعض التلاميذ في أفسس، سألهم إن كانوا قد نالوا الروح القدس بعد إيمانهم، مما يدل على أن هذا كان اختبارًا منفصلًا عن الإيمان الأول "فَقَالَ لَهُمْ: «هَلْ قَبِلْتُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمَّا آمَنْتُمْ؟» فَقَالُوا لَهُ: «وَلَمْ نَسْمَعْ أَنَّهُ يُوجَدُ الرُّوحُ الْقُدُسُ». فَسَأَلَهُمْ: «فَبِمَاذَا اعْتَمَدْتُمْ؟» فَقَالُوا: «بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا». فَقَالَ بُولُسُ: «إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ، قَائِلًا لِلشَّعْبِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ، أَيْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ». فَلَمَّا سَمِعُوا، اعْتَمَدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ. وَلَمَّا وَضَعَ بُولُسُ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ، حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ، فَطَفِقُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَاتٍ وَيَتَنَبَّأُون  ( اع ١٩ : ٢ - ٦ ) التكلم بالألسنة "اللغات الروحية" علامة واضحة لمعمودية الروح القدس في العهد الجديد " في يوم الخمسين " عندما حل الروح القدس على التلاميذ، كانت أولى العلامات هي أنهم تكلموا بألسنة "وَامْتَلأ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى، كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا ( اع ٢ : ٤ ) لم يكن هذا حدثًا استثنائيًا، بل تكرر في عدة مواضع أخرى، مما يدل على أنه كان علامة متكررة لمعمودية الروح القدس، نري هذا ايضا في بيت كرنيليوس  ( اع ١٠ : ٤٤ - ٤٦ )  عندما حل الروح القدس على الأمم، بدأوا يتكلمون بألسنة قبل حتى أن يعتمدوا بالماء، الكلمة اليونانية المستخدمة هنا لـ"الألسنة" هي "γλῶσσα" - glossa غْلُوسَْا، وتعني "اللغة" أو "اللسان"، وتشير إلى موهبة التكلم بلغات غير معروفة للمتكلم ولكن مفهومة للآخرين، أو لغات روحية تستخدم في الصلاة والتسبيح.

- استمرارية موهبة الألسنة حتى انقضاء الدهر

هناك اعتقاد خاطئ بأن موهبة الألسنة كانت فقط لعصر الرسل، لكن الكتاب المقدس لا يدعم هذا الرأي. بل يؤكد بولس الرسول أن الألسنة واحدة من المواهب التي ستبقى عاملة في الكنيسة " لأَنَّهُ إِنْ كُنْتُ أُصَلِّي بِلِسَانٍ، فَرُوحِي تُصَلِّي، وَأَمَّا ذِهْنِي فَهُوَ بِلاَ ثَمَرٍ. فَمَا هُوَ إِذًا؟ أُصَلِّي بِالرُّوحِ، وَأُصَلِّي بِالذِّهْنِ أَيْضًا. أُرَتِّلُ بِالرُّوحِ، وَأُرَتِّلُ بِالذِّهْنِ أَيْضًا ( ١كو ١٤ : ١٤ ، ١٥ )  بولس لا يتحدث عن ظاهرة مؤقتة، بل عن ممارسة مستمرة في الكنيسة. كما يشجع المؤمنين على طلب المواهب الروحية، بما في ذلك الألسنة "  إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ، فَاثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَوْ عَلَى الأَكْثَرِ ثَلاَثَةً ثَلاَثَةً، وَبِتَرْتِيبٍ،وَلْيُتَرْجِمْ وَاحِدٌ. وَلكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَرْجِمٌ فَلْيَصْمُتْ فِي الْكَنِيسَةِ، وَلْيُكَلِّمْ نَفْسَهُ وَالله  (١كو١٤ :  ٢٧-٢٨) هذا يؤكد أن التكلم بالألسنة لم يكن مجرد علامة وقتية، بل هي موهبة دائمة يمكن استخدامها بشكل منظم داخل الكنيسة، الكلمة اليونانية هنا لـ"موهبة" هي "χάρισμα"  charisma - خَارِيسْمَا، وتعني "عطية روحية" وهي تشير إلى المواهب التي يمنحها الروح القدس للمؤمنين لخدمة الجسد - الكنيسة، عطية الروح القدس ليست مجرد اختبار عابر، بل هي وعد إلهي مستمر. كما رأينا، معمودية الروح القدس تأتي بعد الإيمان كاختبار منفصل، والتكلم بالألسنة هو إحدى العلامات المرتبطة بها. الكتاب المقدس لا يشير إلى أن هذه العطايا ستتوقف، بل يؤكد استمراريتها حتى مجيء المسيح الثاني، لهذا، فإن دعوة بطرس في يوم الخمسين ما زالت قائمة حتى اليوم ( أع ٢ : ٣٨ )  كل من يقبل المسيح بالإيمان ويتجاوب مع الروح القدس يمكنه أن ينال هذه العطية المباركة، ليحيا حياة ممتلئة بالقوة والشهادة، مستخدمًا المواهب الروحية التي منحها الله للكنيسة، حتى انقضاء الدهر.

 

- خطاب لمن لا يؤمن بالمعمودية بالروح ويقول انها لزمن الرسل :  

إلى من يعتقد أن معمودية الروح القدس وعطية الألسنة انتهتا مع عصر الرسل

أخي العزيز، أقدّر غيرتك لفهم كلمة الله، وأريد أن أشاركك بعض الحقائق الكتابية التي توضح أن معمودية الروح القدس والتكلم بالألسنة لم يكونا مجرد أحداث تاريخية انتهت، بل هما جزء من عمل الله المستمر في كنيسته حتى اليوم - الروح القدس لا يزال يعمل اليوم، الكتاب المقدس لا يذكر أن معمودية الروح القدس أو التكلم بالألسنة سيتوقفان، بل يؤكد استمراريتهما حتى مجيء المسيح الثاني، ودعوة بطرس في يوم الخمسين ما زالت قائمة (أع ٢ : ٣٨) الرب يريد أن يمنحك اختبارات روحية أعمق، فلا تحرم نفسك من العطايا التي لا تزال متاحة لكل مؤمن. اطلب من الله بروح منفتحة، ودعه يقودك إلى اختبار شخصي لمعمودية الروح القدس وعمل المواهب الروحية في حياتك.

     معمودية الروح القدس والتكلم بالألسنة: وعد مستمر وقوة متجددة، وعد الروح القدس لكل الأجيال، يؤكد بطرس في يوم الخمسين ان الوعد هو للجيل الخالي والجيل الأتي ( أع ٢ : ٣٩ )  مما يؤكد أن عطية الروح القدس ليست محصورة بزمن الرسل، بل هي متاحة لكل مؤمن في كل العصور، معمودية الروح القدس قوة روحية للحياة والشهادة، في يوم الخمسين، حلّ الروح القدس على التلاميذ، فامتلأوا بالقوة وتكلموا بألسنة ( أع ٢ : ٤ ) هذه القوة جعلتهم يشهدون بجرأة ( أع ٢ : ٤١ ) حتى في وجه الاضطهاد، مما أدى إلى خلاص آلاف النفوس ، معمودية الروح القدس ليست مجرد إحساس روحي، بل هي اختبار يمنح المؤمن قوة داخلية للحياة الروحية الفاعلة والخدمة المثمرة، بالاضافه  الي ان التكلم بالألسنة: علامة مستمرة لمعمودية الروح القدس نري هذا في السامرة، لم ينل المؤمنون الروح القدس إلا بعد أن وضع الرسل أيديهم عليهم  ( اع ٨ : ١٤ - ١٧ ) وفي أفسس، بعد إيمانهم ووضع يد بولس عليهم، امتلأوا بالروح وتكلموا بألسنة  ( أع ١٩ : ٢ - ٦ ) وفي بيت كرنيليوس، حل الروح القدس على الأمم، فتكلموا بألسنة قبل حتى أن يعتمدوا بالماء  ( أع ١٠ : ٤٤ - ٤٦ )

الروح القدس يغير الحياة، كما حدث مع الثلاثة آلاف الذين اعتمدوا يوم الخمسين، إذ تحولوا من مجرد مستمعين إلى مشاركين فاعلين في بناء الكنيسة  ( أع ٢ : ٤٢ ) الامتلاء بالروح يجعل المؤمنين ثابتين في الإيمان، قادرين على مواجهة التحديات، والعيش في القداسة والقوة الروحية، لذلك فموهبة الألسنة مستمرة حتى مجيء المسيح، بولس يشجع المؤمنين على طلب المواهب الروحية، بما في ذلك الألسنة  ( ١كو ١٤ : ١٤ - ١٥ ، ٢٧ - ٢٨ ) الكلمة اليونانية χάρισμα   - charisma خَارِيسْمَا، تعني "عطية روحية"، وهي دليل على أن الألسنة ليست ظاهرة وقتية، بل عطية مستمرة لخدمة الكنيسة، معمودية الروح القدس ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي اختبار متاح لكل من يؤمن بالمسيح. دعوة بطرس ما زالت قائمة، الله يدعونا اليوم لنختبر قوة الروح القدس في حياتنا، لنعيش بإيمان وشهادة قوية، ممتلئين بالرجاء والخلاص، مستخدمين المواهب الروحية التي منحها الله للكنيسة حتى انقضاء الدهر.

