الصوم في ضوء كلمة الله

 


الصوم في ضوء كلمة الله 

بقلم القس عماد عبد المسيح

_______________________________

 الصوم في ضوء كلمة الله 

الصوم في كلمة الله من أهم المواضيع الكتابية لأنها ترفع من مستوي الحياة الروحية وتحرك السماء نحو بني البشر ، ففي الصوم لغة يفهمها كل مسئول وكل قائد ، ففي السجون عندما يمتنع متظلم عن الطعام لمدة من الزمن قد تصل لثلاثة أيام يبدأ التحرك نحوه وسماع اقواله ويتجهون مسرعين للحفاظ علي صحته ، بنقله للمستشفي في إذا تدهورت حالته ، كما يوجد بعص الأماكن يقدمون طعاما بالإجبار للمضربين عن الطعام من خلال انبوب يتم توصيله بالأنف ويصل للمعدة مباشرة ، وهذا الفعل يتم سراً ، هذا ما كتبتة بعض وسائل الاعلام كما في الموقع الالكتروني " الدرة " بتاريخ الخميس، 13 نوفمبر، 2014 تحت عنوان : " تفاصيل جريمة الإطعام القسرى للمعتقلين بسجن "جوانتنامو" . فالإضراب عن الطعام أمر تهتز منه الحكومات والمؤسسات السيادية فكم وكم في عالم الروح .

أما الصوم فهو يختلف عن الإضراب عن الطعام ، لأن المضرب عن الطعام يمتليئ بروح التذمر والحقد لأنه يشعر بالظلم وربما يمتليئ أيضاً بروح الإنتقام ، ولأنه لا يمتلك الحرية والمقدرة علي أخذ حقه فيلجأ لهذه الحيلة التي يظن أنها ستاتي بنتائج فيسمع المسئولين صوته  ، إن الصوم احبائي هو لغة يقدرها الله لإنها مستوي عبادة بين الإنسان وخالقه ، ففي الصوم يتخلي الإنسان بعيدا عن اهتمامات الجسد واحتياجاته ومطالبه من مأكل أو مشرب او لذات ، فيرتفع إهتمام العقل نحو الهدف الأسمي وهو العلاقة مع الله ، أي كأن الصائم يرسل رسالة لله قائلاً : " قد فرغت نفسي لك لنقضي معاً أحلي الأوقات في عبادتك وسماع صوتك وسماع صوتي " وبالتالي يتحرك الله بكل خدامه الملائكية نحو الصائم الذي خصص الوقت للرب ليسمعه ويلبي احتياجاته .

ايها الصائم لا تصوم بروح متذمرة أو بروح غاضبة بل إقترب للرب صائماً بروح المحبة والإيمان والثقة بأنه يحبك ويشعر بأنين قلبك وأوجاع نفسك ، إن تخصيص وقت للرب للتلذذ به أفضل من تخصيص وقت بروح الإحتياج والعوز ، فصيامك لابد أن يهدف أولاً لشخص الرب دون اي أهداف أخري ، وإثناء صيامك وعبادتك بالصلاة والتسبيح ستراه يميل نحوك ونحو احتياجاتك لتسديدها ، فقط تلذذ به في صيامك وصلاتك فسيعطيك احتياجك ويظهر حقك وبرك  " وَتَلَذَّذْ بِالرَّبِّ فَيُعْطِيَكَ سُؤْلَ قَلْبِكَ.سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ وَاتَّكِلْ عَلَيْهِ وَهُوَ يُجْرِي،وَيُخْرِجُ مِثْلَ النُّورِ بِرَّكَ، وَحَقَّكَ مِثْلَ الظَّهِيرَةِ. (مز٣٧: ٤-٦) فالإقتراب الي الرب بهدف المحبة والتواصل الروحي يمنح المؤمن الشعور الزائد نحو الرب ، ويجعل تحركات السماء مضاعفة نحوه ، فالمضرب عن الطعام بعيد عن الإيمان بقرب المسئولين نحوه ، أما الصائم فهو صائم لأنه يعلم ان السماء قريبه منه وأن الرب معه ويسمعه ، لذلك يتكلم الرب بفم اشعياء أن يقتربوا نحو الرب من خلال تخصيص الأوقات له كيوم السبت الذي هو يوم الرب وتخصيص اعمالهم وانفسهم للرب فتتحرك السماء لتعطي للمؤمن حياة الإمتلاك والرفعة والإستخدام " إِنْ رَدَدْتَ عَنِ السَّبْتِ رِجْلَكَ، عَنْ عَمَلِ مَسَرَّتِكَ يَوْمَ قُدْسِي، وَدَعَوْتَ السَّبْتَ لَذَّةً، وَمُقَدَّسَ الرَّبِّ مُكَرَّمًا، وَأَكْرَمْتَهُ عَنْ عَمَلِ طُرُقِكَ وَعَنْ إِيجَادِ مَسَرَّتِكَ وَالتَّكَلُّمِ بِكَلامِكَ،فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ تَتَلَذَّذُ بِالرَّبِّ، وَأُرَكِّبُكَ عَلَى مُرْتَفَعَاتِ الأَرْضِ، وَأُطْعِمُكَ مِيرَاثَ يَعْقُوبَ أَبِيكَ، لأنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ". (إش٥٨: ١٣-١٤) فأقول : أيها المتلذذون بالرب تلذذوا لأن في تلذذكم تحركات السماء نحوكم بتعويضات وأفراح وبركات .

يبقي السؤال الذي سأله الرب للكهنة والشعب في سفر زكريا " فَهَلْ صُمْتُمْ صَوْمًا لِي أَنَا؟ (زك ٧ : ٥) فالكهنة والشعب صاموا في " الشَّهْرِ الْخَامِسِ وَالشَّهْرِ السَّابع " ولكن الرب سألهم عن هدف الصوم ، هل هو للرب ام لأخرين ، أحبائي يوجد من يصوم بإسم أخر وليس بإسم الرب ، لذلك سيستمر الله يسأل " فَهَلْ صُمْتُمْ صَوْمًا لِي أَنَا؟ " دعونا في هذه الحلقات وهذا الإسبوع ندرس معا الصوم واهميته في كلمة الله وعن التحركات الإلهية المصاحبة للأصوام ويبقي السؤال الذي لا يحب أن يُنسي " فَهَلْ صُمْتُمْ صَوْمًا لِي أَنَا؟ " 

 - الصوم وتحركات عالم الروح : 

الصوم ليس هدفه اعلان الاحتياج للرب وتذليل النفس ليستجب الرب ، ولكن الصوم اتجاه عبادة روحية وإعلان طريق الإصرار لطلب الحقوق الروحية التي لنا في الرب ، فقد يكون الإحتياج جسدي أو نفسي أو  روحي ، فالإتجاه نحو الصوم يجند قوة ملائكية من أجل الإستجابة ويزعج إبليس ، ولأن الصوم يمنح طاقة روحية فسيكون للمؤمن حياة الإنتصار والغلبة ، هذا الأمر كان يدركه المسيح ، فقبل الخدمة وإختيار التلاميذ كان صائماً أربعين يوماً " فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا. (مت ٤ : ٢) لذلك جاء الشيطان ليجربه وأيضاً جاء ملاكاً ليقويه " وَكَانَ هُنَاكَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ. وَصَارَتِ الْمَلائكةُ تَخْدِمُهُ. (مر ١ : ١٣) فبمقدار وأهمية العمل الإلهي في حياة المؤمن واهتمامه بالخدمة والتكريس له بالصوم والصلاة بمقدار تواجد عالم الروح ، وليعلم المؤمن أن قوة وتأثير قوي الروح الملائكية أقوي من قوي الشر المنتشرة لتعطيل العمل ، لذلك كي يشعر المؤمن بالإنتصار عليه أن يستمر في صلاته وصومه لحسم الموقف .

  كان دانيال مصلياً ولم يهتم بالمأكل والمشرب لمدة ٢١ يوم وإثنائها تجمعت قوي الشر لتعطيل الإستجابة ولكن القوي الملائكية كان لها الغلبة لسببين وهما أن الإستجابة بالنسبة للملائكة أوامر الهية واجبة التنفيذ مهما كانت المعطلات ، واستمرارية دانيال دون ملل او كسل أو تراخي ، لذلك كانت المعونة الإلهية لرجل الله واضحة جداً " فِي تِلْكَ الأيَّامِ أَنَا دَانِيآلَ كُنْتُ نَائِحًا ثَلاثةَ أَسَابِيعِ أَيَّامٍلَمْ آكُلْ طَعَامًا شَهِيًّا وَلَمْ يَدْخُلْ فِي فَمِي لَحْمٌ وَلا خَمْرٌ، وَلَمْ أَدَّهِنْ حَتَّى تَمَّتْ ثَلاثَةُ أَسَابِيعِ أَيَّامٍ.وَإِذَا بِيَدٍ لَمَسَتْنِي وَأَقَامَتْنِي مُرْتَجِفًا عَلَى رُكْبَتَيَّ وَعَلَى كَفَّيْ يَدَيَّ.فَقَالَ لِي: "لا تَخَفْ يَا دَانِيآلُ، لأنَّهُ مِنَ الْيَوْمِ الأوَّلِ الَّذِي فِيهِ جَعَلْتَ قَلْبَكَ لِلْفَهْمِ وَلإذْلالِ نَفْسِكَ قُدَّامَ إِلهِكَ، سُمِعَ كَلامُكَ، وَأَنَا أَتَيْتُ لأجْلِ كَلامِكَ.وَرَئِيسُ مَمْلَكَةِ فَارِسَ وَقَفَ مُقَابِلِي وَاحِدًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَهُوَذَا مِيخَائِيلُ وَاحِدٌ مِنَ الرُّؤَسَاءِ الأوَّلِينَ جَاءَ لإعَانَتِي، وَأَنَا أُبْقِيتُ هُنَاكَ عِنْدَ مُلُوكِ فَارِسَ.فَقَالَ: "هَلْ عَرَفْتَ لِمَاذَا جِئْتُ إِلَيْكَ؟ فَالآنَ أَرْجعُ وَأُحَارِبُ رَئِيسَ فَارِسَ. فَإِذَا خَرَجْتُ هُوَذَا رَئِيسُ الْيُونَانِ يَأْتِي. (دان١٠: ٢-٣، ١٠، ١٢-١٣، ٢٠) فتحركات رؤساء الشر في عالم الروح منبعه خطورة الوقت الذي خُصص للتكريس وإطلاق كلمات تخص شعب الرب ونهاية الزمان ، فإبليس كل همه ان يجعل شعب الرب في حالة الجهل الروحي لما هو قادم ليستطيع ان يُضل الكثيرين ، ففي الصيام والصلاة فرصة لإطلاق القوي الروحية في الأجواء السماوية لإعلان السيادة الإلهية وتحقيق مشيئة الله في العالم .

التحركات الإلهية للحماية والحروب الروحية تُوجد عندما يبدأ المؤمن بتكريس جسده ( بالصوم ) وتكريس وقته ( بالصلاة ) واعلان سيادة الله بكلمات نبوية ليكون لها تأثير في عالم الروح ، فقد كان عزرا راجعا الي اورشليم هو ومجموعة من شعب الرب وكان يحتاج لجيش من أجل الحماية ولكنه خجل أن يطلب من الملك ، ففعل أمرا في غاية الخطورة والأهمية ، أنه صام وصلي وطلب الحماية من الرب فكان له " وَنَادَيْتُ هُنَاكَ بِصَوْمٍ عَلَى نَهْرِ أَهْوَا لِكَيْ نَتَذَلَّلَ أَمَامَ إِلهِنَا لِنَطْلُبَ مِنْهُ طَرِيقًا مُسْتَقِيمَةً لَنَا وَلأَطْفَالِنَا وَلِكُلِّ مَالِنَا.لأَنِّي خَجِلْتُ مِنْ أَنْ أَطْلُبَ مِنَ الْمَلِكِ جَيْشًا وَفُرْسَانًا لِيُنْجِدُونَا عَلَى الْعَدُوِّ فِي الطَّرِيقِ، لأَنَّنَا كَلَّمْنَا الْمَلِكَ قَائِلِينَ: "إِنَّ يَدَ إِلهِنَا عَلَى كُلِّ طَالِبِيهِ لِلْخَيْرِ، وَصَوْلَتَهُ وَغَضَبَهُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَتْرُكُهُ".فَصُمْنَا وَطَلَبْنَا ذلِكَ مِنْ إِلهِنَا فَاسْتَجَابَ لَنَا.ثُمَّ رَحَلْنَا مِنْ نَهْرِ أَهْوَا فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ الأوَّلِ لِنَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَكَانَتْ يَدُ إِلهِنَا عَلَيْنَا، فَأَنْقَذَنَا مِنْ يَدِ الْعَدُوِّ وَالْكَامِنِ عَلَى الطَّرِيقِ. (عز٨: ٢١-٢٣، ٣١) ففي صومك وصلاتك لتعلم أن للرب تحركات ملائكية وجيش روحي للحماية والدفاع عنك ، حتي وٱن لم تراه كما راه دانيال وكما راه المسيح واخرون من خدام الرب الأجلاء في كلمة الله أو في ايامنا هذه ، فملائكة الرب تنتظر خدمتك عندما تري تكريسك وتسمع أوامر صلاتك النابعة بقوة وعمل الروح القدس فتستطيع ان تقول : " طَلَبْتُ إِلَى الرَّبِّ فَاسْتَجَابَ لِي، وَمِنْ كُلِّ مَخَاوِفِي أَنْقَذَنِي......هذَا الْمِسْكِينُ صَرَخَ، وَالرَّبُّ اسْتَمَعَهُ، وَمِنْ كُلِّ ضِيقَاتِهِ خَلَّصَهُ....مَلاكُ الرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ، وَيُنَجِّيهِمْ. (مز٣٤: ٤، ٦-٧) فملائكة الرب متواجدة لخدمة اولاد الرب ولا سيما الذين هم  في تكريس وتخصيص الجسد والنفس والروح ، فالصيام يصنع واقع روحي يُرعب إبليس وجنوده ويفتح الأفاق الروحية لحياة المؤمن ويملأ الجو الروحي جنودا من الملائكة ، اصلي ان يُدرك شعب الرب هذا ليُكثر من حياة الصوم والصلاة .

 - الصوم رغم زخف الاحتياجات : 

    يدخل الإنسان في إحتياجات مُلحة في حياته في هذا العالم المليئ بالهموم والمشاكل ، فهو عالم مضطرب ومنزعج علي المهتمين به ، ولأن المؤمن موجود في العالم فيصيبه بعض من الهموم والمشاكل التي تصيب كل البشر فيبدا المؤمن في الإنزعاج ، فدائرة الإنزعاج باب من أبواب التدخلات الشيطانية لإمتلاك أراضي في حياتنا ليفرض فيها سطوته ، فيأتي إلي أرض الفرح لينزع تعزيتنا ، ويأتي الي منطقة السلام لينزع هدوئنا وإطمئناننا ، ويأتي إلي أرض الراحة ليملئنا بالتعب والإرهاق وبالتالي يصير المؤمن مسبي داخل أرضه ومكانه .

    عندما يأتي المؤمن إلي الرب معلناً الصوم والصلاة فهنا يسلك مسلك بعيد عن الخطوط والسكك المرسومة من إبليس علي حياته ، فينزعج إبليس ويرتبك ، لأن في استجابة الإنسان للهموم والمشاكل ، والتفاعل معها منزعجاً فهو يحقق هدف إبليس لينال مُراده ، أما في الصلاة الصوم يتم إسترداد هدوء النفس وبالتالي يتم إسترداد القوة ألنفسية والجسدية فيفتح الباب لإنتصار وسيادة الروح علي الحياة فيصير المؤمن روحياً ، فالمؤمن الروحي يستطيع أن يّحكم ولا يُحكم عليه لأن روحه هادئة وقادر علي تقييم الإمور تقيما صحيحاً ، أما المنزعج والخائف والمضطرب فهو يحتاج لحياة السكينة والهدوء والقوة " لأنَّهُ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ: "بِالرُّجُوعِ وَالسُّكُونِ تَخْلُصُونَ. بِالْهُدُوءِ وَالطُّمَأْنِينَةِ تَكُونُ قُوَّتُكُمْ". فَلَمْ تَشَاءُوا. (إش ٣٠ : ١٥) حياة الصوم يمنح النفس هدوءً وراحة فيُمنح قوة وينال معونة السماء

وقف داود أمام مرض إبنه الذي ولده من زوجة أوريا الحثي وبسبب هذا قتله فعاقبه الرب ووبخه "  لِمَاذَا احْتَقَرْتَ كَلامَ الرَّبِّ لِتَعْمَلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيْهِ؟ قَدْ قَتَلْتَ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ بِالسَّيْفِ، وَأَخَذْتَ امْرَأَتَهُ لَكَ امْرَأَةً، " فإعترف بخطيته وندم فغفر له الرب خطيته ولكن لم يرفع عواقبها لأن للخطية التي فعلها داود جعلت إهانة وشماتة من أعداء الرب علي شعب الرب ، فلابد أن يَّقطع الرب ثمرة الخطية " ... الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لا تَمُوتُ.غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ بِهذَا الأمْرِ أَعْدَاءَ الرَّبِّ يَشْمَتُونَ، فَالابْنُ الْمَوْلُودُ لَكَ يَمُوتُ" وبالفعل مرض الولد مرض للموت فصنع داود محاولة لربما يستحب الرب فكما رفع الموت عن داود فقد يستجيب ويرفع الموت عن الولد " فَسَأَلَ دَاوُدُ اللهَ مِنْ أَجْلِ الصَّبِيِّ، وَصَامَ دَاوُدُ صَوْمًا، وَدَخَلَ وَبَاتَ مُضْطَجِعًا عَلَى الأرْضِ. " فهم داود أن الصوم لغة يفهمها الله ، والذي لا نستطيع أنه نقوله بأفواهنا تعلنه حياة الصوم ، ولكن الأمر هنا مختلف لأن حُكم الموت في حياة ونسل داود كان قد صدر لأن الفعل الذي فعله داود لا يرتبط بحياته فقط بل يرتبط بأمة اسرائيل كلها الأمة التي يعلن الرب ذاته من خلالها فهي الإبن البكر كما أعلن لفرعون علي فم موسي النبي فلابد أن الرب يصحح الوضع في زمن راة الرب أن لا يجوز الخطأ فيه فمات الولد " وَكَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ أَنَّ الْوَلَدَ مَاتَ، ...... .فَقَامَ دَاوُدُ عَنِ الأَرْضِ وَاغْتَسَلَ وَادَّهَنَ وَبَدَّلَ ثِيَابَهُ وَدَخَلَ بَيْتَ الرَّبِّ وَسَجَدَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى بَيْتِهِ وَطَلَبَ فَوَضَعُوا لَهُ خُبْزًا فَأَكَلَ. (2صم١٢: ٩، ١٣-١٦، ١٨، ٢٠) علم داود ان توقيت الله لتصحيح الأوضاع هو في موت الولد فلم يتذمر لأنه علم بخطيته وخطأه الذي فعل ، هذا يفكرني بحنانيا وسفيرة فقد أخطئا في وقت لا يجب الخطأ فيه فكان القضاء الإلهي فعال وبقوة .

إن كان الصوم رسالة تصل للسماء فيجب العلم بأن وقت القضاء يحتاج الإنسان للتوبة والصلاة والصوم ومساندة أولاد وبنات الرب فمن أجل وجود ناثان النبي في حياة داود ، ومن اجل الوزن الروحي الذي لداود ومن أجل اعترافه بالخطية ، رُحم داود فلولا هذه لكان داود قد قطع من أرض الأحياء ، إحبائي لا نستهين بالخطية لأننا لا ندري كيف تعمل رحمة الله لنا ولكل من حولنا ، فرحمة الله تعمل في كل زمن وفي كل وقت بطرق مختلفة وبحسب الواقع الروحي لكل مرحلة ، فالتوبة والصلاة والصوم يساعدانك علي استرداد الرحمة الإلهية لأن من خلالهما تتحرك السماء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجلك ، فمن الرائع ان داود صام لأجل الولد ومن الرائع أن عندما مات الولد قام وأكل ومارس حياته الطبيعية لأنه عرف أن الرب صنع الصالح الذي علي قلب الله فقال : " وَالآنَ قَدْ مَاتَ، فَلِمَاذَا أَصُومُ؟ هَلْ أَقْدِرُ أَنْ أَرُدَّهُ بَعْدُ؟ أَنَا ذَاهِبٌ إِلَيْهِ وَأَمَّا هُوَ فَلاَ يَرْجعُ إِلَيَّ". (2صم ١٢ : ٢٣) .

الاحتياجات لا يجب أن تكون الهدف الأساسي الذي يدمر حياتنا إن لم نحصل عليه ، فصومنا وصلاتنا ابواب للإسترداد ولكنهما يجب أن يتناسبا مع مشيئة الله ، فزخف الإحتياجات تقود الإنسان نحو الصوم والصلاة ، هذا جيد ولكن ... ، يجب أن يكون صلاتنا وصومنا يهدف أولا لعلاقة مع الرب وشركة روحية وخلالهما نضع احتياجاتنا ، اما إن كان صومنا من أجل الإحتياج فليس الأمر بشر ، فيمكننا الصوم لأجل هدف نريد تحقيقه ، ولكن الأفضل أن يكون الصوم للرب ومن أجل شركة روحية واقتراب للرب وهو يعلم احتياجاتنا فنضعها أمام الرب إثناء صومنا وصلاتنا ولنعلم اننا في وقت استرداد ووقت السماء مفتوحة لان الصوم يفتح الأجواء الروحية .

الصيام لا يصير بالأوامر: 

  الصيام لا يصير بالأوامر لا الأسرية أو الكنسية أو السياسية لأن الصوم رضي بين طرفين الصائم والصائم له ، يجب أن يكن الصيام في رضي الله وليس برضي الأباء الأرضيين الجسديين منهم والروحيين لأن الصوم عبادة روحية لله فقط لذلك هي له وبإسمه ولا يجوز أن تُنسب لغيره ، لان كل صيام لا يهدف للرب سوف يسأل عنه قائلاً : " فَهَلْ صُمْتُمْ صَوْمًا لِي أَنَا؟ (زك ٧ : ٥)  للتأكيد أُعيد القول أن الصوم عبادة روحية لله قبل أن تكون مُهدفة من أجل تسديد الإحتياجات ، فلا يجوز أن يكون صوم الإنسان تحت أوامر كنسية ومن يخالفها فقد صار مخطئاً في حقها لأنه لم يُطيع ،ولكن عندما يُنادىّ بصوم فالأمر اختياري ولا لوم علي من لم يُطيع ، لأن من أطاع فهو يشارك الكنيسة في احتياجها العام ، اما تشجيع الكنيسة لشعبها للصوم فهذا أمر جيد ولكن يجب أن يكون مُهدف ومدُرك أسبابه ومن ضمن أسبابه عبادة الرب ورفعة المؤمن .

    وفي العموم الصوم كتابياً اختياري وليس له مواعيد ثابته ويجب أن يكون في الخفاء علي قدر المستطاع لينال مجازاة الهية من اله السماء ، فقد قال الرب " وَمَتَى صُمْتُمْ فَلا تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ.وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ،لِكَيْ لا تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلانِيَةً. (مت٦: ١٦-١٨) فالمراؤن يهمهم ظهورهم صائمين ويسألون بعضهم البعض عن صيامهم اما من هم في مشيئة الرب فلا يشعر بهم أحد إلا صدفةً .

أما الصوم الجماعي المنادي به لأجل أهداف خاصة واحتياجات ملحة ومعرفة صيام بعضنا البعض لا يوجد به أي إختلاف أو خلاف ، لأنه صيام مُنادي به ومُغرِض وبهدف ، مع ملاحظة عدم التباهي بكوننا صائمين وغيرنا لم يصوم أو لم يقدر علي الصيام ،  ففي العهد القديم كان يُنادي بصوم من أجل إحتياجات شعب الرب ، فُيسمع صوتهم في الأجواء السمائية الروحية ويُرسل الرب مخلص يُخلصهم ، هذا ما فعله الشعب أيام نحميا وكان مع الصوم الجماعي إعتراف جماعي بالخطايا والذنوب " وَفِي الْيَوْمِ الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ هذَا الشَّهْرِ اجْتَمَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِالصَّوْمِ، وَعَلَيْهِمْ مُسُوحٌ وَتُرَابٌ.وَانْفَصَلَ نَسْلُ إِسْرَائِيلَ مِنْ جَمِيعِ بَنِي الْغُرَبَاءِ، وَوَقَفُوا وَاعْتَرَفُوا بِخَطَايَاهُمْ وَذُنُوبِ آبَائِهِمْ. (نح٩: ١-٢) فهذا النوع من الصيام مقدس ومقبول لدي الرب ، وبعد إنتهاء الامر يتوقف الشعب عن الصيام ويبدأون مرة أخري في وقت أخر لاهداف أخري ، أما أن يصير عادة سنوية بدون توبة فلسنا في حاجة لمثل هذه الممارسات ، فالصيام الذي يقود للتوبة والرجوع للرب فمرحب به ولنُكثر منه في حياتنا .

الصيام الذي لا يهدف لمجد الله شر : 

ايزابل نادت بصوم له شكل مقدس ممتليئ غيرة من أجل الله ، ولكنها كانت مُغرضة لضم أرض نابوت لحقول زوجها أخاب " وَكَتَبَتْ فِي الرَّسَائِلِ تَقُولُ: "نَادُوا بِصَوْمٍ؟ وَأَجْلِسُوا نَابُوتَ فِي رَأْسِ الشَّعْب ِ........ وَأَتَى رَجُلاَنِ مِنْ بَنِي بَلِيَّعَالَ وَجَلَسَا تُجَاهَهُ، وَشَهِدَ رَجُلاَ بِليَّعَالَ عَلَى نَابُوتَ أَمَامَ الشَّعْبِ قَائِلَيْنِ: "قَدْ جَدَّفَ نَابُوتُ عَلَى اللهِ وَعَلَى الْمَلِكِ". فَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ بِحِجَارَةٍ فَمَاتَ. (1مل٢١: ٩، ١٣) ظُُلم نابوت حتي الموت ، نادت إيزابل بصوم من أجل التوبة لوجود شر التجديف علي الله الذي لم يفعله نابوت ، فكانت تقود الشعب لصيام شرير لأهداف شريرة وإنقاد الشعب ورائها ، فهذا النوع من الصيام يحمل في طياته دينونة عظيمة ، فالصيام الذي لا يهدف لمجد الله شر سواء كان لغرض ظلم الأخرين أو لغرض منفعة خاصة ، أو صوم كالعادة دون التركيز في عبادة الله ، فتجد شخص صائم وفمه مليئ بالكذب والحلفان والشتيمة ويكتفي بحضور الكنيسة ويخرج دون تغيير حقيقي ، فهذا النوع من الصيام في نظر الله شر ، ولازال يسأل الرب شعب الرب السؤال المتكرر قائلاً : فَهَلْ صُمْتُمْ صَوْمًا لِي أَنَا؟ (زك ٧ : ٥) الصيام الذي للرب له أهداف مقدسة يقود صاحبه للتوبة والرجوع للرب والتعمق فيه ، أما من صام لأن الجميع صائم دون التركيز في هدف الصيام فليس لصيامه أي نوع من التأثير الروحي في الأجواء الروحية ، فهدف الصيام هو الرب اولاً والاحتياجات والاعواز ليس الهدف الأساسي ففي صيامنا وتوبتنا للرب سيسدد الرب كل عوز واحتياج .

الصيام الغير مقبول هو صيام العادة الذي فيه يصوم الإنسان وهو مستمر في كل إمور حياته الغير مقدسة ، فالشتام شتام والذي في خصام متمسك بمخاصمته ومن هو ممتليئ بالحقد ماذال حقودا ومن هو متعصب مازال متعصباًً فيسألون الرب قائلين له : " .. لِمَاذَا صُمْنَا وَلَمْ تَنْظُرْ، ذَلَّلْنَا أَنْفُسَنَا وَلَمْ تُلاحِظْ؟ ..... " فيجيب الرب قائلا " ....  هَا إِنَّكُمْ فِي يَوْمِ صَوْمِكُمْ تُوجِدُونَ مَسَرَّةً، وَبِكُلِّ أَشْغَالِكُمْ تُسَخِّرُونَ. (إش ٥٨ : ٣) ويُكمل الرب لهم أن في الصوم إبتعاد عن الشر مع التوبة ليُسمع الصوت في الأجواء الروحية في العلاء " هَا إِنَّكُمْ لِلْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ تَصُومُونَ، وَلِتَضْرِبُوا بِلَكْمَةِ الشَّرِّ. لَسْتُمْ تَصُومُونَ كَمَا الْيَوْمَ لِتَسْمِيعِ صَوْتِكُمْ فِي الْعَلاءِ. (إش ٥٨ : ٤) لذلك أحبائي يجب أن يكون لصومنا فكر كتابي لنكون في مشيئة الرب إثناء الصوم والصلاة مع التوبة والرجوع للرب .

الصوم وإذلال النفس : 

ارتبط الصوم عند بعض الأشخاص بتقشف ونواح ولبس المسوح ( الخيش ) والجلوس علي الرماد فيصير الصوم وقت للتذلل ، لذلك يسأل الرب سؤال في غاية الأهمية " أَمِثْلُ هذَا يَكُونُ صَوْمٌ أَخْتَارُهُ؟ يَوْمًا يُذَلِّلُ الإنْسَانُ فِيهِ نَفْسَهُ، يُحْنِي كَالأسَلَةِ رَأْسَهُ، وَيْفْرُشُ تَحْتَهُ مِسْحًا وَرَمَادًا. هَلْ تُسَمِّي هذَا صَوْمًا وَيَوْمًا مَقْبُولاً لِلرَّبِّ؟ (إش ٥٨ : ٥) لاحظ أن الرب ربط وقت الصوم بيوماً مقبولاً للرب ، فاليوم المقبول هو يوم فرح وهتاف أمام الرب وهو وقت الخدمة والعمل نحو المساكين والمنحنين ، اليوم المقبول هو اليوم الذي فيه يتم إفتقاد المساكين والمحتاجين " أَلَيْسَ هذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ.أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ، وَأَنْ لا تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ. (إش٥٨: ٦-٧) فالصوم الحقيقي هو في البذل والعطاء وخدمة الأخرين ،  فالصوم مرتبط بعبادة الرب وخدمته ، أما أن تكون صائماً وأنت واجد مسىرة ( تسلية ) أمام وسائل الترفيه اليومية دون حياة العبادة والصلاة وخدمة الرب فصيامك لا ينظر له الرب "  يَقُولُونَ: لِمَاذَا صُمْنَا وَلَمْ تَنْظُرْ، ذَلَّلْنَا أَنْفُسَنَا وَلَمْ تُلاحِظْ؟ هَا إِنَّكُمْ فِي يَوْمِ صَوْمِكُمْ تُوجِدُونَ مَسَرَّةً، وَبِكُلِّ أَشْغَالِكُمْ تُسَخِّرُونَ.هَا إِنَّكُمْ لِلْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ تَصُومُونَ، وَلِتَضْرِبُوا بِلَكْمَةِ الشَّرِّ. لَسْتُمْ تَصُومُونَ كَمَا الْيَوْمَ لِتَسْمِيعِ صَوْتِكُمْ فِي الْعَلاءِ. (إش٥٨: ٣-٤) ليس هذا معناة أن وقت الصوم تتفرغ تماماً له بل أن لا يكون وقت صومك مُسَخِّرْ للعمل والمشغوليات ، لكن ليكن صومك مرتبط بقلب مرفوع وإفراغ بعض الوقت للعبادة الروحية فيتقدس يومك وترتفع روحياً فتصير مستخدماً إستخداماً قوياً بمسحة الروح القدس .

الجلوس علي المسوح والرماد عادة قديمة لأنها مرتبطة بالحزن والشعور بالذل والعار وانكسار القلب ، فعندنا كان الشعب في السبي او الإحتلال كان يصرخ للرب ويجلسون علي الرماد ويولولون من شدة الذل والشعور بالعار ، هذا ما شعر به مردخاي وامة اسرائيل في السبي " وَلَمَّا عَلِمَ مُرْدَخَايُ كُلَّ مَا عُمِلَ، شَقَّ مُرْدَخَايُ ثِيَابَهُ وَلَبِسَ مِسْحًا بِرَمَادٍ وَخَرَجَ إِلَى وَسَطِ الْمَدِينَةِ وَصَرَخَ صَرْخَةً عَظِيمَةً مُرَّةً،وَجَاءَ إِلَى قُدَّامِ بَابِ الْمَلِكِ، لأنَّهُ لا يَدْخُلُ أَحَدٌ بَابَ الْمَلِكِ وَهُوَ لابِسٌ مِسْحًا.وَفِي كُلِّ كُورَةٍ حَيْثُمَا وَصَلَ إِلَيْهَا أَمْرُ الْمَلِكِ وَسُنَّتُهُ، كَانَتْ مَنَاحَةٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ الْيَهُودِ، وَصَوْمٌ وَبُكَاءٌ وَنَحِيبٌ. وَانْفَرَشَ مِسْحٌ وَرَمَادٌ لِكَثِيرِينَ. (أس٤: ١-٣) فالمِسح والرماد والبكاء مرتبط بالحالة النفسية التي للشعب أما الصوم فهو عبادة روحية ، فإن استطاع الإنسان وقت الصيام أن يفرق بين حالته النفسية المنزعجة والواقع الروحي للصيام فيكون هذا جيد جداً بل ممتاز ، وإن لم يستطع فالرب يعلم اتجاه القلب ، ففي ايام مردخاي كان الجلوس علي المسح والرماد قبل مناداة الشعب للصوم ، فصاموا وهم في حالة الحزن والأسي " اذْهَبِ اجْمَعْ جَمِيعَ الْيَهُودِ الْمَوْجُودِينَ فِي شُوشَنَ وَصُومُوا مِنْ جِهَتِي وَلا تَأْكُلُوا وَلا تَشْرَبُوا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لَيْلا وَنَهَارًا. وَأَنَا أَيْضًا وَجَوَارِيَّ نَصُومُ كَذلِكَ. وَهكَذَا أَدْخُلُ إِلَى الْمَلِكِ خِلافَ السُّنَّةِ. فَإِذَا هَلَكْتُ، هَلَكْتُ". (أس ٤ : ١٦) هذه هي حالة الشعب فصاموا وصلوا وصرخوا وهم في واقع حالتهم ، فكانت أيضاً يد الرب للمعونة عظيم ونجاة شعب الرب بإعجوبة وهلاك العدو بنفس الطريقة التي أعدها لهلاك شعب الرب .

الصوم والصراخ والبكاء للرب : 

عرفنا ان وقت الصوم يجعل اليوم مقبولاً للرب لذلك يمكننا مع الصوم الفرح والتسبيح والهتاف ، كما يمكننا البكاء والصراخ للرب في صومنا ، هذا بحسب الحالة التي عليها أو من أجلها نصوم ففي وقت السبي كان الرماد والمسوح ولكن لا يجب ان تصير عادة مرافقة لصيامنا ، اما الفرح والهتاف فهذا موقف إرادي يجب ان يكون عليه المؤمن ، ولكن إن ارتبط الصيام من أجل التوبة والرجوع للرب ورافق صيامنا البكاء والصراخ فهذا متاح ولكنه ليس القاعدة الأساسية في صيامنا ، نادي يوئيل النبي لشعب الرب أن يصوموا باعتكاف أي بعدم مشغولية لا في العمل ولا في البيت فيصير المؤمن متفرغ وقت الصوم للصلاة باكياً صارخاً للرب " قَدِّسُوا صَوْمًا. نَادُوا بِاعْتِكَافٍ. اجْمَعُوا الشُّيُوخَ، جَمِيعَ سُكَّانِ الأرْضِ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ إِلَهِكُمْ وَاصْرُخُوا إِلَى الرَّبِّ. (يؤ ١ : ١٤) ليس هذا فقط بل نسب طلب الصوم بالبكاء للرب ، اي انه مطلب إلهي من أجل اظهار الإصرار والجدية في طلب الغفران " وَلكِنِ الآنَ، يَقُولُ الرَّبُّ، ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ. (يؤ ٢ : ١٢) فخط اليكاء والصراخ والنوح مرتبط بشخص عرف وقرأ الحالة التي وصل اليها او التي وسل عليه شعب الرب ، فالصوم والبكاء بقلب فاهم ومتأثر ومتعاطف ويريد ان يُغير الحال ولا يقدر فيلجا للرب بالصوم والبكاء فيستجب الرب .

فعل هذا دانيال عندما كان في السبي فقد صام وبكي وقدم توبة عن نفسه وعن اباءه وعن الشعب بالصوم والبكاء والرماد وكانت النتيجة أن الرب استجاب له وأفهمه ما يريد أن يعلمه " فَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَى الله السَّيِّدِ طَالِبًا بِالصَّلاةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ، بِالصَّوْمِ وَالْمَسْحِ وَالرَّمَاد ِ.......... وَصَلَّيْتُ إِلَى الرَّبِّ إِلهِي وَاعْتَرَفْتُ وَقُلْتُ: "أَيُّهَا الرَّبُّ الإله الْعَظِيمُ الْمَهُوبُ، حَافِظَ الْعَهْدِ وَالرَّحْمَةِ لِمُحِبِّيهِ وَحَافِظِي وَصَايَاهُ  ............. وَأَنَا مُتَكَلِّمٌ بَعْدُ بِالصَّلاةِ، إِذَا بِالرَّجُلِ جِبْرَائِيلَ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الرُّؤْيَا فِي الابْتِدَاءِ مُطَارًا وَاغِفًا لَمَسَنِي عِنْدَ وَقْتِ تَقْدِمَةِ الْمَسَاءِ.وَفَهَّمَنِي وَتَكَلَّمَ مَعِي وَقَالَ: "يَا دَانِيآلُ، إِنِّي خَرَجْتُ الآنَ لأعلِّمَكَ الْفَهْمَ. (دان٩: ٣-٤، ٢١-٢٢) فللصوم والتضرع أمام الرب أهمية فوق كل أمر عادي وغير عادي ، أي أنه لغة تفهمها السماء جيداً سواء كان بالصوم والبكاء والصراخ او كان بالصوم والتضرعات والفرح والتسبيح ، فقد اختبر كاتب المزمور الصوم بالصلاة والتسبيح والفرح امام الرب اذ قال "  فَإِنِّي فَقِيرٌ وَمِسْكِينٌ أَنَا، وَقَلْبِي مَجْرُوحٌ فِي دَاخِلِي .............. رُكْبَتَايَ ارْتَعَشَتَا مِنَ الصَّوْمِ، وَلَحْمِي هُزِلَ عَنْ سِمَن ٍ .............. أَحْمَدُ الرَّبَّ جِدًّا بِفَمِي، وَفِي وَسَطِ كَثِيرِينَ أُسَبِّحُهُ.لأنَّهُ يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْمَسْكِينِ، لِيُخَلِّصَهُ مِنَ الْقَاضِينَ عَلَى نَفْسِهِ. (مز١٠٩: ٢٢، ٢٤، ٣٠-٣١) فالصوم مع الفرح مرتبط برؤيا مسبقة لتغيير الحالة ، لذلك يكون الصوم مرافق له الصلاة والتسبيح رغم الفقر والمسكنة والجرح ، فالأن دعوة لبدء صوم بروح التضرعات والبكاء او بروح الحمد والتسبيح ، وليعلم الصائم والمصلي أن يومه مقبولاً وأن الرب قد سمع .

في التمسك بالخطية تُغلق أبواب الرحمة : 

عندما يتمسك إنسان بخطاياه او بخطية ما فهو يغلق أبواب الرحمة ، فعندما يُمارِس نظام روحي فلا يفيده لان ابوب السماء قد أغلقت ، يؤسفني أن أري نفوس وُضّعت في مكانة مرموقة وسط المجتمع الكنسي وللأسف متمسكون ببعض الخطايا كالكذب أو الخصام وعدم الغفران أو الكبرياء وفي نفس الوقت يُمارسون الصلاة والصوم والخدمة سواء كان تسبيح او خدمة منبرية أو .... الخ ، فمثل هؤلاء سيأتي اليوم الذي يقول لهم الرب كما قال لشعب الرب " حِينَ يَصُومُونَ لاأَسْمَعُ صُرَاخَهُمْ، وَحِينَ يُصْعِدُونَ مُحْرَقَةً وَتَقْدِمَةً لا أَقْبَلُهُمْ، بَلْ بِالسَّيْفِ وَالْجُوعِ وَالْوَبَإِ أَنَا أُفْنِيهِمْ". (إر ١٤ : ١٢) هذا لأنهم متمسكون بأثامهم وكبرياء قلبهم .

توجد خطورة لمن لم يتوب عن خطاياه ، فالمؤمن يعلم جيداً أن الخصام شر وعندما يتمسك مؤمن به فهو بهذه الطريقة يغلق باب الرحمة ويقع تحت القصاص الإلهي فيُحكم فيه ، فالمؤم الناضج لا يفعل الشر ، وإن حدث هذا تجده سريع التوبة والغفران ولا يحتمل الجلوس في طين الحمأة ، فباب الرحمة مفتوح لكل ساقط متواضع اي أن الساقط المتكبر لن يجد إلا التدخلات الشريرة من ارواح الشر ، أما المتواضع فباب البركات مفتوح وباب الرحمة تحيط به " فَإِذَا تَوَاضَعَ شَعْبِي الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ وَصَلَّوْا وَطَلَبُوا وَجْهِي، وَرَجَعُوا عَنْ طُرُقِهِمِ الرَّدِيةِ فَإِنَّنِي أَسْمَعُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَغْفِرُ خَطِيَّتَهُمْ وَأُبْرِئُ أَرْضَهُمْ. (2أخ ٧ : ١٤) لذلك أخي إن كنت تحتاج لرحمة الرب علي حياتك تعال متواضعاً أمام الرب فستجد باب الرحمة تحيط بك ، إن الفرق بين داود وشاول أن داود كان متواضعاً عندما يُخطئ وكان يعترف بخطئه أما شاول فعندما أخطأ أنكر ولم يٌقر بخطيته ، لذلك رُفض شاول من المُلك رغم ان أخطاء دأود اكبر وأكثر من أخطاء شاول 

اكثر الإمور التي تاتي بالغضب الإلهي هو الكبرياء وعدم التواضع ، فعندما تواضع حزقيا الملك هو وشعبه اتت عليهم رحمة الرب ورُفع الغضب ونال غني وكرامة " ثُمَّ تَوَاضَعَ حَزَقِيَّا بِسَبَبِ ارْتِفَاعِ قَلْبِهِ هُوَ وَسُكَّانُ أُورُشَلِيمَ، فَلَمْ يَأْتِ عَلَيْهِمْ غَضَبُ الرَّبِّ فِي أَيَّامِ حَزَقِيَّا.وَكَانَ لِحَزَقِيَّا غِنًى وَكَرَامَةٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَعَمِلَ لِنَفْسِهِ خَزَائِنَ لِلْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَالْحِجَارَةِ الْكَرِيمَةِ وَالأطْيَابِ وَالأتْرَاسِ وَكُلِّ آنِيَةٍ ثَمِينَةٍ، (2أخ٣٢: ٢٦-٢٧) فالكبرياء سيف قوي يقتل روح الصيام الحقيقي ويجعل باب الرحمة مغلق ويفتح باب الغضب ، لذلك فلنتحلي بالتواضع لأنه مفتاح بركات كثيرة " لأنَّ الرَّبَّ عَال وَيَرَى الْمُتَوَاضِعَ، أَمَّا الْمُتَكَبِّرُ فَيَعْرِفُهُ مِنْ بَعِيدٍ. (مز ١٣٨ : ٦) اول طريق التواضع هو الإعتراف بالخطأ والغفران للغير فلنبدأ الان ونكون من المتواضعين .

إن حياة التواضع مع الصلاة والصوم يتحولان لقوة تستخدم لمجد الله وضد إبليس وجنوده ، لأننا اليوم نصوم ونصلي لأن عريسنا ليس هنا علي الأرض ، لكن سيأتي اليوم الذي نتقابل معه علي سحاب السماء وهناك لا نحتاج للصوم ولا للصلاة " حِينَئِذٍ أَتَى إِلَيْهِ تَلامِيذُ يُوحَنَّا قَائِلِينَ:"لِمَاذَا نَصُومُ نَحْنُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ كَثِيرًا، وَأَمَّا تَلامِيذُكَ فَلا يَصُومُونَ؟" فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:"هَلْ يَسْتَطِيعُ بَنُو الْعُرْسِ أَنْ يَنُوحُوا مَا دَامَ الْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ وَلكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ الْعَرِيسُ عَنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ. (مت ٩ :  ١٤ ، ١٥) فالصوم واجب مقدس وعبادة روحية ، لذلك لا نهملهما بل لنسير في طريق الصوم والصلاة لأنهما يولدان داخلنا طاقة روحية تجعلنا في حياة الانتصار الدائم والرفعة الدائمة ، فعندما نواجة روح نجس من نوعية شديدة تمسك بضحيته ، نستطيع أن نسيطر عليه ويخرج " وَأَمَّا هذَا الْجِنْسُ فَلا يَخْرُجُ إِلا بِالصَّلاةِ وَالصَّوْمِ". ( مت ١٧ : ٢١ ) وعندما نكون مصليين وصائمين نستطيع أن نكون اصحاب أذان تسمع للروح القدس لأن في الصلاة والصوم تجد الأجواء الروحية مفتوحة " وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ، قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ:"أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ". (أع ١٣ : ٢) فأطلب من نفسي أولاً ومن شعب الرب ان يكونوا في الروح من خلال حياة الصلاة والصوم الدائمين فنصير في الإرتفاع واهبة الإستعداد لخدمة الرب .


_______________________________

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس