طرق التأديب ـ واستخدام شعب الله والأمم
طرق التأديب
واستخدام شعب الله والأمم
بقلم
القس عماد عبد المسيح
الفهرس
مقدمة:
١ - طرق تأديب الله لشعبه والشعوب الأخرى :
- أهمية التأديب - التأديب كعلامة على محبة الله - التأديب والتعليم
الروحي - أدوات التأديب - كيفية استخدام الله لشعبه كأداة تأديب للأمم - المفهوم اللغوي
للتأديب وأدواته - إتمام وعد الله لشعبه - البركة والطاعة وسيلة ودعوة - العهد وارتباطه
بالتأديب - القوة العسكرية كوسيلة تأديب - القوة العسكرية لشعب الله اليوم - كيف يتم
إعداد والشعوب لتحقيق إرادة الله - كيف يتم إعداد والشعوب لتحقيق إرادة الله -التأديب
الإلهي والافتراس والضرب - التأديب الإلهي لا سماح فيه بل شفاء
2 ـ التأديب
المشترك هدف أم غاية
- العلاقة بين الشعوب من منظور إلهي - التأديب وارتباطه بالكفارة - المذبح
والذبيحة الكفارة ورفع العقاب - مذبح البخور
ورمزية حرق البخور - الكفارة والعلاقة مع الشعوب الأخرى - الفرق بين التأديب
كبنين أو كشعوب وأمم ـ أولًا: التأديب كبنين لله ـ ثانيًا: التأديب للشعوب والأمم
3 ـ العبرة
اليوم من طرق التأديب الإلهي
- تأثير التأديب على حياة المؤمنين اليوم ـ الالتزام بالرسالة
الإلهية وبالإيمان والخضوع لرفع دوائر التأديب من حياة المؤمن
4 ـ في النهاية أضع ملخصا مبسطا لما سبق
مقدمة
يعتبر التأديب
الإلهي من أبرز وسائل الله لتقويم الشعوب وإرشادهم نحو الحق. وللتاديب انواع في
الكتاب المقدس يجب أن ندركها ونعرفها جيدا، فليس كل ما يسمى بالتاديب هو نوع من
الشده والضيق والالم، لأنه يوجد أنواع أخرى من التاديب في كلمة الله ترتقي
بالانسان للفهم والفكر والتعلم، فليس كل تاديبا مصنوعا بيد الله بل ما هو إلا نتاج
التصرفات وطريقة الحياة للانسان، إذ يظهر الله من خلال التأديب ليس فقط عدله
وسلطانه، بل أيضًا رحمته ورغبته في خلاص البشرية، عبر التاريخ - تعامل
الله مع شعبه المختار والأمم الأخرى بأساليب مختلفة من التأديب، بهدف تصحيح
المسار، تعليم الطاعة، وإعداد القلوب للعودة إليه، هذا الموضوع يتناول
كيفية اختيار الله لشعب معين كأداة لتنفيذ خططه وتأديب الشعوب الأخرى،
وكذلك كيف استخدم الله الشعوب الأخرى لتأديب شعبه عند انحرافهم عن وصاياه، مع
مراعاه ان الرب لم يختار شعبه لاجل هذا الهدف، ولم يتعامل ايضا مع الامم في
إستخدامهم في تقديم شعبه، فليس هذا هو الهدف، ولكن لسبب طبيعه حياه الإنسان بعد
السقوط جعلته في دائرة الإنحراف ولديه الاستعداد ليبتعد عن الحق، ولذلك
يدخل الانسان في دائره القضاء الالهي فيتم في حياته أمران هما : التاديب
- والدينونه، يتسم التأديب الإلهي بأن له نظام عادل وحكمة فائقة، فهو ليس
مجرد عقاب، بل هو عملية شاملة تستهدف إصلاح النفوس وإعادة ترتيب الأولويات، سواء
للأفراد أو المجتمعات، يظهر التأديب بوضوح في تعامل الله مع شعب إسرائيل، الذين
اختارهم ليكونوا شهودًا على عمله في العالم، وليكونوا أداة تأديب للشعوب الأخرى
عندما تنحرف عن مشيئته، في الوقت ذاته، لم يكن شعب إسرائيل معفيًا من التأديب
الإلهي، إذ استخدم الله الأمم الأخرى لتأديبهم عندما ينحرفوا عن وصاياه وعهدهم
معه.
يعكس التأديب
الإلهي مفهومًا عميقًا يتجاوز حدود العقاب. فهو أداة لتقويم السلوك، وتصحيح
الأخطاء، وتحقيق إرادة الله على الأرض، في هذا الإطار، نجد أن الله قد
اختار طرقًا متنوعة لتأديب شعبه والشعوب الأخرى. كان شعب إسرائيل، على سبيل
المثال، أداة في يد الله لتأديب الأمم المخالفة لوصاياه. من خلال هذه الأدوات،
تعلمت الشعوب أن الله هو السيد المطلق، وأن سلطانه يمتد ليشمل الجميع، ولكن
التأديب لم يكن نهاية القصة؛ فقد كان دائمًا مصحوبًا بدروس ثمينة، من خلال
التأديب، تعلّم المؤمنون والشعوب أن الله يعمل لصالحهم، حتى عندما يبدون وكأنهم
تحت العقاب. هذه الدروس ساعدت على إعداد القلوب والعقول لفهم أعمق لمشيئة الله
وخطته الخلاصية.
يُظهر الكتاب
المقدس أمثلة عديدة استخدم فيها الله شعب إسرائيل كأداة لتحقيق عدله وتأديب الشعوب
الأخرى. من أبرز هذه الأمثلة، نجد حروب إسرائيل ضد الشعوب الوثنية التي
رفضت الله وأصرت على الشر والظلم. كان اختيار الله لشعب إسرائيل مبنيًا على
هدف إلهي واضح، وهو أن يكونوا مثالًا للأمانة والطاعة، وأداة لتوصيل رسالته إلى
العالم، مع مراعاه ان الله لا يسير بمنطق التاديب ال 24 ساعه بل يصبر عليهم
ويرسل أنبياء ليحزر، ولكن عندما يجد انه لا توجد استجابه يبدا الله في دائرة
التاديب، دور إسرائيل لم يكن مجرد أداة للعقاب؛ بل كان تأديب الأمم وسيلة لجذبهم
نحو الله. فقد كان الله يسعى دائمًا لأن تعود الشعوب المخالفة إليه، من خلال
مواجهة عدله ومعرفة قوته، في هذه الدراسه سوف نشرح كل هذه الامور، أدعوك قارئي
العزيز لقراءة هذه الدراسة لمعرفة أبعاد الإمور كيف تسير، لم يكن شعب إسرائيل
بمنأى عن التأديب الإلهي عندما ينحرفوا عن وصايا الله، استخدام الشعوب الأخرى
لتأديبهم. على سبيل المثال، جاء الأشوريون والبابليون كأدوات في يد الله
لمعاقبة إسرائيل بسبب عصيانهم. ( ٢مل ١٧: ٦-٢٣ ) ، ( إر ٢٥: ٨-١١ ) هذه الفتره
البابليه التي سمي فيها الشعب كانت مدتها ٧٠ سنة، هذه الفترات كانت دروسًا قاسية
لشعب الله، لكنها كانت ضرورية لردهم إلى الطريق الصحيح، في خلال هذه المده تولد نفوس
وتموت نفوس ويتطهر الجيل من كل ما هو ليس في مشيئه الله، فمن خلال هذه التجارب،
تعلم شعب الله أن التأديب ليس غضبًا عشوائيًا، بل هو وسيلة لإعادتهم إلى العلاقة
الصحيحة مع الله. كما أدركوا أن الله لا يتهاون مع الخطية، لكنه دائمًا يقدم فرصة
للتوبة والعودة إليه.
تظهر خطة الله
للتأديب الإلهي تفاعل الشعوب وتكامل أدوارهم. فبينما كان شعب إسرائيل أداة
لتأديب الأمم ( تث ٩: ٤-٥ ) ، ( يش ٦: ١-٢٧ ) كانت هذه الأمم أيضًا أداة
لتأديب إسرائيل ( قض ٦: ١-٦ ، ١٣ : ١ ). هذا التبادل يظهر عدل الله وحكمته في
تحقيق غاياته الروحية العليا، تأديب الشعوب ليس هدفًا في حد ذاته، بل هو وسيلة
لتقويم الجميع نحو خطة إلهية شاملة. وهذا يبرز كيف أن الله يستخدم التأديب ليقود
الجميع وليطهر الارض من الفسدة والظالمين سواء من الأمم او من شعب الله، نعم سواء
شعبه المختار أو الشعوب الأخرى، ليقود الشعوب نحو خلاص أعمق ومعرفة أكبر بشخصه، إن
دروس التأديب الإلهي واختيار الله لشعبه صالح لكل العصور. في يومنا هذا، يمكن
للمؤمنين أن يتعلموا من هذه الأحداث التاريخية كيف يكون التأديب الإلهي جزءًا من
علاقة الله بأبنائه. فالتأديب هو وسيلة للتقويم، ودعوة للتوبة، وفرصة للنمو
الروحي، كما أن التأديب يساعد المؤمنين على فهم العلاقة بين الشعوب في خطة
الله الكبرى. فهو يعزز السلام مع الله، ويحث على النظر إلى التأديب كوسيلة للتطور
الروحي بدلًا من العقاب المجرد، فالتأديب الإلهي كأداة عميقة في يد الله لتحقيق
خطته الخلاصية. سواء كان ذلك من خلال اختيار شعبه لتأديب الأمم، أو استخدام الأمم
لتأديب شعبه، يبقى الهدف النهائي هو إعداد القلوب لتحقيق إرادة الله، وضمان أن
يسير الجميع في طريق البر والخلاص. هذه الدراسة ستقدم نظرة شاملة على هذه الطرق،
لنستخلص منها دروسًا تلهم حياتنا الروحية اليوم
١
طرق تأديب
الله
لشعبه والشعوب
الأخرى
التأديب الإلهي
هو مفهوم مركزي في الفكر المسيحي فهو يعكس عدالة الله ورحمته في الوقت ذاته، فمن
خلاله يُظهر الله محبته لشعبه وسعيه لتقويمهم وإعادتهم إلى الطريق المستقيم، يظن
البعض بأن التأديب خارج دائرة الرحمة، ولكنه ليس مجرد عقاب على الخطايا، بل هو
أداة روحية تهدف إلى تطهير القلب وتصحيح المسار وتعميق العلاقة بين الله والإنسان،
وفي الوقت نفسه يُظهر كيف أن الله هو سيد التاريخ، يتحكم في مصير الشعوب لتأديبها
وتصحيحها وفق خطته العادلة والرحيمة، يعكس العلاقة الوثيقة بين الله وخليقته. فهو
ليس مجرد عقاب، بل وسيلة للتعليم والتقويم " لأنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ
الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ". (عب ١٢ : ٦) نفهم
أن التأديب علامة على محبة الله ورغبته في تصحيح أخطاء شعبه ليرجعوا إليه بروح
التوبة، الله يؤدب شعب إسرائيل عندما
يبتعدون عنه، مثلما استخدم الأنبياء لتحذيرهم من الإنحراف عن وصاياه، فالتأديب لم
يكن مقتصرًا على شعبه فقط، بل إمتد أيضًا إلى الأمم الأخرى، حيث تدخل الله لمعاقبة
الشعوب التي كانت تعيش في فساد أو ظلم، ليوجهها نحو التوبة والعدل، ويجب ملاحظة أن
التأديب الإلهي يعمل على مستوى فردي وجماعي. بالنسبة للأفراد، هو وسيلة لتطهير
النفس وإعدادها للحياة الأبدية. أما بالنسبة للشعوب، فهو أداة لتحقيق العدل
الإلهي، سواء في إصلاح الخطاة أو تقويم المجتمعات بأكملها.
الله - في حكمته
المطلقة، استخدم شعب إسرائيل كأداة لتنفيذ إرادته وتأديب ( أو دينونة ) الشعوب
الأخرى، عندما اختار الله إسرائيل كأمة مقدسة، لم يكن هذا الاختيار لتكريمهم أو
تميزهم، بل ليكونوا وسيلة لتنفيذ خطته العادلة وتوصيل اسمه للعالم، هل هما فهموا
هذا؟ للاسف لم يفهموا..!. وهل فهم الأمم وعرفوا صوت الله لهم من خلال شعب الله .. ككلا
لم يفهموا ....!. لذلك دخلوا تحت طائلة القضاء الإلهي في دائرة التأديب والدينونة،
كان ذلك واضحًا خلال دخول شعب الله أرض كنعان، حيث أُمروا بتطهير الأرض من الشعوب
الوثنية التي كانت تغرق في عبادة الأوثان والشرور " لا تَقُلْ فِي
قَلْبِكَ حِينَ يَنْفِيهِمِ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ أَمَامِكَ قَائِلا: لأجْلِ
بِرِّي أَدْخَلَنِي الرَّبُّ لأمْتَلِكَ هذِهِ الأرْضَ. وَلأجْلِ إِثْمِ
هؤُلاءِ الشُّعُوبِ يَطْرُدُهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِكَ. (تث ٩ : ٤)
استخدم إسرائيل لتأديب شعوب كنعان بسبب فسادها، بالإضافة إلى ذلك، استخدم الله
أنبياءه وقادته مثل يشوع وجدعون وداود لتأديب الشعوب المحيطة. كل تلك الحروب
والأحداث لم تكن فقط صراعًا سياسيًا، بل كانت جزءًا من خطة إلهية لإظهار عدله
وقداسته ( لم يكون في هذا ظلم اطلاقا لا من شعب الله ولا من الله ذاته) ومع ذلك، لم يكن دور إسرائيل كأداة تأديب دائمًا
موجهًا ضد الشعوب الأخرى فقط، بل استخدم الله الأمم المحيطة أيضًا لتأديب إسرائيل
عندما انحرفوا عن طريقه، فالتأديب الإلهي يحمل في طياته دروسًا عميقة للمؤمنين
والشعوب، من خلال التجارب والتحديات التي تحدث للانسان فيستخدمها الله مستغلا
اياها ليتعلم المؤمنون الإعتماد على نعمته والرجوع إليه في كل الأمور. التأديب
يهدف إلى بناء علاقة متجددة بين الله وشعبه، حيث يعيد الله تشكيل قلوبهم ليصبحوا
أكثر انسجامًا مع إرادته، في تأديب إسرائيل على سبيل المثال، نجد أن فترات السبي البابلي
لم تكن مجرد عقوبة، بل كانت فرصة لهم للتأمل في خطاياهم والرجوع إلى الله بالتوبة
"وَتَدْعُونَنِي وَتَذْهَبُونَ وَتُصَلُّونَ إِلَيَّ فَأَسْمَعُ لَكُمْ.
وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذَا طَلَبْتُمُونِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ." (إر
٢٩: ١٢-١٣) الأمم الأخرى أيضًا تعلمت دروسًا مهمة من التأديب، عندما تأدبت مصر من
خلال الضربات العشر، كان الهدف من هذه الضربات ليس فقط تحرير إسرائيل، بل إظهار
قوة الله وقدرته للشعوب بما فيهم شعبه " فَتَدْعُونَنِي وَتَذْهَبُونَ
وَتُصَلُّونَ إِلَيَّ فَأَسْمَعُ لَكُمْ. وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ
تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ. فَأُوجَدُ لَكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ،
وَأَرُدُّ سَبْيَكُمْ وَأَجْمَعُكُمْ مِنْ كُلِّ الأمَمِ وَمِنْ كُلِّ
الْمَوَاضِعِ الَّتِي طَرَدْتُكُمْ إِلَيْهَا، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَرُدُّكُمْ
إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي سَبَيْتُكُمْ مِنْهُ. (أر٢٩ : ١٢-١٤) من خلال التأديب، يُعدّ الله شعبه
ليصبحوا نورًا للأمم، يعكسون قداسته وعدله، التأديب يُظهر أن الله ليس فقط سيد
التاريخ، بل هو الراعي الذي يقود شعبه بلطف نحو الهدف الأسمى، لذلك علينا التركيز
للمعرفة والفهم، من خلال التأديب، يُظهر الله محبته ورغبته في تقويم كل من ينحرف
عن إرادته. الأدوات التي استخدمها الله، سواء كانت شعوبًا أو قادة أو أنبياء، هي
وسائل لتحقيق خطته العادلة. كما أن الدروس المستفادة من التأديب تشكل أساسًا لفهم
أعمق لعلاقة الله بشعبه وبالعالم. في النهاية، التأديب الإلهي ليس مجرد وسيلة
للعقاب، بل هو دعوة للتوبة والتجديد، وفرصة لتحقيق مقاصد الله السامية.
- أهمية التأديب :
التأديب الإلهي
لا يستخدمه الله عشوائيا ولا يستخدمه لكي يدفع الانسان الى ما يريده منه الرب،
ولكن التأديب ما هو الا وسيله يستخدمها للتصحيح الأخطاء وتقويم المسار، وتوجيه
الشعوب نحو حياة ترضي المشيئه، فهو لا يقتصر على العقاب، بل يتضمن تعليمًا روحيًا،
وتربية تركز على إعداد المؤمنين والشعوب لتحقيق إرادة الله، هذه العملية ليست
دليلا على غضب الله فحسب، بل هي علامة على محبته العميقة ورغبته في استعادة
العلاقة بينه وبين خليقته، فالتأديب يُشار إليه في النصوص العبرية واليونانية
باستخدام مصطلحات تحمل معاني متعددة تشمل التوجيه، التعليم، والتقويم، في العبرية מוּסָר موسار تعني التعليم أو التأديب، كما ورد في ( أم ٣ : ١١ ) "يَا ٱبْنِي،
لَا تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ ٱلرَّبِّ وَلَا تَكْرَهْ تَوْبِيخَهُ."
يشير إلى التأديب كوسيلة للتربية الروحية، حيث يتدخل الله لتقويم حياة المؤمنين
وتصحيح مساراتهم، اذا فالتاديب هنا لا يعني ان يدخل الانسان في دائرة صعبه لا يحتملها
بل ما هو الا تعليم الإنسان أن يكون في دائرة التقويم والتصحيح من حياته سواء كان
للفرد أو للأمه أو للجماعه، وفي اليونانية:
يُستخدم "παιδεία"
بايديا، والذي يعني التدريب أو التعليم، كما ورد في ( عب ١٢ : ٧ ) "إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ ٱلتَّأْدِيبَ،
فَإِنَّ ٱللَّهَ يُعَامِلُكُمْ كَأَبْنَاءٍ." هذا يُبرز أن التأديب chastening هو جزء من العلاقة الأبوية بين الله وشعبه، فلا داعي للقلق من التاديب
الالهي لانه لن يؤذي بل يقوم، ولكن في نوع من التقويم ساتكلم عنه مرتبط بدائرة
الدينونة أو الادانة فهو عبارة عن دينونة البعض وتأديبا للأخرين، وهذا النوع من
التقويم ياتي في دائرة الغضب الالهي بسبب الشر الذي يسلك فيه الإنسان بلا توبة،
ولكن التقويم الذي يتكلم عنه في سفر الامثال في الامثال الإصحاح الثالث، ورساله
العبرانيين الإصحاح الثاني عشر فهو يتكلم عن نوع من انواع التاديب المرتبط بالمحبه
والرحمه.
- التأديب كعلامة على محبة الله :
التأديب الإلهي
ليس غضبًا أعمى أو انتقامًا غير مبرر؛ بل هو دليل على محبة الله. "لِأَنَّ
ٱلَّذِي يُحِبُّهُ ٱلرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَكَأَبٍ يَسُرُّ بِٱبْنِهِ." (
أمثال 3: 12 ) هذه الآية تُظهر أن الله ينظر إلى شعبه كأبناء، يهدف إلى تنقيتهم
وإعدادهم لحياة تليق بدعوتهم الروحية، فهو يُمثل عملية تهذيب للنفس، هدفها إزالة
كل ما يعيق العلاقة بين الله والإنسان. فهو يعكس توازنًا بين عدل الله الذي يعاقب
على الخطايا، ورحمته التي تمنح فرصة للتوبة والرجوع إليه، فالتأديب وسيلة يستخدمها
الله لتوجيه المؤمنين نحو الطريق الصحيح. مثال ذلك نجده في تجربة السبي البابلي
لشعب إسرائيل، حيث قال الله من خلال النبي حزقيال "وَأَجْلِبُ عَلَيْكُمْ
سَيْفًا يُنْتَقَمُ نَقْمَةَ ٱلْعَهْدِ. (لا ٢٦: ٢٥) هنا كان السبي أداة تأديب
تهدف إلى إعادة الشعب إلى الإيمان بالله بعد انحرافهم عنه، فالمنحرفين الأساسيين
هنا ينالون من السيف وقت السبي هذا بالنسبه لهم ليس تأديبا بل دينونة في دائرة القضاء
الإلهي، ويصير نفس الشيء للاخرين من شعب الله تاديبا.
- التأديب والتعليم الروحي :
التأديب ليس فقط
تصحيحًا للأخطاء، بل هو أيضًا تعليم روحاني "طُوبَى لِلرَّجُلِ ٱلَّذِي
تُؤَدِّبُهُ يَا رَبُّ وَتُعَلِّمُهُ مِنْ شَرِيعَتِكَ. ( مز ٩٤ : ١٢ )
التأديب يجعل المؤمن قادرًا ومدفوعا على التمييز بين الحق والباطل، وفتح عينيه على
أهمية الالتزام بشريعة الله، هو إعداد للنفس للتمتع بالحياة الأبدية "وَنَحْنُ
نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ ٱلْأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ
يُحِبُّونَ ٱللهَ."( رو ٨ : ٢٨ ) التأديب - مهما كان مؤلمًا فهو جزء من معاملات
الله لإعداد الإنسان لحياة افضل، فشعب إسرائيل كان أكثر الشعوب خضوعًا للتأديب
الإلهي، اقرأ- (١مل ١٨ : ٢١-٤٠) التأديب - رغم صعوبته وألمه، هو دليل على محبة
الله ورغبته في إعداد الإنسان لحياة أفضل مليئة بالنمو الروحي والارتباط العميق
به، شعب إسرائيل كان مثالًا واضحًا على هذا التأديب، بسبب العلاقة الخاصة التي
تربطه بالله كأمة مختارة لتحقيق خطته. عندما انحرف الشعب وابتعد عن عبادة الله
لعبادة الأوثان، أرسل الله النبي إيليا لتوبيخهم وإعادتهم إلى الطريق الصحيح، في
مواجهة حاسمة على جبل الكرمل، تحدّى إيليا كهنة البعل ليُظهر لشعب إسرائيل قوة
الله الحقيقية، وكانت النتيجة رجوع الشعب بالتوبة إلى الله، ايضا الأمم التي
انحرفت عن طريق الحق كانت تخضع للتأديب الإلهي، أرسل الله النبي يونان لتحذر أهل
نينوي (يونان ٣ : ١-١٠) فتابوا ورجعوا عن شرهم ، فلم ينالوا من القضاء الالهي
لاتأيبا ولا يونة علي ياتهم.
لم يكن التأديب
الإلهي مقتصرًا على العصور القديمة، بل هو مستمر في حياة المؤمنين اليوم. من خلال
الأزمات والتجارب التي تواجه المؤمنين، يُظهر الله عنايته ومحبته لهم في هذه
العملية، يتعلم المؤمنون الاعتماد على الله وحده، وتزداد ثقتهم فيه، على الرغم من
أن التأديب قد يبدو صعبًا في حينه، إلا أن نتيجته دائمًا تكون للخير "وَأَمَّا
كُلُّ تَأْدِيبٍ فِي ٱلْحَاضِرِ لَا يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحُزْنِ،
وَأَمَّا أَخِيرًا فَيُعْطِي ٱلَّذِينَ تَدَرَّبُوا بِهِ ثَمَرَ بِرٍّ
لِلسَّلَامِ." (عب ١٢ : ١١ ). فالتأديب الإلهي هو تعبير عن عدل الله
ورحمته. هو عملية مستمرة تهدف إلى تطهير النفس، وتقويم المسار، وإعداد الشعوب
لتحقيق إرادة الله. سواء من خلال تجربة السبي ( ياتي كتجربه فتستخدم كتاديب - لان
الله لا يجرب احدا باي شر ) وكثيرا ما يحذر الرب شعبه من خلال تحذيرات الأنبياء،
أو الأزمات اليومية، فيظل التأديب أداة لتقوية الإيمان وتعميق العلاقة بين الله
والإنسان، التأديب يُظهر محبة الله لأبنائه وسعيه لقيادتهم نحو القداسة والخلاص.
- أدوات التأديب:
- كيفية استخدام الله لشعبه كأداة تأديب للأمم :
طريقه الله في
المعامله مع الشعوب جميعها بما فيهم شعبه، استراتيجيه واحده فهو ليس لديه شعب دون
شعب وشخص دون شخص، وفكرة بانه توجد امه أفضل من أمه أخرى، لا يوجد هذا في القانون
الالهي، فمن ضمن إطار قضاءه الإلهي يستخدم شعبه كأداة لتأديب الأمم، بهدف تحقيق
العدل الإلهي وتصحيح مسارات الشعوب المنحرفة. لم يكن اختيار الله لإسرائيل مجرد
امتياز، بل كان أيضًا مسؤولية كبيرة تطلبت أن يكونوا وسيلة لتنفيذ إرادته وأحكامه
في العالم، ليس هذا فقط بل ايضا كان الله يستخدم الامم في دائره قضاء الالهي لتاديب
شعب الله اسرائيل، بالمفهوم العام ( الله ليس له او عنده خيار وفقوس " معذره
على القول " )
- المفهوم اللغوي للتأديب وأدواته :
في النص العبري،
يُستخدم مصطلح "שֵׁבֶט" (شِبِط)، الذي يعني العصا أو القضيب، ويُشير
إلى أداة يستخدمها الله لتنفيذ التأديب "وَيْلٌ لِأَشُّورَ قَضِيبِ
غَضَبِي، وَٱلْعَصَا فِي يَدِهِمْ هِيَ سَخَطِي. ( إش ١٠: ٥ ) فكرة أن
الله يستخدم الأمم أو الشعب كأداة لتنفيذ خطته التأديبية او في الدينونة بحسب
قضائه الإلهي، فاشور لديه الاستعداد النفسي والفكري للاغتنام ولذلك ليس له مشكله
في ذاته او في اداؤه والاستعداد لديه "
أَمَّا هُوَ فَلا يَفْتَكِرُ هكَذَا، وَلا يَحْسِبُ قَلْبُهُ هكَذَا.
بَلْ فِي قَلْبِهِ أَنْ يُبِيدَ وَيَقْرِضَ أُمَمًا لَيْسَتْ بِقَلِيلَةٍ. (إش
١٠ : ٧) والشعب الاخر يستحق العقاب والدينونه " عَلَى أُمَّةٍ مُنَافِقَةٍ
أُرْسِلُهُ، وَعَلَى شَعْبِ سَخَطِي أُوصِيهِ، لِيَغْتَنِمَ غَنِيمَةً وَيَنْهَبَ
نَهْبًا، وَيَجْعَلَهُمْ مَدُوسِينَ كَطِينِ الأزِقَّةِ. (إش ١٠ : ٦) لذلك يجب
ان تلاحظ قارئي العزيز أن الله ليس بظالم، فالله أب لخليقته وقاضي في ذات الوقت،
ولا تنسى بأنه إله، من حقه أن يتعامل مع الشعوب بحسب مبادئه الإلهيه التي خلقنا
بها وأودعها في قلوبنا، هذه المبادئ وضعت في قلوبنا للمعاملات بيننا وبين بعضنا
البعض وبين انفسنا والله، فهي مبادئ للممارسات العامه، ولذلك عندما ينحرف الانسان
عن دائرة المبادئ الالهيه فيدخل في دائره ظلم الاخرين، ولذلك من حق الله كقاضي
عادل أن يتدخل
في اليونانية،
يُستخدم مصطلح "ἐκδίκησις" (إكدِيكيسيس)، الذي تعني الإنتقام
أو القصاص العادل، وهو يُشير إلى الغاية النهائية من استخدام الأدوات الإلهية
لتحقيق العدالة " لا تَنْتَقِمُوا
( avenge not - ἐκδικέω )
لأنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ،
لأنَّهُ مَكْتُوبٌ:"لِيَ النَّقْمَةُ ( Vengeance - ἐκδίκησις )
أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ. (رو ١٢ : ١٩) وفي اثناء بحثي في كلمه ( إكدِيكيسيس
- ἐκδίκησις ) وكلمة ( ἐκδικέω - إك-دي-كيو ) والتي تعني
الانتقام ايضا، ولكن الفرق بينهما " إكدِيكيسيس " تعطي معنى أن الله
له حق الإنتقام فهي تتكلم عن الامر كفكره وكحق لله، اما ( إك-دي-كيو ) هي
تتكلم عن الفعل ذاته اي فعل الإنتقام نفسه كموقف تنفيذي، فهنا يتكلم ويقول لا تنتقموا
اي لا تنفذوا انتقامكم، بل أعطوا لله فرصته لان له حق الانتقام، فمن ينتقم بذاته
يسلب من الله حقه، فهو الوحيد الذي له المجازات ويستطيع أن ينتقم بالحق، ويكون
الانتقام على قدر ومستوى الخطا، أما البشر في انتقامهم فلن يستطيعوا ان يكونوا في
دائره العدل الكامل، وسيكون لانتقامهم جزءا ولو ضئيلا من الظلم، لذلك لا تنتقموا
لانفسكم بل اعطوا لله فرصته.
- إتمام وعد الله لشعبه:
منذ عهد ابونا
إبراهيم، وعد الله أن يكون لله شعبا خاصا يعلن اسم الله بين الشعوب ويكون له دور
في تنفيذ إرادة الله بين الأمم " فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً
وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ
مُبَارِكِيكَ، وَلاعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ
الأرْضِ (تك١٢ : ٢-٣) فالهدف هو المباركة وليس الهلاك وابادة الشعوب ليلقي شعب
واحد فقط، كلا ليس هدف الله اهداف شر بل اهداف خير وسلام سواء لشعبه أو للشعوب
الأخري، فوجود شعب اسرائيل في الارض ليس هدفه أن يكون شعب دون باقي شعوب الارض، بل
أن يكونوا شعبا يعلن اسم الله وسط عالم وثني متعنت لا يريد قبول الايمان ولا يريد
السلوك المرضي لله.
عندما قاد يشوع
شعب إسرائيل لدخول أرض كنعان، استخدمهم الله لتأديب شعوب تلك الأرض بسبب خطاياهم
وشرورهم المستمرة وعدم توبتهم وليس لمونهم امم وليسوا من شعب الله " لا
تَقُلْ فِي قَلْبِكَ حِينَ يَنْفِيهِمِ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ أَمَامِكَ قَائِلا:
لأجْلِ بِرِّي أَدْخَلَنِي الرَّبُّ لأمْتَلِكَ هذِهِ الأرْضَ. وَلأجْلِ إِثْمِ
هؤُلاءِ الشُّعُوبِ يَطْرُدُهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِكَ. لَيْسَ لأجْلِ بِرِّكَ
وَعَدَالَةِ قَلْبِكَ تَدْخُلُ لِتَمْتَلِكَ أَرْضَهُمْ، بَلْ لأجْلِ إِثْمِ
أُولئِكَ الشُّعُوبِ يَطْرُدُهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ أَمَامِكَ، وَلِكَيْ
يَفِيَ بِالْكَلامِ الَّذِي أَقْسَمَ الرَّبُّ عَلَيْهِ لآبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ
وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. (تث٩ : ٤-٥) هذا التأديب ليس بسبب استحقاق إسرائيل،
بل بسبب خطايا الكنعانيين، ففكرة أن الله يهلك شعب ليُبقي شعب اخر هذا ليس في مخطط
الله، بل االهلاك سببه ابتعاد الانسان عن الله وعن السلوك القويم.
استخدم الله شعب
إسرائيل كأداة لتأديب الأمم التي انحرفت عن عبادة الإله الحقيقي، مثل أريحا وكنعان
وعاي وغيرها من الشعوب. هذه الشعوب كانت مثالًا على المجتمعات التي أغرقتها عبادة
الأوثان والشر، واستخدم الله إسرائيل لتنفيذ حكمه عليهم سواء كان بالتأديب أو
الدينونة، كما حدث في سقوط أريحا (يشوع ٦) كان استخدام إسرائيل كأداة تأديب يحمل رسالة
تحذير لجميع الأمم، أن الله يرفض الظلم والوثنية، ويطالب الجميع بالرجوع إليه.
مثلا، عندما واجهت الأمم المجاورة إسرائيل في المعارك، كانت الهزائم بمثابة تأكيد
على سيادة الله.
- البركة والطاعة وسيلة ودعوة :
عندما عاش شعب
إسرائيل في طاعة الله، أصبحت بركاتهم شهادة حية أمام الأمم عن عظمة الله. هذه
البركة كانت دعوة للأمم للتخلي عن عبادة الأوثان والسير في طريق الحق، التأديب
الإلهي لا يقتصر فقط على العقاب أو التصحيح المباشر، بل يشمل أيضًا استخدام البركة
والنجاح كأداة لتوجيه الشعوب نحو الله، عندما التزم شعب إسرائيل بوصايا الله
وعاشوا في طاعته، أعطاهم الله بركات مادية وروحية عظيمة، مثل السلام، الخصوبة،
والانتصارات على أعدائهم، هذه البركات لم تكن مجرد مكافآت، بل كانت وسيلة
لجذب انتباه الشعوب المحيطة لإظهار عظمة الله وقدرته، فالبركات التي أُغدقت على
إسرائيل كانت بمثابة شهادة مرئية للأمم الأخرى على قوة الله وأمانته، الأمم
الوثنية التي رأت هذا النجاح والازدهار كانت مدعوة للتفكير في مصدر قوة إسرائيل،
وبالتالي التخلي عن عبادتها للأوثان والتوجه لعبادة الله الحق، فقد كان الهدف
النهائي لهذه البركات أن تصبح إسرائيل نورًا للأمم " أَنَا الرَّبَّ قَدْ
دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا
لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأمَمِ، (إش ٤٢ : ٦) هذا يُظهر أن التأديب الإلهي ليس
دائمًا مؤلمًا أو صارمًا، بل قد يكون من خلال الخير الذي يوجه الآخرين للسير في
طريق الحق، في حين أن التأديب بالعقاب كان يُستخدم لتقويم إسرائيل أو الأمم عند
الانحراف، فإن البركة كانت وسيلة لتعليمهم وتوجيههم في أوقات الطاعة، هذا
النوع من التأديب يُظهر الجانب الأبوي لله، الذي يرغب في تعليم أبنائه من خلال
المحبة واللطف، في عصر الملك سليمان، كان شعب إسرائيل في قمة ازدهاره، مما جذب
الأمم، مثل ملكة سبأ، التي جاءت لتسمع حكمة سليمان وتشهد عظمة بركة الله له (1
ملوك ١٠ :١-١٠).لذلك نري في تثنية ٢٨ أوضح الله لإسرائيل أن الطاعة ستجلب البركة،
وهذه البركة ستكون شهادة عظيمة أمام الشعوب المحيطة، البركة ليست فقط مكافأة،
لكنها وسيلة الله لتأديب الشعوب وتقويمهم نحو الحق، حياتنا، عندما تُبارَك من
الله، يمكن أن تكون شهادة حية للآخرين لجذبهم نحو الإيمان والطاعة لله.
- العهد وارتباطه بالتأديب :
الكلمة العبرية لـ "عَهْدًا"
في ( إشعياء ٤٢ :٦ ) الكلمة الأصلية المستخدمة في النص العبري هي בְּרִית (بِريت Berit) تعني "عهد"
أو "ميثاق" وهي تشير عادة إلى اتفاق أو علاقة تعاقدية عادة في
الكتاب المقدس تكون بين الله والإنسان، أو بين الله وشعبه، ويعبر عن التزام الله
بتوجيه شعبه وحمايته، مع التزام الإنسان بالطاعة والوفاء لله، كلمة "عهدًا"
في هذه الاية تشير إلى أن الله يستخدم العلاقة العهدية مع شعبه كوسيلة لتأديبهم
وتقويمهم، عندما يلتزم الشعب بالعهد، يُباركهم الله، وعندما يخالفونه، يتعرضون
للتأديب لتذكيرهم بمسؤولياتهم تجاه الله، أما مع الامم يُعلن أن شعبه المختار
سيكون "عهدًا للشعب" و"نورًا للأمم" هذا يعني
أن إسرائيل، عندما تلتزم بالعهد، تصبح أداة الله لإظهار بره وحقه للأمم الأخرى،
مما قد يقود هذه الأمم للتوبة والعودة إلى الله، الله جعل إسرائيل مثالًا حيًا
أمام الأمم. عندما يلتزمون بالعهد، ينعكس نور الله في حياتهم، ما يدعو الأمم
للتخلي عن الأوثان والسير في طريق الله، وبالتالي يصير داخل العهد التأديب متبادل
من خلال عهد الله مع إسرائيل، تم تأديب الشعوب الأخرى عندما أخطأت أو قاومت الحق،
كما كان إسرائيل نفسه يُؤدَّب من الأمم عندما يخالف العهد، فالعهد مع الله ليس
مجرد وعد، بل التزام أخلاقي وروحي يعكس عدالة الله ورحمته، العهد هو أداة
إلهية لتذكير الشعوب وإصلاحها، سواء كان ذلك من خلال البركة أو التأديب المباشر،
هذا يوضح كيف أن العلاقة بين الله وشعبه يمكن أن تؤثر على الأمم المحيطة، مما يحقق
إرادة الله الشاملة للسلام والعدل.
- القوة العسكرية كوسيلة تأديب :
القوة العسكرية
لإسرائيل، بقيادة رجال مثل يشوع وجدعون، كانت أداة يستخدمها الله لتحقيق عدالته ضد
الشعوب التي مارست الشر. لم يكن الانتصار مجرد عمل عسكري، بل كان تأكيدًا أن الله
هو الذي يقاتل نيابة عن شعبه (قضاة 7) لم تكن مجرد وسيلة دفاع أو غزو، بل كانت
أداة إلهية لتحقيق العدالة الإلهية ضد الشعوب التي انحرفت عن الحق ومارست الشر. في
الكتاب المقدس، نرى كيف أن الإنتصارات العسكرية لشعب إسرائيل قادها رجال مثل يشوع
وجدعون، حيث كان الهدف الأساسي من تلك الحملات هو إعلان سلطان الله وعدله على
الأرض، وليس مجرد تحقيق مكاسب سياسية أو توسعات أرضية، يشوع، تلميذ موسى،
وكان الرحل الثاني في شعب الله، كان أحد أبرز القادة العسكريين الذين استخدمهم
الله لتأديب الشعوب الوثنية في أرض كنعان. كانت أوامر الله ليشوع واضحة: القضاء
على الشعوب التي تمادت في الشر ورفضت التوبة، هذه الحروب لم تكن مجرد غزو، بل كانت
تأديبًا إلهيًا، حيث قال الله إن خطايا هذه الشعوب بلغت ذروتها، ما استدعى تدخله
من خلال جيش إسرائيل، كان من ضمن الانحازات النصر في أريحا، كان سقوط أريحا
انتصارًا فريدًا، حيث أظهرت الطريقة المعجزية لسقوط أسوارها أن الله نفسه هو الذي
يقاتل من أجل شعبه، وأن الانتصار يعتمد على الطاعة المطلقة لله، وجدعون،
الذي قاد جيشًا صغيرًا مؤلفًا من 300 رجل ضد جيش المديانيين الضخم، يُعتبر مثالًا
آخر على استخدام القوة العسكرية كوسيلة للتأديب الإلهي، او للدينونة حسب الةة
الشعب البعيد عن العهد وعن الله وغارق في وثنيته، أمر الله جدعون بتقليص عدد جيشه
ليُظهر أن النصر لا يعتمد على القوة البشرية، بل على تدخل الله المباشر، كان
الانتصار على المديانيين رسالة قوية لشعب إسرائيل وللأمم المحيطة بأن الله هو الذي
يحقق العدالة، وأن قوته تفوق كل قوة بشرية.
الانتصارات
العسكرية كانت وسيلة لتطبيق عدالة الله ضد الشعوب التي انحرفت عن الطريق وأساءت
استخدام سلطتها. هذا يؤكد أن التأديب الإلهي او الدينونة،وهذا يشمل تطهير الأرض من
الشر.
الانتصارات التي تحققت
بأعداد قليلة أو بطرق غير تقليدية، مثل سقوط أريحا أو انتصار جدعون، كانت تهدف إلى
إظهار أن القوة الحقيقية تأتي من الله وليس من البشر.
نجاح الحروب كان مرتبطًا
بطاعة الشعب لقوانين الله واتباعهم لوصاياه. عندما خالفوا تلك الوصايا، مثلما حدث
في معركة عاي (يش ٧ :١-٥)، كان التأديب يمتد إليهم.
في العهد القديم،
القوة العسكرية لشعب إسرائيل كانت جزءًا من خطط الله لتحقيق أهدافه الروحية
والتأديبية والينونة ايضا، لم تكن القوة العسكرية تعتمد على العدد أو السلاح فقط،
بل على الطاعة لله والاعتماد على قوته، ومن ضمنها حروب داود: قاد حروبًا دفاعية
وهجومية لتأسيس المملكة، معتمدًا على الإرشاد الإلهي (1 صمل ١٧).
- القوة العسكرية لشعب الله اليوم :
القوة العسكرية
لدولة إسرائيل المعاصرة تعتمد على التكنولوجيا المتطورة، والتخطيط
الاستراتيجي، والدفاع عن السيادة الوطنية، فقد تشبهت بدول العالم فصارت
تعتمد أنظمة مثل القبة الحديدية والمراقبة الجوية، ولمعرفة مصطلح " القبة
الحديدية " هو نظام دفاع جوي طورته إسرائيل لاعتراض وتدمير الصواريخ
قصيرة ومتوسطة المدى وقذائف الهاون التي تطلق على المناطق المدنية والعسكرية،
وايضا تعتمد على التحالفات أي شراكات دولية، مثل التحالف مع الولايات
المتحدة، فصارت تختلف عن العهد القديم، فقد كانت قديما تعتمد على الرب في الدعم
لتسديد الاحتياجات، أما اليوم فهي تشارك الامم وتتحالف معهم، وهذا يخالف مبدا الله
مع شعبه، فالكتاب المقدس يحتوي على عدة آيات تمنع شعب إسرائيل من التحالف مع
الأمم، لأن التحالفات قد يؤدي إلى الاعتماد على البشر بدلا من الثقة في الله "
وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَنْزِلُونَ إِلَى مِصْرَ لِلْمَعُونَةِ، وَيَتَّكِلُونَ
عَلَى الْخَيْلِ، وَيَتَوَكَّلُونَ عَلَى الْمَرْكَبَاتِ لأنَّهَا كَثِيرَةٌ،
وَعَلَى الْفُرْسَانِ لأنَّهُمْ أَقْوِيَاءُ جِدًّا، وَلا يَنْظُرُونَ إِلَى
قُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ، وَلا يَطْلُبُونَ الرَّبَّ. ( إش ٣١ :١ ) هنا نري
النهي عن التحالف مع الأمم، الله أراد أن يكون المصدر الوحيد لحماية شعبه
وتسديد احتياجاتهم، لا التحالفات أو التبعية للأمم "وَإِذَا
دَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ، فَتَضْرِبُهُمْ، تَحْرِيمًا. لا تَقْطَعْ
لَهُمْ عَهْدًا وَلا تُشْفِقْ عَلَيْهِمْ. ( تثنية ٧ :٢ ) هنا حرب للدينونة
لهذه الشعوب ودروس تأديبية للشعوب الاخري المحيطة، فكان الامر الإلهي بعدم عقد
معاهدات أو تحالفات مع الشعوب الوثنية لضمان عدم تأثرهم بعباداتهم، فقد وبخ النبي
هوشع شعب إسرائيل لاعتمادهم على الأمم الوثنية بدلا من الرب "لأنَّهُمْ صَعِدُوا
إِلَى أَشُّورَ، مِثْلَ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ مُنْفَرِدٍ. اسْتَأْجَرَ أَفْرَايِمُ مُحِبِّينَ.
( هو ٨ :٩ ) الله كان واضحًا في رفض التحالفات مع الأمم الوثنية، لأنها تعكس
ضعف الإيمان به وتعرض شعب إسرائيل للفساد الروحي، فأصبحت القوة العسكرية ليست
مرتبطة بدوافع دينية بشكل مباشر، بل تُركّز على الأمن القومي والسياسة الدولية.
القوة العسكرية في العهد
القديم كانت تعبيرًا عن سيادة الله، أما اليوم فهي أداة سياسية ودفاعية ضمن نظام
عالمي مختلف.
- كيف يتم إعداد والشعوب لتحقيق إرادة الله:
التأديب الإلهي
ليس مجرد وسيلة لعقاب الخطايا، بل هو عملية تربوية شاملة تهدف إلى تقويم السلوك
وإعداد الشعوب والمؤمنين لتحقيق مقاصد الله. يعكس التأديب عدالة الله التي لا
تتهاون مع الخطأ، ويظهر في الوقت ذاته رحمته التي تدعو إلى التوبة وتصحيح المسار،
فمن يستجيب لدعوة الله ونظام الايمان به، يدخل تحت بند الرحمة سواءء كانو شعوب او
افراد مثل راحاب وغيرها، التأديب هو وسيلة الله لتعليم شعبه الطاعة، حيث
يستخدمه لتصحيح مسارهم وإعادة توجيههم نحو الحق " وَلكِنَّ كُلَّ تَأْدِيبٍ
فِي الْحَاضِرِ لا يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحُزْنِ، وَأَمَّا أَخِيرًا فَيُعْطِي
الَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرٍّ لِلسَّلامِ. (عب ١٢ : ١١) التأديب
هنا يُنظر إليه كعملية مؤقتة تؤدي إلى نتائج دائمة من البر والسلام، هذا مبدأ روحي
يجب ان يدرك، هذه مدرسه الله منذ البدايه فعندما خلق الخليقه لم يتعامل معها بالعنف
- بالعكس، فعندما اخطا قايين خرج خارج دائرة الحق فتعامل الله معه برفق لعله
يستقيم او يرجع ويعود، ولكنه بسبب عناده نال تاديبا له فظل هاربا في الارض، وغيرهم
من الأفراد في الكتاب المقدس في التاديب الذي ينظر اليه اليوم بأنه شديد أو قاسي
فهو ينشئ فرحا ويقود للثمر والسلام وهذا هو الهدف في حاله استجابه الشخص في حاله
عدم الاستجابه فسينال عكس ما يتمنى له
الكلمة اليونانية
التي ذكرتها من قبل عندما تكلمت عن الاية الموجودة في ( عب ١٢ : ٧ ) الكلمة
المستخدمة ايضا هنا هي "παιδεία" (Paideia - بايديا)،
وتعني "التعليم" أو "التربية"، وهي تشير إلى
التأديب كوسيلة لإعداد الشخص وتدريبه.ليشمل التدريب، التأديب، والتنشئة
الروحية والأخلاقية. الكلمة لا تحمل دلالة عقاب فقط، بل تُبرز جانب التوجيه
الإيجابي لتطوير شخصية المؤمن وفق إرادة الله، كما في الاية التالية التي تستخدم
نفس المعني ونفس الكلمة ( Paideia ) كما قيل " كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ
مُوحًى بِهِ مِنَ الله، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ
وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ الله كَامِلا،
مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ. (٢تى٣ :
١٦-١٧) لا تعني العقاب بحد ذاته بل تهدف إلى التهذيب الإيجابي، وفي ايه اخري تمنح معني الترببية في تعزيز العلاقة مع الله عبر تنقيتهم من الأخطاء، كعمل محبة من الله لإعداد المؤمنين لتتميم إرادته.
لكن يوجد كلمة
اخري تفرق عن ( παιδεία - Paideia ) هذه الكلمة هي ( κολασμός
- Kolasmos ) فبايديا تشير إلى التأديب الأبوي والتقويم الهادف، وهي تشير الي العلاقة الحنونة بين الله وأولاده، أما . (Kolasmos)تشير إلى العقاب القضائي أو الإنتقام العادل، تظهر الكلمة κολασμός بشكل محدود في
العهد الجديد، لكن لها دلالة قوية على العقوبة الإلهية كاستجابة للشر أو الخطية.
وهي غالبًا مرتبطة بدينونة الله النهائية، في البداية نري أن المحبة تطرح الخوف
ولكنه يقول ان الخوف له عقوبة " لا
خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ
إِلَى خَارِجٍ لأنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ
يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّة. (١يو ٤ : ١٨) كلمة عقوبة هنا تترجم في الأصل (κολασμός)
تشير الكلمة هنا إلى العقوبة المرتبطة بالخوف من الدينونة الإلهية. المحبة الكاملة
تُلغي هذا الخوف لأنها تعكس الثقة في الله، ولذلك يحتاج المؤمن أن يسير في دائرة
المحبة الكاملة في الله التي لا تجعل مكانا لعذاب الخوف أي لدائرة القضاء الالهي
والدينونة، وفي نفس سياق العذاب هذا واستخدام نفس الكلمة " فَيَمْضِي هؤُلاءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِي
وَالأبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ". (مت ٢٥ : ٤٦) كلمة عذاب
ابدي " κολασμός αἰώνιος " تشير هنا إلى العقوبة
الأبدية التي تنتظر غير المؤمنين، الكلمة κολασμός تُبرز جانبًا من طبيعة
الله كقاضٍ عادل. العقاب ليس مجرد انتقام بشري، بل هو تنفيذ عادل للعدالة الإلهية
ضد الخطية، الكلمة تُستخدم بشكل بارز في السياق الأبدي، حيث تُشير إلى الدينونة
النهائية والعذاب الأبدي للمتمردين ضد الله، كلمة αἰώνιος (Aionios)
تعني "أبدي" أو "دائم"، وتُستخدم للإشارة إلى
شيء بلا نهاية، سواء كان حياة أبدية أو عقابًا أبديًا، الكلمة تحمل فكرة
الاستمرارية الزمنية بلا انقطاع الكلمة تحمل معني "العقاب الأبدي"
أو "العذاب الأبدي" للإشارة إلى دينونة الله النهائية للأشرار
الذين رفضوا إرادته، حيث يُعاقبون بعقاب دائم لا ينتهي هذا لأنهم رفضوا التوبة.
- التأديب
الإلهي والافتراس والضرب :
التأديب الإلهي
ليس عملية إيقاع الألم أو الإيذاء، بل هو دعوة محبة من الله تهدف إلى إعادة
الإنسان إلى مسار البر والطاعة، ليعيش في انسجاما مع مشيئة الله. التأديب يُظهر
الله كطبيب يشفي، وليس كقاضٍ يعاقب هذا بخلاف القضاء الالهي في دائرة الدينونة.
ففي التأديب نرى يد الله الممتدة للشفاء والإصلاح، لا للإيذاء والتدمير، فيكون التأديب
كفرصة للتوبة " هَلُمَّ نَرْجعُ إِلَى الرَّبِّ لأنَّهُ هُوَ افْتَرَسَ
فَيَشْفِينَا، ضَرَبَ فَيَجْبِرُنَا. (هو ٦ : ١) فقد قال الشعب تعبير عن رغبة
الله لشعبه للرجوع إليه بعد فترة من التأديب، التأديب ليس عقوبة نهائية، بل وسيلة
لاسترداد علاقة الإنسان بالله، لكن ينبغي هنا فهم أن كلمة "افترس"
و"ضرب" في هذا السياق ليست إشارة إلى أن الله يُسبب الشر بنفسه،
بل أن نتائج الخطايا التي يرتكبها الإنسان، أو الشر الذي يأتي من الآخرين، لتكون
هذه الأحداث فرصة للإنسان للتوبة والرجوع، الله براء من الفعل ولكن الارتباط
الوحيد هو في الحكم القضائي، فقد يصدر القرار القضائي بالتأديب او الدينونة، وهنا
يتحدد تحركات القوي الشيطانية او البشرية تجاه المحكوم عليهم، ولذلك ادرك الشعب ان
ما هم فيه ليس تأديبا فحسب بل ينونة علي ابائهم وعليهم، فقرروا التوبة.
الكلمة افترس
Torn טָרַף تنطق Taraf هذه الكلمة تُستخدم عادة لوصف فعل المفترس (مثل الأسد)
الذي يُمزق فريسته. في السياق اللاهوتي، تشير هنا إلى تأديب الله بقوة شديدة
لتقويم الشعب، والكلمة ضرب Smitten הִכָּה تنطق Hikkah
تشير هذه الكلمة إلى الضرب أو الإيذاء الجسدي، وهي تُستخدم هنا للإشارة إلى ضرب
الاعداء مستغلين حكم الله عليهم كتأديب، فالافتراس والضرب صورة مزدوجة للتأديب
الإلهي افترس "طَرَف" (טָרַף) تُظهر شدة التأديب، اما ضرب "هِكَّه"
(הִכָּה) تُظهر العقاب المؤلم
كجزء من خطة الله لإعادة شعبه إلى التوبة والشفاء الروحي، لانه يوجد فئتان من
المجتمع الاول واقع الافتراس بشدة كعقاب دينونة، والآخر شعر به وكأنه ضرب واقع
تأديبي وفي الحالتين الأمر يحتاج لتوبة .
الواقع التفسيري لآية (هو ٦ : ١ ) في سياق الإصحاح الخامس والسادس، فالخلفية السياقية (هوشع 5) في الإصحاح الخامس، يُظهر الله غضبه تجاه
خطايا إسرائيل ويهوذا. يتحدث النص عن حالة الشعب الروحية الفاسدة، حيث وصفهم بالخيانة
والزنا الروحي من خلال اتباعهم للأوثان والاعتماد على تحالفات سياسية
بدلا من الإعتماد على الله، استخدم الله لغة التأديب القاسية، فعندمما ينفذ
فلن تكون تأديبا بل قضاء الهي ودينونة فقال: " لأنِّي لأفْرَايِمَ كَالأسَدِ، وَلِبَيْتِ
يَهُوذَا كَشِبْلِ الأسَدِ. فَإِنِّي أَنَا أَفْتَرِسُ وَأَمْضِي وَآخُذُ وَلا
مُنْقِذٌ. (هو ٥ : ١٤) هنا يظهر الله كديّان صارم، يُعاقب شعبه ليعيدهم إليه
من خلال الألم والتأديب، فيكون القضاء علي الجيل المخطئ وتعليما للاجيال اللاحقة
فتسير نحو التوبة وليس كما في مسالك ابائهم، لذلك في الإصحاح السادس يبدأ بنداء
إلى الشعب للرجوع إلى الله. هذه الآية (هو ٦ : ١) هي دعوة شعبية مليئة بالأمل
والاعتراف بأن التأديب الإلهي ليس هدفه الإبادة، بل الإصلاح، يقول الشعب بحسب وجهة
نظرهم يري أن الله وفترس و ضرب. ولكن في الحقيقة أن الافتراس هنا ما هو الا تحركات
قوي الشر تجاه المخطئين فينال منهم ويفترسو "هَلُمَّ نَرْجعُ إِلَى
الرَّبّ..."، معترفين بأن الله هو الذي ضربهم، لكنه أيضًا هو القادر على
شفائهم
المخطئون هنا هم شعب إسرائيل
(مملكة الشمال) ويهوذا (مملكة الجنوب)، والسبب هو: ارتدادهم الروحي: اتباع
عبادة الأوثان وترك عبادة الله، الاعتماد على الأمم الأخرى: التحالفات
السياسية مع الأمم مثل مصر وأشور بدلًا من الاعتماد على الله " "وَرَأَى
أَفْرَايِمُ مَرَضَهُ وَيَهُوذَا جُرْحَهُ، فَمَضَى أَفْرَايِمُ إِلَى
أَشُّورَ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَلِكٍ عَدُوٍّ. وَلكِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ
يَشْفِيَكُمْ وَلا أَنْ يُزِيلَ مِنْكُمُ الْجُرْحَ. (هو ٥ : ١٣) فأبرز
الخطايا التي استدعت التدخل
الزنا الروحي " شَعْبِي
يَسْأَلُ خَشَبَهُ، وَعَصَاهُ تُخْبِرُهُ، لأنَّ رُوحَ الزِّنَى قَدْ أَضَلَّهُمْ
فَزَنَوْا مِنْ تَحْتِ إِلهِهِمْ. يَذْبَحُونَ عَلَى رُؤُوسِ الْجِبَالِ،
وَيُبَخِّرُونَ عَلَى التِّلالِ تَحْتَ الْبَلُّوطِ وَاللُّبْنَى وَالْبُطْمِ
لأنَّ ظِلَّهَا حَسَنٌ! لِذلِكَ تَزْنِي بَنَاتُكُمْ وَتَفْسِقُ كَنَّاتُكُمْ. لا
أُعَاقِبُ بَنَاتِكُمْ لأنَّهُنَّ يَزْنِينَ، وَلا كَنَّاتِكُمْ لأنَّهُنَّ
يَفْسِقْنَ. لأَنَّهُمْ يَعْتَزِلُونَ مَعَ الزَّانِيَاتِ وَيَذْبَحُونَ مَعَ
النَّاذِرَاتِ الزِّنَى. وَشَعْبٌ لا يَعْقِلُ يُصْرَعُ. (هو٤ : ١٢-١٤)
والظلم الاجتماعي " اِسْمَعُوا
قَوْلَ الرَّبِّ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ: "إِنَّ لِلرَّبِّ مُحَاكَمَةً مَعَ
سُكَّانِ الأرْضِ، لأنَّهُ لا أَمَانَةَ وَلا إِحْسَانَ وَلا مَعْرِفَةَ الله فِي
الأرْضِ. لَعْنٌ وَكَذِبٌ وَقَتْلٌ وَسِرْقَةٌ وَفِسْقٌ. يَعْتَنِفُونَ، وَدِمَاءٌ
تَلْحَقُ دِمَاءً. لِذلِكَ تَنُوحُ الأرْضُ وَيَذْبُلُ كُلُّ مَنْ يَسْكُنُ فِيهَا
مَعَ حَيَوَانِ الْبَرِّيَّةِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، وَأَسْمَاكِ الْبَحْرِ
أَيْضًا تَنْتَزِعُ. (هو٤ : ١-٣)
والافتقار إلى معرفة الله الحقيقية " قَدْ هَلَكَ شَعْبِي مِنْ عَدَمِ
الْمَعْرِفَةِ. لأنَّكَ أَنْتَ رَفَضْتَ الْمَعْرِفَةَ أَرْفُضُكَ أَنَا حَتَّى لا
تَكْهَنَ لِي. وَلأنَّكَ نَسِيتَ شَرِيعَةَ إِلهِكَ أَنْسَى أَنَا أَيْضًا
بَنِيكَ. (هو ٤ : ٦)
لذلك فتدخل القوى الخارجية كأداة للتأديب او الدينونة والقضاء الالهي من
للأمم المحيطة بإسرائيل أن تكون أداة في تأديب شعبه، مثل - الأشوريين: أشور كانت
القوة الرئيسية التي اجتاحت مملكة الشمال (إسرائيل) عام 722 ق.م، التأديب جاء
نتيجة اعتماد إسرائيل على أشور لتحالف عسكري بدلًا من الاتكال على الله،
والمصريين، على الرغم من لجوء إسرائيل لمصر في بعض الأحيان، فإن مصر كانت تهدد
أمنهم واستقرارهم، لذلك فالسير بعيدا عن الوصية ينال الانسان اوالشعب قضاء " أَفْرَايِمُ
مَظْلُومٌ مَسْحُوقُ الْقَضَاءِ، لأنَّهُ ارْتَضَى أَنْ يَمْضِيَ وَرَاءَ
الْوَصِيَّةِ. (هو ٥ : ١١) تشير إلى السبي الأشوري نتيجة الابتعاد عن الله.
- التأديب
الإلهي لا سماح فيه بل شفاء :
من المهم التمييز
بين التأديب الإلهي والتجربة، الله لا يسمح بالتجربة بمعنى دفع الإنسان نحو الشر،
لأن الكتاب واضح في هذا الأمر " لا يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ:
"إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ الله"، لأنَّ الله غَيْرُ مُجَرَّبٍ
بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لا يُجَرِّبُ أَحَدًا. (يع ١ : ١٣) فاللتجارب تأتي من
مصادر متعددة، من شهوات الإنسان النفس " وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِه ( يع
١ : ١٤ ) ومن إبليس أو من البشر: حين يستخدم الشيطان الأشخاص أو الظروف ليجرّب الإنسان، ولكن الله لا يشارك في دفع التجربة، بل هو يتدخل لشفاء آثارها، سواء كانت
تجربة بسبب أخطاء الإنسان (كتأديب) أو تجربة بلا سبب كظاهر (إمتحان).
في كلا الحالتين، الله يعمل لخلاص الإنسان وتعويضه، كما نرى في قصة أيوب، الذي
جُرّب من إبليس بلا خطأ في حياته، ولكن الله عوّضه عن كل خسائره، وقصة يوسف بن
يعقوب عندما اضطهدوه اخوته.
توجد كلمة عبرية استخدمها الوحي
"נִסָּה" (Nissah)تعني "اختبار" أو "تجربة"، وهي تشير إلى التجارب التي تأتي لاختبار الإيمان أو الثبات، كما حدث مع أبونا إبراهيم عندما أمره الله بتقديم إسحاق، فهي تستخدم للإشارة إلى الاختبار الذي يضعه الله أمام الإنسان ليُظهر
إخلاصه، أو للتعبير عن وضع الشخص في موقف صعب يكشف عن إيمانه أو استقامته، كما نري
في امتحان ابونا إبراهيم " وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأمُورِ أَنَّ الله
امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: "يَا إِبْرَاهِيمُ!". فَقَالَ:
"هأَنَذَا". (تك ٢٢ : ١) الله اختبر إيمان إبراهيم بطلبه تقديم ابنه
إسحاق كذبيحة ، وكما جاء في " وَتَتَذَكَّرُ كُلَّ الطَّرِيقِ الَّتِي
فِيهَا سَارَ بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هذِهِ الأرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْقَفْرِ،
لِكَيْ يُذِلَّكَ وَيُجَرِّبَكَ لِيَعْرِفَ مَا فِي قَلْبِكَ: أَتَحْفَظُ
وَصَايَاهُ أَمْ لا؟ (تث ٨ : ٢) استخدم نفس الكلمة Nissah فالمقصود هنا
الامتحان وليس التجربة حتي وإن ترجمت تحربة فهي ليس كالتجارب الريرةبل اختبار
حياة، هنا دائرةة التنقية، لأن الثقافة الواردة من أرض مصر كان لابد لها أن تتغير،
ولمعرفة مدى اعتمادهم عليه،
توجد كلمات اخري مستخدمة يمكن أن تحمل معاني
"امتحان" أو "تجربة"، ولكن التفريق بينهما
يعتمد غالبًا على السياق. في اللغة العبرية واليونانية، هناك كلمات يمكن أن تشير
بوضوح إلى "امتحان" (كعملية اختبار للنوايا أو الإيمان)
وليس مجرد "تجربة" بالمعنى السلبي، ففي العبرية نجد كلمة חָקַר Haqar ووتمعنى البحث، الفحص، أو الامتحان بدقة، كما
قيل "فَاحِصُ الْقُلُوبِ وَالْكُلَى" (ار ١٧ : ١٠).هنا تشير إلى
إمتحان النوايا الداخلية فهي search ولكنها تحمل معني الفحص، وكلمة
اخري בָּחַן Bahan وتمعنى امتحان أو اختبار للتحقق من الأصالة،
وتُستخدم للإشارة إلى إختبار الإنسان أو الإيمان، كما جاء "الرب
يَمْتَحِنُ الصِّدِّيقَ" (مز ١١ : ٥) تشير إلى امتحان الله للإيمان
وليس تجربة لإيقاع الإنسان في الخطية
في اليوناني جاءت
ببعض الكلمات مثل δοκιμάζω Dokimazō وتمعنى امتحان للتحقق من
الأصالة أو الجودة، ويُستخدم للإشارة إلى إمتحان الله لإيمان الإنسان،
أو فحصه للنوايا " لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ
أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ،
تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلانِ يَسُوعَ
الْمَسِيحِ، (١بط ١ : ٧) هنا تعني امتحان الإيمان للتأكد من نقاوته، كلمة اخري
πειρασμός Peirasmos تشير
إلى تجربة، لكنها في بعض السياقات تعني امتحانًا أو اختبارًا، كما جاء " امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا
بِالْحَسَنِ. (١تس ٥ : ٢١) هنا تحمل معنى الإختبار أو التحقق، كي لا ننساق
وراء كل تعليم او مهاكرات فارغة، كلمة اخري ἀποδείκνυμι Apodeiknumi
وتعني إثبات أو إظهار صحة شيء ما، ويُستخدم للإشارة إلى اختبار
يؤدي إلى إظهار جودة الإيمان أو العمل " أَيُّهَا الرِّجَالُ
الإسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ
قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ الله بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ
صَنَعَهَا الله بِيَدِهِ فِي وَسْطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ.
(أع ٢ : ٢٢) فكلمة تَبَرْهَنَ ، امتحن لدرجة كشف لكم بكل وضوح.
التأديب الإلهي
يهدف دائمًا إلى الشفاء والبناء، لا إلى الهدم أو الإيقاع. في الكتاب المقدس، يظهر
التأديب كوسيلة لإعداد الإنسان وتحقيق مقاصد الله من خلال الاختبارات التي تكشف
الإيمان وتنقي النوايا. الكلمات المرتبطة بهذا المفهوم تحمل معاني مختلفة، منها الامتحان
الذي يختبر أصالة الإيمان والجودة، ومنها التجربة التي تهدف لإظهار ضعف الإنسان أو
الاعتماد الكامل على الله. يتم التمييز بين "الاختبار" الذي يُظهر
الإيمان و"التجربة" التي ترتبط بالشر أو الخطية. الله لا يدفع نحو الشر،
بل يعمل لتقويم النفس وشفائها، ويحول كل اختبار إلى فرصة للبركة والنمو الروحي.
٢
التأديب المشترك هدف أم غاية
التأديب الإلهي
ليس مجرد وسيلة لدفع الإنسان أو الشعوب بعيدًا عن الخطأ وعن الذنوب والخطايا، بل
هي عملية هادفة تحمل في طياتها غاية سامية، الله بحكمته المطلقة يستخدم التأديب
ليس فقط لتقويم أخطاء الأفراد والجماعات، بل لتحقيق خطة أكبر تشمل إعداد الشعوب
وتجديد علاقتها به. هذا التأديب يُظهر رحمة الله وعدله معًا، ويعكس التزامه بتحقيق
إرادته النهائية في استرداد الخليقة بأسرها، فالتأديب المشترك يُعبّر عن تلك
اللحظات التي يستخدم فيها الله ظروفًا أو أممًا مختلفة كوسيلة لتأديب شعبه أو
تأديب شعوب أخرى، حيث تظهر سيادته المطلقة على التاريخ. في هذه الديناميكية، يظهر
التأديب كوسيلة لتحقيق غايتين مترابطتين:
- تقويم الداخل: إعادة تشكيل العلاقة بين
الله وشعبه، سواء حدث هذا قديما فهو تاريخ وشهادة، أو سواء
اليوم في عهدنا، فالله في كل العصور والأجيال مبادئه واحدة
- تأثير على الخارج: توجيه الشعوب
الأخرى نحو التوبة ومعرفة الله، أيضا أن كان قديما أو
اليوم في زمننا، فإن كان شعب الله مستوي داخلي ، فالشعوب الأخري مستوي خارجي ( كونهم
خارج منظومة الإيمان المعلن من خلال شعبه ) فالله في تعاملاته ومبادئة لا يفرق بين
من هم داخل العمل الإلهي ومن هم خارجه، لأن الله يتعامل من خلال مبادىء وقوانين لا
يتخطاها.
- العلاقة بين الشعوب من منظور إلهي :
من يري أن الشعوب
جميعها في معزل عن إرادة الله، يكون مخدوعا أو فاهم الأمر خطأ، فالشعوب أدوات في
يده لتحقيق خطته، هذه الأدوات لا يحركها كما في مسرح العرائس، بل يتركها تسير
وكأنها بمعزل ويأخذ الله نتاج تصرفاتهم ليحولها لإتمام ارادته. وهنا يصير للإنسان
مسئولية قرارته، سواء كانوا أفرادا أو شعوبا أو أوطانا، فالعلاقة بين الشعوب نحو
الله تنقسم إلى مستويين:
- شعب الله: إسرائيل في العهد القديم
شعبًا مختارًا ليكون نورًا للأمم وأداة تنفيذ عدالة الله. تأديبهم كان يتطلب طاعة
عميقة لشريعته، حيث أن عصيانهم كان يؤدي إلى استخدام شعوب أخرى لتأديبهم.
- الشعوب الأخرى: استخدم الله الشعوب
الوثنية كأداة تأديب، لكن دائمًا كان يدعوها إلى التوبة.
على سبيل المثال،
العلاقة بين إسرائيل وأمم مثل بابل وآشور كانت تعبيرًا عن تأديب مزدوج. بابل كأداة
تأديب لإسرائيل كانت تُظهر عدالة الله، لكنها في ذات الوقت كانت تُحذَّر من التمادي
في الظلم، مما أدى لاحقًا إلى تأديبها هي أيضًا، التأديب ليس عقوبة نهائية، الغاية
النهائية ليست مجرد القضاء على الشر، بل تحقيق العدالة وتجديد الشعوب. يمكن تلخيص
غايات التأديب المشترك في النقاط التالية:
- تطهير داخلي: تأديب شعب الله يهدف إلى إزالة الوثنية، الفساد،
والابتعاد عن الوصايا الإلهية.
- دعوة للتوبة: الشعوب الأخرى ترى يد
الله في التأديب، مما يدعوها إلى معرفة الله الحقيقي.
- تحقيق العدالة: الله لا يترك أي أمة
تتصرف بدون حساب، فهو يوازن بين رحمته وعدله.
- إعداد الشعوب لمجيء المسيح: في العهد الجديد، أصبحت الدعوة للتوبة تشمل كل الأمم، مشيرة إلى أن
التأديب كان جزءًا من خطة الله لجذب الجميع إليه.
فمن أجل كل ما
سبق شرحه لابد أن ندرك أن التأديب ليس حروبا ومطاحنات دول بعضها في بعض، بل فضح
فتهذيب من أجل الاستقامة والصلاح، لذلك يدخل في جوانبها الكلمة اليونانية: ἐλέγχω
(Elencho) والتي تعني "توبيخ" أو "إثبات الخطأ"
التأديب الإلهي يحمل هذا المعنى، حيث يُظهر الله أخطاء الشعوب ويُقوّمها لتعود
إليه. استخدام هذه الكلمة يشير إلى أن التأديب ليس فقط إجراءً تأديبيًا بل فرصة
للتعلم، وإن لم يأتي الإنسان ( أو الشعوب ) بالفضح والتوبيخ للتقويم والتهذيب،
يدخلون في دائرة الحروب الطاحنة التي تكون بمثابة دينوهة وأحكام قضاء الهي، نري
هذا في سفر يونان، كيف أرسل الله النبي يونان إلى نينوى لتحذيرها من الدينونه
الوشيكة. الرسالة كانت صريحة: "بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْقَلِبُ نِينَوَى!"
لم يكن هذا تهديدًا فارغًا، بل دعوة للتوبة والتغيير. عندما قبلت نينوى التوبيخ
وتابت، أوقف الله القضاء، مما أظهر أن التأديب يهدف إلى الإصلاح، لا إلى الدمار.
على النقيض، في
سفر حزقيال، نرى أممًا كأدوم وبابل تُدين لرفضها التوبة رغم التحذيرات. الله يقول
عن أدوم: "مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ لَمْ تَكْرَهِ الدَّمَ، فَالدَّمُ
يَتْبَعُكَ." (حزقيال 35 :6). هنا يتحول التوبيخ إلى دينونة عندما ترفض
الشعوب الاستجابة لنداء الإصلاح، التأديب الإلهي يحمل دائمًا غاية سامية. حتى
عندما يكون قاسيًا، فهو فرصة للتوبة والعودة. رفض الشعوب أو الأفراد للتوبيخ
الإلهي يحول التأديب إلى دينونة، كما حدث مع فرعون مصر الذي تجاهل ضربات الله
المتتالية ورفض إطلاق شعب إسرائيل، مما أدى إلى هلاكه في البحر الأحمر.
- التأديب وارتباطه بالكفارة :
يقف أمر التأديب
موقف ما بين العدل والرحمة، فلا يستطيع الإنسان أن يعيش في دائرة الأمان من
الأحكام القضائية الإلهية إلا عندما يدخل داخل سياج من الرحمة الإلهية، وهذه
الرحمة تطلب عدم الخروج من دائرة العدل الإلهي، فنقول ما يلي :
ذنب ( خطية ) + عدم توبة + عدم
دفع الثمن = موت
هذا هو القانون الإلهي الذي يقول :
لأنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ
هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ الله فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ
يَسُوعَ رَبِّنَا. (رو ٦ : ٢٣)
فأجرة الذنب موت لعدم وجود التوبة والدخول تحت
الغطاء ( الكفارة ) لذلك جاءت كلمة كفارة في العبري כָּפַר (Kaphar) وتعني "كفارة" أو "تغطية"
وهي تحمل أن أخر حمل التأديب والدينونة، بحمله الذنب - الخطية - الموت، وتم إعطاء
الحياة للمكفر عنه، وبالتالي من حمل التأديب اعطي القدرة للمكفر عنه استعادة
العلاقة بينه وبين الله، لذلك جاء أمر الفداء في العهد القديم ( الذبيحة الحيوانية
ونظامها ) يعطي الفرصة لشعب الله بالسير في دائرة الرحمة ونزع الأحكام القضائية
سواء بالتأديب أو بالدينونة، وهذا ما لا يفهمه الأمم ( الشعوب الأخري ) حتي وإن
كان لديهم نفس المفاهيم ولكنها موجهة للأوثان والألهة المزيفة، وبالتالي عندما
يزداد شرهم ويدخلوا تحت الأحكام الإلهية بالتأديب والدينونة ينالوا من جزائها
الكثير، فمن يفهم منهم ويرجع بالتوبة والاستقامة ينال من الرب إحسانا برفع التأديب
ولكنه لا ينال الحياة بغفران الخطايا كما لشعب الله من إمتياز لأنهم لم يدخلوا تحت
الكفارة.
أضع أمام القارئ
الفكر كاملا حول كيف أن الكفارة لها دور كبير في رفع دوائر التأديب والدينونة،
فالشريعة الموسوية ليست مجرد طقس ديني، بل هي محور العلاقة بين الإنسان والله، ( في
العهد الاول ) فالكفارة تمثل نظامًا متكاملا يهدف إلى استعادة الشركة بين الله
والإنسان بعد أن فصلتها الخطية والشر الذي يصنعه الانسان، لذلك نري الكفارة خطوط
مرتبطة بالله وقضائه، ولذلك من ضمن أدواتها واهمها هي الذبيحة، لذلك كان يطلب الله
تقديم ذبيحة حيوانية كرمز لنقل الذنب من الإنسان إلى الحيوان الذي يموت بدلا منه "
وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الْمُحْرَقَةِ، فَيُرْضَى عَلَيْهِ لِلتَّكْفِيرِ
عَنْهُ. (لا ١ : ٤) هذ الأية تمنح لنا فهما عن فكرة التكفير (כָּפַר - Kaphar) كغطاء أو فداء،
حيث الذبيحة تتحمل عقوبة الخطية نيابة عن المخطئ، لذلك كان يقام يوما يسمي بيوم
الكفارة (يوم الغفران) ، (لاويين ١٦) هو مثال على الكفارة الجماعية. في هذا
اليوم، يدخل رئيس الكهنة قدس الأقداس ليقدم دم الذبيحة عن نفسه وعن الشعب، حاملا
خطايا الشعب بعيدًا، هذه الطقوس تُظهر بوضوح خط الكفارة الجماعية، حيث تتطهر الأمة
بأكملها من خطاياها " فَيُكَفِّرُ
عَنِ الْقُدْسِ مِنْ نَجَاسَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنْ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ
كُلِّ خَطَايَاهُمْ. وَهكَذَا يَفْعَلُ لِخَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ الْقَائِمَةِ
بَيْنَهُمْ فِي وَسَطِ نَجَاسَاتِهِمْ. (لا ١٦ : ١٦) هذا لأن في التكفير علاقة
عهد، فعند إقامة العهد بين الله وشعب إسرائيل، رشَّ موسى الدم على الشعب وعلى
المذبح ليدخل الشعب في عهد مع الله بالدم " وَأَخَذَ مُوسَى الدَّمَ
وَرَشَّ عَلَى الشَّعْبِ وَقَالَ: "هُوَذَا دَمُ الْعَهْدِ الَّذِي قَطَعَهُ
الرَّبُّ مَعَكُمْ عَلَى جَمِيعِ هذِهِ الأقْوَالِ". (خر ٢٤ : ٨) هذا
الأمر يشير إلى أن الكفارة ليست فقط تغطية للخطية، بل تثبيت لعلاقة العهد مع الله،
لذلك يطلب الله من شعبه أيضا أن يسيروا في طريق الإستقامة والطاعة " فَالآنَ
يَا إِسْرَائِيلُ اسْمَعِ الْفَرَائِضَ وَالأحْكَامَ الَّتِي أَنَا أُعَلِّمُكُمْ
لِتَعْمَلُوهَا، لِكَيْ تَحْيَوْا وَتَدْخُلُوا وَتَمْتَلِكُوا الأرْضَ الَّتِي
الرَّبُّ إِلهُ آبَائِكُمْ يُعْطِيكُمْ. (تث ٤ : ١) الله يشدد على أن الطاعة
لشرائعه تحفظ الشعب من الخطايا وتغنيهم عن الأحكام التأديبية، لان الكفارة ليست
طقوسًا فقط، بل تشمل أيضًا حياة مكرسة لله، لأن في الكفارة يتحقق العدل الإلهي.
- المذبح والذبيحة الكفارة ورفع العقاب :
الكفارة في العهد الموسوي هي غطاء وستر لنوال الرحمة بغفران الخطايا من
خلال دم الذبيحة التي تقدم علي المذبح، ولذلك صار لكل مذبح اسم يقدم مستوي معين من
الرحمة ورفع دوائر التأديب والدينونة، كمذبح المحرقة ( خر ٢٧ ) وفيها
يأخذ الحيوان الدينوه والحكم بالموت نيابة عن الإنسان كفداء عن حياة الإنسان، فالدم
في قلب الكفارة ويتم علي المذبح، وكان الدم يرمز إلى الحياة، وفي نفس الوقت كان
يمثل عقوبة الخطية " لأنَّ
أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ الله فَهِيَ حَيَاةٌ
أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. (رو ٦ : ٢٣) فبإراقة دم الذبيحة،
كان المؤمن يقدم كفارة عن خطيته، وكأن الحياة تُؤخذ من الذبيحة بدلا من حياته هو،
وبالتالي يحدث في حياة الإنسان مصالحة مع الله بدم الذبيحة، لان الدم يكفر عن
النفس ويصنع المصالحة " لأنَّ
نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى
الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ
النَّفْسِ. (لا ١٧ : ١١) هذا هو المفهوم الذي سار عليه الوحي في العهد الجديد "
وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ
سَفْكِ دَمٍ لا تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ! (عب ٩ : ٢٢) إذا لكي يرفع العقوبة والحكم
القضائي لزم وجود حامل للذنب لكي ينال الإنسان سلاما ورحمة وأمانا.
- مذبح البخور ورمزية حرق البخور :
هذا المذبح داخل القدس ( خر ٣٠ ) في خيمة الاجتماع، أمام الحجاب. يُستخدم
لحرق البخور كرمز لرفع صلوات الشعب إلى الله، ويستخدم يوميًا في الصباح والمساء،
البخور التي تحرق على هذا المذبح تمثل صعود صلوات الشعب إلى الله، الدخان المتصاعد
كان بمثابة صعود صلواتهم إلى السماء، هذا في العهد القديم كطقس، فالصلوات التي
ترفع علي مذبح البخور مبنية علي أساس دم الذبيحة الكفارية وبدونها لا قيمة للبخور
ورمزيته، أما في العهد الجديد فلسنا في حاجة لمثل هذه الطقوس، لأن العهد الجديد بدم
المسيح وعمله الكفاري جلب لنا كمال الناموس، فليس لدينا حاجة إلى الطقوس الحيوانية
والبخور وغيرها من الأنظمة الباطلة، والتضحيات المادية. المسيح هو الكاهن الأعظم الذي
قدم ذبيحة كاملة ونائية عن الخطية، لذلك فرفع البخور كرمز وصفه يوحنا في رؤياه
السماوية، يرى ملاكًا يقف عند المذبح ومعه مبخرة من ذهب، وأُعطي بخورًا كثيرًا
ليقدمه مع صلوات القديسين جميعهم على مذبح الذهب الذي أمام العرش. هذه الرؤية ترمز
إلى صعود صلوات المؤمنين إلى الله من خلال المسيح كشفيع، لذلك يرمز مذبح البخور
إلى شفاعة المسيح ككاهن أعظم، حيث يرفع صلوات المؤمنين إلى الآب. المسيح هو الوسيط
الوحيد بين الله والإنسان، وهو يقدم صلواتنا إلى الآب، بالطبع يعوزنا الوقت والجهد
لنتكلم عن انواع الذبائح وأنواع المذابح، فجميعها مبنية علي ذبيحة العهد الكفارية
التي فتحت طريق السلام مع الله، وهذا عندما قام المسيح بتقديم نفسه ابطل كل النظام
الموسوي ليبقي عمل المسيح وحده هو العمل الكامل صنيعه
- الكفارة والعلاقة مع الشعوب الأخرى :
الكفارة مفهوم خاص بعلاقة شعب الله
به، لكن الأمم الأخرى تُدان بسبب افتقارها لهذه العلاقة. ومع ذلك، عندما تقبل
الأمم التقرب إلى الله، كما في قصة رحاب الكنعانية، يمكنهم التمتع بالرحمة الإلهية،
واليوم يستطيع الأمم والشعوب التمتع بالكفارة في الايمان بالمسيح، فقد كان الدم
والذبائح في العهد القديم رموزًا لذبيحة المسيح الكاملة " لأنَّهُ لا
يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا. (عب ١٠ : ٤) هذا
يُظهر أن الكفارة في الشريعة كانت رمزًا للخلاص الكامل الذي سيتحقق في العهد
الجديد، فعمل المسيح على الصليب هو تحقيق كامل لنظام كفارة. المسيح، وهو الله
المتجسد، قدم نفسه ذبيحة كاملة عن خطايا العالم. في عمله هذا، نرى التوازن بين
العدالة والرحمة بطريقة أكثر وضوحًا - العدالة: المسيح وهو البار، تحمل
عقاب خطايا العالم. مات على الصليب بدلًا عنا، ودفع الثمن الكامل للخطية، أما في
أمر الرحمة: في نفس الوقت، كان موت المسيح عملًا من أعمال الرحمة الإلهية،
الله أرسل ابنه الوحيد ليموت من أجلنا، لكي نكون نحن أحرارًا من عبودية الخطية
والموت " الَّذِي قَدَّمَهُ الله كَفَّارَةً بِالإيمَانِ بِدَمِهِ،
لإظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ
بِإِمْهَالِ الله. لإظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ
بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإيمَانِ بِيَسُوعَ. (رو٣ : ٢٥-٢٦) لذلك علينا إدراك أن بالإيمان بالمسيح
ينال المؤمن سلاما داخليا يفوق كل ادراكات البشر وبالتالي يصير للمؤمن فرصة
البداية النقية والحياة في ستر وحمى المسيح، ولا خوف من عقاب الله في أحكامه
القضائية، فلا يصير التأديب كعقاب كما في العهد الأول بل تاديبا كبنين وهنا الفرق (
فرق كبير طبعا )
- الفرق بين التأديب كبنين أو كشعوب وأمم :
التأديب الإلهي يتخذ مسارين رئيسيين: تأديب الأفراد كبنين لله - وتأديب
الشعوب والأمم. ورغم أن كلا النوعين يسعيان لتحقيق الصلاح، إلا
أن أدوات الله وأهدافه تختلف بحسب طبيعة العلاقة بينه وبين المتلقي.
أولًا: التأديب كبنين لله :
التأديب الإلهي للأفراد ينبع من علاقة محبة
وأبوة روحية. الله، كأبٍ محب، يُؤدب أبناءه لا ليعاقبهم، بل ليقودهم نحو التوبة
والبر، والغرض الأساسي هو التهذيب والنمو الروحي، إذ يريد الرب من ابناءه أن يراهم
يسيرون في طرقه " وَقَدْ نَسِيتُمُ الْوَعْظَ الَّذِي يُخَاطِبُكُمْ
كَبَنِينَ:"يَا ابْنِي لا تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ، وَلا تَخُرْ إِذَا
وَبَّخَكَ. لأنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ
يَقْبَلُهُ". إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ التَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ الله
كَالْبَنِينَ. فَأَيُّ ابْنٍ لا يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟ (عب١٢ : ٥-٧) فالتأديب يبدأ بالوعظ والإرشاد ( من
خلال كلمة الله ـ العلاقات الشخصية ) ثم يتدرج الي مستوي التوبيخ وعندما لا
توجد طاعة يدخل في نطاق الجلد ( التجارب والصعوبات ) هذا لكي يفيق الإنسان
من غيبوبته، مع ملاحظة أن الجلد هنا يكون من نتاج التصرفات وليس من الله، فالله لا
يجرب أحد ولكن بسبب عدم الطاعة يدخل الإنسان نفسه في تجارب لن ترفع إلا بعد أن
يتعلم الدرس ويصلح ما أفسده.
الكلمة اليونانية
المرتبطة بالتأديب الفردي παιδεία (Paideia) تعني "تدريب" أو "تأديب"
أو "تهذيب". وهي الكلمة المستخدمة في (عب ١٢ : ٧)، وهي عملية
مستمرة تهدف إلى تطوير الإنسان ليصبح كاملًا في الله، عندما أخطأ داود في قضية
أوريا الحثي، أرسل الله النبي ناثان لتوبيخه (٢ صم ١١ و ١٢). التأديب كان مؤلمًا،
لكنه أعاد داود إلى التوبة والاتكال على الله، فقد كان خطأه مركبًا، إذ وقع في
الخطية من عدة نواحٍ، الزنا مع بثشبع زوجة أوريا - الخداع والتلاعب بمحاولة تغطية خطيته بجعل أوريا يعود إلى بيته - القتل غير المباشر عندما أرسل أوريا إلى جبهة المعركة ليموت، فتدخل الله للتأديب، فبدل أن يترك داود يغرق في خطيته، أرسل الله ناثان النبي كأداة للتوبيخ والتأديب.
جاء التأديب الإلهي ليكشف الخطأ ويقود داود إلى التوبة، فقد تخطي داود مرحلة الوعظ
والإرشاد وإسقاط ذاته في الخطية، لذلك دخل في مرحلة التوبيخ من ناثان النبي، فقد
استخدم طريقة حكيمة لتوصيل رسالة الله، من خلال سرد قصة رمزية عن رجل غني أخذ نعجة
الرجل الفقير. عندما غضب داود من الظلم في القصة، قال له ناثان " فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: "أَنْتَ
هُوَ الرَّجُلُ! (٢صم ١٢ : ٧) فكان
لابد بالدخول في منطقة الجلد، فقد ادخل داود نفسه في دائرة التجارب والصعوبات،
فالطفل الذي من اوربا لداود يموت " غَيْرَ
أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ بِهذَا الأمْرِ أَعْدَاءَ الرَّبِّ
يَشْمَتُونَ، فَالابْنُ الْمَوْلُودُ لَكَ يَمُوتُ". (٢صم ١٢ : ١٤) نتاج
ما يأتي من الشر لابد أن يفقد ويتم خسارته ( قد يسأل أحدا .. وما زنب الولد، لا
يوجد ذنب علي حياته، فموته ليس عقابا للولد، إن موته ما هو الي واقع وطبيعة
الأجواء الروحية التي لبيت داود ) هذا بالإضافة إلي المشاكل العائلية بأن السيف لن يفارق بيت داود وهذا إضافة إلي الأجواء الروحية من قيود بسبب
تصرفات ليست حيدة " وَالآنَ لا يُفَارِقُ السَّيْفُ بَيْتَكَ إِلَى
الأبَدِ، لأنَّكَ احْتَقَرْتَنِي وَأَخَذْتَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ
لِتَكُونَ لَكَ امْرَأَةً. هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا أُقِيمُ عَلَيْكَ
الشَّرَّ مِنْ بَيْتِكَ، وَآخُذُ نِسَاءَكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ وَأُعْطِيهِنَّ
لِقَرِيبِكَ، فَيَضْطَجعُ مَعَ نِسَائِكَ فِي عَيْنِ هذِهِ الشَّمْسِ. (٢صم١٢
: ١٠-١١) وتحققت النبوة في سلسلة من
المآسي: تمرد ابنه أبشالوم - اغتصاب أمنون لثامار أخته - مقتل أمنون على يد
أبشالوم.
رغم أن التأديب
كان قاسيًا، إلا أنه قاد داود إلى التوبة الحقيقية، كتب داود مزمور ٥١ كلمات قوية
تعبر عن حالته وإحساسه بالندم وطلب الرحمة فقال " اِرْحَمْنِي يَا اَللهُ
حَسَبَ رَحْمَتِكَ. حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ. اغْسِلْنِي
كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي، وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي. لأنِّي عَارِفٌ
بِمَعَاصِيَّ، وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِمًا. إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ،
وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ، لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي أَقْوَالِكَ،
وَتَزْكُوَ فِي قَضَائِكَ. (مز٥١ :
١-٤) التأديب جعل داود يدرك خطورة الخطية وعواقبها، لكنه أيضًا قاده إلى
اختبار غفران الله وتجديد العلاقة معه.
تأديب داود ليس
للانتقام - الله لم يؤدب داود لينتقم منه، بل ليُظهر له خطأه ويقوده إلى
التوبة، ليس للهلاك - التأديب كان مؤلمًا لكنه لم يكن نهائيًا. الله استمر
في استخدام داود كملك وباركه لاحقًا، التأديب كان لإصلاح العلاقة - هدف
التأديب الأساسي كان إعادة داود إلى الله وجعله يدرك أهمية البر والاستقامة، لأنالخطية
تُبعد الإنسان عن الله، لكن التأديب الإلهي يعيده إلى طريق البر، فالله لا يتهاون
مع الخطية، لكنه دائمًا يقدم فرصة للتوبة والإصلاح، التأديب يعكس محبة الله، إذ
أنه لا يترك أبناءه يسيرون في طريق الهلاك، بل يستخدم التأديب كأداة للتقويم.
ثانيًا: التأديب للشعوب والأمم
على مستوى الشعوب، يتخذ التأديب طابعًا جماعيًا،
ويرتبط غالبًا بالعدالة الإلهية وسيادته على التاريخ. الله لا يتعامل مع الشعوب
كأبناء بالمعنى الأبوي، بل كخالق وسيد كل الأرض، ولذلك يكون التأديب غالبًا إعلانًا
لسلطانه ودعوته للأمم إلى التوبة، وتصحيح مسار الأمم حينما تبتعد عن العدالة
الإلهية، وحماية شعب الله من تأثير الشر المحيط، وإعلان مجده أمام جميع الشعوب، لذلك
فحدوث الحروب، والكوارث الطبيعية، يكون بمثابة احكام للقضاء الإلهي المباشر.، فعلي
سبيل المثال : رفض فرعون إطلاق بني إسرائيل، فاستخدم الله عشر ضربات (خر ٧ - ١٢ ) كأداة
تأديب وكشف عن سلطانه، مما دفع مصر إلى الإذعان لإرادة الله "فَيَعْلَمُ
الْمِصْرِيُّونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ، حِينَ أَمُدُّ يَدِي عَلَى مِصْرَ" (خر
7 :5).الله يستخدم التأديب ليظهر أن له السلطان الكامل على الخليقة بأسرها، بما في
ذلك الشعوب والأمم. في سفر إشعياء، يقول الرب عن قوته وسلطانه " " اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا
جَمِيعَ أَقَاصِي الأرْضِ، لأنِّي أَنَا الله وَلَيْسَ آخَرَ. (إش ٤٥ : ٢٢) هذا
التأديب يظهر أن الله هو المتحكم في التاريخ والجغرافيا، حيث يُقيم ملوكًا ويُسقط
آخرين لتحقيق مشيئته، التأديب الإلهي ليس غايته الهلاك بل إصلاح الشعوب وقيادتها
للتوبة. الله لا يُسر بعقاب الخاطئ، بل يدعو الجميع إلى الرجوع إليه " هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ
الشِّرِّيرِ؟ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. أَلا بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ
فَيَحْيَا؟ (حز ١٨ : ٢٣) عندما أرسل الله يونان النبي إلى نينوى، أعلن عن قرب
وقوع الدينونة، لكن الهدف كان دعوة أهل نينوى للتوبة وليس تنفيذ الدينونة " فَلَمَّا
رَأَى الله أَعْمَالَهُمْ أَنَّهُمْ رَجَعُوا عَنْ طَرِيقِهِمِ الرَّدِيئَةِ،
نَدِمَ الله عَلَى الشَّرِّ الَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ يَصْنَعَهُ بِهِمْ، فَلَمْ
يَصْنَعْهُ. (يو ٣ : ١٠) الامر هنا لم يكن انتقامًا بل دعوة للتغيير والعودة
إلى الله،.
يؤدب
الشعوب لتصحيح مسارها عندما تبتعد عن العدالة الإلهية " اَلْبِرُّ
يَرْفَعُ شَأْنَ الأمَّةِ، وَعَارُ الشُّعُوبِ الْخَطِيَّةُ. (أم ١٤ : ٣٤) فعندما
تعيش الأمم في الظلم والفساد، يتدخل الله بالتأديب ليعيدها إلى البر والعدل، فقد
تعامل الله مع نبوخذنصر. بعد كبريائه، دخل في دائرة الانحدار إلى حالة من الجنون
كجزء من التأديب " يَطْرُدُونَكَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، وَتَكُونُ
سُكْنَاكَ مَعَ حَيَوَانِ الْبَرِّ وَيُطْعِمُونَكَ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ،
وَيَبُلُّونَكَ بِنَدَى السَّمَاءِ، فَتَمْضِي عَلَيْكَ سَبْعَةُ أَزْمِنَةٍ
حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ الْعَلِيَّ مُتَسَلِّطٌ فِي مَمْلَكَةِ النَّاسِ
وَيُعْطِيهَا مَنْ يَشَاءُ. (دا ٤ : ٢٢) هذا التأديب كان إعلانًا لسلطان الله
وتذكيرًا بعدم تحدي مشيئته، فالتأديب الإلهي يتضمن أحيانًا توجيه شعبه بعيدًا عن
التأثيرات الشريرة للشعوب المحيطة، أمر الرب بني إسرائيل بتجنب عبادة آلهة الأمم
الأخرى، وعندما فشلوا، دخلوا في دائرة السبي واستخدم كوسيلة لتأديبهم وتصحيح
مسارهم " لأنِّي عَرَفْتُ
الأفْكَارَ الَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَفْكَارَ
سَلامٍ لا شَرّ، لأعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً. (أر ٢٩ : ١١) فالتأديب يكون
للحماية من التأثيرات الوثنية المحيطة، وإعدادهم للعودة إلى الله، يهدف أيضًا إلى
إعلان مجد الله وقداسته أمام كل الأمم " اعْبُدُوا الرَّبَّ بِخَوْفٍ،
وَاهْتِفُوا بِرَعْدَةٍ. قَبِّلُوا الابْنَ لِئَلا يَغْضَبَ فَتَبِيدُوا مِنَ
الطَّرِيقِ. لأَنَّهُ عَنْ قَلِيل يَتَّقِدُ غَضَبُهُ. طُوبَى لِجَمِيعِ
الْمُتَّكِلِينَ عَلَيْهِ. (مز٢ :
١١-١٢) التأديب يبرز قوة الله وعدله، مما يدعو الشعوب إلى الخضوع والاعتراف
بسلطانه، عندما أدب الله شعوب كنعان بسبب خطاياهم، أعلن قداسته أمام بني إسرائيل
وأمام جميع الأمم " "بِكُلِّ
هذِهِ لا تَتَنَجَّسُوا، لأنَّهُ بِكُلِّ هذِهِ قَدْ تَنَجَّسَ الشُّعُوبُ
الَّذِينَ أَنَا طَارِدُهُمْ مِنْ أَمَامِكُمْ فَتَنَجَّسَتِ الأرْضُ. فَأَجْتَزِي
ذَنْبَهَا مِنْهَا، فَتَقْذِفُ الأرْضُ سُكَّانَهَا. (لا١٨ : ٢٤-٢٥) الله لا
يقبل الخطية من أي شعب.
٣
العبرة اليوم من طرق التأديب الإلهي
التأديب الإلهي
واختيار الشعب في الكتاب المقدس ليسا أحداثًا تاريخية فقط، بل يحملان دروسًا خالدة
للمؤمنين في كل عصر. يظهر الله من خلال هذه الأحداث صفاته الأبدية من عدل ورأفة
وقدرة على استخدام كل ظرف لتحقيق مقاصده السامية. المؤمن اليوم مدعو لفهم هذه
الطرق الإلهية من منظور روحي عميق، لتطبيقها في حياته الشخصية وعلاقته بالله،
يستخدم التأديب كوسيلة لإعادة المؤمن إلى المسار الصحيح. فالتأديب ليس انتقامًا بل
فرصة للتوبة والنمو الروحي. هذا يظهر بوضوح في قصة الشعب في البرية، حيث أُجبروا
على التيه لمدة 40 عامًا بسبب تمردهم وعدم إيمانهم بوعود الله " وَتَتَذَكَّرُ
كُلَّ الطَّرِيقِ الَّتِي فِيهَا سَارَ بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هذِهِ الأرْبَعِينَ
سَنَةً فِي الْقَفْرِ، لِكَيْ يُذِلَّكَ وَيُجَرِّبَكَ لِيَعْرِفَ مَا فِي
قَلْبِكَ: أَتَحْفَظُ وَصَايَاهُ أَمْ لا؟ فَأَذَلَّكَ وَأَجَاعَكَ وَأَطْعَمَكَ
الْمَنَّ الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ وَلا عَرَفَهُ آبَاؤُكَ، لِكَيْ
يُعَلِّمَكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإنْسَانُ، بَلْ
بِكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الرَّبِّ يَحْيَا الإنْسَانُ. (تث٨ : ٢-٣) الشعب كان خارج بثقافة غريبة من غرص مصر،
ثقافة العبودية والسلطة العليا والاتصال علي الرؤساء وأخذ الأوامر للتحرك في ذل
ومهانة، فمرورهم في البرية ٤٠ سنة اعطي لجيل بأكمله يندثر ويخرج جيل أخر بثقافة
البرية والاتصال علي الجمعية الإلهية، العبرة للمؤمن اليوم هي أن التأديب قد يأتي
في صورة تجارب وصعوبات، ( شرحت هذا في بداية الدراسة - الله لا يأتي بالتجربة لكنه
يستخدمها عندما تحدث - مصدر حدوث التجربة هو الانسان ذاته والناس المحيطة وإبليس )
لكن المؤمن عليه أن يدرك أن الهدف من ذلك هو تصحيح مساره. الله يرغب في أن يكون
قلب المؤمن خالصًا ومخلصًا، خاليًا من الشكوك أو التعلق بالأمور الأرضية.
اختيار الله لشعب
معين لا يعني أنهم الأفضل أو الأكثر استحقاقًا، بل هو برهان على نعمته المطلقة.
يقول الله عن اختياره لإسرائيل " لَيْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ
سَائِرِ الشُّعُوبِ، الْتَصَقَ الرَّبُّ بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ، لأنَّكُمْ أَقَلُّ
مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ. " فليس شعب اسرائيل افضل في ذواتهم، بل كان
اختيار الله لهم مبني علي " بَلْ مِنْ مَحَبَّةِ الرَّبِّ إِيَّاكُمْ،
وَحِفْظِهِ الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمَ لآبَائِكُمْ، أَخْرَجَكُمُ الرَّبُّ بِيَدٍ
شَدِيدَةٍ وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ
مِصْرَ. " إذا العلاقة هنا اساسها مبادئ الله تجاه البشرية لأعلام اسمه
من خلال شعب اختاره لمهمة إعطاء نموذج للأمم في شعب تعلم كيف يسير في وصايا الرب
وعهده " فَاعْلَمْ أَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ هُوَ الله، الإلهُ الأمِينُ،
الْحَافِظُ الْعَهْدَ وَالإحْسَانَ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ وَيَحْفَظُونَ
وَصَايَاهُ إِلَى أَلْفِ جِيل، (تث٧ :
٧-٩) واختيار الله كان ليُظهر للعالم محبته وقدرته على استخدام من يبدون
ضعفاء لتحقيق خططه العظيمة.
المؤمن اليوم
مدعو لفهم أن اختياره في المسيح ليس بسبب أي استحقاق شخصي بل بسبب نعمة الله. هذه
النعمة تدفع المؤمن للعيش حياة مقدسة ومكرسة لله، حاملًا الشهادة للآخرين عن محبة
الله وفدائه، اختياره في المسيح هو عمل نعمة إلهية خالصة، وليس نتيجة لاستحقاق
شخصي أو أعمال صالحة قام بها " لأنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ،
بِالإيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ الله. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال
كَيْلا يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. لأنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ
يَسُوعَ لأعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ الله فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ
فِيهَا. (أف٢ : ٨-١٠) هذه النعمة الإلهية هي التي تمنح المؤمن الدعوة ليعيش
حياة مقدسة، مكرسة لله في كل جانب، فحياة المؤمن لا تقتصر على الابتعاد عن الخطية،
بل تشمل أن يكون نورًا وشاهدًا للعالم عن محبة الله وفدائه. عندما يدرك المؤمن أن
اختياره هو برهان على محبة الله، يُستثار في داخله دافع قوي لتكريس حياته بالكامل
لخدمة الله، ليكون سفيرًا يعكس النعمة التي نالها. هذا التكريس يظهر في السلوك،
الكلمات، والتعامل مع الآخرين، داعيًا الجميع لتذوق جمال النعمة الإلهية ومعرفة
خلاص المسيح.
الله يتعامل مع
الأفراد بنفس الطريقة التي يتعامل بها مع الشعوب، إذ يسعى لتقويم المؤمن عندما
يخطئ. مثال واضح على ذلك هو قصة الملك منسى الذي قاده خطاياه إلى السبي، لكنه عاد
إلى الله في التوبة " وَلَمَّا تَضَايَقَ طَلَبَ وَجْهَ الرَّبِّ إِلهِهِ،
وَتَوَاضَعَ جِدًّا أَمَامَ إِلهِ آبَائِهِ، وَصَلَّى إِلَيْهِ فَاسْتَجَابَ لَهُ
وَسَمِعَ تَضَرُّعَهُ، وَرَدَّهُ إِلَى أُورُشَلِيمَ إِلَى مَمْلَكَتِهِ. فَعَلِمَ
مَنَسَّى أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الله. (٢أخ٣٣ :
١٢-١٣) العبرة هنا هي أن الله يستخدم التأديب كوسيلة لاستعادة العلاقة مع
المؤمن، كذلك في التأديب الجماعي، الله أدّب شعب إسرائيل كشعب جماعي عندما انحرفوا
عن عبادة الله إلى عبادة الأوثان. على سبيل المثال، عندما عبدوا العجل الذهبي،
تدخل موسى لله نيابة عنهم، لكن كان عليهم تحمل نتائج خطيتهم (خروج ٣٢).العبرة
للمؤمنين اليوم هي أن الجماعة المسيحية مسؤولة أمام الله عن الطاعة الجماعية، وأن
الخطيئة الجماعية لها عواقب تؤثر على الجميع.
الله استخدم الأمم مثل بابل وآشور لتأديب شعبه
عندما ابتعدوا عن وصاياه. هذا يظهر أن الله يستطيع استخدام أعداء الإيمان كأداة
لتأديب المؤمنين. لكن الهدف النهائي دائمًا هو إصلاح شعبه وإعلان قداسته، يجب أن
يدرك المؤمنون اليوم أن الله قد يستخدم المواقف الصعبة ( التي تحدث ) أو حتى
اضطهاد الأشرار كوسيلة لتقويتهم وتوجيههم نحو الرجوع إليه، فهدف الله من التأديب
واختيار الشعب هو إعلان مجده أمام جميع الأمم. في قصة خروج إسرائيل من مصر، تأديب
فرعون كان وسيلة لإظهار قوة الله للعالم بأسره " وَلكِنْ لأجْلِ هذَا
أَقَمْتُكَ، لِكَيْ أُرِيَكَ قُوَّتِي، وَلِكَيْ يُخْبَرَ بِاسْمِي فِي كُلِّ
الأرْضِ. (خر ٩ : ١٦) فالمؤمن اليوم هو وسيلة الله لإظهار مجده في العالم. من
خلال خضوعه لتأديب الله وعيشه في طاعته، وعليه أن يعكس حياة الإيمان التي تُظهر
نعمة الله وقوته للآخرين، طرق التأديب الإلهي واختيار الشعب تقدم للمؤمنين اليوم
دروسًا في العدل الإلهي والنعمة التي لا تُقاس. التأديب ليس علامة غضب بل دعوة
للتوبة والنمو الروحي، واختيار الله للمؤمن هو تذكير دائم بالنعمة التي لا تُستحق،
على المؤمنين أن يدركوا أن التأديب هو جزء من علاقة الله بهم، وأنه يحمل دائمًا
غاية إصلاحية تقود إلى حياة أعمق في الإيمان. كما يجب أن يعيشوا حياتهم كشهود لمجد
الله، معبرين عن سلطانه وعدله في العالم.
- تأثير التأديب على حياة المؤمنين اليوم:
التأديب الإلهي عبر التاريخ هو أداة إلهية
لتشكيل الإنسان وفق إرادته وتحقيق خطته في حياة شعبه، ففيه يكشف الله عن محبته
وعدله، ويضع الإنسان على طريق البر، التأديب وسيلة لإرجاع الإنسان إلى نفسه
ولتعزيز علاقته مع الله، فالتأديب أداة تربوية لا عقابية فقط، وتساهم في تشكيل
إيماننا وسلوكنا، من المهم أن يدرك المؤمن أن التأديب الإلهي ليس انتقامًا بل
تعبير عن محبة الله. في العهد القديم، عندما أخطأ بنو إسرائيل بعبادة العجل
الذهبي، استخدم الله التأديب لتعليمهم ضرورة القداسة وعدم الانحراف عن الوصايا ( خر
٣٢ ) نجد الكلمة العبرية יַסַּר (Yassar)، التي تشير إلى التعليم والتأديب بهدف التقويم " فَاعْلَمْ
فِي قَلْبِكَ أَنَّهُ كَمَا يُؤَدِّبُ الإنْسَانُ ابْنَهُ قَدْ أَدَّبَكَ
الرَّبُّ إِلهُكَ. (تث ٨ : ٥) هذا التأديب كان يهدف إلى إعادة الشعب إلى
التركيز على عبادة الله وحده.
في حياة المؤمنين
اليوم، التأديب يظهر في المواقف التي تكشف عن أخطائهم وتدعوهم إلى التوبة. عندما
يشعر المؤمن بأن الله يؤدبه، ينبغي أن يفهم أن ذلك نابع من محبته ورغبته في أن
ينمو روحياً، كما يقول الكتاب: " إِنِّي كُلُّ مَنْ أُحِبُّهُ أُوَبِّخُهُ
وَأُؤَدِّبُهُ. فَكُنْ غَيُورًا وَتُبْ. (رؤ ٣ : ١٩) فالتأديب يهدف لإعادة
التوازن الروحي، أحيانًا، يستخدم الله التأديب لإعادة الإنسان إلى توازنه الروحي
المفقود، ما حدث مع بني إسرائيل خلال فترة القضاة، حيث كانوا يبتعدون عن الله
ويعيشون في الخطية، مما كان يؤدي إلى تأديبهم عن طريق لأعدائهم بغزوهم " فَحَمِيَ
غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فَدَفَعَهُمْ بِأَيْدِي نَاهِبِينَ
نَهَبُوهُمْ، وَبَاعَهُمْ بِيَدِ أَعْدَائِهِمْ حَوْلَهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرُوا
بَعْدُ عَلَى الْوُقُوفِ أَمَامَ أَعْدَائِهِمْ. حَيْثُمَا خَرَجُوا كَانَتْ يَدُ
الرَّبِّ عَلَيْهِمْ لِلشَّرِّ، كَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ وَكَمَا أَقْسَمَ
الرَّبُّ لَهُمْ. فَضَاقَ بِهِمُ الأمْرُ جِدًّا. (قض٢ : ١٤-١٥) لكن هذا التأديب لم يكن عقابًا دائمًا
بل كان فرصة لإعادة التوازن ولإعادتهم إلى الإيمان.
في العصر الحديث،
يواجه المؤمنون تحديات مشابهة عندما تتسبب الأنانية أو الطموحات الزائفة في
ابتعادهم عن طريق الله. الله يستخدم المواقف الصعبة التي تحدث في حياة الانسان،
مثل الفشل أو الخسائر، لتذكير المؤمن بالعودة إليه والاعتماد على نعمته. الكلمة
اليونانية ἐπανορθόω - Epanorthoo التي تعني "إعادة
التقويم"، تلخص هذا المفهوم، حيث يعيد الله بناء الإنسان من جديد، فالله
يدعو المؤمنين ليكونوا قديسين كما هو قدوس. لذلك، التأديب هو وسيلة لتطهير
المؤمنين وإظهار القداسة في حياتهم.
فهذه الكلمة
اليونانية (epanorthóō) تعني "إصلاح" أو "تقويم"
أو "إعادة الشيء إلى حالته الصحيحة." وتظهر في العهد الجديد
بمعنى إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، خاصة في التعليم والسلوك الروحي " كُلُّ
الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ الله، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ،
لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ
الله كَامِلا، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ. (٢تى٣ : ١٦-١٧) دور كلمة الله في "إصلاح"
وتقويم الحياة الروحية، فدور التعليم الإلهي ليس فقط كإجراء تأديبي، ولكن كعملية
إصلاحية تعيد الشخص إلى علاقة صحيحة مع الله.
عخان بن كرمي في قصته توضح هذا المبدأ. عندما
أخطأ عخان بأخذ ما هو محرم، أدى ذلك إلى هزيمة بني إسرائيل أمام أعدائهم (يش ٧ : ١
- ٢٦ ) هذا راجع الي نقاء الأجواء الروحية لنوال حياة النصرة، فبخطأ عخان أفسد
الأجواء وزرع أرواح شر وفساد ادي ذلك للهزيمة في عالم الروح قبل عالم المادة،
وبالتالي كان الحصاد هزيمة لا انتصار، فكان هذا بمثابة تأديب لتطهير الشعب وإعادة
التركيز على قداسته، لذلك في حياة المؤمن اليوم، يعمل التأديب كمرآة تعكس النواقص
الروحية وتدعو المؤمن إلى السعي نحو القداسة. عندما يختبر المؤمن التأديب، يكون أمامه
خيار إما تجاهل الرسالة الإلهية أو قبولها بتواضع والعمل على التغيير.
تأديب الله لداود بعد خطيته مع بثشبع أرسل الله
النبي ناثان ليوبخ داود، مما قاده إلى توبة صادقة ( ٢صم ١٢ : ١ - ١٤ ) الكلمة
العبرية תּוֹכֵחָה (Tokhecha), التي تعني "التوبيخ"، تظهر هنا لتشير
إلى أن التأديب ليس هدفه العقوبة فقط بل إعادة الإنسان إلى المسار الإلهي
" لأنَّ الْوَصِيَّةَ مِصْبَاحٌ،
وَالشَّرِيعَةَ نُورٌ، وَتَوْبِيخَاتِ الأدَبِ طَرِيقُ الْحَيَاةِ. (أم ٦ :
٢٣) في حياة المؤمنين اليوم، تأديب الله قد يأتي على هيئة مواقف صعبة تفتح أعينهم
على الطريق الذي يريدهم الله أن يسلكوه، من خلال هذه المواقف، يتعلم المؤمنون
الثقة بحكمة الله والعمل على تحقيق إرادته في حياتهم، التأديب يدعو المؤمنين إلى
التوبة والاتكال على الله. يقول النبي ملاخي: " فَيَجْلِسُ مُمَحِّصًا
وَمُنَقِّيًا لِلْفِضَّةِ. فَيُنَقِّي بَنِي لاوِي وَيُصَفِّيهِمْ كَالذَّهَبِ
وَالْفِضَّةِ، لِيَكُونُوا مُقَرَّبِينَ لِلرَّبِّ، تَقْدِمَةً بِالْبِرِّ.
(ملا ٣ : ٣) الله يؤدب شعبه لينقيهم مثل الذهب، في حياة المؤمن اليوم، التأديب
يظهر في المواقف التي تكشف الضعف الروحي وتدعو إلى التوبة الصادقة. قد تكون هذه
المواقف عبارة عن أزمات أو خيبات أمل تهدف إلى إعادة المؤمن إلى الاعتماد على الله
بدلا من ذاته " يَمِينُ الرَّبِّ
مُرْتَفِعَةٌ. يَمِينُ الرَّبِّ صَانِعَةٌ بِبَأْسٍ". لا أَمُوتُ بَلْ
أَحْيَا وَأُحَدِّثُ بِأَعْمَالِ الرَّبِّ. تَأْدِيبًا أَدَّبَنِي الرَّبُّ،
وَإِلَى الْمَوْتِ لَمْ يُسْلِمْنِي. (مز١١٨ : ١٦-١٨) التأديب هو وسيلة لتعليم المؤمن قيمة
الاعتماد على الله، وهو تذكير دائم بأن الله عادل ولن يتساهل مع الخطية، لذلك
فالمؤمن مدعو لرؤية التأديب كوسيلة لحمايته من الانحراف الروحي، ولتذكيره بأن الله
يكره الخطية ولكنه دائمًا مستعد لاستقباله بالتوبة.
ـ الالتزام بالرسالة الإلهية وبالإيمان والخضوع لرفع
دوائر التأديب من حياة المؤمن :
المؤمن اليوم مدعو لفهم الرسالة الإلهية التي
تدعوه إلى التمسك بالإيمان والخضوع لمشيئة الله كطريق لرفع دوائر التأديب من حياته،
التأديب الإلهي ليس عقابًا نهائيًا، بل وسيلة محبة تهدف إلى تهذيب المؤمن وتصحيح
مساره. الله في محبته يريد أن ينقل الإنسان من حالة العصيان إلى طاعة تامة تسودها
العلاقة الصحيحة معه، الرسالة التي تظهر في الكتاب المقدس تُبرز دائمًا أن
الالتزام بالإيمان والطاعة يعفي من التأديب المستمر ويقود إلى حياة ملؤها البركات
والراحة الروحية.د، فالرسالة الإلهية التي تتكرر في كلمة الله تؤكد أهمية طاعة
المؤمن في حماية نفسه من دوائر الظلمة التي تأتي بمشاكل وضيقات " بَلْ
إِنَّمَا أَوْصَيْتُهُمْ بِهذَا الأمْرِ قَائِلا: اسْمَعُوا صَوْتِي فَأَكُونَ
لَكُمْ إِلهًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي شَعْبًا، وَسِيرُوا فِي كُلِّ
الطَّرِيقِ الَّذِي أُوصِيكُمْ بِهِ لِيُحْسَنَ إِلَيْكُمْ. فَلَمْ يَسْمَعُوا
وَلَمْ يُمِيلُوا أُذْنَهُمْ، بَلْ سَارُوا فِي مَشُورَاتِ وَعِنَادِ قَلْبِهِمِ
الشِّرِّيرِ، وَأَعْطَوْا الْقَفَا لا الْوَجْهَ. فَتَقُولُ لَهُمْ: هذِهِ هِيَ
الأُمَّةُ الَّتِي لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِهَا وَلَمْ تَقْبَلْ
تَأْدِيبًا. بَادَ الْحَقُّ وَقُطِعَ عَنْ أَفْوَاهِهِمْ. (أر٧ : ٢٣-٢٤، ٢٨) ارتباط الطاعة ببركات الله،
والابتعاد عنها يؤدي إلى التأديب، حينما يلتزم المؤمن بالوصايا الإلهية، فإنه يدخل
في دائرة الحماية الإلهية، وهي دائرة تمنع عنه دوائر الظلمة وتحركات الشرير، حتى
وان تحركت قوى الظلمة فسينال هذا الانسان الحمايه والانقاذ ويخرج باختبارات تفوق
العقل، فالرسالة الإلهية ليست مجرد أوامر جامدة، بل إعلان عن محبة الله ودعوته إلى
حياة فيها شبع وسلام.
الكتاب المقدس
يقدم نماذج عديدة عن أشخاص وشعوب اختبروا التأديب الإلهي بسبب انحرافهم عن
الرسالة، لكنهم عندما عادوا للإيمان والطاعة، رفع الله عنهم التأديب. مثال على ذلك
ما حدث مع شعب نينوى عندما استجاب لدعوة يونان النبي. " فَلَمَّا رَأَى
الله أَعْمَالَهُمْ أَنَّهُمْ رَجَعُوا عَنْ طَرِيقِهِمِ الرَّدِيئَةِ، نَدِمَ
اللهُ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ يَصْنَعَهُ بِهِمْ، فَلَمْ
يَصْنَعْهُ. (يو ٣ : ١٠) فالخضوع لله لا يعني فقط قبول مشيئته، بل الاتكال
الكامل عليه في جميع جوانب الحياة " تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ
قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لا تَعْتَمِدْ. فِي كُلِّ طُرُقِكَ اعْرِفْهُ، وَهُوَ
يُقَوِّمُ سُبُلَكَ. (أم٣ : ٥-٦)
الخضوع لله يزيل الكبرياء، ويقود الإنسان إلى حياة طاعة تحقق أهداف الله في حياته،
هذا المفهوم يظهر جليًا في حياة الرب يسوع المسيح نفسه، حيث كان الخضوع التام
لإرادة الآب هو العلامة المميزة لرسالته " لأنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ،
لَيْسَ لأعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي. (يو ٦ : ٣٨)
المؤمن مدعو ليتبع هذا المثال في الخضوع، لأن هذا الخضوع يفتح أبواب البركات
والحرية الروحية، فالتأديب الإلهي ليس عقابًا بل وسيلة لتقويم حياة المؤمن " وَلكِنَّ
كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي الْحَاضِرِ لا يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ.
وَأَمَّا أَخِيرًا فَيُعْطِي الَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرّ
لِلسَّلامِ. (عب ١٢ : ١١) التأديب يعيد المؤمن إلى المسار الصحيح، ويعطيه فرصة
لنمو الروح، فالمؤمن مدعو لفهم أن التأديب الإلهي هو جزء من الدعوة الإلهية لحياة
القداسة، التمسك بالإيمان والخضوع لمشيئة الله يحول التأديب إلى وسيلة لتقوية
الإيمان وبناء العلاقة مع الله.
٤
في النهاية أضع
ملخصا مبسطا لما سبق
موضوع التأديب
بين المواضيع الهامه جدا التي عندما نبدا في الكتابه عنها يعوزنا الوقت لكي نغطيها
بكاملها ولكن على قدر المستطاع وضعت فيما سبق اساسيات ايمانيه وحق كتابي مرتبط
بالتاديب فللتاديب الالهي ابعاد اهمها هو انه وسيلة لإعلان محبة الله وعدله معًا.
التأديب ليس مجرد عقاب أو دائرة من الحروب والمآسي، بل هو دعوة للتوبة وتصحيح
المسار. كما أشرنا إلى الكلمة اليونانية ἐλέγχω (Elencho) التي تعني
"توبيخ" أو "إثبات الخطأ"، للدلالة على
دور التأديب في كشف الخطية ورد الإنسان إلى الطريق الصحيح، فالتاديب يظهر دوائر
الشعوب والامم من حيث السلوك ورده الفعل التي تكون في دائره حياه الشعوب من حيث
التاديب في التقديم اداه تقويم للامم الغارقه في الشر فقد يكون التقديم مباشره وقد
يكون التاديب من خلال ادوات بشريه من شعوب اخرى.
راينا ان الفرق
بين شعب الله والشعوب الاخرى يكون في دائرة الكفارة كغطاء يعين الإنسان على النجاة
من دائرة الموت التي هي أجرة الخطية. تناولنا المصطلح العبري כָּפַר (Kaphar) الذي يعني "التغطية"
أو "الكفارة". تأكيدًا على مبدأ أن الخطية بدون توبة تؤدي إلى
الدينونة، لذلك راينا اهميه الذبائح الحيوانية في العهد القديم كنموذج للكفارة
المؤقتة التي تُشير إلى الذبيحة الكاملة في المسيح يسوع. الكفارة تمنح الرحمة
وتفتح الباب للخلاص، بشرط التوبة والخضوع لإرادة الله، ومن الكفاره والذبيحه نرى
الفرق بين تأديب الأفراد المؤمنين كأبناء لله وتأديب الأمم والشعوب. تأديب الأفراد
يتم بدافع المحبة لتربيتهم وتهذيبهم ليعيشوا حياة القداسة، أما تأديب الأمم، فيتم
لتقويمها وإعلان عدل الله وسلطانه في الأرض، كما حدث مع نينوى التي تاب شعبها ورفع
الله عنهم التأديب بعد استجابتهم للإنذار، لذلك في اثناء دراستنا استخدمنا قصصًا
من الكتاب المقدس لفهم طرق التأديب، كداود في قضية أوريا الحثي، حيث أرسل الله
النبي ناثان لتوبيخه. التأديب كان مؤلمًا لكنه قاد داود إلى التوبة وكتابة المزمور
الخمسين الذي يعبر عن توبته، ويونان ونينوى تأديب نينوى كان دعوة للتوبة، وقد
استجابت المدينة ورفع الله الدينونة عنها، والشعب الإسرائيلي تأديب الله لهم في
البرية بسبب التذمر، إذ استخدمت التجاربالتي حدثت لتقويمهم وتدريبهم على الاتكال
الكامل عليه، فالتمسك بالإيمان والرسالة الإلهية، في الخضوع والطاعة يرفعان دوائر
التأديب من حياة المؤمن. الإنسان مدعو لفهم أن اختياره في المسيح هو بنعمة الله
وليس باستحقاق شخصي، وهذا يدفعه للعيش حياة مقدسة تشهد لمحبة الله وفدائه.
تأثير التأديب
الإلهي على المؤمنين يعمل علي تطهير القلب والضمير لأنه يعمل علي كشف الخطايا الخفية
ويدفع المؤمن للتوبة، ويعمل علي تصحيح المسار فالله يقوّم خطواتنا نحو مشيئته
الإلهية، كما إنه يعمل علي تنمية الإيمان والاعتماد على الله اعتمادا كاملا وبعلم
يعلم الاتكال على نعمة الله ومحبته، ويجعل المؤمن مثالًا حيًا لقدرة الله على
التغيير والإصلاح " وَلكِنَّ كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي الْحَاضِرِ لا يُرَى
أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ. وَأَمَّا أَخِيرًا فَيُعْطِي الَّذِينَ
يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرّ لِلسَّلامِ. (عب ١٢ : ١١) فالتأديب الإلهي ليس
فقط للمؤمنين ولكنها ايضا يمتد للأمم، فهو إعلان لعدله وسلطانه. الأمم التي تستجيب
بالتوبة ترفع عنها التأديب أو الدينونة كما حدث مع نينوى. أما الأمم المتمردة
فتدخل في دائرة القضاء الإلهي، وهو ما نراه في تعامل الله مع الشعوب الوثنية التي
قاومت مقاصده - الكلمة العبرية תּוֹכֵחָה (Tokhecha) تعني "الإنذار" أو "التوبيخ"،
وتشير إلى الدور التحذيري للتأديب في دعوة الشعوب للتوبة، فالتأديب وسيلة محبة من
الله تهدف إلى تصحيح المسار، ولا ننسي دور الكفارة في تغطية الخطايا ورفع التأديب
فمن يدخل في دوائرها ينال رحمة، لذلك فأهمية التمسك بالإيمان والخضوع الكامل لله يرفع
دوائر التأديب، لأن الله يستخدم التأديب ليعلن سلطانه وعدله، ويدعو الإنسان
للتوبة، ليكون في علاقة مقدسة معه، محققًا الهدف من خلقه، في الحياة لمجد الله
وخدمته بشهادة حيّة في العالم.

تعليقات
إرسال تعليق