 

 

 

٣

عظة استطفانوس

مقدمة

 

عظة استفانوس في سفر أعمال الرسل (أصحاح 7)

تعتبر واحدة من أهم وأطول العظات المسجلة بالنسبة لسفر الأعمال. جاءت هذه العظة في سياق محاكمته أمام المجمع اليهودي (السنهدريم) بعد أن وُجِّهت إليه اتهامات باطلة بالتجديف على موسى وعلى الله (أع ٦ : ١١ - ١٤) بدلا من الدفاع عن نفسه بشكل مباشر، قاد استفانوس سامعيه في رحلة تاريخية عميقة، استعرض فيها تاريخ تعامل الله مع إسرائيل، ليس فقط لإظهار أمانة الله لشعبه، بل أيضًا لتسليط الضوء على نمط متكرر من رفض الأمة لمرسلي الله، وصولًا إلى رفضهم للمسيح نفسه.

عندما يكون الإنسان مكرسًا لقضية أعظم من حياته، فإنه يصبح مستعدًا للتضحية بنفسه من أجلها. استفانوس مثال حي لهذا الإيمان الراسخ، فقد واجه الموت بشجاعة لأنه كان مهتمًا بإعلان الحق أكثر من إنقاذ نفسه. لم يدافع عن حياته، بل ركّز على كشف الحقيقة الإلهية، حتى عندما واجه الغضب والاضطهاد. هذه الروح التضحية نراها في كل من يحمل رسالة سامية، سواء في الإيمان أو المبادئ النبيلة. من يضع الحق فوق ذاته يدرك أن الموت ليس النهاية، بل هو عبور إلى حياة أعظم، تمامًا كما رأى استفانوس السماء مفتوحة قبل استشهاده.

- استعراض تاريخ إسرائيل: دعوة الله المستمرة لشعبه :

بدأ استفانوس عظته بإلقاء نظرة شاملة على تاريخ إسرائيل، حيث استعرض شخصيات رئيسية مثل إبراهيم، يوسف، موسى، ليؤكد على أن الله كان دائمًا يعمل وسط شعبه منذ البداية. استدعاؤه لهذه الشخصيات لم يكن مجرد استعراض تاريخي، بل كان توضيحًا لنمط متكرر في تعامل إسرائيل مع الله، إبراهيم - أظهر استفانوس كيف أن الله دعاه من أور الكلدانيين ووعده بميراث الأرض، لكنه لم يعطه ملكًا فيها وقتها، بل طلب منه أن يسير بالإيمان، يوسف - قدّمه كمثال لشخص اختاره الله، لكن إخوته رفضوه في البداية وباعوه كعبد، قبل أن يستخدمه الله ليصير مخلصًا لشعبه في وقت المجاعة، موسى - أبرز كيف أن الله أقام موسى قائدًا ومحررًا، لكن الشعب رفضه في البداية، قائلين: "مَنْ أَقَامَكَ رَئِيسًا وَقَاضِيًا عَلَيْنَا؟" (أع ٧ : ٢٧)، مما يشير إلى ميل إسرائيل الدائم لمقاومة من يرسله الله

رغم أن تاريخ البشرية يُظهر ميلًا دائمًا لمقاومة الله ومقاومة رسله، إلا أن هناك دائمًا بقية أمينة تحفظ العهد وتتمسك بالحق. في كل جيل، نجد من يقف بوجه التيار، مُعلنين ولاءهم لله بإيمان وشجاعة، إبراهيم، يوسف، وموسى، جميعهم واجهوا الرفض والمقاومة، لكنهم ظلوا أمناء لدعوة الله، إن لهذا النمط من المقاومة يقابله دومًا نمط من الأمانة، ويُظهر لنا أهمية الثبات على الحق مهما كانت التحديات. وجود الأمناء في كل عصر هو دعوة للاستيقاظ الروحي لكل من يتهاون في طاعة الله، وتحفيز للرجوع إليه قبل فوات الأوان. علينا أن نستلهم من هؤلاء الأمناء ونجدد عهدنا مع الله، فنكون نورًا وملحًا في عالم مظلم، غير خائفين من المقاومة، بل ثابتين في الحق.

بعد استعراض الشخصيات التاريخية، شدد استفانوس على النمط المتكرر في رفض إسرائيل لرجال الله عبر العصور، رفضوا يوسف في البداية، لكنهم احتاجوه لاحقًا. رفضوا موسى، ليس فقط عند مجيئه الأول، بل حتى بعد أن قادهم للخروج من مصر، حيث تمردوا عليه ورغبوا في العودة إلى العبودية، طوال العهد القديم، أرسل الله أنبياء لتحذير الشعب، لكنهم قُوبلوا بالاضطهاد أو القتل، كما حدث مع إشعياء وأرميا وغيرهم، هذا الرفض لم يكن مجرد رفض للأشخاص، بل كان رفضًا لكلمة الله نفسها، مما أدى إلى دينونة الشعب في أكثر من مناسبة.

- نقد عبادة الهيكل والتقاليد البشرية :

واجه استفانوس اتهامات بالتجديف على الهيكل، لكنه في عظته أوضح أن الله لا يسكن في هياكل صنعها البشر، مستشهدًا بكلمات إشعياء: "السَّمَاءُ كُرْسِيِّي، وَالأرْضُ مَوْطِئُ قَدَمَيَّ. أَيُّ بَيْتٍ تَبْنُونَ لِي؟" (أع ٧ : ٤٩ - إش ٦٦ : ١) لم يكن الهيكل هو الهدف النهائي لعبادة الله، بل كان وسيلة تقود الناس إلى الشركة معه. ومع ذلك، تحولت العبادة في إسرائيل إلى شكلية فارغة، حيث قدسوا المبنى أكثر من حضور الله نفسه.

يُخطئ الإنسان عندما يقدّس الأشياء أو الأشخاص أكثر من تقديره للإنسان نفسه، فالله خلق الإنسان على صورته ومثاله، وجعله تاج خليقته، لكنه لم يمنح قدسية مطلقة لأي شيء مادي. في تاريخ إسرائيل، رأينا كيف انشغل الشعب بالهيكل كرمز، حتى أصبحوا يقدسونه لدرجة العبادة فمن يمس الهيكل بكلمة كأنه مس الله نفسه، متناسين أن الهدف الحقيقي هو العلاقة الروحية مع الله، وليس التعلق بالمباني أو الطقوس الشكلية.

المشكلة لا تقتصر على تقديس الأماكن، بل تمتد إلى الأشخاص أيضًا، حيث يميل البعض إلى تمجيد قادة دينيين أو شخصيات مؤثرة، واضعين ثقتهم الكاملة فيهم بدلا من الله. هذا النهج يقود إلى ضياع الروح الحقيقية للعبادة، ويجعل الإنسان ينحرف عن قصد الله لحياته. يريد الله قلوبًا مكرسة له، تهتم بالرحمة والحق أكثر من التقاليد والرموز، لأن محبته تتجلى في علاقة حية بينه وبين البشر، وليس في مجرد تقديس المظاهر الخارجية.

بلغت عظة استفانوس ذروتها عندما وجه اتهامًا مباشرًا للقيادات الدينية، قائلًا: "يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ، وَغَلَاظَ الْقُلُوبِ وَالآذَانِ! أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ، كَذلِكَ أَنْتُمْ" (أع 7: 51) اتهمهم بأنهم، مثل أجدادهم، يقاومون الله ويرفضون عمل الروح القدس. هذه المقاومة لم تكن مجرد خطأ بشري، بل كانت رفضًا صريحًا لقيادة الله وعمله في حياتهم، وفي نهاية عظته، أعلن استفانوس أن القادة اليهود لم يكتفوا برفض الأنبياء في الماضي، بل خانوا وقتلوا البار، يسوع المسيح، الذي كان الموعود به منذ القدم، استخدم استفانوس كلمة "البار" ليؤكد أن يسوع هو ذاك الذي تنبأ عنه الأنبياء، كما أشار إلى أن القادة الدينيين تسلموا الشريعة من الله، لكنهم لم يحفظوها، مما جعلهم مذنبين أمام الله.

- العظة التي قادت إلى الاستشهاد :

لم يكن استفانوس يسعى إلى الدفاع عن نفسه أمام المجمع، بل كان يقدم شهادة واضحة ضد قساوة قلوب القادة الدينيين الذين رفضوا مرارًا وتكرارًا صوت الله وعمل روحه القدوس. بدأ عظته باستعراض تاريخ تعامل الله مع إسرائيل، مؤكدًا أن الشعب دائمًا ما قاوم المرسلين من الله، وبلغ رفضهم ذروته في صلبهم للمسيح. ثم أعلن بجرأة أن يسوع هو "البار" الذي خانوه وقتلوه، قائلًا: "أَيُّهَا الْقُسَاةُ الْقُلُوبِ وَغَيْرُ الْمَخْتُونِينَ فِي الْقُلُوبِ وَالآذَانِ! أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ! كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (أع ٧ : ٥١) لم يكن لكلماته عليهم تأثير في التوبة، بل أثارت غضب سامعيه، فصرّوا بأسنانهم عليه وهاجموه بعنف. لكن وسط هذا المشهد، امتلأ استفانوس بالروح القدس، ورفع عينيه إلى السماء فرأى مجد الله ويسوع قائمًا عن يمين الآب، فقال: "هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ الله!" (أع ٧ : ٥٦) هذه الرؤية منحته القوة لمواجهة الموت دون خوف، بل بروح المسيح نفسه، إذ صلى لأجل قاتليه قائلاً: "يَا رَبُّ، لا تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ" (أعمال ٧ : ٦٠) كانت هذه العظة بمثابة شرارة انطلقت منها موجة اضطهاد عنيفة ضد الكنيسة، لكنها أيضًا أكدت أن الاستشهاد ليس نهاية، بل بداية لانتصار الإيمان وانتشار الإنجيل، تمامًا كما كان موت المسيح طريقًا للحياة الأبدية لكل المؤمنين.

- روح التضحية في تاريخ إسرائيل: إبراهيم، يوسف، موسى، واستفانوس :

عندما تأمل استفانوس في تاريخ إسرائيل خلال عظته أمام المجمع، لم يكن يسرد مجرد وقائع تاريخية، بل كان يكشف عن نمط متكرر من عمل الله واستجابة البشرية. من إبراهيم إلى يوسف إلى موسى، رأينا رجالًا ساروا بالإيمان، تحملوا المشقة، وقدموا ذواتهم كذبيحة حية من أجل قصد الله. هذا النهج بلغ ذروته في شخص استفانوس، الذي لم يدافع عن نفسه، بل أعلن الحق حتى النهاية، مقدمًا حياته كشاهد أمين للمسيح.

- إبراهيم - التضحية بالإيمان :

إبراهيم لم يكن فقط أبًا للمؤمنين، بل مثالًا للطاعة الكاملة والتضحية. ترك وطنه وعائلته بناءً على وعد لم يتحقق في حياته بالكامل، لكنه سار بالإيمان، مؤمنًا أن الله أمين: "فَخَرَجَ وَهُوَ لا يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي" (عب ١١ : ٨). تضحيته بلغت قمتها عندما قدم إسحاق، ابنه الوحيد، مستعدًا للتخلي عن أعز ما لديه طاعة لله (تك ٢٢). هذه الروح نجدها في استفانوس، الذي لم يتمسك بحياته، بل قدمها لأجل الحق، عالمًا أن المكافأة السماوية أعظم.

- يوسف - الصبر وسط الألم

بيع يوسف كعبد من قبل إخوته، وسُجن ظلمًا، لكنه ظل أمينًا لله، وبتضحيته صار وسيلة لخلاص أسرته وشعبه في وقت المجاعة: "أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا الله فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا" (تك ٥٠ : ٢٠) استفانوس واجه ظلمًا مماثلًا؛ اتهامات كاذبة، محاكمة غير عادلة، ولكن بدلا من الغضب أو الانتقام، استخدم هذه الفرصة لإعلان الحق، تمامًا كما استخدم الله ألم يوسف ليحقق مشيئته.

- موسى - قائد مضحٍّ رغم الرفض :

موسى اختار أن يترك حياة القصر والرفاهية ليشارك شعبه آلامهم، كما يذكر الكتاب: "بِالإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ" (عب ١١ : ٢٤) ولكنه قوبل بالرفض عدة مرات، حتى أن الشعب الذي جاء ليحرره تمرد عليه. استفانوس استخدم قصة موسى ليكشف كيف أن إسرائيل دائمًا يرفض القادة الذين يرسلهم الله، تمامًا كما رفضوا يسوع، وتمامًا كما رفضوا الحق الذي كان ينطق به هو شخصيًا.

- استفانوس: الامتداد الطبيعي لروح التضحية :

كما سار إبراهيم بالإيمان، واحتمل يوسف الألم، وقاد موسى الشعب رغم المقاومة، كان استفانوس استمرارًا لهذا الخط من الأمناء الذين يقدمون حياتهم لله دون تردد. كان ممتلئًا بالروح القدس، ولم يخشَ المواجهة مع السلطات الدينية، بل استخدم كل لحظة ليشهد للمسيح. ورغم رجمه حتى الموت، كانت آخر كلماته صلاة من أجل قاتليه، تمامًا كما فعل المسيح على الصليب: "يَارَبُّ، لا تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ (أع ٧ : ٦٠ ) هكذا نرى أن التضحية ليست مجرد فعل استثنائي، بل هي نمط حياة للمؤمن الحقيقي. في كل جيل، يوجد من يتمسك بالحق رغم الألم، ومن يقدم حياته كذبيحة حية، عالمًا أن المجد السماوي ينتظر الذين يثبتون إلى النهاية.

   - الله يدعو... والناس يقاومون :

عبر التاريخ، كان لله خطة واضحة لقيادة شعبه، واختار أشخاصًا ليكونوا أدوات لتنفيذ مشيئته. لكن في كل مرة كان يُرسل فيها شخصًا ليقود، كانت هناك مقاومة ورفض، ليس بسبب ضعف الرسالة، بل بسبب قساوة قلوب الناس. كانت هذه هي الفكرة الرئيسية في عظة استفانوس، إذ أظهر نمطًا متكررًا من رفض الذين يقيمهم الله، وصولًا إلى رفض المسيح نفسه، أرسل الله أنبياءه ليقودوا الشعب إلى التوبة والعودة إليه، لكنهم كانوا يُقابَلون بالرفض والمقاومة، بل حتى بالاضطهاد والقتل. استفانوس واجه القادة الدينيين بهذه الحقيقة عندما قال: "أَيُّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ؟ وَقَدْ قَتَلُوا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ الْبَارِّ، الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ" (أع ٧ : ٥٢) لم يكن هذا مجرد تصريح نظري، بل حقيقة تاريخية. النبي إرميا بكى بسبب مقاومة شعبه لكلام الله (إر ٧ : ٢٥ - ٢٦)، والنبي إشعياء تحدث عن كيف أن الشعب كان "غليظ الرقبة" ويقاوم الحق (إش ٦ : ٩ - ١٠) هذه المقاومة لم تكن مجرد رفض للأشخاص، بل رفض لكلمة الله وعمله في العالم.

 

عندما يرسل الله قائدًا، لا يكون الغرض مجرد تغيير سياسي أو اجتماعي، بل قيادة الناس إلى حياة الطاعة والشركة مع الله. لكن القلب البشري، حين يكون قاسيًا، يفضل البقاء في الظلمة بدلًا من أن يأتي إلى النور. كما قال يسوع "وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً" (يو ٣ : ١٩) عندما جاء المسيح بنفسه ليقود شعبه إلى الخلاص، رفضه الكثيرون، ليس لأنه لم يكن صادقًا، بل لأنهم لم يريدوا تغيير قلوبهم. هذا ما أعلنه يوحنا المعمدان عندما قال "كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ. إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ" (يوحنا 1: 10-11) من أكثر الفئات التي قاومت عمل الله كانوا القادة الدينيين الذين تمسكوا بالشكل دون الجوهر، وبالتقاليد دون الروح. استفانوس واجههم بقوة، قائلًا "يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ وَغُلَظَاءَ الْقُلُوبِ وَالآذَانِ! أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (أع ٧ : ٥١) القساوة هنا ليست مجرد عناد فكري، بل هي مقاومة مباشرة لعمل الله، حتى عندما يكون واضحًا أمامهم. هذا ما فعله الفريسيون (مر ٣ : ٦) عندما رأوا معجزات المسيح، لكنهم رفضوا الاعتراف بها، بل خططوا لقتله

كل الذين أرسلهم الله كانوا ظلالًا للمسيح، الذي هو القائد الحقيقي، لكن بدلا من أن يقبله الشعب، رفضوه وسلّموه للموت. استفانوس أعلنها بكل وضوح "الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ" (أع ٧ : ٥٢) يسوع نفسه تحدث عن هذا الرفض في مثل الكرامين الأردياء (مت ٢١ : ٣٣ - ٤٦)، حيث أرسل صاحب الكرم عبيده فقتلوهم، وأخيرًا أرسل ابنه، لكنهم قتلوه أيضًا، إن الرفض المتكرر لقادة الله كان يحمل في داخله دعوة واضحة للتوبة. لم يكن استفانوس فقط يدين القادة الدينيين، بل كان يدعوهم للاستيقاظ قبل أن يفوت الأوان. لكن بدلا من أن يتجاوبوا، امتلأوا غضبًا ورجموه حتى الموت (أعمال 7: 57-60) ومع ذلك، حتى في موته، كان مثالًا حيًا لمحبة المسيح، إن عظة استفانوس ليست مجرد درس تاريخي، بل هي مرآة تكشف حالتنا الروحية اليوم. كم مرة يرسل الله أشخاصًا ليقودونا إلى الحق، لكننا نقاوم؟ كم مرة نتجاهل دعوة الروح القدس بسبب تمسكنا بطرقنا الخاصة؟ الرسالة واضحة: الله يظل يرسل، لكن القرار بأيدينا – هل سنقبل صوته أم نقاومه؟ قال كاتب العبرانيين "الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ، فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ" (عب ٣ : ١٥) الله دائمًا يدعو، لكنه لا يُجبر أحدًا على الاستجابة. استفانوس كشف أمامنا تاريخ المقاومة والرفض، لكنه أيضًا فتح الباب أمام التوبة والقبول. السؤال الحقيقي هو: هل نكون مثل الذين رفضوا، أم مثل الذين قبلوا الحق وساروا فيه؟

- موقف الرفض والعناد من شعب الرب :

موقف موسى يعكس مبدأً روحيًا عميقًا: الاختيار الواعي للتخلي عن الامتيازات الأرضية من أجل اتباع دعوة الله. على الرغم من أنه نشأ في بيت فرعون وكان له كل الفرص ليعيش حياة راحة وسلطان، إلا أنه لم ينسَ أصله ولم يرضَ بأن يكون جزءًا من نظام يظلم شعبه. عندما رأى ظلم أخيه العبري، تحرك ضميره وتصرف، رغم أن تصرفه لم يكن في التوقيت والطريقة التي أرادها الله (أع ٧: ٢٣ - ٢٩) يتكرر هذا النمط في حياة المؤمنين، حيث يُدعى الإنسان أحيانًا لترك ما يبدو مريحًا من أجل السير في طريق الطاعة، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة الصعاب والرفض. موسى، مثل استفانوس، لم يكن مدفوعًا بمصلحة شخصية، بل برغبة في تحقيق العدل والإيمان بدعوة الله. وكما قال بولس عن الإيمان الحقيقي " حَاسِبًا عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ، لأنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُجَازَاةِ. (عب ١١ : ٢٦) موسى، مثل استفانوس، واجه رفضًا من شعبه في البداية، لكنه استمر في اتباع خطة الله حتى صار أداةً لخلاصهم. وهذا يعلمنا أن الطاعة لدعوة الله قد تكون صعبة، لكنها دائمًا تقود إلى قصد أعظم.

رفض بني إسرائيل موسى عندما حاول مساعدتهم يعكس نمطًا متكررًا في تعامل الإنسان مع دعوة الله. فعلى الرغم من أن موسى كان أداة الله لخلاصهم، إلا أنهم لم يدركوا ذلك في حينه، بل اعتبروه متطفلًا وغير مؤهل للقيادة. كلماتهم: "مَنْ أَقَامَكَ رَئِيسًا وَقَاضِيًا عَلَيْنَا؟" (أع ٧ : ٢٧) تحمل نفس روح المقاومة التي واجهها الأنبياء والمُرسَلون عبر التاريخ، وصولًا إلى رفضهم للمسيح نفسه، هذا الرفض لم يكن قاصرًا على موسى، بل هو سلوك بشري متكرر. يسوع نفسه واجه رفضًا مشابهًا من قومه، إذ قيل عنه "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ" (يوحنا ١: ١١) وكما قاوم الشعب دعوة موسى في البداية، قاوموا أيضًا استفانوس حين واجههم بالحق، وانتهى الأمر برجمه. هذا يعلمنا أن قبول الحق يحتاج إلى قلب مستعد للاستماع لصوت الله، وليس مجرد التمسك بالعادات والتقاليد.

موسى واستفانوس، كلاهما اختار أن يترك امتيازاته الأرضية من أجل طاعة الله، حتى وإن كلفهما ذلك الرفض والاضطهاد حياتهما، الرسالة لنا اليوم واضحة: اتركوا الغالي لديكم من أجل ما هو أغلى ولا يقدر بثمن. لا تجعلوا راحة الحياة أو رضا الناس حاجزًا بينكم وبين مشيئة الله. قد يكون اتباع الحق مكلفًا، لكنه يقود إلى مجد لا يفنى. كما قال يسوع "مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا." (مت ١٠ : ٣٩) طاعة الله فوق كل من كان أو يكون، لأنها وحدها التي تقودنا إلى الحياة الحقيقية، حياة المجد الأبدي في محضره.

- المقصود ب (أعمال 7: 30-36) في عظة استفانوس :

هو الإشارة إلى المرحلة الثانية من دعوة موسى، حين ظهر له الله في العليقة المشتعلة بعد أن قضى أربعين سنة في أرض مديان، امور الله لا تعتمد على قبول الناس بل على خطته الإلهية - الله يعمل بخطته رغم رفض الناس، عندما رفضه شعبه في مصر وهرب إلى مديان، دخل موسى في مرحلة طويلة من الإعداد إمتدت أربعين سنة، عاش خلالها بعيدًا عن مجد القصر والسلطة، ليصبح راعيًا بسيطًا. في نظر البشر، قد يبدو أن موسى إنتهى، وأنه لم يعد مؤهلًا لأي دور قيادي، لكنه في نظر الله كان في مدرسة الإعداد، حيث كان يتعلم الاتكال على الله وليس على قوته الشخصية.

عندما ظهر له ملاك الرب في العليقة المشتعلة، كان هذا إعلانًا واضحًا أن الله لم ينسَ دعوته لموسى، ولم تتغير خطته بسبب رفض الناس له. فالله لا يعتمد على قبول البشر أو رفضهم، بل يتمم مشيئته في التوقيت المناسب وعبر الشخص المستعد للسير بحسب إرادته. موسى لم يُرسل حين أراد هو، بل حين أعدّه الله، وهذا ما نراه في كلمات الرب له: "إِنِّي لَقَدْ رَأَيْتُ مَشَقَّةَ شَعْبِي... وَنَزَلْتُ لِأُنْقِذَهُمْ" (أع ٧ : ٣٤) هذه الحقيقة تتكرر في كل العصور. الله يعمل بخطته حتى لو قاومه الناس في البداية. يوسف رُفض من إخوته لكنه صار مخلصهم في النهاية، يسوع جاء ليخلص شعبه لكنهم رفضوه، ومع ذلك، فشخصه وعمله الفدائي لم يتوقف بسبب هذا الرفض، خطة الله لا تفشل أبدًا، لكنه يعمل من خلال القلوب المستعدة للطاعة. قد يرفضك الناس، قد يظنون أنك غير مؤهل، لكن إن كنت تسير مع الله، فهو من يرفعك في وقته، ويستخدمك لإتمام مشيئته كما فعل مع موسى.

استفانوس يستخدم قصة موسى ليُظهر أن إسرائيل دائمًا ما يرفض قادة الله في البداية، كما رفضوا موسى أولًا ثم قبلوه لاحقًا كمحرر، هذا النمط تكرر مع المسيح، الذي جاء لخلاصهم لكنهم رفضوه وصلبوه، الله يعمل في توقيته الخاص، حتى لو بدا أن الدعوة قد تأخرت. وكما أرسل موسى بعد ٨٠ سنة ليكون محررًا، كذلك أرسل المسيح ليحررنا روحيًا، لكن الفرق أن المسيح رُفض من قبل خاصته ولم يقبلوه (يوحنا ١ :  ١١) الله لم يظهر لموسى عندما كان عمره ٤٠ سنة، بل ظهر له بعد أن قضى ٤٠ سنة في مديان، أي عندما كان عمره ٨٠ سنة.

فلماذا لم يستخدمه الله فور هروبه؟

١ - إعداد موسى ليكون القائد المناسب : عندما كان موسى في مصر، حاول أن يكون مخلّصًا لشعبه بأسلوبه الشخصي، فقتل المصري (أع ٧ : ٢٣ - ٢٥)، لكنه لم يكن جاهزًا روحيًا أو نفسيًا لهذا الدور، في مديان، عاش موسى كراعٍ للغنم لمدة ٤٠ سنة، وهذه الفترة كانت تدريبًا في التواضع والصبر والاعتماد على الله، وليس على قوته الشخصية.

٢ - انتظار توقيت الله المناسب : توقيت الله ليس مثل توقيت الإنسان، فهو يعلم اللحظة المثالية لتنفيذ خطته. في ذلك الوقت، لم يكن الشعب جاهزًا للخروج، كما أن الظروف السياسية في مصر لم تكن مناسبة بعد، بعد ٤٠ سنة، تغيرت الأوضاع، و"مات ملك مصر" (خروج ٢ : ٢٣)، وأصبح الشعب في ضيق شديد، فصرخوا إلى الله، وكان الوقت قد حان ليستخدم موسى.

٣ - تعليم موسى الاتكال على الله وليس على قوته : موسى في مصر اعتمد على قوته البشرية، لكن الله أراد أن يعلمه أن التحرير سيتم بقوة الله وحده، وليس بأسلحة بشرية.

عندما ظهر الله لموسى في العليقة المشتعلة، كان قد صار إناءً مستعدًا لتنفيذ خطة الله، فبدأ رحلة الخروج بعد ٨٠ سنة من ولادته. الله لم يتأخر، لكنه انتظر حتى صار موسى مستعدًا والشعب محتاجًا للخلاص.

- موسى تنبأ عن المسيح، لكنهم رفضوه كما رفضوا موسى :

في عظته أمام المجمع، قال استفانوس لليهود "هَذَا مُوسَى الَّذِي قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: نَبِيًّا يُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ" (أعمال ٧ : ٣٧) كلمات موسى لا يقصد بها غير انها نبوة عن المسيح وقد استشهد استفانوس هنا بكلمات موسى الواردة في ( تث ١٨: ١٥ ) "يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ، مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُون" ومن يقول ان هذه الايه تتنبا عن اخر غير المسيح فقد ضل سبيلا هو ومن يسمعونه أو يقراون له،

- إثبات أن هذا النبي هو المسيح :

المسيح هو النبي الذي يشبه موسى، اين هو وجه الشبه في هذا؟ نجده في العهد الجديد، فقد أكد بطرس أن هذه النبوة تشير إلى يسوع، قائلًا "فَإِنَّ مُوسَى قَالَ لِلآبَاءِ: إِنَّ نَبِيًّا مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كُلِّ مَا يُكَلِّمُكُمْ بِهِ." (أعمال ٣ : ٢٢) فليس اصطفانوز وحده الذي تشهد بهذه الايه ولكن ايضا بطرس، وهذا دليل كتابي بان الخط الروحي الذي يسير فيه رجال الله في العهد القديم والعهد الجديد يشير الى انها ما قاله موسى او عن المسيح

- لكن ما معنى أن المسيح "نبي مثل موسى"؟

عندما تنبأ موسى عن النبي الآتي، قال: "نَبِيًّا يُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ مِثْلِي" (تثنية ١٨: ١٥). في العهد الجديد، نجد أن يسوع حقق هذه النبوة، إذ وُجدت بينه وبين موسى أوجه تشابه كثيرة، ولكن مع تفوّق المسيح على موسى.

١ - المسيح وسيط بين الله والناس كما كان موسى : موسى كان الوسيط الذي نقل شريعة الله لشعب إسرائيل، لكن المسيح هو الوسيط الأعظم، إذ قدم نفسه ذبيحة ليصالح الإنسان مع الله. كما يقول بولس الرسول: "لأنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ الله وَالنَّاسِ: الإنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ" (١تي ٢: ٥).

٢ -  المسيح قاد شعبه للخلاص كما فعل موسى : قاد موسى بني إسرائيل للخلاص من عبودية فرعون، ولكن المسيح قاد المؤمنين للخلاص من عبودية الخطية. قال يسوع: "فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا" (يوحنا ٨: ٣٦).

٣ - المسيح هو الشفيع الأبدي كما كان موسى شفيعًا : كما تشفع موسى في الشعب عندما أخطأوا (خروج ٣٢: ١١ - ١٤) المسيح أيضًا يشفع في المؤمنين دائمًا "فمن ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى الله، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ" (عبرانيين ٧: ٢٥).

إذن، المسيح لم يكن مجرد نبي مثل موسى، بل هو المخلص الأعظم، الذي جاء ليحقق الفداء الأبدي، في النص العبري لـ تثنية ١٨: ١٥، نجد كلمة נָבִיא (ناڤي)، وهي تعني "نبي" أو "متحدث باسم الله". لكن الأكثر أهمية هو أن الله قال لموسى في تثنية ١٨: ١٨  "أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلامِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ." هذه النبوة تتناسب تمامًا مع يسوع، لأن المسيح قال: "لأَنِّي لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنْ نَفْسِي، لَكِنَّ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ أَعْطَانِي وَصِيَّةً: مَاذَا أَقُولُ وَبِمَاذَا أَتَكَلَّمُ." (يوحنا ١٢: ٤٩) والكلمة اليونانية التي استخدمت في العهد الجديد لـ"نبي" هي προφήτης (بروفِيتيس)، والتي تعني "شخص يتحدث نيابة عن الله". فالامر واضح جدا ولا يوجد فيه لبس ولا احتاج الى انتساب هذه الكلمات قال موسي لغير المسيح

- شهادة اليهود أن هذه النبوة عن المسيح : عندما جاء يوحنا المعمدان، سأله اليهود: "أَأَنْتَ ٱلْمَسِيحُ؟" فَأَقَرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ، وَأَقَرَّ أَنِّي لَسْتُ أَنَا ٱلْمَسِيحَ. فَسَأَلُوهُ: فَمَاذَا؟ أَأَنْتَ إِيلِيَّا؟ فَقَالَ: لَسْتُ أَنَا. أَأَنْتَ ٱلنَّبِيُّ؟ فَأَجَابَ: لَا." (يوحنا 1: 20-21) هنا، كلمة "النبي" تشير إلى النبي الذي تنبأ عنه موسى في تثنية ١٨: ١٥  اليهود كانوا يتوقعون مجيء هذا النبي، وكانوا يعلمون أن نبوته متميزة عن باقي الأنبياء.

- الفرق بين موسى والمسيح :

رغم التشابه بين موسى والمسيح، فإن المسيح أعظم منه بكثير. كما يقول كاتب العبرانيين "لأنَّ هَذَا (المسيح) قَدْ حُسِبَ أَهْلًا لِمَجْدٍ أَكْثَرَ مِنْ مُوسَى، بِمِقْدَارِ مَا لِبَانِي ٱلْبَيْتِ مِنْ كَرَامَةٍ أَكْثَرَ مِنَ ٱلْبَيْتِ." (عبرانيين ٣ : ٣) المسيح ليس مجرد نبي، بل هو ابن الله، المخلّص، ورب المجد.

- رفض موسى يشير إلى رفض المسيح : كما رفض بنو إسرائيل قيادة موسى في البداية، كذلك رفضوا المسيح وصلبوه. عندما قال موسى: "مَنْ أَقَامَكَ رَئِيسًا وَقَاضِيًا عَلَيْنَا؟" (أع ٧ : ٢٧)، كان هذا نفس الموقف الذي اتخذه اليهود تجاه يسوع عندما صرخوا: "لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلَّا قَيْصَرَ" (يوحنا ١٩: ١٥) مما سبق لابد من ان ندرك ان موسى تنبأ بمجيء المسيح، لكن الكثيرين لم يدركوا هذه الحقيقة إلا بعد فوات الأوان. استفانوس واجه قادة اليهود بهذه الحقيقة، لكنهم قسّوا قلوبهم ورجموه. اليوم، لا يزال المسيح يدعو الجميع لقبوله كمخلص ورب، كما قال الله لموسى عن النبي الآتي: "لَهُ تَسْمَعُون" (تثنية ١٨: ١٥)، فهل نسمع له اليوم؟

الله لا يسكن في بيوت مصنوعة بالأيدي :

هل الله يسكن فيها اماكن مصنوعه بالأيدي؟ كلا. وهل يسكن في السماء فقط؟ معتقدين أن هذا هو مكانه المفضل..!. ايضا لا، ولكنه يسكن في السماء ويسكن فيه النفوس وهو في كل مكان ايضا " لكِنَّ الْعَلِيَّ لا يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَاتِ الأيَادِي، كَمَا يَقُولُ النَّبِيُّ: السَّمَاءُ كُرْسِيٌّ لِي، وَالأرْضُ مَوْطِئٌ لِقَدَمَيَّ. أَيَّ بَيْتٍ تَبْنُونَ لِي؟ يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَيٌّ هُوَ مَكَانُ رَاحَتِي؟ (أع٧ :  ٤٨-٤٩) فإستنفانوس كان يقتبس من إشعياء ٦٦: ١-٢، ليؤكد أن الله ليس محصورًا في هيكل أورشليم، بل هو سيد الكون كله، ولا يمكن أن يحتويه بناء بشري، ففي العهد القديم، كان الهيكل مركز عبادة إسرائيل، لكنه لم يكن المكان الحصري لوجود الله، لأن الله لا يُحَدّ بمكان. استخدم استفانوس هذا الاقتباس ليُظهر لليهود أنهم وضعوا ثقتهم في الهيكل أكثر من الله نفسه، فكانوا يعبدون المبنى بدلًا من الإله الحي، كلمة "هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأيَادِي" في اليونانية هي χειροποίητος وتنطق ( cheiropoiētos - خيروبويتوس ) وتعني ( مصنوع باليد ) تُستخدم  للإشارة إلى أشياء بشرية زائلة، وكلمة "السَّمَاءُ كُرْسِيِّي" في العبرية هي "הַשָּׁמַיִם כִּסְאִי" وتنطق ( ha-shamayim kiss'ī - هاشّامايم كِسئي ) وتعني أن الله متسيد على الكون كله، فهو لا يحتاج إلى بيت مادي ليسكن فيه.

المسيح نفسه أعلن نفس المبدأ عندما قال للمرأة السامرية " .. أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لا فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلا فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ. ... وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاءِ السَّاجِدِينَ لَهُ. اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا". (يو٤ :  ٢١-٢٤) هكذا أكد يسوع أن الله لا يطلب عبادة مرتبطة بمكان معين، بل يطلب قلوبًا صادقة تعبد بالروح والحق، لذلك استفانوس أظهر لليهود أن علاقتهم بالله لا تعتمد على الهيكل، بل على القلب النقي والعبادة الحقيقية. وهذه الحقيقة ما زالت قائمة اليوم  "  لأنَّهُ هكَذَا قَالَ الْعَلِيُّ الْمُرْتَفِعُ، سَاكِنُ الأبَدِ، الْقُدُّوسُ اسْمُهُ: "فِي الْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ الْمُقَدَّسِ أَسْكُنُ، وَمَعَ الْمُنْسَحِقِ وَالْمُتَوَاضِعِ الرُّوحِ، لأحْيِيَ رُوحَ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَلأحْيِيَ قَلْبَ الْمُنْسَحِقِينَ. (إش ٥٧ : ١٥) الله لا يسكن في الكنائس أو المباني، بل في القلوب المنكسرة والمتواضعة

عندما قال استفانوس هذا الكلام " يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ وَغُلَظَاءَ الْقُلُوبِ وَالآذَانِ!" (أع ٧: ٥١) كان يستخدم لغة العهد القديم التي تصف عناد بني إسرائيل. فكلمة "قُسَاةَ الرِّقَاب" في اليونانية σκληροτράχηλοι وتنطق ( sklērotrachēloi - سكليروتراخيلوي ) وتعني "ذوو أعناق متصلبة"، وهي صورة توضح الرفض المستمر لقيادة الله، طوال التاريخ، رفض الشعب صوت الله، سواء من خلال الأنبياء أو من خلال المسيح نفسه. مثال على ذلك: رفضوا موسى (أع ٧: ٣٥) وقتلوا الأنبياء (مت ٢٣: ٣٧) وصلبوا المسيح (أع ٢: ٣٦) وقاوموا الروح القدس (أع ٧: ٥١) المشكلة ليست في عدم وضوح الحق، بل في القلب الذي يرفضه. لهذا قال يسوع: " لأنَّ قَلْبَ هذَا الشَّعْب قَدْ غَلُظَ، وَآذَانَهُمْ قَدْ ثَقُلَ سَمَاعُهَا. وَغَمَّضُوا عُيُونَهُمْ، لِئَلا يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَسْمَعُوا بِآذَانِهِمْ، وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ. (مت ١٣ : ١٥) عندما يرفض الإنسان صوت الله، يُغلق قلبه تدريجيًا، حتى يصبح غير قادر على الاستجابة. وكما يقول بولس " لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. (رو ١ : ٢١) فالله لا يجبر أحدًا على الإيمان، لكنه يدعو الجميع إلى الطاعة. رفض الحق يقود إلى قساوة القلب، لكن الاستجابة لصوت الله تجلب النور والحياة "إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ، فَلا تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ" (عب ٣: ١٥) استفانوس واجه اليهود بالحق، لكنهم بدلا من التوبة، قاوموه وقتلوه. وهذا درس لنا: الحق قد يكون صعبًا، لكن قبوله هو طريق الحياة.

  - استقبال يقابله انتقام:

رؤية استفانوس واستشهاده (أع ٧: ٥٤-٦٠) عندما واجه استفانوس المجمع اليهودي، لم يكن مجرد واعظ يقدم خطبة، بل كان شاهدًا للحق الإلهي بقوة الروح القدس. كلماته كانت حادة، لكنها لم تكن بدافع الغضب، بل من قلب ممتلئ بمحبة الحق، غير خائف من مقاومة الناس. لكن في المقابل، امتلأ سامعوه بالغضب، وبدلًا من التوبة، تصرّوا بأسنانهم عليه، في تعبير عن رفضهم العنيف لكلماته. هذه المفارقة بين استقبال السماء له وانتقام الأرض منه تعكس الصراع المستمر بين النور والظلمة، وبين الحق والعناد.

غضب البشر مقابل فرح السماء - يصف سفر الأعمال استجابة المجمع لعظة استفانوس بكلمات قاسية "فَلَمَّا سَمِعُوا هَذَا حَنِقُوا بِقُلُوبِهِمْ وَصَرُّوا بِأَسْنَانِهِمْ عَلَيْهِ." (أع ٧: ٥٤) الكلمة اليونانية المستخدمة هنا لكلمة "صرّوا" هي " ἐβρυχῶντο " وتنطق ( ebrychōnto - إفريخونتو ) وتعني "أصدروا أصوات الغضب بأسنانهم" كما يفعل الوحوش عند الهجوم. هذا يدل على شدة غضبهم، وكأنهم لم يعودوا بشرًا بل وحوشًا تفترس بالوحشية بدلا من العقل، على النقيض، نجد استفانوس في حالة مختلفة تمامًا "وَأَمَّا هُوَ فَإِذْ كَانَ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَرَأَى مَجْدَ الله، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ الله. (أع ٧: ٥٥) بينما امتلأوا بالغضب، امتلأ هو بالروح. وبينما نظروا إليه بنظرات حقد، كان ينظر هو إلى السماء مبتسما وفرحا حيث رأى مجد الله.

 

رؤية مجد الله ويسوع القائم - رؤية استفانوس كانت فريدة. فهو أول شخص في العهد الجديد يعلن رؤية المسيح قائمًا عن يمين الله، وليس جالسًا كما تذكر النصوص الأخرى "  قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: "اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ". (مز ١١٠ : ١) مع الاية في العبرانيين " الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأعَالِي، (عب ١ : ٣) كلمة "قائم" هنا تترجم في اليونانية  ἑστῶτα وتنطق hestōta - هستوتا وتعني قاىما - واقفا، وهي تشير إلى موقف المسيح المستعد لاستقبال شهيده الأول. وكأن يسوع قام من عرشه ليكرم عبده الأمين الذي كان يستعد للعبور إلى المجد، يا له من مشهد بديع واستقبالا حافلا ومكرما، الرؤية لم تكن مجرد تعزية شخصية، بل كانت إعلانًا لحق روحي عميق: المسيح الذي رفضه رؤساء اليهود هو الآن في المجد، وهو الذي سيقف ليبرر أتباعه أمام الله، تمامًا كما أعلن يسوع نفسه قائلًا "مَنِ اعْتَرَفَ بِي قُدَّامَ النَّاسِ، أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ." (مت ١٠: ٣٢) إعلان استفانوس أثار حنق المجمع أكثر، فبدلًا من التفكير في حقيقة كلماته، اندفعوا بهياج أعمى " فَصَاحُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَسَدُّوا آذَانَهُمْ، وَهَجَمُوا عَلَيْهِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ." (أع ٧: ٥٧) الكلمة اليونانية "ὥρμησαν" وتنطق ( hōrmēsan - هورميسان ) تعني " اندفعوا بعنف - هجموا بعنف "  مما يشير إلى الهياج الجماعي الأعمى

الانتقام الأرضي والرحمة السماوية - استفانوس لم يُعدم بقرار رسمي، بل رُجم بغضب جماعي. وهذه ليست المرة الأولى التي يقتل فيها الشعب نبيًا بدلاً من سماع الحق، فقد قال يسوع عن أورشليم "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ، يَا قَاتِلَةَ الأنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا." (مت ٢٣: ٣٧) لكن موقف استفانوس عند رجمه كان يعكس موقف المسيح نفسه عند الصليب. فكما صلى يسوع قائلًا "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ." (لو 23: 34) صلى استفانوس بنفس الروح " أَيُّهَا الرَّبُّ، لا تُقِمْ لَهُمْ هَذِهِ الْخَطِيَّةَ (أع ٧: ٦٠) الكلمة العبرية التي تصف الغفران الإلهي هي "סָלַח" وتنطق ( sālaḥ - سالاخ ) وهي تشير إلى غفران الله العميق. في هذا المشهد، لم يكن استفانوس مجرد شهيد، بل كان صورة للمسيح في محبته وغفرانه حتى لمن كانوا يقتلونه، في النهاية، لا يصف النص موت استفانوس بطريقة تقليدية، بل يقول " وَإِذْ قَالَ هَذَا، رَقَدَ. (أع ٧: ٦٠) الكلمة اليونانية " ἐκοιμήθη " وتنطق ( ekoimēthē - إكويميثي ) تعني " رقد - نام " وهي نفس الكلمة المستخدمة في العهد الجديد لوصف موت المؤمنين "   ثُمَّ لا أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ، لِكَيْ لا تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لا رَجَاءَ لَهُمْ. لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ الله أَيْضًا مَعَهُ. (١تس٤ : ١٣-١٤) الموت بالنسبة لاستفانوس لم يكن نهاية، بل كان دخولًا إلى الراحة الأبدية، حيث كان المسيح ينتظره ليستقبله.

الاختلاف بين استقبال السماء وانتقام الأرض - استفانوس لم يكن شخصًا متمردًا، بل كان صوتًا للحق. لكنه واجه مصيرًا يشبه ما واجهه الأنبياء قبله، والمسيح نفسه. كان استشهاده بداية موجة اضطهاد، لكن أيضًا بداية انتشار الإنجيل، إذ أن شاول (بولس لاحقًا) كان شاهدًا على موته، وكان موته أحد العوامل التي أثرت في تحوله لاحقًا (أع ٩: ١-٦) حياة استفانوس تعلمنا أن الحق قد لا يكون مقبولًا، لكن مجد الله ينتظر من يثبت فيه حتى النهاية. الأرض قد تثور ضد الحق، لكنها لا تستطيع أن تمنع مجد السماء عن الذين يختارون طاعة الله. وبينما كان المجمع يمتلئ بالغضب، كان استفانوس يمتلئ بالمجد. وبينما كان أهل الأرض يستعدون للانتقام، كان أهل السماء يستعدون للاستقبال. فالسؤال لكل منا اليوم، عندما يقف العالم ضد الحق، هل سننظر إلى الأرض ونخاف، أم سننظر إلى السماء ونثبت؟

 

  

٤

الجوانب المشتركة

في عظتا استطفانوس وبطرس

 

عظة بطرس يوم الخمسين (أعمال ٢) وعظة استفانوس أمام المجمع (أعمال ٧) هما من أعظم العظات المسجلة في سفر الأعمال، ولكل منهما تأثيره العميق في تشكيل الكنيسة الأولى وشهادتها للعالم. ورغم اختلاف السياق الذي قيلت فيه كل منهما، إلا أنهما تشتركان في عدة جوانب لاهوتية وروحية تعكس جوهر الرسالة المسيحية الأولى. لذلك سأسلط الضوء على القواسم المشتركة بين العظتين، وكيف أنهما تنبعان من نفس المصدر الروحي: شهادة الروح القدس عن المسيح المصلوب والمُقام، ودعوة الإنسان للتوبة والخلاص.

الكرازة بقوة الروح القدس : عظة بطرس جاءت بعد حلول الروح القدس يوم الخمسين، حيث وقف بطرس، المملوء بالروح، ليعلن رسالة الإنجيل بجرأة غير مسبوقة (أع ٢: ١٤-٣٦). كانت كلماته قوية وواضحة، مستخدمًا نبوات العهد القديم لإثبات أن يسوع هو المسيح المنتظر. وعلى الجانب الآخر، استفانوس، وهو ممتلئ بالروح القدس (أع ٦: ٥)، واجه مجمع السنهدرين بنفس الجرأة، مستخدمًا تاريخ إسرائيل ليكشف عن رفضهم المتكرر لرسائل الله وأنبيائه، وصولًا إلى رفضهم للمسيح نفسه (أع ٧: ٥١-٥٣). كلا العظتين أظهرتا أن المتكلم لم يكن مجرد إنسان يعتمد على فصاحته، بل أداة في يد الروح القدس لتوصيل الحق الإلهي.

الاستناد إلى العهد القديم لإثبات أن يسوع هو المسيح: في عظة بطرس، اقتبس النبي يوئيل (أع ٢: ١٧-٢١) ونبوات داود عن قيامة المسيح (أع ٢: ٢٥-٣١) لإثبات أن يسوع هو الممسوح من الله. أما استفانوس، فقد قدم عرضًا تاريخيًا لشعب إسرائيل منذ إبراهيم وحتى سليمان، مُظهرًا كيف أن الله كان يعمل وسط شعبه، لكنه قوبل بالرفض مرارًا (أع ٧: ٢-٥٠). في النهاية، ربط ذلك برفضهم للمسيح، موضحًا أن رفضهم الحالي ليس سوى امتداد لهذا النمط المستمر. كلا العظتين استخدمتا العهد القديم لإثبات أن يسوع هو تتميم خطة الله للخلاص.

إدانة رفض إسرائيل للمسيح كما رفضوا الأنبياء السابقين : في كلا العظتين، هناك توبيخ قوي لشعب إسرائيل على رفضهم ليسوع. بطرس قال بوضوح: "هَذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ الله الْمُحَدَّدَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ" (أع ٢: ٢٣). بينما استفانوس قال لهم مباشرة: "يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ وَغُلَظَاءَ الْقُلُوبِ وَالآذَانِ! أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ" (أع ٧: ٥١). العظتان تكشفان حقيقة أن رفض المسيح لم يكن حادثًا منفصلًا، بل هو استمرار لرفض الشعب لمشيئة الله عبر الأجيال.

إعلان قيامة المسيح وصعوده : من أبرز العناصر المشتركة بين العظتين هو تأكيدهما على قيامة المسيح. بطرس قال بوضوح: "فَيَسُوعُ هَذَا أَقَامَهُ الله، وَنَحْنُ جَمِيعًا شُهُودٌ لِذَلِكَ" (أع ٢: ٣٢). بينما استفانوس، عندما كان على وشك الاستشهاد، رأى السماء مفتوحة والمسيح قائمًا عن يمين الله، وأعلن ذلك قائلًا: "هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً وَابْنَ الإنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ الله" (أع ٧: ٥٦). هذا الإعلان عن قيامة المسيح كان بمثابة شهادة قاطعة لسلطانه الإلهي، لكن رد الفعل تجاهه كان مختلفًا: في عظة بطرس، كثيرون تأثروا وتابوا (أع ٢: ٣٧)، أما في عظة استفانوس، فازدادوا غضبًا ورجموه (أع ٧: ٥٧-٥٨).

دعوة للتوبة والخلاص من خلال المسيح : بطرس، بعدما أظهر لليهود خطأهم في صلب المسيح، دعاهم مباشرة إلى التوبة والاعتماد على اسم يسوع لمغفرة الخطايا: "تُوبُوا، وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى ٱسْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ لِمَغْفِرَةِ ٱلْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ" (أع ٢: ٣٨). استفانوس لم يدعُ مباشرة للتوبة، لكنه كشف لهم قساوة قلوبهم، وكان هذا كافيًا لإثارة غضبهم بدلًا من دفعهم إلى التوبة (أع ٧: ٥٤). هذا يوضح أن قبول الحق يعتمد على استعداد القلب، وليس على قوة العظة فقط.

عظة بطرس وعظة استفانوس تمثلان نموذجين قويين للكرازة الإنجيلية في الكنيسة الأولى. كلاهما استند إلى الكتاب المقدس، كشفا عن رفض إسرائيل المتكرر لمشيئة الله، أكدا على قيامة المسيح، ودعوا إلى الخلاص باسمه. لكن الاختلاف كان في استجابة المستمعين: في عظة بطرس، قُطعوا إلى القلب وتابوا، بينما في عظة استفانوس، امتلأوا غضبًا وقتلوه. هذا يعلمنا أن الكلمة الحية لا تترك الإنسان محايدًا، بل تدفعه إما إلى التوبة أو إلى مقاومة الحق، هكذا، تظهر لنا هاتان العظتان جوهر الرسالة المسيحية: يسوع هو المسيح الموعود، رفضه هو رفض لمشيئة الله، وقبوله هو طريق الخلاص الأبدي.

- إدانة رفض إسرائيل للمسيح كما رفضوا الأنبياء من قبل :

عظة بطرس يوم الخمسين (أع 2) وعظة استفانوس أمام المجمع (أع 7) تتشابهان في نقطة محورية وهي إدانة رفض إسرائيل للمسيح، الذي جاء متممًا للنبوات، تمامًا كما رفضوا الأنبياء الذين سبقوه. في كلتا العظتين، نرى كيف أن الشعب كان يقاوم دعوة الله للخلاص، وكيف أن هذا الرفض لم يكن مجرد حادثة منفصلة بل هو جزء من تاريخ طويل من مقاومة الحق الإلهي.

قال بطرس لليهود في أورشليم: المسيح رجل مؤيد من الله لكنهم قساة القلوب وعنفاء في رفضهم "يَا رِجَالَ إِسْرَائِيلَ، اسْمَعُوا هَذِهِ الأقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ، رَجُلٌ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ الله بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ، صَنَعَهَا الله بِيَدِهِ فِي وَسَطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ. هَذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ الله الْمُحَدَّدَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ" (أع ٢: ٢٢-٢٣) بطرس يوضح أن المسيح جاء إليهم ممسوحًا من الله، مؤيدًا بمعجزات واضحة لا يمكن إنكارها، ولكنهم رغم ذلك أسلموه وصلبوه، مما يدل على رفضهم ليسوع، رغم كل الأدلة التي أثبتت هويته - ما قاله استفانوس في إدانة رفضهم للمسيح : على نفس النمط، واجه استفانوس رؤساء اليهود بتوبيخ شديد قائلا: "يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ وَغُلَظَاءَ الْقُلُوبِ وَالآذَانِ! أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ! كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ، كَذَلِكَ أَنْتُمْ. أَيُّ الأنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ، وَقَدْ قَتَلُوا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ الْبَارِّ، الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ" (أع ٧: ٥١-٥٢) هنا استفانوس يوضح أن رفض القادة اليهود ليسوع لم يكن إلا استمرارًا لرفض آبائهم للأنبياء الذين سبقوه، فهم لم يقتلوا المسيح فحسب، بل استمروا في ذات النهج الذي سار عليه أجدادهم بقتل رسل الله.

المسيح كان دليلًا واضحًا لكنهم رفضوه : بطرس أشار إلى أن معجزات المسيح كانت دليلًا واضحًا على أنه مرسل من الله، ومع ذلك رفضوه قائلًا: "رَجُلٌ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ، صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسَطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ" (أع ٢: ٢٢) يُحَمِّلهم مسؤولية قتل المسيح رغم كل البراهين التي كانت أمامهم - ما قاله استفانوس أنه استخدم تاريخ إسرائيل لإثبات أنهم كانوا دائمًا يقاومون الله، حتى عندما كان يرسل لهم أدلة واضحة على عمله. قال: "أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ! كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ، كَذَلِكَ أَنْتُمْ" (أع ٧: ٥١)  يوضح أن رفض المسيح لم يكن موقفًا عارضًا، بل كان نمطًا متكررًا من مقاومة الله ورسالته عبر العصور.

قتل المسيح كان تحقيقًا لخطة الله لكنهم مسؤولون عن جريمتهم : بطرس أشار إلى أن صلب المسيح كان ضمن خطة الله، لكنه لم يعفِ اليهود من مسؤوليتهم قائلًا: "هَذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ الله الْمُحَدَّدَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ" (أع ٢: ٢٣) بطرس يعترف بسيادة الله، لكنه في نفس الوقت يؤكد أن اليهود هم الذين نفذوا هذا الفعل بإرادتهم - استفانوس ألقى اللوم مباشرةً على القادة اليهود قائلًا: "الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ" (أع ٧: ٥٢) وهذا يعكس نفس الفكرة التي قالها بطرس، وهي أنهم ارتكبوا جريمة عظيمة ضد الله، حتى وإن كان ذلك ضمن خطته الخلاصية.

استجابة اليهود للرسالة : عندما سمع اليهود كلمات بطرس، "نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ" وسألوا: "مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإخْوَةُ؟" (أع ٢: ٣٧). أي أن كلام بطرس أثر فيهم ودفعهم إلى التوبة، مما أدى إلى إيمان نحو ٣٠٠٠ شخص في ذلك اليوم (أع ٢: ٤١). - ما حدث بعد عظة استفانوس على العكس، عندما سمع القادة اليهود كلام استفانوس، لم يتأثروا بالتوبة بل بالغضب، "فَلَمَّا سَمِعُوا هَذَا حَنِقُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَصَرُّوا بِأَسْنَانِهِمْ عَلَيْهِ" (أع 7: 54). ثم رجموه حتى الموت، مما يوضح أنهم استمروا في رفضهم للحق، هناك تشابه واضح بين ما قاله بطرس واستفانوس في توبيخهم لليهود بسبب رفضهم للمسيح، لكن الفرق يكمن في الاستجابة. بطرس واجه جمهورًا كانوا مستعدين للتوبة، بينما استفانوس واجه قلوبًا قاسية ممتلئة بالعناد والغضب. هذا يوضح أن قبول الحق ليس مسألة عقلية فقط، بل يحتاج إلى قلب مستعد للخضوع لعمل الروح القدس.

 - التأكيد على قيامة المسيح وصعوده : - والدعوة إلى التوبة والخلاص :

العظتان تتشابهان في نقاط رئيسية، أبرزها التأكيد على قيامة المسيح وصعوده، والدعوة إلى التوبة والخلاص. في كلتا الحالتين، كانت الرسالة هي أن يسوع هو المسيح الموعود، وأن رفضه كان خطيئة جسيمة، لكن الله أثبت برهانه بإقامته من الأموات ورفعه إلى يمينه.

التأكيد على قيامة المسيح وصعوده : ما قاله بطرس في عظته عن قيامة المسيح وصعوده، في يوم الخمسين، أكد بطرس لليهود أن قيامة يسوع لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت تحقيقًا للنبوات وإثباتًا لقوة الله، قائلًا: "فَيَسُوعُ هَذَا أَقَامَهُ اللَّهُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا شُهُودٌ لِذَلِكَ. فَإِذِ ٱرْتَفَعَ بِيَمِينِ ٱللَّهِ، وَأَخَذَ مَوْعِدَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ مِنَ ٱلْآبِ، سَكَبَ هَذَا ٱلَّذِي أَنْتُمْ تَنْظُرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ" (أع ٢: ٣٢-٣٣) يؤكد بطرس أن التلاميذ هم شهود على القيامة، وأن ما يحدث أمامهم من حلول الروح القدس هو دليل على أن يسوع قد ارتفع إلى يمين الله، وأنه حيٌّ الآن.

ما قاله استفانوس عن قيامة المسيح وصعوده، لم يعظ عن القيامة بنفس الطريقة، لكنه شهد برؤيا مباشرة أكدت أن يسوع حي وممجد في السماء "أَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ ٱللَّهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ ٱللَّهِ، فَقَالَ: هَا أَنَا أَنْظُرُ ٱلسَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ ٱللَّهِ" (أع ٧: ٥٥-٥٦) إعلان استفانوس هذا كان صادمًا لرؤساء اليهود، لأنه أكد أن يسوع لم يكن مجرد إنسان مات، بل هو الآن ممجد عند الله، مما أدى إلى ثورة غضبهم ورجمه حتى الموت.

يؤكد سفر الأعمال على القيامة كجوهر للإيمان المسيحي : في سفر الأعمال، نرى أن القيامة لم تكن مجرد عقيدة بل كانت حجر الزاوية في الكرازة، بطرس ويوحنا قالا أمام المجمع: "يَسُوعُ ٱلَّذِي أَقَامَهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ، وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذَلِكَ" (أع 4: 10) بولس قال لأهل أثينا: "إِذْ حَدَّدَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ ٱلْمَسْكُونَةَ بِٱلْعَدْلِ، بِرَجُلٍ قَدْ عَيَّنَهُ، مُقَدِّمًا لِجَمِيعِ ٱلْبَشَرِ بُرْهَانًا إِذْ أَقَامَهُ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ" (أع ١٧: ٣١) القيامة لم تكن فكرة إضافية، بل كانت البرهان الإلهي على هوية يسوع ودوره كالمخلص.

الدعوة إلى التوبة والخلاص باسم يسوع: ما قاله بطرس عن التوبة والخلاص، بعد أن أدرك اليهود خطأهم في صلب المسيح، نُخسوا في قلوبهم وسألوا: "مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلْإِخْوَةُ؟" (أع ٢: ٣٧) أجابهم بطرس بكل وضوح "تُوبُوا، وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى ٱسْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ لِمَغْفِرَةِ ٱلْخَطَايَا، فَتَنَالُوا عَطِيَّةَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ" (أع ٢: ٣٨) هنا، يقدم بطرس وصفًا واضحًا لطريق الخلاص: التوبة، الإيمان، والاعتماد على اسم يسوع.

موقف استفانوس من التوبة والخلاص، لم يوجه دعوة مباشرة للتوبة، لكنه كشف خطيئة القادة اليهود وقساوة قلوبهم، قائلًا: "يَا قُسَاةَ ٱلرِّقَابِ وَغُلَظَاءَ ٱلْقُلُوبِ وَٱلْآذَانِ! أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ، كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذَلِكَ أَنْتُمْ" (أع ٧: ٥١) رد فعل المجمع لم يكن التوبة كما حدث مع جمهور بطرس، بل اشتعل غضبهم وسدوا آذانهم، مما يوضح الفرق في الاستجابة، سفر الأعمال يؤكد على التوبة كطريق للخلاص، بطرس قال أمام المجمع: "وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ ٱلْخَلَاصُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ ٱسْمٌ آخَرُ تَحْتَ ٱلسَّمَاءِ قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ" (أع ٤: ١٢) بولس قال لأهل أثينا: "وَأَمَّا ٱلآنَ فَهُوَ يَأْمُرُ جَمِيعَ ٱلنَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا" (أع ١٧: ٣٠) التوبة والإيمان بالمسيح هما السبيل الوحيد للخلاص، وهذا ما شدد عليه الرسل في كرازتهم، في النهاية، يُظهر سفر الأعمال أن القيامة والتوبة هما الأساسان اللذان بُني عليهما الإيمان المسيحي، وأن الاستجابة لهما تحدد مصير الإنسان.

 

 




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس