مرارة النفس التي لأيوب

 

 


مرارة النفس

التي لأيوب

القس

عماد عبد المسيح عطية

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرارة النفس التي لأيوب

 

الدراسة في هذا الإسبوع خاصة جداً ومهمة جداً لإنهاء تعالج كل مر النفس ، وسنتجول في سفر أيوب لدراسة مرارة النفس مستغلين الأحداث التي مر بها أيوب ، لذلك من المهم جداً أن تتابع معنا هذا الدراسة وتقرأها بتمعن وبروح الصلاة .

الأحداث الكثيرة المحيطة بنا ولا تمس حياتنا لا تصيبنا بمرارة النفس ، لكنها تصيبنا بالإكتئاب المؤقت التي تكون مدته دقائق أو ساعات بسيطة عند قراة الخبر أو سماعه ، وعند خروجنا من دائرة الخبر وننشغل في أشياء أخري يزول تاثير الخبر ويزول الاكتئاب المرتبط به ، فالإبتعاد عن تفاصيل الأخبار التي لا تخصنا يساعد علي عدم الإصابة بالإكتئاب مدة أطول ، فكن دائماً عميق في تعاملاتك بسيط في تفاعلاتك ، العمق في التعامل يحتاج تقدير لما هو مهم فنتعامل معه بجدية ، أما بساطة التفاعلات تحتاج عدم التركيز علي المشاعر والأحاسيس عند سماع اي حدث ، وهنا نتفادى حياة الاكتئاب حتي ولو كانت ستكون لدقائق .

الأحداث التي تخصنا ونكون طرف فيها تصيبنا بالإكتئاب والقلق طول مدة الأحداث ، وعندما نكون ينتابنا شعور بالظلم ولا نري مخرج يصير الأمر لمستوي مرارة النفس ، فيكون حال لساننا كما قال أيوب "  أَنَا أَيْضًا لاَ أَمْنَعُ فَمِي. أَتَكَلَّمُ بِضِيقِ رُوحِي. أَشْكُو بِمَرَارَةِ نَفْسِي. أَبَحْرٌ أَنَا أَمْ تِنِّينٌ، حَتَّى جَعَلْتَ عَلَيَّ حَارِسًا؟ إِنْ قُلْتُ: فِرَاشِي يُعَزِّينِي، مَضْجَعِي يَنْزِعُ كُرْبَتِي، تُرِيعُنِي بِالأَحْلاَمِ، وَتُرْهِبُنِي بِرُؤًى، فَاخْتَارَتْ نَفْسِي الْخَنِقَ، الْمَوْتَ عَلَى عِظَامِي هذِهِ " ( أي ٧ : ١١ – ١٥ ) المعاناة التي عناها أيوب جعلت في داخله أسئلة ليست لها إجابة ، وهذه الأسئلة دفعت العقل الباطن ليجيب عليها في صورة أحلام وهواجس الليل ، فكانت أحلام مرعبة " تُرِيعُنِي بِالأَحْلاَمِ، وَتُرْهِبُنِي بِرُؤًى، " ولأنه لا يعلم مصدر الأحلام فقد نسبها لله ، فكانت تزيده حيرة وتعب نفسي " أَتَكَلَّمُ بِضِيقِ رُوحِي. أَشْكُو بِمَرَارَةِ نَفْسِي " فمرارة النفس توجد عندما لا يكون ردوداً لما يحير.

فمن يجيب هذه الأسئلة :

لماذا فقد كل شئ ؟

خسر أولاده مرة واحدة .. لماذا ؟

خسر عبيده وغلمانه .. لماذا ؟

فقد صحته .. لماذا ؟

خسر المواشي والجمال والأتن ... لماذا ؟

كل هذا في وقت واحد ، يزيد علي هذا الأحلام التي ترهقه ليلاً ، هذا غير كلمات أصدقائه التي كانت تزيده ألاماً  " قَدْ سَمِعْتُ كَثِيرًا مِثْلَ هذَا. مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ " ( أي ١٦ : ٢ ) جميع هذه الأسئلة تجعل داخل النفس مشاكل وأحاسيس وأصوات ، فلن ينسي أيوب صوت الغلام وهو يقول له " وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَعَ، فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَك " ( أي ١ : ١٩ ) هذا مع إحساس الألم والحزن والأسى الذي رافق هذا الصوت .

كل هذه الأحداث تقود المرء للاكتئاب وللمرارة ، ولا سيما عندما لا يجد من يواسيه أو يأخذ بيده ، فالإنسان بطبعه اجتماعي ويحتاج دائما لمن يكون بجواره ويسنده ، أما عندما لا يجد أحداً يزيد هذا من كآبته ، فقد وجد أيوب أصدقاء ولكنهم كانوا أصحاب أفكار تزيد الهم والغم فلم يتعزي بهم .

كي لا يصاب الإنسان بمرارة النفس يجب أن يتحكم في مستوي التفكير في وقت الأزمات ، فلا يسمح لعقله الواعي أن يسأل أسئلة محيرة ليست لها إجابة ، بل ليصمت ويهدأ وبعد مرور وقت من الأزمة يبدأ في التفكير والتحليل ليصل للحلول ، مع ملاحظة عدم التحميل علي النفس ، لأن التفكير المستمر دون أخذ هدنة يصيب الإنسان بالقلق والتوتر مع حدوث بعض المشاكل في الجهاز العصبي الذي بدورة يصيب بعض أجهزة الجسم بالتعب أو الأمراض ، من أجل ذلك رأيت أن أكتب لكم سبعة وصايا للخروج من الاكتئاب ولعدم الدخول فيه .

 

الوصايا السبعة للخروج من الاكتئاب :

أسباب يجب أن تأخذ حذرك منها كي لا تصاب بالاكتئاب :

لم يخلقنا الله لنعيش مُكتئبين ، لكنه خلقنا لنعيش في فرح دائم وسلام داخلي مستمر ، فالإكتئاب ومرارة النفس إمور دخيلة علي حياة الإنسان فيجب رفضه وعدم الإستسلام لهما ، الإكتئاب والقلق أول طريق مرارة النفس ، لذلك إن أردت الوقاية عليك الإبتعاد عن كل مسببات القلق والاكتئاب ، أو بمعني أخر لا تجعل قلقك يطول لأنه يدفعك للإكتئاب والإكتئاب عندما يطول يدفعك لمرارة النفس ، لا يوجد مرارة نفس بلا اكتئاب لذلك إن أردت علاج مرارة النفس عليك معالجة الإكتئاب .

ما يسبب الاكتئاب :

الوصية الأولي :

عدم المقدرة في الحصول علي بعض الأشياء الأساسية في الحياة يسبب الاكتئاب وعندما يكون المعطل أمامك من هو مُوّكل  لمساعدتك في تحقيق اهدافك فحينها تشعر بالمرارة والتعب النفسي ، فكثرة الطموح والأهداف الغير محققة تُدخل الإنسان في مستوي من الإكتئاب ، أيضاً المكاسب القليلة والمشاريع الفاشلة ، فمجرد التفكير فيها يقود للاكتئاب لأنها أصبحت ماضي قريب ، يجب أن يبتعد الإنسان عن التسليم للعقل في التفكير فيه.

إن كل المفشلات والأهداف الغير محققة يوماً ستصير ماضي بعيد ، وما لم تحصل عليه اليوم سيأتي اليوم الذي تحصل علي كل ما تريد ، من خلال وقت من الصبر والمثابرة مع الصلاة ليرتفع المؤمن فوق كل ارواح الإكتئاب .

كثيرون يتعلقون بالأشياء سواء كانت بين أيديهم أو يسعون للحصول عليها ، وعندما يفقدوها يدخلون في نوبات من التوتر والاكتئاب ولا سيما عندما تكون الخسارة كبيرة فيصاب الشخص بمرارة وتعب نفسي عميق ، لكن عندما لا يتعلق الإنسان بالأشياء والأشخاص تقل فرص الإصابة بأي من المشاكل النفسية الناتجة من الأحداث المحيطة بنا بسهولة .

إن عدم التعلق بالأشياء والأشخاص والتمسك بالرب وبكلمته يجعل داخل النفس  " حائط صد " أي قوة مضادة للتوتر والقلق والاكتئاب فلا يصل المؤمن لمرارة النفس فيستطيع الإنسان التمتع بالسلام الإلهي وإستقبال التعزية والتعويضات الإلهية ، فقد فَقَدَ أيوب كل شئ فقد كان قلبه متعلق بكل ما حوله ، خسر الكل لذلك اكتئب " فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ، (أي ١ : ٢٠) هذه التصرفات تعلن روح الحزن الذي اقتحم حياة أيوب ، وبحسب ارتباطه بما فقده يكون مستوي الحزن شديد والتعرض للإكتئاب مرتفع ، والذي حفظ أيوب هو إيمانه بالله والتمسك بمبادئ الإيمان .

بعد مرحلة فرم جسدي ونفسي ابتدأ أيوب يسمع صوت الرب المطمئن فقال أيوب لله "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ.......بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي. (أي٤٢: ٢، ٥) تم التعويض الإلهي علي أيوب بعد أن تعلم كيف يري الرب بطريقة مختلفة ، ويري العالم بالمنظور الإلهي ، أن التعلق بغير والأشخاص لا ياتي من ورائهم غير التعب ، لذلك إرتبط بكل ما ومن حولك ارتباط روحي لخدمة اشخاصهم وإستخدام الأشياء لمجد الله     

الارتباط بالأشياء والتعلق بهما يقودان الإنسان لمستوي من القلق والتوتر ، عندما تعلق يوسف بقميصه الملون كانت فرصة حدوث الإصابة بالاكتئاب قريبة جداً ، وعندما تعلق بإخوته وفقدهم وبيع عبد زادت نسبة الإصابة بالخوف والقلق والتوتر والاكتئاب " دخل الحديد إلي نفسه " لذلك تعلم أن لا يتعلق بقميص أهدي إليه في بيت فوتيفار ، واستطاع أن يتركه في يدها عندما أرادت أن تمسك به لفعل الخطية ، فأدعوك أيها القارئ العزيز أن لا ترتبط بالأشياء أو الأشخاص كي لا تصاب بمشاكل نفسية .

 

الوصية الثانية :

الأخطاء والخطايا الشخصية المكتشفة للغير ، التي تعتبر في لستة الفضائح ، سواء كانت بسيطة أو معقدة ، تقود للاكتئاب إن تبنيتها ولم تعمل لتصحيح الصورة أو الموقف ، كما يمكنك ترك كل ما هو فوق استطاعتك فالرب كفيل بتصحيحه .

عندما يسقط إنسان في خطية أو زلة ، ينتابه شعور بالذنب ، وهذا يقوده لموقفين ، إما التوبة ومسامحة النفس ، أو الشعور بالتدني وعدم الغفران لنفسه عن ما فعل ، فإن تمسك بالشعور بالذنب يكون مستعداً للإصابة بالاكتئاب ومرارة النفس ، يوجد فئة من البشر عندما تفعل شر أو تسقط في خطية معينة ولا يراها أحد ، تستهين بما فعلت ولا تفكر في الأمر ، ولكن عندما تكتشف أن أمرها فضح تبدأ في التوتر والاكتئاب ، من أجل ذلك يجب علي الإنسان أن يأتي للرب تائبا عن كل ذلة قبل أن تكتشف وبعد اكتشافها للغير ، فقد ندم إنسان عن الزني والقتل بعد أن يكتشف أن ما فعله أكتشف لغيره " يَا رَبُّ، لاَ تُوَبِّخْنِي بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ.تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي. (مز٦: ١، ٦) فيفعل كما فعل داود عندما إكتشف ناثان بالروح خطية داود ، فندم وقدم توبة ، فقال يوناثان له " فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: "أَنْتَ هُوَ الرَّجُلُ! هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: أَنَا مَسَحْتُكَ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ وَأَنْقَذْتُكَ مِنْ يَدِ شَاوُلَ،لِمَاذَا احْتَقَرْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ لِتَعْمَلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيْهِ؟ قَدْ قَتَلْتَ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ بِالسَّيْفِ، وَأَخَذْتَ امْرَأَتَهُ لَكَ امْرَأَةً، وَإِيَّاهُ قَتَلْتَ بِسَيْفِ بَنِي عَمُّونَ.فَقَالَ دَاوُدُ لِنَاثَانَ: "قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ". فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ. (2صم١٢: ٧، ٩، ١٣) لماذا نستمر في الشر بلا توبة إلا عندما تُفضح ، إنها تفتح علي حياتنا أبواب من الدمار  والتدخلات الشيطانية ، وتفتح أبواب نفسية علي حياتنا ، فدعونا نقدم للرب توبة حقيقية عن كل ماضينا ، فالتوبة باب مريح وشفاء روحي للنفس البشرية .       

لم يكن لأيوب خطية تذكر إلا الخوف من أن تفقد منه الممتلكات ، لذلك لم يكن الإكتئاب الذي اكتأبه نتيجة ذلة أو خطية ، فالإكتاب فقد كان لسبب الخسائر التي حدثت وكانت فوق مستوي احتماله ، ولولا معونة الرب له لكان تدمر عقله

 

الوصية الثالثة :

المعاملات السيئة التي من الغير تسبب اكتئاب ولا سيما عند عدم المقدرة علي الثأر  أو عدم المقدرة والحصول علي الحقوق ، ومع مرور الوقت وطول المدة مع تكرار التعدي من الغير والتفكير العميق والشديد في الأحداث تصيب المرء بالمرارة الداخلية ، فلا تسعي لتثأر كي لا تدمر نفسك فإلهك إله التعويضات.

أكثر الأشياء التي تجعل الإنسان في دوائر الاكتئاب هي المعاملات السيئة من الغير ولا سيما من الأقارب ، فالأب أو الزوج عندما لا يعطي حنان وحب ويتعامل بالقسوة يقود الأخريين للاكتئاب ، هذا لأن التركيبة النفسية للإنسان تعمل علي الحرية وعدم القيود ، فالقسوي قيد من القيود التي تكبل النفس البشرية ، فالشعوب الحرة لا تجد فيها مظاهرات وعنف جماعي يلاحظ ، أما الشعوب التي تنال من قادتها القسوة والصرامة بلا حساب أو قانون تصاب بالاكتئاب ومرارة النفس ، وعند الوصول لدرجة الغليان يحدث انفجار نفسي فيحدث فوضي ينال من خلالها كل مكتئب ومضغوط الحرية التي بلا رابط ، فيتدمر المجتمع ويحتاج لمن يتفهم حالته ويعالجه نفسياً ويسدد فاتورة الإصلاح .

يوجد فرق بين القسوة كمنهج مستمر وبين التأديب للتعلم والفهم ، فالقسوة عندما تكون كمنهج مستمر تدفع الإنسان للإحساس بالظلم ويكون عرضة للإحساس بالشعور بالمرارة ، أما التأديب يجب أن يرافقه تهذيب واحتضان وتعلم " تَأْدِيبًا أَدَّبَنِي الرَّبُّ، وَإِلَى الْمَوْتِ لَمْ يُسْلِمْنِي. (مز ١١٨ : ١٨) فالتأديب يجب أن يكون بحكمة وليس بتهور يصل للموت ويكون هدفه المعرفة والإستقامة " لِقُبُولِ تَأْدِيبِ الْمَعْرِفَةِ وَالْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالاسْتِقَامَةِ. (أم ١ : ٣) فرافدي التأديب يصيروا في طريق الغباء " مَنْ يُحِبُّ التَّأْدِيبَ يُحِبُّ الْمَعْرِفَةَ، وَمَنْ يُبْغِضُ التَّوْبِيخَ فَهُوَ بَلِيدٌ. (أم ١٢ : ١)

كان لدي أيوب إثناء التجربة إحساس بالقسوة والمعاملة السيئة من أهل بيته ومن أصحابه فقال لهمْ ، فهو يعلم جيداً أنه لم يفعل شراً يستحق ما حدث له " سَمِعْتُ كَثِيرًا مِثْلَ هذَا. مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ ( أي ١٦ : ٢ ) فلم يتفهمون طبيعة أيوب وطبيعة التجربة ، فقد حكموا علي أيوب بأن ما جري له مرتبط بشر وبخطية ، فقد كانوا سبب الأم نفسية شديدة لأيوب " إِنْ تَكَلَّمْتُ لَمْ تَمْتَنِعْ كَآبَتِي، وَإِنْ سَكَتُّ فَمَاذَا يَذْهَبُ عَنِّي؟ (أي ١٦ : ٦) وصل أيوب لمستوي من الإكتئاب بل أقول وصل لمستويات من مرارة النفس ، ففقدان كل نسله أمراً ليس بسيطاً ، ولكن لولا معية الرب لكان قد فقد عقله .

تعاملت زوجة أيوب مع أيوب بطريقة معينة للغاية بقولها له عندما " فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ شَقْفَةً لِيَحْتَكَّ بِهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ الرَّمَادِ.فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: "أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ؟ بَارِكِ اللهِ وَمُتْ!". (أي٢: ٨-٩) كلمة بَارِكِ - curse  تعني العن ، وفي العبري בּרך وتنطق bârak -  باراك وتعني يبارك نفسه للموت ، وكأننا تقول له خلاص راحت ليك انت في النفس الاخير ، فلم تقل له الف سلامة عليك ، ربنا يشفيك يا حبيبي ، إهانة لم تتكلم معه لتواسيه وتعزيه بل وكانها تتمني له الموت ، اليس هذا أمراً مؤلماً ، كل شيئ حول أيوب ينهار ، فالذي حفظ أيوب من الإنهيار هو إيمانه بالله إيمان حقيقي .

عندما يدخل الإنسان في مرحلة من الديون التي فوق مستوي الطاقة ولا يجد لنفسه مخرج ، تُصيبه بالضيق ومرارة النفس " وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ كُلُّ رَجُل مُتَضَايِق، وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَكُلُّ رَجُل مُرِّ النَّفْسِ، فَكَانَ عَلَيْهِمْ رَئِيسًا. وَكَانَ مَعَهُ نَحْوُ أَرْبَعِ مِئَةِ رَجُل. (1صم ٢٢ : ٢) فالمديون للغير ولا يقوي علي تسديد ديونه تجد المُداين يتعامل مع المديون بطريقة المطالبة الملحة والتهديدات بالمقاضاة ، فينتابه شعور بالضيق ومرارة النفس " وَلَمَّا خَرَجَ ذلِكَ الْعَبْدُ وَجَدَ وَاحِدًا مِنَ الْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ، كَانَ مَدْيُونًا لَهُ بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ بِعُنُقِهِ قَائِلاً: أَوْفِني مَا لِي عَلَيْكَ. (مت ١٨ : ٢٨) هذه صورة صاحب الدين الملح والعنيف ، ولأنه صاحب حق فيستطيع أن يفعل في المديون إموراً قانونية ولا يُلام ، لذلك اقدم نصيحة لكل مُقدم علي مشروع او عمل ، لا تكون مفرط في الإستدانه التي تكون فوق الطاقة ، والتي ليس لك ما تفكه لتسديد ديونك ، فعلي سبيل المثال تجد سياسة البنوك لا تقرض أحداً إلا من له ضمان عقاري او شيئاً تضمن بها حقها في حالة تعسر المديون  ، وتحمي المديون من السجن ، فلنسير في طريق حكيم وبلياقة فلا نصاب بأي من أنواع القلق والاكتئاب ومرارة النفس .

 

الوصية الرابعة :

لا تسعي وراء تفاصيل الإمور إلا إذا كنت طرف مهم لحل الأزمه ، لأن هذه التفاضل تُخزن كصور وأحاسيس داخل العقل الباطن وتخرج في وقت ما مسببة اكتئابا أو قد تساعد علي الاكتئاب ، يقف الإنسان دائماً بجوار الأحداث طالباً معرفة الجديد فيها ، مع إنها قد تتدرج في نطاق الثقافة لكنها تترك أثارها داخل النفس البشرية ، فقد تنتهي الأحداث تاركةً ورائها صور وأصوات و أحاسيس تستمر طول العمر ، ففي أحداث ٢٠١١ م لا ننسي إطلاقاً أحداث التحرير وجمعة الغضب و.... الخ ، هذه الأحداث تركت داخل كثيرين أثار نفسية سيئة جداً ، ولكي يتخلصوا منها أغلقوا التلفزيونات وتركوا الأحداث تمر دون متابعتها لأنها سببت لهم توتر وقلق والبعض عاني من الاكتئاب .

أما بخصوص الأحداث القريبة من النفس البشرية التي تخص الذات أو الأسرة أو العائلة فرجاء عدم الاهتمام بجميع تفاصل الأمور إلا للتي تساعد في قرارات مصيرية ، أما التي علي هوامش المواضيع فإتركها دون معرفة تفاصيلها ، يكون أفضل من البحث في تفاصيلها ، لأن التخلص من الصور والأحاسيس والأصوات المخزنة في العقل الباطن ليس بالسهل ، يحتاج الإنسان إلي تغيرها من الداخل واستدعائها للذهن الواعي وتغير معالمها ، ولشرح هذا دعني أضع أمامك هذا الحوار .

أتت لي شابة تبلغ من العمر خمسة عشر سنة ومعها الأم ، تشكي الأم من أن ابنتها تحب شاب يكبر عنها بخمسة سنوات ، ونصحتها الأم كثيراً ولكن دون جدوى ، فسألت الابنة هل تريدين التخلص من التواصل و التفكير في هذا الشاب ، قالت نعم لكني حاولت كثيراً ولم أستطيع ، قلت لها هل تستطيعين أن تستدعيه الأن في ذهنك ، قالت نعم هو الآن أمامي ، قلت لها رائع يمكنك الآن استدعاء أخر مقابلة بأحداثها وأصواتها وأحاسيسها ، قالت استدعيت ، قلت لها غيري في شكله ( في الوجه) ، وغيري في صوته سيتم تغير الإحساس نحوه تلقائياً  ، ففوجئت بعد دقيقة بضحكات هستيرية ، قلت لها ماذا ؟ قالت هاهاها لن أستطيع أن أقابله بعد الآن لأني كلما رأيته لن أتمالك نفسي وسأفتكر أخر موقف وسأضحك في وجهه .. لا لا  انه إحساس جديد ، لم أكن أتصور أنني أستطيع فعل هذا داخلي تجاهه ، فعلاً إن الإحساس الأول تبدد ، خرجت الأم وأبنتها وهم في أحاسيس مختلفة ، إن إمكانية تغيير الصور والمواقف داخل النفس البشرية من أهم الأمور التي تُعجِل بشفاء النفس من الاكتئاب والقلق .

مثل هذا القصة الحقيقية يوجد مثيلتها في كلمة الله ، فتبديل الصور يفعله الله كثيرا. في معاملاته مع شعبه ، ليس لأنه في تعب نفسي ويحتاج لتبديل الصور ، بل لأن هذا منهج إلهي يعلنه ليتحقق في شعبه ، يقول الرب " لأَنِّي عَرَفْتُ الأَفْكَارَ الَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَفْكَارَ سَلاَمٍ لاَ شَرّ، لأُعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً. (إر ٢٩ : ١١) دائماً الأفكار تسبق الأحداث ، فقبل أن أتمم ما افكر فيه يكون الفكر قد تصور صور كاملة ليعطي للجسد او للكيان اتجاه حركي او قرار لتنفيذ التصور الفكري ، فماذا يتصور الرب لشعبه واولاده ؟ إنها أَفْكَارَ سَلاَمٍ لاَ شَرّ، آخِرَةً وَرَجَاءً. وماذا ستكون النتيجة أن من يقتربون إليه سينالون ما فكر فيه الرب من أجلهم ، دائماً يرتبط بالصور والتصورات القلبية احاسيس ، فالسلام له إحساس وواقع صوتي داخلي يسمع داخل الكيان الداخلي ، لذلك كان الفكر الذي في قلب الله كامل في صورته وأحاسيسه وأصواته ، لذلك يستطيع أن يحققه ويمنحه للقريبين منه .

حتي الشرير يستطيع أن يتصور في المساء تصورات قلبية وفي الصباح يفعلونه " وَيْلٌ لِلْمُفْتَكِرِينَ بِالْبُطْلِ، وَالصَّانِعِينَ الشَّرَّ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ! فِي نُورِ الصَّبَاحِ يَفْعَلُونَهُ لأَنَّهُ فِي قُدْرَةِ يَدِهِمْ. (مي ٢ : ١) فالشرير يجلس في أمان داخل بيته وفجأة يبدأ في التفكير والتخطيط في الشر ، فعندما تكتمل الصورة داخله يتملكه إحساس محفذ للتنفيذ ، وينال صوتاً داخلياً للتحرك  ، كل هذا يكون داخل الفكر ، وعلي العكس في كل إمورنا نستطيع أن نتخلص من كل مشاكلنا التي تسبب الإكتئاب بتغير الصور الداخلية فيتم تحريرنا .

إن الرب قبل أن يخلقنا تصور داخل قلبه كيف نكون فخلقنا بحسب فكر قلبه " وَقَالَ اللهُ: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ". فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. (تك ١ : ٢٦ ، ٢٧) ولأن الله خلقنا علي صورته أعطانا نفس الإمكانية أن نتصور داخلنا فنحقق ما تصورناه وشعرنا به

** اليك بعض الشاهد الكتابية التي يمكنك دراستها لأنها تحمل نفس الفكر  (تك ٦ : ٥) ،(مز ٤٨ : ١٣) ، (إش ٤٥ : ٧) ، (إش ٤٥ : ١٨) ،(إش ٥٤ : ١٧) ،(إر ١ : ٥) ، (إر ٣٣ : ٢) ، (مرا ٤ : ٨)

إن تصورات قلب الله دائما بالخير لأولاده ، فهو يتصور في شعبه انهم " زَيْتُونَةً خَضْرَاءَ ذَاتَ ثَمَرٍ جَمِيلِ الصُّورَةِ دَعَا الرَّبُّ اسْمَكِ. ... (إر ١١ : ١٦) فالرب يبدل الصورة داخله فتكون عكس الواقع الذي يكون فيه الشعب ليحققه فيهم إن خضعوا ، ادعوك لتفعل انت هكذا في كل أمرٍ تريد تغييره .

 

مع ملاحظة أن ما تفكر فيه وتخاف منه والتعب يستطيع إبليس يحقيقه ، وهذا ما فعله إبليس مع أيوب " لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ. (أي ٣ : ٢٥) فكل تصورات قلبه التي تصورها وبكل احاسيسها نفذها له إبليس ، لذلك ليكن تصورات قلبك تخدمك فتتحقق لمجد الرب فيك ، وأرفض كل تصور قلبي شرير قد يدمرك إن تبناه إبليس ليحققه لك .

 

الوصية الخامسة :

الوحدة والانطواء يقودان للاكتئاب ، فلا تجلس كثيراً بعيداً عن العلاقات مهما كانت المشاكل والصدمات ، معظم من إبتعد عن الناس لهدف الإختلاء للهدوء والراحة واتخاذ القرارات ، البعض منهم افادته خلوته والبعض الأخر خرج مكتئباً ، ففي الخلوة التي مدتها قصيرة كانت ايجابيتها علي النفس اعمق ، وكلما كانت طوية تجعل النفس لا تطيق الواقع وتصتضم به ، والسبب طول مدة الوحدة والإنطواء ، فعندما يعود للتعامل مع الأخرين يشعر بالضوضاء والصخب المرتفع فيناتبه شعور بالتوتر وعدم الراحة ، فلكي تنجح الخلوة فلتجعلها ساعات كل يوم ، إما مساءاً أو صباحاً أو الإثنين معاً أو يوم كل شهر .

لكل مشكلة حل ولكل صدمة وقت للزوال ، فلا تختلي بنفسك هروباً من مشاكلك ، بل إختلي لتغير إتجاه ولإتخاذ قرارات مصيرية ، اما الإختلاء لهدف الراحة فليكن قصيراً للغاية ، إن المسيح كان يختلي يومياً ، يقضي النهار كله في علاقات وتواصل وخدمة الأخرين ، وعندما يحل المساء كان ينفرداً في موضع خلاء ليستريح ويصلي ثم يواصل حياته الطبيعية مع الأخرين في اليوم التالي ثم ينفرداً وهكذا " وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ للهِ. (لو ٦ : ١٢) إنها أعظم خلوة أن يختلي الإبن بالأب في علاقة حب متبادل ، هكذا يجب أن تكون خلوتنا ، لا للهروب من واقع الحياة بل للإختلاء بالأب السماوي للراحة والسكينة وهدوء النفس ، هذا ما نحتاج فعله كل يوم ، قد يفعل هذا صباحاً "  وَفِي الصُّبْحِ بَاكِرًا جِدًّا قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ، وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ، (مر ١ : ٣٥) وقد يفعله في نصف اليوم "  فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ انْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ فِي سَفِينَةٍ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ مُنْفَرِدًا. فَسَمِعَ الْجُمُوعُ وَتَبِعُوهُ مُشَاةً مِنَ الْمُدُنِ. (مت ١٤ : ١٣) وقديفعله مساءاً " وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ للهِ. (لو ٦ : ١٢) حتي المسيح كان يدعوا تلاميذه للراحة والإختلاء بعد معاناة يوم شاق " فَقَالَ لَهُمْ:"تَعَالَوْا أَنْتُمْ مُنْفَرِدِينَ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَاسْتَرِيحُوا قَلِيلاً". لأَنَّ الْقَادِمِينَ وَالذَّاهِبِينَ كَانُوا كَثِيرِينَ، وَلَمْ تَتَيَسَّرْ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلأَكْلِ. (مر ٦ : ٣١) فالخلوة الروحية للراحة والرفعة يجب ان تكون مدة قصيرة في اليوم ، قد تصل لساعة علي الأقل " ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّلاَمِيذِ فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا، فَقَالَ لِبُطْرُسَ: "أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟ (مت ٢٦ : ٤٠) فالخلوة يحتاجها الإنسان ليس للراحو النفسية فقط بل أيضاً للراحة البدنية والرفعة الروحية ، فلا تبخل علي نفسك في ان تختلي بها من حين لأخر في اليوم .

عندما تختلي بالنفس للتفكير أو للصلاة لا تسعي لتقييم مستوي التوصل المتبادل بينك وبين الأخرين لأن هذا يشعرك بالإكتئاب في كل الأحول ، فإن كت أنت مقصر فستكتئب ، وإن كانوا هم فستكتئب لكن قل" اننا سعينا معاً لنرضي بعضنا بعض علي قدر المستطاع والمرحلة القادمة سأكون أكثر عطاءً وأكثر تضحية " ولا تسعي لتقيم تواصل قد فشل أو انتهي وقته لأنه صار ماضي .

الذي أفاد أيوب أنه لم ينعزل عن أسرته في وسط محنته بل استمر مع اسرته وبين اصدقائه رغم أنهم تعبوه وتمنى صمتهم " لَيْتَكُمْ تَصْمُتُونَ صَمْتًا. يَكُونُ ذلِكَ لَكُمْ حِكْمَةً. (أي ١٣ : ٥) فالإنعزال والإنطواء كهروب من واقع أصعب من تعب المتعبين ، أما الإختلاء من أجل الصلاة وهدوء النفس فهذا جيد ولا يجب أن تكون مدة أيام بل ساعات وتعود لممارسة حياتك الطبيعية مهما كان واقع الحياة ، فمن أكثر المشاكل النفسية هي الشعور بالوحدة التي تدفع الإنسان نحو الانطواء ، فالذي يقود الإنسان لهذا الشعور هو فقدان بعض العلاقات بصدمات متكررة ومتشابهه ، فينتابه إحساس بالمرارة والخوف من ازدياد الخسائر في العلاقات ، فيقرر إنهاء علاقاته بمن حوله كرد فعل نفسي ، فيترك الجميع فيتركه الكل ، أما بخصوص تواصل قد فشل فلا تسعي لتقييم ما مضي واتركه يمضي ، وأسرع لتبديل الأحاسيس المتراكمة والصور التي تدفعك لتحليل الموقف لتجيب عن سبب الفشل ، واسعي لتقيم علاقات جديدة بشكل جديد وبمبادئ مختلفة ، واستمر فالحياة لن تتوقف حتي إن توقفت انت .

 

الوصية السادسة  :

كثرة السعي لتحليل كل التعاملات والأفكار والعلاقات يرهق الذهن ويزيد الصور الذهنية داخل العقل الباطن ويقود للاكتئاب ، فكن بسيطاً علي قدر المستطاع ، لأن كثرة التحليل يزيدك تعقيداً وهماْ ، وقد يطرد نومك ، ودائماً لا تصل إلي نتيجة صحيحة مقدارها كامل .

يجب أن يعلم القارئ العزيز أنه لا يقدر أن يجمع كل المعلومات التي تساعده ليحلل التحليل المثالي ليصل لنتائج كاملة ، لا أعني أن يكون الإنسان سلبي ، ولكني أعني أن يرتب أولوياته واهتماماته ، فيهتم بما يري أنه مهم ، ويتعمد بترك كل ما هو ليس بهام اليوم ، كثرة العلاقات والتعاملات اليومية تضع صور وأصوات كثيرة داخل العقل الباطن التي تزيد النفس البشرية تعقيداً ، فيجب أن يعطي الإنسان لنفسه وقت ليفرغ من داخله كل ما ليس بهام ، ولكي يفرغ عليه أن يحدد الهام فقط ، يكتبه علي ورق ويقرأه مرة أو اثنين ليثبت داخله ، ويهمش ولا يكتب ما ليس بهام، فما تعيد كتابته وقرأته مرة أو اثنتين يثبت ، وما تهمشه يقوم العقل الباطن بتهميشه ، فلا يقوم بعملية إزعاج أو إعادة تركيبه داخلياً ، افعل هذا في كل أمورك ، فعندما تشاهد فيلماً مزعجا تسجل أحداث داخلك ، من اجل ذلك ما عليك إلا أن تبتعد عن التحدث عنه كي لا يثبت داخلك ، فما أقوله عن الفيلم أقوله عن باقي إمور الحياة .

عقل الإنسان لا يتوقف عن التفكير ، لذلك تعلم أن تقول لعقلك توقف عن التفكير في هذا الأمر وهذا الموضوع ، كما يمكنك إيقاف كل من يتكلم في أمرٍ لا تريد سماعه ، وإن لم يستجيب يمكنك الإنسحاب من الجلسة بإسلوب حضاري معلناً رغبتك في عدم سماع مثل هذه المواضيع ومثل هذه المناقشات ، لأنها تخزن بعمق داخلياً وتسبب ضيق وكأبة قلب .

جاء للمسيح شخص يقول له " وَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ:"يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ".فَقَالَ لَهُ: "يَاإِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟" (لو١٢: ١٣-١٤) فقد كان المسيح له اتجاه قلب ورسالة وهدف في مجيئه الأول ، سار فيه ولم يسمح لاحد أن يجعله في حيدان أو خروج عن مسيرته ، حتي وإن كان إحتياج الأخر ملح وهام ، ولكن بحسب المعرفة بان الطمع في حق الغير ظلم يتبناه البعض وليس لهم حياة الخضوع ، لذلك وجد المسيح  ان التدخل في مثل هذا النوع من القضايا إرهاق للنفس وتعب للذهن ولن يجدي نفعاً ، لذلك : " وَقَالَ لَهُمُ:"انْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ". (لو ١٢ : ١٥) فالطمع يسجله الوحي ويحسبه من ضمن دائرة العبادة الوثنية "  .... الطَّمَعَ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ، (كو ٣ : ٥) والطماعين يصيرون أولاد لعنة " لَهُمْ عُيُونٌ مَمْلُوَّةٌ فِسْقًا، لاَ تَكُفُّ عَنِ الْخَطِيَّةِ، خَادِعُونَ النُّفُوسَ غَيْرَ الثَّابِتَةِ. لَهُمْ قَلْبٌ مُتَدَرِّبٌ فِي الطَّمَعِ. أَوْلاَدُ اللَّعْنَةِ. (2بط ٢ : ١٤) فاعتذارك عن حل بعض المشاكل يجعلك مستريح وتستغل مجهود في رؤيتك وخدمتك .

عن خبرة ... إبتعد عن حل مشاكل تكون حالة أصحابها في الطمع والكبرياء ، فإن تدخلت بين أشخاص ووجدت أن احدهم متكبر أو طماع ، فإنسحب معلناً سبب إنسحابك بإسلوب لا يسبب لك مشاكل ، لان مثل هؤلاء لن تجدهم خاضعين لوصية الرب وكلمته ، ولن يخضعون لك ، ومهما صنعت ستكون في نظرهم مقصر .

وقف أيوب أمام مشكلته التي ليس لها حل في نظرة وبسبب تفكيره المستمر وتحليله للأحداث التي افرمته وهو لا يعلم السبب ، هذا بالإضافة لكلمات اصدقائه وزجته الذين صوروا له أن ما حدث له سببه الخطية ، لذلك شعر بأن الله يخاصمه ويحتاج أيوب لمن يصالحه مع الله فيرفع عنه مرارة نفسه " لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ، فَنَأْتِي جَمِيعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ.لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا.لِيَرْفَعْ عَنِّي عَصَاهُ وَلاَ يَبْغَتْنِي رُعْبُهُ. (أي٩: ٣٢-٣٤) عندما تصل في تفكيرك وتحايلك لطريق مسدود وتشعر بأن الأمر أصعب من مستوي تفكيرك ، توقف وابدأ في الصلاة وترك الامر ، لأن الرب يهتم بك وسيرفعك ويجيب علي كل تساؤلاتك ، لذلك لا تفكر ولا تحلل كثيراً ليكون عقلك وذهنك مستريحان .

 

الوصية السابعة  :

الذي يصيب النفس بالإكتئاب ومرارة النفس هو الضمير ، فالإكثار من تأنيب الضمير علي كل شئ أو علي الأخطاء يقود الإنسان للإكتئاب ، لذلك لا تترك العنان لضميرك فيُتعِبك ، لكن عندما تخطيء أسرع للتوبة والاعتراف بالخطأ مع عدم إعطاء فرصة للضمير لأنه وهَّام ولا يقود للحق الكامل ، لان الضمير هو الوجدان الداخلي وهو قدرة الإنسان علي التمييز ما بين الخطا والصواب وما بين الحق والباطل بحسب ما تم تخزين داخله من معلومات وقيم ،  وبالتالي يدفع الإنسان للشعور بالندم ، فليس كل شعو بالندم بحسب الضمير البشري يكون صالح ، لان الضمير قد يخطئ وقد ينحرف ، لأنه يكتسب احاسيسه ودوافعه من المجتمع والأجواء المحيطة به سواء كانت أجواء صحية أو غير ذلك ، فالضمير ليس هو صوت الله للإنسان وليس صوت الحق ، فكلما تعلمت كثيرا كلما عمل الضمير بمقدار ما تعلمته ، لذلك يجب أن تتحكم فيه كي لا يتحكم فيك .

لا اطلب إلغاء الضمير بل أطلب تهزيب الضمير وتعليمه المبادئ الكتابية ، فعندما يُعرض علي المرء تصرف ما لا يوافق مبادئ الله ، تجده سريع الإستيقاظ والتمييز فيرفض بضمير مستريح ، أما عندما يكون الإنسان بعيد عن مبادئ الله ستجده يفعل الشر ويمدحه ضميره ، في هذا يقول الرسول بولس " لِذلِكَ أَنَا أَيْضًا أُدَرِّبُ نَفْسِي لِيَكُونَ لِي دَائِمًا ضَمِيرٌ بِلاَ عَثْرَةٍ مِنْ نَحْوِ اللهِ وَالنَّاسِ. (أع ٢٤ : ١٦) فالضمير يحتاج دائماً لتدريب وتهذيب ليكون ضميراً صالحاً يعيش لله ويخدم الناس " فَتَفَرَّسَ بُولُسُ فِي الْمَجْمَعِ وَقَالَ:"أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، إِنِّي بِكُلِّ ضَمِيرٍ صَالِحٍ قَدْ عِشْتُ للهِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ". (أع ٢٣ : ١) كلما اقترب المؤمن لحياة كلمة الله والصلاة كلما كان في حياة الإستقامة الروحية وبضمير يشهد للنفس ويساندها " أَقُولُ الصِّدْقَ فِي الْمَسِيحِ، لاَ أَكْذِبُ، وَضَمِيرِي شَاهِدٌ لِي بِالرُّوحِ الْقُدُسِ: (رو ٩ : ١)

يتكلم الرسول بولس مخاطباً كنيسة كورنثوس أن يراعوا ضمائر الأخرين البسطاء الذين لا يفهمون التعاليم الصحيحة أن يسلكوا امامهم بلياقة ويبتعدون عن ما يعثرهم ولا يفعلونه " وَهكَذَا إِذْ تُخْطِئُونَ إِلَى الإِخْوَةِ وَتَجْرَحُونَ ضَمِيرَهُمُ الضَّعِيفَ، تُخْطِئُونَ إِلَى الْمَسِيحِ. (1كو ٨ : ١٢) فمن يجرح ضمائر البسطاء في الإيمان فقد فعل هذا في المسيح ، ولتفادي الاكتئاب لا تعتمد علي الضمير في التمييز والتحكيم بل اعتمد علي العقل والفهم " فَالْعَقْلُ يَحْفَظُكَ، وَالْفَهْمُ يَنْصُرُكَ، (أم ٢ : ١١) فبدونهما سيعتمد الإنسان علي الضمير المستقي من الاجواء المحيطة والمجتمع الذي قد يكون غير سوي وبالتالي يدخل الإنسان في مشاكل نفسية بسبب الضمير .

 

إن الوصايا السبعة هدفها ان لا يصل الإسان الي مستويات من الإكتئاب كي لا يصل يوماً لمرارة النفس ، فإتبع هذه الكلمات ولتدرك أن نفسية الإنسان نفسية تراكمية ، فالنفس تعمل دائماً علي تخزين كل شيئ نعم كل شيئ ، وعلي المرء مسئولية تفريغ عقله الباطن والتخلص من معظم محتوياتها وفلترة كل شيئ داخلها ، فكيفية فعل هذا سهل ، فبالرجوع للوصية الرابعة تستطيع التخلص من كل مخزون نفسي سلبي متعب للنفس

 

أصلي أن تكون هذه الدراية سبب برك لكل قارئ ليبارك الرب حياتك صلي من اجلي .

 





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اختيار الله لشعبه استحقاق ام امتياز

شهود يهوه من هم - وبماذا يؤمنون؟ وكيف نرد عليهم؟

الذبائح في الكتاب المقدّس