الإستنزاف الفكري

 


  
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإستنزاف الفكري

بقلم القس

عماد عبد المسيح عطية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الإستنزاف الفكري

 

        ما يهم العدو هو أستنزاف الأطراف المعادية له ليستطيع أن يتحكم ويسيطر علي من حوله ، ولأن عدونا هو إبليس لذلك يجب علينا أن نفيق فلا نستنزف فكرياً ، لأن الإستنزاف في معجم المعاني هو : " استنفاد القوة والطاقة ـ وهي حالة تهدف الي القضاء علي القدرات واللإمكانيات بالتدرج الي أن يتم استنفادها " فهي حالة من الهلاك والفناء التدريجي ، وهي حالة من العتمة والظلمة علي الفكر فينتاب صاحبها الحيرة وعدم الراحة ، هذه الحالة تجعل الإنسان متجنب بعض حياة الإنفتاح علي النور لأنه وُضع في دائرة من المشاكل التي ليست لها حل ، أو دائرة من العلاقات الغير سوية التي تجعل الإنسان مستنزف فكرياً ، نري هذا أيضاً  في كل بعيد غن الله فحياة الإستنزاف الروحي رفيق حياته ، لذلك لا يقوي علي السير في نور المسيح لأن ليس له طاقة روحية في روحه ، والطاقة الموجودة هي طاقة نفسية سريعاً يتم استنزافها بأقل القليل من الهموم والأتعاب " فَأَقُولُ هذَا وَأَشْهَدُ فِي الرَّبِّ: أَنْ لاَ تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ أَيْضًا بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ ، إِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ. ( أفسس ٤ : 17 ، ١٨ ) فالإنسان ( مؤمن أو خاطي ) في داخله طاقة ليستطيع أن يقترب للرب ولكلمته ، لذلك تجد الخاطي الشرير مُستنزف فكرياً في خطاياة وشعوره دائماً بأنه أفضل مِن مَّن في الكنائس مع الشعور بعدم استحقاقه للإقتراب نحو المقدسات ، فتجده مُستنزفاً فكرياً فلا يقوي لفهم إمور الله ، فقد حدث للذهن بُطل وظلمة وجهل روحي فيصير الإنسان غليظ القلب تجاه إمور الله.

        أما المؤمنين الذي يجب أن يكونوا في كامل قواهم الروحية وأحضانهم مفتوحة للأخرين تجد في داخل اجتماعاتهم وخدمتهم إستنزاف فكري غير عادي لأن صارة الأولويات متبادلة لديهم ، فالأهم هو الإنسان وليس الإمور الخدمية الروحية ، فالمقدسات كأماكن العبادة والوعظ والإمور الخدمية ليست هي الأهم والتي يجب علي المؤمنين التجند لخدمتها ، بل ليعلم كل مؤمن أن الوعظ والتسبيح والخدمات الكنسية هي لأجل الإنسان وليس الإنسان لأجلها ، ففي اجتماعنا معاً يصير الوعظ والشركة الروحية هي للتسلية الروحية وليس للصراع في من يكون في دائرة الإستخدام وتحت الأضواء ، فيتسابقون المؤمنون في من يأخذ نصيب أكبر من الخدمات الروحية فيصير واضحاً ظاهراً " فَإِنْ كَانَ وَعْظٌ مَا فِي الْمَسِيحِ. إِنْ كَانَتْ تَسْلِيَةٌ مَا لِلْمَحَبَّةِ. إِنْ كَانَتْ شَرِكَةٌ مَا فِي الرُّوحِ. إِنْ كَانَتْ أَحْشَاءٌ وَرَأْفَةٌ، فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْرًا وَاحِدًا وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا،لاَ شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا. ( فيلبى ٢ : 1 ـ  ٤ ) فلكي نكون بنفس واحدة يجب أن تكون الحياة بعيدة كل البعد عن الصراعات الكنسية أو الأسرية ، فحياة اللوم والإدانة تكمن في أن الإمور الخدمية التي للإنسان صار الإنسان من أجلها لذلك تجد استنزافاً في الوقت والجهد ، فيستنزف فكرياً ونفسياً وجسدياً ، وينتاب الإتسان شعوراً بعدم الرضا لأن الإمور الروحية صارة مسئولية إن لم تفعل يصير الإنسان ملاماً ومخطئاً .

الإمور الروحية لا يجب أن يكون الهدف من صناعتها والسير فيها هو ذاتها ، بل يجب أن يعلم صانعيها ومستخدميها أنه إن كان وعظ أو شركة في الروح أو عطاءات في أحشاء رأفة فكل هذا عبارة عن تسلية روحية في الروح القدس لحين مجيئ المسيح الثاني للإختطاف والسكني في السماء مع المسيح ، لذلك يقول الرسول " مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا،لاَ شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ " فكل ما نصنعه اليوم من علاقات بعضنا نحو بعض داخل الكنيسة أو الأسرة كأباء وأبناء ، كأزواج وزوجات ، ما نصنعه هو أننا نعيش معاً بتواضع بلا تحزب أو عحب ( إعجاب بالنفس ) فنقدم الأخر كأنه أفضل من أنفسنا ، ولكن لأن الذات والكبرياء قد يصاب به البعض فتصير الإمور الخدمية أهم من الإنسان ذاته ومن هنا يبدأ الصراع والإستنزاف الفكري .

الفكر الذي في المسيح يكمُن في خدمة بعضنا البعض بجدية لأجل تتميم مشيئة الله ، فيكون الإنسان عندي أهم من إمور الخدمة ، فقد فعل المسيح هذا بتجسده ، فقد كان الإنسان أهم لديه من الأوضاع الروحية والسمائية ، فأخلي نفسه أخذاً صورة عبد وسار في طريق الموت لأجل الإنسان ، فلم يكن إهتمامه الأول والأخير المقام اللاهوتي أو المجد السمائي بل قد كان الإنسان هو مشغوليته الأولي " فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ  ( فيلبى ٢ : 5 ـ ٩ ) فلماذا حياة الإستنزاف النفسي ؟ لماذا السرعات علي إمور الذات والأنا؟ دعونا نتحرك بعضنا تجاه بعض بفهم روحي ووعي ، لنُحب بعضنا بعض بقلب طاهر وبشدة ، فلا يفصلنا شيئاً ، فالهدف في الحياة ليس الوعظ ولا المنابر ولا الكراسي والمناصب بل خلاص نفس ، فبسبب الصراعات نحو السلطان الكنسي والمناسب الإدارية حدثت للكنيسة استنزاف فكري سيقود الكنيسة للهلاك والفناء إن استمرة علي هذا الحال ، فلنفيق من غفلتنا هذه .

أيضاً أناشد كل أسرة إبتدأ فيها الصراع نحو بعض بالمشاكل الخاصة بالنفس والذات مهما كانت ، فلتنتفضوا مسرعين نحو الحب والمحبة والبذل بعضنا من أجل بعض بالتواضع ومقدمين بعضكم بعضاً بالكرامة ، مبتعدين عن كل ما يقود نحو الإستنزاف الفكري والنفسي لتكون بيوتنا في سلام وفي قوة المسيح واستخدامات الروح القدس .

الفكر في دائرة الرب :

كي يكون الانسان في دائرة المشيئة الإلهية والسلام النفسي والروحي عليه أن يُدرك أن كل ما في العالم أعطي لا للصراعات والإسراع لنوال أكبر كمية أو اكبر شيئاً كنصيب زمني في العالم ، لأن كل هذا زائل وسيتركه الإنسان ، سيترك كل الجوانب التي في الحياة من جوانب روحية وزمنية ، سيترك اجتماعاً أنشأه أو مبني كنيسة قد شارك في بناءه ، فلا يجب التمسك به زمنياً ولكن يجب أن نعمل من اجل ملكوت الله وليس من أجل اسمائنا وذواتنا ، لمشاركتنا في أي عمل هدفه مجد الله اولاً واخيراً لحين مجيء المسيح علي السحاب الرجاء الذي ننتظره ، أو لحين ذهابنا إليه بالانتقال من هذا العالم.

فبسبب ارتباطنا بالاشياء والأشخاص أو بالكراسي او المراكز نجرح بعضنا البعض بل ويدوس الواحد علي الأخر ، فعندما تتركنا هذه الإمور نصاب بمشاعر سلبية لا يجب الشعور بها ، كثيرا ينتاب الإنسان الشعور بأنه لا يوجد من يشعر به وأنه غير مرغوب وغير محبوب ، فتبدأ مشاعر الإحساس بالترك والاحساس بالرفض وهاتين من أصعب المشاكل النفسية التي إن تملكت إنسان دمرته ودمرت أسرته ، وإن كان يقود عمل عليه باخذ إجازة والذهاب لمكان هادي ليهدأ وليُمكن داخله مشاعر مضادة للإحساس بالترك والإحساس بالرفض ، لأن مشاعر الإحساس بالرفض تقود الإنسان للشعور بأنه غير محبوب من الأخر وبالتالي يستقبل كل الأفعال التي من الأخر بحالة من الترقب والتدقيق الممل المرهق للأخرين ، ولذلك يحتاج مثل هذا الإنسان لفهم نفسه دون أن يُحمل علي الأخرين باللوم والإدانة والعتاب الكثير .

قال داود الملك لسليمان ابنه " وَأَنْتَ يَا سُلَيْمَانُ ابْنِي، اعْرِفْ إِلهَ أَبِيكَ وَاعْبُدْهُ بِقَلْبٍ كَامِل وَنَفْسٍ رَاغِبَةٍ، لأَنَّ الرَّبَّ يَفْحَصُ جَمِيعَ الْقُلُوبِ، وَيَفْهَمُ كُلَّ تَصَوُّرَاتِ الأَفْكَارِ. فَإِذَا طَلَبْتَهُ يُوجَدُ مِنْكَ، وَإِذَا تَرَكْتَهُ يَرْفُضُكَ إِلَى الأَبَدِ. (١أخ ٢٨ : ٩ ) الحل الأساسي لأي إنسان هو أن يعرف الله معرفة جيدة وبعمق وبالتالي سيكون سريع في الإستجابة للتعاملات الإلهية ، بل سيكون أيضاً سريع الإستجابة للتعديلات الروحية والنفسية ، إن كنت لا تفهم نفسك جيداً وإن كنت لا تري أحد يفهمك ويقدرك احسن تقدير ، فلا تبحث عن هذا بل لتفتكر شيئاً واحداً أنك في فكر الرب ، وأن فكر الرب تجاهك آخرة وسلام " لأَنِّي عَرَفْتُ الأَفْكَارَ الَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَفْكَارَ سَلاَمٍ لاَ شَرّ، لأُعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً. (إر ٢٩ : ١١) لا تترك مكانك للهروب من واقع مؤلم أنت أساسي فيه ، بل واجه مشاكلك بحكمة وبحزم حتي تعبر بأمان .

عندما تشعر بافكار رأسك تعمل بلا توقف فغير موقعك واعمل شيئاً تحبه كالقرأة أو الكتابة أو سماع الترانيم والعظات ، واستمر في فعل هذا لحين هدوئك هذا بجوار الصلاة والتفكير الإيجابي تجاه كل شيئ ،فإن كان الواقع مؤلم ولا تستطيع تغييره فلا تفكر فيه ، بل اتركه لأن الرب كفيل بتغيير كل شيئ لصالحك ولخيرك ، الصبر والإحتمال هو الباب الوحيد للخلاص من كل ما يتعب ويؤلم ، لأنه مهما كانت المشاكل فلك اله يشعر بك ويهتم ، إن حاكم بلدك لا يعرفك بالإسم وبالتالي لا يُفكر فيك وإن سقط لا يشعر بيك ، ولكن ملك الملوك ورب الأرياب مالك كل الكون يُفكر فيك كل لحظة ، وإن كنا لا نفكر فيه كما يفكر فينا ، ولكنه يهتم بأمرنا للنهاية " أَمَّا أَنَا فَمِسْكِينٌ وَبَائِسٌ. الرَّبُّ يَهْتَمُّ بِي. عَوْنِي وَمُنْقِذِي أَنْتَ. يَا إِلهِي لاَ تُبْطِئْ. ( مز ٤٠ : ١٧ ) لذلك اخي الغالي لا تحمل اثقالك لأنها ستكون ثقيلة وستحني ظهرك وتمرضك ، بل إلقي عليه همومك وثق أنه يحملها " أَلْقِ عَلَى الرَّبِّ هَمَّكَ فَهُوَ يَعُولُكَ. لاَ يَدَعُ الصِّدِّيقَ يَتَزَعْزَعُ إِلَى الأَبَدِ. ( مز ٥٥ : ٢٢ ) ففي القائك الهم علي الرب لا يدعك تسقط لأنه سيكون مسند يدك ، سيكون هو رفيق غربتك ، سيكون هو المهتم وسيحول كل شيئ لخيرك " مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ َتَثَبَّتُ خَطَوَاتُ الإِنْسَانِ وَفِي طَرِيقِهِ يُسَرُّ. إِذَا سَقَطَ لاَ يَنْطَرِحُ، لأَنَّ الرَّبَّ مُسْنِدٌ يَدَهُ. أَيْضًا كُنْتُ فَتىً وَقَدْ شِخْتُ، وَلَمْ أَرَ صِدِّيقًا تُخُلِّيَ عَنْهُ، وَلاَ ذُرِّيَّةً لَهُ تَلْتَمِسُ خُبْزًا. ( مز ٣٧ : 23 ـ ٢٥ ) كلي ثقة أن الرب يهتم وسيظل يهتم حتي النهاية لأنه عظيم.

الضيق الذي في العالم سيقابله مجد أبدي لذلك لا تتذمر بل واجه واقعك بكل حرية وبثقة ، التغيير من الرب والسندة من العلي وإنه لابد أن يتدخل ويغيير وفي الأبدية يُكافيئ " لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا. ( 2كو٤ : ١٧ ) فهو الأمين الذي لا ينسي كل تعب لم يُقدر وكل تضحية لم تقابل بمستواها ، ولكن الرب يقدر أن يقودك لبر الأمان لأنه يشعر بيك أكثر مما تشعر بنفسك ، هل تتذكر يوسف ؟ فقد جُرح وتألم ولكنه عوض من الرب أضعاف أضعاف ، فلم يكن يتصور أن الرب سيكون معه ليجعله كما صار بعد ذلك ، إقرأ معي كلمات الوحي عن يوسف " يُوسُفُ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ عَلَى عَيْنٍ. أَغْصَانٌ قَدِ ارْتَفَعَتْ فَوْقَ حَائِطٍ. فَمَرَّرَتْهُ وَرَمَتْهُ وَاضْطَهَدَتْهُ أَرْبَابُ السِّهَامِ. وَلكِنْ ثَبَتَتْ بِمَتَانَةٍ قَوْسُهُ، وَتَشَدَّدَتْ سَوَاعِدُ يَدَيْهِ. مِنْ يَدَيْ عَزِيزِ يَعْقُوبَ، مِنْ هُنَاكَ، مِنَ الرَّاعِي صَخْرِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ إِلهِ أَبِيكَ الَّذِي يُعِينُكَ، وَمِنَ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي يُبَارِكُكَ، تَأْتِي بَرَكَاتُ السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَبَرَكَاتُ الْغَمْرِ الرَّابِضِ تَحْتُ. بَرَكَاتُ الثَّدْيَيْنِ وَالرَّحِمِ. بَرَكَاتُ أَبِيكَ فَاقَتْ عَلَى بَرَكَاتِ أَبَوَيَّ. إِلَى مُنْيَةِ الآكَامِ الدَّهْرِيَّةِ تَكُونُ عَلَى رَأْسِ يُوسُفَ، وَعَلَى قِمَّةِ نَذِيرِ إِخْوَتِهِ.( تك ٤٩ : ٢٢ ـ 26 ) فهل تؤمن أن الرب سيباركك وسيكون مسند يدك ، في اسم المسيح أمين.

- لعدم الإستنزاف ابتعد عن :

- ١ - الارتباط بالأشياء والأشخاص :

الإنسان يستنزف عندما يرتبط باشياء وأشخاص قد يُستغلوا من إبليس لإستنزافنا ، ارتبط داود بإبنه الذي انجبه من زوجة أوريا الحثي فعندما كان مريضاً كان حزيناً فصام صوماً  " فَسَأَلَ دَاوُدُ اللهَ مِنْ أَجْلِ الصَّبِيِّ، وَصَامَ دَاوُدُ صَوْمًا، وَدَخَلَ وَبَاتَ مُضْطَجِعًا عَلَى الأَرْضِ. .... وَكَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ أَنَّ الْوَلَدَ مَاتَ، .... وَرَأَى دَاوُدُ عَبِيدَهُ يَتَنَاجَوْنَ، فَفَطِنَ دَاوُدُ أَنَّ الْوَلَدَ قَدْ مَاتَ. .. فَقَامَ دَاوُدُ عَنِ الأَرْضِ وَاغْتَسَلَ وَادَّهَنَ وَبَدَّلَ ثِيَابَهُ وَدَخَلَ بَيْتَ الرَّبِّ وَسَجَدَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى بَيْتِهِ وَطَلَبَ فَوَضَعُوا لَهُ خُبْزًا فَأَكَلَ.( 2صم ١٢ : ١٦ ـ 20 )  ، فقد استُنزف الفكر طول فترة مرض ابنه حتي أن مات الولد ، فقام داود وأكل وشرب ، إن الحزن علي من هو غالي او ثمين يقود الإنسان الي حياة الإستنزاف الفكري الذي قد يكون مؤقت لفترة زمنية محددة أو طول العمر ، ليكن ارتباطك بالأخرين ارتباط بدائرة الروح وليس بدائرة النفس ، لأن النفس في احاسيسها وفي حزنها تدمير الإنسان ، أما روح الإنسان ففي تقديرها للأحداث وللإمور تقود الإنسان للحكمة وارتفاع مستوي الخبرة العملية بطريقة سليمة ، أما عندما نتعامل مع نفس الاحداث والإمور بطريقة  نفسية ستكون العواقب وخيمة .

وقف داود يوماً أمام من ضايقوه ولم يتعامل معهم في بادئ الأمر بتصفيتهم ، بل تركهم لحين تسليم العرش لأبنه سليمان وأوصي بتصفيتهم جسدياً " وَأَنْتَ أَيْضًا تَعْلَمُ مَا فَعَلَ بِي يُوآبُ ابْنُ صَرُويَةَ، مَا فَعَلَ لِرَئِيسَيْ جُيُوشِ إِسْرَائِيلَ: ابْنَيْرَ بْنِ نَيْرَ وَعَمَاسَا بْنِ يَثْرٍ، إِذْ قَتَلَهُمَا وَسَفَكَ دَمَ الْحَرْبِ فِي الصُّلْحِ، وَجَعَلَ دَمَ الْحَرْبِ فِي مِنْطَقَتِهِ الَّتِي عَلَى حَقَوَيْهِ وَفِي نَعْلَيْهِ اللَّتَيْنِ بِرِجْلَيْهِ.فَافْعَلْ حَسَبَ حِكْمَتِكَ وَلاَ تَدَعْ شَيْبَتَهُ تَنْحَدِرُ بِسَلاَمٍ إِلَى الْهَاوِيَةِ.وَهُوَذَا مَعَكَ شِمْعِي بْنُ جِيرَا الْبَنْيَامِينِيُّ مِنْ بَحُورِيمَ، وَهُوَ لَعَنَنِي لَعْنَةً شَدِيدَةً يَوْمَ انْطَلَقْتُ إِلَى مَحَنَايِمَ، وَقَدْ نَزَلَ لِلِقَائِي إِلَى الأُرْدُنِّ، فَحَلَفْتُ لَهُ بِالرَّبِّ قَائِلاً: إِنِّي لاَ أُمِيتُكَ بِالسَّيْفِ.وَالآنَ فَلاَ تُبَرِّرْهُ لأَنَّكَ أَنْتَ رَجُلٌ حَكِيمٌ، فَاعْلَمْ مَا تَفْعَلُ بِهِ وَأَحْدِرْ شَيْبَتَهُ بِالدَّمِ إِلَى الْهَاوِيَةِ". (1مل٢: ٥-٦، ٨-٩) وجود بعض تصرفات الاخرين داخل الإنسان يقوده لمستويات فكرية متدنية لحين امتلاك الفرصة لنوال كل رغبة كامنة في الصدور ، فقد ظل داود يحتفظ داخل قلبه بأفعال يوأب وشمعي سنين طويلة ولم يجعل ابنه سليمان يتعامل بالرحمة مع هؤلاء ، فعندما تكمن أفعال الأخرين داخلنا يحدث إستنزاف لمستويات الرحمة والغفران داخل عقولنا ، فعندما يُطلب منا الغفران يكون من الصعب أو من المستحيل فعل هذا ، هذا غير التعب النفسي ، أما إن وضعنا للأخرين كما نريده لأنفسنا من حقوق وفاعليات فلن يحدث داخلنا تخزين أفعال بل سيكون لكل فعل من الأخرين أعذاره داخلنا ، فلا نصاب بالإستنزاف الفكري .

- ٢ -  لا ترضي الاخرين علي حساب نفسيتك بل بالحق :

          لسبب كلام الناس وتفادي الفهم الخاطئ يأتي الإنسان علي ذاته وعلي نفسه ويفعل ما لا يريد فعله ( يفعل مضطراً ) لذلك عليك قبل أن تّقدِم علي فعل أمر فكر جيداً وبهدوء ، هل ما سأفعله مناسب لي ولن يقودني في دائرة نفسية مؤلمة ؟ فإن كان مناسب لي فعل ما اريده لإرضاء الأخرين فالتحرك فيه سيكون رائعاً ومريح للنفس ، أما إذا كان غير مناسب لي فالإعتذار عن فعله أمر حتمي للإحتفاظ بالعلاقات لتكون سوية وبلا مشاكل ، أما التجاهل فهو درب من دروب الكبرياء ، فالوضوح والصراحة وعدم الكذب يجعلان للرضا وجود في الحياة " كَرَاهَةُ الرَّبِّ شَفَتَا كَذِبٍ، أَمَّا الْعَامِلُونَ بِالصِّدْقِ فَرِضَاهُ. (أم ١٢ : ٢٢) إن الشعور بالأخرين والإهتمام بمشاعرهم يجعلان الإنسان في كرامة وينال بركة من الرب ومدح وكرامة من الناس ، أما اللذين يسيرون لأهواء أنفسهم فسيكونون كشمعون ولاوي اللذان فعلا وقت رضاهما ما يحلوا لهم دون الألتفات لمشاعر وأحاسيس وحقوق الغير " شِمْعُونُ وَلاَوِي أَخَوَانِ، آلاَتُ ظُلْمٍ سُيُوفُهُمَا. فِي مَجْلِسِهِمَا لاَ تَدْخُلُ نَفْسِي. بِمَجْمَعِهِمَا لاَ تَتَّحِدُ كَرَامَتِي. لأَنَّهُمَا فِي غَضَبِهِمَا قَتَلاَ إِنْسَانًا، وَفِي رِضَاهُمَا عَرْقَبَا ثَوْرًا. مَلْعُونٌ غَضَبُهُمَا فَإِنَّهُ شَدِيدٌ، وَسَخَطُهُمَا فَإِنَّهُ قَاسٍ. أُقَسِّمُهُمَا فِي يَعْقُوبَ، وَأُفَرِّقُهُمَا فِي إِسْرَائِيلَ. ( تك ٤٩ : ٥ ـ 7 ) فكل متكبر ومتعجرف سيكون بلا مستقبل مشرق ، أما من يسير في طريق الإهتمام بالأخرين دون التحميل علي النفس سيستطيع أن يقدم الكثير ويكون مقبولاً .

 

          إن السعي لنوال رضا الأخرين أمر مُكلف جداً وفي غاية الشقاء والتعب ، لأن تمركز الهدف داخل الذهن للسعي وراء الرضا أمر في غاية المرار ، لأنك لن تُرضي الناس ولن تستطيع ، فتقديرات البشر ليست صائبة دائماً وقليلون هم من يقدرون الصالح الذي فُعل ، لكن لنسير في حياتنا الطبيعية من فروض وواجبات دون النظر في السعي وراء الرضا ، فقط عليّ أن أقدم للأخرين أعمال وأفعال بلا عيب كأني أقدمها لذاتي ، فبكل تأكيد ستُقبل ، فقد عّلمَ الرب الشعب قديماً أن يقدموا ذبيحة بلا عيب " كُلُّ مَا كَانَ فِيهِ عَيْبٌ لاَ تُقَرِّبُوهُ لأَنَّهُ لاَ يَكُونُ لِل‍رِّضَا عَنْكُمْ. ( لا ٢٢ : ‏٢٠ ) فعلاقتنا بالله يجب أن تكون جديدة وصالحة ، هكذا أيضاً في علاقاتنا بالأخرين ، فلا يجوز أن نأخذ لأنفسنا الثمين ونترك المهلهل للأخرين ، وكأنهم لا يهمونك ، فقط نفسي ثم نفسي ثم اسرتي ثم عائلتي والباقي ....... ( كمل أنت أيها القارئ ) إن الإنسان الصالح ليس المؤمن أو الخاطي ، فالصلاح دائرة روحية واجتماعية ، فقد يكون رجلا غير مؤمناً لكنه صالح في مبادئه ومعاملاته مع الأخرين ، فالصلاح عبارة عن مجموعة من المبادئ المقبولة مجتمعياً ودينياً ، والذي يسير فيها يصير صالحاً .

الشكر لله كذبيحة مستوي فكري وروحي ناضج يمنح الإنسان مستوي رائع من القوة ضد أي استنزاف فكري وضد أي دوائر اكتئاب قد تصاب بها نفسية الإنسان ، فلا يجب أن نقدم الشكر لله من أجل الرضا الالهي ، بل أن نشكر الله حباً فيه دون أي أغراض ، فالشكر ذاته يمنح فاعله الرضا الكامل من الأخرين .

الشكر لله ... ومن هو مستحق له ؟

كثيرون من الناس يقدمون الشكر لله ، وهم لا يدرون ان الشكر لله لا يخص الا مؤمنين في مستوي عالٍ من الحياة المكرسة ، والمستوي العالٍ من الروحانيات ، والعلاقة القوية جدا مع الرب من الاخذ والعطاء والاستخدامات ، ربما قارئي العزيز لا توافقني الموضوع في بادئ الامر ، لكن تمهل الي نهاية المقال حتي تدرك ان الله ينتظر مؤمنين في مستوي عال من الجودة والحياة المثمرة ، فالشكر الخارج منهم يكون بمثابة دائرة مجد عظيمة يُعطى لله .

الشكر وارتباطه بالذبيحة :

كان الشعب في العهد القديم لا يستطيع ان يقدم الشكر لله الا من خلال ذبيحة " إِنْ قَرَّبَهَا لأَجْلِ الشُّكْرِ، يُقَرِّبُ عَلَى ذَبِيحَةِ ‍الشُّكْرِ أَقْرَاصَ فَطِيرٍ مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ، وَرِقَاقَ فَطِيرٍ مَدْهُونَةً بِزَيْتٍ، وَدَقِيقًا مَرْبُوكًا أَقْرَاصًا مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ، ( اللاويين ٧ : ‏١٢ ) " فالشكر لا يقدم الا من خلال ذبيحة ، فمن اجل ذلك نري اليوم ان الشاكرون يقدمون ذبيحة لله علي اساس ذبيحة المسيح ، ولكن ليس وهم في حياة عدم التدقيق ، لأن هذا يكون سبب اهانة لله وليس اكراما له ، فجميع البشر العادييين يعيشون حياة عادية جدا وعندما تصادفهم اشياء حميدة او يحصلون علي مبلغ من المال او مكسب ما ،  يشكرون الله عليه ، لآنه هو العاطي ، ولكن هل هذا الشكر مقبول عنده ، هل يليق ان من هو ليس علي ذبيحة يقدم الشكر لله ، فيجب من يقدم الشكر ان يكون في اتحاد بذبيحة دائمة ، وبما انه اليوم لا توجد ذبائح دموية تقدم ، لأن ذبيحنا الاعظم قد قدُم من اجلنا "  إِذًا نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا عَجِينًا جَدِيدًا كَمَا أَنْتُمْ فَطِيرٌ. لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ‍ذُبح لأَجْلِنَا. ( 1كو٥ : ‏٧ ) فكل من يتحد بهذا الذبيح الاعظم فيحق له مبدئياً ان يقدم الشكر لله ، ويكون هذا الشكر نابع من انسان يعيش بحسب المشيئة الالهية ، ولا يكون مؤمن يسلك في دوائر الخصام والنزاع وعدم الامانة ، ويقدم لله شكراً ، فهذا المؤمن يحتاج اولا ان يتقدم الي الله بذبيحة المسيح لغفران خطاياه ثم يتقدم الي الله بذبيحة المسيح ليقدم الشكر لله .

بهذا المفهوم الكتابي نكون قد وصلنا الي الاتفاق بأنه لا شكر بدون ذبيحة ، ولا شكر من انسان لم يعترف بخطاياه لله ويتوب عنها توبة حقيقية علي اساس ذبيحة المسيح ، فهذا المفهوم يخلق لنا مؤمنون سالكون بحسب المشيئة الالهية ، لآن الله " وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ ‍السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ.  ( يو ٤ : ‏٢٣ ) فالأب طالب ساجدين لله بالروح ، والروح القدس لا يقود المؤمن ليسجد بالروح الا من خلال منظومة متكاملة ، وهذه المنظومة لا تكتمل الا علي اساس ذبيحة المسيح الكاملة التي ترضي قلب الله ، إنه طالب مؤمنون حقيقيون يعيشون بحسب قلب الله ، وقلب الله اظهره لنا في المسيح يسوع المعلن لنا في كلمته المقدسة ، فكل من اتحد بكلمة الله ، واستطاع ان يعيش من خلالها " فَقَطْ عِيشُو‍ا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيلِ ( فيلبى ١ : ‏٢٧ ) فالمؤمن الذي يكون حسب المشيئة ، الذي اذا قدم الشكر لله يكون شكرا مقبولا

الشكر في مستوي العبادة لله :

في العهد القديم كان الشكر يقدم لله من ضمن الخدمات كالتسبيح للرب ، هكذا أيضاً الشكر " وَجَعَلَ أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ مِنَ اللاَّوِيِّينَ خُدَّامًا، وَلأَجْلِ التَّذْكِيرِ وَ‍الشُّكْرِ وَتَسْبِيحِ الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ: ( 1أخ ١٦:‏٤ ) فكان امام تابوت الرب خداما لآجل عدة خدمات كالتذكير : التذكير بوعود الرب ، وخدمة التسبيح فهي خدمة تقدم المجد للرب ، كذلك خدمة الشكر فهي الخدمة  المنسية في كنائسنا ، فيجب ان يكون في الكنيسة فريق خاص بخدمة الشكر ، فيجلسون المؤمنين متحدون ويقدمون الشكر لله كذبيحة خاصة تختلف عن الترنيم والتذكير بوعود الرب ، فالشكر يقدم في روح الصلاة والخشوع لله ، مقترنا بملئ النعمة التي تساعد علي زيادة الشكر " لأَنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ هِيَ مِنْ أَجْلِكُمْ، لِكَيْ تَكُونَ النِّعْمَةُ وَهِيَ قَدْ كَثُرَتْ بِالأَكْثَرِينَ، تَزِيدُ ‍الشُّكْرَ لِمَجْدِ اللهِ ( 2كو٤ : ‏١٥ )  

خدمة الشكر في الكنيسة هي لجماعة من المؤمنين المتحدين بفكر واحد ، وليس وسط الكنيسة العامة بمترددينها ، لآنها ذبيحة تقدم لله من مؤمنين لهم الهدف الواحد واتجاه في الفكر الواحد ، لكن الكنيسة في هذه الأيام نراها مشغولة بفرق الترنيم كخدمة ظاهرة وسط الكنيسة ، وأيضا لآنها خدمة ممتعة وبهجة للنفس ، لذلك يتسابق عليها الجميع ، ولذلك تفقد رونقها وهدفها المرجوا منها ، وهذا يخلق مجموعات للترنيم منفصلة عن الكنائس ، كخدمات خاصة تسدد احتياجات الكنائس التي ليس لها فرق ترانيم لقلة الإمكانيات ، وهذه الفرق ما هي الا مجرد فرق

 

والقيادة الالهية للجماعة الواحدة ) ، والخدام ( فرق الخدمة ) حول التابوت ، اي أنهم يأكلون معا ويتغذون من وعود الرب في خدمة التذكير ، ويشكرون معا في فريق خدمة الشكر ويسبحون معا في فريق التسبيح ، اما فرق الترانيم المنفصلة ، فهم متحدون معا وليسوا في مستوي الكنيسة التي دعيوا اليها ( ربما هم في روحانية مرتفعة او منخفضة ) ولكنهم غير متحدين بنفس روح الجماعة الواحدة في الكنيسة  وربما ليس لهم كنيسة ( تابوت يقفوا امامه ويخدموا الرب ) فالخروج في انفصال عن الكنيسة في خدمة منفصلة وليسوا امام تابوت الرب وسط كل الجماعة ( المؤمنين داخل الكنيسة ) يجعل روح الترابط ووحدانية الروح غير متواجدة، وهذا ما يريده ابليس.

 

الرب يريدنا ان نعود ونشكل كنائسنا من الداخل ، ليعود التابوت الذي يحتوي علي وعاء المن ( وهذا يشير الي التذكر الدائم لمعية الله ) ، وعصا هارون التي أفرخت ( وهي تشير الي قوة الله الخروج ٧ : ‏١٢ ) ولوحا العهد ، وكان عليهما وصايا الله العشر المكتوبة بأصبع الله ( خر ٢٥ : ١٦ و٢١ و عب ٩ : ٣ و٤ ) ثم وضع بجانبه كتاب التوراة (تث ٣١ : ٢٦ ) فالتابوت بكل ما يحتوية وسط جماعة الله الواحدة الذين يتمتعون بمعية الله وقوته وكلمته ، يجعلهم مستمتعين بوحدانية الروح التي يجب ان نحافظ عليها " مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ. ( أف ٤ : ٣ ) ورباط السلام يعني الترابط معا وعدم الانقسام ، فكل فريق خدمة ينفصل عن روح الجماعة الواحدة ويكْون لنفسه روح جماعة واحدة اخري ، هذا يقود الكنيسة الي روح الضعف وعدم القوة ، لذلك نحتاج الي ان يعود للكنيسة هذه الروح الواحدة ، ويجتمعون جميعا حول تابون الرب وخدمات التذكير والشكر والتسبيح في كيان واحد وليس كيانات عديدة تساعد علي روح الإنقسام ، لا يليق ان يكون وسط جماعة الله فرق تسبيح منفصلة عن الكنيسة وليس لهم خدمة التذكير بوعود الله وخدمة  الشكر ، ويعيشون في كيان منفصل دون ان يكون لهم تعليم وبنيان روحي ، لذلك تجد داخل هذه المجموعات المنفصلة امراض روحية تحتاج الي علاج ، وهم لا يدركون بأمراضهم وبالتالي فهم غير ماثلون للشفاء ، بل الأكثر من ذلك يمكنهم نقل العدوة للأخرين ، فإن كان بينهم متعثر من بعض الكنائس او الخدام ، والتجأ لهذه المجموعة المنفصلة كي يجد ذاته وكيانه ، وربما كي يجد علاجه ، لكنه لا يدرك انه ربما في حديثه مع الغير ينقل للاخر نفس هذه الروح ، وتزداد رقعة العثرة ، ويخلق اجيال غير سوية  في الكنيسة .

الشاكر المستحق له :

مما سبق رأينا ان الشكر مرتبط بالذبيحة ، ومرتبط بكيان عبادة لله في دائرة الروح الواحدة وسط جماعة الله في الكيان الواحد المتمتع بالحضور الالهي المتمثل في تابوت العهد الذي وسط جماعة الله ، الملتفين حوله في خدمات التسبيح والتذكير والشكر ، لذلك رأيت بالروح القدس من خلال كلمة الله ان الشاكر هو الشخص الذي استطاع ان يتمتع بالبركة ، والمجد ، والحكمة وله من الكرامة ، وتمتع بحياة القدرة الالهية ، والقوة ، وهذه الامور لا يستطيع ان يتمتع بها فرد بعينه ، بل هي أمور مرتبطة بجماعة الله ، فالمؤمن من خلال جماعة المؤمنين ( الكنيسة التي تنتمي اليها ) ، وتكون هذه الجماعة او الكنيسة لها وحدانية الروح برباط السلام وليست مجموعة منفصلة لتأدية خدمة وسط المجتمع الكنسي ، لتقدم الشكر يجب ان تكون في نفس مستوي العريس المبارك ، فمن هو الذي يستحق الشكر ، اليس هو مالكها والهها ، فهو له " ....الْبَرَكَةُ وَالْمَجْدُ وَالْحِكْمَةُ وَ‍الشُّكْرُ وَالْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالْقُوَّةُ لإِلهِنَا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ! رؤ ٧ : ‏١٢ )

الكنيسة التي هي العروس يجب ان تكون في مستوي العريس ، فهو قد رفعها الي مستواه ، فهو الذي اجلسها علي الكراسي وجعلها تصلح لمملكة (حزقيال ١٦ : ١٣ ) ، هو الذي اعطي لها المواعيد العظمي والثمينة واعطي لها الطبيعة الالهية " كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ، ، اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ ‍الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ. ( 2بط ١ : ‏٤ ) من هنا نجد ان الكنيسة يجب ان تكون في مستوي البركة ( الاستخدام الالهي ) ، وتتمتع بمجد الله وتعيش حياة الحكمة ، هنا يحق لهذه الكنيسة ( جماعة المؤمنين ـ الكنيسة المحلية ) ان تكون كنيسة شاكرة تقدم الشكرلله ، ليس هذا ففط بل ايضا لها حياة الكرامة في هذا المجتمع ولها المقدرة والقوة الروحية لتغيير الإمور وتسير عكس التيار ، فلا تكون محمولة بتيارات المجتمع المختلفة ، بل تكون كنيسة قوية ، هنا تصير هذه الكنيسة او هذه المجموعة ، لها ان تقدم ذبيحة الشكر ، من اجل ذلك الله يريد ان تكون كنيسته ( او كنائسه حول العالم ) كنيسة مجيدة لها قوة الرب وسلطانه ، فعندما تشكر ، فهي تشكر عن اختبار وليس عن واجب الشكر ، وما اقوله للكنيسة كجماعة مؤمنين ، أقوله ايضا لكل مؤمن ان يعيش كما يحق لإنجيل المسيح ، وليس اقل من ذلك .

هل إن لم اصل لهذا المستوي لا اشكر ؟ أقول الشكر كواجب ممكن للكل في تقديمه لله ، لكني اتكلم عن مستوي ذبيحة الشكر التي تقدم لله ( الشكر كذبيحة ) يجب ان يكون مقدمها لله في مستوي عال جدا من الحياة الروحية ، لذلك ان اتحد مؤمن بجماعة مؤمنين لهم نفس الفكر ، استطاع ان يقدم الشكر كذبيحة من خلال فريق الخدمة المخصص لذلك مع كل الكنيسة جماعة المؤمنين ، فلا تنفصل عن كنيستك ، بل اتحد وكن في مستوي وحدانية الروح وليباركك الرب .

التعب وتقديره لمستوي البذل والتضحية :

حياة الشكرهي حالة من حالات الرضا علي حقائق واقعية قريبة ، أما حياة الإستنزاف الفكري يقود للتعب الغير مفيد هذا أدركه سليمان إذ قال : " ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ.( جا ٢ : ‏١١ ) فمن يعمل أعمال العالم والجسد فهو الي الفناء ولن يكون له ذِكر في عالم المادة الزمني ولن يكون له مكانة في عالم الروح الأبدي ، فالمؤمن له حياة أبدية ولكن تحديد المكانة اللأبدية يصنعه المؤمن من هنا ، فالحياة الأبدية فتح الرب بابها بدمه الذي بعمل النعمة المخلصة ويدخل فيها الإنسان بإيمانه وتوبته ، أما المكانة فليست للجميع فهي لمن يسير بأمانة وبقلب مستقيم "  لاَ تَخَفِ الْبَتَّةَ مِمَّا أَنْتَ عَتِيدٌ أَنْ تَتَأَلَّمَ بِهِ. .... يَكُونَ لَكُمْ ضِيْقٌ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. كُنْ أَمِينًا ‍إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إكليل الحياة. ( رؤ ٢ : ‏١٠ ) فالمؤمن الأمين له مكانة تختلف عن السائرين من أجل أنفسهم .

الإمور الزمنية فانية والتعب فيها دون العمل للأخرة استنزاف ، ففي العالم يعمل الإنسان من اجل حياته الزمنية ثم يتركه ليأخذه أخر من بعده ولا يدري كيف سيتعامل مع تعبه الذي تعبه " فَكَرِهْتُ كُلَّ تَعَبِي الَّذِي ‍تَعِبْتُ فِيهِ تَحْتَ الشَّمْسِ حَيْثُ أَتْرُكُهُ لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدِي. ( جا ٢ : ‏١٨ ) وقد نجد صراع بين الأبناء من اجل الميراث ، وقد يطلب الإبن ميراثه من أبيه قبل وقته ، فالإمور الزمنية ليست هي كمال الحياة ، بل كمال الحياة يكمن في كل ما هو ابدي ، فقد تصنع إموراً زمنية كعمل الخير الذي قد لا يُقَدرُ من الأخرين ولكن له التقدير الإلهي " أَمَّا أَنَا فَقُلْتُ: " عَبَثًا ‍تَعِبْتُ. بَاطِلاً وَفَارِغًا أَفْنَيْتُ قُدْرَتِي. لكِنَّ حَقِّي عِنْدَ الرَّبِّ، وَعَمَلِي عِنْدَ إِلهِي".( إش ٤٩ : ‏٤ ) فالحياة الزمنية واجب وقتي له فاعليته الوقتية من اجل حياة مؤقتة فانية ، إثناء وجودي فيها علي أن أعمل لما هو باقي " بَلِ ‍اكْنِزُو‍ا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ،( مت ٦ : ‏٢٠  ) فمن هنا يمكننا تحويل الزمنيات لكنوز أبدية ، فعمل الخير وخدمة الأخرين وعمل الرب في هذا الزمن الحاضر يصنع لنا كنوزاً أبدياً مع مجد " مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ الْحَيَاةِ لافْتِخَارِي فِي يَوْمِ الْمَسِيحِ، بِأَنِّي لَمْ أَسْعَ بَاطِلاً وَلاَ ‍تَعِبْتُ بَاطِلاً. ( في ٢ : ‏١٦ ) فالسير في هذا الزمان بحسب كلمة الله تمنح مريديها وضع ابدي فيها يشعر بأن تعبه لم يكن باطلاً.

الخطايا والبعد عن الرب والمشاكل الدوارة التي لا تنتهي تجعل الإنسان في استنزاف روحي وقد يصل لحالة من البكاء الكثير كلما اختلي بنفسه علي فراش النوم ، فيبدأ الفكر في العمل الشاق المقلق " تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي. ( مز ٦ : ‏٦ ) فحياة الهدوء والسلام هي حياة القوة ، لذلك أناشد كل أسرة أن تبتعد عن المشاكل والصراعات الداخلية وليكونوا متفاهمين ( يسعوا نحو التفاهم دائماً ) في المحبة مع مراعاة أن يكون التنازلات في مقدور اليد وليس لمستوي التضحية التي ليس لها تعويض ذاتي ، لأن التضحية الكثيرة الغير مُقّدرةٌ من الغير تدخل في دائرة الإستنزاف ، فيصاب صاحبها بتعب نفسي هو في غني عنه ، المضحي يجب أن يكون لديه البديل أو التعويض ، فقد ضحي المسيح بنفسه من اجلنا ، ولكن كان له البديل ، فقد كان قادراً علي إقامة نفسه " لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي ‍سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آ‍خُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي". ( يوحنا ١٠ : ‏١٨ ) لذلك لا تضحي علي حساب نفسيتك إن لم تكن غير قادر .

البذل الذي بذله المسيح نابع من مستوي المقدرة ، فالبذل والتضحية عند المقدرة أمر في غاية الأهمية ، فقد جاء طوعياً ليخدِم وليبذل نفسه " كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَ‍بْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ". ( مت ٢٠ : ‏٢٨ ) فجاء كخادم بكامل ارادته وبكامل قدرته وجاء كراعي صالح ليبذل نفسه متطوعاً برغبة كاملة لا عن اضطرار بل بالاختيار ، فقد اختار أن يكون مضحياً بنفسه من أجل الأخرين " أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَ‍بْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ. ( يو ١٠ : ‏١١ ) فالرب يسوع اعطانا نفسه مثالاً لنكون في بذلنا وتضحياتنا في كامل الفهم والمسئولية الكاملة كي لا نشعر فيما بعد بأن في بذلنا وتضحياتنا تم استنزافنا فناصاب بالتعب النفسي أو الإرهاق الذهني ، لذلك قبل أن تضحي أو تبذل من أجل من حولك عليك حساب النفقة جيداً لتكون في كامل الفرح كالتلاميذ اللذين من اجل الرب قبلوا الإهانة " وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا ‍مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ. ( أع ٥ : ‏٤١ ) فالتضحية البذل برضا كاملتين تمنح فرحاً وسلاماً .

 




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس