دراسة في سفر راعوث
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراسة
في سفر راعوث
بقلم
القس عماد عبد المسيح
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقدمة
يُشرفني أن أدرس في سفر راعوث السفر الذي يحتوي
علي رموز ومعاني وموضيع كثيرة ، لذلك دعونا ندرس معاً وبتأني المواضيع التي إنفرد
بها هذ السفر ، سفر يحكي عن كيفية دخول الأممية وسط شعب الرب وتمسكها بإله اسرائيل
وخضوعها لحماتها إنتمائها الشديد لشعب الرب.
الشخصية المميزة في السفر هي شخصية رَاعُوث ،
فـ رَاعُوث الشخصية الأممية التي دخلت تاريخ بني إسرائيل بسبب إيماها وإنتمائها ،
وبُوعَزُ هو الشخص الذي عمل علي شراء واقتناء كل ما لرَاعُوث والتزوج منها لتأتي
بـ عُوبِيدَ الذي جاء من نسله المسيح ، فصارت بـ إقترانها بشعب الرب لها إمتياز أن
تكون جدة للمسيح في دائرة الناسوت .
راعوث نشأت في موآب البيت الوثني من نسل لوط
وبناته ، ولكن بإيمانها دخلت وسط شعب الرب ليقترن بها بوعز ويأتي من نسلها المسيح
، التزمت راعوث بنُعْمِي وبـ إله نُعْمِي ، أعلنت إيمانها فتركة بيت أبيها بما فيه
من وثن ، رفضت الالهه الوثنية وإلتصقت بإله السماء كما تعلمته من نُعْمِي .
* كاتب السفر :
ورد في قاموس الكتاب المقدس أنه لا يستطيع أحد
معرفة وقت كتابة السفر ولا تحديد شخصية
كاتبه ، ولكن بعض المفسرين نسبوا كتابة السفر إلى صموئيل، وآخرون إلى حزقيا،
وآخرون إلى عزرا.
* الإبتعاد رد فعل طبيعي : ( را ١ : ١ - ٣ )
عندما تتغير الظروف ويصير الحال أردأ مما كان
عليه ، يكون من الطبيعي تغيير نمط الحياة بحسب الظروف المحيطة ، فيتكلم السفر عن
أسرة تتكون من أربعة أفراد وهما " أَلِيمَالِك وزوجته نُعْمِي وابنيه
مَحْلُون وَكِلْيُونُ (را ١ : ٢) في زمن القضاة صار جوع فتغربوا من بيت لحم
الي بلاد مؤاب (را ١ : ١) تغربوا علي أمل العيش حياة أفضل وأعمق ، تغربوا كما
يتغرب كل إنسان يحتاج للأفضل ، ولكن للأسف لم يُكتمل حلمهما ، مات أَلِيمَالِك
ومات إبنيهما مَحْلُون وَكِلْيُونُ (را ١ : ٣) وبقيت نُعْمِي مع زوجات إبنيهما
عُرْفَةُ ورَاعُوثُ
* اليمالك ونعمي وموقفهما من أبناءهما :
( را ١ : ٤ -
١٤ )
( أَلِيمَالِك Elimelech ( : ( را ١ : ٢ ) جاء في العبري אלימלך وتنطق ĕlı̂ymelek وتعني : الهي ملك ،
وبسبب ظروف الأرض والمجاعة الحادثة في زمنه ترك أرض مولده وتغرب في بلاد مؤآب
الوثنية هو اسرته ، له زوجة تسمي نُعْمِي Naomi : ( را
١ : ٢ ) جاءت في العبري נעמי وتنطق :no‛ŏmı̂y وتعني : فرحة my delight لذتي ، اشتركة مع زوجها أَلِيمَالِك في التغرب عن بيت لحم اليهودية ، ومات
زوجها وولديها وبقيت وحدها ، فاليمالك له معني إسم رائع وزوجته كذلك ولكنهما في
تسمية أبنائهما لم يكونوا كذلك بل أخفقوا في دائرة المعاني ، بكل تأكيد عن قصد ولكن
لماذا ؟ لا أدري!
عندما أنجب اليمالك ابناءه تم تسمية الأول محلون
الثاني كليون ومعانيهما مريض واضمحلال ، إنها أسماء تحتاج
للتغيير ، فقد ظلمهم اليمالك عندما اطلق عليهم هذه الإسماء ، مَحْلُون Mahlon : ( را
١ : ٢ ) جاء في العبري מחלון وتنطق :machlôn ماكلون وتعني : مريض sick ، وهو زوج رَاعُوثRuth : ( را ١ : ٤) جاءت في العبري רוּת وتنطقrûth
وتعنيfriendship صديقة – جميلة ، يالها من أوضاع ، مريض يأخذ صديقة جميلة ، لذلك مات
المريض وبقيت الجميلة لتدخل في نسب المسيح .
من المؤسف علي الأباء اللذين يطلقون علي
أبنائهم أسماء تحمل معني مريض - حزين - تعيس - فاشل ، فجميع هذه الأسماء يصير لها طابع سيئ علي
أصحابها ، فلنراعي هذا عند تسمية أبنائنا ، يا لها من أسماء تُمرض من ليس بمريض ،
اريد أن أسأل اليمالك لماذا فعلت هذا بأبناءك ؟ فتسميتهم كانت بمثابة تنبؤ
علي حياتهم بالموت وقد كان ، لا يوجد لدينا معلومات عن حياة محلون ولكن القصة تقول
أنه مات صغير وترك زوجته شابة ، هكذا أخيه الأصغر كِلْيُون Chilion :
( را ١ : ٢ ) جاء في العبري כּליון وتنطق : kilyon̂ وتعني : فناء - إضمحلال
، وهو زوج عُرْفَةُOrpah : ( را ١ : ٤ ) جاءت في العبري ערפּה وتنطقorpâh وتعني gazelle غزالة ـ عرف أو رقبة ، فالإسم له معني يختلف عن زوجها الذي له
معني يجلب الموت والدمار ، مات اليمالك وترك زوجته وأبناءه ومات كليهما وتركا أمه
وزوجاتهم ، العائلة تدمرت ورحلت عرفة " ....... فَقَبَّلَتْ عُرْفَةُ
حَمَاتَهَا، وَأَمَّا رَاعُوثُ فَلَصِقَتْ بِهَا. (را ١ : ١٤) وبقيت راعوث مع
نعمي ليبدئا رحلة حياة جديدة ومختلفة
*
من أربعة الي ستة ومن ستة الي إثنان :
( را ١ : ١٣ -
٢١ )
من أكثر الإمور التي تملأ القلب بالحزن
والأستياء أن يكون المرء في الإزدياد وسرعان نجد في حياته نقصان مفاجئ بلا مقدمات
، فيمتليئ القلب بالحزن والأسي ، ذهب اليمالك لبلاد مؤاب أربعة أفراد ، أربعة
أفراد محتفظين بمبادئ الملكوت داخلهم ، وإختاروا زوجات لأولادهم فساروا ستة أفراد
، الإمور في إزدياد ولكن ابتدأ الوضع في النقصان الي خمسة مروراً الي ثلاثة
وانتهاءً الي إثنان ، هذا يفكرني بحالات بعض الكنائس التي تجد فيها نمواً ملحوظاً
الي مستوي الترك وبالتالي يصاب المؤمن المسئول بحالة من الحزن والإكتاب ، ففي
موضوعنا مع أبيمالك كانت أنه مات وترك نعمي تواجه الحياة بمفردها ، وأولادها
فقدتهم ، فلا يوجد سنيد لا أب ولا إبن ، فلم يتبقي لها إلا زوجات أبنائها "
فَقَامَتْ هِيَ وَكَنَّتَاهَا وَرَجَعَتْ مِنْ بِلاَدِ مُوآبَ، لأَنَّهَا سَمِعَتْ
فِي بِلاَدِ مُوآبَ أَنَّ الرَّبَّ قَدِ افْتَقَدَ شَعْبَهُ لِيُعْطِيَهُمْ
خُبْزًا. وَخَرَجَتْ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ وَكَنَّتَاهَا
مَعَهَا، وَسِرْنَ فِي الطَّرِيقِ لِلرُّجُوعِ إِلَى أَرْضِ يَهُوذَا. (را ١ :
٦ ، ٧) طريق العودة.
طريق العودة مليئ بالحزن والضيق وحيرة القلب
فكيف ستواجه اهل بيت لحم ، هذا بالإضافة الي أنها عرضت علي كنتيها الرجوع وتركها
بمفردها فرجعت عُرفة وبقيت معها راعوث " فَقَالَتْ نُعْمِي
لِكَنَّتَيْهَا: "اذْهَبَا ارْجِعَا كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى بَيْتِ أُمِّهَا.
وَلْيَصْنَعِ الرَّبُّ مَعَكُمَا إِحْسَانًا كَمَا صَنَعْتُمَا بِالْمَوْتَى
وَبِي. (را ١ : ٨) نعم المشهد مُعتم جداً ولكن مع هذه العتمة تقف راعوث موقف
رجولي في مستوي إيمانها : " فَقَالَتْ رَاعُوثُ: "لاَ تُلِحِّي
عَلَيَّ أَنْ أَتْرُكَكِ وَأَرْجعَ عَنْكِ، لأَنَّهُ حَيْثُمَا ذَهَبْتِ أَذْهَبُ
وَحَيْثُمَا بِتِّ أَبِيتُ. شَعْبُكِ شَعْبِي وَإِلهُكِ إِلهِي. حَيْثُمَا مُتِّ
أَمُوتُ وَهُنَاكَ أَنْدَفِنُ. هكَذَا يَفْعَلُ الرَّبُّ بِي وَهكَذَا يَزِيدُ.
إِنَّمَا الْمَوْتُ يَفْصِلُ بَيْنِي وَبَيْنَكِ". (را ١ : ١٦ - ١٧) موقف
راعوث شديد الإيمان يخرج من إمرأة لها خلفية وثنية ، فقد تركت الهة أهلها وتمسكت
بإله السماء .
ليعلم القارئ أن الموقف الإيماني شديد الفاعلية
وقوي التفاعل سواء كان علي حق أو علي باطل ، فمن يؤمن بأن التمثال يسمع ويستجيب
ويُصلي له ويسجد له ويقدم له التقديس فلن يُثنيه أي فكر مضاد لأن مع كل إيمان باطل
مستوي من الغباء " اَلْغَبِيُّ يُصَدِّقُ كُلَّ كَلِمَةٍ، وَالذَّكِيُّ
يَنْتَبِهُ إِلَى خَطَوَاتِهِ. (أم ١٤ : ١٥) فمن هو في دائرة الغباء يتعصب من
أجل إيمانه ولا يعطي حرية العقيدة لمن يخالفه ، فمن هو في دائرة الغباء يقتل من
أجل إيمانه ، وعلي النقيد فمع كل إيمان حقيقي مستوي من الحكمة فالحكيم يمتلئ
بمخافة الرب ويتعامل بالمنطق والحُجة "
..... هُوَذَا مَخَافَةُ الرَّبِّ هِيَ الْحِكْمَةُ، وَالْحَيَدَانُ
عَنِ الشَّرِّ هُوَ الْفَهْمُ". (أي ٢٨ : ٢٨) فقد إمتلئت راعوث بكل حكمة
وبكل الفهم ، لأنها أمنت بإله نُعمي ، ربما كان تأثير إيمان زوجها محلون أو حماها
اليمالك أو رأت فيهما جميعاً تجسيداً عملياً للإيمان الحقيقي فتمسكت بحماتها وفضلت
الغربة في بلد غريبة بإيمان حقيقي عن أن تتواجد في بلدة ممتلئة خير مع إيمان باطل
المؤمن الحقيقي يمتلئ بالمحبة تجاه الأخرين ولا
يُعادي أحداً ، هذا ما قاله الرسول بولس عن كنيسة أفسس " لِذلِكَ أَنَا
أَيْضًا إِذْ قَدْ سَمِعْتُ بِإِيمَانِكُمْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَمَحَبَّتِكُمْ
نَحْوَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، (أف ١ : ١٥) فمن يمتلئ بالإيمان حتماً ولابد
أن يمتلئ بالمحبة تجاه الأخرين ، فإمتلئت راعوث بمحبة تجاه نُعمي وشعب نُعمي واله
نُعمي بالرغم من موت حميها وزوجها وأخية ، لكنها لم تربط هذا بـ إله السماء
وينتابها شعور بأن الله هو الصانع هذا وهو المُذِل ، هذا بعكس ما قالته نُعمي
عندما رأها أهلها وعشيرتها " فَذَهَبَتَا كِلْتَاهُمَا حَتَّى دَخَلَتَا
بَيْتَ لَحْمٍ. وَكَانَ عِنْدَ دُخُولِهِمَا بَيْتَ لَحْمٍ أَنَّ الْمَدِينَةَ
كُلَّهَا تَحَرَّكَتْ بِسَبَبِهِمَا، وَقَالُوا: "أَهذِهِ نُعْمِي؟"
(را ١ : ١٩) فقد كان ظاهر عليها الحزن والكسرة والمذلة ، فقد كانت تدرك جيداً معني
إسمها ( فرحة ) " فَقَالَتْ لَهُمْ: "لاَ تَدْعُونِي نُعْمِيَ بَلِ
ادْعُونِي مُرَّةَ، لأَنَّ الْقَدِيرَ قَدْ أَمَرَّنِي جِدًّا. إِنِّي ذَهَبْتُ
مُمْتَلِئَةً وَأَرْجَعَنِيَ الرَّبُّ فَارِغَةً. لِمَاذَا تَدْعُونَنِي نُعْمِي،
وَالرَّبُّ قَدْ أَذَلَّنِي وَالْقَدِيرُ قَدْ كَسَّرَنِي؟" (را ١ : ٢٠ ،
٢١) لم يفعل بها القدير هذا بل إن إختيارهما ( ي وزوجها ) لأسماء أبنائهما
وإختيارهما للتغرب والإبتعاد عن بيت لحم هو الذي فعل هذا ، فلم يكن إختيار موفق ،
فالرب هو إله التعويض والرفعة ، الرب هو إله السندة والمعونة ، فالقدير لا يذل ولا
يكسر ، بل يُجبر ويشفي .
* مقابلة ابو العز فرصة يتم صناعتها :
( را ٢ : ١ -
١٢ )
وقفت نُعمي وحيدة لا تدري الي أين تذهب
وبجانبها راعوث إمرأة غريبة من بلد بعيدة ، لذلك وجب عليها ( نعمي ) البحث عن من
هو القريب الذي يستطيع أن يساعدها فلم تجد غير رجل قريب لزوجها ، ولكنها لم تُفكر
فيه في بادئ الأمر " وَكَانَ لِنُعْمِي ذُو قَرَابَةٍ لِرَجُلِهَا،
جَبَّارُ بَأْسٍ مِنْ عَشِيرَةِ أَلِيمَالِكَ، اسْمُهُ بُوعَزُ. ( را ٢ : ١) بُوعَزُ Boaz : ( را ٢ : ١ ) : جاء في العبري בּעז وتنطق bô‛az وتعني ابو العز .
اختارت راعوث أن تذهب لتلتقط سنابل حسب عادة
اليهود " فَقَالَتْ رَاعُوثُ الْمُوآبِيَّةُ لِنُعْمِي: "دَعِينِي
أَذْهَبْ إِلَى الْحَقْلِ وَأَلْتَقِطْ سَنَابِلَ وَرَاءَ مَنْ أَجِدُ نِعْمَةً
فِي عَيْنَيْهِ". فَقَالَتْ لَهَا: "اذْهَبِي يَابِنْتِي". (را
٢ : ٢) وكـ نظام الناموس لا يُسمح لأصحاب الحقول من اليهود إثناء الحصاد لا
يلتقطون ما يسقط منهم في الحقول ويتركوه للفقراء والغرباء المتواجدون في المدينة
"وَعِنْدَمَا تَحْصُدُونَ حَصِيدَ أَرْضِكُمْ لاَ تُكَمِّلْ زَوَايَا
حَقْلِكَ فِي الْحَصَادِ. وَلُقَاطَ حَصِيدِكَ لاَ تَلْتَقِطْ. ( لا ١٩ : ٩ )
وكما في " وَعِنْدَمَا تَحْصُدُونَ حَصِيدَ أَرْضِكُمْ، لاَ تُكَمِّلْ
زَوَايَا حَقْلِكَ فِي حَصَادِكَ، وَلُقَاطَ حَصِيدِكَ لاَ تَلْتَقِطْ.
لِلْمِسْكِينِ وَالْغَرِيبِ تَتْرُكُهُ. أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ". (لا
٢٣ : ٢٢) وجاء نصيب راعوث في حقل بوعز .
أبو العز السماوي يري من السماء ويريد أن يُكرم
راعوث التي قبلت أن تكون من ضمن شعب الله وتعيش كواحدة منهم ، لذلك جاء إهتمام
الله بها وبـ نُعمي ، رتب الله لها أن يكون نصيبها في حقل بوعز - ابو العز الأرضي
( را ٢ : ٣ ) وكان الترتيب السماوي أن بوعز يأتي لبيت لحم في حقله ويلفت انتباه
وجود هذه الفتاه فيسأل " لِمَنْ
هذِهِ الْفَتَاةُ؟" ( را ٢ : ٥ ) ويعرف أنها مُوآبِيَّةٌ رجعت مع نُعمي
ودار حوار إكرام من بوعز لراعوث " فَقَالَ بُوعَزُ لِرَاعُوثَ: "أَلاَ
تَسْمَعِينَ يَابِنْتِي؟ لاَ تَذْهَبِي لِتَلْتَقِطِي فِي حَقْلِ آخَرَ، وَأَيْضًا
لاَ تَبْرَحِي مِنْ ههُنَا، بَلْ هُنَا لاَزِمِي فَتَيَاتِي. (را ٢ : ٨) من
أجل أبيمالك ونُعمي تم إكرام راعوث ، هذا جانب من الجوانب التي تفتح ابواب الكرم ،
ولكن الباب الأكثر فاعلي هو في راعوث.
نُعمي واليمالك يُمكن أن يشيران الي الواقع
المرتبط بالماضي ، اما بوعز فيشير الي المستقبل فُلك النجاة ، وراعوث تشير الي
النفس البشرية ، فكلٍ منا له ماضي جعل الحاضر
في أجواء مظلمة وليس له معالم ، ولكن لسبب تصرف ( فعل ) ايماني ينال المرء
نعمة في عين الرب فيفتح الأبواب المغلقة ويجعل مّن حولنا يقتبون فلا نشعر بالغربة
أو بالوحدة ، وننسي تعب الماضي والامه ، ففتح بوعز باب الكرم علي مصراعيه " عَيْنَاكِ
عَلَى الْحَقْلِ الَّذِي يَحْصُدُونَ وَاذْهَبِي وَرَاءَهُمْ. أَلَمْ أُوصِ
الْغِلْمَانَ أَنْ لاَ يَمَسُّوكِ؟ وَإِذَا عَطِشْتِ فَاذْهَبِي إِلَى الآنِيَةِ
وَاشْرَبِي مِمَّا اسْتَقَاهُ الْغِلْمَانُ". (را ٢ : ٩) هذا أيضاً ما
يريده الرب م المؤمنين أن يستمروا داخل الحقل يعملون ويحصدون ويرتوون ، العين يجب
أن لا تغيب عن النظر الي الحقل ، دفع بوعز راعوث للعمل ، فلم يُكرمها شفقةً بل
دفعها لتنال ما تريده بكل كرامة وعزة نفس ، وأزال العوائق من أمامها.
كان لراعوث إحساس بأنها غريبة في وطن ليس لها
فيه حق " فَسَقَطَتْ عَلَى وَجْهِهَا وَسَجَدَتْ إِلَى الأَرْضِ وَقَالَتْ
لَهُ: "كَيْفَ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ حَتَّى تَنْظُرَ إِلَيَّ
وَأَنَا غَرِيبَةٌ؟ (را ٢ : ١٠) إنه إحساس كل متجدد جديد ولكل مؤمن حديث يقترب
نحو الحقائق دون أن يتعامل معها كصاحب حق ، وهنا يأتي دور الرب بإزالة العوائق
ودور المؤمنين في عدم انتهار حديثي الإيمان ، فأوصي بوعز الغلمان أَنْ لاَ
يَمَسُّوكِ (را ٢ : ٩) ثم يُجيب بوعز علي السؤال رافعاً راعوث في مكانة إيمانية
رائعة لسبب ما فعلته من أجل الإحتماء تحت مظلة يهوة " فَأَجَابَ بُوعَزُ
وَقَالَ لَهَا: "إِنَّنِي قَدْ أُخْبِرْتُ بِكُلِّ مَا فَعَلْتِ بِحَمَاتِكِ
بَعْدَ مَوْتِ رَجُلِكِ، حَتَّى تَرَكْتِ أَبَاكِ وَأُمَّكِ وَأَرْضَ مَوْلِدِكِ
وَسِرْتِ إِلَى شَعْبٍ لَمْ تَعْرِفِيهِ مِنْ قَبْلُ. لِيُكَافِئِ الرَّبُّ
عَمَلَكِ، وَلْيَكُنْ أَجْرُكِ كَامِلاً مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ
الَّذِي جِئْتِ لِكَيْ تَحْتَمِي تَحْتَ جَنَاحَيْهِ". ( را ٢ : ١١ ، ١٢
) لذلك يجب أن نُدرك أن كل خطوة إيمانية نخطوها في الماضي سنحصد أجرتها وثمرها في
وقت لا نعلمه ، فقد تركة راعوث حماية الألهة الوثنية ببيت أبيها وإلتجأت لتحتمي
تحت جناح يهوة ، فقد قدر بوعز هذا العمل وهذه الروح التي براعوث وأكرمها ، فلن
يترك الرب إيمانا يضيع في زخم الحياة بل إنه محفوظ لزمن الكرم.
* رفع الشأن والتقدير تعويضات إلهية :
( را ٢ : ١٣ -
٢٣ )
راعوث تعني الجميلة وبالفعل جميلة بتركها عبادة
الأوثان والعمل علي عبادة الإله الحي ، وأخذت كل اللغة الروحية التي لشعب الله ،
فقالت لبوعز " لَيْتَنِي أَجِدُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ (را ٢ : ١٣)
فقد عرفت بأن الله يوجِد نعمة وسط شعبه ليتعامل بعضهم مع بعض بحسب المشيئة
الإلهية ، فعرفت راعوث ان ما حدث معها
نعمة الهية صنعها لله لحياتها بأن أكرمها ببوعز ورفع شأنها ، لذلك قال لها بوعز
" .... عِنْدَ وَقْتِ الأَكْلِ تَقَدَّمِي إِلَى ههُنَا وَكُلِي مِنَ
الْخُبْزِ، وَاغْمِسِي لُقْمَتَكِ فِي الْخَلِّ". فَجَلَسَتْ بِجَانِبِ
الْحَصَّادِينَ فَنَاوَلَهَا فَرِيكًا، فَأَكَلَتْ وَشَبِعَتْ وَفَضَلَ عَنْهَا.
(را ٢ : ١٤) إن هذا الإهتمام من بوعز في أول يوم عمل تقدير الهي .
عندما ينال إنساناً تقديراً من الله يكون قد
دخل في دائراً الغلاوة والكرامة ، فقد كان يعقوب عزيزاً في عيني الرب " إِذْ
صِرْتَ عَزِيزًا فِي عَيْنَيَّ مُكَرَّمًا، وَأَنَا قَدْ أَحْبَبْتُكَ. أُعْطِي
أُنَاسًا عِوَضَكَ وَشُعُوبًا عِوَضَ نَفْسِكَ. (إش ٤٣ : ٤) لذلك كان عملية
خلاص نفسه والسياج علي حياته من أهم القضايا الروحية التي يصنعها الرب من اجله ،
لانه يجب معرفة الفرق بين محبة الله الثابتة للجميع ودرجة الغلاوة التي لك في
المسيح المرتبطة بمستوي ايمانياتك ، فالرب
يحب الجميع حتي الخطاة ولكن أن تكون من الغاليين فعليك فعل شيئاً يليق بالرب
وخدمته ، وهذه الغلاوة تظهر لك في دائرة تعامل الاخرين معك ، فعلي سبيل المثال
يقول " إِذَا أَرْضَتِ الرَّبَّ طُرُقُ إِنْسَانٍ، جَعَلَ أَعْدَاءَهُ
أَيْضًا يُسَالِمُونَهُ. (أم ١٦ : ٧) فمن يسير بموجب هذا القانون سينال مستوي
من الغلاوة تكون نتيجتها السلام في حياته مع جميع من حوله .
ما فعلته راعث تجاه إعلان إيمانها جعلها في
دائرة الرضا الإلهي وبالتالي إستطاعت أن تجد نعمة في أعين من تعاملوا معها ونالت
التقدير والتعويض ورفع الشأن " ثُمَّ
قَامَتْ لِتَلْتَقِطَ. فَأَمَرَ بُوعَزُ غِلْمَانَهُ قَائِلاً: "دَعُوهَا
تَلْتَقِطْ بَيْنَ الْحُزَمِ أَيْضًا وَلاَ تُؤْذُوهَا. فَالْتَقَطَتْ فِي الْحَقْلِ إِلَى الْمَسَاءِ،
وَخَبَطَتْ مَا الْتَقَطَتْهُ فَكَانَ نَحْوَ إِيفَةِ شَعِيرٍ. (را ٢ : ١٥ ،
١٧) كل من يسير في دائرة القوانين الروحية الكتابية المعلنة في الحق الكتابي
يستطيع أن يتمتع بالبركات الإلهية ودوائر الشبع وتسديد الإحتياجات ، حملت راعوث
مَا الْتَقَطَتْهُ بَعْدَ شِبَعِهَا. (را ٢ : ١٨) وذهبت به عند حماتها فقالت لها
" أَيْنَ الْتَقَطْتِ الْيَوْمَ؟ وَأَيْنَ اشْتَغَلْتِ؟ لِيَكُنِ
النَّاظِرُ إِلَيْكِ مُبَارَكًا". فَأَخْبَرَتْ حَمَاتَهَا بِالَّذِي
اشْتَغَلَتْ مَعَهُ وَقَالَتِ: "اسْمُ الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَغَلْتُ مَعَهُ
الْيَوْمَ بُوعَزُ". (را ٢ : ١٩) هنا أدركت نُعمي أن الذي يتحرك مع راعوث
هو يهوة الإله الحي وأن زمن التعويضات الإلهية بدأ " فَقَالَتْ نُعْمِي
لِكَنَّتِهَا: "مُبَارَكٌ هُوَ مِنَ الرَّبِّ لأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ
الْمَعْرُوفَ مَعَ الأَحْيَاءِ وَالْمَوْتَى". ثُمَّ قَالَتْ لَهَا نُعْمِي:
"الرَّجُلُ ذُو قَرَابَةٍ لَنَا. هُوَ ثَانِي وَلِيِّنَا". (را ٢ :
٢٠) زمن التعويض هو زمن الحصاد والخير الوفير .
في زمن الحصاد لا يجب أن يسير المؤمن منفرداً
في حياته وفي خدمته ، بل عليه الإقتراب من الجميع لينال خيرًا من الرب مستخدماً
إخوته في نفس منطقة الحصاد ، فقال بوعز لراعوث واتفقت معه نعمي " لاَزِمِي
فِتْيَانِي حَتَّى يُكَمِّلُوا جَمِيعَ حَصَادِي". (را ٢ : ٢١) لم يقول
لها لازمي الفتيات بل فتياتي ، أي العاملات المرتبطات ببوعز ، فقد وضعها في اصطف
العاملات المرتبطات ببوعز لرفع الشأن في كل إمور راعوث نفسياً وجسدياً ، هذا ما
يريده الرب من المؤمنين أن يرتبطوا بعضهم ببعض بالمحبة والمودة والرحمة والسكن
والإكرام لينالوا من الرب كل ما هو للمجد والبركات والإستخدام ، هذه كانت وصية
الرب للتلاميذ " وَهَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ مَوْعِدَ أَبِي.
فَأَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ
الأَعَالِي". (لو ٢٤ : ٤٩) وبالفعل إرتبطوا بعضهم ببعض الي أن حل الروح
القدس عليهم وكان إستخدام الرب لهم عظيماً " وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ
يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ
الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِابْتِهَاجٍ
وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ،مُسَبِّحِينَ اللهَ، وَلَهُمْ نِعْمَةٌ لَدَى جَمِيعِ
الشَّعْبِ. وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ
يَخْلُصُونَ. (أع٢: ٤٦-٤٧) ملازمة الفتيات اعطي للراعوث مستوي من البركات ،
وملازمة المؤمنين بعضهم ببعض يعطي مستوي من البركات والإستخدام الإلهية ،
*
طلب الراحة بالطريق الشرعي :
( را ٣ : ١ - ٩ )
بحثت نُعمي عن الراحة بطريقة غير شرعية روحياً
، فقد بحثت عنها في البلاد الغريبة عن يهوة الإله الحي ، فزوجت ابنائها لزوجات
مؤابيات ، ففقدت الكل ولم يبقي لها غير راعوث التي تمسكت بـ يهوة إله العبرانيين ،
لا نستطيع أن نقول أن موت زوجها وابنائها نتيجة وجودها في بلد غريب ، ولكن الوجود
في بلد غريب ليس بها مّن يسير بنفس النهج الروحي يصير أمراً متعباً عندما تسوء
الأحوال ، ولكن في البلد التي يقطن فيها الأحباء اللذين يعرفون الرب فعندما تسوء
الأحوال سنجد من يأخذ بيدنا ويسندنا ، وعندما نتلمس للراحة يوجِد الرب لنا مّن
يكون مفتاح للراحة لذلك طلبت نُعمي من راعوت أن تسمع لها فيما ستطلبه لتصنعه تجاه
بوعز " وَقَالَتْ لَهَا نُعْمِي حَمَاتُهَا: "يَابِنْتِي أَلاَ
أَلْتَمِسُ لَكِ رَاحَةً لِيَكُونَ لَكِ خَيْرٌ؟ (را ٣ : ١) نظرت نُعمي لبوعز
الرجل القريب لها لكي تجد لها ولراعوث راحة بطريق شرعي (را ٣ : ٢) فبوعز وقف بجانب راعوث وقت حصيد
القمح ، ولكن جاء وقت حصيد الكروم ولن يكون فتيات تلتقط وراء الحصادين ولن يكون
لراعوث تواجد في نطاق بوعز ، لذلك التمست نُعمي لرعوث أن تذهب وتتواجد في دائرة
بوعز لتنال حق الحماية والولاية (را ٣ : ٩) ولن يحدث هذا إلا عندما تتواجد في
دائرته .
هكذا نري في علاقاتنا مع بوعزنا الأعظم شخص
المسيح ، لن يكون لنا حق ولايته لنا إلا من خلال تواجدنا في دائرته " وَأَمَّا
كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ
اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. (يو ١ : ١٢) حق الولاية لا يصير بدون
قبول من القلب ومن كل الكيان ، فالتواجد في نطاقه يمنح لنا الفرصة لننال كل
البركات والفيض الإلهي ، وننال داخلنا كل يقينية الخلاص من عبودية الماضي " إِذْ
لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ
التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ:"يَا أَبَا الآبُ". ( رو ٨ : ١٥
) ، ( رو ٨ : ١٦ ) ، ( رو ٨ : ٢٩ ) ، ( ١يو
٣ : ١ ) فإقتراب راعوث لتكون في دائرة بوعز فرصة يجب صناعتها والإهتمام
بحدوثها .
أوصت نُعمي لراعوث قائلةً : "
فَاغْتَسِلِي وَتَدَهَّنِي وَالْبَسِي ثِيَابَكِ وَانْزِلِي إِلَى الْبَيْدَرِ،
وَلكِنْ لاَ تُعْرَفِي عِنْدَ الرَّجُلِ حَتَّى يَفْرَغَ مِنَ الأَكْلِ
وَالشُّرْبِ. وَمَتَى اضْطَجَعَ فَاعْلَمِي الْمَكَانَ الَّذِي يَضْطَجعُ فِيهِ،
وَادْخُلِي وَاكْشِفِي نَاحِيَةَ رِجْلَيْهِ وَاضْطَجِعِي، وَهُوَ يُخْبِرُكِ
بِمَا تَعْمَلِينَ". (را ٣ : ٣ ، ٤) إغتسال راعوث والتدهن ولبس الثياب
يمنح لها مستوي من الجمال لتجد نعمة في عينيه فيُفعِل في حياتها دائرة الولاية ،
هذا هو ما يريدنا الرب أن نعيشه في علاقاتنا مع ولينا الأعظم ، فالإغتسال هنا
مرتبط روحياً بحياة السلوك المرضي وحياة القداسة العملية ، والتدهن إشارة إلي مسحة
الروح في حياة المؤمن والإقتراب الي حياة الإمتلاء بالروح القدس ، أما لبس الثياب
إشارة الي حياة الإستعداد الدائم لخدمة الرب في دائرة الملكوت ، أما وصية نُعمي
لراعوث بعدم التواجد في دائرته إلا بعد نومه ، فهذا يعني التواصل مع ولينا في وقت
الرضا وفي وقت مستريح فيه تجاهنا ، وكشف ناحية رجليه إشارة الي إعلان حالة الخضوع
له وطاعته " فَنَزَلَتْ إِلَى الْبَيْدَرِ وَعَمِلَتْ حَسَبَ كُلِّ مَا
أَمَرَتْهَا بِهِ حَمَاتُهَا. (را ٣ : ٦)
أكل بوعز شرب وإضطجع وعند إنتصاف الليل إضطرب
عندما رأي إمرأة مضطجعة عند رجليه ( را ٣ : ٧ ، ٨ ) وكان السؤال : " فَقَالَ:
"مَنْ أَنْتِ؟" فَقَالَتْ: "أَنَا رَاعُوثُ أَمَتُكَ. فَابْسُطْ
ذَيْلَ ثَوْبِكَ عَلَى أَمَتِكَ لأَنَّكَ وَلِيٌّ". (را ٣ : ٩) إن كانت
راعوث طلبت من بوعز ولايته بتواجدها في نطاق راحته ، فإلهنا يهتم بنا ويرعانا
ويدعونا للتواجد دائماً في نطاق راحته أيضاً ، ونطاق الراحة لن يُفعل إلا من خلال
الطاعة والإيمان " وَلِمَنْ أَقْسَمَ: "لَنْ يَدْخُلُوا
رَاحَتَهُ"، إِلاَّ لِلَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا؟ فَنَرَى أَنَّهُمْ لَمْ
يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا لِعَدَمِ الإِيمَانِ. (عب ٣ : ١٨ - ١٩ ) الطاعة
والإيمان أبواب التمتع بتفعيل دائرة الولاية التي لنا في المسيح ، إن إيمان وطاعة
راعوث فتح الباب لها لتجد نعمة في عين بوعز .
* من راعوث لدائرة الكنيسة الكتابية :
( را ٣ : ١٠ - ١٨ )
تعبيرات ومصطلحات في غابة الجمال والقوة من
بوعز تعمل علي رفعة من توجه له هذه الكلمات ، فقد قال لراعوث : " إِنَّكِ
مُبَارَكَةٌ - أَحْسَنْتِ مَعْرُوفَكِ - لَمْ
تَسْعَيْ وَرَاءَ الشُّبَّان - لاَ تَخَافِي - كُلُّ
مَا تَقُولِينَ أَفْعَلُ لَكِ - أَنَّكِ امْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ.
(را ٣ : ١٠ ، ١١ ) منح الرب راعوث فرصة مقابلة بوعز رجل صالح تقي يعرف اله إسرائيل
ويُقدر من يُقدرون يهوة ، فراعوث تركت أهلها وديانتها والهتها والتصقت بحماتها
وشعب الرب وفوق الجميع أمنت بـ يهوة ، لذلك لم يتركها بل وقف بجوارها وفتح أمامها
أبواب للتعويض الـ إلهي من خلال بوعز ، الذي رأي
فيها أربعة فضائل " إِنَّكِ مُبَارَكَةٌ - أَحْسَنْتِ
مَعْرُوفَكِ - لَمْ تَسْعَيْ وَرَاءَ الشُّبَّان - أَنَّكِ
امْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ. " بسبب هذه الفضائل التي رأها بوعز وجد طريق
لتفعيل البركات والرعاية والحماية لراعوث ،
يريد الرب ان يري في النفس البشرية أو في
الكنيسة ، هذه الفضائل ليستطيع أن يُفعِل
البركات والرعاية والحماية ، فهل الرب يري
في كنيسته هذا المستوي الذي رأها بوعز في راعوث ؟ بكل تأكيد معاملات الله مع
كنيسته دائماً من أجل إحضارها للمجد الأبدي أمام الأب مقدسة ومجيدة وبلا دنس أو
عيب " لِكَيْ يُقَدِّسَهَا،
مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ،لِكَيْ يُحْضِرَهَا
لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ
مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ. (أف٥: ٢٦-٢٧) فالرب
يعمل في الكنيسة لتصل لهذا المستوي ، فكل مؤمن سار في طريق الغسل بماء الكلمة سيُحسب من ضمن الغالبين (رؤ ٢ : ٧) ، (رؤ ٢ :
١١) ، (رؤ ٢ : ١٧) ، (رؤ ٢ : ٢٦) ، (رؤ ٣ : ٥) ، (رؤ ٣ : ١٢) ،(رؤ ٣ : ٢١) لأن
مقومات الغلبة ممنوحة ومتاحة لكل مؤمن ، هذه المقومات تكمن في حياة الصلاة (خر ١٧ :
١١) بالتقوي (1صم ٢ : ٩) بعمل الخير ( رو ١٢ : ٢١) الإيمان ( 1يو ٥ : ٤) ، ( 1يو ٥ : ٥) وسيأتي اليوم الذي يقول الرب فيها
للمؤمن " لِذلِكَ أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ، كُلُّ مَنْ
يَدِينُ. لأَنَّكَ فِي مَا تَدِينُ غَيْرَكَ تَحْكُمُ عَلَى نَفْسِكَ. لأَنَّكَ
أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ تَفْعَلُ تِلْكَ الأُمُورَ بِعَيْنِهَا! (رو ٢ : ١)
فياليتنا نعيش في دئرة الايمان والتقوي والحق الكتابي لننال من الله ما لنا من
حقوق روحية .
تقدير بوعز لراعوث لم يُنسيه حق الغير في
الولاية " وَالآنَ صَحِيحٌ أَنِّي وَلِيٌّ، وَلكِنْ يُوجَدُ وَلِيٌّ
أَقْرَبُ مِنِّي. بِيتِي اللَّيْلَةَ، وَيَكُونُ فِي الصَّبَاحِ أَنَّهُ إِنْ
قَضَى لَكِ حَقَّ الْوَلِيِّ فَحَسَنًا. لِيَقْضِ. وَإِنْ لَمْ يَشَأْ أَنْ
يَقْضِيَ لَكِ حَقَّ الْوَلِيِّ، فَأَنَا أَقْضِي لَكِ. حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ.
اِضْطَجِعِي إِلَى الصَّبَاحِ" ( را ٣ : ١٢ ، ١٣ ) لن ينسي وعوده لراعوث
ففي كل الاحوال سيقضي سواء قام هو أو ولي أخر له نفس الحق ، بالإضافة إنه عندما
صرف راعوث لبيت حماتها لم يصرفها فارغة بل اعطي له من كرم الرب الذي علي حياته
" ثُمَّ قَالَ: "هَاتِي الرِّدَاءَ الَّذِي عَلَيْكِ وَأَمْسِكِيهِ".
فَأَمْسَكَتْهُ، فَاكْتَالَ سِتَّةً مِنَ الشَّعِيرِ وَوَضَعَهَا عَلَيْهَا، ثُمَّ
دَخَلَ الْمَدِينَةَ. (را ٣ : ١٥) لم يطلقها فارغة ، هذا المبدأ يحتاج أن نكون
عليه كمؤمين لا نُطلق من يأتي لزيارتنا إلا وهو ممتليئ من بركات سواء كانت روحية
أو جسدية ، فالعطاء والكرم يجب أن يكون سلوك أساسي في دائرة حياتنا وعلاقاتنا .
راعوث كانت خاضعة لحكمة حماتها التي كانت
تدفعها نحو التواصل الشرعي لنوال حق الحماية والرعاية " فَقَالَتِ:
"اجْلِسِي يَابِنْتِي حَتَّى تَعْلَمِي كَيْفَ يَقَعُ الأَمْرُ، لأَنَّ
الرَّجُلَ لاَ يَهْدَأُ حَتَّى يُتَمِّمَ الأَمْرَ الْيَوْمَ". (را ٣ :
١٨) أشارت نُعمي علي راعوث أن تجلس وتهدأ وتنتظر حتي يتتم بوعز الأمر ، وهذا
يدفعنا كمؤمنين أن نستمع لمن هم في حكمة وفطنة وخبرة الزمان ، فلم تكن يوماً راعوث
متكبرة تسير بلا مشورة لكنها كانت مستمعة جيدة وحكيمة ، لذلك جلست تنتظر خلاص بوعز للأمر ، ونحن ككنيسة ما
علينا إلا أن ننتظر أمام الرب حتي يتمم الأمر دون أن نكون مضطربين أو منزعجين ،
فقد كانت كلمات بوعز لراعوث " لا تخافي " (را ٣ : ١٠ ، ١١ ) وها
وعد الرب لكنيسته أيضاً أن تسير في هذا لعالم مطمئنة هادئة بلا خوف (إش ٤١ : ١٠) ، (إش ٤١ : ١٣) ، (إش ٤١ : ١٤) ،
(إش ٤٣ : ١) ، (إر ١ : ٨) ، (لو ١٢ : ٣٢) ، (رؤ ٢ : ١٠) فالرب يهتم بإمور حياتنا
ولن يهدأ حتي يتمم الأمر لأنه الصادق الأمين الأعظم من بوعز في اهتمامه براعوث.
*
الفكاك وضمان الحقوق :
( را ٤ ١ - ٢٢ )
بوعز الرجل المهتم بقضية راعوث ونعمي ، أما
الولي الأقرب ( فلان الفلاني ) لم يكن مهتماً أو يستطيع أن يحمل كل الحمل ، فقد
كان عابراً أمام بوعز عند الباب ، فناداه ليجلس في مجلس الشيوخ للقضاء ( را ٤ : ١
-٢ ) هذا الـ فلان الفلاني كان معروفاً لبوعز ولكن لأنه رفض أن يكون ولي لراعوث
ونعمي لم يذكر الوحي إسمه لا في كلمة الله ولا في نسب المسيح ، فقد كان مرحلة
عاجزة عن فعل شيئ ، هذا يذكرنا بالناموس الذي عجز عن خلاص النفس البشرية وإحتاج
الأمر لمن يمتلك مستوي النعمة ليتحرك بها ويخلص من يقبل اليه " لأَنَّهُ
مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ،
فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ
الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ، (رو ٨ : ٣) فقد صار الناموس
مرحلة في حياة الجنس البشري عجزت عن فعل شيئ " الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا
مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ. (رو ٣ : ١٢) جاء
المسيح بالنعمة ليكون بديلاً عن الناموس الذي عجز في خلاص الجنس البشري ، وصنع
المسيح الفداء لنا بعمل النعمة الغنية "
وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ بِالنِّعْمَةِ
أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ (أف ٢ : ٥) فالولي الأول فلان الفلاني اشارة للناموس
، والثاني بوعز اشارة للنعمة .
الولي الأول فلان الفلاني عُرض عليه حّمل كل
الحِمل ( شروة واحدة ) ولكنه رفض لان يريد الأرض ليعملها ولكنه لا يريد اقامة نسل
بالنيابة عن بكر ابيمالك الذي مات في الأرض الغريبة " ثُمَّ قَالَ لِلْوَلِيِّ:
"إِنَّ نُعْمِيَ الَّتِي رَجَعَتْ مِنْ بِلاَدِ مُوآبَ تَبِيعُ قِطْعَةَ
الْحَقْلِ الَّتِي لأَخِينَا أَلِيمَالِكَ. فَقُلْتُ إِنِّي أُخْبِرُكَ قَائِلاً:
اشْتَرِ قُدَّامَ الْجَالِسِينَ وَقُدَّامَ شُيُوخِ شَعْبِي. فَإِنْ كُنْتَ
تَفُكُّ فَفُكَّ. وَإِنْ كُنْتَ لاَ تَفُكُّ فَأَخْبِرْنِي لأَعْلَمَ. لأَنَّهُ
لَيْسَ غَيْرُكَ يَفُكُّ وَأَنَا بَعْدَكَ". فَقَالَ: "إِنِّي
أَفُكُّ". (را ٤ : ٣ ، ٤) فالأرض لتوسيع نطاقه أما اقامة نسل فليس له
استطاعة ( را ٤ : ٥ ، ٦ ) هذا ما صنعه الناموس ، فلم يستطيع أن يلد بنين ( ابناء )
ولكنه يستطيع أن يزيد عدد المتكلين علي الأعمال ، فالولي الأول لم يستطيع أن يفك
وترك الأمر للولي الثاني " فَقَالَ بُوعَزُ لِلشُّيُوخِ وَلِجَمِيعِ
الشَّعْبِ: "أَنْتُمْ شُهُودٌ الْيَوْمَ أَنِّي قَدِ اشْتَرَيْتُ كُلَّ مَا
لأَلِيمَالِكَ وَكُلَّ مَا لِكِلْيُونَ وَمَحْلُونَ مِنْ يَدِ نُعْمِي. (را ٤
: ٩) ونال بوعز مباركة الفاهمين للحق ولعمل الصلاح لشعب الرب .
نال بوعز مباركة الشيوخ " فَقَالَ
جَمِيعُ الشَّعْبِ الَّذِينَ فِي الْبَابِ وَالشُّيُوخُ: "نَحْنُ شُهُودٌ.
فَلْيَجْعَلِ الرَّبُّ الْمَرْأَةَ الدَّاخِلَةَ إِلَى بَيْتِكَ كَرَاحِيلَ
وَكَلَيْئَةَ اللَّتَيْنِ بَنَتَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ. فَاصْنَعْ بِبَأْسٍ فِي
أَفْرَاتَةَ وَكُنْ ذَا اسْمٍ فِي بَيْتِ لَحْمٍ. (را ٤ : ١١ ١٢ ) وتمنوا له
الإثمار والإكثار ، وهكذا نالت راعوث استقراراً في احضان بوعز واعطاها الرب حبلاً
فولدت إبناً " فَأَخَذَ بُوعَزُ رَاعُوثَ امْرَأَةً وَدَخَلَ عَلَيْهَا،
فَأَعْطَاهَا الرَّبُّ حَبَلاً فَوَلَدَتِ ابْنًا. (را ٤ : ١٣) فجميع النساء
الموجودات حول نعمي قدموا لها التهنئة وتمنوا لها التمتع بالتعويض الإلهي " فَقَالَتِ
النِّسَاءُ لِنُعْمِي: "مُبَارَكٌ الرَّبُّ الَّذِي لَمْ يُعْدِمْكِ وَلِيًّا
الْيَوْمَ لِكَيْ يُدْعَى اسْمُهُ فِي إِسْرَائِيلَ. وَيَكُونُ لَكِ لإِرْجَاعِ
نَفْسٍ وَإِعَالَةِ شَيْبَتِكِ. لأَنَّ كَنَّتَكِ الَّتِي أَحَبَّتْكِ قَدْ وَلَدَتْهُ،
وَهِيَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ سَبْعَةِ بَنِينَ". (را ٤ : ١٤ ، ١٥)
ولد عوبيد ومعني اسمه " عبد
" هكذا سمته الجارات حول نعمي " فَأَخَذَتْ نُعْمِي الْوَلَدَ
وَوَضَعَتْهُ فِي حِضْنِهَا وَصَارَتْ لَهُ مُرَبِّيَةً. وَسَمَّتْهُ الْجَارَاتُ
اسْمًا قَائِلاَتٍ: "قَدْ وُلِدَ ابْنٌ لِنُعْمِي" وَدَعَوْنَ اسْمَهُ
عُوبِيدَ. هُوَ أَبُو يَسَّى أَبِي دَاوُدَ. (را ٤ : ١٦ ، ١٧) وبدأ يُكتمل
السل الذي سيقترب كثيراً من نسل انساب المسيح ، لذلك يذكر الوحي الإنسال بادئاً من
فارص منهياً بـ داود " وَهذِهِ مَوَالِيدُ فَارَصَ: فَارَصُ وَلَدَ
حَصْرُونَ، وَحَصْرُونُ وَلَدَ رَامَ، وَرَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ،
وَعَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ، وَنَحْشُونُ وَلَدَ سَلْمُونَ، وَسَلْمُونُ
وَلَدَ بُوعَزَ، وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ، وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى، وَيَسَّى
وَلَدَ دَاوُدَ. (را ٤ : ١٨ - ٢٢) هذا النسل كما جاء في انجيل متي ، لذلك نري
راعوث المؤابية ذكر قصتها هنا وذكر إسمها في متي " وَسَلْمُونُ وَلَدَ
بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ. وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوثَ. وَعُوبِيدُ
وَلَدَ يَسَّى. (مت ١ : ٥) يالها من كرامة ما بعدها كرامة ، فالتي تركت كل شيئ
وتبعت يهوة إستحقت أن تُحسب من ضمن نسب المسيح ، ويُذكر إسمها بكل فخر ، لذلك قائي
العزيز لا تندم علي قرار أخذته وخسرت الكثير في عالم الزمنيات من أجل المسيح ،
فسيعوضك الرب هنا وفي الأبدية أيضاً " وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتًا أَوْ
إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا
أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي، يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الْحَيَاةَ
الأَبَدِيَّةَ. (مت ١٩ : ٢٩) فهل لك اليوم ثقة بأن الرب لن يُضيع أجرك وتعب
محبتك وامانتك ؟

تعليقات
إرسال تعليق