ازاي تعيش كدا؟
_____________________________
إزاي
تعيش كده؟
بقلم
القس عماد عبد المسيح
_____________________________
الفهرس
- المقدمة :
١ - أهمية السؤال : إزاي تعيش كده؟ :
- اصل مرارة - عدم الاستغلال ورفضه - شهادة زور وفجر قيامة
٢ - المنافق واجوائه :
- المنافق وأجواء الغضب - إشتري دماغك من المنافق - الكذب والخيانة سمات المنافق - الأشراف والنبلاء
٣ - بلا هوية وتتستر :
- الطيور علي اشكالها - تقارب الهوية الإجتماعية - إعرف نفسك ولماذا أنت؟
٤ - إحترم نفسك وقدر ذاتك :
- تقدير النفس هدف كتابي - التفكير الإيجابي تجاه الاخرين - تقدير الذات باب السعادة - كن حريصا من نظرات المجتمع - مشاعر الأمان والثقة
________________________________
المقدمة
في المجتمع الذي نعيش فيه رأيت بعض الإمور التي تهز الكيان الداخلي للإنسان، رأيت نفوسا تعيش بلا هوية بلا هدف، والأغرب من هذا رأيت نفوسا ذو وجهيين، وجه يظهرون به أمام المجتمع الديني، ووجه آخر يظهرون به أمام كل من يكتشف أمرهم فيظهرون الوجه الأخر ( كما يسمونه.. الوجه الخشب ).
والسؤال الذي أسأله: هل جميع البشر يحملون في داخلهم وجهين؟. هل الجميع كذلك؟. أعرف أن الإجابة القاطعة هي لا... ليس الجميع هكذا، فيوجد من هم واضحين في بيوتهم كذلك بنفس الوضوح خارج مجتمعهم الخاص، فتجدهم كما في بيوتهم هم في العمل وكذلك هم في الكنيسة، إن النفوس الواضحة الغير متقلبة هي النفوس المريحة للنفس ومن يتعامل معها ينال كرامة.
أما النفوس الغير واضحة ويحملون وجهين أو ثلاثة أو أربعة في حياتهم، عندما تقترب منهم وتتعامل معهم لا تاخذ إلا كرامة وقتية كما تتطلب المصلحة، ثم يلفظك وتشعر بالإهانة، هذا بالإضافة الى مشاعرك داخل نفسك حتى وإن لم تدرك هذا فسيأتي اليوم الذي تدرك فيه أنك غير سوي.
الشخص الذي ذو وجهين شخص منافق يظهر غير ما يبطن، وعندما يعدك لا يوف إلا إذا كانت المصلحة الخاصة به عاليه الجودة، ودائما يستغل سلطته ونفوزه ( إذا كان في موقع سلطة ) مثل هذه النوعية تحب المجاملة وتتجمع حوله مجموعة من المنافقين الذين هم بدورهم أيضا يظهرون الإحترام والتقدير وهم في داخلهم مقتنعين كل الإقتناع بأنه لا يستحق، ولولا وجوده على رأس المكانة التي لا يستحقها لكانوا لفظوه وتركوه ( يجتمعون بمبدأ النفاق شعارنا والمصلحة الشخصية هدفنا ) فعندما تصادف مثل هؤلاء في حياتك تشعر أنك سقطت وسط عصابة... تحتاج لمعجزة لتتخلص منهم وتخرجهم من حياتك، فعندما تتعامل مع مثل هؤلاء ينتابك مشاعر الخطر والخوف، الأول خطر النفاق والثاني الخوف من خطر الإخفاق.
عندما ترى عالما أمينا فثق بانك تتعامل مع كيان مفيد جدا لجميع من حوله، لأنه لا يستطيع أن يكون مقصرا إلا إذا دخل في دائرة ( الغفلة ) وعندما يفيق يصنع أمرا هاما جدا وهو التأسف.. ومحاوله تصحيح الواقع والوضع على قدر المستطاع.. ومحاولا تعويض ما قصر فيه، فهو صاحب مبدا، أما اذا كان هذا العالِم ذو وجهين فستجد حوله المطبلاتية واصحاب اليد عاليه التصفيق، ليستفادوا منه ويستغلوه على قدر المستطاع، هذا بالاضافه الى انه هو ايضا يستغلهم لصالحه على قدر استطاعته، فمهما أعطى البشريه من علمه سيظل صغير النفس ضعيف الحجة كثير اللوم.
وعندما ترى أميرا ( المقصود رجل في موقع ذو نفوذ وسلطة ومكانة ) صاحب مبدا وأمينا في مكانه وخدوما لأبعد حد، فهو يستحق الإحترام والتقدير، أما إن كان فاسدا فستجد دوائر ظلم الآخرين في حياته كثيرة جدا، فمثل هذه النوعية تحتاج لمن هو أعلى للتصدي له ومحاولة إيقافه أو إسقاطه من مكانه لأنه لا يستحقها، ومن يتصدى له حتى وإن لم ينجح فيكفيه شرف المحاولة وسينال من الله جزاء ما فعل فيكفي نظرة نفسه لذاته فهو صاحب كرامة
________________________________
١
أهمية السؤال :
إزاي تعيش كده؟
يوجد في كلمه الله أشخاصا تستطيع أن توجه اليهم هذا السؤال: لماذا إنت هكذا؟ أو إزاي تعيش كده؟ بالطبع لا أقصد طريقة الحياة من مأكل ومشرب أو مسكن، فالمأكل والمشرب والمسكن إختيارات شخصية خاصة، لكني أتكلم في دائرة العلاقات وإحترام المبادئ والقيم، فعندما ترى أشخاصا ساقطة المبادئ والقيم برغم إعتلائهم مناصب وأماكن يتمني كل إنسان أن يكون فيها، وعندما تراهم هكذا، فتسالهم هذا السؤال: إزاي تعيش كده؟ ففي حياتك ستتقابل مع أشخاصا بنوعيات مختلفه فمنهم الأمين ومنهم المنافق، وتجد الصادق وفي المقابل أيضا تجد الكاذب، وهكذا في كل مراحل حياتك ستجد الموجب والسالب الصالح والطالح، إن الموجب والسالب في الحياه الصناعية واجب ومطلوب اما في المبادئ والقيم فالسالب غير مرغوب.
يتكلم الكتاب المقدس لكل المؤمنين ولكل إنسان ينتمي ليسوع المسيح أن يكون في دائرة السلوك المقدس والقيم الكتابية " فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإيمَانِ الإنْجِيلِ، (فى ١ : ٢٧) فلم يبدأ الأية بكلمة ( عيشوا ) ولكنه بدأها بكلمة ( فقط ) وهذا معناه أنه لا يوجد طريق إلا طريق واحد فقط وهو إنجيل المسيح، والمقصود بكلمة إنجيل هنا أي رسالة المسيح، ما جاء به المسيح من مبادئ وقيم وأفكار وتعاليم وأعمال وسلوك، وجب على الإنسان أن يكون فيها ويسير بموجبها ولا ينحرف عنها، ولكن عندما تجد مؤمنا منحرفا عن تعاليم يسوع المسيح وجب علينا سؤاله هذا السؤال: إزاي انت عايش كده؟
ياه أحبابي علي نفوس هم ليسوا إلا ( أصل مرارة ) لماذا هم هكذا؟ لأنهم لا يعيشون في عدة إمور أولهما: السَّلامَ وثانيهما: الْقَدَاسَةَ وثالثهما السلوك في دائرة النعمة الالهية لذلك يقول: " اِتْبَعُوا السَّلامَ مَعَ الْجَمِيعِ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ، (عب ١٢ : ١٤) لأنه عندما يعيش الإنسان بعيدا عن دائرة النعمة الالهية نعمة الله، يتحول فيصير مرارة بدل أن يكون بركه لكثيرين " مُلاحِظِينَ لِئَلا يَخِيبَ أَحَدٌ مِنْ نِعْمَةِ الله. لِئَلا يَطْلُعَ أَصْلُ مَرَارَةٍ وَيَصْنَعَ انْزِعَاجًا، فَيَتَنَجَّسَ بِهِ كَثِيرُونَ. (عب ١٢ : ١٥) هذا الذي هو اصل مراره يصنع انزعاجا وسط جماعه الرب ستجد في داخلهم الزنا بجميع انواعه سواء كان حرفي او روحي وستجد ايضا في حياتهم الاستباحة " لِئَلا يَكُونَ أَحَدٌ زَانِيًا أَوْ مُسْتَبِيحًا كَعِيسُو، الَّذِي لأجْلِ أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ بَاعَ بَكُورِيَّتَهُ. (عب ١٢ : ١٦) فالمستبيحون هم الذين يبيعون الغالي بالرخيص والثمين بالهزيل، فمثل هؤلاء عندما ينتشرون وسط شعب الرب يصيرون أصل مرارة، فهم كاللفيف الذي خرج مع شعب الله من أرض مصر وصاروا سبب نقمه لا بركة.
- اصل مرارة :
زمان كنت بفتكر أن صاحب أصل المرارة شخص غير مؤمن دخيل على شعب الرب، وإن كان كذلك أو هكذا لكنك أيضا تجد نفوس هم أصل مرارة وللأسف مؤمنين ولهم إختبار، لا تستغرب - فإن عرفت طبيعة اصحاب أصل المرارة ومن يتبناها أو يعيش علي شاكلتها ستفهم حينها أن اصل المرارة طبيعة يتبناها ويعيشها الشخص، الذي إن لم يفيق سيكون سبب أساسي في مرارة شعب الله.
حدث يوما أن عيسوا قدم علي فعل أمر لا يتفق مع مبادئ جده إبراهيم وأبيه إسحق، أن عيسو تزوج إمرأتين من أهل ليسوا لإسحق ولا لإبراهيم " وَلَمَّا كَانَ عِيسُو ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً اتَّخَذَ زَوْجَةً: يَهُودِيتَ ابْنَةَ بِيرِي الْحِثِّيِّ، وَبَسْمَةَ ابْنَةَ إِيلُونَ الْحِثِّيِّ. فَكَانَتَا مَرَارَةَ نَفْسٍ لإسْحَاقَ وَرِفْقَةَ. (تك٢٦ : ٣٤-٣٥) زوجتان لهما طبيعتان مختلفتان عن عائلة عيسوا، ولكنه تزوجهما، إن المرارة التي لإسحق ضعفين، الاول في فعل عيسو والثاني في وجود الزوجتين الذي صار واقع مستمر، عيسو إبن ولكنه فعل فعلا وإشترك في أن يكون أصل مرارة لوالديه، من هنا علينا إدراك الأمر أن أصحاب أصل المرارة قد يكونوا أبناء حقيقيين وقد يشتركوا مع نفوس ليسوا في المشيئة فيتسببون في تعب ومرارة لشعب الرب.
تامل معي كلمات موسي في نشيده عندما ذكر يشورون فقال " فَسَمِنَ يَشُورُونَ وَرَفَسَ. سَمِنْتَ وَغَلُظْتَ وَاكْتَسَيْتَ شَحْمًا! فَرَفَضَ الإلهَ الَّذِي عَمِلَهُ، وَغَبِيَ عَنْ صَخْرَةِ خَلاصِهِ. " ياااه.. إنه يشورون إبن يعقوب لاحظ إنه ( إبن ) ولكنه سلك بعيدا عن دائرة أبيه، وبعد عن مستوي الإرتباط بإلهه فماذا فعل ( يشورون كشعب ) تابع معي " أَغَارُوهُ بِالأجَانِبِ - وَأَغَاظُوهُ بِالأرْجَاسِ - ذَبَحُوا لأوْثَانٍ لَيْسَتِ الله - لآلِهَةٍ لَمْ يَعْرِفُوهَا - .. (تث٣٢ : ١٥-١٧) هذه أفعال أصحاب أصل المرارة تصرفات وأفعال يشمئذ منها المؤمنون الحقيقيون أصحاب المبادئ، فأصحاب أصل المرارة نفوس موجودة ومحسوبة ضمن شعب الرب ولكنهم يسيرون بمبادئ أهل العالم، وكلما كانوا أصحاب مراكز وحاملي مسئولية كلما كانت مرارتهم عميقة ( مرارة تفقع ! - فوق الإحتمال ) لأنهم متعبون للغاية ومثل هؤلاء متمسكون بالمسئوليات حتي الموت، وإسقاطهم مكلف جدا.
إن رأي الرب فيهم " إِنَّهُمْ أُمَّةٌ عَدِيمَةُ الرَّأْيِ وَلا بَصِيرَةَ فِيهِمْ. (تث ٣٢ : ٢٨) نعم لا تأخذ منهم مشورة صالحة، فمشورتهم تهدف لمصالحهم وذواتهم دون الإهتمام بالأخرين، وبالتالي لا رأي صائب ولا بصيرة مستنيرة، إنهم في ظلام دامس يظهر في سلوكهم وأفعالهم التي تخجل الجميع وهم لا يخجلون منها ويبقي السؤال : إزاي يعيشون كده ؟ ! وعجبي.
- عدم الاستغلال ورفضه :
عندما تقف أمام نفوس ( مهما كان واقعهم الكنسي أو الإجتماعي) وتجد مبادئهم ساقطة وإحترامهم للأخر ليس حسب القيم، الحل الوحيد هو الإبتعاد وعدم التعامل معهم، حتي وإن كانوا من المقربين.
الأمر الأساسي في الحياة ليس العيش ( التعايش ) بل الحياة المتغيرة للأفضل " وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ. (يو ١٠ : ١٠) فالتعايش الكل يعيشونه، فالإنسان الذي يرتكز عليه يفعل أي شيئ ليعيش ( لغته : خدام لقمة العيش ) أما الإنسان صاحب القيم والمبادئ يستطيع أن يفعل أي شيئ ولكنه لا يفعل إلا الصحيح، لأنه لا يتسلط عليه شيئ " كُلُّ الأشْيَاءِ تَحِلُّ لِي"، لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأشْيَاءِ تُوافِقُ. "كُلُّ الأشْيَاءِ تَحِلُّ لِي"، لكِنْ لا يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ. (١كو ٦ : ١٢) لا يتسلط عليه علاقات خارج إطار الإيمان ولا يتسلط عليه محبة المال الذي لأجلهما يكون لديه إستعداد لظلم الاخرين وإستخدامهم بل وتجنيدهم لخدمته.
لا يجب أن تكون الشخص المالك لما بين يديك، بل كن شخص يجند ما بين يديه لإكرام الرب وخدمتة وإعطاء الحق لأصحابه دون مبدأ التكويش وإخضاع الآخرين لإلتفافهم حوله ليمن عليهم بحقوقهم، فمن أنت ؟!. انت قناة توصيل - قناة توصيل عطية أو إكرام الرب للآخرين، فلا تشعر الاخر بأن فضلك عليهم، من أنت؟!. أنت شخص وضعك الرب لتوصيل بعض امكانياته وعطياه، فإعطي لكل حق حقه دون توصيل مشاعر الإمتلاك وانك تمن علي الغير بما وضعت فيه من سلطة وامكانيات، فأنت لست المالك الحقيقي للاشياء والإمكانيات بل أنت وكيلا، فإن شعرت بذاتك إثناء توصيل الحق لأصحابه واستغليت هذا، فأنت ظالم وأقول لك " إزاي إنت كدا؟!. إزاي تعيش كدا؟!.
أهل العالم يعيشون في كبرياء أنفسهم، أما المؤمن فلا يجب أن يتشبه بأهل العالم ويعيش متبني العنصرية والفوارق الطبيقية، فجميع البشر ( جميعهم ) واحد مهما كانت فوارق امكانياتهم، فإخدم الأقل منك بأنه الأفضل الذي يستحق خدمتك، واخدمه بمشاعر الشكر لله بانه وضعك لتخدم الاخرين، إخدم الاخر بكل "تواضع ووداعة" لأنهما مفتاح الخدمة الحقيقية، لذلك يعلمنا الرسول بولس ويدعونا للتغيير الحقيقي " وَلا تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ الله: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ. (رو ١٢ : ٢) فإرادة الله دائما صالحة وتعمل للخير، ووجب علي المؤمن الحقيقي أن يصير فيها بكل حب وتواضع لخدمة من وضعهم الله في طريقه، ويهرب عن إستغلاله للاخرين ويرفض إستغلال الأخرين له.
- شهادة زور وفجر قيامة :
السلوك المقدس والقيم الكتابية، كل إنسان مطالب السير فيها، ولكن الأمر يصير في غاية الصعوبة لسبب أن " الأرْضُ مُسَلَّمَةٌ لِيَدِ الشِّرِّيرِ. ... (أى ٩ : ٢٤) فعندما تري إمور بعيدة عن الحق وأن الفساد ينتصر، هذا لا يجعلك تهتز لأنك ثابت وتعلم من أنت " نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ الله، وَالْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ. (١يو ٥ : ١٩) فليس لأن إبليس اخذ جولة يعني هذا أن الحق معه، كلا .. فقد كسب إبليس جولة موت المسيح وظن انه أغلق قضية انزعاجه من وجود المسيح علي الارض، الأرض المسلمة للشرير، ولكنها مسألة وقت، ففي وسط انتصاره وفرحته بالجولة التي كسبها ياتي وقت القيامة ويصنع الله فارقا في الأحداث، المسألة مسألة وقت، فإنتصار الشرير لن يطول مهما إن كانت قوته ومهما كانت قدرة يده.
عاش المسيح علي الأرض يهدم في مملكة العدو وكسب جولات كثيرة من تحرير نفوس وشفاء مرضي وغيرها من الجولات وإستطاع إبليس أن ينال جولة واحدة شعر فيها بأنها الضربة القاضية، ولكنه لم يعلم أن بهذه الجولة التي انتصر فيها ، انه حفر لنفسه حفرة لن يستطيع النجاة منها، هذا يذكرني بفريقين في مباراة، الفريق الاول يضع ٦ اهداف والفريق الثاني يضع هدفا، فيفرح ويهتف المشجعون وينسون بأنه تم تسجيل ٦ اهداف وفي النهاية من الفائز ، صاحب ال ٦ أم صاحب الهدف، هذا ما فعله إبليس نسي كل ما حدث وفرح بجولة واحدة، ولكنها مسألة وقت.
كيف كسب إبليس جولته ؟ إنها بالتزوير والشهادة الزور " وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوا. وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ، لَمْ يَجِدُوا. وَلكِنْ أَخِيرًا تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُورٍ (مت٢٦ : ٥٩-٦٠) ياااه علي بني البشر أراد رئيس الكهنة شهادة زور فتقدم كثيرون، فلا غرابة في ذلك، إن أتباع إبليس كثيرون، لديهم إستعداد خوض معارك بلا شرف وبدون أمانة، وهذا ما حدث مع المسيح ولكن المسيح انتصر بالقيامة.
نعم سيأتي يوم قيامة لكل حق فيتبدد كل ظلام، فبقيامة المسيح إنتهي كل ظلم ظُلم فيه المسيح، وصنع بقيامته انتصارا بجولة جديدة ضاربا كل مستند وضعه ابليس في ملف المسيح، لذلك اقول لكل مظلوم انتظر ففجر قيامتك قادم، ولا تضع اهتماما لنفوس اصحاب اصل مرارة فكيف هم هكذا؟ هذا لأنهم بعيدين عن معرفة الله وغير مستنيرين بوجه المسيح لذلك يبيعون الغالي بالرخيص، وعجبي علي مثل هؤلاء، لذلك اقول لكل مؤمن حقيقي ولكل حكيم " مَنْ هُوَ حَكِيمٌ حَتَّى يَفْهَمَ هذِهِ الأُمُورَ، وَفَهِيمٌ حَتَّى يَعْرِفَهَا؟ فَإِنَّ طُرُقَ الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ، وَالأَبْرَارَ يَسْلُكُونَ فِيهَا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَيَعْثُرُونَ فِيهَا. (هو ١٤ : ٩) فلا تتعجب كما تعجبت لان زمن قضاء الله العادل علي حياتهم لم ياتي ولم يحين بعد، فأصبر لأن الهك عادل ويري كل شيئ، فسيأتي اليوم " بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحْكُمُ بِالإنْصَافِ لِبَائِسِي الأرْضِ، وَيَضْرِبُ الأرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ. (إش ١١ : ٤) لذلك أقول ... انتظر الرب.
________________________________
٢
المنافق واجوائه
يوجد في العالم الذي نعيش فيه دوائر نفاق كثيره جدا، فالشخص المنافق هو شخص منافس بطبعه، فالمنافسة حق ولكن أن تكون بالكذب والبهتان فهذا شر لأن المنافق هو : شخص منافس بلا شرف - A person without competing - المنافس - The person hypocrite هو الذي يتظاهر بأنه يتبع الفضيله وفي كلماته يعطي معنى جميلا، وهو يبطن داخله عكس ما يظهر، يتكلم كثيرا عن الأخلاق والمبادئ الإجتماعية والدينية ولكنه ينكر قوتها، فالمنافق بعيد كل البعد عن الإخلاص - Fidelity فهو ليس دقيقا في عمله ويسعي دائما نحو المكاسب ولا يعطي للأخر حقه، ويعجز دائما عن ان يعطي ردا واضحا في كل ما يسير فيه او يتعامل به او من خلاله، فالحكيم في امثاله قال " بِالْفَمِ يُخْرِبُ الْمُنَافِقُ صَاحِبَهُ، وَبِالْمَعْرِفَةِ يَنْجُو الصِّدِّيقُونَ. (أم ١١ : ٩) هدف المنافق هو خراب الأخر ليصير هو الأعلي، أما الصديق ( الرجل الصالح ) فنجاته بالبحث والمعرفة ( الثقافة ) إدراك الإمور وقراءة الأحداث.
المنافق بطبعه يميل الى إمور الفساد والسير في دوائر الظلم ولا يستطيع أن يعيش في النور لأن النور يفضحه، ودائما بسلك في طريق التحايل على القوانين والاحكام محاولا لي وطوع المواد لخدمة مصالحه دون السير في الحق، وحريص داىما ان يكون بوجهيين، ليستطيع ان ينجوا بنفسه، فالشخص المنافق يكون مثل الأرنب يصنع فتحات ذو وجهين في جحره لكي لا تستطيع المساك به، لأنه يدخل في واحدة ويخرج من الأخرى، ويموت إن إبتعد عن مناطقها لأنه لن يصير له فرصة للهروب والنجاة، هكذا ايضا يفعل الضب يفتح في جحره مخرجين للتهوية وللهروب من الأعداء، فحيا النجاة أمر طبيعي للحيوانات، اما للبشر فعدم الوصوح والنفاق شر يحتاج لتوبة.
المنافق لا يوجد لديه مبدا التوبه والسير بالأمانه ولا يتعلم العدل " يُرْحَمُ الْمُنَافِقُ وَلا يَتَعَلَّمُ الْعَدْلَ. فِي أَرْضِ الاسْتِقَامَةِ يَصْنَعُ شَرًّا وَلا يَرَى جَلالَ الرَّبِّ. (إش ٢٦ : ١٠) فعندما يتعامل معك المنافق وتمسك عليه إمورا تستطيع بها أن تدينه أو تذله، ثم تتراجع عن فعل هذا بطيب خاطر فترحمه، ظانا منك أنك تعلمه درسا ليستفيم، للاسف.. لن يستقيم.. لذلك نصيحتي لا ترحمه ... طالب بحقك .. لتستطيع أن تنال منه فيصمت للأبد، إما أن تبتعد عنه وتتركه لمولاه، وثق بان تعويض الرب لك عظيم.
- المنافق وأجواء الغضب :
النفاق عندما يكون في داخل افراد وسط جيل يسعى نحو الأمانه والإخلاص في تعاملات الله مع هذه الأفراد لا تخدمهم، اما عندما النفاق يصير مبدا عام او أفة منتشرة في معظم الأمه هذا يجلب القضاء الالهي فيتعامل الله بالغضب والعقاب " وَأُعَاقِبُ الْمَسْكُونَةَ عَلَى شَرِّهَا، وَالْمُنَافِقِينَ عَلَى إِثْمِهِمْ، وَأُبَطِّلُ تَعَظُّمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَضَعُ تَجَبُّرَ الْعُتَاةِ. (إش ١٣ : ١١) فهذا الاصحاح يتكلم عن بابل، عن امة ليست ضمن شعب الله ( وثنية ) وبرغم انهم ليسوا من المؤمنين أو الصديقين، ولكن الله ينظر الي المبادئ العامة التي يجب أن يكون فيها الإنسان، فعندما يخرج خارجها ينال من القضاء الإلهي نصيبا " وَحْيٌ مِنْ جِهَةِ بَابِلَ رَآهُ إِشَعْيَاءُ بْنُ آمُوصَ: .... أَنَا أَوْصَيْتُ مُقَدَّسِيَّ، وَدَعَوْتُ أَبْطَالِي لأجْلِ غَضَبِي، مُفْتَخِرِي عَظَمَتِي. .... هُوَذَا يَوْمُ الرَّبِّ قَادِمٌ، قَاسِيًا بِسَخَطٍ وَحُمُوِّ غَضَبٍ، لِيَجْعَلَ الأرْضَ خَرَابًا وَيُبِيدَ مِنْهَا خُطَاتَهَا. (إش١٣ : ١، ٣، ٩) ويذكر في دائرة عقابه المنافقين، فمعاملات الله هي واحدة مع بني البشر سواء كانوا خطاة بعيدين لا يؤمنون بالله، أو كانوا مؤمنين واولادا لله، فعندما يسير الإنسان في دائرة شر ويكون بعيدا عن دائرة الإيمان والسلوك المقدس القويم يتعامل الله معه بالقضاء الإلهي سواء كان إنسانا مؤمنا أو بعيد عن دوائر الايمان، سواء كان فردا او أمة.
وقف الرب أمام صهيون المدينة التي يحبها الرب والذين فيهم أبناء لله وينظر الى المنافقين فيها ويتعامل معهم بالغضب " ارْتَعَبَ فِي صِهْيَوْنَ الْخُطَاةُ. أَخَذَتِ الرِّعْدَةُ الْمُنَافِقِينَ: "مَنْ مِنَّا يَسْكُنُ فِي نَارٍ آكِلَةٍ؟ مَنْ مِنَّا يَسْكُنُ فِي وَقَائِدَ أَبَدِيَّةٍ؟" (إش ٣٣ : ١٤) فالله قدوس ولا يحب دائرة النفاق أن تنتشر وسط دائرة أولاد الله، فالمنافق هو من يمتاز بالكلام العاذب ليقنعك بانه صادق وقادر على عمل كل شيء يطلب منه، فمن اجل المال يدوس على الحق ويسعى لانصاف الباطل، فالنفاق الإجتماعي هو التلون وتجنيد بعض العلاقات المترابطة المتشابهة مع النفوس الغير واضحة في مبادئها ومواقفها واحاديثها لغرض الإفساد أو الإنتفاع الشخصي والمكاسب المادية، المنافق يظهر بأنه يحبك ويصنع ويعمل لمصلحتك وفي الواقع هو يعمل على تدميرك وإسقاط الحق الذي لديك، ما اقبع هذا الإنسان المنافق فهو باطنا تجده عليلا أما ظاهرا فتجده جميلا ... وعجبي.
الإنسان المنافق تجده صاعدا للقمة سريعا، ولكنه أيضا يحب أماكن الظلمة والأنفاق المظلمة، يحب دائما أن يكون تحت الأرض وعندما يظهر للنور فهو كالأفاعي لمداهمة فريسته، فالمنافق سيظل موجودا ولكنه ايضا سيظل أحقر من في الوجود، فالمنافق يأمر بالطاعة ولا يعمل بها وينهي عن المعصية ولا ينتبه لها، لذلك إن رأيت منافقا وصادفك في حياتك فابتعد عنه ولا تتعامل معه ولا تجامله، فعملك وفعلك هذا ليس شرا ولا خطية، بل بالعكس إن شعر بأنك ستفضحه وتكشف أمره أمام الملأ سيبعد عنك ويهرب، لأن من كثرة نفاقه يسقط منه وفاقه.
- اشتري دماغك من المنافق :
توجد في الحياة أفعال تستخق المدح، وعلي النقيض يوجد أفعال تستخق الذم، فسواء كان مديح أو ذم فعلينا التريس، علينا التمعن وعدم التسرع في الحكم، " إِذًا لا تَحْكُمُوا فِي شَيْءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ، حَتَّى يَأْتِيَ الرَّبُّ الَّذِي سَيُنِيرُ خَفَايَا الظَّلامِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوبِ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَدْحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الله. (١كو ٤ : ٥) لكن عندما تتاكد بحالة الفعل وأنها مقصودة من الأخرين علينا بالمواجهة دون الخوف من العواقب، فكثيرا لسبب الرغبة في عدم خسارة الأخر نتغاضي عن افعالهم لنكسب صداقتهم ولإستمرارية التواصل والعلاقة، ولذلك اقول: " لا تضع مبادئ فوق مبادئ لانك ستحصد نتيجة هذا فيما بعد " عليك التعامل مع كل واقع وتقيمه تقيما جيدا ودقيقا، فعندما يكون الفعل مرتبط بنفاق ودهاء ومكر متعمد، عليك بالمواجهة ولا تخاف من خسارة الشخص أو الأشياء فخسارة اليوم تريح عقلك ونفسيتك غدا وبعد غد.
عندما تكون الأفعال الصادرة من الأخرين تستحق المدح فلتفعل اما إن كانت تستحق الذم لمجرد الذم فإبتعد عنهم بعد توضيح سبب ابتعادك إن سألوا عن ذلك، أما إن لم يهتموا فاتركهم وشأنهم وإرحم عقلك من مجهود ومعاناة التوضيح والشرح وإعطاء المبررات، فالمنافق الماكر لا يستحق الإهتمام ( اشتري دماغك ) فهو سيسألك ليُخرج منك مديحا " فمن خصال المنافق أنه يحب المدح ويكره الذم. " لذلك إهرب من المناقشات والمجادلات إن كان الأمر والموضوع لا يهم، لانك لن تأخذ من المنافق إلا الكلام الكثير والنتائج القليلة او المعدومة هذا إن لم تحصد خسارئر.
المنافق يلعب مع الورق الكاسب الذي علي شاكلته، ويخضع لمن هو مرتفع ويختلف عنه في مبادئه، وإن قبض علي العصا من النصف يخدم سيدين وتجده كاذب علي احدهما او واضع امامهم انصاف الحقائق، فالمنافق يتظاهر بالصلاح والأمانة والإخلاص برغم فساده وضلاله، ويلوي الزيف ويتبنوه لبشابه الحقيقة ويخدعوا البسطاء، هذا لأن المنافق متلون بطبعه ومشاعره غير سوية وغير مستقرة، والفضيلة الوحيدة التي يتبناها هو انه يكذب بصدق،
- الكذب والخيانة سمات المنافق :
الأجواء الأساسية للمنافق تنقسم الي قسمان: الأول يتمركز في دائرة الكذب والثاني في مستوي من الخيانة، فبدونهما لا يستطيع المنافق أن يعيش، فهو ينظر الي عيوب الأخرين وينكرها محاولا فضحهم لسقوط كرامتهم علي قدر المستطاع ليصبح هو الأفضل، وذات العيوب يرضيها لنفسه وعندما يواجه بها يبتسم ويضحك لأنه يفتخر بها ناظرا لتصرفه هذا بأنها شطارة، فالمنافقون يجاملون بعضهم بعضا بل ويكافئون بعضهم بعضا، حتي عندما يكسبون معركة حتي ولو بطريق الغش والتزوير وبدفع الرشاوي، وهذا ما حدث بمرأي عيناي، شخصا دفع رشوة لمكسب معين وبالفعل نال مكسبه فصنع له الموكل وليمة وحفل تكريم، فقد افتخرا الإثنان بفسادهم دون خجل، ... ياإلهي .. ياإلهي، ما هذا الشر الذي أراه.. لذلك أقول للأمناء، لا تلوموا أنفسكم علي كل مرة عشتم فيها بالأمانة ولم تحصلوا علي النتائج المرجوة، فيكفي أنكم في كرامة أمام أنفسكم وأمام كل من يعرفكم ويعرف أصلكم، ففسادهم لن يطول وسيأتي اليوم الذي يظهر الله بركم ويسقطهم هم في شر أفعالهم، فاصبر له.
الرب في العهد القديم كان يعلم شعبه بان لا يسيروا في دوائر الكذب ولا يحب الإتفاق مع المنافق لشهادة ظلم، فمشاركة المنافق خطية وشر فارفضها حتي ولو كانت الخسارة كبيرة " لا تَقْبَلْ خَبَرًا كَاذِبًا، وَلا تَضَعْ يَدَكَ مَعَ الْمُنَافِقِ لِتَكُونَ شَاهِدَ ظُلْمٍ. (خر ٢٣ : ١) كلمات الرب واضحة، فإن اتاك خبرا عجز صاحبه عن إثبات صحته، فلا تقبل الخبر ولا تصدقه لأنك إن صدقت دون بحث وتحقيق فأنت مشارك المنافق في أفعاله حتي وإن لم تنافق مثله، فقبولك للخبر دون تحقيق او نوال إثبات صحة ما تسمع يصيرك في دائرة الظلم ( تصير ظالما ) لذلك أقول لاحظ نفسك وكن دقيقا، فإن سكت عن الحق فأنت في شر ومشارك في الظلم... لذلك أقول إزاي تعيش كدا؟ كيف تعيش قابل الظلم أو مشاهد له وملتزم الصمت؟ فليرحمنا ربنا من مثل هؤلاء.
لا تعطي الأمان لشخص يمدحك بما ليس فيك، فلابد أن تعلم أنه سياتي اليوم الذي يذمك بما ليس فيك، فلا تسمح لمثل هؤلاء بالتحدث عنك مهما كانت مكاسبك لان خسارتك القادمة ستكون اكبر مما كسبت من قبل، فالمجاملة بنفاق كالسكين المسلط علي ظهر الصالحين، وستستخدم من المنافقين في وقت إحتياجهم فتصاب وتجرح وتستنذف كثيرا وقد لا تجد مسعف لانقاذك، لأن طعناتهم مستترة وفي دوائر الخبث، فنفاق القارئ للاحداث ومسجلها أسوأ من نفاق الحاكم، فالحاكم المنافق تستطيع ان تطعن في نفاقه وحكمه أما سارد الاحداث وقارئها ومدونها فنفاقه اسوأ بكثير لأنه يغير الحقائق، لذلك كن حريصا من من يسردون امورا بنفاق ليعطوا صورة غير الصورة الحقيقية للضلال ونوال مكاسب بخبث، فكن حذرا.
- الاشراف والنبلاء :
يقف الإنسان المنافق دائما في دائرة عدم تقييم الإمور ووضعها في نصابها الصحيح، فمن جهله تجده مدلل لدى السلطان ولكنه مذلل لدى إخوته، لا يمد يد العون لمن من صلبه أو لمن يقترب اليه أو يزامله، فهو يقتنص أجواء السلطان لذاته دون أن يكون في خدمة الآخرين، لذلك عندما تسال عنه إخواته أو الزملاء أو الأقرباء لن تجد مديحا يرفعه بل ستجد ذلا يكسره، فكل إنسان لديه درجه من درجات الإحساس في مشاعره تجاه الأخرين، لذلك أسوأ أمر يعطي إحساسا بالإهانه هو سوء التفاهم والنفاق، فلا تتعجب عندما تسال عن شخصا وتجد من حوله لا يتكلمون عنه ايجابيا هذا فقط لأنه منافق، لذلك إجتنب المنافق وإن صدفته لا تصادقه.
النفاق قيمة مزيفة تمنح للمنافق مكاسب مؤقتة لا تستمر معه مهما كان مستوي مكاسبه، وفي وسط سير المنافق في مسيرته يخادع نفسه بأن يظن بأنه من الأفاضل المفضلين في المجتمع، ويظن بأنه من نبلاء القوم وهو بعيد كل البعد عن دوائر الفضيلة والنبل، فوجود مثل هؤلاء ازمة كبيرة لكل نبيل وشريف بالحق.
يتكلم الكتاب عن يَعْبِيصُ أنه " أَشْرَفَ مِنْ إِخْوَتِهِ. " لماذا ؟!. لأن تواصله مع الهه افضل من تواصل إخوته وتقييمه للإمور افضل من تقييم اخوته " وَدَعَا يَعْبِيصُ إِلهَ إِسْرَائِيلَ قَائِلا: "لَيْتَكَ تُبَارِكُنِي، وَتُوَسِّعُ تُخُومِي، وَتَكُونُ يَدُكَ مَعِي، وَتَحْفَظُنِي مِنَ الشَّرِّ حَتَّى لا يُتْعِبُنِي". فَآتَاهُ الله بِمَا سَأَلَ. (١أخ٤ : ٩-١٠) فالشخص الأفضل - الشريف - النبيل هو في تواصله مع الهه وقادر علي تقييم الامور وقرائتها قراءة جيدة، فيقبل ما يرضي الله ويرفض ما يعارضه.
هكذا ايضا أهل بِيرِيَّةَ يمتازون وأشرف من أهل تسالونيكي " وَكَانَ هؤُلاءِ أَشْرَفَ مِنَ الَّذِينَ فِي تَسَالُونِيكِي، فَقَبِلُوا الْكَلِمَةَ بِكُلِّ نَشَاطٍ فَاحِصِينَ الْكُتُبَ كُلَّ يَوْمٍ: هَلْ هذِهِ الأمُورُ هكَذَا؟ (أع ١٧ : ١١) لماذا؟! لأنهم " فَاحِصِينَ الْكُتُبَ كُلَّ يَوْم " اذا إمتياز أن يكون الإنسان شريفا ليس مرتبطا بإمور العالم والإمكانيات المادية والإجتماعية ولكنها مرتبطة بالعلاقة بالله وحياة الملء بالروح وتقييم الإمور تقيما روحيا ودراسة الكلمة وفحصها كل يوم، فمن يستمد نبله من الإجتماعيات والمكانة الزمنية فهو مسكين ويحتاج للفهم والحكمة، وأقول له " إزاي تعيش كدا "
________________________________
٣
بلا هوية وتتستر
هل يحق لي أو لغيري أن يقول عن شخص أو جماعة أو فئة أو مجتمع أنه بلا هوية؟.. !. لكل واحد هويته سواء كانت ايجابيه او سلبيه، فإرجاء للحق أنه لا يوجد إنسان بلا هوية... ولكن قد تكون هوية شخص ليست زي قيمة امام شخص أخر، وبالتالي يشعر بأن الأخر بلا هوية، فيوجد نفوس لها إمكانيات ووضع اجتماعي يعطي لهم اسما وسط المجتمع، فتشعر بأن لهم هوية قوية وواضحين وذو مكانة، وأنهم مفيدين جدا لكل من يتعامل معهم - فهويتهم واضحة.. ولكن عندما تقترب اليهم ترى أنهم من الداخل فارغين ولا يعتمدون إلا على المنظر والمظهر والشكل الإجتماعي الذي يمنحهم ثقل مجتمعي يرتكزوا عليه ليكون لهم إسما، ولكن عندما يسقط هذا القناع المجتمعي وتتعامل معهم لا تجد إلا صحراء جرداء.. وليس لهم هوية، فالذين يستمدون هويتهم من المجتمع ( Social ID ) فمن السهل جدا يسحبها المجتمع منهم سواء أرادوا أو لم يريدوا، أما من يستمد هويته من ذاته ( Self-identity ) هذا سيكون إضافه للمجتمع ولن يستطيع أحد أن يسحب هويته منه أو كيانه أو مكانته.
الهوية المجتمعية تكمن في النظام الإجتماعي العام لمجموعة من البشر يسكنون معا ولهم طابع سلوكي مميز بهم وخاص بهم يحدد هويتهم وطبيعة حياتهم، فالهوية الإجتماعية تعتمد دائما على الشكل، وكلما زاد الأفراد داخل المجتمع في دائرة الفهم والمعرفة والثقافة كلما تعمقت هويتهم وصارت واقعا ملموسا يفرض ذاته وكيانه على باقي المجتمعات، مع ملاحظه أن القيمة التي يعطيها الكيان المجتمعي هي قيمة وقتية وترتبط بوجود الشخص داخل المجتمع، أما عندما يخرج من دائرة هذا المجتمع يفقد هذه الهوية، هذا لأن طابع الجماعة أو الكيان المجتمعي يعلو ويرتفع علي طابع الهوية الذاتية لهذا الشخص، ولذلك فالكيان المجتمعي هو إضافة له، أما الشخص الذي يمتلك هوية ذاتية قوية فهو الذي يمنح الكيان المجتمعي قوة وصلابة، هذا لأن المجتمع في هذه الحالة يستمد هويته منه وليس العكس.
ولترجمة كلماتي دعونا نرى يسوع المسيح له كل المجد، قد كان إضافة للمجتمع، ولذلك لم يؤثر فيه المجتمع ويعطيه هويته، ولكن المسيح ذاته هو الذي أعطى هوية للمجتمع وهذه الهوية مستمره الى يومنا هذا، فعند مواجهه بِيلاطُسُ للمسيح سأله سؤالا قائلا " أَفَأَنْتَ إِذًا مَلِكٌ؟ " وكانت الإجابة من المسيح ممتلئة جراءة وقوة وثبات " أَجَابَ يَسُوعُ:"أَنْتَ تَقُولُ: إِنِّي مَلِكٌ. لِهذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ " فمن ينظر لهذه الكلمات في الوهلة الأولى يتعجب، فقد ظن المسيح بأنه ملك، وإن كان في الحقيقه هو كذلك وهكذا، ولكن الهدف من هذه الكلمات ليس إنقلابا على المملكه الأرضيه الزمنية ولكنه إنقلابا على الملك المسيطر على نفوس عبيده ( إبليس ) لذلك قال " لأشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي". (يو ١٨ : ٣٧) وهنا نجد الهوية التي للمسيح يسوع، في داخله مبدا يسير من أجله وفيه ولا يوجد قوة في الوجود تخرجه خارج نظامها، فهو صاحب هوية ذاتية أضافها للمجتمع من خلال كلماته وعظاته ومقابلاته وطريقه سلوكه في المجتمع وردوده القوية أمام كل من يقف في طريقه او يقف امامه، فقد ترك المسيح طابعا خاصا في النفوس كل من إقترب اليه، فقد جاء ليشهد للحق مهما كانت التكلفة ومهما كانت الخسائر إن وجدت. .... فكيف حالك؟
- الطيور علي اشكالها :
عندما يظهر وسط المجموعات او الكيانات من هو منافق وصاحب سيادة أو سلطة أو إمكانية منفردة، سيجتمع اليه كل ناقص الفهم ومقتنصي الفرص وكل صاحب احتياج قليل الحيلة، وعلي النقيض ايضا، عندما يظهر شخصا ذو مبادئ وقيم عليا وصاحب حق، سيلتف حوله ايضا كل من هو في ذات المسلك ونفس الطريق، فالطيور علي أشكالها تقع، فالمستقيم لا يطيق المنافق ولا يجتمعا في طريق واحد، وإن تصادفا في مصلحة اختلفا إختلافا يصل لأعماق لا يعلم مداها إلا الله.
من يغلب.. المنافق أم المستقيم؟ الحقيقة لا هذا ولا ذاك، الذي يغلب هو من تخدمه الظروف المحيطة، فعندما يجد المستقيم مستقيمين أمثاله بسندوه ومعه لنهاية الخط في المكسب والخسارة ويجد بعض من المسئولين الأمناء كمساندين، حتما سيغلب وينال حقه، أما عندما يجد المنافق منافقين أمثاله ومرتشين واصحاب ( هات - وعاهات ) في الجهات المسئولة ليخدموه، فبكل تأكيد سيجد المستقيم الأمين الصعوبة في تحقيق الحق وإعلان الحقيقة، لأن في تعاليم الرب عن أحكام العدل والرحمة " وَلا تَأْخُذْ رَشْوَةً، لأنَّ الرَّشْوَةَ تُعْمِي الْمُبْصِرِينَ، وَتُعَوِّجُ كَلامَ الأبْرَارِ. (خر ٢٣ : ٨) (تث ١٦ : ١٩) (أم ١٧ : ٢٣) ياااه علي هذا الزمن .. فقد رأيت أفاضل ( المفروض هم أفاضل ) ولكن في تعاملاتك وعند اقترابك اليهم ستصدم عندما تكتشف واقعهم الروحي المرير، ستصدم عندما تريد ان تعيش مستقيم، فلن تعيش وسطهم إلا مطبلاتي أو مادح مديح الكاذبين لنوال حقوقك أو حق ليس لك، " فالرَّشْوةَ تُعْمِي الْمُبْصِرِينَ، " .... لا تعليق.. صباحك/مساءك فل.
لذلك لن أكون إلا مستقيما بارا ولا أتنازل عنهما حتي وإن لم أنال نجاحا واضحا في وسط مجتمع فاسد، فلا أرهن نفسي داخل نجاح أو فشل، بل سأسير بالأمانة مهما كانت النتائج، فصاحب المبادئ لا يتحزأ ولا يمسك العصا من المنتصف، فهو واضح كل الوضوح مهما كانت التكلفة " مِنْ جِهَةِ أَعْمَالِ النَّاسِ فَبِكَلامِ شَفَتَيْكَ أَنَا تَحَفَّظْتُ مِنْ طُرُقِ الْمُعْتَنِفِ. تَمَسَّكَتْ خُطُوَاتِي بِآثارِكَ فَمَا زَلَّتْ قَدَمَايَ. (مز١٧ : ٤-٥) لذلك سأسير في وسط كل هذا العالم متمسكا ببري لا عن ذات وكبرياء بل عن حق تعلمته من الرب في كلمته، وسأترك النتائج والثمار للرب، في اسم المسيح سأكون كما يريد الهي.. امين
- تقارب الهوية الإجتماعية :
يوجد فرق بين التقارب الإجتماعي وتقارب الهوية الإجتماعية، فالتقارب الإجتماعي: يعني إنضمام أفراد في مجتمعات بعضهم لبعض مع خلق جو من التفاهم والود والتآزر، اما تقارب الهوية الاجتماعية: هو إندماج ثقافات وأفكار مختلفة في محيط إجتماعي واحد، فعندما تكون المجتمعات في دائرة المبادئ والقيم الحميدة سيكون التقارب الإجتماعي والهوية الإجتماعية سببا في خلق أجواء من البناء والتقدم، أما عندما يزرع الفساد هنا التعقيد ذاته، فيمكن أن يؤدي وسط عالم فاسد إلى تعقيد الأوضاع الإجتماعية في المجتمع، وزيادة حالات الفساد وإنحراف القيم والأخلاق.
عندما تجد نفوس لهم مكانة إجتماعية وكان يجب أن يكونوا أصحاب مبادئ وقيم حميدة ولكن رأيت فيهم فسادا لدرجة أنهم يستغلون الهوية الإجتماعية وتقارب الاخرين لهم في خدمة أنفسهم وذاتهم مع إعطاء فرص بسيطة لمثل هؤلاء للإستفادة، فهم يستخدمون جميع من حولهم ويجعلون الجميع في خدمتهم، إن محاربة هذا النوع من الفساد وردع المتسببين فيه أمر في غاية الصعوبة حيث يتطلب الي تثقيف المجتمع حول أهمية القيم والأخلاق في بناء مجتمع صحي ومفيد.
إن الجهود المبذولة لمحاربة الفساد ستواجه صعوبات كثيرة، من بينها تضارب المصالح وإستغلال الأنظمة والقوانين في فساد عن طريق لي المعاني وتحوير المفاهيم، فضلا عن قلَّة الإرادة السياسية في بعض الأحيان، لأن الارادة السياسية : هي القدرة على اتخاذ القرارات وتحقيق الأهداف بموجب معايير سياسية وخطط استراتيجية بلا خوف وبلا تردد، فعندما تكون الأيدي مرتعشة فستضيع الحقوق ويظلم الكثيرين
الارادة السياسية ليست فقط مرتبطة بالمسؤولين في انظمة الدولة أو في الانظمة السياسية أو الإجتماعية بل هي مسؤولية كل فرد ايضا، بمعنى أن يكون كل إنسان قادرا على مواجهة الغير بلا خوف وبلا تردد وأن تكون سياسته في إدارة إمور حياته هي عدم التراجع عن المبادئ والقيم الحميدة والجيدة مهما كانت الأوضاع ومهما كانت الخسائر، لأن الخوف من الخسائر يجعل الإنسان مهزوزا في قراراته وضعيفا، تاركا حقوقه خوفا من المواجهه
أنظر للتقارب الإجتماعي ما بين فرعون مصر ويعقوب بن إسحاق، فقد كان وصلة التقارب يوسف بن يعقوب، إستطاع يوسف أن يكون الأداة الإجتماعية الجيدة في التقارب والتواصل الإجتماعي " فَأَسْكَنَ يُوسُفُ أَبَاهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَعْطَاهُمْ مُلْكًا فِي أَرْضِ مِصْرَ، فِي أَفْضَلِ الأرْضِ، فِي أَرْضِ رَعَمْسِيسَ كَمَا أَمَرَ فِرْعَوْنُ. (تك ٤٧ : ١١) استطاع يوسف ان يكرم أباه وإخوته ولكنه لم يصل لدرجة تقارب الهوية الإجتماعية، لم يصير بين شعب مصر وإسرائيل إندماج ثقافي أو فكري، فظل المصريين في ثقافتهم وديانتهم، وظل الأسباط ونسلهم في ثقافتهم وديانتهم المختلفة، ولذلك صاروا بعيدين منعزلين، فقط يجمعهم بالمصريين أرض الوطن ولكن تفصلهم ثقافات متأصلة في عروقهم وكيانهم، ولذلك عندما أتي فرعون جديد لا يعرف الأباء الأولين لشعب الرب - ازلوهم جدا " ثُمَّ قَامَ مَلِكٌ جَدِيدٌ عَلَى مِصْرَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يُوسُفَ. فَجَعَلُوا عَلَيْهِمْ رُؤَسَاءَ تَسْخِيرٍ لِكَيْ يُذِلُّوهُمْ بِأَثْقَالِهِمْ، فَبَنَوْا لِفِرْعَوْنَ مَدِينَتَيْ مَخَازِنَ: فِيثُومَ، وَرَعَمْسِيسَ. (خر١ : ٨، ١١) وهنا يصير في الأمر ثقلين، الاول التقارب الإجتماعي والثاني طريق الإزلال، فقد عاشوا أبناء يعقوب في أرض كانت تدفعهم للإنتماء، ولكنهم اختبروا طريق الإزلال الذي حرك فيهم مشاعر الخروج من الأرض ومن دائرة الوطن، فشعب الله في أرض مصر لم يصل للهوية الإجتماعية فلم يندمج وسط شعب إختلف عنهم، وزاد فوق هذا مشاعر الذل الذي اختبروه.
فالهوية الإجتماعية : بالنسبة لشعب يختلف عن من حولهم تصيرهم غير قادرين علي أن يكونوا أعضاء في مجتمع هم ضيوف عليه، لذلك لعب التقارب الإجتماعي دورًا مهمًا في سلوكهم كأفراد عاشوا في أرض غريبة حيث أثر هذا على نظرتهم لأنفسهم وللآخرين، وعلى تفاعلاتهم الإجتماعية، لذلك دخلوا في طريق الإزلال، وهذا يرجع الي إختلافهم الواضح الذي أخاف فرعون، فالطريق الذي سلكوه من البداية هو طريق ممتليئ بمشاعر الغربة والإنعزالية عن شعب يختلف عنهم كامل الإختلاف، فمشاعر الإنتماء لم تتحرك ولم يكون لهم الفرصة لتفعيلها.
كي يكون لهذا الشعب إنتماء للوطن كان عليهم عدم التمركز في أرض منعزلة عن باقي أراضي الشعب المصري، كانوا يحتاجون للإندماج والذوبان بين الشعب المصري في كامل أراضيه وليس في أرض مخصصة لهم، لذلك فقدوا الإحساس بالإنتماء وفي طريق الإزلال فقدوا الإحساس بالأمان ولذلك أرادوا الخروج وكانوا يتمنوه، هذا الوضع خدمهم كأمة منفصلة عن باقي الأمم والشعوب ليعلنوا انتمائهم لإله السماء وليسيروا مسيرة وطريق ان يكونوا شعب ياتي من نسلهم المسيح، فلو كانوا اندمجوا بالهوية الاجتماعية وانتشروا بين الشعوب لذابوا وصاروا كالعدم، ولكن في تمركزهم معا اعطي لهم فرصة اخري ليكونا شعب أختير ليكون خاص لإلهه، ولذلك جاءتهم الفرصة من خلال رجل الله موسي، وخرج بهم الي أرض الموعد ليكونوا شعبا خاصا مختلفا عن باقي الشعوب وله رسالة تهدف للمسيح حتي وإن لم يدركوه " إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلادَ الله، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. (يو١ : ١١-١٢) فجاء المسيح منهم ولهم ولكنهم رفضوه وفتح الباب لكل الأمم جاء لكل من يقبله
- إعرف نفسك ولماذا أنت؟ :
لابد أن يدرك الإنسان قيمته ويجب أن يعرف نفسه، أين يقف؟ وماذا هو؟ وإزاي يعيش كدا؟ فعندما يكون الإنسان داخل مجتمع ولا يكون متميزا وليس قادرا على إضافه الجديد للمجتمع، هذا الإنسان يصير في دائرة السلبية وعدم النفع، بل ومستنذف جدا للغير، لذلك يحتاج هذا الإنسان الى معرفة أنه يمتلك داخله شيئا مميزا يميزه عن غيره فقد خلقه الله مبدعا وجميلا وقادرا على إضافة الجديد للغير ولكنه يحتاج أن يكتشف ذاته اولا، ويكون له إتجاه قلبي لمساعدة الغير على قدر المستطاع، إن وضع في قلبه هذا سيكتشف الجديد والكثير داخل ذاته وداخل نفسه.
يوجد ما يسمى ب التميز الإجتماعي : هذا الأمر لابد أن يدركه الإنسان - أنه شخصية فريدة من نوعه ولا يوجد مثله، وقادر أن يضيف للمجتمع كل ما هو جديد وفريد.
التميز الإجتماعي : يكمن في معاملة الشخص للآخر داخل المجتمع بشكل كبير من الفائدة مستخدما الخصائص والسمات والإمكانيات التي يمتلكها، ويستخدم كل ما يمتاز به لخدمة المجتمع المحيط به، وهذا يسمى بالتميز الإيجابي، الذي فيه الإنسان يكون قادرا علي مساعدة غيره دون إستنزافه، مبتعدا عن التمييز العنصري أو الجنسي أو الديني، فمن خلال العمل معًا، يمكننا بناء مجتمع أكثر مساواة وعدلًا للجميع.
المجتمعات بجميع أنواعها ولا سيما المجتمع الديني: الأفراد فيها يتركون مجتمعاتهم الدينية وينضمون لأخرى والسبب أنهم لا يجدون أنفسهم داخل هذه المجتمعات، هذا لأن بعض القائمون على هذه المجتمعات مستحوذون على كل شيء ولا يعطون فرصه إلا لمن يروا فيهم مصلحة او هم من الأقارب او من القريبين اليهم، وهذا التصرف لا يجب أن يكون في هذه المجتمعات الدينية ولا اي مجتمع آخر ايضا، ولكن للأسف بسبب وجود هذا التصرف كثيرا جدا ستجد السلبية من بعض أفراد وأعضاء المجتمع الديني.
لذلك أناشد كل المجتمعات الدينية أن تسعي نحو الإبداع الإجتماعي داخلها، من خلال :
١ - تقييم ذاتها بين أعضائها وقبول القراءة التي توصلوا اليها وفهم الواقع والسعي نحو التغيير.
٢ - العمل على إيجاد نموذج فريد مميز ليكونوا قادرون على مقارنة أنفسهم به، سواء كان هذا النموذج موضوعا من قبل أو يبحثون عن إيجاده من خلال مجموعات أو مجتمعات اخرى
٣ - الأمر المهم ايضا هو المنافسة الإجتماعية التي يجب أن تكون بين المجتمعات الدينية المتشابهة والمتقاربة ايضا دون خلق أي نوع من أنواع النزاعات أو الخلافات وأن نهدف الى النمو والإزدهار والبنيان، وإن لم نتوافق في هذا فعلينا ايقاف هذه المنافسة فورا دون أي نوع من أنواع الغضاضة أو النفسية السلبية.
فهل نحن قادرون علي فعل هذا ؟ اتمني ذلك.
________________________________
٤
إحترم نفسك وقدر ذاتك
إحترام النفس وتقدير الذات مفتاح العلاقات الجيدة، فبدونهما لا يوجد تواصل جيد، فمن يحترم ذاته ويقدرها يحترم الآخرين ويقدرهم أيضا، لأن من يقدر ذاته لديه مشاعر إيجابية دائما، وقادر علي الإنجاز لأن ما لديه من مشاعر إيجابية قادرة علي بث روح التفائل والرضا والسعادة لنفسه ولجميع من حوله، ودائما تجده يذهب نحو ما يرفع الشأن ويبتعد عن مصادر تقليل القيمة والمكانة لا عن ذات وكبرياء بل عن فهم ومعرفة.
إن عمليات المعرفة تعزز ( الأنا الداخلية للانسان) فيشعر بقيمته داخل : - كيانه المادي - وكيانه الإجتماعي - وكيانه النفسي
فكلما إجتهد في جانب من جوانب المعرفة كلما تم تغذية الأنا في جوانبها الثلاثة، وبالتالي تزداد قيمته لذاته وترتفع قيمته لدي الأخرين ايضا، فالإنسان لا يجب أن يكون في احتياج لإحترام الآخرين له ولا يعمل من أجلها، بل عليه السير في طريق احترام نفسه وإحترام الأخرين وبالتالي ( اتوماتيكيا ) سينال إحترام الأخرين له دون السعي لذلك وبدون إنتظار هذا من الأخرين، فلن ينال هذا إلا إذا عمل ( اشتغل ) علي نفسه وأثمر في دوائر الأنا لا عن كبرياء وعنجهية ( لأن هذا يعد فراغا نفسيا ) ولكن يعمل علي تقدير الذات الذي هو إحتاج طبيعي لكل البشرية.
إحترام نفسك وقدرها أي إهتم بها جيدا إعمل علي تثقيف ذاتك علي قدر المستطاع، وإعمل علي ثقتك فيها ( الثقة في الذات ) لأنها ستدفعك دائما نحو التقدم، ولكي تحترم نفسك تحتاج أن تكون لطيفا معها تتقبل نقاط ضعفك وتعمل دائما علي تحسين ذاتك، وإعلم أنك لست مثاليا بكفاية، أي أنه يوجد دائما من هو أفضل منك وهذا لا يجب أن يجعلك تنظر لذاتك بأنك أقل من غيرك، بل انت هو هو الذي يجب أن تكون عليه اليوم، وأنك افضل من أمس وأن الغد سيكون لك فرصة لتغيير واقعك، لأن قيمتك ومكانتك عندك أغلي ما لديك، أما الأشخاص اللذين يقدرونك هم من تسمح لهم بإحاطتك والتواجد معك، أما من يحبطونك إجتنبهم دون معاداتهم.
- تقدير النفس هدف كتابي :
لا تستغرب من هذا العنوان فالله خلق الانسان علي صورته وعلي مثاله، فالله محترم جدا ويعرف ميف يقدر ذلته تقديرا يليق به، وهكذا خلق الإنسان علي ذات الصورة، أعد له "جنة" مكانا خاصا - حديقة جميلة، حديقة بها كل ما تشتهي النفس، خلقه في أجواء من الإحترام والتقدير، فقد جعل كل شيئ تحت تصرفه، الحيوانات والطيور خاضعة له " وَقَالَ الله: "نَعْمَلُ الإنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأرْضِ". (تك ١ : ٢٦) خلقه الله وأعطاه شعورا بقيمة ذاته - جعله كبير الخليقة وفوق كل هذا كان له تواصل مع الله " وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. (تك ٣ : ٨) أه... لماذ الشعور بالخوف؟. هنا الشعور بقيمة أقل من السابق، والسبب التعدي والعصيان وكسر الوصية، فالقيمه الحقيقيه تعزز في دوائر الإحاسيس والمشاعر، ويتم تفعيل هذا من خلال فعل كل ما هو صالح وجيد وإيجابي، هذه هي الطبيعة التي خلق الله الإنسان فيها - ذو قيمة إيجابية.
أما القيم السلبية فهي دخيلة علي حياة الإنسان بالسقوط، ولأنها غريبة عن الطبيعة البشرية الأساسية، يتم التقاطها وتحديدها من خلال المشاعر النفسية التي تقرأها لتتعامل معها وترفضها، مثلها مثل فيروس دخيل علي الجسم، فيبدأ جهاز المناعة مهاجمته، فيعطي مؤشرات للقرأة والتعامل مثل إرتفاع درجة الحرارة او الالم في العظام او..... الخ، هذه مؤشرات ومخبرات تعلن وجود ما ليس طبيعي، هكذا فالقيمة السلبية مشاعر يرفضها العقل ويعمل علي محاربتها بمشاعر مضادة، ولذلك يشعر الإنسان بالضيق أو الاكتئاب المؤقت، لحين الإنتهاء والخروج من كل ما هو سلبي، والرجوع للقيمة الذاتية الحقيقية للانسان والتعامل معها لتعزيز إحترام النفس والأخرين وتفعيل الاحساس بالقيمة الحقيقية.
الطريق الأساسي نحو الإحترام وتقدير الذات يتطلب من الإنسان أن يكون في الدائرة أو المكانه أو السنتر الخاص بالله، فالمركز الخاص بالله هو عباره عن الاتكال علي الله ومعرفته وحياة التقوى " تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لا تَعْتَمِدْ. فِي كُلِّ طُرُقِكَ اعْرِفْهُ، وَهُوَ يُقَوِّمُ سُبُلَكَ. لا تَكُنْ حَكِيمًا فِي عَيْنَيْ نَفْسِكَ. اتَّقِ الرَّبَّ وَابْعُدْ عَنِ الشَّرِّ، (أم٣ : ٥-٧) هذه الدوائر مهمة جدا في حياه الإنسان لانها تمنحه تقديرا خاصا في دائرة الشعور بإحترام ذاته وتقديرها، لاجل ذلك فقدت البشريه إحترامها لذاتها ولنفسها والسبب هو الإبتعاد عن دائرة الإتكال الكامل بالله وهو عدم السير في حياة القداسه والتقوى والإبتعاد عن الشر، لذلك اقول نفس السؤال لكل انسان يعيش بعيدا عن الكمال الإلهي وعن البر، ازاي تعيش كدا؟.
- التفكير الإيجابي تجاه الاخرين :
التفكير الإيجابي تجاه الآخرين يعزز القيمة الذاتية لدي الشخص ذاته وللأخرين أيضا، فالخط الإلهي وطريقة تفكير الله نحونا وصنيعه معنا، هو الصورة الكاملة والمنهج الأساسي الذي يجب أن نسير عليه " أَحْمَدُكَ مِنْ أَجْلِ أَنِّي قَدِ امْتَزْتُ عَجَبًا. عَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ، وَنَفْسِي تَعْرِفُ ذلِكَ يَقِينًا. (مز ١٣٩ : ١٤) الأمر الأول أن الله ميز الإنسان في خلقه وفي صنعه، والثاني أن معاملات الله وأعماله مع الإنسان صالحة، والأمر الثالث أن الإنسان يدرك هذا ويشعر به في داخله ويراه في حياته، حتي وإن لم يعبر عن هذا لذلك يقول " عِنْدَ كَثْرَةِ هُمُومِي فِي دَاخِلِي، تَعْزِيَاتُكَ تُلَذِّذُ نَفْسِي. (مز ٩٤ : ١٩) ففي وسط هموم الإنسان وحالته النفسية ( مهما كانت ) تجد معاملات الله مع الإنسان مرتبطة بالعمل علي راحته وسلامة نفسه، إذا لابد من إدراك أن الخط الطبيعي الذي رسمه الله وصنعه نحو الإنسان وللانسان هو الإيجابيات وليس السلبيات، ولذلك لا تفتكر في أي من السلبيات ولا تتبناها، حتي وإن كانت معطيات الحياة التي حولك تقول عكس ما تتمناه.
التفكير الإيجابي يرتبط بمقياس مستوي الإيمان، لأن الإنسان الذي يرتفع فوق دائرة مستواه دون أن يكون له في المستوي مقياسا لا يحسب ضمن العاقلين المتعقلين " فَإِنِّي أَقُولُ بِالنِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لِي، لِكُلِّ مَنْ هُوَ بَيْنَكُمْ: أَنْ لا يَرْتَئِيَ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَئِيَ، بَلْ يَرْتَئِيَ إِلَى التَّعَقُّلِ، كَمَا قَسَمَ الله لِكُلِّ وَاحِدٍ مِقْدَارًا مِنَ الإيمَانِ. (رو ١٢ : ٣) فمقارنة أنفسنا بالأخرين يشعرنا بالنقص ويشعرنا بعدم الأهمية وهذا يدفعنا إلي طريق التعالي والكبرياء لإكمال الاحساس بالنقص وسد مشاعر الفراغ النفسي، فمعرفة مقدار الايمان ومستواه في حياتنا والسير علي قدره يمنحنا احتراما داخليا مع تفعيله حولنا دون الإشارة اليه، فإحترامنا لأنفسنا ليس كبرياء وإحترامنا للأخرين ليس ضعفا، ولكنهما مستوي من النمو والإدراك وينبع في مستواه الي سلوك قويم، لأن في عكس هذا إحتقارا للنفس وتقليلا للقيمة وهذا ما يرفضه الله ولا يريده لأبناءه.
- تقدير الذات باب السعادة :
هل تستحق السعاده؟ نعم استحقها، فقد خلقني الرب من أجلها، خلقني لأكون سعيدا، فالتعاسة والبؤس والإكتئاب خط لا يجب أن يعرفه الإنسان أو يسير فيه، فالخط الذي من خطوط السعادة أو الباب الذي يدخل الإنسان منه الى دائرة السعادة هو " تقدير الذات " أتكلم عن تقدير الذات الإيجابي وليس عن تقدير الذات السلبي، فالتقدير السلبي هو أن ينال الإنسان تقديرا من خلال المكر والدهاء وصناعة البحر طحينا ليكتسب مكاسب من من وثقوا فيه، أناس إستطاع أن يضحك عليهم، ولكن سرعان ما تنقلب الإمور عندما يكتشف أمره.
تقدير الذات الإيجابي يمنح السعادة لأن الإنسان ينال مكاسبه بعرق وجهه وعرق جبينه، ومن تعب نفسه يشبع ويرى خبزا، هذا هو الخط الذي رسمه الله في الخليقه وجعله، لذلك عندما أتى المسيح صار على نفس النهج وصار على نفس الطريق فقد نال تقديرا ذاتيا إيجابيا من خلال تعب نفسه وما صنعه بيده " .. وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ. مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، .. (إش٥٣ : ١٠-١٢) السعادة الناجمة عن طريق التعب والمجهودات الشخصية، سعادة حقيقية وليست زائفة، لذلك لا تسعى وراء كل ما هو زائف ولكن إسعي وسير وراء ما هو حقيقي حتي ولو في نواله دوائر طريق التعب والألم.
لا تسلك في طريق تقدير الذات السلبي وما به من عنصرية وتعصب وتمييزية بل عليك بما في تقدير الذات الإيجابي من عناصر الحب والبذل والعطاء والإهتمام بكرامة نفسك والمحيطين بك، فالمهتم بهذا الخط لا يعمل علي تقليل الآخر لينال كرامة أفضل ويكون - numper one ( الأول ) بل يعمل دائما بوصية الرب - الأول لكي يكون الأول عليه أن يصير عبدا لإخوته " وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا، (مت ٢٠ : ٢٧) وقال أيضا - الأول لكي يكون الأول عليه أن يكون آخر الكل وخادما للكل " فَجَلَسَ وَنَادَى الاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ:"إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّلاً فَيَكُونُ آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ". (مر ٩ : ٣٥) أما من أراد أن يكون أولا علي حساب إخوته فهذا يسير داخل دائرة تقدير الذات السلبية، ومثل هذا يحتاج للتوبة.
- كن حريصا من نظرات المجتمع :
إحترام النفس وتقدير الذات من دوائر الاحتياجات النفسية التي يحتاجها الإنسان دائما، ولا يتم نوالهما من خلال العلاقات الإجتماعية ولا يجب أن يتمركز وجودهما ونوالهما من خلال الأسرة، فعندما يصير للمجتمع والأسرة والكنيسة و....الخ. دور في تسديد الإحتياج النفسي من إحترام وتقدير، يكون الإنسان عرضة للتعب وللإنتكاسات النفسية، فعندما يخفق المجتمع أو تخفق الأسرة والكنيسة في الإعطاء ينال الإنسان التعب والألم، قد يعترض معترض قائلا: " إن الأسرة والمجتمع والكنيسة هما أساس نوال الإحترام والتقدير فبدونهما لن يجد الانسان من يحترم ويقدر " اقول لا ... والف لا ... إنهما عوامل مساعدة لإظهار الإحترام والتقدير وتفعيلهما ولكنهما ليسوا أساس نوالهما، لأن إحترام وتقدير النفس ينبعان من داخل الإنسان ولا يجب انتظارهما من الخارج، لذلك تعلم يوسف بعد أن جرح من اخوته أن يكون تقديره من إله السماء وليس من الأشخاص والأشياء، فإن وجد حول الإنسان من يقدره ويحترمه فأهلا به، وإن لم يوجد فنبع الإحترام والتقدير هو من ذات الإنسان نفسه.
إن المسيح ذاته عاش هذا - فهو لم يأتمن أحد علي نفسه، أي أنه لم يعطي أسراره الخاصة ( كإنسان ) لأي شخص " لكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، لأنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ. وَلأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإنْسَانِ، لأنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإنْسَانِ. (يو٢ : ٢٤-٢٥) لان قلة الإحترام وقلة القيمة تنبع من خلال معرفة أسرار الإنسان الخاصة فتستخدم كنقاط ضعف، وكمقارنات بين الناس وبعضها، لذلك المسيح عاش الطبيعي الذي يجب أن يكون ويصير، ليس لأن به ضعفات أو سقطات خاصة .. كلا. ولكن سار بحسب القوانين الطبيعية التي يجب أن تكون، فتصورات قلب الإنسان دائما شريرة، ولا يفتكر في بادئ الأمر إيجابيا بل سلبيا، " لأنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: .. (مر ٧ : ٢١) لأجل ذلك كان المسيح حريصا دائما بأن بتجنب إتجاهات قلوب الناس نحوه كإنسان، فكان يتكلم عن أسرار ملكوت الله وعن طبيعته الإلهية ولم يتكلم عن طبيعته الانسانية إلا قليلا وفي المحدود والذي هو في متناول يديهم، فنظرات الإنسان تختلف عن نظرات الله " ... لأنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَنْظُرُ الإنْسَانُ. لأنَّ الإنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ". (١صم ١٦ : ٧) لذلك كن حريصا جدا عندما تتعامل مع بني البشر لأن في طبيعتهم كل ما هو سلبي وليس كل ما هو ايجابي حتى وإن كان الشخص الذي تتعامل معه أستاذا في علم النفس أو رجل دين مفوه، فجميعهم بشر
- مشاعر الأمان والثقة :
مشاعر الأمان تفعل بوجود من نحبهم ونعرف أنهم يحبوننا، ولكن لا يجب ان تكون أساس أماننا، لأن أساس الأمان الحقيقي إثنان هما " الله - وأنا " وغيرهما في وجودهما هما تفعيل وتدعيم لدوائر الأمان والسعادة وكل ما هو إيجابي، مع ملاحظة أن الإنسان والأشياء متغيران ومتقلبان قد ينتهي مدة صلاحية الاشياء او يتم فقدانهما، ففي ارتباطنا بهما يجعلاننا في حالة نفسية قد يصعب الشفاء إلا بعدة مراحل ومسيرة مشوار من الشفاء النفسي.
الشعور بالامانة ما هي إلا حالة نفسية تشعرك بالراحة والهدوء والثقة، كل هذا يكون داخل نفسك وفي محيطك، وهو أمر ضرور للصحة النفسية والخروج من دوائر الضغوطات التي تواجهك في الحياة، ويتم تعزيز هذا من خلال اقترابك لدوائر الايمان والعلاقة مع الله " وَأَمَّا الإيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإيقَانُ بِأُمُورٍ لا تُرَى. (عب ١١ : ١) فالإيمان دائرة ثقة ومن خلالها يتم تفعيل الراحة والهدوء النفسي، لان في علاقتنا بالله يجعل لدينا مشاعر امان لأن الله في علاقته بنا مسدد كل عوز " وَهذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئًا حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا. (١يو ٥ : ١٤) فكونه يسمع لنا تعزز مشاعر الراحة والهدوء والثقة، لذلك توجد مشاعر او مصطلحات تفعل وجود الأمان والشعور به، فالعلاقات الإجتماعية لا تعزز الأمان بل تعزز الشعور بالإنتماء ويعملان من خلال الثقة بالنفس وكلاهما معا يتم تعزيز الشعور بالأمان، هذا بالاضافة الي مشاركة المحيطين حولك بهدف مشترك يتم إنجازه وكلما تم التقدم فيه يعزز الشعور بالسيطرة وهذا أيضا يعزز مشاعر الأمان لدي الجميع، لذلك ففي بناء العلاقات القوية والتواصل مع أشخاص مهمين يبادلونك نفس الإهتمام هذا يفعل ويعزز مشاعر الأمان لديك، ويساعدك علي إدارة الضغوط والخروج منها، لذلك لا استغناء عن كل ما سبق ولكن لا يجب أن يكون أساس الحياة ولا التمركز داخلها بل علينا التركيز في أنفسنا وعلاقتنا بالله، وباقي الأشياء والأشخاص لا يدرجوا إلا ضمن كل ما هو ثانوي وغير أساسي مهما كانت اهميتهما، فلا يوجد أهم من " انا " ونفسيتي وراحة بالي، أساعد الكل.. نعم، أخدم الكل.. نعم، ولكن ليس علي حساب راحتي النفسية والروحية.
________________________________
٥
الخاتمة
- إزاي تعيش أفضل :
إن أهمية السؤال " إزاي تعيش كده؟ " تدفعنا نحو السؤال " إزاي تعيش أفضل؟ " أن تكون عكس كل ما هو سلبي، أن تكون إيجابيا طول الوقت فلا تكون " أصل مرارة " فلا تصير متعبا للغير بل إنسانا مريحا لكل من يتعامل معك، فالشخصية المريحة تتمتع ببعض السلوكيات المقبولة للجميع ومريح في تعاملاته، فكن دائما متفائلا وثق بأن لكل أزمة حل ولكل أزمة وقت وتمر ولا تذكر فيما بعد، وكن صبورا فيما أنت عليه وإسعي دائما لتصير الأفضل، إحترم ذاتك ليحترمك الكل، لا تكون عابس الوجه بل في تفائلاتك وإيمانك بأن الرب معك يجعلك سعيدا بشوش الوجه وهذا يكون نابع لسلامك وهدوءك.
الشخص المحترم هو من لا يعمل علي إستغلال الأخرين ولا يسير فيه ولو بخطوة صغيرة، فالشخص المستغل للاخرين دائما يتلاعب بالألفاظ ويستخدم كلمات تحمل أكثر من معني كي يستطيع الهروب من أي مسائلة، وطريقته دائما هي الخداع ليستفيد أكبر إستفادة من الأخرين، لذلك كن حذرا من إستغلال الأخرين لك فإذا شعرت أنك مرغوب فيه أو مجبر علي فعل شيئ وتفعل لإرضاء الآخرين فقد تكون ضحية إستغلال من الأخرين لك. أيضا الشخص المستغل لديه إستعداد للتزوير من أجل المكاسب فهذا ضمن إمور التلاعب وعدم الامانة التي لديه، لذلك أدعوك أن ترفض من الأخرين كل ما ليس في حقهم نحوك، اما انت فكن صريحا وصحيحا في كل شيئ هذا ما قاله بولس لتيموثاوس ولتيطس ايضا " إِلَى تِيمُوثَاوُسَ، الابْنِ الصَّرِيح فِي الإيمَانِ: نِعْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَسَلامٌ مِنَ الله أَبِينَا وَالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. (١تى ١ : ٢) (تى ١ : ٤) فالشخص الصحيح المحترم صريح دائما وواضح ولا يسير بوجهين.
المطلوب من كل ما لديه نخوة إنسانية أن يسير في طريق إنسانيته بالطبيعة الجميلة التي خلقه بها الله، يستمر في مساعدة الاخرين ولا يفرق بينهم لا في عرق أو دين أو جنس، ويسير في دائرة الحق والعدل والخير ويتصدي دائما للظلم وللظالمين ولا يبالي بخسائر العلاقات لأنه لا يحتفظ إلا بالعلاقات الصحيحة والسليمة والجيدة، فدائرة النفاق لديه ساقطة ولا يسير فيها، وبالتالي لا يعرف الكذب والخيانة، فهو يحسب دائما من الشرفاء والنبلاء نظرا لوجود ما يميزه من تصرفات حميدة عن غيره، لأنه يستند في علاقاته علي أجواء صحيحة من الحب وإحترام الغير وتبادل الثقة لتعزيز مشاعر الأمان لدي الأخرين وبالتالي يتم من خلاله دعم الغير لتعزيز مشاعر الفرح والسعادة
- تشابه الشخصيات :
عندما نقول الطيور على أشكالها تقع هذا معناه أن لكل إنسان شخصيته الخاصة والتي يشابهها في الكون باشخاص آخرين فيجتمعا معا ويتقاربا لسبب التشابه الذي بينهم، وأوجه التشابه قد تكون جسدية أو نفسية أو سلوكية، فتشابه بعض الأبناء لأبائهم يرجع الي العوامل الجينية - والعشرة الطويلة فيما بينهم في بيتهم أو منزلهم، ولسبب النظام والمبادئ التي يمارسونها تجمعهم معا وتقربهم أكثر بعضهم لبعض، ايضا العوامل البيئية تجعل من بعض الشخصيات متشابهة بعضهم لبعض وعندما يجتمعا في مصلحة أو عمل واحد يقتربا معا بعضهم لبعض، فتشتبه الشخصيات واقترابهما بعضهم لبعض قد يكون مفيدا لانجاز عملا بناء وقد يكون ضارا بالأخص إذا دخلوا في دائرة المنافسة والصراع، فالتشايه بين الشخصيات اكثرهم يدخلون في دوائر إرتباط أكثر من المنافسة والصراع ولا سيما عندما يجتمعا معا لإنجاز هدف او عمل ما، إن الأعمال أو الأهداف التي تجمع الشخصيات معا يكمن في معرفة هوية بعضهم بعضا، وتحديد معالم ما يريدون تحقيقه، فليس فقط ما يجمع المتشابهين مصالح، ولكن ما يجمعهم ويربطهم معا هي المبادئ التي أخذت اهتمامهم معا.
إجتمع المسيح بتلاميذ وإرتبطوا معا، لوجود هدف متشابه بينهم، فالمسيح يبحث عن أشخاص لديهم هدف المشاركة الجماعية، فذهب لصيادي السمك فهم يعملون كفريق واحد، ولذلك عندما دعاهم تركوا كل شيئ وتبعوه، وأيضا عندما ذهب لأشخاص منفردين تركوا أعمالهم وتبعوه، لأنهم وجدوا فيه القائد الذي يغني عن أي شكل أخر من أشكال التسلط، فالمسيح قائد من نوعية فريدة مختلفة، وعندما ساروا معه تمسكوا اكثر به عندما رأوا وسمعوا تعاليمه، فقد وجدوا فيه واهب الحياة والخلاص الأبدي، لذلك ساروا معا وإستمروا وكانوا هم أداة قوية لإنتشار الإيمان المسيحي
لابد من كل إنسان معرفة نفسه وتحديد هويته ولماذا هو هنا؟ لماذا يعيش؟ ولأي هدف يريد أن يحقق؟ وإن لم يجد ايجابة لهذه الأسئلة فليسأل نفسه إزاي تعيش كدا؟ ازاي تعيش فاقد الهوية وليس لك هدف؟ كيف تعيش دون أن تسعي لتحقيق إنجازاتك الخاصة واهدافك؟ إن تحديد الهوية ومعرفة الذات والنفس أمر ضروري في الحياة، لأنك إن لم تعرف ذاتك وتحدد هويتك ستكون أنت هدف لتحقيق أهداف غيرك، فانت تحتاج أن تكون أنت هو لتحقيق ذاتك ومعرفة كينونتك، وليس أنت لأجل تحقيق أهداف أشخاص غيرك، وإن تشابهت اهدافك مع أهداف غيرك فلتجتمعا للانجازات دون أن يصير بينكم استغلالا او إنتهازية لتستطيعا الإستمرار والنجاح.
- أنت مهم جدا :
لابد من معرفة أنك مهم جدا وأن لك قيمة في الحياة، لك قيمة في ذاتك لأنك فريد ولا يوجد مثلك ولك في روحك ما يميزك سواء إكتشفت ما يميزك أو لم تكتشف، فأنت مهم جدا قادر علي التفكير والتعليم والعطاء والإبداع وطريقتك تختلف عن طريقة من حولك ولا تسمح لأحد يقلل من قيمتك أو من ذاتك، فأنت فرد في مجتمع ولوجودك هدف وتأثير فعال ويمكنك المساهمة في إزدهار مجتمعك ونموه، فأنت من تطفي لمجتمعك قيمة ولا تستمد قيمتك من مجتمعك، " سَعِيدٌ هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَتَرَأَّفُ وَيُقْرِضُ. يُدَبِّرُ أُمُورَهُ بِالْحَقِّ. (مز ١١٢ : ٥) فكن انت صاحب سعادتك في مجتمعك، لأن من يعطي قادر أن يأخذ، فمن يستمد قيمته من مجتمعه سيأتي اليوم الذي يفقد ذاته لان مجتمعه إستغني عن خدماته، أما من يمتلك قيمته يكون قادرا علي منح هذه القيمة لمجتمعه.
أنت كائن روحي في المقام الأول ولديك إمكانيات تفوق إمكانيات كل الخلائق، وهذه قيمة لا يستهان بها، لذلك فانت من تهتم بك السماء وتسعي الملائكة لخدمتك، ويحاول الشيطان جاهدا العمل علي تقليل كيانك وقيمتك ووضعك الروحي، أنت من لك صلة مباشرة مع الله من خلال الصلاة وكلمته المقدسة، لذلك لا يستهن بك أحد وإستمر في إعلاء قيمتك ووضعك الذي خلقك عليه الله، لذلك إحترم نفسك وقدر قيمتك وإعلم بأنك مهم جدا لدي نفسك وأمام الله وملائكته
الله خلقك لتصير سعيدا جدا، أما إبليس والعالم يسعيان دائما لإطفاء روح القلق والإنزعاج الدائم، علي حياتك، لذلك فإن مفتاح سعادتك هو في يدك أنت وليس في يد غيرك، فمن يمتلك سعادتك امتلك نفسك وخطف روحك، فلا تعطي لأحد فرصة ليكون مفتاح سعادتك، فمفتاحك معك وكل من حولك عوامل مساعدة إذا فُعلت فأهلا بها وإن لم تُفعل وشعرت بعجزها فلا تبالي فليسوا هم سعادتك وفرحك، إن السعادة في داخلك وتُفعل بإيمانك بالله وبمحبته لك وأنه وحده هو أمنك وأمانك ونبراس نفسك ( نقراس = ضوء - نور - مصباح ) فهل تتكل عليه أم علي كل ما هو زائل، فبزوال المصدر يزول معه التأثير، فتمسك بالدائم الوجود وهو الله، فسعادتك عندما تبني علي مبادئه يستمر تأثيرها في حياتك بلا توقف، لذلك سير في مبادئ الله " حِدْ عَنِ الشَّرِّ وَافْعَلِ الْخَيْرَ، وَاسْكُنْ إِلَى الأبَدِ. لأنَّ الرَّبَّ يُحِبُّ الْحَقَّ، وَلا يَتَخَلَّى عَنْ أَتْقِيَائِهِ. إِلَى الأبَدِ يُحْفَظُونَ. أَمَّا نَسْلُ الأشْرَارِ فَيَنْقَطِعُ. (مز٣٧ : ٢٧-٢٨) أصلي أن تصير في دائرة الصلاح والتمسك بالحق وتمتليئ برا ونموا وازدهارا لمجد الله في حياتك
________________________________

تعليقات
إرسال تعليق