أبواب وطرق الإدراك
ابواب وطرق الإدراك
بقلم القس عماد عبد المسيح
--------------------------------------------------
يحتاج الإنسان دائماً إلي إدراك كل شيئ سواء كان بسيطاً أو معقداً ، وعملية الإدراكات في حياة الإنسان لن تنتهي ولن تتوقف هنا في هذه الحياة وفي الأبدية أيضاً إن كان في السماء أو الجحيم ، لذلك يجب علينا ان ندرس معاً المستويات الروحية والأبعاد النفسية والذهنية للإدراكات ، توجد إمور في عالم الروح تحتاج لمعرفة أبعادها وأدراكاتها لنستطيع ان نتعامل معها أو نتحكم فيها ونغيرها أو نستمتع بها ، فإن تجاهلنا مستويات الإدراكات الروحية وابواب وطرق الوصول إليها فستكون الخسارة كبيرة ، لأن المدركات الروحية لها تأثير في عالم الجسد هنا وفي الأبدية أيضاً ، فبدون الإدراك الروحي خسارة لن نستطيع تعويضها عندما يمر وقتها وزمن إدراكنا لها ، لذلك لا تتجاهل الأحداث الحادثة حولك لأن كل أمرٍ يرسل رسائل يجب معرفتها وإدراكها لنكون في الطريق الصحيح ولا تحملنا تيارات المعرفة المختلفة التي لا نعرف أبعادها فتدمر ما تدمره وفي النهاية نعيش في أنقاد الأحداث التي لا نفهم منها شيئاً ، فنمتليئ بروح التذمر وعدم الرضا .
للإدراك ثلاثة أبعاد أساسية وهما :
- بُعد مباشر . Dimensions direct
- بُعد نفسي . psychological dimensions
- بُعد عقلي . Dimensions mental
البعد المباشر : Dimensions direct
هو إرتباط العقل بالشيئ أو الحدث مباشرة دون استخدام الخيالات أو التهيئات ، فيها الشخص يري الأحداث ويتفاعل معها بطريقة مباشرة وسريعة بحسب الترجمة العقلية والنفسية معاً ، فقد يصيب الهدف وقد يخطيئ لأن التعامل المباشر مع الأشياء دون إعطاء مساحة عقلية ونفسية سوية قد يقود الإنسان لإدراك خاطئ يدفعه لسلوك غير سوي وغير صائب يقود الإنسان في النهاية لتانيب الضمير والندم .
البُعد النفسي : psychological dimensions
هو استخدام المشاعر والأحاسيس للأحداث دون استخدام البُعد العقلي الذي يمنح الإنسان الفرصة لتقييم الإمور ، فالبُعد النفسي هو بُعد خالص من كل الإدراكات الفكرية والعقلية ، لذلك لا يجب أن نتكل عليه ولا علي الإنطباعات النفسية التي تنتج من الأحداث المباشرة التي تُرسل رسائل للنفس البشرية فينتج عنها تصرفات وسلوكيات غير مضمون نجاح الحياة بها .
البعد العقلي : Dimensions mental
هو قراءة الأحداث قراة جيدة مع إعطاء البُعد الحسي أجازة مؤقتة كالمشاعر والاحاسيس لحين الإنتهاء من قراءة الموقف أو الحدث قراءة جيدة واتخاذ القرارات فيها ، حينئذً أبدأ في إستعمال البُعد النفسي سواء بالفرح أو الحزن أو الغضب أو المدح والمكافئات ، البعد العقلي لا يجب تجاهله أو تأخير العمل به ، فيجب أن يكون هو الأول في التعاملات مع كل الأحداث والمواقف ، ليُنتج إنساناً سوياً قادراً علي قرأة الأحداث قرأة جيدة ويعلم كيف يتعامل معها ، فالبُعد العقلي يحمل داخله كل القوانين النفسية والروحية كالإيمان والتصديق والمعرفة والتعليم والمبادئ الروحية والمبادئ العامة أيضا ، فالعقل قادر علي ربط كل هذا واستخدامه استخدام جيد لينال الإنسان ما يريد ان يناله في حياته ويكون مرضي مستريح
مما سبق ندرك احبائي أن لا إستغناء عن الأبعاد الثلاثة التي نحلل من خلالها الاحداث والمواقف هذا مع معرفة القوانين الروحية التي تنظم هذه الأبعاد لنستطيع أن ناخذ قرارات صحيحة ، الكتاب المقدس مليئ بالأحداث والقوانين الإلهية لمستوي الإدراكات الصحيحة لذلك دعونا ندخل إلي عُمق البحث في كلمة الله لندرك ما يريد الرب ان نُدركه ونعرفه لنكون في كامل المشيئة الالهية .
باب مغلق للحياة :
حدث امراً لإمراة فاضلة مات ولدها فجأةً إثناء وجوده في حقل أبوه بضربة شمس أنهت علي حياته ، فحملوه العبيد وذهبوا به إلي أمه ، فحملته ووضعته في علية رجل الله أَلِيشَعُ ، هذه المراة لم تُحرك البُعد النفسي أولاً بل إستخدمت البُعد العقلي أولاً ، إستخدمت قانون الإيمان والثقة في الرب أنه قادر أن يعيد إبنها للحياة مرة أخري ، وذهبت لرجل الله فسألها غلامه بعدما ركض للقائها قائلاً : " .... أَسَلاَمٌ لَكِ؟ أَسَلاَمٌ لِزَوْجِكِ؟ أَسَلاَمٌ لِلْوَلَدِ؟" فَقَالَتْ: "سَلاَمٌ". (2مل ٤ : ٢٥ - ٢٦) نعم الواقع المباشر يقول " مصيبة " والواقع النفسي يقول " حزن " اما الواقع العقلي المرتبط بالإيمان يقول " حياة " لذلك كان رد الفعل النفسي للحدث قالت " سلام " وبالفعل إستجاب لها رجل الله وذهب للعلية وأغلق الباب ليتحد بالحدث المباشر " الموت " ويتمدد علي الصبي ثم يقوم بعد تكرار الامر عدة مرات فيعطس الصبي ويدفعه لأمه " وَدَخَلَ أَلِيشَعُ الْبَيْتَ وَإِذَا بِالصَّبِيِّ مَيْتٌ وَمُضْطَجعٌ عَلَى سَرِيرِهِ. فَدَخَلَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ عَلَى نَفْسَيْهِمَا كِلَيْهِمَا، وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ. ثُمَّ صَعِدَ وَاضْطَجَعَ فَوْقَ الصَّبِيِّ وَوَضَعَ فَمَهُ عَلَى فَمِهِ، وَعَيْنَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ، وَيَدَيْهِ عَلَى يَدَيْهِ، وَتَمَدَّدَ عَلَيْهِ فَسَخُنَ جَسَدُ الْوَلَدِ. ثُمَّ عَادَ وَتَمَشَّى فِي الْبَيْتِ تَارَةً إِلَى هُنَا وَتَارَةً إِلَى هُنَاكَ، وَصَعِدَ وَتَمَدَّدَ عَلَيْهِ فَعَطَسَ الصَّبِيُّ سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ فَتَحَ الصَّبِيُّ عَيْنَيْهِ. فَدَعَا جِيحْزِي وَقَالَ: "اُدْعُ هذِهِ الشُّونَمِيَّةَ" فَدَعَاهَا. وَلَمَّا دَخَلَتْ إِلَيْهِ قَالَ: "احْمِلِي ابْنَكِ". فَأَتَتْ وَسَقَطَتْ عَلَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَتْ إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ حَمَلَتِ ابْنَهَا وَخَرَجَتْ. ( ١مل ٤ : ٣٢ - ٣٧ ) لم يستخدم أَلِيشَعُ البُعد النفسي بل إتحد مع البُعد المباشر بالبُعد العقلي المرتبط بالإيمان والبُعدين صنعا أمراً جديدا هو " الحياة " فغلق الباب هو إنفصال عن كل تأثيرات نفسية تعيق أَلِيشَعُ النبي عن ما يجب فعله ، لذلك فعل أمراً رائعاً ومباركاً ، أحبائي لتكن عقولنا مليئة بالمبادئ الكتابية ليكون مستوي البعد العقلي في قمة الروحيات فيصنع مشيئة الرب .
مستوي الأبعاد الثلاثة :
الأبعاد الثلاثة " المباشر ـ النفسي ـ العقلي " يستخدمون الحواس الخمسة " التذوق ـ اللمس ـ الشم ـ الإبصار ـ السمع " ليعبروا عن وجودهم في حياة الإنسان ، ولأن كثيرين لا يعرفون كيف يتعاملون مع الأبعاد الثلاثة ، ستجد التركيز علي البُعدين الأول والثاني أكثر من التركيز علي البعد الثالث ، فالتركيز علي البُعد العقلي هو أهم من التركيز علي البُعدين الاخرين ، ولكي يكون الإنسان سوي وغير مضطرب عليه أن يستخدم الثلاثة أبعاد ويجعل مركزهم البُعد العقلي .
تحرك أدم في تقييمه للإمور بطريقة البُعد المباشر وجعل تركيزه علي البعد النفسي ، فقد صنع إبليس حدث مباشر وكان علي أدم الإختيار ، إما أن يُحكِم عقله ولا ينساق وراء حواء أو يُحكم عقله ولا يسير وراء أحاسيسه ، فقد تكلمت الحية عن كونهم سيكونان كالله عارفين الخير والشر ، فزرعت أحاسيس جديدة إنساق ورائها أدم فسقط.
سار أدم في طريق الأبعاد النفسية فلم يستطيع العدول والرجوع عن ما فعل ، هذا أيضاً سار فيه قايين فقد سار وراء إشتياق خطية التخلص من أخية بالقتل لذلك حذره الرب " إِنْ أَحْسَنْتَ أَفَلاَ رَفْعٌ؟ وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ فَعِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ، وَإِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا". ( تك ٤ : ٧ ) كلمة " اشْتِيَاقُهَا " في الإنجليزية " desire " وتعني " رغبة " وفي العبري " תּשׁוּקה " وتنطق " teshûqâh - تيشوكا " وتعني " رغبة - إشتياق " فالتمركز علي البُعد النفسي يقود الإنسان إلي طريق ليست بحسب قلب الرب وليست لصالح الإنسان .
خاطب الرب قايين مستخدماً البُعد العقلي ليُخرجه من تنفيذ مخطت شيطاني ضد أخيه ، فروح القتل يعمل مع الشهوات النفسانية ويجندها ليدفع الإنسان لفعل ما لا يريد فعله ، وبالفعل لم يستجب قايين لصوت العقل وسار في طريقه نحو الحقد والغيرة والقتل ، إستخدم الرب حاسة السمع لدي قايين فتكلم معه ليصل لعقله وحذره ولكنه لم يستجيب ، فقد استخدم قايين البُعد المباشر مع البُعد النفسي وسار نحو الغضب وحب الإنتقام ، ودخلت الخطبة قلبه وادركته وأدركها وتخلص من اخيه .
كثيراّ يتعامل الإنسان مع بعض الخطايا عن طريق معاملات الأخرين وتصرفاتهم ، فيترجمها بحسب قوة الموقف والحدث بالبُعد المباشر الذي يحرك البُعد النفسي فيمتليئ الإنسان عدم غفران ولا يستطيع أن يغفر , ,لكن إن إمتلأ بمبادئ كلمة الله وإستخدم البعد العقلي معطياً أجازة للبُعد النفسي فستكون المقدرة علي الغفران متاحة وسهلة المنال .
إستخدم إستفانوس البُعد العقلي الممتليئ مبادئ إلهية وإيماناّ ومحبة للنفوس وشفقة علي أبدية القتلة المعاندين للرحمة الإلهية ، وطلب من الرب الغفران لهم " ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ:"يَارَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ". وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ. (أع ٧ : ٦٠) فالمؤمن الممتلئ بالروح القدس قادر علي تبني كل المبادئ الروحية وتطبيقها دون تعب أو ضيق ، فقد فعل المسيح هذا لانه كان مُدرك أبعاد الغفران في حياة النفوس ، فبغفرانه يجعل سمائهم مفتوحة " فَقَالَ يَسُوعُ: "يَاأَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ". .... (لو ٢٣ : ٣٤) الغفران يفتح المجال للمعاملات الإلهية علي الإنسان ذاته وعلي الأخرين أيضاً ، فلا يستطيع أن يكون لإبليس مكاناً في حياة الجماعة والأفراد .
الغفران ليس محدوداً فالمؤمن يجب أن يملأ يومه ٤٩٠ غفراناً في اليوم للأخ الواحد ، بمعني أنني ممتليئ لكل واحد اتعامل معه ٤٩٠ غفراناً " حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ:"يَارَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟" قَالَ لَهُ يَسُوعُ:"لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ. (مت ١٨ : ٢١ - ٢٢) تخيل معي أنك تتعامل في اليوم الواحد مع ٢٠ فرد فأنت يجب أن تكون ممتليئ بـ ٩٨٠٠ غفراناً لكل من حولك في اليوم الواحد ، لذلك المؤمن لا يجب أن يتعامل مع الأخرين بالإسلوب التراكمي ، فبإنتهاء اليوم إنتهاء لتعدي الإخرين .
هذا ليس معناة أن يكون الإنسان متساهلاً في حقوقه ، ولكن يوجد فرق بين الغفران ومطالبة الحق والعدل والإنصاف ، فالغفران للأخر لا يعني أن نترك الحقوق ، بل من حق الإنسان أن يطالب بحقوقه وفي نفس الوقت لا يحمل ضغينة تجاه من ظلمه أو إعتدي عليه ، فالأب السماوي ممتليئ غفراناً ولكنه طالب بالحق والعدل والقصاص لذلك دفع المسيح الثمن بالنيابة عن الإنسان " وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. ( في ٢ : ٨ ) فالمطالبة بالحق حق والإمتلاء بالغفران امراً ضرورياً في حياة كل المؤمنين .
احداث محيطة تحتاج لحزم :
توجد مناطق واشخاص عندما يتعامل معهم الإنسان لا يستطيع أن يستخدم البُعد العقلي ولا السير وراء البعد النفسي ، لانها هي احداث مباشرة تحتاج لمواجه وحزم وشدة أو هروب وخروج من الدائرة المحيطة بهم .
حدث يوماً أن رجل وأسرته وعبيده وجماله إرتحلوا من مكانهم قاصدين بيت الرب ومروا بمنطقة جبعة وكان سكانها شواذ جنسياً كسدوم وعمورة وطلبوا من المُضيف أن يخرجهم ليعرفوهم " وَفِيمَا هُمْ يُطَيِّبُونَ قُلُوبَهُمْ، إِذَا بِرِجَالِ الْمَدِينَةِ، رِجَالِ بَنِي بَلِيَّعَالَ، أَحَاطُوا بِالْبَيْتِ قَارِعِينَ الْبَابَ، وَكَلَّمُوا الرَّجُلَ صَاحِبِ الْبَيْتِ الشَّيْخَ قَائِلِينَ: "أَخْرِجِ الرَّجُلَ الَّذِي دَخَلَ بَيْتَكَ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ الْرَّجُلُ صَاحِبُ الْبَيْتِ وَقَالَ لَهُمْ: "لاَ يَا إِخْوَتِي. لاَ تَفْعَلُوا شَرًّا. بَعْدَمَا دَخَلَ هذَا الرَّجُلُ بَيْتِي لاَ تَفْعَلُوا هذِهِ الْقَبَاحَةَ..... فَلَمْ يُرِدِ الرِّجَالُ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ. فَأَمْسَكَ الرَّجُلُ سُرِّيَّتَهُ وَأَخْرَجَهَا إِلَيْهِمْ خَارِجًا، فَعَرَفُوهَا وَتَعَلَّلُوا بِهَا اللَّيْلَ كُلَّهُ إِلَى الصَّبَاحِ. وَعِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَطْلَقُوهَا..... وَدَخَلَ بَيْتَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ وَأَمْسَكَ سُرِّيَّتَهُ وَقَطَّعَهَا مَعَ عِظَامِهَا إِلَى اثْنَتَيْ عَشَرَةَ قِطْعَةً، وَأَرْسَلَهَا إِلَى جَمِيعِ تُخُومِ إِسْرَائِيلَ....... فَقَامُوا وَصَعِدُوا إِلَى بَيْتِ إِيلَ وَسَأَلُوا اللهَ وَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ: "مَنْ يَصْعَدُ مِنَّا أَوَّلاً لِمُحَارَبَةِ بَنِي بَنْيَامِينَ؟" فَقَالَ الرَّبُّ: "يَهُوذَا أَوَّلاً". ( قض ١٩ : ٢٢ - ٢٩ ، قض ٢٠ : ١٨) هذه القصة مهمة جداً لأن الحدث مرتبط بالبُعد المباشر دون إستخدام البُعد العقلي ، فكان يجب إستخدام البُعد العقلي والخروج من هذه الدائرة مهما كان وبأي وسيلة ، لأن المكوث في منطقة مثل هذه هو تدمير لحياة ومستقبل هذه الأسرة .
ما حدث هنا يُماثل ما حدث في سدوم وعمورة حيث أنهم أرادوا كما أراد هؤلاء القوم ، والفرق أن الرجال كانوا ملائكة فضربوا أهلها بالعمي وخرجوا وأخرجوا لوط وأسرته ، فقد كان يجب من لوط الخروج من مدة كبيرة ، فلو كان فعل هذا لكان قد أنقذ نفسه وأسرته وجماله وغنمه ، ولكن لأنه مكث هناك طويلاً خسر زوجته وجماله وأغنامه وخسر أيضاً أداب بناته .
من القصتين يجب أن نعلم أن الإدراك الروحي للإمور يحتاج إستخدام الأبعاد الثلاثة إستخداماً صحيحاً ، فالحدث له بُعد مباشر وهو إدراك أن المكان به شر ويجب الخروج والإبتعاد ، وإعطاء البُعد النفسي أجازة مؤقتة لحين إستخدام إدراك الحدث من خلال البُعد العقلي الذي فيه نستخدم التفكير في المبادئ الكتابية وإتخاذ القرار الصائب الذي يدفع للأمام دون أي خسارة روحية ، حتي وإن كان القرار يدفع للخسارة المادية ، فقد إجعل الهدف الأساسي هو قراءة الحدث والخروج من دائرة الشر مهما كانت الخسائر .
توجد بعض العلاقات التي يجب أن نتخلي عنها ونتركها ، ويوجد بعض المناطق التي يجب أن نبتعد عنها ، فقد إختار إبراهيم أن يبتعد عن لوط ولم يندم يوما علي فعل ذلك ، لان القرار له ، بُعد عقلي سليم وهو الإحتفاظ بالأِخِوة والصداقة والإبتعاد عن مصدر المشاكل والنزاع فقررا الإنفصال ، إبتعد أخي الغالي عن كل مصدر يرسل لك رسائل ليست بحسب مشيئة الله ولا تندم.
توجد مناطق بها أرواح شر تسود وتمتلك المنطقة كسدوم وعمورة ومنطقة جبعة كان بهما ارواح نجاسة وشر ، فيجب أن نبتعد ونهرب من هذه المناطق ، كما أنه يوجد أشخاص بهم قيود ويدفعون الأخرين للسلوك في نفس الطريق كأمنون الذي كان به روح نجاسة وفعل الشر في اخته ، وكأبشالوم الذي كان به روح قتل لدرجة أنه أراد ان يقتل دأود أبوه وقتل أمنون أخيه ، وكقايين الذي إمتلأ روح غيرة وقتل ، وقام علي أخيه وقتله ، فعندما تكتشف أشخاص كهؤلاء في دائرة حياتك فلا تتردد يوماً في الإبتعاد والإعتزال عن مثل هؤلاء ، فمن يمتليئ بروح كذب وارواح إنشقاقات وبدع وغيرها ، فلتدرك هذا وتبتعد بكامل إرادتك لأن هذا خيرٌ لك ولأسرتك ولحياتك.
في علاقاتنا بعضنا مع بعض ليس كل الأشخاص لهم في حياتنا تأثير إيجابي ، فمن هو اليوم مؤثر إيجابي هو غداً قد يكون مؤثر سلبي ، ليس كونه صار مفسداً أو غير أميناً ولكن لأنه لم يقفز قفزات روحية مرتفعة فمع مرور الوقت اصبح بلا تأثير ، ومن هو بلا تأثير اليوم قد يُستغل من إبليس يوماً ، لذلك فقرار الإبتعاد والإنعزال مهم جداً ، أما إن وُجد شخص غير أميناً فالإبتعاد واحب روحي " خَلِّصْ يَا رَبُّ، لأَنَّهُ قَدِ انْقَرَضَ التَّقِيُّ، لأَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ الأُمَنَاءُ مِنْ بَنِي الْبَشَرِ. (مز ١٢ : ١) أما عن كيفية إكتشاف من هو بلا تأثير فهذا أمر سهل ومتاح جداً لأن كل من لا يضيف علي حياتي الجديد ، فبعد مرور الوقت سيصير ذكري جملة لزمن جميل ، وبدون جهد ستتركهم أو يتركوك فلا تحزن ولا تتعجب في ذلك لأن هذا طبيعي في الحياة " أَلَيْسَتْ كُلُّ الأَرْضِ أَمَامَكَ؟ اعْتَزِلْ عَنِّي. إِنْ ذَهَبْتَ شِمَالاً فَأَنَا يَمِينًا، وَإِنْ يَمِينًا فَأَنَا شِمَالاً". (تك ١٣ : ٩) أما عن أنه إن تركت البعض سيُضعفون روحياً أقول لا تحمل فوق كاهلك ما لا يجب أن تحمله ، فعندما تتواجد في دائرة شخص ما ، إما أن تُضيف اليهم امراً جديداً أو يُضيفون هم علي حياتك ، وإن لم يحدث ذلك فإبتعد إن أردت كي يُفتح المجال لأخرين فتخدمهم أو يخدموك ، فالرب كفيل بمن لم يُحّمِلك بهم او يُحّملهم بك ، فلتكن في اسم المسيح نبع لكثيرين وكثيرين نبع لك " وَيَقُودُكَ الرَّبُّ عَلَى الدَّوَامِ، وَيُشْبعُ فِي الْجَدُوبِ نَفْسَكَ، وَيُنَشِّطُ عِظَامَكَ فَتَصِيرُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وَكَنَبْعِ مِيَاهٍ لاَ تَنْقَطِعُ مِيَاهُهُ. (إش ٥٨ : ١١)
الواقع المحمي بدم الحمل :
يحتاج الإنسان دائماً أن يكون في أتم الإستعداد لمتابعة الأحداث المباشرة التي تُصنع في عالم الروح لأن كل ما يصنع فيه له إرتباط في عالم المادة ، وأيضاً ما يُصنع في عالم المادة له صداه في عالم الروح ، وليُدرك الإنسان أن الأساس ليس عالم المادة بل عالم الروح ، فما يحدث من إمور زمنية حتماً ستخدم المقاصد الإلهية .
وقف الشعب داخل نظام قمعي فيها أستُعبد في أرض مصر فكانت له أرض عبودية ومذلة ، فصرخوا للرب وصعد صراخهم اليه " وَحَدَثَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ الْكَثِيرَةِ أَنَّ مَلِكَ مِصْرَ مَاتَ. وَتَنَهَّدَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ وَصَرَخُوا، فَصَعِدَ صُرَاخُهُمْ إِلَى اللهِ مِنْ أَجْلِ الْعُبُودِيَّةِ. (خر ٢ : ٢٣) الحدث المباشر لشعب الرب هو الذل والعبودية ، وهذا دفعهم لإستخدام البُعد النفسي " صرخوا " ولانهم عاجزون عن استخدام البُعد العقلي ، إستَّخدم الرب موسي الذي هو خارج نطاق العبودية ليتعامل معه من خلال البُعد العقلي لتحرير شعب الرب .
كل من هم في العبودية لن يستخدموا الأبعاد الثلاثة بمستوي كامل وبحرفية بل سيكون حدودهم البُعد المباشر والبعد النفسي فيملئون الأرض ضوضاءً وصراخاً ، هذا تجده في كل شعب تحت قمع سلطة استبدادية أو إبن تحت سلطة أبوية صارمة غير متفاهمة او موظف تحت سلطة مدير ديكتاتوري ، فلن تكون جميع الأبعاد للإدراك متاحة المنال ، لأن من فيه روح العبيد لا يّخدم مشيئة الله " وَإِنَّمَا أَقُولُ: مَا دَامَ الْوَارِثُ قَاصِرًا لاَ يَفْرِقُ شَيْئًا عَنِ الْعَبْدِ، مَعَ كَوْنِهِ صَاحِبَ الْجَمِيعِ. (غل ٤ : ١) فمن يعيش بروح العبودية لن يستطيع ان يكون له حرية البُعد العقلي حتي وإن أدرك هذا فهو ليس صاحب قرار كونه يعيش برح العبيد " وَالْعَبْدُ لاَ يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى الأَبَدِ، أَمَّا الابْنُ فَيَبْقَى إِلَى الأَبَدِ. (يو ٨ : ٣٥) بقاء الإبن داخل البيت لأنه الوارث وصاحب القرار .
استخدم الرب موسي لأنه عاش حراً بعيداً عن روح العبودية " فَتَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ، وَكَانَ مُقْتَدِرًا فِي الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ. (أع ٧ : ٢٢) لم يكن فيه روح العبيد لذلك أختير ليكون مخلص الشعب من روح العبودية ، فقد كان دائم إستخدام البُعد العقلي ، فعندما قتل المصري كان ينظر للحدث المباشر وتوقع أنه بهذا سيحرر الشعب من العبودية ولكن الحساب كان خاطئاً ، لذلك قرر الهروب ، وهذا الهروب أيضاً كان مرتبط بالبُعد العقلي ، لذلك لم يندم ورضي أن يعيش ٤٠ سنة في البرية ورعاية الغنم في الحر والبرد دون ندم ، وعندما كلمه الرب ليُخرج الشعب قّبل ذلك وتحرك أيضاً بحسب البُعد العقلي المرتبط بالإيمان والتصديق للمواعيد الإلهية .
استخدم الرب موسي وهارون لحرية الشعب باستخدام الضربات العشرة إلي أن وصلا للضربة العاشرة وفيها إتحدت الاحداث في عالم الروح مع الأحداث في عالم المادة وأنتجا حرية روحية ونتيجة قوية للخروج من العبودية ، المشيئة الإلهية تُحتم ان يُدفع ثمن لفداء الأبكار بدم الذبيحة ، هذا حدث جعل كل مؤمن يتحرك بمستوي البُعد العقلي دون أن يقدم أي إعتراض ، فبدون الذبيحة والدم لا حرية للخروج من دائرة العبودي القاسية " فَإِنَّ الرَّبَّ يَجْتَازُ لِيَضْرِبَ الْمِصْرِيِّينَ. فَحِينَ يَرَى الدَّمَ عَلَى الْعَتَبَةِ الْعُلْيَا وَالْقَائِمَتَيْنِ يَعْبُرُ الرَّبُّ عَنِ الْبَابِ وَلاَ يَدَعُ الْمُهْلِكَ يَدْخُلُ بُيُوتَكُمْ لِيَضْرِبَ. (خر ١٢ : ٢٣) ففي هذا حدث مباشر يحتاج لمعرفة ابعاده الروحية المباشرة والتعامل معها ليس بحسب البُعد النفسي الذي يقود للتعاطف مع الجار المصري الغير مدرك بأمور الله في ذلك اليوم ، بل يحتاج للتعامل بحسب البُعد العقلي في تصديق مواعيد الرب والإحتماء داخل أبواب مغطاة بالدم للخروج من دائرة الظلمة الي دائرة النور .
ابواب للتكريس مستوي ادراك :
التكريس يعني التخصيص وغلق كل الأبواب التي تمنع حدوث هذا ، فليس التكريس معناه أن يتفرغ الإنسان في الصحراء وينعزل عن العالم ، بل التكريس يعني أن يكون إهتمام ومشغولية الأنسان بالكامل لما وضعه هدف أمامه ، فقد جاء المسيح لعالمنا وكرس نفسه لخدمتنا ولم ينطوي أو ينعزل داخل نفسه أو خارج المجتمع ، بل عاش طبيعي جداً وجعل نفسه مُخصص لهدف سار فيه ومن أجله ، هذا الأمر يتطلب إدراك كامل للاهداف المطلوب تحقيقها ، فقد كان لموسي أشواق لتحرير شعب الرب ولكنه لم يستطيع أن يكرس نفسه لهذه الأشواق ، لأنها لم تصير هدفاً بعد .
إحتاج موسي وقتاً طويلاً لتتحول الأشواق لهدف مُدرك ، فعاش أميراً في أرض مصر لمدة أربعون سنة ، وما زال يمتلك اشوق جياشة لتحرير شعبه من العبودبة ، فالأشواق وحدها لا تُحرك الإنسان تحركات صحيحة لأنه عند أول مواجهه سيهرب بعيداً ، وهذا ما حدث بالفعل ، هرب بعيداً لينجوا بحياته من براثن الموت علي يد ملك لا يعرف إلا نفسه وكرسي مملكته ، قضي موسي بعيداً عن العز كأمير وبعيداً عن الإحساس الواقعي لذل وعبودية شعب الرب ، أربعون سنة اخري قد يكون قد نسي أمر شعب الرب لأنه بعيد ولا يستطيع الرجوع لأنه بلا جيش وبلا كيان وغير مسنود من أحد ليحرر شعب في قبضة أكبر ملك لأعظم مملكة وهي مصر .
دائماً يحتاج المؤمن إلي مستوي من التفكير الهادف ليخصص نفسه لعمل ولهدف يحقق فيه ما يريد ، يستطيع المؤمن أن يفعل هذا ويكرس نفسه لعمل الأهداف المرجوة بعد مخاطبة العقل والدخول في مستوي من الإيمان والمواعيد الإلهية ، لذلك خاطب الرب موسي وتواصل مع عقله ليدرك مقدار وقوة الإرسالية التي يجب ان يخصص نفسه لها الفترة المقبلة من حياته " وَالآنَ هُوَذَا صُرَاخُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَتَى إِلَيَّ، وَرَأَيْتُ أَيْضًا الضِّيقَةَ الَّتِي يُضَايِقُهُمْ بِهَا الْمِصْرِيُّونَ، فَالآنَ هَلُمَّ فَأُرْسِلُكَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَتُخْرِجُ شَعْبِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ". فَقَالَ مُوسَى ِللهِ: "مَنْ أَنَا حَتَّى أَذْهَبَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَحَتَّى أُخْرِجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ؟"فَقَالَ: "إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ، وَهذِهِ تَكُونُ لَكَ الْعَلاَمَةُ أَنِّي أَرْسَلْتُكَ: حِينَمَا تُخْرِجُ الشَّعْبَ مِنْ مِصْرَ، تَعْبُدُونَ اللهَ عَلَى هذَا الْجَبَلِ". ( خر ٣ : ٩ - ١٢ ) وبالفعل إستطاع موسي بعد أن علم وأدرك بحسب البُعد العقلي أنه مسنود ليس من بشر ولا من ملائكة بل مسنود من ملك الملوك ورب الأرباب ، لذلك لم يتواني أو يتأخر ، بل قام وذهب وسار مسيرة ليست بسيطة من أجل تحرير شعب الرب .
استطاعت المرأة التي كانت مديونة أن تفُك دينها من خلال إيمانها بأن رجل الله قادر أن يرشدها لفعل أمر خارج نطاق الطبيعة ويفُك ديونها ، فعندما طلب منها أن تستعير أوعية وتصب فيها الزيت القليل الذي بحوزتها ، ففعلت لكنها فعلت أمرا أهم وخطير ، أنها أغلقت علي نفسها الباب " فَذَهَبَتْ مِنْ عِنْدِهِ وَأَغْلَقَتِ الْبَابَ عَلَى نَفْسِهَا وَعَلَى بَنِيهَا. فَكَانُوا هُمْ يُقَدِّمُونَ لَهَا الأَوْعِيَةَ وَهِيَ تَصُبُّ. (2مل ٤ : ٥) فغلق الباب معناه أنها خصصت نفسها لعمل الله في الإكثار والإثمار وتسديد العوز ، التكريس هنا يعني أن نغلق من حولنا كل مصادر الإنزعاج والضوضاء الخارحية التي تعوق عمل الله فينا ، وبعد أن ننجز العمل الخاص نستطيع أن نخرج للعالم ونعطي لهم ما أنجزناه ونشترك في الحياة الطبيعية التي نستطيع فيها ان ندرك إدراكات مستواها التكربس والتخصيص دون أن ننطوي بعيدا عن العالم وعن المجتمع ، إدراكنا للإمور والأحداث والمطلوب فعله يعطينا المقدرة علي إتخاذ القرارات الصائبة دون أن يكون لدينا أي نوع من القلق أو الندم في مشوار خدمتنا وحياتنا ، أصلي أن يبارك الرب شعبه ويمنحهم إدراكات روحية لمجد الله ، وأن يكون لهم حياة مكرسة لخدمة العلي .
العبودية برغبة كاملة مستوي إدراك :
عندما يقف الإنسان في إختياراته بأن يكون إبناً حراً أو أن يكون عبداً ولا يُدرك هذا فصورة البنوية مشوهة في مجتمع لا يعرف قيمة الحرية ، الفرق بين الحرية والعبودية في المجتمع المحيط ليست في مفهومها الصحيح ، فيحتاج الإنسان أن يُدرك أبعاد هذه المصطلحات ليعرف أين يقف ، هل هو إبناً لله حُر أم أنه إبناً يسلك في دوائر عبودية لا يُدرك كيف يخرج منها ، فالإبن الحُر يعرف كيف يسلك في النور لأنه إن سلك في مناطق ظلمة فقد إعتراه روح العبودية " مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ آمِنُوا بِالنُّورِ لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ النُّورِ". ....... (يو ١٢ : ٣٦) فأبناء النور لا يعرفون مناطق الظلمة لذلك هم أحرار ، ولكن الرب يحذر أيضاً المؤمنين الذين سلموا انفسهم ليسيروا في مناطق ظلمة فقال لهم " وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا، فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ! (مت ٦ : ٢٣) فمن سلم نفسه وبإرادته لدوائر عبودية فهو إبناً في مستوي العبيد فلا يستخدمه الرب داخل مشيئته الإلهية ، فمن يحمل روح عبودية فهو يحتاج لإدراك روح الحرية التي مصدرها النور والمعرفة الكتابية والحياة فيها مهما كانت التكلفة أو الخسارة أو حتي المكسب .
نحن مدعوون لا لنكون عبيد لدوائر ظلمة بل عبيد لله وبإرادتنا ، فعبوديتنا لله هي الحرية بعينها ، فقد كان العبد في العهد القديم عندما ياتي وقت إطلاقه حراً ويرفض أن يترك سيده ، يصير عبداً طول العمر بإرادته فيثقب في أذنه كعلامة أنه صار عبداً مؤبداً " فَخُذِ الْمِخْرَزَ وَاجْعَلْهُ فِي أُذُنِهِ وَفِي الْبَابِ، فَيَكُونَ لَكَ عَبْدًا مُؤَبَّدًا. وَهكَذَا تَفْعَلُ لأَمَتِكَ أَيْضًا. (تث ١٥ : ١٧) ثُقب الأذن للعبد دليل علي الطاعة الكاملة بإرادة حرة منه لسيده ، هذا هو المستوي الذي يجب أن نكون فيه لله ، وهذا ما كان فيه الرسل تجاه المسيح فيقول الرسول بولس " بُولُسُ، عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْمَدْعُوُّ رَسُولاً، الْمُفْرَزُ لإِنْجِيلِ اللهِ، (رو ١ : ١) وايضاً تيموثاوس " بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَةٍ: (في ١ : ١) هكذا الخادم الامين تِيخِيكُسُ " جَمِيعُ أَحْوَالِي سَيُعَرِّفُكُمْ بِهَا تِيخِيكُسُ الأَخُ الْحَبِيبُ، وَالْخَادِمُ الأَمِينُ، وَالْعَبْدُ مَعَنَا فِي الرَّبِّ، (كو ٤ : ٧) هكذا الرسول يعقوب أيضاً يُعلن أنه عبد لله " بُولُسُ، عَبْدُ اللهِ، وَرَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، لأَجْلِ إِيمَانِ مُخْتَارِي اللهِ وَمَعْرِفَةِ الْحَقِّ، الَّذِي هُوَ حَسَبُ التَّقْوَى، (يع ١ : ١) فلا ترفض هذه العبودية التي لله ، فهذا حق إلهي من أبناءه الكاملين في دوائر النور والخق الكتابي .
جميع المؤمنين الأمناء في الرب وفي خدمته يعيسون بهذا الإيمان السامي انهم عبيد لله يخدمونه من كل قلوبهم لذلك يُطلق عليهم عبيد الرب " وَعَبْدُ الرَّبِّ لاَ يَجِبُ أَنْ يُخَاصِمَ، بَلْ يَكُونُ مُتَرَفِّقًا بِالْجَمِيعِ، صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ، صَبُورًا عَلَى الْمَشَقَّاتِ، (2تيمو ٢ : ٢٤) فعبوديتنا للرب ليست ضد بنويتنا له ، فنحن أبناء أحباء وعبيد لله بإرادتنا وهنا قمة الحرية ، فعندما تجد ترنيمة بها إعلان عبوديتنا لله فلا ترفضها لأنك كإبن لله فانت أيضاً عبداً له تعبده بإرادة كاملة .
البُعد العقلي للإمور يصير الإنسان في مستوي إدراك ولا سيما عندما يكون في إدراكات المبادئ الكتابية التي تمنح المؤمن مساحة من الحرية للتحرك داخل المشيئة الإلهية ، لذلك لا تبخل في معرفتك ودراساتك لكلمة الله فهي التي تجعلك ابناً مدركاً لحقوقه الروحية وعبداً لله في خدمته وعمله ، فليبارك الرب شعبه .

تعليقات
إرسال تعليق